الرئيسيةبحث

أدب الأطفال

مراحل في تطور ادب الاطفال العربي (القسم الاول)

مقدمة

القسم الأول

بدايات وتطور ادب الاطفال العربي خلال القرن التاسع عشر

كما هو الحال بالنسبة لبدايات وتطور ادب الاطفال الاوروبي، فقد تطور ادب الاطفال العربي مع تأسيس اجهزة التعليم العربية الحديثة – للمسلمين والمسيحيين – في الدولة العثمانية (مصر، سوريا، فلسطين ولبنان)، خلال القرن التاسع عشر. وقد اعتمدت اجهزة التعليم الحديثة -التي كانت تدرّس عددا بالغ التنوع من المواضيع- على كتاب التعليم العلماني، بخلاف اجهزة التعليم التقليدية والتي كانت تعتمد على القرآن لدى المسلمين او الكتاب المقدس لدى المسيحيين. ورغم ذلك يجدر بنا ان نشدد على حقيقة ان الاطفال - كما الكبار- كانوا قد اطلعوا قبل القرن التاسع عشر على الادب العلماني، والذي غالبا ما كان ذا صبغة شعبية، فهو اما كان يُحكى او يُقرأ بصوت عال على الملأ او في نطاق العائلة. بناء عليه يمكن القول انه حتى القرن التاسع عشر توفرت للاطفال كتب أُلّفت للكبار – سواء كانوا متدينين ام علمانيين. وفي هذا القرن ايضا، مع ظهور جمهور قراء شاب في اعقاب التعليم الحديث، كان الاطفال يستعينون بمكتبة الكبار. لكن الامر المميز هو انه في هذا القرن توفرت للاطفال كتب كُتبت خصيصا لهم، الكتب التعليمية اساسا، لكن توفرت لهم اضافة لها:-

كانت بغالبيتها العظمى مترجمة او مقتبسة عن الادب الاوروبي. الى جانب اجهزة التعليم والتي كانت الدافع الاساسي لظهور وتطور "جهاز" الكتب المخصصة للاطفال واحياء الادب العربي بوجه عام، لعبت الطباعة والصحافة اللتان تطورتا خلال هذه الفترة دورا فاعلا في هذه العملية. فالمصادر العربية التي تتناول النتاج الادبي في القرن التاسع عشر تشدد بدورها على دورهما الهام. وتفرد حيزا خاصا لمناقشة تاريخ الطباعة والصحافة العربية، واسهامهما في ظهور وازدهار النتاج الادبي بمجمله (زيدان 1914، المجلد الرابع، ص 53-61، 62-75؛ شيخو 1991، ص 6-7، 19-20؛ ياغي 1968، ص 62-118). بموازاة المراكز الثقافية التقليدية، والتي كانت ذات طابع ديني، ازدهرت في المناطق الانفة (مصر، سوريا، فلسطين ولبنان) مراكز جديدة عكست الثقافة والاداب الحديثة، وكانت ذات طابع علماني، وفيها أُلفت وطُبعت معظم الكتب باللغة العربية، للكبار والصغار. ومن ابرزها مدينتا (بيروت والقاهرة) اللتان لعبتا دورا ثقافيا هاما حيث أُسست فيهما المطابع التي اصدرت العديد من الكتب باللغة العربية – ككتب التراث التي اعتبرت من كنوز الثقافة العربية وآدابها الكلاسيكية، والكتب الحديثة (المعاصرة)، اضافة إلى الكتب المترجمة او المقتبسة عن الاداب الاوروبية، او تلك المكتوبة على غرار الكتابات الاوروبية الشائعة. كذلك فقد تأسست فيهما لاول مرة الصحف والدوريات العربية والتي لم تكتف باطلاع القراء على المقالات التي تناولت احداث الساعة وعالجت ما يدور في محيطهم الثقافي، انما اطلعتهم على جوانب مختلفة من الثقافة الغربية، وذلك من خلال التقارير التي تحدثت عن اسلوب المعيشة في البلدان الاوروبية وفي أمريكا، اضافة إلى التقارير عن المجالات المعرفية والعلمية الحديثة. كذلك كانت هذه الصحف بمثابة قناة هامة تمكّن القراء من خلالها من الاطلاع على اعمال ادبية حديثة للكتاب العرب والاقتباسات اوالترجمات عن الادب الاوروبي. وقد طُبعت في مطابع بيروت والقاهرة معظم الكتب التعليمية الاولى باللغة العربية، والتي كانت بجزء منها ترجمات واقتباسات لكتب الفت في أوروبا، وبعضها كانت بقلم مؤلفين عرب محليين. وقد سنحت الفرصة لتحقيق هذه الامور مجتمعة بفضل الاعتراف بمتانة الثقافة الاوروبية والتي حفزت على اقامة اجهزة التعليم العربية للمسلمين أملا في امتلاك ادوات لمواجهتها، وادت إلى فتح المنطقة امام نشاطات الحركات التبشيرية التي آمنت انها قادرة على زيادة اعداد المؤمنين التابعين لها من خلال المدارس التي اقامتها. هذا التطور الثقافي الهام، والذي كان التغيير الاهم الذي طرأ في تلك الفترة، ادى إلى نشوء جيل جديد من المثقفين، المفكرين والمتعلمين والذين اهلّهم تعليمهم الحديث لاستيعاب النماذج الجديدة وتطبيقها على الثقافة العربية وآدابها. وهكذا فان رواد الادب والثقافة العربية الحديثة كانوا مثقفين ومتعلمين درسوا في اجهزة التعليم الحديثة او اطلعوا على الثقافة الاوروبية بشكل مباشر من خلال التواجد في أوروبا لفترة ما وتعلم اللغات الاوروبية، او بشكل غير مباشر من خلال الترجمات والاقتباسات عن الثقافة الاوروبية وآدابها. فلسطين (اي دولة إسرائيل وحدود السلطة الفلسطينية اليوم) كانت من الناحية الجغرافية، الاقتصادية والثقافية تابعة لسوريا الكبرى، وبالتالي فان سكانها اعتمدوا على المراكز الثقافية الجديدة التي نشأت خاصة المركز في بيروت. من هنا مثلا يورد البحري في كتابه "تاريخ حيفا" انه حتى عام 1914 لم تكن في حيفا مكتبة لبيع الكتب، وبالتالي فقد كانت المدارس تحصل على الكتب اساسا من المكتبات في بيروت وأوروبا (البحري 1922، ص 27). مع تأسيس اجهزة التعليم الحديثة والتي اتخذت كتاب التعليم اساسا لها، اطلع الاطفال لاول مرة على نصوص تعاملت معهم كافراد مختلفين عن البالغين. وهكذا فقد نشأت في القرن التاسع عشر مكتبة جديدة باللغة العربية – مكتبة الطفل، وضمت حوالي 500 كتاب للاطفال والفتيان باللغة العربية، وكانت هذه الكتب بغالبيته العظمى تعليمية تناولت المواضيع المختلفة الخاصة بجهاز التعليم الحديث (هذه المعطيات مستقاة من البحث الذي اجريته لنيل شهادة الدكتوراة في موضوع تطور ادب الاطفال العربي. وبما انه تعذر علي الوصول في نطاق البحث إلى المكتبات والمكتبات الخاصة في الدول العربية، يمكن الافتراض بان عدد هذه الكتب أكبر بكثير، ومن الارجح ان يكون الضعف – ن.م.). لكن لم تولَ هذه المكتبة العناية البحثية او الثقافية الجادة، والتي حظيت بها مكتبات الاطفال الاوروبية والعبرية. ورغم اسهام هذا الحقل المعرفي الحاسم في احياء الثقافة العربية وآدابها، ورغم الكم الهائل من الكتب فيها، الا انها لم تحظ باي اهتمام بحثي ضمن الدراسات الشاملة والعديدة التي اجريت على الثقافة العربية الحديثة وآدابها التي نشأت وتطورت خلال القرن التاسع عشر. في الحقيقة يمكن القول ان هذه المكتبة لم تحظ باي توثيق باعتبارها "مُلكا ثقافيا" تجدر دراسته وتوصيفه على انفراد، وبوصفها جزءا من النشاط الثقافي والادبي بشتى مجالاته في القرن التاسع عشر (زيدان 1914، شيخو 1991، الجندي 1960، حسين 1983، ص 91-147 اضافة إلى العديد من المصادر الاخرى). غالبا ما تتم الاشارة إلى بعض كتب الاطفال بشكل عَرَضي ومتفرق في نطاق استعراض مؤلفات أحد الادباء او المفكرين والذي يكون قد الف الكتب للكبار اساسا، او في زاوية الاصدارات الجديدة. ويبرز في جميع المصادر التي تستعرض الكتب الصادرة خلال الفترة قيد البحث، عدم التطرق إلى الكتيبات المصورة، والتي كانت تشمل على الارجح المجلات ذات الغلاف الرقيق والتي تتضمن قصصا قصيرة للاطفال مترجمة عن الانجليزية، حيث كانت تهدف كما يبدو إلى تشجيع القراءة بين طلاب المدارس البروتستانتية. وقد ضاعت معظم هذه الكتيبات، لكن تمت الاشارة اليها في قوائم الكتب في فهرس المطبعة الامريكية في بيروت، وهذا يثبت قطعا ان الاطفال كانوا قد اطلعوا في مرحلة مبكرة على ادب الاطفال المترجم إلى اللغة العربية. هذا الفهرس، والذي يشتمل على الكتب التي طبعت في مطابع اخرى في بيروت، القاهرة ومدن اخرى، يعتبر احدى الوثائق الاهم في تاريخ ادب الاطفال العربي لسبب آخر الا وهو اشتماله على لوائح نادرة لكتب اطفال، غير موثقة في اي مصدر آخر، اضافة إلى كونه يعكس نوعية الكتب المختلفة التي كانت متوفرة في الفترة قيد البحث، كما انه يدلنا على العلاقة بين كتب الاطفال وكتب الكبار، والعلاقة بين المراكز المختلفة. كذلك فان هذا المصدر يقدم لنا معلومات هامة ونادرة عن بعض الكتب التي تم توثيقها، حيث يشتمل على توصيف مفصل لكل كتاب – ملخص مضمونه، حجمه الخارجي (قطعه)، توصيه عنه، ونموذج لرسمة منه. من هنا مثلا فان كتاب الروض النضير للولد الصغير موصوف على انه "كتاب لمنفعة الاطفال وتسليتهم، صفحاته وحروفه جميلة، يضم أكثر من مئتي رسمة، قصيدة وقصة سوف تدخل البهجة إلى قلوبكم" (برنامج الطبعة الاميركية 1891، ص 71). كما تقدم فان كتب الاطفال باللغة العربية انتشرت - بشكل مباشر- بفضل اقامة اجهزة التعليم الحديثة. فخلال القرن التاسع عشر تأسست في مصر وسوريا اجهزة التعليم الجديدة لتدريس الاطفال والفتيان والتي كانت تتعارض مع اجهزة التعليم التقليدية – الاسلامية منها والمسيحية. ورغم تباين اسباب وظروف اقامة اجهزة التعليم لكن يمكن القول ان جميعها تأسست بفعل الاحتكاك المباشر بالثقافة الغربية، والتي قدمت النموذج الاساس للتعليم والكتابة للاطفال. هذه الاجهزة تبنت من الثقافة الغربية اساليب التعليم الجديدة، بما في ذلك كتاب التعليم كعنصر أساس لتدريس معظم الفروع المعرفية الداخلة في مناهج التعليم الجديدة. رغم النموذج الاوروبي المُتبنى الا ان النشاط التعليمي لم يكن بمعزل عن السياق الثقافي العام، بل كان اشبه بانعكاس له، وقد ظهر هذا الامر عبر الخصائص البارزة للنصوص التي طالعها الاطفال. فقد اختيرت كتب القراءة الاولى من قبل المفكرين المسلمين والمسيحيين الذين اطلعوا على الثقافة الاوروبية اما من خلال جهاز التعليم الحديث، او عقب تواجدهم في أوروبا لفترة ما، واما عن طريق المبشرين المسيحيين – الامريكيين، الانجليز والفرنسيين اساسا- والذين نشطوا بين العرب خاصة في سوريا. في بدايات بناء جهاز التعليم لم يكن جمهور المتلقين واحدا ومتجانسا، وكانت بعض الكتب تتوجه لجمهور مختلط، اي انها كانت كتب قراءة ومطالعة للصغار والكبار، وبعضها الاخر كانت للاطفال فقط، اضافة إلى الكتب التعليمية وكتب القراءة وكتب اخرى غيرها لم تكتب للاطفال خصيصا، وهي اساسا تلك الكتب الادبية المترجمة او بقلم ادباء عرب، لكنها استخدمت ككتب تعليمية بفضل خصائصها المميزة. في المرحلة قيد البحث (القرن التاسع عشر) والتي كانت المرحلة الاولى من مراحل تطور جهاز التعليم، لم يكن هناك اي تمييز بين الكتب التعليمية والكتب الادبية المخصصة للاطفال، بل ان التمييز بين كتب الاطفال والكتب الاخرى لم يكن قاطعا. من هنا مثلا فان جريدة المشرق وضعت في زاوية استعراض الكتب كتب التعليم في خانة واحدة مع كتب التربية، الكتب العلمية والاداب، وذلك ضمن زاوية "الكتب المدرسية والادبية والشعرية"، او في زاوية "الكتب المدرسية والادبية والعلمية". ان مجرد استعمال النصوص الادبية ككتب تعليمية لا يحط من قيمتها الادبية، وهذا ينسحب على ادب الاطفال في بداياته. من هنا فان ادب الاطفال الاوروبي ظل مرتبطا بجهاز التعليم حتى اواسط القرن التاسع عشر، وبعدها فقط حقق استقلاليته. بالتالي لا غرابة في ان يكون معظم الادب المخصص للاطفال في اللغة العربية – سواء كانت مترجمة او بقلم ادباء وكتاب عرب- حتى ذلك الوقت تعليميا. سأنبري الان لاستعراض عدد من النصوص الاولى التي اطلع عليها الاطفال باللغة العربية. فمعظم النصوص الادبية طبعت ككتب للاطفال الذين تعلموا في اجهزة التعليم المسيحية. لكن الاطفال المسلمين ايضا اطلعوا على عدد من النصوص الادبية، لكنها في هذه الحالة لم تكتب خصيصا لهم ولم تكن ملائمة للاطفال الصغار من الناحية اللغوية او المضمونية. كتاب تعريب الامثال في تأديب الأطفال هو أحد الكتب الاولى التي أُلفت للقراء المسلمين الصغار، وهو كتاب اطفال صرف ترجمه عن الفرنسية عبد اللطيف افندي، وقام رفاعة رافع الطهطاوي بتنقيحه وتعديله، وطبع في القاهرة طبعيتين، في العامين 1845 و 1847 ( British Museum، vol.2، p.519 ؛ سركيس 1928، ص 1294، شيال 1958، ص 86؛ شيال 1951، الملحق رقم 3، 211 ). ويتضمن الكتاب على قصص تربوية ابطال اطفال من الجنسين في محيطهم القريب (عبد اللطيف 1845). ومع ذلك بما ان هذه النصوص لوئمت للثقافة المستقبِلة (اي العربية) فقد أُخفيت الملامح المضمونية الخاصة بالثقافة الاوروبية، من هنا لم تبرز هذه الثقافة الا من ناحية نصية من خلال اسلوب الكتابة الادبية للاطفال. للتشديد على ملاءمة الكتاب للثقافة العربية اضيفت في آخره مواد لوئمت لجانر الكتابة التقليدية – الامثال المنظومة والتي لاءمت القصص في رسائلها التربوية. كانت رواية مواقع الافلاك في وقائع تليماك من الكتب الاولى التي ترجمت للعربية، وهي في الاصل من تأليف المربي الفرنسي الشهير فينيلون (Fenelon). وقد صدر هذا الكتاب أول مرة عام 1699 ، ثم صدر بمئتي طبعة لاحقة (אופק،אוריאל 1985، לקסיקון אופק לספרות ילדים. כרך שני، עמ' 500). وقام رفاعة رافع الطهطاوي بتعريبه بعد ان سافر إلى باريس كمرشد ديني ضمن بعثة طلابية مصرية عام (؟). وقد تعرف الطهطاوي على الثقافة الفرنسية وشعر بالامتعاض والرثاء تجاه الثقافة العربية. فقد تعلم الفرنسية وقرأ خلال السنوات التي قضاها في باريس كتبا من تأليف كبار المفكرين والمثقفين الفرنسيين. وانعكست محبته الشديدة للغة الفرنسية وآدابها من خلال ترجمة هذا الكتاب الضخم عندما كان منفيا في السوان. وقد طبع هذا الكتاب في "الطبعة السورية" في بيروت عام 1967 وبلغ عدد صفحاته 792 صفحة (سركيس 1928، ص 946). وقد اعيدت صياغة هذه الرواية لاحقا عدة مرات في اللغة العربية، وصدرت بعد صدور ترجمة الطهطاوي لها. احداها هي الصيغة التي صدرت بعد عشرين عاما على ترجمة الطهطاوي، حيث قام عطية شاهين بتحريرها وتنقيحها ثم اصدرها بعنوان كتاب وقائع تليماك (وقد يكون هذا الكتاب مجرد تعديل لترجمة الطهطاوي نظرا للتشابه في العنوانين)، وطبعت في بيروت في المطبعة اللبنانية عام 1885 (سركيس 1928، ص 1340). وافتبس سعد الله البستاني الرواية واعادة صياغتها في مسرحية تتألف من خمسة فصول، نشرت بعد عدة سنوات من صدور ترجمة الطهطاوي، بعنوان رواية تليماك. ادبية. غرامية تمثيلية. خيالية. وقد طبعت في القاهرة في مطبعة "المكتبة السعيدية" عام 1869. اما الترجمة التي انجزها وديع الخوري، وهي بعنوان رواية تليماك ، فقد طبعت في بيروت عام 1912 (سركيس 1928، ص 850). كما كان كتاب روبنسون كروزو للاديب الانجليزي دانييل ديفو (Defoe، Daniel) من الكتب الاولى التي نقلت إلى العربية (وكان قد صدر بالانجليزية للمرة الاولى عام 1719). وقد صدر الكتاب في صيغته الاصلية بجزئين وسرعان ما اصبح من أكثر الكتب انتشارا حيث شغف به الكبار والصغار في أوروبا، وصدر بعدة طبعات وترجمات واصبح مع مرور الوقت كتابا للاطفال والفتيان، رغم انه لم يكتب لهم اساسا (אופק 1985، כרך 1، עמ' 190-189). وقد صدرت الطبعة الاولى من الترجمة العربية لكتاب روبنسون كروزو باغفال اسم المؤلف واسم المترجم في مالطا عام 1835، بعنوان قصة روبنصن كروزي، في جزء واحد، بلغ عدد صفحاته 252 صفحة ( سركيس 1928، ص 558؛ Bowering 1840، p.107; British Museum، vol. 1، p.477 ). وصدرت صيغة اخرى له بترجمة بطرس البستاني - والذي كما يبدو كان مترجم الصيغة الاولى ايضا (سركيس 1928، ص 558-557)- بعنوان كتاب التحفة البستانية في اسفار الكروزية او رحلة روبنصن كروزي. وحوت هذه الصيغة جزئي كتاب ديفو – الجزء الاول طبع في بيروت عام 1861 لاول مرة، ثم اعيدت طباعته مرة اخرى عام 1885 ثم طُبع طبعات عديدة غيرها. اما الطبعة الرابعة للقسم الثاني فقد صدرت عام 1922 (داغر: مصادر الدراسة ص 183 ؛ British Museum، Vol. 1، P. 429 . لكن لم تتوفر لدي اية معلومات عن طبعات سابقة للقسم الثاني). كذلك فان امثال (امثولات) لافونتين التي الفت منظومة باللغة الفرنسية لولي العهد لويس الرابع عشر ابن السادسة عام 1668 (אופק 1985، חלק 2، עמ' 353-354)، صدرت بعدة صيغ في اللغة العربية. كانت اولاها الترجمة الشعرية التي انجزها محمد عثمان جلال، بعنوان العيون اليواقظ في الامثال والمواعظ. وقد طبع الكتاب في القاهرة عام 1870 (على نفقة المترجم الخاصة) ثم صدر بطبعات اخرى في الاعوام 1880، 1908، 1978 (زيدان 1914، القسم الرابع، ص 245؛ شيخو 1991، ص 227؛ سركيس 1928، ص 1306-1307؛ ניקולסון 1798، עמ' 362؛ British Museum، vol. 2، p. 376). ورغم ان هذا الكتاب لم يكن معدا للاطفال الا انه ادخل عام 1894 كمادة قراءة في المدارس الابتدائية في مصر، وكثيرا ما وردت امثاله في كتب التعليم العربية. ثم قام الشاعر المصري الشهير احمد شوقي باقتباس وتعديل عدد آخر من امثال لافونتين، ادرجها في القسم الرابع من ديوانه "الشوقيات" بعنوان باب الحكايات. وقد طبع الكتاب في القاهرة عام 1898 وصدر في طبعات عديدة اخرى (سركيس 1928، ص 1158). كذلك وردت امثال لافونتين التي عرّبها واقتبسها احمد شوقي احيانا في كتب التعليم العربية.

كانت كتب القراءة الخاصة بتدريس اللغة العربية هي المصدر الاهم لاطلاع الاطفال على النصوص الادبية. فقد تضمنت كتب القراءة عددا كبيرا من النصوص الادبية المنقولة عن ادب الكبار العربي وادب الاطفال الاوروبي، سواء كانت ترجمات او اقتباسات او كتابات باقلام كتاب وادباء عرب. وكانت الامثولة احدى النصوص الادبية الاولى التي اطلع عليها الاطفال في كتب القراءة ايضا، ومن الارجح ان يعود السبب في ذلك إلى طابعها القصصي والتربوي. لكن من الجائز ان يكون السبب هو كثرة شيوع هذا الجانر في كتب القراءة المعدة للاطفال في أوروبا في عصر الانوار (טורי תשנ"ג، עמ' 78-81). وقد صدر اقدم كتاب قراءة في اللغة العربية، وهو بعنوان تعليم القراءة على الاطفال الصغار وبعض اقوال العرب وامثال لقمان الحكيم، في مالطة عام 1826، لتدريس الاطفال في المدارس المسيحية في الشرق(British Museum، vol. 2، p. 666). وقد تضمن هذا الكتاب – اضافة إلى تعليم الحروف الهجائية- عددا متنوعا من النصوص : امثال العرب وامثال لقمان الحكيم. وقد اصدر المستشرق جورج ويلهام بريتج امثال لقمان الحكيم في كتاب عام 1823 (سركيس 1928، ص 1448). ولاحقا انتشرت امثال لقمان الحكيم في كتب القراءة لتعليم المسيحيين، ولم يحتو الا كتاب قراءة واحد لتعليم المسلمين (وهو بعنوان كتاب الغاية والامثال لتعليم الاطفال، والذي صدر بطبعتين عام 1857 و 1866) على نبذة من امثال لقمان. اما كتب القراءة اللاحقة فقد تضمنت اضافة لامثال لقمان امثال لافونتين وامثال ايزوب.

من خلال كتب القراءة اطلع القراء الصغار على نصوص قصصية تعتبر اليوم من كلاسيكيات ادب الاطفال الاوروبي. مثلا في كتاب الدرة الفريدة الصادر عام 1883، وكان لتعليم الاطفال المسيحيين، نجد القصة الدرامية الشهيرة "الام الشجاعة"، حيث وردت بعنوان "النسر الذهبي والطفل". اما في كتاب المباني الاساسية (الجزء الثاني، الطبعة الرابعة، 1924) وهو كتاب قراءة للاطفال المسيحيين صدر لاحقا، فيمكن ان نجد قصة "الفجلة" والقصة التراكمية "قصر الفأر"، والتي تتحدث عن الانسجام الاجتماعي والاخلال به (تتحدث القصة عن فأر وجد جذر شجرة مجوفا فاتخذه مسكنا له. ثم انضمت اليه حيوانات اخرى لتشاطره هذا المسكن : الضفدع، الارنب، الثعلب والذئب وعاش الجميع معا بسلام. لكن يأتي الدب في النهاية ويهدم قصر الفأر ويفترس جميع ساكنيه). وقد عدلت هذه القصة الشاعرة ليئة غولدبرغ ونقلتها للعبرية بعنوان "מה בביתן" (صدرت هذه الصيغة مؤخرا بطبعة جديدة). اضافة إلى ذلك فقد تمكن الاطفال من خلال كتاب القراءة من الاطلاع على العديد من النصوص القصصية، والتي سميت "حكايات ونوادر"، المقتبسة عن الادب العربي الاسلامي. وقد نشرت هذه النصوص في كتب القراءة المعدة للاطفال المسلمين والمسيحيين على حد سواء. كان هذا استعراضا لعدد من النصوص الادبية التي نشرت اما ككتب او كنصوص في كتب القراءة العربية واستعان بها الاطفال في القرن الاول من الكتابة التمايزية للاطفال. ورغم اننا نتحدث هنا اساسا عن الترجمات والاقتباسات ورغم انه يمكن الافتراض بان جمهور الاطفال الذي اطلع على هذه النصوص لم يكن عريضا، الا انه يمكن ان نخلص من خلال مراجعة هذه النصوص إلى ان الادب الاوروبي كان معينا لا ينضب اقتبست منه النصوص الادبية كما المواد الاخرى في الكتب المخصصة للاطفال. من هنا يمكن ان نقول بثقة كبيرة بان ادب الاطفال العربي نشأ وتطور متكئا على ادب الاطفال الاوروبي والذي اصبح في اواسط القرن التاسع عشر جهازا مستقلا ومنتظما، بعيدا عن جهاز التعليم. لكن لا شك في ان النصوص المقتبسة عن ادب الاطفال الاوروبي تم اختيارها بدقة أكبر من النصوص المقتبسة من ادب الكبار الاوروبي، ذلك ان الاعمال الادبية المخصصة للاطفال والتي اعتبرت بعد انقضاء فترة وجيزة على طباعها لاول مرة من الروائع - مثل اليس في بلاد العجائب بقلم الاديب الانجليزي لويس كارول- لم تترجم ولم تقتبس في حينه للغة العربية. كذلك فان الحكايات الشعبية التي لاقت رواجا كبيرا في كافة البلدان الاوروبية (مثل حكايات الفرنسي تشارلز بيرو، حكايات الاخوين غريم في ألمانيا، وهانس كريستيان اندرسون من الدنمارك) أُهملت وأُغفلت بسبب التدقيق في اختيار النصوص المقدمة للاطفال في اللغة العربية في القرن التاسع عشر. ولم يتبدل هذا الوضع الا في الثلاثينات من القرن العشرين حيث عمل اديب الاطفال المعروف كامل الكيلاني على اقتباس هذه الحكايات. اضافة إلى عملية غربلة النصوص المقتبسة عن الثقافة الاوروبية فقد لوئمت هذه النصوص للثقافة العربية بحيث حذفت من غالبيتها او استبدلت معظم العناصر التي كانت تشير إلى اصلها الثقافي الاجنبي. كما اسلفت فرغم سعة نطاق حقل كتب الاطفال، الا ان توثيق هذه الكتب مقارنة بتوثيق كتب الكبار كان عشوائيا ومشتتا. وهذا يعكس قطعا المكانة التي تشغلها هذه الكتب ومكانة متلقيها في الثقافة العربية.

مصدر

مقالة بقلم نيتسة معوز (أدب الأطفال، children's literature، ספרות ילדים)