الرئيسيةبحث

مجلة الرسالة/العدد 979/الأدب والفن في أسبوع

مجلة الرسالة/العدد 979/الأدب والفن في أسبوع

مجلة الرسالة - العدد 979
الأدب والفن في أسبوع
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 07 - 04 - 1952


للأستاذ عباس خضر

احتفال المجمع بإعلان نتيجة المسابقة الأدبية:

احتفل مجمع فؤاد الأول للغة العربية يوم الأحد الماضي بإعلان نتيجة المسابقات الأدبية لسنة 1951 - 1952، وقد افتتح جلسة الحفل معالي رئيس المجتمع الأستاذ لطفي السيد باشا، ثم وقف الأستاذ عباس محمود العقاد فألقى كلمته عن مسابقة الشعر، وقد بدأها بالإشارة إلى أزمة الشعر في الغرب منذ أواخر القرن التاسع عشر، وأورد تعليلات بعض النقاد الغربيين لهذه الظاهرة، ة أهمها أن القرن التاسع عشر تزعزعت فيه الدعائم التي كانت مستقرة، وتبلبلت فيه الأذهان التي كانت تتلاقى على أصول متفق عليها للتفاهم وتبادل الشعور، ولا محل للشعر الفخم، ولا للفن الرائع، حيث يبطل التفاهم بين الناس بالشعور، وينقطع التواصل بينهم بالذوق والخيال. وقال أن بعض النقاد يردون كساد الشعر - مع نظرتهم إلى المجتمع تلك النظرة - إلى عصر الصناعة، وضياع أنغام القصيد، وألحان الفن الجميل في ضجة الآلات وغمرتها

ومضى الأستاذ في ذلك إلى أن أستشهد بما قاله الأستاذ بنتو أستاذ اللغة الإنكليزية بجامعة نوتنجهام في الكتابة عن أزمة الشعر الإنكليزي من أن الفترة التي جاءت بعد الحرب العالمية الأولى بنحو عشر سنين كانت فترة لا يؤمن فيها الإنسان بما يستحق أن يحارب منأاجله أو يستحق أن يحاربه، وسواء فيها أن تناضل في هذا الميدان أو ذاك، فلا محل إذن للنضال

وخلص من ذلك إلى قيام مدارس (استفزازية) في الشعر وسائر الفنون، تقف موقف العاجز المتحدي المستقر، الذي لا يكلف نفسه شيئا ولا يسكت

ثم قال إننا لا نلحظ في مصر تلك النزعات لأن مجتمعاتنا تقوم على أسس غير أسس الاجتماع في البلاد الغربية، فنحن لم ننقطع عن الجادة، ولم تبلغ بنا الحيرة ذلك المبلغ، والشاهد على هذا الموقف هو الديوانان اللذان أجازهما المجمع هذا العام، وهما: ديوان (حياتي ظلال) للأستاذ إبراهيم محمد نجا، وديوان (اليواقيت) للأستاذ خالد الجرنوسي، وكلاهما يشتمل على الأماثل والقصص الذي تستفاد منه العظات، وما دامت هناك أمثولة فهناك قدوة مطلوبة وطريق مسلوك، وما دامت هناك عبرة فهناك معبر أو منهج معبور

واتى الأستاذ العقاد بأمثلة من شعر الديوانين مع شيء من التحليل الموصل إلى تلك النتيجة، ثم ختم كلمته بقوله عن الشاعرين: كان من مزاياهما أنهما يجمعان في عملهما بين القيمة الفنية والدلالة الاجتماعية، ومن أجل هذه المزايا خص المجمع أحدهما الأستاذ نجا بجائزة الشعر الأولى في هذا العام، وخص زميله الأستاذ الجرنوسي بجائزته الثانية

وأعقب ذلك الأستاذ محمود تيمور بك فألقى كلمته عن القصة، وقد تحدث عن القصة الفائزة (عبور الأعشى) للأستاذ محمود أحمد، حديثاً تحليلياً كشف فيه عن محاسن القصة وذكر بعض المآخذ فيها، ثم قال: ولعلي لا أذيع سرا مجمعيا حين أصارح بأن مجمعنا اللغوي تتردد فيه نزعتان: إحداهما تبغي تسجيل ما أشتهر من الألفاظ وذاع، والأخرى تريد أن ترشح للاستعمال جديداً من الألفاظ الفصيحة فيه غناء، وهاتان النزعتان تمثلتا دون قصد في عناية المجمع بالإنتاج الأدبي؛ فلقد أجاز من قبل أدباء ذوي أسماء معروفة، فكرم انتهاجهم وسجل اشتهارهم، وإنه اليوم ليزكي اسماً جديداً ينتظره الاشتهار ويستقبله الذيوع

وبعد ذلك تحدث الأستاذ الشيخ عبد الوهاب خلاف بك عن (الحسين بن أحمد المر صفي) موضوع البحث الفائز - وهو للأستاذ محمد عبد الجواد - فقال إنه أحد الأساتذة الذي كان لهم فضل في الدراسة الأدبية منذ بضع وثمانين سنة، ثم ماتوا وتركو آثارهم في الصدور، وقد أراد المجمع إحياء تاريخه عن طريق باحث من معاصريه قبل أن يعفى الزمن على سيرته، وقال أن الأستاذ محمد عبد الجواد صور هذه الشخصية وجلاها، وأبرز ما فعله بيان منهج الشيخ حسين المر صفي في الدراسة، إذ جمع بين العلم والأدب فكان يدرس الشواهد النحوية والبلاغية دراسة أدبية، قال الأستاذ عبد الوهاب خلاف بك ذلك ثم اقترح على صاحب البحث أن يهتم بهذه الناحية من دراسة الشيخ حسين المرصوفي. . وهي منهجه العلمي الأدبي الذي قال إنه أبرز ما في البحث. . فإذا كان هذا الاهتمام واقعاً فكيف يقترحه، وإذا لم يكن واقعاً فلم أشاد به. .؟

نتيجة المسابقات

ثم وقف الأستاذ عبد الفتاح الصعيدي المراقب الإداري للمجمع، فأعلن نتيجة المسابقات، وهي كما يلي: 1 - القصة: لم تجد اللجنة بين القصص المقدمة قصة تستحق الجائزة الأولى، ورأت أن خير القصص المقدمة قصة (عبور الأعشى) للأستاذ محمود أحمد، فمنحتها الجائزة الثانية وقدرها مائة جنيه

2 - الشعر: قررت اللجنة أن يمنح الأستاذ إبراهيم محمد نجا الجائزة الأولى للشعر وقدرها 150 جنيه على ديوانه (حياتي ظلال) وأن يمنح الأستاذ الجرنوسي الجائزة الثانية وقدرها مائة جنيه على ديوانه (اليواقيت)

3 - البحوث الأدبية: لم تجد اللجنة بين البحثين المقدمين ما يستحق الجائزة الأولى، وقررت أن يمنح الأستاذ محمد عبد الجواد الجائزة الثانية وقدرها مائة جنيه على بحثه (الحسين أبن أحمد المرصفي)

4 - الكتب المحققة: رأت اللجنة أن الكتب المقدمة لم تستوف شروط منح الجائزة

بقية الجوائز لوزارة المالية

كان المقرر لجميع الجوائز ألف جنيه، منح منها الفائزون 540 جنيهاً، وذهب الباقي - وقدره 550 جنيها - إلى بيت المال (وزارة المالية) إذ منعت الجائزة الأولى في كل من القصة والبحوث الأدبية، ومنعت كذلك جائزة الكتب المحققة كما سبق. وفي رأيي أن أصحاب الإنتاج المقدم كانوا أولى من وزارة المالية التي لا تنتج أدبا تستحق التشجيع عليه!

الكوميديا الإلهية

كان الأستاذ كامل كيلاني قد لخص (الكوميديا الإلهية) للشاعر الإيطالي (دنتي أليجييري) وألحقها بالطبعة الثالثة من شرحه لرسالة الغفران لأبي العلاء المعري، قاصدا بذلك أن يقرن بين العملين الأدبيين اللذين تشابها وكتبت البحوث المستفيضة في مدى ما بينهما من تماثل أو تخالف، وما قيل من تأثر دنتي بالمعري في الخيال الذي طاف بأرواح الخالدين في العالم الآخر

وقد رأى الأستاذ أخيرا أن يعد هذه القصة (الكوميديا الإلهية) إعدادا يناسب الشباب، فأفردها في طبعة جديدة، وتناولها بالدرس والشرح والتحليل في خلال السياق نفسه ولهذا العمل الذي يقوم به المربي الأدبي الكبير الأستاذ كامل كيلاني، ناحيتان لهما أكبر الأثر في التثقيف الأدبي وبخاصة في تنشئة الجيل وتخريجه وإعداده لتذوق الأدب الرفيع

الناحية الأولى هي قطف الثمرات الأدبية التي أخذت مكانها البارز على فروع شجرة الأدب العالية، ومعالجتها بما يدينها من إفهام الشباب وأذواق المعاصرين على العموم. وقد اختار من الأدب الغربي أربع قصص ذات صيت، أولاها (الكوميديا الإلهية) لشاعر الطليان، والثانية (جلفر) لسويفت الإنجليزي، والثالثة (روبنسون كروزو) لدانييل ديفو الإنجليزي أيضا، وقد ظهرت هذه القصص الثلاث، وبقيت القصة الرابعة التي لا تزال تحت الطبع وهي (دون كيشوت) لسر فنتيس الأسباني

ومما يذكر أن ثمت شبها بين قصتي (روبنسون كروزو) و (حي بن يقظان) لأبن طفيل، كما بين (الكوميديا الإلهية) و (رسالة الغفران) ويؤيد القول بأن صاحب (روبنسون كروزو) أستلهم (حي بن يقظان) أن هذه القصة العربية ترجمت إلى الإنجليزية سنة 1616م ثم ترجمت من الإنجليزية إلى عدة لغات، والفت (روبنسون كروزو) بعد ذلك بعشرات من السنين

الناحية الثانية، أو الثمرة الثانية، لذلك العمل المخصب، هي الصياغة العربية الجميلة التي يصوغ بها الأستاذ الكبير تلك الآثار الخالدة، هذه الصياغة التي يعطي فيها للناشئ محصولا شهيا من اللغة الملائمة له، وعمل الأستاذ كيلاني في هذا الحقل يشمل إنتاجه الوافر من بدئه مع الطفل في روضته حتى يبلغ بالشاب مستوى النضج. ونراه هنا في (الكوميديا الإلهية) يرتفع بفتاه إلى أسلوب يدنيه من أساليب البلغاء، ويسيغ له ما يراه جديدا عليه من كلمات بوضعها في سياق مبين أو بشرحها بين الأقواس، وهو يأتي بالكلمات المشروحة سائغة عذبة في تركيبها، ولم أجد فيها ما شذ عن ذلك إلا كلمتين ارتطمتا بذوقي وهما (حبيه) و (ودية) في العبارة التالية: (إن اسمي بيتريس وقد جئت إليك من دار النعيم، يدفعني حبيه (محبتي له) ويحفزني وديه (مودتي له). . .) وأنا لا أميل إلى اختيار الكلمات لمجرد إضافتها إلى المحصول اللغوي دون أن تكون خيرا من غيرها

وإني أورد هذه (الملاحظة) كرقية تقي سائر ما يتصف به أسلوب الكتاب من جمال - شر عين الحاسد. . .

مظاهر أبهة وحقوق مضيعة:

قرأت في الأسبوع الماضي كلمة بتوقيع (احمد محمد مرزوق) في جريدة (اللواء الجديد) الأسبوعية، قارن فيها الكاتب بين مقابلتين وقعتا له: الأولى مع وكيل وزارة المعارف المصرية (وكان إذ ذاك حسن فائق باشا) والثانية مع وكيل وزارة المعارف بألمانيا. لاحظ في المقابلة الأولى فخامة المظهر من مكتب فاخر ومقاعد وثيرة. . . الخ وما يصحب ذلك من حجب وانتظار، وقارنه بما رأى في وزارة المعارف الألمانية من بساطة وسرعة استقبال، متمنياً أن نأخذ بمثل هذا ونوفر للدولة ما ينفق على تلك المظاهر وما تجر إليه من تعطيل مصالح الناس

الحقيقة التي لا شك فيها أن الواقع في الدواوين عندنا ينطبق على ما ذكره الكاتب الفاضل، بل هو أكثر منه، وكثير من الكتاب يعتقدون أمثال هذه المقارنات بين ما هنا وما هناك. وفي الموضوع زوايا قد تخفى على بعض الأنظار؛ وهي تتمثل في اختلاف الحال بيننا وبين من نتطلع إلي واقعهم الجميل. . وأود قبل الإنعام في هذه الزوايا، أن أسال: لم خص الكاتب حسن فائق باشا بالذكر؟ ويدعوني إلى هذا السؤال أن فائق باشا بالذات من أقل كبرائنا المصريين ميلا إلى هذه الأبهة والعزة بالسلطان، إلى ما عرف عنه من نظافة السيرة والتشبث بإحقاق الحق، ولا يذكره بغير الثناء إلا الذين منعهم بالحق ما أرادوه بالباطل. . فمثل هذا الرجل لا ينبغي أن يذكر مثلا لأمر عام هو أقل الناس انطباقا عليه

أما الموضوع عينه فأحب أن يكون في الاعتبار، عند النظر فيه، إمكانيات واقعنا، إنه لا يكفي أن نطالب ولاة الأمور بفتح أبوابهم للشاكين وأصحاب الحاجات دون أن ينظر في العوامل التي تكثر من أجلها الشكاوي والمطالب، فإنهم لو فعلوا لأضاعوا وقتهم ولم يستطيعوا أن ينجزوا أعمالهم. والذين يقصدونهم إما صاحب حق مضيع من جراء الفوضى وإهمال الموظفين، أو وصولي يسابق للظفر بما يرضي طعمه، أو جاهل أحمق جاء يطلب ما لا ينبغي أن يطلب، ومن أمثلة هذا النوع الأخير رجل ذهب إلى مكتب وزير المعارف يقول إن أبنه المتقدم لامتحان الشهادة الابتدائية سيسافر معه إلى الحجاز لأداء فريضة الحج ويطلب أن يؤجل امتحانه حتى يرجع فيعقد له امتحان خاص. .

وكل هؤلاء الطالبين والمطالبين قد استقر في أذهانهم أن (كل شئ بالواسطة) فهم يريدون أن ينالوا بالوساطة كل شئ. . . والتبعة في كل ذلك تقع على ولاة الأمور الكبار في مجموعهم، فإهمال سواد الموظفين مصالح الناس لا يقع إلا من إغضائهم؟ وتسابق المتسابقين لنيل ما يبغون بالحق أو الباطل ناشئ مما يصنعه أولئك الكبار (المحسوبين) مما يعرفه الناس ويذكرونه محتجين به عندما ترد مطالبهم

فلو عولج كل ذلك لما أضطر الجمهور ولا تسابق الطالبون إلى الهجوم والضغط على ولاة الأمور، ولو وجد هؤلاء الأولياء أنفسهم في غير حاجة إلى الحجاب ومن يدفعون عنهم المحلفين، بل لوجدوا أنفسهم في غير حاجة أيضا إلى الحجرات الفسيحة والأثاث المنضود، لقلة القصاد، وانحسار ما يضفيه عليهم المتوددون والمتزلفون. وأن أكثر ما نراه من الاعتزاز بالمناصب إنما هو الحقوق المضيعة. . .

عباس خضر