الرئيسيةبحث

مجلة الرسالة/العدد 9/إسماعيل صبري

مجلة الرسالة/العدد 9/إسماعيل صبري

بتاريخ: 15 - 05 - 1933


بمناسبة مضي عشر سنوات على وفاته

يوم نستقبل الربيع نذكر الخمائل على ضفاف النيل وهي ترسل نسماتها البليلة الندية، والطير جاثمة فوق غصونها تشدو بأغانيها الجميلة الشجية، ومن خلال أشجارها تجري جداول تدفقت فيها المياه العذبة الروية. . اليوم الذي تستجيب فيه العين والأذن للزهر وللطير وللماء، لا ننسى انه اليوم الذي ذوت فيه زهرة أرجة ناضرة، وانقطع صوت لين حنون، وجف في مجراه ماء عذب دفيق: ففي مثل هذا اليوم استوفى إسماعيل صبري ظمأ حياته.

فهلا يجمل بنا اليوم، يوم تمضي على وفاته عشر سنوات أن نذكره ولو بهذه الإجمالة الموجزة؟

لا نريد أن نترجم حياة صبري وإن كانت خطيرة، فقد تدرج في وظائف الحكومة حتى شارف ذروتها، ذلك لأن هذه المناصب الرفيعة، وإن أحلت صاحبها في حياته مقاماً محموداً، أهون على الناس من أن تبعثهم على أن يحفلوا بأمره بعد أن بت ما كان يصلهم به من أسباب الحياة، هذا إلى أن مراد القول أضيق من أن يستفيض لترجمة شاملة وافية نتبين منها

ما تركته أطوار حياته من آثار وندوب في هذا الجانب الروحي الذي يمس النفس الإنسانية فيصل بين أجزائها وإن اختلف ما يحفها من عهود وبيئات.

أستقبل صبري حياته، في أوائل النصف الثاني من القرن الماضي. وقد تجمعت عدة جهود أدبية وقامت فيما يشبه الثورة: فبعثت طائفة من معاجم اللغة وأسفار الأدب ودواوين الشعر من خزائنها وطبعت، وأخذت الصحف الأدبية تنشأ وتعمل لتقويم اللغة وإحياء الأدب العربي، وأعيدت البعوث إلى أوربا بعد أن وقف إرسالها أيام عباس وسعيد، وأقيمت نظارة المعارف وعهد إليها بأمور التعليم وأنشئت دار الكتب ومدرسة المعلمين، وظهرت مسارح التمثيل والموسيقى والغناء وغير هذا مما لم يكن إلا ناحية من نواحي الثورة الاجتماعية التي أقامها الخديوي إسماعيل يوم رسم لمصر خطة الاتجاه إلى أوربا واقتباس حضارتها الجديدة.

في هذه البيئة التي يدب النشاط في جنباتها فيبتعث الملكات الهامدة، بدأ صبري يقرأ الشعر ويحبه، وأخذ ينعم النظر فيه ويحاول أن يقلده، حتى استقامت له وهو في السادسة عشرة بضعة قصائد في مدح الخديوي وتهنئته نشرتها له مجلة (روضة المدارس المصرية) التي أنشأها جماعة من صفوة الكتاب البارزين إذ ذاك. وكانت هذه الأشعار مجرد تقليد واضح في أغراضها ومعانيها وأساليبها لمن سبقه من شعراء عصره كالبارودي وعبد الله فكري، وإن ظهرت علينا حيناً مسحة رقيقة من روحه وشخصيته.

ولكن هذه البيئة الأدبية النشيطة لم يقتصر أثرها على توجيه صبري إلى الأدب وإذكاء ميله إلى الشعر، بل حببت إليه قراءة الشعر العربي القديم من ناحية، وحثته على قراءة الأدب الفرنسي منذ أرسل إلى فرنسا ليدرس الحقوق في جامعة إكس من ناحية أخرى. فقرأ الشعر العربي وتذوقه وأحب منه بوجه خاص شعر البحتري، ذلك أن صبري، كما وصفه الدكتور هيكل (ابن بلد) والبحتري كما قال حافظ إبراهيم (يأخذ قارئ شعره بالحضن) وقرأ الأدب الفرنسي وصادف فيه جمالاً يرضي عاطفته؛ وسيولة تروي شعوره. وبهذا تأثر صبري ببعض مميزات الشعر الفرنسي حيناً، وببعض مميزاتهما معاً حيناً. ولكن ما مدى هذا التأثير في أطواره الادبية، وما هي مظاهره في نتاجه الشعري؟ هذا سؤال يتناول ناحية خطيرة في دراسة الشاعر، وأنا لا أملك الآن ما يؤهلني لبحثها في دقة وتحقيق. ولكني أراني ملزماً بأن أعرض لها ولو في هذه الصورة التي أعرف أنها ليست دقيقة كل الدقة، وليست شاملة كل الشمول.

حين نقرأ هذه الأشعار القليلة التي خلفها صبري نرى أنفسنا أمام طائفتين متمايزتين من الشعر، تشتركان في صفاء الديباجة ورواء الأسلوب بوجه عام، وتختلفان في الشعور الذي صدرتا عنه، وفي العاطفة التي أوحت بهما، وفي المعاني التي تدوران عليها. وقد يضعف هذا الاختلاف حيناً وقد يشتد حينا آخر اشتداداَ يحملنا على أن نزعم أننا لا نقرأ شاعراً واحداً وإنما نقرأ شاعرين مختلفين. وليس في هذا ما يدهشنا، فصبري قد عاش ما يقارب سبعين عاماً، مرت عليه أثنائها عهود الشباب والرجولة والكهولة، حاملة أراءها وأفكارها، وخواطرها وخلجاتها، وآلامها ولذاتها، وتنقلت حياته أثناءها بين هذه الآراء المتضاربة التي يمتلئ بها العقل تبعاً لما يتغذى به من ألوان الثقافة المختلفة، وبين هذه الاحساسات المتباينة التي يجيش بها القلب تبعاً لما يعرض له من مناسبات وملابسات.

فأما الطائفة الأولى من شعره فهي التي أنشأها بين العشرين والأربعين وأكثرها قصائد في مدح أو تهنئة إسماعيل وتوفيق وعباس، وفي هذه الأشعار نرى أثر الشعر العربي ظاهراً واضحاً، ونرى أثر البحتري وحده، على وجه الدقة، عميقاً بارزا، إلى حد يبيح لك أن تشرك شعريهما في مميزات واحدة. خذ مثلا قصيدته في تهنئة الخديوي بحلول شهر رمضان ومطلعها:

بعلاك يختال الزمان تبختراً ... وبقدرك الأسمى يتيه تكبراً

وقارنها بكثير من مدائح البحتري تجد أن صبري قد تأثر فيها بالبحتري تأثراً هو أشد من تقليد شاعر لشاعر، وهو أقرب إلى حلول روح شاعر في جسم شاعر آخر. ولكن، وعلى رغم هذا كله، فان هذا الأثر تناول الديباجة وحدها فأكسبها جزالة وسهولة في مفرداتها وتراكيبها، من غير أن يمتد إلى المعاني فينتج منها شيئا جديداً قيما، وذلك لأن البحتري، وهو الوشيجة التي تصل صبري بالأدب العربي، قل أن نظفر في شعره بكثير من المعاني المبتكرة، وقل أن نحب فيه غير متانة الأسلوب وسلاسته. تأثر في هذا الطور الأدبي، بين العشرين والأربعين بالشعر العربي وحده، فأين كان الشعر الفرنسي؟ أليس من الشذوذ أن نرى صبري قد ذهب إلى فرنسا قبل أن يبلغ العشرين من عمره، وبدأ إذ ذاك يقرأ الآداب الفرنسية ويتذوقها ويشدوها ثم لا نكاد نظفر في شعره أثناء هذا العهد بأثر قوي لهذا الشعر الفرنسي بل ولا لأي مظهر من مظاهر الحياة الأوربية؟ ولكن يظهر أن صبري قد أوتي، إلى جانب حواسه المرهفة، ذاكرة قوية مكنته من أن يختزن فيها ما يعرض له حتى يتمثله في تؤدة وأناة وحتى ينتجه مكتمل النمو مستوفي النضوج.

ونحن لا نفترض هذه الموهبة ولا نتكلف التماسها، وإنما يحملنا على الاطمئنان إليها أننا نجد فيها تعليلا لهذا الاضطراب الذي يغشي أطوار حياته الأدبية. فقد قضى صبري شبابه وشعره يكاد يقتصر على المدح وما إلى المدح مما تنفر منه نفس الشباب، ولا تكاد تبين فيه إثارة من هذه العواطف التي يحفل بها الصدر في ربيع الحياة، بينما تفتحت شاعريته الجائشة وأخذ يتغنى بأناشيد الحب والهوى أثناء الكهولة التي تنطفئ فيها عواطف الشباب الفياضة. ذلك لأن ذاكرته القوية قد استطاعت أن تحتفظ بهذه الاحساسات الفتية التي اختلفت عليها أثناء شبيبته، حتى تفجرت بعد ذلك شعراً ثميراً لا تشوبه فجاجة الحس ولا غضاضة العاطفة.

ولهذا ظهر أثر الشعر الفرنسي في هذه الأشعار التي تغنى فيها بالعاطفة الإنسانية التي يسمونها الحب أو العطف أو الوداد وناجى فيها الله وتخوف وتشوف إلى الممات، وشاد بمجد وطنه واستنهض أبناءه إلى استعادة الماضي المجيد. في هذه القصائد والمقطوعات، التي كتبت أسمه في ثبت الخالدين، ظهر أثر الشعر الفرنسي بارزاً شاملا: بارزاً حتى يكاد يخفي وراءه كل أثر للشعر العربي، شاملا فلا يقتصر على الديباجة وحدها، ولا على المعاني وحدها، وإنما ينال الأسلوب فيضفي عليه جمالا ورواء، ويتعداه إلى الفكرة فيمزجها بروح غريبة لم يألفها الشعر العربي من قبل.

وهل ترى في الشعر العربي مثالا لهذه القطع التي أنشدها في الحب؟ كلا! فالشاعر العربي الغزل لا يرى في المرأة الا (أنثى) جميلة الوجه دقيقة القسمات، مهفهفة القوام رشيقة الأعطاف، رخيمة الصوت شيقة الحديث، يهصر صدرها ضما ويشبع ثغرها تقبيلا، وهي تتهافت وجداً وتتهالك هياما! والغزل في الشعر العربي يضيق عن أن يستفيض لجميع وجوه الجمال الإنساني، وينصب على ناحية الجمال الجسمي وحده، فيصفه جملة أو تفصيلا، سواء كان الغزل عذريا أو إباحياً أو متكلفاً. أما شعر صبري في الحب فيختلف عن هذا الغزل العربي في صلته بالمرأة، إذ يتسامى عن الجمال المادي إلى الجمال المعنوي في أرحب آفاقه وأشمل معانيه. فلا تستخفنا فيه هذه العيون والحدود، والصدور والنهود، والملاسة والرشاقة، والتقبيل والضم، والتأود والتثني، والتأوه والأنين وإنما نهتف فيه بالمثل الأعلى للمرأة في أفتن جمالها، وأذكى فؤادها، وأنبل روحها.

وأني لأشعر حين أقرأ قصيدته (تمثال جمال) أني أنظر إلى صورة فنية رائعة، فلا أميز بين هذه المرأة التي يهتف بها الشاعر، وبين هذه المرأة التي يتخذها المصور رمزاً لمعنى من المعاني الإنسانية كالألم أو الأمل أو الحنان! بل أني لأحس حين أرتلها أن قلبي قد صفا مما به من شره وأنانية وغرور وكبرياء، وأن صدري قد انطفأت فيه جذوات الحقد والحسد والغيرة والطماح، وأن فؤادي قد غمر الخشوع والإيمان ما يغشاه من شك وضلال: أشعر أني قد سموت من الأرض إلى السماء! ولم لا وصبري قد امتزجت فيه الروحية بالجمال؟ ألم ينشأ على ضفاف هذا النيل الذي أوحى إلى الإنسانية أن تبتكر ديناً وإيمانا، ألم يلابس الحياة الأوربية وما تضفيه من فتنة وجمال؟ وبهذا استجاب للروحية المصرية وتمثل الجمال الأوربي، وبهذا اجتمعت فيه مصر بروحيتها وأوربا بجمالها، وبهذا كان نتاجه الشعري مزاجاً من الروحية في معانيه ومن الجمال في أساليبه.

وشعره في الحب، بعد هذا، سمح وديع رضي: لا يفطر القلب أسى، ولا يرسل من العين دمعاً، ولا يبعث من الصدر أنيناً، ولكنه لا يشيع في المرء غبطة في الحياة ورغبة في متاعها ولا يغري بالإسراف والتوفر على لذاتها، وإنما يجمع في شعره لوعة غير مسرفة، ومتعة غير غالية، ذلك لأن صبري لم يكن لاهياً ولا عابثاً ولم يكن كئيباً ولا محزوناً، وإنما كان سمح الذوق، وديع الخلق، رضي النفس، فما كان يذعن قلبه لامرأة واحدة تأسره وتطغي عليه، وما كان ماجناً في حبه سادراً، ولا متهتكا في لهوه مستهتراً، وإنما كان ينشد المرأة التي تشبع القلب ولا تتخمه، وتروي الفؤاد ولا تغرقه، وترضي الشعور ولا تقسو عليه.

وهذه الدعة التي تميز بها في حبه، تشيع كذلك في شعره في مناجاة الله، وازدراء الدنيا، واستشفاف ما في الحياة الأخرى. فهو لم يكن ناسكا في الدنيا زاهداً في لذاتها، ولم يكن مفتوناً بالحياة متوفرا على متاعها، وإنما كان ينال من هذا في قصد ويأخذ من ذلك في اعتدال، فإذا أسرف في حبه للحياة واستمتاعه بلذاتها الرخيصة، ذكر الدنيا وما فيها من نكر وخداع وضلال، وذكر ما بعدها من حساب وعقاب وثواب، فاستعجل الموت وراحة القبرحيناً، وناجى الله وأمل فيه حينا.

ولكن صبري الوادع الهادئ كان إذا تحدث عن وطنه جاشت الحماسة في أنحاء صدره، وفاضت الحرارة في سياق شعره، فمثلت الوطن بجلاله وروعته، وأشعرت المصري بمجده وكرامته، وأذكت نار الوطنية في فؤاده، وألهبت فيه عاطفة التضحية في سبيل بلاده.

وهو في شعره يستلهم العاطفة ويستوحيها. كانت تختلف عليه غير السياسة وأحداثها فلا يحفل بها، وتتوالى أمامه الكوارث والخطوب فلا يأبه بها، وتتراكب في عينيه شؤون الحياة وأمورها، وتزدحم بخيراتها وشرورها، وتغص بلذاتها ومنغصاتها، فلا تسترعي منه حاسة ولا تستثير في نفسه عاطفة، بينما يجيش وجدانه وتهتز عواطفه عند موت طفل، أوفراق صديق، أو قراءة كتاب، أو وقفة عند سفح الأهرام. هذه الحوادث التي تمر بنا فلا نلتفت إليها كانت تثير شاعرية صبري بهذه المقطوعات التي تمس النفس الإنسانية في أعمق حواسها وأدق مشاعرها. وهذه هي مهمة الفن: يفتح العين المغمضة، ويذكي الحاسة المطفأة، ويبعث العاطفة الهامدة، ويحيي موات القلوب، حتى يشركنا لحظ مما فاتنا من اللذات السامية التي قصرت على النفوس الموهوبة. وهل نرى بهجة الحياة إلا بعين المصور، وهل نستمع إلى أنغامها إلا بإذن الموسيقي، وهل نحس الحق والجمال إلا بقلب الشاعر؟ وأي شعر أرفع من شعر صبري الذي (فاضت به) العاطفة من غير أن تتكلفه أو تكره عليه؟ وأي شعر أنضج من شعر صبري الذي كان يؤمن بشيطانه ولا يعصي له أمراً، فيستوحيه الشعر ولا يستجديه؟ وأي شعر أسمى من شعر صبري الذي تشيع فيه هذه المرارة وهذا الحنين، فيذيب في الصدر أطماع الحياة وآثامها، ويسمو بالنفس عن متعها الخسيسة الهينة، إلى المستوى الإنساني حيث يستحيل البغض حباً، والقسوة حناناً، والأثرة إيثارا، والتناحر وداداً، والصراع عناقا. . .

إلى جانب هذا النضوج في روح صبري، نذوق جمالا في أسلوبه يملك على المرء نفسه حين يتلوه، ويحمله على أن يرتله مرة بعد مرة وعلى أن يذكره آونة بعد آونة، فلا يزداد الشعر إلا عذوبة وصفاء تزيد المرء لذة ومتاعاً، ويخيل إلى المرء أنه أمام وجه جميل، كلما أطال النظر إليه، ازداد رغبة فيه وحباً له. وهكذا يقاس نضوج الفن: يزداد المرء بالصورة إعجابا كلما انعم النظر فيها، ويزداد حنيناً إلى الموسيقى كلما أطال الاستماع إليها، ويزداد فتنة بالشعر كلما أكثر ترديده وترتيله. وكيف لا يكون شعر صبري جميلا وقد استقاه من ينابيع فياضة بالجمال: تأثر بشعر البحتري الذي امتزجت فيه الجزالة بالسهولة، وتأثر بالشعر الفرنسي الذي يفيض سيولة ورواء. ويتجاوب ألحاناً وأنغاماً، وهو قبل هذا قد أوتي أذناً دقيقة تجيد انتقاء المفردات، وتحسن الاستماع إلى اتساق العبارات (وتحس نبو الوتر). وصبري كان مولعاً بالموسيقى، مفتوناً بالغناء، وكان متصلا بمن عاصروه من الموسيقيين والمغنيين، وأمدهم بكثير من المقطوعات الغنائية الشعبية، ومن أجملها (قدك يا أمير الأغصان) (الفجر لاح يا تجار النوم). وكانت تستخفه عذوبة الحديث وبلاغة الإلقاء ولهذا كان كثير التبديل والنقد لشعره، وكان يبذل في صياغته جهداً ناصباً، حتى إذا استقام له البيت أو البيتان أو الأربعة أهملها ثم نسيها، فلم يبق لنا من شعره إلا القليل.

هذه سوانح تخطر لي عندما أتلو شعر صبري الذي لم تتطرق إليه البداوة العربية التي تغشى غيره من شعرائنا، أكتبها لنذكر صبري (أستاذ الشعراء) الذي صبغ الشعر العربي الحديث بطابع نلمس آثاره في شوقي وحافظ.

عبد الحميد عبد الغني