الرئيسيةبحث

مجلة الرسالة/العدد 877/الشعر المصري في مائة عام

مجلة الرسالة/العدد 877/الشعر المصري في مائة عام

مجلة الرسالة - العدد 877
الشعر المصري في مائة عام
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 24 - 04 - 1950


علي أبو النصر

. . . - 1880

للأستاذ محمد سيد كيلاني

ولد السيد علي أبو النصر بمدينة منفلوط في تاريخ لا نعرفه. ورحل إلى القاهرة والتحق بالأزهر. ويقرن أسمه عادة باسم زميله الليثي، فقد كانا تد يمين للخديوي إسماعيل. غير أنه كان أسبق من صاحبه في الظهور في ميدان الشعر وفي الاتصال بالحكام. فقد روي أن محمد علي باشا أرسله ضمن بعثة إلى الأستانة لحضور فرح أقامه السلطان عبد المجيد، ثم اتصل بسعيد ومدحه ورثى أبنه طوسون بقصيدة طويلة. ثم أتصل بإسماعيل وأصبح من ندمائه المقربين إليه. وقد قيل إنه كان طيب المفاكهة والمجالسة، لطيف المسامرة والمؤانسة، حاضر الذهن لا يغالبة في المناظرة من حادة. وكان له مطايبات مشحونة بالنكت الأدبية مع الحشمة والحذر مما تأباه النفوس الأدبية. وقد صحب الخديوي إسماعيل في بعض رحلاته إلى دار الخلافة. ومات في أوائل حكم توفيق.

وله ديوان شعر مطبوع منه بعض نسخ بدار الكتب المصرية

أمتاز أبو النصر علي الليثي بولعه العظيم بالمحسنات اللفظية من تورية وجناس وطباق. وكان أمتن أسلوبا من صاحبه إلا أنه كان يشبهه من حيثالإفلاس في المعاني والمفردات اللغوية. ومن قوله يمدح سعيدا:

أشرقت أنوارا إقبال السعيد ... فازدهى روض التهاني بالصعيد

وابتهاج الأنس أضحى شاهدا ... بانتظام الشمل في عز مديد

والليالي بالأماني أقبلت ... باسمات الثغر عن در نضيد

ويلاحظ هنا أن الشاعر ذكر (الروض) و (الأنس) و (الليالي الباسمات) و (لأماني). وهو بهذا يذكرنا بصاحبه الليثي في قصيدته التي يقول فيها:

أنعم بطيب ليال لحن كالغرر ... في جبهة الدهر تسمو عن سنا القمر

بها تزف الأماني في مواكبها ... كل راج ويرعاها أخو الس إلا أن النصر كما ترى أجود قولا من صاحبه. والصورة الشعرية في قوله:

والليالي بالأماني أقبلت ... باسمات الثغر عن در نضيد

خير بكثير من الصورة التي في قول الليثي:

بها تزف الأماني في مواكبها ... لكل راج ويرعاها أخو السمر

ولم يقف أبو النصر عند المدح طويلا، بل اكتفى بهذه الأبيات الثلاثة. ثم أنتقل إلى ذكر الجيوش السعيدية. وقد أجاد في الانتقال. فبعد أن ذكر الليالي المقبلة بالأماني، قال:

معربات عن جيوش تزدري ... بالآلي في العقد الفريد

سادة إذ شيدوا بيت العلا ... لم يزل مدحي لهم بيت القصيد

إن بدت أعلامهم في موكب ... جاءت البشرى على خيل البريد

أو تبدى طيفهم يوم الوغى ... مزقت منه العدى خوف الوعيد

والذي يظهر لي من هذه الأبيات أن الشاعر وضع نصب عينيه عبارات (العقد الفريد) و (بيت القصيد) و (خيل البريد) ثم شرع ينظم كل بيت بحيث يتفق مع إحدى هذه العبارات. ولذلك كانت معانيه تافهة. وما قيمة خيل البريد هذه بجانب الأسلاك البرقية وقد عرفت في مصر منذ عهد محمد علي؟ ووصف الجيوش بأنها تزري باللالىء في الحسن والجمال. ولكن عبارة (العقد الفريد) قد استهوته وسيطرت على تفكيره فساقته إلى هذا الوصف وكذلك قوله:

سادة إذ شيدوا بيت العلا. . . الخ فلم يذكر بيت العلا إلا ليقول بيت القصيد. ثم أستطرد في وصف هذه الجيوش في أبيات ذكرناها عند الكلام عن عصر سعيد.

وقد لاحظنا أن الليثي كان يبدأ المدح بذكر الليالي والأماني والأنس ويأتي بصور الرياض والأزهار والطيور والجاول وغير ذلك. أما أبو النصر فكان يبدأ في الغالب بغزل طويل متكلف ممل، ثم ينتقل إلى المدح الذي لا يستغرق فيه سوى أبيات قليلة قد تصل إلى أربعة أبيات أو خمسة. ومن قوله يمدح أسماعيل:

إليك خديوي مصر تصبو المحامد ... ومنك ترجى للأنام الفوائد

وعنك حديث المجد يروى صحيحة ... وفيك لآيات الفخار شواهد

وأنت أخو العليا وأنت أبو الفدا ... وأنت لكف الدهر لكف وساعد وجودك للأوطان عز ونعمة ... وجودو بحر فيه تحلو الموارد

إلى ملك الدنيا تود انتسابها ... لما علمت في الكون أنك واحد

وما مصر في الأقطار إلا كجنة ... وذكرك فيها في المكارم خالد

وعد لك في كل الممالك ثابت ... فكل مليك شاكر لك حامد

وليس في هذه الأبيات سوى مدح الخديوي بالمكارم والتفرد بالمجد ونشر العدل. وقد بالغ في هذا مبالغة ظاهرة؛ فجعل الدنيا تود أن تنتسب إلى الممدوح لما لم تجد له شبيها. وجعل عدل الخديو مشهورا في جميع ممالك الأرض حتى أن ملوك العالم قد شكروه وأثنوا عليه لما سمعوا بأنصافه وهذا عبث وهراء لأضطره إليه ضيق المجال.

وقال:

تعودت عن أقطار ملكك رحلة ... بها سارت الركبان والسعد قائد

وسرت فطاف النصر حولك ساعيا ... وغيرك من درك المآرب قاعد

والمعنى تافه كما ترى. والطواف والسعي يكونان حول شيء ثابت. والصورة المنتزعة منهما لا تتفق مع الصورة التي توحي بها كلمة (سرت) ولو قال (وسرت فسار النصر فوقك ساعيا) لكان موفقا. والظاهر أنه كره أن يكرر الفعل ثلاث مرات في بيتيين متتاليين. فإن صح هذا فقد كان بوسعه أن يقول (وسرت فكان النصر حولك ساعيا.)

ثم قال:

وصلت إلى دار الخلافة زائرا ... مليكا له بالمكرمات عوائد

مليك حباك الود في غابة الصفا ... وشاطرك الآرا ونعم المقاصد

والمعنى في منتهى الضعف. وقوله (في غاية الصفا) من عبارات الدهماء. وقوله (وشاطرك الآراء ونعم المقاصد) خلو من المعنى. وقال:

هنالك شاهدت المحاسن كلها ... ولا زلت للصنع الجميل تشاهد

ومعناه قد بلغ الغاية في التفاهة.

وقال:

ولكن إلى مرآك مصر تشوقت ... ومنها إليها صادر الشوق وارد

نأيت فكاد النيل يبخل بالوفا ... وعدت قوافي جبره وهو زائد وقوله (ومنها إليها) من رديء التراكيب وليس في البيتين من المعنى ما يستحق الذكر. ويلاحظ أنه يكثر من تشبيهه جود الممدوح بالبحر. وقال من قصيدة أخرى:

فهو المليك الذي علا مآثره ... وفائض الجود من جدواه إمداد

المفرد العلم الأسمى علا شرفا ... وفاض بحرا فكم ترجوه وراد

كالغيث جاد بما يغني الأنام بلا ... من فجدواه إنجاز وإيجاد

وليس في هذه الأبيات سوى مدح الخديوي بالكرام

محمد سيد كيلالي

للكلام بقية