الرئيسيةبحث

نزهة المشتاق في اختراق الآفاق/الإقليم الخامس/الجزء التاسع


قد تحصل في هذا الجزء التاسع من الإقليم الخامس شمال بلاد الكيماكية وجملة بلاد أذكش ومدنهم وقلاعهم وأنهارهم وها نحن لها واصفون على عادتنا فيما سلف من الكتاب حسب الطاقة وبالله العون. فنقول إن بلاد الأذكش غربيها بلاد الأغزاز وأجناسها وشرقيها يجاور الجبل المحيط ببلاد ياجوج وماجوج وهذه البلاد التي هي مجال الأذكش وبها معاقلهم ومواطنهم هي أرض خصبة كثيرة الخيرات والمواشي وبها من السمن والعسل ما لا يوجد مثله في كثير من سائر الأقطار المجاورة لهم والمتباعدة عنهم وذلك أن الأغنام بها والأبقار لا يعبأ بها لكثرتها وليس للحومها عندهم قيمة وأن الرجل منهم ليذبح الشاة والشاتين فيأخذ جلودها ولا يجد لمن يعطى لحومها وجل أكلهم من اللحوم لحوم الخيل فإنها أجل لحم عندهم. وفي جنوب هذه الأرض بحيرة تسمى بحيرة تهامة وهي بحيرة يكون محيط دورها مائتين وخمسين ميلاً وماؤها أخضر شديد الخضرة إلا أن نشره ذكي وطعمه عذب جداً ويوجد فيه سمك عريض مرقش بكل لون تذكر الأتراك أنه أجل علاج يستعمل للباه وأنه أقوى من السقنقور وهو عندهم مشهور والصيادون يعرفونه في هذه البحيرة وذلك أن الصائد منهم إذا أرسل شبكته وأخذ هذا السمك وجد ذكره قائماً ولا يزال بتلك الحال ما دامت السمكة في شبكته وفي يده فإذا أرسلها عن يده سكن ما يجده من الإنعاظ. وفي وسط هذه البحيرة أرض كالجزيرة وطيئة ثرية جيدة التربة كثيرة العشب في كل الأحايين والترك يجوزون مواشهم إلى هذه الجزيرة فيقيمون بهايام الربيع كله وفي وسط هذه الجزيرة التي في وسط هذه البحيرة بئر محفورة لا يوجد لها قعر وليس بها شيء من الماء البتة ويقال إن بهذه الجزيرة نباتاً تقوم أوراقه مثل أوراق السعد شارعة القوام مخضرة اللون ولها في أصولها حبوب صغار حلوة طيبة الطعم وهي عندهم من أنجع شيء في علاج العين وفي علاج الذين لايقدرون على الجماع ويسقط إلى هذه البحيرة أربعة أنهار كبار وأحدها نهر تهامة وهو نهر كثير الماء قليل الإنحدار عميق القعر وبين منبع هذا النهر والبحيرة مسير ستة أيام وخروجه من ثلاث عيون دفاعة وبين هذه الأعين الثلاث نحو من مسير يومين فتمر العين الواحدة منها في غرب المدينة وتمر العين الثانية في شرقي المدينة ثم تجتمعان معاً تحت المدينة فتصيران نهراً واحداً كبيراً فتصبان في البحيرة المتقدم ذكرها وهذا النهر يقصده أهل بلاد أذكش بأولادهم يطهرونهم فيه قبل بلوغ الحلم فلا يسقمون ولا تجرب أجسامهم ولا يوجد في بلادهم أجذم البتة وأمر هذا الوادي عندهم صحيح التجربة في ذلك جداً ويقال إن ماؤه إذا سقي منه العليل من أية علة كانت سبعة أيام فإنه يبرأ وقد صح ذلك عندهم بتجربتهم إياه ويقال إن ماءه إذا غسل الإنسان به رأسه لم يتصدع تلك السنة وهذا عندهم مشهور وقد تكلموا في أمر هذا النهر وأكثروا القول في أمره حتى أنهم قالوا فيه أشياء يجب السكوت عنها. ويقع في هذه البحيرة المذكورة نهر آخر صغير يأتي من جبل جنف وهو نهر شديد الجرية وقعره صخر كثير الملاسة وليس في شيء منه حيوان لا سمك ولا ضفادع ولا أحناش ولا غير ذلك من حيوانات الماء وماؤه عذب صادق البرد ويقال إن مرقرنس الحكيم وصل إلى هذا النهر فطلسمه وعقده حتى لا يتكون فيه حيوان وهذا قول يسمع على الإطلاق. ويأتي إلى هذه البحيرة نهر ثالث منبعه من ظهر جبل أصغرون فيمر في جريته مشرقاً إلى أن يصل مدينة رشاقة فيجتاز بجنوب سورها مماساً له ثم يمر مشرقاً إلى أن يصل مدينة بغنون فيجتاز بشمالها ومن هذه المدينة ينعطف إلى جهة الجنوب فيمر إلى طرف جبال راس ويستقيم جرية حتى يسقط في نهر جنف ثم يصب في البحيرة. ويصب فيها نهر يأتيها من الجنوب وهذا هو النهر الرابع. وفي شمال هذه البحيرة جبل تراب أحمر كله مثقب من جميع جهاته فإذا جن الليل خرجت من جميع هذه الكوى جرذان سود تسرح بطول الليل ثم ترجع سحراً فلا تزال تفعل ذلك في كل ليلة دائماً وعلى رأس هذا الجبل مدينة تسمى شندران وأهلها يتصيدون هذه الجرذان بحيل عندهم فيذبحونها ويأكلون لحومها ويلبسون جلودها ويصنعون منها فراء لا يعدلها شيء في جمالها ودفئها. وفي شرقي هذه البحيرة وعلى أربعة أيام منها جبل خردا وهو جبل عال مرتفع في الجو وليس لهذا الجبل موضع يرتقى منه إليه وإنما هو من كل جهة كالحائط أملس لا يمكن الصعود عليه وقد حفر في أسفل هذا الجبل باب كبير ونقب منه متصل في جوف الجبل فيه طريق مدرج ذو تعاريج صاعد إلى أعلى الجبل حيث المدينة وهذه المدينة في نهاية من الحصانة والثقافة بحيث لا يتوصل إليها ما دام فيها رجل واحد فقط وفي وسط هذه المدينة عين نابعة ماؤها عذب كثير يشرب منه ويتصرف به ومغيض ما فاض منه مما يلي السور في حفر لا يعلم أين يصل مستقره ولا يوجد لذلك الماء أثر ومن قلعة خرداً إلى مدينة شندران في جهة الغرب ست مراحل وكذلك من قلعة خرداً إلى مدينة تهامة في جهة الجنوب أربع مراحل ومن مدينة خرداً إلى الجبل المسمى قوفايا سبعة أيام. وهو الجبل الذي يحيط ببلاد ياجوج وماجوج وهو جبل قائم الجنبات لا يصعد إلى شيء منه البتة وإن صعد لم يتوصل إلى قنته لكثرة الثلج المنعقد به وإنه لا يتحلل منه أبداً وإن أعلى هذا الجبل عليه شبه الضباب أبداً الدهر كله لا يتجلى عنه ولا يزول منه وخلف هذا الجبل من بلاد ياجوج وماجوج مدن كثيرة وفي هذا الجبل أفاع وهيات عظام تأوي إلى مهاو كائنة فيه وجميعها مؤذ يمنع أذاها من الترقي والصعود إلى أعلى الجبل ولو رام أحد الصعود إلى أعلاه ما امكنه ذلك في يومين بل يمكن في أكثر من ذلك وربما تعلق بهذا الجبل النادر من الناس فيرقى ليرى مافي أعلاه وماخلفه فلا يرجع ولايمكن رجوعه إما لعدوان الحيوان عليه أو لقبض الأمم التي خلف الجبل على من طرأ عليهم من سائر الأمم وربما رجع بالخبر الشاذ منهم ليخبر أنه رأى بالليل في تلك الأرض التي خلف الجبل نيراناً كثيرة وأما بالنهار فلا يرى شيئاً إلا ضباباً وسراباً مختلطاً متصلاً. وهذا الصنف من الترك المسمى أذكش يقال إنهم عراض الوجوه كبار الرؤوس شعورهم كثيرة وأعينهم براقة وكلامهم كلام منفرد بذاته وعبادتهم النيران وسائر الأنوار. وبالشمال من أرضهم جبل كبير يسمى جبل فرغان وهو آخذ في الطول من المغرب إلى المشرق نحو ثماني عشرة مرحلة وفي وسط هذا الجبل موضع عال كالقبة مستدير وفي وسطها بركة ماء لا يعرف أحد عمقها فلا يسقط فيها شيء إلا ابتلعته فلا يرى ولا يقدر أحد من الناس على العوم فيها ولا شيء من سائر الحيوان وكذلك إن وضع العود فيها إلا بتلعته وهذا عجب عجيب وفي أسفل هذا الجبل مما يلي الجنوب ويقابل أسفل تلك البركة مغارة يسمع فيها دوي كثير هائل يعلو صوته مرة ويقل في وقت آخر ولا يعلم ما سبب ذلك الصوت وإن تقدم إلى فم هذه المغارة المذكورة حيوان من إنسان أو بهيمة من قبالته فلا يرى ويذكر أنه تخرج من تلك المغارة ريح تجتذب المتعرض لذلك وهذا أمر عظيم وخبر هذه المغارة مشهور في تلك الأرض يتحدث به في سائر أرض الترك وقد تداولت الكتب أخبار ذلك لإشهاره عند مؤلفيها وقد حكى صاحب كتاب العجائب من هذه المغارة أشياء يحسن السكوت عنها لبشاعتها وقلة قبول العقول لها والله أعلم بذلك وحقيقته فهو الخلاق العليم.

نجز الجزء التاسع من الإقليم الخامس والحمد لله ويتلوه الجزء العاشر منه إن شاء الله.