الرئيسيةبحث

مجلة الرسالة/العدد 827/تعقيبات

مجلة الرسالة/العدد 827/تعقيبات

بتاريخ: 09 - 05 - 1949


للأستاذ أنور المعداوي

طالبات الفلسفة بكلية الآداب وحقوق المرأة المصرية:

قرأت في (الرسالة) الغراء كلمتكم التي تدور حول (حقوق المرأة المصرية بين الأنصار والخصوم). . . لقد كانت كلمة قاسية، ولكن ماذا يضير؟ لقد علمتنا القسوة التي يرمينا بها الدهر من حين إلى حين رحابة الصدر، وهذه ميزة أخرى تفيدنا في حياتنا السياسية التي هي حياة كفاح ونضال وصبر على المكاره!

تقولون عن كلمة الأستاذ زكي عبد القادر إنها موزونة، ولست أدري ماذا يضيركم معشر الرجال أن تروا المرأة وقد أعجبت بمدح أو إطراء! أتريدون أن تخرج عن طبيعتها الوداعة ولو في أشد الشئون قسوة ومشقة؟ إن هذا لما يسري عنها ويجعلها تطمئن إلأى مستقبلها بخطى وئيدة وهو إنها بالرغم من اشتغالها بهذه الأعمال المضنية إلا أنها ما زالت محتفظة بأنوثتها الفياضة. . . إن هذا من جانبكم لا يعد حسداً بل غبطة!

ثم ذلك السؤال الذي لا تنتظرون الجواب عنه، وهو أن عدد المثقفات قليل. . مهلاً مهلاً يا سيدي الأستاذ! كم كان عدد الرجال المثقفين يوم سن القانون الانتخاب عام 1924؟! لقد كنا نود أن يوجه إلينا السؤال بعد مضي ربع قرن آخر من تعديل قانون الانتخاب تعديلاً يلائمنا نحن معشر النساء. . . إنني لواثقة من أنه لو كان هذا العدد الموجود الآن من المثقفات وهو لا يرضيكم لقلته، أقول لو كان موجوداً يوم أن سن قانون الانتخاب لكفل المرأة وحقوقها من ربع قرن مضى! ولكن في تلك الأيام لم يكن إقبال الفتيات على كليات الجامعة كمثل إقبالهن اليوم، مما يبشر بالمضي في تحقيق هذه الغاية وإخراجها إلى حيز التنفيذ. والآن وقد أصبحت الكليات مفتوحة الأبواب للطالبات، تراهن وقد أسند إليهن ما يسند إلى الرجل من أمور يقمن بها على ما يرجى وينتظر، بعد هذا ما الذي يمنع من إعطاء المرأة حقوقها السياسية، بل وأقول كرسي الوزارة؟!

أما قولكم بأن الفتاة المصرية لا تذهب إلى الجامعة طلباً للعلم بل طلباً لزواج فما كنا ننتظر من أستاذنا هذا الكلام. . لنفرض أنه بطريق المصادفة قد لمستم بعض الأمثلة الشاذة يوم أن كنتم في الجامعة، ألا يكون من الظلم أن تخرجوا من هذه الأمثلة بقاعدة عامة تطبقونه على المئات؟! إن الإنجليز وهم أساتذتنا في العلم والسياسة قد منحوا المرأة حقوقها السياسية متمثلين بقول شريدان: (النساء يحكمننا فلنجهد في جعلهن صالحات). . . ولقد برهنت في سنين قلائل على أنها جديرة بهذا الحق، وجديرة بقول لامارتين: (إن كل عمل مجيد وعظيم أساسه المرأة)!

عن طالبات قسم الفلسفة بكلية الآداب

آنسة رسمية علي خليل

أشكر للآنسة الفاضلة أدب الخطاب ولطف العبارة. . . أنه ليسعدني حقاً أن يكون بين فتيات الجامعة في هذه الأيام من تخاطبني بهذا الذوق الجميل، ومن تناقشني بهذا الخلق الكريم، ومن ترد على بهذا الأسلوب المهذب.

بعد هذا أقول للآنسة الفاضلة إن ما جاء بكلمتي من عبارات غلقت بالقسوة واتشحت بالمرارة، كان مرده ' إلى الواقع الذي تكشف لعيني يوم أن كنت في الجامعة، ممثلاً في جيل الفتيات قد تكون منه اليوم بقية. . ولمن هذه البقية لا يمكن أن تحول دون وجود المثقفات والمهذبات من أمثال الآنسة ومن تحدثت إلي باسمهن من طالبات قسم الفلسفة بكلية الآداب. هذا أمر يفرض على الحق أن أسجله في كثير من الغبطة، ويفرض علي الإنصاف أن أخصه بكثير من الإعجاب. . . وأكتفي بهذا القدر الذي تنوب فيه الإشارة عن الإفاضة ويغني فيه التلميح عن التصريح، حتى لا نثير الغبار من جديد حول قضية طالبات العلم وطالبات الزواج!

تسألني الآنسة الفاضلة في مجال التعرض لعدد المثقفات في مصر كم كان عدد المثقفين يوم أن سن قانون الانتخاب في عام 1924. من قال لك يا آنستي إنني أنظر إلى القلة في عدد المثقفات بمنظار؟ إنني ما نظرت في يوم من الأيام إلى عدد المثقفين في مصر ممن منحوا حقوقاً سياسية إلا بمنظار قائم يمتزج فيه الإشفاق بالرثاء! أقسم لك لو كان الأمر بيدي لما منحت طلاب الحقوق السياسية ما يتطلعون إليه من سلطان إلا بمعيار. . . معيار قوامه الثقافة الكاملة في كل أمر من أمور الحياة، ولا ضير على الإطلاق من أن نظفر بمائة رجل من هذا الطراز لأنهم لو وضعوا في الميزان لكانوا خيراً من ألوف! المثقفون في مصر قليل يا آنستي والمثقفات أقل. . . ومن الخطأ أن نعمم وضعاً من الأوضاع بما فيه من أسباب النقص والقصور لأنه قد أصبح حقيقة واقعة، كلا! فما كان النقص في صورة من الصور ليبيح لنا أن نتخذه مقياساً في نظرتنا إلى كل قيمة من القيم وكل حق من الحقوق. . إنني أرد بهذه الكلمات على ما سقته من حجج وما أتيت به من براهين، ولو شئتِ لنقلتُ القضية من ميدان إلى ميدان ولا بأس لدي من هذه النقلة التي تتيح للحديث أن يفيض ولأفق النقاش أن يمتد! إننا نستطيع أن ندير دفة الجدل إلى ناحية أخرى لا صلة لها بمسألة القلة العددية في مجال التعليم والتثقيف. . . هناك حيث نلتقي في رحاب قضية أخرى تتصل بوظيفة المرأة الأساسية في الكون ومكانها الطبيعي في الحياة.

تطالب المرأة بحقها في كرسي النيابة وبحقها في كرسي الوزارة، وبالمشاركة في كل أمر من أمور الدولة وكل شأن من شئون الحكم، وكأننا قد فرغنا من كل ما يواجهنا من صعاب في إصلاح المجتمع ولم يبق أمامنا ما يتطلب العلاج الحاسم غير هذه المشكلة بالذات، لا فقر هناك ولا مرض ولا جهل ولا ألف مشكلة تتفرع عن هذه المشكلات الثلاث وتتطلب الكثير من الرعاية والاهتمام! تنسى المرأة المصرية هذا كله وتنسى معه وظيفتها الحيوية وطبيعتها الأنثوية. . تنسى وظيفتها في كيان الأسرة، وطبيعتها في نظام البيت، ومكانها في رحاب الأمومة، ولا تفكر إلا في أن تكون صاحبة جاه وسلطان!

إننا نريد أن نسأل المرأة المصرية عن غايتها من كرسي النيابة وعن هدفها من كرسي الوزارة؟ إن الغاية المبرأة من الهوى وإن الهدف المنزه من الغرض هو أن تضع جهودها وعلمها وثقافتها وخبرتها بشئون الحياة في خدمة المجتمع الذي تعيش فيه. . . كل هذا ميسر وكل هذا جميل، ولكنها تنسى أن البيت سيهمل في سبيل كل أمل مرجو وكل منصب منشود، والبيت الذي تشرف الزوجة الصالحة والأم الفاضلة هو صانع الرجال وخالق الأجيال!. إن المرأة تستطيع أن تحقق رسالتها المثلى وهي في رحاب البيت وفي نطاق الأسرة؛ تستطيع أن تمد الوطن عن طريق الرعاية الكاملة والتربية الناضجة والتوجه الرشيد بالأبناء النابغين. . وعن طريق هؤلاء الأبناء يتهيأ لها أن تضع يديها على عدد من المناصب بدلا من هذا المنصب الواحد الذي تسعى إليه، حين ينوب عنها في خدمة المجتمع أفراد متعددون، وعشرون يداً تشارك في إقامة البناء خير من يدين!! في هذا المجال يا آنستي نطق شريدان بكلماته وكذلك مرتين، وحول هذا المعنى الذي قصدت إليه دار أغلب ما قيل في المرأة من كلمات جهر بها رجال الإصلاح أما عن عدد النساء في البرلمان البريطاني والكونجرس الأمريكي فإنه لا يتجاوز أصابع اليدين. وهذا مع بعد الفارق بيننا وبينهم في ميدان العلم والسياسة والتقاليد والعادات إذا لم يقنعك اليوم المنطق يا آنستي، فأرجو أن يقنعك منطق الحياة في مقتبل الأيام!

مقال قيم عن الشيوعية للأستاذ العقاد:

يهودي، متعلم فاشل، وفتاة عابثة، وماجن مستهتر، ومشاغب يبيع الشغب لمن يشتريه، ومسخ مشوه منبوذ من الحياة هذا هو قوام كل مجموعة شيوعية توجد في مصر أو في غيرها من فلا تخلو الخلايا الشيوعية من أصناف هذه التشكيلة، وقد يكون الشيوعي الواحد تشكيلة كاملة من جميع هذه الأصناف!

وكل شيء يمكن أن تدعيه هذه المخلوقات فيصدق، إلا أنهم محبون للخير مخلصون لبني الإنسان غيورون على الإنصاف؟ ولم يعجب أحد إذا قيل له إن هذه (اللمامة) البشرية تسعى إلى الخراب، وإنهم يدينون بالشيوعية لأنها ترضي في نفوسهم تلك النزعة إلى التخريب! أما أن يقال، ولو من قبيل الخيال إن هذه اللمامة هي التي تنشد الخير وتصلح نظام الاجتماع فذلك من وراء التصديق، ومن وراء المعقول!

وكلهم معقولون مفهومون إذا كان التخريب هو الغاية التي يسعون إليها، لأن اليهودي يستفيد من هدم المجتمع أن يستولي على العالم الذي لا أثر فيه للأخلاق، أو للعقائد، أو للوطنية، أو للأسرة والمتعلم الفاشل يحقد على الناجحين فلا يبالي أن ينفي غليل الحقد بكل مصيبة تسوي بين الإخفاق والنجاح والفتاة العابثة تهدم المجتمع الذي يسميها على الأقل عابثة، وتتطلع إلى المجتمع الذي يسميها (بطلة) أو رائدة من رواد التقدم والتحرر من قيود الآداب والأخلاق. والماجن المستهتر بطل كتلك البطلة حين يصبح الأدب وضبط النفس نكسة إلى الوراء وجموداً يعاب. والعامي الجاهل تابع لكل ناعق. والمشاغب المتاجر بالشغب صاحب بضاعة يعرضها في كل سوق، ولا سيما السوق التي تضاعف له الثمن وتغنيه عن الكدح الشريف والمسخ المشوه لديه من أسباب التخريب مالا يحتاج إلى بيان!!

طالعت هذه الكلمات منذ أيام في جريدة (الأساس) للأستاذ العقاد. . وأجمل ما فيها هذا التقسيم الرائع لعناصر الشيوعية في مصر وغير مصر، وهو تقسيم لا يعدو الواقع الذي تراه العين ويتمثله الفكر ويردده اللسان؛ ولا يعدو الحق حين نرده مع الأستاذ العقاد إلى مصادره الأصلية من التحليل والتعليل ونقيمه على دعائمه الطبيعية من الدراسة النفسية والخلقية!. . . أنا واثق أن هناك (أحراراً وتقدميين) سيشفقون علي من هذه (الرجعية الفكرية) التي أؤيدها بقلبي وقلمي فيما كتب الأستاذ العقاد، ولكنهم لو علموا مبلغ إيماني بهذه (الرجعية) لأشفقوا على أنفسهم من نعمة التقدم والتحرر التي تدفع بكل مثل أعلى إلى الحضيض! حسبهم كما يقول العقاد أنك لن تلقي منهم أحداً يعرف الشيوعية معرفة بحث وتحقيق، فإن وجدت منهم من قرأ بعض الكتب فيها أو أحاط بما نشره كارل ماركس ولنين وغيرهما من (فلسفتها) فلن تجد الباعث له على الإيمان بها فكرة صالحة للإقناع؛ فما من فكرة صالحة للإقناع تقنع أحداً سليم العقل والنفس بتقويض المجتمعات الإنسانية كافة تنفيذاً لحكم قضى به فيلسوف واحد أو مائة فيلسوف!. . . إن العقاد يبلغ الغاية حين يقول: كل فكرة لغط بها كارل ماركس وأتباعه هي في الواقع محل بحث طويل وشك كثير، كلها جدليات في جدليات، ولكن الشيوعي (المفطور) يؤمن بهذه الجدليات إيماناً لا يسمح بذرة من الشك ولا بشيء من الحيطة والمراجعة؛ لأنه لا يؤمن بالشيوعية على قدر ما في عقله من برهان بل على قدر ما في نفسه من الهجوم على الخراب!

أدباؤنا بين الشرق والغرب:

هذا عنوان مقال كتبه الدكتور محمد مندور منذ أسبوعين في جريدة (الأهرام) متحدثاً فيه عن مدى تأثر كتابنا وشعرائنا بالثقافة الغربية في إنتاجهم الأدبي، ولقد ذهب الدكتور إلى أن روح هذه الثقافة قد ظهرت في بعض شعرائنا ولم تظهر في البعض الآخر. . . إن أكبر شاعرين عرفتهما مصر الحديثة في رأيه وهما محمود سامي البارودي وأحمد شوقي قد اتصلا بثقافة الغرب لمعرفتهما باللغة الفرنسية، ومع ذلك لا نكاد نعثر على أثر للآداب الغربية في شعرهما، بينما يظهر هذا الأثر في شعر ولي الدين يكن وخليل مطران وإسماعيل صبري!

إن الذي يدهشني في كلام الدكتور مندور هو فهمه الاتصال بثقافة الغرب متمثلاً في معرفة اللغة! متى كان فهم اللغة وإجادتها دليلاً على أن صاحبها قد نهل من ثقافة هذه اللغة وعب من آدابها؟! إنني أعرف أفراداً هنا في مصر يعرفون اللغة الفرنسية كما يعرفها الدكتور مندور ومع ذلك فهم لا يعرفون إذا كان (سارتر) فرنسياً أم أمريكياً، فيلسوفاً يتحدث عن (الوجود والعدم) أم عالماً يبحث في (النسبية وتحطيم الذرة)!. . . ثم هل تأثر رجل كإسماعيل صبري بالثقافة الغربية في شعره كما يقول الدكتور مندور؟ إن ديوان صبري بين يدي وأنا أكتب هذه الكلمة، وهذا شعره أراجع في قصائده نفسي وأرسل وراء أبياته ذوقي فلا أخرج بشيء على الإطلاق مما انتهى إليه الدكتور مندور. . إن صبري كما يدل عليه شعره لأبعد من ذكرهم الدكتور جميعاً عن التأثر بروح الثقافة الغربية، اللهم إلا إذا كان الدكتور يفهم (التأثر) على وجه لا يشاركه فيه أحد من الناس، كما فهم (الاتصال) على أنه معرفة لغة من اللغات!

سلامة موسى أشهر مني:

بعد أن فرغت من كتابة التعقيبات تلقيت رسالة عاجلة من قارئ شاء أن يغفل ذكر أسمه، خضوعاً لمقتضيات الشجاعة. يكفي أن القارئ الفاضل قد غضب علي غضبة مضرية ختمها بهذه الكلمات: (مهما حملت على الأستاذ سلامة موسى فهو أشهر منك في مصر والبلاد العربية وأعرف عند الناطقين بالضاد)!

أنا لا أنكر يا أستاذ أن سلامة موسى أشهر مني. . . ولكن لا تنس أيضاً أن محمود شكوكو أشهر مني بكثير!!

أنور المعداوي