الرئيسيةبحث

البرنو وهوية السودان

يقول أ.د أحمد إبراهيم دياب في تقديمه لكتاب الإعلام بالأعلام: (اللهم هبني أن أعرف، وأن أتعلم، وأن أعبّر، وأن أعمل، وأن أبدع، وأن أساعد في خلق جيل من المؤرخين السودانيين خاصة، وغيرهم عامة، لا يعرفون الخوف أو الكذب أو النفاق أو ممالاة السلطة والسلطان – جائرا كان أو عادلا ..... لنا أن نسأل: لماذا يكتب التاريخ؟ وماذا يراد من البحث في التاريخ؟ هل يكتب التاريخ كحقل للدراسة الأكاديمية وحسب؟ أم أن التاريخ ومع إلتزام المنهج والموضوعية يكتب لفائدة المجتمع! ... إن الكتابة التاريخية وثيقة الصلة بالتطورات الفكرية العامة، تتأثر بها وتؤثر فيها. والتاريخ لا يكتب كتمرين أكاديمي، بل يفترض فيه أن يكون متصلا ببناء مجتمعه شأنه شأن أي حقل للمعرفة. إذا فمن الطبيعي أن تعيد الأمة قراءة التاريخ على ضؤ التطورات العامة والتطلعات. فالنظرة إلى التاريخ وإلى المشاكل التي تبحث فيه قد تتغير من فترة إلى أخرى على ضؤ ذلك. ومن هنا أؤكد مصطلح قراءة التاريخ وليس إعادة كتابة التاريخ ..... لا شك أن فترات الأزمات عادة ما تكشف عن مشاكل وثغرات وتيارات لا تظهر في الأوقات الإعتيادية، وخاصة حين لا يتوفر الحد الكاف من الحرية. فلئن إتخذ التاريخ في الفترة الماضية لتكوين الثقافة ولتأكيد الهوية (مهما كانت وجهتها)، ولئن شهد الماضي البعيد كثيرا من التمجيد العاطفي، ومن حرق البخور، والتحدث عن البطولات والمآثر الفردية، وعن الفتوحات والتوسع – إلا أن الظروف المعاصرة تتطلب غير ذلك. إنها تتطلب التحليل النقدي، وفحص الأمور بجدية موضوعية بعيدا عن الرومانسية أو السعي على تمجيد الذات، وإتباع المنهج العلمي بصراحة في دراسة التاريخ والمجتمع. ولنتذكر، أن أبرز ما فيه أنه تاريخ أمة، وأنها كونت حضارة وتراثا مرويا وكوشيا لا يزال يحيط بحياتنا. ولابد من إعطاء ذلك كل الأهمية في البحث. ونحن في الظروف الإعتيادية نبحث في صفحات الماضي لنفهم الحاضر. ولكن الواقع الذي نعيش فيه في عالم اليوم يتطلب الإنطلاق من مشاكل الحاضر نحو الماضي – أي أن نقرأ المستقبل في ضؤ الماضي لنعرف ونعيش الحاضر ... إن الزحف البشري القادم إلى السودان من غرب أفريقيا قديما وحديثا كان ولا يزال أقوى وأنشط من الزحف البشري القادم إلى السودان من جهة مصر أو الحجاز أو اليمن. ومن يجحد هذا؟. لقد تمازجت الأعراق والأجناس، وإمتزجت الدماء الحامية والزنجية والسامية فكان نتاجها هذا العنصر الذي يمثل قومية واحدة هي القومية السودانية التي تكونت من القبائل النوبية والنيلية والنوباوية والحامية النيلية والزنجية والعربية والبربرية – والتي إنصهرت فيها الديانات السودانية والمصرية القديمة والإفريقية والمسيحية والإسلام، فخلّفت العادات والتقاليد التي نسير عليها ونسميها الثقافة السودانية، والتي نفتخر بها، والتي لا هي بعربية ولا هي بأفريقية، بل سودانية تشكل نسيجا وحدها. فالسودان له منظومته الفريدة، أي أنه بعيد بخلقه وقيمه وتراثه وثقافته عن الإثنين، وجامع للإثنين معا – وذلك منذ بدء التاريخ، وليس وليد الإستعمار أو الحركة الوطنية والإستقلال. فالسوداني سواء كان من الجنوب أو الشمال، من الشرق أو الغرب، جعليا أو دينكاويا، شلكاويا أو حلفاويا، فوراويا أو هدندويا، فلاتيا أو دهمشيا، يتخلق بأخلاق وقيم واحدة هي قيم وأخلاق القومية السودانية. إن القومية السودانية روح وجوهر، بقدرما هي شكل وتعبير. هي صورة متعددة الجوانب لا تستبين بالتجزئة والتشتت. وهي أفق واسع الأرجاء لا تنتهي في ظلمات التحيز السياسي والعصبية القبلية الضيقة والتشنج الديني العنصري. وهي نبات طبيعي في كل شبر من أرض السودان له جذوره العميقة، ومنافذه التي يستقبل منها الشمس والهواء، فهل إستطاع السودانيون طوال أكثر من "أربعين عاما" من وضع فلسفة أو منهاج لقوميتهم، ورؤية لهويتهم، ومسار لشخصيتهم، وتجليتها للناس عامة ولأطفالهم خاصة؟. إن الأمر الذي يصعب فهمه أن نغفل نحن "المثقفين" عن تراثنا وثقافتنا وهويتنا التي هي أساس قوميتنا السودانية، وأن تجرفنا الأهواء عن جادة هذه القومية وأهدافها العليا ..... وكتاب "الإعلام بالدناقلة والفلاتة الأعلام ’الإعلام بالأعلام – مسيرة علماء السودان من تنبكتو إلى أمدرمان‘" شد إنتباه المثقف ولفت نظر القاريء إلى هذه الحقيقة، وأن لا تجرفنا الأهواء فنغفل صلتنا بإفريقيا على حساب صلتنا بمصر أو العرب عامة. فثقافتنا وهويتنا هي أساس قوميتنا السودانية. وإذا نظرنا إلى تركيب الأمة السودانية، فإننا يمكن أن نلاحظ الأخطاء التي يمكن أن يقع فيها كل من يحاول أن يقسم السودانيين إلى أقسام محدودة على أساس عنصري. وفي الحقيقة لا يوجد في السودان عرب وأفارقة. بل يوجد خليط متجانس من العرب والأفارقة نتج عنه نوع لا يريد السودانيون أن يعرّفوه بأنه عربي إفريقي أو زنجي إفريقي. ومن ثم إستقر رأينا أن نسمي أنفسنا سودانيين فقط. وليس هناك أم مصطلح غير كلمة سوداني يمكن أن نشير بها إلى هذا الخليط المتلائم في هذه الأمة – بونا ملوال / السودان – والكتاب، الإعلام بالأعلام، أكد هذا بوضوح وجلاء، مشيرا إلى تنوع القسمات وتعدد السحنات لا ينفي وجود قاسم مشترك وكيان متجانس بين الخليط من العرب والأفارقة نتج عنه أن نسمي أنفسنا سودانيين فقط. وإنني أود أن أقول: إن من واجبنا ألا نعيش في دائرة الألوان الأسود والأسمر. ودائرة الحديث عن عرب وأفارقة. ولكن يجب أن نتحدث عن هويتنا الوطنية التي يمكن أن نطلق عليها إسم: السودانية. إن الوحدة السودانية كانت عامل تحرير، ويجب عليها الآن أن تكون عامل تشييد وبناء، ووسيلة يمكن بواسطتها الوصول إلى إنسانية حقيقية وأصيلة وهادفة. والمؤلف ‘الإعلام بالأعلام‘ يؤكد أن صلتنا بمصر لم تكن صلة إنصهارية تمتزج عندها الأعراف وتطبع الأمة بطابع قومي مشترك. وبالتالي لم تتم الوحدة مع مصر. وإن المناداة بالوحدة يومها، كانت عامل تحرر وإستقلال. أما صلتنا بالزنجي الإفريقي – أو دول غرب أفريقيا، فإنها كانت قائمة على تواصل رحمي وتدفق جماهيري وإرتباط عائلي وإنفتاح حدودي. ويجب عليها الآن أن تكون عامل تشييد وبناء، ووسيلة يمكن بواسطتها الوصول إلى تكامل أفريقي يمكن الإستفادة منه في مجالات الإقتصاد والسياسة والدفاع المشترك)(وفي الستينات ظهرت فكرة أو صدى الهوية العربية الأفريقية في الأدب والشعر السوداني، في كتابات وشعر كل من: صلاح أحمد إبراهيم، ومصطفى سند، ومحمد المكي إبراهيم وديوانه "أمتي"، ومحمد عبد الحي، والنور عثمان أبكر، والذين نشرت كتاباتهم وأشعارهم في كتب تضم تجربتهم في الثقافة العربية الإفريقية. وقد عكسوا رموز الأمة السودانية في شعرهم. وقد أوضح شاعر آخر من شعراء الستينات الزواج بين الرموز في قصيدة "عرس الزهور". وفي هذا الجو أصبح من الممكنأن ينتقد الذين ينادون بالنقاء في الأصول، أي الذين يعتبرون أنفسهم أشرافا، أو خاصة، لهم حق في الزواج من العامة، لكن العامة لا حق لهم في الزواج من بناتهم الشريفات. فهل هؤلاء الشراف لهم صلة بالسودان وأرضه وشعبه؟ أم أرسلوا لنا حكاما بحكم الحق الإلهي المقدس؟ وإذا كان لهم حق إلهي مقدس في الحكم، فلماذا في السودان فقط دون سائر البلاد الأخرى؟! لقد أوضح ذلك صلاح أحمد إبراهيم في قصيدته "الحقيقة العارية". وصلاح من أصل فونجي. أي ينتمي إلى دولة الفونج. وقد أوضح في قصيدته التزاوج والتمازج بين الأجناس والأعراق والقبائل في السودان. والتلاقح الثقافي الذي أنتج الفور والفونج والنوبة والنوبا والرزيقات وغيرهم من فصائل المجتمع السوداني، وذلك في قوله: كل سحنة فاحمة وشفة غليظة وشعر مفلفل ذر على إهاب حقيقة كبيرة عارية كالفيل، كالتمساح، كالمنيف فوق كسلا سليطة الجواب كذاب الذي يقول في السودان: إنني الصريح ... جدي الرسول إنني النقي العرق .. إنني المحض .. إنني الشريف .. دمي أزرق .. أجل، كذاب وصلاح لم يتحدث عن الأشراف في أماكن غير السودان. بل تكلم عن بلده السودان فقط لا غير. ولم يمس بلدا آخرا، بل تكلم عن الذين جاؤوا رجالا فقط تزوجوا أو أسروا، أو إشتروا نساء من السودان. سواء على سنة الله ورسوله، ومن ثم فإن أهل البلاد هؤلاء السود، نوبة أو نوبا أو فور أو دينكا أو شلك أو نوير أو غنج أخوال لنا، لأنهم إخوة أمهاتنا. أو أن هؤلاء الغزاة أو التجار أو المبشرين بدينهم إشتروا جداتنا أو سبوهن. فنحن أحفاد الرقيق أو السبايا. أو بالعدم، فإن أتوهن من غير هذا ولا ذاك، دون زواج، أو ما ملكت أيمانهم، فنصبح نحن أحفاد أولئك النسوة. فمن نحن؟ هل سلوكنا على مدى التاريخ منذ دخول العرب والإسلام إلى السودان يدل على ذلك؟ هل ما يقوم به السياسيون في السودان يدل على ذلك؟ هل ما يفعله القادة والزعماء والحكام طوال فترة ما بعد الإستقلال يدل على ذلك؟ إنني أتساءل فقط، فهل لدى أحدكم خطاب أو جواب صريح لى كما كنت صريحا معكم؟ هل هذا سبب ضياع شخصيتنا وعدم وجود هوية لوطننا؟ من نحن؟ وما هي صفاتنا وصفات شخصيتنا؟ هل شخصيتنا سوية أم تريكسترية؟)(وفي كتابه هذا "الإعلام بالأعلام" تناول في فصوله الخمسة أعلام الدناقلة والفلاتة والأفارقة من غرب أفريقيا والمسيرة السودانية التي بدأت من دنقلا العجوز التي حاصرها عبد الله بن أب السرح والخلاوي، والصلة بين سودان وادي النيل ومصر وعلاقتهم بغرب أفريقيا، كما عرج في الفصل الرابع على مسيرة علماء السودان من دولة الفونج السودانية ألإسلامية راجعا إلى طبقات ود ضيف الله ..؟ ..؟!)(هناك عددا من المدن الثقافية التي إهتمت بالعلم والعلماء، وفتحت أبوابها للطلاب من بلاد السودان على طول شمال أفريقيا من معرض المغرب الأقصى غربا، وقد تمثلت هذه المراكز الشمالية في كل من القاهرة بازهرها واروقته مثل الرواق السناري والفوراوي والتكروري، وطرابلس الغرب، والقيروان، وفاس التي كانت من أهم مدن شمال أفريقيا الثقافية بالنسبة لغرب السودان. إذ كانت مدينة العلم الشهيرة وهدف الطلاب من كل البقاع. فقد تأسست فيها جامعة القرويين في عام 859م الموافق 245هـ. وقد أصبحت من أقدم الجامعات في العالم، وسبقت في النشأة الزيتونة بتونس، والأزهر بالقاهرة. بل يمكن القول أنها كانت الجامعة الأم في العالم العربي. وقد أمها طلاب العلم من الأندلس وشمال أفريقيا وغرب أفريقيا، حيث وجدوا فيها علوم التفسير والفقه والحديث والأصول، وعلم الفلك والطب والهندسة وعلوم اللغة العربية من لغة وشعر وأدب وغيرها. فلا غرابة في إتصال تمبكتو بها. وإن ثقافة "فاس" القرويين سبقت إلى السودان ثقافة مصر الأزهر)

بعضا من ما ورد في كتاب الإعلام بالأعلام – مسيرة علماء السودان من تمبكتو إلى أمدرمان:-

(..... فإن البطش والإرهاب والقتل دون تمييز يجعل المشكلة تزداد تأزما. بل يجعل البعض يؤثر العمل إلى جانب حملة السلاح ضد الحكومة. ويجعل البعض الآخر يؤثر الهرب إلى خارج الحدود عبر أراضي جمهورية تشاد أو أفريقيا الوسطى، إنها الجلاء أو الإجلاء. واهمٌ من ظن أن جميع المثقفين من مسؤولين أو قادة أو زعماء عشائر أو جنود يؤيدون الحكومة في ضربها لقراهم. ولا يتعاطفون مع حملة السلاح. "إن المثقف مهما كان ضالعا في العلم والثقافة – وخاصة عندما يجد الجد، لا يمكنه أن يتغلب على نزعته القبلية. والنزاعات جميعا عند الإنسان الراقي والمتأخر والبدوي والمتحضر – سواء بسواء. لأن مصدرها النفساني في منبعها الأصلي عاطفة". فكما أن الدنقلاوي عصبية تجمع كل من سكن دنقلا سواء تكلم باللهجة الدنقلاوية أو لم يتكلم، لكن رابطة اللهجة تدفع إلى التعاون بقوة متى ما توترت علاقات دنقلا بالآخرين من شوايقة وجعليين. كذلك الغرابة، أو دارفور في علاقتها بالآخرين. هذه حقائق تاريخية لا يمكن المماراة فيها. مخطيء من يحسب أو يظن أن أحدا من أبناء الغرب لا يتعاطف مع حملة السلاح أيا كانت قبيلته، وإن أظهر المثقفون تعاطفهم مع حكومة الإنقاذ طالما هناك روابط وإنتماءات. نعم، الناس مختلفون في تقويم الإنتماءات وفي إعتبار الإنتماء الأهم: الوطن، أو الإقليم، أو القرية، أو القبيلة، أو الدين. وأي الروابط والإنتماءات تكون المهيمنة على الروابط والإنتماءات الأخري؟. وتبقى هذه الإنتماءات الواقعية في موضع التعارض والتوافق ما دام هناك شخص أحرقت له قريته، وفقد اباه الشيخ المسن، وقتل خاله المزارع وشقيقه الحاطب، واضطر عددا من أقاربه من نساء وأطفال إلى الهرب خارج الحدود إلى أراضي جمهورية تشاد أو أفريقيا الوسطى أو كينيا ...)

(.... فالمغاربة الذين جاؤوا إلى السودان وإستوطنوا أرض النوبة وصاهروا الدناقلة في الشمال والفور في الغرب والمجانين في كردفان "المجانين شعبة من قبيلة دار حامد التي تنتسب إلى فزارة. وموطن دار حامد في شمال كردفان. وفي عهد السلطان عبد الرحمن الرشيد عين محمد ‘دردوك‘ مشرفا عاما على قبيلة المجانين بدارفور ومسؤولا عن جباية أموالهم"، سواء كانوا من الأدارسة أو السنوسيين أو الطوارق أو المرابطين أو الشناقيط – لم يجيؤوا بدافع مطلب العلم أو التجارة أو الحج أو السياحة، وإنما جاؤوا نتيجة لحركة الجلاء التي إتخذت صورة جماعية في الأندلس منذ الفتنة البربرية نتيجة لسقوط مدينة في حرب داخلية أو عدوان خارجي أو هربا من ظلم وأعباء الضرائب أو الصراع العنصري .... )

البرنو "هناك فرق بين البرنو البرقو"

(.... إن أثرياء برنو وكانم قاموا بفتح مدارس في المدن الساحلية على شواطيء البحر الأحمر مثل سواكن وزيلع .....)

(.... قد يزعم باحث أن سيطرة هذه القبائل العربية قد أدت إلى سقوط المملك المسيحية علوة ومقرة، وقيام دولة الفونج أو السلطنة الزرقاء عام 910م – 1504م. وفي هذا الزعم إسقاط أيضا وإقصاء لدور قبيلة الزغاوة التي لعبت دورا كبيرا في إسقاطهما وفي قيام مملكة الفونج الإسلامية بسبب غاراتها المتتابعة والمتلاحقة والمتجددة من خلال برنو عبر دارفور وعبر الشمال. فقيام دولة الفونج الإسلامية البرناوية إنما يعد نتيجة لتلك الهجرات التكرورية الممتدة من غرب أفريقيا إلى شرقها .....)

(.... وقل مثل ذلك في علاقة السيد محمد عثمان جعفر الميرغي بقبيلة البرنو. فقد تزوج السيد بعوضية مصطفى البرناوية وأنجب منها السيد بكري الميرغني وهو خال السيد محمد عثمان علي الميرغني وصهره. ولولا حفاظ هذه القبائل على تقاليدها الموروثة، مع قيم الإسلام ورسالته، وتمثلها في حياتها وسلوكها – لما قامت هذه العلاقات ولما توطدت واختلطت بالمصاهرة في هذه البيوتات الدينية العريقة وبين زعماء العشائر من رزيقات ‘مادبو‘ والمسيرية والحوازمة والبديرية، بل وفي شتى قبائل سكان السودان منذ عهد ممالك كوش ‘يقال إن أول الممالك قياما بالسودان هي مملكة كوش منسوبة إلى كوش بن حام بن نوح عليه السلام وفي التوراة ذكر للكوشيين وبعض ملوكهم وهو ترهاقا‘ الكتاب - الإعلام بالأعلام – لا يطالب المواطن السوداني الذي ينتمي إلى العرب بأن يتخلى عن إنتمائه القبلي ويتحول إلى القبائل السودانية ذات الطابع الإفريقي أو الزنجي، ولكن يطل منه أن يرفع القناع حتى يعرف الجميع من هو؟ وما هويته؟ وما ذاتيته؟ وفي أي أرض هو؟ فالذي عليه أهل السنة والجماعة: إعتقاد أن جنس العرب أفضل من جنس العجم. وأن قريشا أفضل العرب، وأن بني هاشم أفضل قريش؟ ‘مجموعة تفسير ابن تيمية ومجموعة فتاوي شيخ الإسلام ابن تيمية‘ الكتاب ‘الإعلام بالأعلام‘ يطلب منه أن يسأل نفسه: هل هو عربي قح، أما وأبا؟ أو هو من أم زنجية سودانية أفريقية؟ ومن أب أو جد عربي؟ فإن حب العرب لا يجوز أن يؤدي إلى عصبية مقيتة أو محاباة للعرب أو إستعلاء على غير العرب. فإن فضل الجنس لا يستوجب فضل الشخص. فكم من فلاتي حفظ القرآن أو دنقلاوي قاد ثورة بإسم الإسلام؟ ولكل أن يباهي بقيمته. الكتاب ‘الإعلام بالأعلام‘ يطلب من المواطن السوداني المثقف أن يعلم أن ظاهرة الإنتساب إلى العرب أو العترة النبوية ظاهرة عامة، ادعتها كل قبائل العالم الإفريقي بشكل يوحي بشيوع الإنتحال والتفاخر والتباهي بالأنساب، مع أن أفرادا من غير العرب قد يفضلون العرب بتقواهم ودينهم. الكتاب يطلب منه أن العربية ليست لأحد بأم وأب، وإنما اللسان، وبالتالي لم تعد العروبة مقصورة على أهل الجزيرة العربية ....)

(.... صلتنا بغرب أفريقيا أقوى من صلتنا بمصر، من واقع أقوال المؤرخين والباحثين. ولسنا بذلك ندعو إلى عصبية عمياء أو أن ينتصر الإنسان لقومه وإخوانه وأهله في الحق والباطل وفي الخير والشر. ‘زار محمد علي باشا السودان في 1839م وشكا إليه الناس عدم وجود العلماء بسبب موتهم وفي مقدمتهم الشيخ النذير الذي أخذ العلم على الأستاذ محمد النور صبير. ولما رجع محمد علي باشا إلى مصر شيد رواق السنارية بالأزهر ومن أوائل طلبة هذا الرواق بالأزهر هو الشيخ حسين ود عماري من دارفور والشيخ برقومة البرناوي والشيخ صالح علي من ارتلي بدنقلا – انظر موسوعة القبائل لعون الشريف قاسم‘ ....)

(.... وصار الكتاب العرب يطلقون اسم تكرور على كل أقطار السودان الغربي التي تشمل النيجر وكانم وبلاد البرنو وباقرمي وودّاي. وزاد المقريزي على ذلك فأطلق نفس التسمية على كل الأقطار الواقعة شرقي النيجر حتى الحبشة فأدخل سودان وادي النيل في مسمى بلاد تكرور ....)

(.... وهذا ما قرره أيضا صاحب كتاب ‘أحكام المرجان – ابن اسحق الجغرافي المتوفي سنة 951م‘ إذ حدد بلاد السودان بأنها تبدأ من المغرب وتنتهي بالبحر الأحمر ربطا بين مناطق النوبة ومملكة غانا وأودغست أرض الروم والتكرور وعلوة وكوكا. فأرض التكرور أرض لقبائل سكان جنوب نهر السنغال يقول صاحب كتاب ‘أنفاق الميسور – لمحمد بيلو بين محمد عثمان المعروف بدانفوديو‘: إن هذا الإسم الذي هو التكرور شائع في الحرمين ومصر والحبشة، ومندرس في محله‘ حتى لا يعرفه أهل هذه البلاد أصلا وإنما يتلقونه من الحجاج الذين سمعوه بالحرمين ومصر. ويقول مجد الدين الفيروز آبادي في القاموس: إنه بلد بالمغرب. ورأينا لبعضهم أنه عبّر عن كانو، وكاتشنا وما والاهما ببلاد السودان، وعبّر عن تنبكت وما والاها ببلاد تكرور. وأول هذه البلاد من جهة الشرق على حد تعبيرهم دارفورويليه من جهة الغرب بلد ودّاي، وبلد باغرمي. ويرى بعض الكتاب أن كلمة تكرور معناها الحرفي: أسود. ويقول ياقوت الحموي عن التكاررة "إنهم أشبه الناس بالزنوج". وليس من شك في أن ياقوت يعني بكلمة التكاررة كل ما جاء من بلاد السودان الغربي والأوسط. ومن التفسيرات الطريفة التي أوردها بعض الكتاب الإنجليز أن كلمة تكرور تدل على إختلاط لونين Two Colours ويقول الأستاذ بروفيسور يوسف فضل حسن: ‘والتكرور‘ أو التكاررة اسم مرادف للفولاني أو الفلاتة. ويستخدم في سودان وادي النيل للإشارة إلى الغرابة القادمين من البلاد الواقعة غرب دارفور ويشمل التكرور والفلان والهوسا وسكان برنو ودار برقو. فإذا كان يطلق على بلاد أنها "علم على الإقليم الغربي من الجنوب السوداني" كما يقول صاحب كتاب إنفاق الميسور: وإن أول هذه البلاد من جهة الشرق بلد الفور‘ ويليه من جهة الغرب بلد ودّاي وباغرمي ... وأما ما حاذى هذه البلاد من جهة الشمال فقفار ورمال ‘معاطيشن‘ لا يعمرها إلا الرعاة في فصل الربيع من البرابرة والعرب. وأما ما والاها من جهة الجنوب فبلاد كثيرة لم ينشر فيها الإسلام‘ فإن هذا الوصف الجغرافي الدقيق يؤكد بالتفصيل أن أول بلاد التكرور جغرافيا من جهة الشرق عند علماء غرب أفريقيا، دارفور. وحيثما إمتد نفوذ سلطنة دارفور – وهي مملكة إسلامية – خاصة في عهد السلطان تيراب سنة 1785م حيث إمتدت نحو النيل وسيطرت على الشمال حتى عطبرة – عمق الخرطوم – بعد أن إشتبكت مع ‘مشيخة العبدلاب‘، فإن معنى هذا أن الخرطوم يدخل أيضا في هذا المفهوم في نطاق ما يسمى بأول بلاد التكرور أرضا ومناخا من جهة الشرق، إذ أن أرض النيل بهذا المفهوم الإمتدادي لسلطنة دارفور من أرض الفور، أو تابعة لسلطنة دارفور. هذا يوم كانت دارفور سلطنة قائمة بذاتها. أما بعد أن صارت جزء من جمهورية السودان وإقليما من أقاليمها وولاية من ولاياتها منذ سنة 1916م فقد صارت دارفور والخرطوم، أعني سودان وادي النيل، تمثلان جهة واحدة وتدخلان واقعيا في مسمى بلاد التكرور من جهة الشرق، لا بحكم رابطة الجوار والمصاهرة والحياة المشتركة في بيئة واحدة فحسب، وإنما بحكم الإمتداد الجغرافي أيضا – خاصة عند علماء غرب أفريقيا. لقد أكد سلاطين دارفور إمتداد بلاد التكرور من دارفور إلى النيل شرقا حتى عاصمة الجعليين. وجاء رابح ‘هو رابح فضل الله ولد عام 1846م في إحدى قرى بحر الغزال وكان والده أحد ملوك القبائل التي إستوطنت بحر الغزال، وبعد وفاة والده ظهر الزبير باشا حيث غنضم رابح إليه فصار من أعوانه وإرتبط اسمه بإسمه‘ فأكد بإستيلائه على مملكة برنو سنة 1893م ونقل مقر حكمه إلى دكوة على الشاطيء الجنوبي الغربي من بحيرة تشاد، أكد بإمتداد بلاد التكرور من الخرطوم غربا إلى عمق ما يسمى بإمبراطوريات السافنا، وهي غانا ومالي وسنغاي والتكرور والهوسا والبرنو والفلان وتشمل النيجر وكانم. أعني بهذه الإستطراد ‘لفت نظر المثقف‘ إلى أن ‘تكرنة السودان‘ ‘الخرطوم‘، تعد حقيقة جغرافية قبل أن تكون حقيقة عرقية وثقافية وفكرية وروحية وإجتماعية وحضارية. إنها تكرنة قديمة قدم القارة وحضارتها وإمتداد الإسلام وحضارته، بقيام دولة تكرور في مطلع القرن الخامس الهجري – الحادي عشر الميلادي. فبلاد التكرور تقع في المنطقة الممتدة من المحيط الأطلسي غربا عبر السافنا من إقليم دارفور الكبرى إلى البحر الأحمر شرقا ومن الصحراء الكبرى شمالا إلى الغابات الإستوائية جنوبا. وهي التي تشمل منطقة غرب أفريقيا، وجمهورية سودان وادي النيل منها وفيها، لأنها أفريقية وليست آسيوية أو عربية. إنها بجاوية ودنقلاوية وفونجية وشلكواوية ونوبية وزغاوية وكانمية وبرناوية وتعرف جغرافيا بإسم الحزام السوداني الممتد من قلب القارة الفريقية من الشرق إلا الغرب وهي المنطقة التي العرب على سكانها: أصحاب البشرة السوداء ....)

(.... ومن يوم أن توهم بعض النسابين ممن لا علم لديهم بطبائع الكائنات – كما يقول ابن خلدون - أن السودان هم ولد حام بن نوح، أختصوا بالسواد لدعوة كانت عليه من أبيه ظهر أثرها في لونه وفيما بعد جعل الله الرق في عقبه. صارت العلاقات الأسرية تجري طبيعيا في دائرة المحورين أو المحاور الثلاثة في تقسيم الأستاذ الدكتور يوسف فضل: الشرقي ويشمل سودان وادي النيل، والغربي ويشكل كل الأراضي الواقعة غرب دارفور، والأوسط ويمتد من ودّاي عبر كانم وبرنو بلاد الهوسا إلى صنغي، ويتكون المحور الغرب من البلاد الباقية، ومن أهم سكانه الفلاني والتكرور. فإنسان الخرطوم هو مزيج من الإرتباط الحتمي الذي يجري طبيعيا داخل هذه المحاور الثلاثة حربا وسلما، مصاهرة وإسترقاقا. فهل حصل مثل هذا المزج والإرتباط بين إنسان الخرطوم والدول العربية المجاورة للسودان وخاصة مصر؟ ‘طالع كتاب المرأة السودانية – ظلمات الماضي وإشراقاته للدكتور مختار عجوبة‘.)

(.... فقد كانت علاقة سلاطين الفور وملوك الشايقية بالمصاهرة علاقة قوية. فقد كان بشير بك نصر من وزراء السلطان علي دينار ومن خاصته وقد تزوج من الفور وقيل من الزغاوة وأنجب منهم، والزغاوة من المجموعة الكانمية. كما تزوج الشيخ محمد البدوي من قبيلة البرنو السيدة نصرة وأولادها القاسم وفاطمة والفاتح، كما تزوج السيد محمد عثمان جعفر الميرغني السيدة عوضية مصطفى البرناوية وأنجب منها السيد بكري الميرغني وهو خال السيد محمد عثمان علي الميرغني وصهره ومن قبل تزوج الإمام المهدي بعائشة بنت ادريس الفلاتي الملقبة بأم المؤمنين وكانت الزوجة الوحيدة المشهود لها بالنضال والجهاد والنشاط ....)

(....وأيضا من أهداف هذا السرد إيجاد الإقتناع العلمي لدى المثقف عن طريق الإستدلال بالوقائع الملموسة أن التجانس بين سكان سودان الخرطوم وشماله ووسطه، وبين سكان غرب أفريقيا إلى حد المزج أو التدامج عن طريق المصاهرة والزواج أضحى من البداهات. وأنه لا يوجد حاجز نفسي يمنع الإلتقاء والتقارب والوحدة والتكامل وإلغاء الحدود المشتركة بين إنسان الخرطوم – إنسان وادي النيل، وإنسان مجتمع غرب أفريقيا – إنسان بلاد تكرور، نتيجة لوحدة المشاعر ووحدة الطباع ونتيجة للتقارب الفكري والنفسي في المفاهيم والأفكار. وأيضا من أهداف هذا السرد التدليل على أنه على الرغم من قدم العلاقات بين السودان ومصر، ومصر والسودان، وليبيا والجزيرة العربية، وعلى الرغم من تغلغل الجيوش الغازية للسودان – تبعا لإمتداد الحكم التركي المصري للسودان – من أرمن وألبان وفينقيين وأقباط وهنود ومغاربة، على الرغم من ذلك كله فإننا لم نر إرتباطا بين هؤلاء الأجناس وبين السودانيين، سواء في الشمال أو الشرق وصلت حد المزج والإتساع والشيوع مثل ما هو حاصل إلى يومنا هذا بين المحورين الشرقي ويشمل سودان وادي النيل من أقصاه إلى أقصاه والغربي ويشمل كل الأراضي الواقعة غرب دارفور. ترى ذلك واضحا وجليا في مجتمع أهالي السودان الشرقي والشمالي من نوبة وبجا ودناقلة الذين ربطتهم بالعرب والمصريين علاقات جوار. تراهم غير متجانسين في اللون والسحنة والتقاليد، على الرغم من نشر تعاليم الإسلام واللغة العربية والعلاقات التجارية. فما زالوا محتفظين بلهجاتهم الخاصة كأداة للتخاطب، وما زالوا يستخدمونها حتى اليوم. مما يؤكد عدم إشتباك الأنساب وضعف العلاقات الأسرية. وما زال الرشايدة – وهم قبائل عربية داخل المجتمع السوداني – يأنفون لحد ما الدمج الأسري في مجتمع شمال السودان وشرقه فضلا عن غربه. وقل عن ذلك في بعض العائلات المصرية والمغربية والكردية التي إستوطنت شمال السودان أو غربه، فما يزالون يحجمون عن مصاهرة جيرانهم من ذوي البشرة السوداء حتى إلى عهد قريب. لكن التقلبات السياسية والإقتصادية والعزلة الجغرافية قد اجبرتهم على ذلك. كل هذا يؤكد ما قرره الأستاذ الكبير يوسف فضل حسن من قوة الصلة والإرتباط ما بين إنسان الخرطوم وإنسان غرب أفريقيا. وأن العلاقات الأسرية تراها شائعة بينهم مما أوجد تجانسا بين سكان الخرطوم وسكان بلاد التكرور إلى حد المزج والتدامج والإتساع والشيوع. يجب على الباحث والمثقف السوداني مراعاة كل ذلك، إضافة إلى التقارب الجغرافي والسكاني والفكري إذا أردنا أن نعترف بهويتنا ونقوم بعمل إيجابي في عصر العولمة ....)

(.... أن إرتباط سودان وادي النيل من منبعه إلى مصبه، ومن شماله إلى جنوبه، ومن شرقه إلى غربه، بشعوب وقبائل دول غرب أفريقيا إجتماعيا وفكريا وثقافيا، بل وروحيا – أقوى من علاقة وإرتباط الخرطوم بمصر والحجاز واليمن وليبيا والمغرب، على الرغم من مجاورة السودان لمصر والحجاز، وقدم صلتهما بالسودان والحبشة! ....)


(.... لا جدال أن معاهدة البقط حسمت علاقة الإمتزاج والإنصهار بين شعب مصر وجنوبه، الشعب السوداني - شعب الخرطوم -، وأكدت إنتماء سودان وادي النيل إلى قبائل ودول وشعوب جماهير غرب أفريقيا. وأنهم ينتمون إلى عنصر واحد من غير حاجة إلى إقامة أدلة أو براهين. غير أن هناك تجاهل لهذا الواقع الملموس والمشاهد والمستمر – من بعض المثقفين فينا – وتجاهل لهذا العلاقات الإنصهارية مع شعوب القارة الأفريقية "إمبراطورية السافنا" والتي تعد في تقديرنا أقوى من علاقاتنا الإنصهارية بمصر والحجاز واليمن وليبيا والمغرب ودول الهلال الخصيب التي تجمع أرض الرافدين سوريا وبقية الشام. تلك الدول التي تقع شرق السودان وشماله وتعد في مقدمة المراكز الحضارية والثقافية المتطورة والتي يحبذ كثير من مثقفينا الإنتساب إليها وتوطيد العلاقات معها بشكل أقوى وتدعيمها والدفاع عنها على الرغم من ضعف عوامل الإلتقاء الشعوري والإنصهاري والسيكولوجي النفسي والبيلوجي القائم اليوم وغدا بيننا وبينهم، ما عدا عامل العقيدة الإسلامية. وذلك لعدم وجود عمق في مشاعر الإنصهار والتمازج التي تذيب الدم الزنجي في الشامي وفي الكردي وفي المصري، وتوحد العادات والتقاليد بين سكان المنطقة الواحدة والشعوب المجاورة أو المهاجرة، فيوجد إنسان الوحدة والتكامل. لقد أثبت الواقع التاريخي أن البجا والنوبة من أوائل أهل السودان إتصالا بالعرب وخاصة بأهل مصر، إتصال جوار وتلاحم حدود. وعلى الرغم من قدم هذا الإتصال، فإن الواقع المشاهد يؤكد أنه لم يكن للأمة المصرية تأثير إنصهاري ووجود إمتزاجي فعال قوي التأثير يصهر المشاعر وأحاسيس الوحدة في بوتقة قبائل النوبة المتاخمة لها والعاملة معها داخل عمق الأراضي المصرية في عين شمس والمرج وعابدين والمعادي وامبابا ليكون بينهم إنسان التكامل والتلاحم والإندماج والمصاهرة بين مصر وجنوبه، لا إنسان الأحلاف والمصالح والأسواق المشتركة والتعاون والدفاع المشترك. أحلاف نسمع عنها ولا نرى لها أثرا. وعلى الرغم من وجود العلاقات المتصلة بين البجا والهدندوة والرشايدة مع الحجاز، إلا أن تأثير الحجاز لا يوازي أو يماثل تأثير مصر في سكان شمال السودان – إن لم يقل عنها. إذ لم نجد في الجانبين إنسان التكامل والوحدة، بينما نجد تأثير علاقات الجوار والمصاهرة والتشابك والتداخل بين الدول المجاورة للسودان من جهة الغرب والشعوب والجماعات القادمة إلى سودان وداي النيل من جمهورية تشاد "ودّاي – البرقو" وسائر بلاد غرب أفريقيا، تلك الأقطار التي غلب الإسلام على أجزاء كبيرة منها قبل ظهور مملكة الفونج التي قامت في أوائل القرن السادس عشر الميلادي، نجد علاقات الوحدة والإمتزاج والمصاهرة والإتحاد والتكامل والإندماج وكل عوامل إذابة الفوارق وتوحيد العادات والتقاليد في غاية القوة والظهور، إضافة إلى رابطة العقيدة الإسلامية، سواء ما بين الدنقلاوي والزغاوي، أو الشايقي والهوساوي، أو الجعلي والفلاني، أو الجميعابي والبرتاوي، أو الميرفابي والبرقاوي، أو المحسي والفوراوي، أو الكنزي والبرناوي. وقل مثل ذلك عن سائر الشعوب الأفريقية – أعني الشعوب التي لم يكن للدم العربي فيها عمق، ولا لتعاليم الإسلام قوة تأثير في عاداتها ومجتمعاتها – مثل النوير والشلك والدينكا والسار واللاتوكا. وعلى الرغم من تأثير هذه الشعوب في سودان وادي النيل، فإنها لا تجد من مثقفينا إلا التجاهل في كتاباتهم وبحوثهم، وعدم دفعها وتقويتها وتعميق أواصرها والإشادة بها. بل قد يعمد البعض إلى إضعافها أو نفيها بينما تجد في نفس الوقت الإنكباب والهرولة نحو توطيد العلاقات بيننا وبين تلك الدول التي حسمت معاهدة البقط علاقات الإمتزاج والمصاهرة معها، وأوجدت حاجزا نفسيا عبّر عنه هيكل باشا في مقال له بمجلة الهلال سنة 1936م، هذا المقال أزعج المثقف السوداني مما جعل الأستاذ عبد الله رجب يرد على هيكل بجريدة السودان ويصفه بأنه "بارد العاطفة الوطنية حتى لمصر" ....)

(.... إن من إيجابيات معاهدة البقط أن شكلت عبئا ثقيلا على النوبة مما جعلهم يتخلصون منها بإعلان إسلامهم. إلا أن هذا لا يمنع من وجود سلبيات في هذه المعاهدة قد يكون منها وجود الحاجز النفسي والإحساس بما يمنع الإمتزاج في المجتمع المصري إلى حد الترابط والمزج والإنصهار ووحدة المشاعر الذي يظهر في الزي والطباع والسلوك والمزاج وفي العادات والتقاليد، هذا الإمتزاج الذي نراه واضحا كالشمس في رابعة النهار في علاقات مصر افنصهارية بالشعوب السامية وبخاصة التتر والأتراك والأرمن والأكراد والشراكسة وكل من هو أبيض البشرة، مثل ما تراها في علاقات سودان وادي النيل بشعوب غرب أفريقيا وبخاصة الودّاي – البرقو، والزغاوة والبرنو والفلاته والكانم والهوسا، وكل من هو أسود البشرة من المجموعة الكانمية الفونجية، والتي سبق أن ذكرت أن كثيرا من مثقفينا يقوم بإخفائها وإهمالها في كتاباتهم وبحوثهم ودراساتهم وفي المقالات والتحليلات والمقابلات الشخصية بإستثناء البروفيسور يوسف فضل وبعض الباحثين الذين لهم قوة شخصية وجرأة في التناول ....)

(.... والمراد بأعلام الفلاته القادة الأوائل من علماء السودان الغربي، سودان غرب أفريقيا بلاد التكرور، فيدخل في مسمى الفلاته كل العلماء الذين إستوطنوا غرب أفريقيا: وسطها أو غربها، أو شمالها أو جنوبها. وساوء كانوا من قبيلة الفلاتة التوردب الذين إستوطنوا بلاد فوتا، أم من الهوسا، أم من البرنو، أم من المغاربة والشناقيط، أم من غيرهم. وسواء جاء ذكرهم في فتح الشكور "فتح الشكور في معرفة أعيان علماء تكرور – منشورات الجمعية المغربية للتأليف والترجمة والنشر لمؤلفه محمد بن عبد الله بن محمد ابن الطالب علي بنان البرتلي – الطبعة الأولى 1981م"، مثل الإمام محمد بن أبي بكر بن أكداد الفلاني، والشيخ العلامة الفقيه النحوي اللغوي أبي عبد الله محمد بن مسنة بن عمر البرناوي، وغيرهم من الذين لم يد ذكرهم وسواء كانوا من بلاد السودان أو بلاد اليمن أو المغرب أو الحجاز أو مصر، مثل الشيخ أبي محمد يوسف بن عبدالله التكروري، والشيخ راشد بن عبد الله التكروري، والشيخ عثمان التكروري والشيخ صبيح ....)

(.... لا نريد أن نسترسل في سرد ما يؤكد بأن الثقافة الإسلامية الوافدة إلى السودان - والتي إمتزجت بالواقع الإقليمي وإرتبطت بسلطنة الفونج ودارفور والعبدلاب في الشمال وظهرت في ديار الشايقية وإستقرت في الدامر مركز الجعليين – هي الثقافة القادمة إلى السودان من غرب إفريقيا والتي سادت في جميع أنحاء السودان عن طريق الجعليين الذين يرجع أصلهم إلى الفور ‘للوقوف على علاقة الجعليين بالفور والتنجر والبرقو أنظر موسوعة القبائل والأنساب للدكتور عون الشريف قاسم ج 3 ص 1344‘ وإنهم دخلوا السودان عن طريق دارفور وكردفان لا عن طريق الحجاز واليمن. ولا شك أن دخولهم من المغرب يعطي الجعلي بعد الإنتشارالإستيطاني من دارفور إلى الشمالية والإمتداد الحضاري والثقافي، وفي نفس الوقت يتحقق للجعلي العمق التاريخي والعرقي والإستيطاني بلا أدنى حساسية في سائر أنحاء السودان. يجب على الجعلي المثقف نشر هذه الحقيقة وإيضاحها لرأب الصدع وجمع الشمل ووحدة البلاد. يجب علينا أن نعترف أن أثر غرب إفريقيا – بلاد التكرور – الثقافي على سودان وادي النيل لا يدانيه أي أثر. وليس هذا تجاهلا أو غمطا لأثر مصر الأزهر الثقافي على سودان وادي النيل وإنما لقيام مراكز ثقافية مثل تمبكتو وجني ‘تمبكتو مدينة مشهورة كشهرة القاهرة وبغداد وقرطبة وفاس والقيروان ودمشق أنشئت في أواخر القرن الخامس من الهجرة أنشأها توارق مغشرن المسلمون وسكنها العلماء والفقهاء وأضحت أعظم مدينة إسلامية في غرب أفريقياوتكتب تمبكتو وتنبكتو وطومبكتو والكلمة تعني في لغة توارق مغشرن: العجوز، نسبة على امرأة عجوز كانت تقيم في هذا المكان، وقيل غير ذلك‘. وهذه المراكز قد لعبت دورا كبيرا في نشر الثقافة الأفريقية في سودان الخرطوم، كما لعبت دورا كبيرا في نمو العلاقات الإجتماعية عن طريق الهجرة والإستيطان والمصاهرة. فقد أكد الباحثون أن "هجرات البربر وصلت شرقا حتى دارفور، إذ إن شعب التنجر ‘يذكر كثير من المؤرخين أن التنجر مغاربة فروا من ضغط قبيلة بني هلال وحلفائها ثم إختلطوا بشعب الداجو الذي كان يسكن في هذه المنطقة‘ – الذي كان له شأن في نشر الإسلام في دارفور – يمثل هجرات من هجرات البربر، وصلت هذه البلاد بعد غارات بني هلال" وهناك من يؤكد أن أصول الجعليين ترجع إلى الفور ‘ك.م باربر – أستاذ الجغرافيا بجامعة لندن وجامعة الخرطوم سابقا في كتابه سكان السودان ترجمة هنري رياض وآخرون ص 19. وإنظر: الغرابة ص 136‘ وأنهم دخلوا إلى شمال السودان عن طريق دارفور وكردفان ‘وممن يرى ذلك من السودانيين الجعليين اللواء حامد صالح الملك في كتابه انتساب الجعليين وإنظر: أصول وتاريخ العرب في السودان للشيخ الفحل الفكي الطاهر، دار الطابع العربي، الخرطوم 1369هـ الموافق 1976م وإنظر: المسيد، الطيب محمد الطيب ص 328‘. وهم المجموعة التي تقطن بين شلال السبلوقة ومقرن نهر أتبرة والفاضلاب شمالا إلى الحقنة والمسيكتاب جنوبا. ولا أحد يستطيع أن ينكر أنهم أكبر مجموعة تأصّل فيها الدم العربي في سودان وادي النيل ولها وجودها المميز المتميز وإمتدادها الإجتماعي والعرقي في مختلف سكان السودان، وقامت بدور كبير في نشر اللغة العربية والحضارة افسلامية الوافدة من غرب أفريقيا، ودفق الدم العربي المغربي البربري في سكان دارفور وكردفان قبل إستيطانها في مصب نهر عطبرة. أي أنهم لم يدخلوا السودان من بلاد الحبشة إبتداء، وإنما من الغرب؛ كردفان ودارفور أولا. فيهم الدم العربي والمغربي، قد يكونون من بني هلال، وقد يكونون من المجموعة الجهنية وقضاعة، وقد يكونون من بني أمية، ينسبون إلى سعيد بن الفضل بن عبد الله بن العباس عم الرسول صلعم، إلا أنهم برفعهم شعار: "جعلناكم منا" ومبدأ: "الفحل ما عوّاف" أخلوا غالبية القبائل الزنجية والإفريقية في القبيلة الجعلية ‘حسن أحمد محمود، الثقافة ص 309‘ بقولهم جعلناكم منا حماية وامنا للقبائل المستضعفة كما أدخلوا معهم ثقافة غرب أفريقيا إلى سودان وادي النيل‘لقد وصف البروفيسور عبد الله الطيب كتاب إنفاق الميسور في تاريخ بلاد التكرور لمؤلفه السلطان محمد بيلو بن عثمان دان فوديو، بأنه من محاسن العربية النفيسات في بابها ومن أوائل إنتاج القرن التاسع عشر في وقت كان الجهل ضاربا بجرانه في أواسط السودان. إنظر: الغرابة ودورهم في تكوين الهوية السودانية ص 260‘ ذات الطابع المغربي بسبب افتصال الوثيق بتمبكتو وجني. فالقلم العربي الذ أستخدم في هذه البلاد هو القلم المغربي المشهور، والمذهب الغالب هو مذهب مالك الذي إنتشر في المغرب والأندلس ودخل إلى غرب أفريقيا وغلب عليها ....)

(.... لم يكن للثقافة القادمة من مصر إلى جنوبها أي وجود منافس لثقافة غرب إفريقيا – إذا كانت هناك ثقافة قدمت من مصر يومئذ. وما ذلك إلا لأن علاقة مصر القاهرة أو مصر المماليك مع جنوبها سودان دنقلا أو سودان سنار أو سودان الخرطوم اليوم، ما كانت تقوم على أساس المواءمة وتقوية الصلات الروحية والسياسية والإقتصادية، و"إنما قامت على تكريس الإحن وتتابع الضربات والحرص على بسط النفوذ والسيادة وإستغلال الموارد المعدنية والحيوانية" فمصر كانت "لا تتردد في إرسال الحملات التأديبية المتعاقبة ..."‘الإسلام والثقافة العربية في أفريقيا، د. حسن أحمد محمود ص 174-178‘ ذات الطابع العنيف "مما كان له أكبر الأثر في إضعاف نشر الثقافة الإسلامية في السودان"‘أعلام وأيام، توثيق حياة علماء جامعة أمدرمان الإسلامية ص 46‘ – أي أن مصر يومها لم تكن لها إستراتيجية هادفة بعيدة المدة نحو جنوبها "فلم تعمد حكومة مصر بعد فتح السودان مباشرة إلى إنشاء المدارس على النحو الحديث الذي شهدته مصر، إذ يبدو أنها كانت تؤثر أن تبعث من أبناء السودان من ترى أن الحاجة تتطلب إرسالهم إلى مدارس مصر لتلقي هذه التجربة في التعليم". ويمضي المؤرخ المصري "د. حسن أحمد محمود" في تأكيد هذه الحقائق المؤلمة، فيقرر أن "الإصلاحات التي شهدتها مصر في عهد محمد علي لم تمتد إلى السودان على نطاق واسع، ولم تنشأ مدارس على النسق الذي رأته مصر، ...... و كان التوسع في التعليم بعد محمد علي وئيدا لا يسير مع ما ينبغي أن تكون عليه الحركة الإصلاحية من الإنطلاق وسعة الأفق. فلم تنشأ إلا مدرسة واحدة في عهد الخديوي عباس تعثرت ثم أغلقت، وفي عهد الخديوي إسماعيل لم تنشأ إلا سبع مدارس في هذه الرقعة الفسيحة الواسعة من أرض السودان" ....)

(.... إن علاقة مصر بالسودان منذ فجر تاريخها لم تقم على إستراتيجية تمهد لقيام دولة مفتوحة ذات حدود عقائدية ................... قامت العلاقة على إستراتيجية العنف وبسط النفوذ وشن الحروب الدامية والمتواصلة والحملات العسكرية المتتابعة والمتكررة، ليظل السودان "النوبة" خاضعا لمماليك مصر. وعلى الرغم من تتابع الحملات فقد ظل ملوك النوبة رافضين السيادة المملوكية على أراضيهم ويقاومونها بإستمرار ................. هذه الإستراتيجية جعلت جيوش محمد علي تدخل السودان للفتح والتوسع. فتحت بلاد النوبة. وقضت على الإمارات والمشيخات التي قامت بالبلاد إما مستقلة بشؤونها أم خاضعة لنفوذ الفونج. ثم دخل المصريون بربر. وبدؤوا يغزون الفونج في معاقلهم حتى سنار جنوبا. وسقطت هذه المدينة في 12 يونيو 1821م. وأوغل الفتح المصري في كردفان وبدأ يصطدم بسلاطين الفور. وإمتد نفوذ محمد علي صوب الشرق إلى منطقة كسلا. وخضع السودان للحكم المصري المباشر منذ تمام الغزو حتى قيام الثورة المهدية في 12 أغسطس 1881م. هذه الإستراتيجية كبلت مصر في تاريخها الحديث. وأساءت إلى صورتها في نفوس السواد الأعظم من أبناء جنوب الوادي الذين كانوا يرون فيه حكما مصريا صميما يتسلط فوق رقابهم. منذ الغزو حتى عصر محمد علي خصوصا في عهد الخديوي إسماعيل بمعاونة صمويل بيكر وغردون. وضمت مصر المديريات الإستوائية وأعالي النيل. لذايجب، بل يتعين على الدارسين في علاقات الشعوب المتجاورة عدم تجاهل هذه الأحداث الدامية وعنف آثارها السلبية في علاقات الجوار وبخاصة الآثار الثقافية والإقتصادية وترسبها في الدم والشعور والأفكار، حيث تقف حاجزا نفسيا يمنع الإلتقاء والتقارب والوحدة والتكامل مع مصر ................. من كل هذا السرد التاريخي والنقل الوثائقي نصل إلى حقيقة واحدة مفادها أنه لا يوجد حاجز نفسي أو مادي يمنع الإمتزاج في مجتمع غرب إفريقيا – التكرور – إلى حد الترابط والإنصهار ووحدة المشاعر ووحدة الطباع نتيجة للتقارب الفكري والنفسي بين إنسان موريتانيا الشناقيط وإنسان وادي النيل وإنسان بلاد تكرور ‘إنظر: كترانج د. عز الدين الأمين ص 120-128‘ في المفاهيم والأفكار والميول والرغبات المرتبطة بالواقع وبالمفاهيم ربطا وجدانيا يجري طبيعيا داخل الإنسان التكروري والإنسان الخرطومي في إنسياب وإمتزاج بحيث لا نرى إختلافا كبيرا في عقلية ونفسية الإنسان التكروري و"الخرطومي" كأنهما شخصية واحدة لعقلية ونفسية واحدة هي شخصية إنسان ما يسمى ببلاد التكرور ووادي النيل جغرافيا، والتي تشمل منطقة غرب إفريقيا وسودان وادي النيل، وتعرف جغرافيا بالحزام السوداني الممتد من قلب القارة الإفريقية من الشرق إلى الغرب، وهي المنطقة التي أطلق العرب على سكانها: أصحاب البشرة السوداء ....)

(.... وفي الفترة بين 1804م و 1810م تمكن عثمان ‘دان فوديو‘ من فتح بلاد الهوسا وجزء من مملكة برنو، وكان من المرتقب أن يفتح برنو كلها لولا تدخل الشيخ محمد الأمين الكانمي "ملك كانم" في الحرب ومناصرة أعدائه .............. ولكن حركة عثمان أدت إلى وضع جديد. فقد أصبح المجتمع يقوم على الثنائية، إذ هناك سلطة الدولة وبجانبها الولاء للدين. والناس ينتمون إلى المجتمع بصفتهم أتباعا في الدين وبصفتهم مواطنيين في السياسة، وهذا بخلاف ما كان في النظام الوثني. وقد دفعت حركته بإقليم الهوسا إلى التاريخ كما إنها غيرت موازين القوى في المنطقة إذ توقف توسع مملكة برنو وصعدت إمبراطورية عثمان وقد توقفت غارات الزغاوة من الصحراء وعلى إثر ذلك صعدت مملكة كانم ............... وأمر آخر يدل على صلة حركة عثمان بالسودان وهو أن المهدي كان مدركا لما يجري وما كان عليه حياة، ولذلك كتب إليه داعيا إياه للإنخراط في سلك أتباعه. وقد تحرك بالفعل بعد أن إستجاب، إلا أنه بقي في برنو دكوا جنوب تشاد الحالية حليفا لرابح بن فضل الله حتى قتل ‘لم يستقر رابح في جنوب تشاد الحالية بل واصل من منجفا – جنوب تشاد – إلى برنو ودمر عاصمتها كوكاوا وأقام عاصمتها في دكوا وق إنتقل إليه الشيخ حياة بن سعيد حفيد الشيخ عثمان وانضم اليه في دكوا في نيجريا الحالية وليس في جنوب تشاد‘. ومن غرائب تاريخ هذه المنطقة أن يلتقي رجل خرج على جماعته في السودان وشق طريقه إلى الغرب ورجل آخر خرج على جماعته في سكتو وشق طريقه إلى الشرق في جنوب تشاد الحالية، وأن يتركا بصمات غائرة في تاريخ المنطقة. وقد تعامل افثنان مع المهدية ولكن كل بأسلوبه ومن أجل هدفه. وقد ماجت ودّاي وبرنو بتأثيرات جهاد عثمان من جهة وتأثيرات المهدية السودانية من جهة أخرى ....)

(.... وسواء أكان الفونج يرجع أصلهم المباشر إلى أعالي النيل الأزرق – وإن كان أصلهم البعيد لا يزال محل إختلاف وجدل بين العلماء – فإن الواقع والمنطق يُرجع أصل الفونج إلى البرنو ‘العنصر البرناوي خليط من الدماء العربية والحامية والزنجية وهم - في الواقع – إمتداد لدولة الزغاوة والكانم. إستقرت دولتهم قرب بحيرة تشاد ويعتبر السلطان علي غازي السيفي 1472م-1502م هو مؤسس إمبراطورية البرنو وفي عهده إستطاعت إمبراطورية البرنو أن تخضع "البلولة" في المنطقة الواقعة شرق بحيرة تشاد وأن توحد كانم وبرنو في إمبراطورية واحدة. انظر: برنو في عهد الأسرة الكانومية د. مصطفى على بسيوني أبو شعيشع وكتاب إنتشار افسلام في القارة اففريقية د. حسن إبراهيم محمود ص 138 وكتاب دولة الإسلام وحضارته في افريقيا د. عبد الرحمن عبد الله الشيخ ص 83-89 وانظر: الغرابة ودورهم في تكوين الهوية السودانية د. عبد الله عبد الماجد إبراهيم ص 103‘. يقول د. يوسف فضل: "يرجع مواطن الفونج واصلهم إلى واحدة من ثلاث مناطق: بلاد الحبشة، وبلاد برنو، ومنطقة الشلك على النيل البيض" ويقول: "ويلاحظ أن بلاد الحبشة تجد تفضلا في الروايات الوطنية، وتتواتر عند النسابة السودانيين الذين ينسبون الفونج إلى بني أمية، بينما تقف بلاد الحبشة والبرنو في أنهما وقعتا تحت مؤثرات إسلامية قبل قيام مملكة الفونج" ‘مقدمة في تاريخ المملك الإسلامية في السودان الشرقي، الدكتور يوسف فضل حسن ص 45-50‘ وتكاد المصادر تجمع على أن أول بلد دخله الإسلام في السودان هو كانم والبرنو. إذا كان هذا واقعا ومثبتا في سجلات التاريخ، وصح أن دولة برنو كانت على صلة عظيمة بودّاي ودارفور – طبعا لعظمتها وقوة نفوذها، فهي أعظم دولة إسلامية أقامها الوطنيون الإفريقيون وحافظوا على عظمتها، وإستمرت دولة إسلامية كبرى عمرت أكثر من تسعة قرون. والدولة أو النظام الذي يبقى هذه المدة الطويلة – على الرغم مما يعرض لها من صعاب وكوارث – هي من غير شك دولة وطيدة الأركان ثابتة الدعائم. ولو لا قوة نظمها لما تعرضت للسعة والإنكماش في حدودها؛ فهذه عوارض تصيب الدول كأي كائن حي ‘إمبراطورية البرنو الإسلامية، د. إبراهيم على طرخان ص 7‘. إذا كان هذا واقع إزدهار إمبراطورية البرنو، وقوة نظمها، وأصالة قواعدها، وأنها كانت على إتصال بسلطة دارفور التي إمتد نفوذها إلى سنار حتى وصل شندي، وأن "آركل" عدل عن تأييده المطلق لنظرية الأصل الشلكاوي للفونج، وأن الفونج في نظره وتحليله هم البرنو، وأن نظرية الصل الأموي التي تجد تفضيلا وإستحسانا في الروايات الوطنية قد يتطرق إليها الشك، إذا كان هذا هو واقع، وما قيل في أصل الفونج، فلماذا نتعدى هذا الواقع على الرغم من معقوليته ومبرراته؟. لم لا نربط هويتنا السودانية بهذه الإمبراطورية الإسلامية الوطيدة التي عمرت أكثر من تسعة قرون وشاركت مع الزغاوة في إسقاط مملكة علوة وقيام مملكة الفونج الإسلامية؟ ‘الإسلام والثقافة العربية في إفريقيا، د. حسن أحمد محمود ص 299‘ ولا يزال هناك قبيلة من الزغاوة هم: "عقابة" وأولاد دوري وأولاد لحين والنوي وكدو ينتسبون إلى الشيخ محمد علي علومة الأمين البرناوي!.

وإن مبررات ربط هويتنا بهذه الإمبراطورية هي:-

أولا: إتصالها المباشر بدارفور. إذ يرجع أصل شعب البرنو إلى الهجرات التي إمتدت من سنة 800-1250م. وكانت هذه الهجرات قوامها البرنو والزغاوة، الذين إمتدوا في منطقة واسعة من دارفور شرقا حتى بحيرة تشاد وما جاورها غربا. وصار التداخل بين تلك القبائل على مستويات عديدة، فشكّلت وحدة سياسية خاض سكانها تجارب تاريخية مشتركة. ثانيا: إن إمبراطورية البرنو هي التي إستولت على نفوذ دولة كانم، التي بسطت سلطانها على قبائل السودان الشرقي إلى حدود مصر وبلاد النوبة. ثالثا: إن الروايات تشير إلى إمتداد نفوذ البرنو إلى شرق وادي النيل. وأن سلطنة سنار أسسها الملك عثمان الذي طُرد من برنو عام 1486م. وأن عمارة دنقس من سلالة ماي عثمان، ولا سيما إذا عرفنا أن اسم عمارة يتردد في جدول أسماء برنو، وعلى الرغم من النقد الموجه إلى هذا الرأي ‘شاطر بصيلي عبد الجليل – معالم تاريخ سودان ووادي النيل ص 24، د. يوسف فضل حسن- مقدمة في تاريخ المملك الإسلامية في السودان الشرقي ص 60-65‘ فإن هناك من المؤرخين من يرجح هرب ماي عثمان بع سنة 1441م أي قبل ظهور الفونج بعشرين سنة، وأنه قد يكون صحيحا ‘تاريخ الثقافة العربية في السودان د. عبد المجيد عابدين ص 48-52، الإسلام والثقافة العربية في أفريقيا د. حسن أحمد محمود ص 315‘ وقد صحبه أفواج من البرنو، ولا يستبعد أن يكون معهم بعض قبائل الفلاتة والتنجر وغيرهم. رابعا: إنها دولة أفريقية إسلامية أصيلة، أخذت في العروبة والإسلام - كما يقال – بسبب ونسب. وكان لها شأن وحضارة وإستمرار تاريخي حتى مطلع القرن العشرين. وقد علق صاحب كتاب "الفتاش على دولة البرنو الإسلامية وعظمتها" بقوله: إن صاحب برنو هو أحد سلاطين الدنيا الأربعة العظام، وعبارة سلاطين الدنيا الأربعة تعني: السلطان الأعظم سلطان بغداد، وسلطان مصر، وسلطان برنو، وسلطان مالي. خامسا: إن قبيلة البرنو ما يزال لها بالسودان وجودها الفعال وقوتها المؤثرة في الجنس والهوية، ولهم مواطن ومواطيء أقدام في جنوب دارفور وكردفان والجزيرة. وإنتشروا في جميع أنحاء السودان. وإختلطوا بكل القبائل الشمالية؛ الدناقلة والجعليين والشايقية وغيرهم تبعا لتوافر عوامل شبه كثيرة مثل: شكل الرأس والشعر وابعاد الأطراف، مع إضافة صفات فيزولوجية وخصائص دموية، بحيث لا تستطيع اليوم أن تميز البرناوي من الشايقي والزغاوي من الجموعابي والبرقاوي من الدنقلاوي والكانم من الهدندوي في الشكل والصورة، إلا في جوانب ضيقة جدا ناهيك عن أن بعض المؤرخين قد أثبتوا العلاقة بين الفلاتة التكروريين وبين الجعليين العباسيين وخاصة الشايقية، وفيهم السواراب الذين هم من أم تنجراوية أتى أهلها من أرض برنو الذين إستقروا بدارفور ثم إنتقلوا إلى شمال السودان ‘انظر الفلاته في افريقيا ومساهمتهم الإسلامية والتنموية في السودان، أستاذ الطيب عبد الرحيم محمد ص 224-233 وانظر الملحق رقم 4‘.

فلماذا، وعلى الرغم من كل هذه المبررات لا نربط الهوية السودانية بالعنصر البرناوي والشخصية البرناوية؟ أو نجعل من مقومات الشخصية السودانية المعاصرة الجنس البرناوي؟ فلقد غزدهرت حضارة غمبراطورية البرنو وظلت آثارها الثقافية والحضارية سائدة في مساحات كبيرة، وفي قلب افريقيا من فزان شمالا إلى أداماوة وبحيرة فتري جنوبا ومن نهر النيجر غربا إلى ودّاي ودارفور شرقا، بل إمتدت آثارها إلى مشارف النيل ‘دفي دسم بازل – إفريقيا نحو أضواء جديدة، ترجمة جمال محمد أحمد، مصر 1962 ص 162-163‘. ونعود ونتساءل، لماذا الحاجز الوهمي بين الهوية السودانية والجنس البرناوي ما دام الواقع يؤكد قوة الإتصال وعظمة الدولة ونفوذ الإمبراطورية وحضارة البرنو؟. وكل الإفتراضات تتضافر على تاكيد ذلك، بدلا من ربطها "الهوية السودانية" بقصة العرب الأمويين الذين هربوا من مصر إلى بلاد النوبة والبجا وتزوجوا بالأفريقيات ‘السودان عبر القرون – مكي شبيكة ص 52، ونعيم شقير ج 2 ص 72‘. لأن هؤلاء العرب، وإن شكلوا قومية، إلا أن التاريخ لم يثبت لهم حضارة سواء قدموا عن طريق مصر أم إنحدروا من الشرق من المنطقة التي تقوم على مداخل حوض النيل وإثيوبيا ‘معالم تاريخ السودان، شاطر بصيلي عبد الجليل ص 23‘. وحتى لو كانت لهم حضارة، فإنها لم تكن بحال من الأحوال في مستوى وعظمة حضارة إمبراطورية البرنو، لا في إمتداد عمقها العربي ولا في توسعها القاري أو القطري. وحتى لو كان الأمويين تزوجوا بالأفريقيات مما اثر في لونهم وطباعهم وتقاليدهم - كما يقرر الدكتور مكي شبيكة -، لهم حضارة أم ليست لهم حضارة، فالنتيجة واحدة، عناصر وافدة إختلطت بجماعات مستقرة عن طريق المصاهرة، شكلوا وجودا وبنوا مجتمعا ووقعوا حلفا ثم أقاموا دولة هي دولة سنار.

والذي يعنينا من كل هذا هو الواقع الذي يقول: إن كل مجموعة من الناس تنتمي إلى العنصر الذي أثّر فيها أكثر من غيره من العناصر. ولا شك في أن العنصر القادم إلى سودان وادي النيل من جهة الغرب هو أقوى العناصر والجنسيات تأثيرا من قومية وسط سودان وادي النيل، إذا ما قيس بتأثير العناصر الأخرى القادمة إلى وسط السودان من جهة الشرق "الحجاز والحبشة" وجهة الشمال "مصر وليبيا". فهل يا ترى لا يدعم كل هذا الرأي القائل: إن سلطنة سنار أسسها الملك عثمان الذي طُرد من برنو عام 1486م، وأن عمارة دنقس من سلالة ماي عثمان؟ ومن ثم تكون الطريق إلى ربط الهوية السودانية بهذه الجنسيات ذات العلاقة الوطيدة بشعب وادي النيل معقولا ومنطقيا؟ بدلا من اللجؤ إلى الإستنتاجات والإحتمالات والروايات المستحسنة لربط الهوية السودانية بالأصل الأموي أو الحبشي للفونج، وأنهم من الأمويين المولدين الذين إختلطوا بالإثيوبيين والبجا وتزوجوا بالأفريقيات! ‘والمتواتر بين البرنويين أن هناك صلة بين حكام برنو وحكام الحبشة، بدليل أن بين القاب ماي برنو لقب "ماقدة بي" أي: من ماقدة، وكذلك هناك صلة من حيث التقاليد والعادات بين مايات برنو وبين حكام منطقة الجزيرة في سودان وادي النيل وفي النوبة ومروي – انظر إمبراطورية مملكة البرنو د. طرخان ص 51‘، فإن نظرية إدعاء ملك الفونج النسب إلى الدوحة الأموية العربية الشريفة شكك فيها "بروس" قائلا: "إن تجعيد شعره وفرطحة قسمات وجهه وسواده يدلان على أنه من الشلك" ‘مقدمة في تاريخ المملك الإسلامية في السودان الشرقي، د. يوسف فضل حسن ص 51-53‘. هذا الإدعاء نجده سائدا في كل المجموعات السودانية المستعربة والتي إعتنقت الإسلام. وفي مخطوطة عربية ترجع كتابتها إلى فترة 1657-1669م في تمبكتو، عثر عليها الفرنسي دوينريير: هناك أربعة جنود من جيش عمر بن عبد العزيز الخليفة الأموي "99-101هـ/717-720م" جاؤوا من اليمن إلى البرنو، وإستطاعوا أن يكونوا أسرة مالكة في برنو وغيرها من بلاد السودان. وقد إختلطت أخبار هذه المخطوطة بالأساطير، وذكر البكري أن قوما من بني أمية هاجروا إلى كانم عند محنة بني العباس. ويشكك ياقوت في هذه الرواية، حيث تحدث عن كانم وأهلها في قوله" "وهم سودان مشركون يزعمون أن هناك قوما من بني أمية ساروا إليها عند محنتهم من بني عباس". فإذا كان هذا الإدعاء سائدا في كل الشعوب الإفريقية التي إعتنقت الإسلام، سواء من شرق إفريقيا أو غربها – وقد شكك فيه المؤرخون من العرب وغيرهم أمثال "بروس وياقوت" فإنني اقول: لماذا لا نخرج من دائرة الشك إلى اليقين الذي يستمد جذوره من الواقع المعاش ومن أعماق البيئة وأحداث التاريخ وظروف الإجتماع؟ وهي ضرورة سياسية وإستراتيجية لها ما يبرهها، ولا سيما في هذا العصر، عصر الوعي القومي والسياسي ناهيك عن أن كل مجموعة من الناس تنتمي إلى العنصر الذي اثر فيها أكثر من غيره من العناصر. ولا شك أن أثر الدم الإفريقي في المواطن السوداني أكثر من أثر الدم العربي. ولست أعني بهذا أن عروبة المرء تقاس بشكله أو بلون بشرته؛ فإن نظرية نقاء الدماء في جنس من الأجناس أصبحت نظرية بالية عتيقة بعد أن تم طريقة إكتشاف المورثات، وأصبح معلوما أن المورثات موجودة في كل مكان في العالم، وإن كانت نسب المورثات تختلف - أحيانا – من بيئة إلى بيئة ومن جنس إلى جنس ‘السودان والحضارة العربية – عبده بدوي ص 29-33‘. إضافة إلى ما تقدم، فإن أي دارس لتاريخ الممالك الإسلامية في غرب إفريقيا ووسطها يكاد يجزم بالربط الثقافي والفكري ووحدة الحس والشعور والمثل والأهداف، ما بين ممالك غرب دارفور: غانا، وصنغي، وكانم، وبرنو، وفلاته، وقبائل ممالك دولة سنار، وشعب وادي النيل. روابط كانت - ولا تزال – أقوى من أي رباط بين دولة سنار وقبائل الدول والممالك المجاورة للسودان، من الشرق أو الشمال أو الجنوب. إن ربط الهوية السودانية بالعنصر البرناوي له وجاهته ومبرراته. وما يدعمه إلاميا وجغرافيا وثقافيا وتاريخيا. ولا شك في أن التاريخ - كما يقال -: "محكمة قديمة خالدة نزيهة، وُجدت قبل ظهور الغايات السياسية والأهداف الشخصية". ولا أحد يستطيع اليوم أن يتجاهل هذه القبيلة "البرنو"، ووجودها الواسع الممتد في كل أنحاء السودان: من كلامبار ومنواشي ودارا وكبم ورهيد البردي وملمول وأرديب وتويل ودرتي وتوال وديتو وأم غبيشا وجديد صدقي ومرشن ومنسا ونيالا وإنتهاء بالرهد وكوستي والجزيرة والخرطوم ‘للوقوف على مدى إرتباط أبناء برنو بالسودان خاصة دارفور انظر: الطبقات، تحقيق د. يوسف فضل هامش ص 100 والتونسي ص 74،.)

(.... لقد كانت الصلة بين غرب افيقيا ومعاهدها الثقافية بدارفور ومملكة الفونج "سنار" صلة متصلة تؤيدها الحقائق. إذ نجد أن لقب السلطان في برنو هو "ماي" وهو نفسه لقب "مك" الذي يعني لقب السلطان أو الملك الذي كان يستخدم في السودان ....)

(.... وكما تزوج الشيخ محمد البدوي محمد نقد من الغرابة "البرنو" تزوج أيضا الشيخ أبو القاسم أحمد هاشم من فلاتة مالي أو موريتانيا، بل ومن الحبشة فجاءت أسرته في تكوينها تمثل معلما هاما من معالم الوحدة الوطنية فهي لم تقم على عصبية ولا على قبلية ولا جهوية ....)