الرئيسيةبحث

مجلة الرسالة/العدد 782/من تاريخ الطب الإسلامي

مجلة الرسالة/العدد 782/من تاريخ الطب الإسلامي

مجلة الرسالة - العدد 782
من تاريخ الطب الإسلامي
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 28 - 06 - 1948


لصاحب السعادة الدكتور قاسم غنى

سفير إيران بمصر

- 7 -

6 - البيمار ستانات في البلاد الإسلامية:

لقد أشرنا في حديثنا السابق إلى مطالعات الأطباء المسلمين بجانب سرير المريض، ولتوضيح الناحية العملية من الطب الإسلامي وأعمال الأطباء في البيمار ستانات وطريقة تمريض المرضى وعلاجهم وحالة دور الشفاء عندهم لا بدمن أن تلقى كلمة عن هذا الموضوع:

يأمر الدين الإسلامي مثل سائر الأديان السماوية بالرفق والشفقة ويدعو إلى البر بالفقراء والإحسان إليهم ومواساة المرضى والعجزة؛ وقد كان تمريض المجروحين ومواساتهم والعناية بأمرهم من أهم الأمور التي كان يعيرها النبي ﷺ اهتماما خاصا في غزواته. فقد جاء في سيرة ابن هشام أن سعد بن معاذ أصيب في غزوة الخندق في شوال من العام الخامس الهجري بسهم في الأكحل فأمر النبي ﷺ أن يوضع في خيمة رفيدة الأسلامية، وكانت تداري الجرحى وتحتسب بنفسها على خدمة من كانت به ضبعة من المسلمين قائلا: اجعلوه في خيمة رفيدة حتى أعود من قريب. ويمكن اعتبار خيمة رفيدة هذه أول مستشفى حربي متنقل عند المسلمين.

وبعد ذلك ازداد عدد هذه المستشفيات المتنقلة التي كانت تسعى بالبيمار ستانات المحمولة مقابل البيمار ستانات الثابتة.

وهذه البيمار ستانات المحمولة زيادة على استعمالها في الحروب كانت تنقل من مكان إلى آخر، وكانت مجهزة بكل ما يلزم المرضى عادة من أدوات وأدوية وأطعمة وأشربة وملابس وأطباء وصيادلة وكل ما يعين على ترفيه المرضى والعجزة والمزمنين والمسجونين وكانت تنقل من بلد إلى أخر من البلدان الخالية من بيمارستانات ثابتة.

يقول ابن أبي أصيبعة نقلا عن ثابت بن سنان: إن الوزير علي بن عيسى بن الجراح في أيام تقلده الدواوين من قبل المقتدر بالله وتدبير المملكة في أيام وزارة حامد بن أبي العباس وقع إلى والده سنان بن ثابت في سنة كثرت فيها الأمراض جداً وكان سنان يتقلد البيمارستانات ببغداد وغيرها توقيعا جاء فيه: (فكرت مد الله في عمرك في أمر من في الحبوس وأنهم لا يخلون مع كثرة عددهم وجفاء أماكنهم أما كنهم أن تنالهم الأمراض وهم معوقون عن التصرف في منافعهم ولقاء من يشاورونه من الأطباء في أمراضهم فينبغي أكرمك الله أن تفرد لهم أطباء يدخلون إليهم في كل يوم ويحملون معهم الأدوية والأشربة وما يحتاجون إليه من المزورات (والمزورات هي حساء من الخضر دون الحم أو دسم أو البهريز ويعالجوا من فيها من المرضى ويريحوا عللهم فيما يصنعونه لهم إن شاء الله تعالى) ففعل سنان ذلك.

ثم وقع إليه توقيعا آخر:

(فكرت في من بالسواد من أهله وأنه لا يخلو من أن يكون فيه مرضى لا يشرف متطبب عليهم لخلو السواد من الأطباء، فتقدم مد الله في عمرك بإيفاد متطببين وخزانة من الأدوية والأشربة يطوفون السواد ويقيمون في كل صقع منه مدة ما تدعو الحاجة إلى مقامهم ويعالجون من فيه ثم ينتقلون إلى غيره).

فنفذ سنان هذا الأمر وانتهى أصحابه إلى (سورا) من بلاد العراق وكان معظم أهلها من اليهود فكتب سنان إلى الوزير يخبره أن بعض أصحابه كتب إليه من السواد يستأذنه في المقام هناك لعلاجهم أو الانصراف عنهم إلى غيرهم وإنه لا يعلم بم يجيبهم لأنه لا يعرف رأيه في أهل الذمة. وقد عرض عليه في كتابه هذا أن الطريقة المتبعة في بيمارستان الحضرة هي علاج الملي والذمي؛ فوقع له الوزير توقيعا أخبره فيه أن يقدم معالجة المسلمين على أهل الذمة، فإذا فضل عن المسلمين ما لا يحتاجون إليه صرف في الطبقة التي بعدهم - أي أهل الذمة - وقال (فاعمل أكرمك الله على ذلك واكتب إلى أصحابك به ووص بالتنقل في القرى والمواضع التي فيهاالأدباء الكثيرة والأمراض الفاشية).

وكانت عادة السلاطين في دولة المماليك أنهم عند ما كانوا يخرجون إلى القصور التي كانوا قد بنوها خارج المدن للإقامة أياما فيها، أن يصحبهم في السفر غالبا حاشية من الأمراء والأعيان ومعهم كل ما تدعو إليه الحاجة حتى يكاد يكون معه بيمارستان كامل لكثرة من معه من الأطباء والكحالين والجراحين والفصادين والأشربة والعقاقير وغيرها.

وكان الأمراء المسلمون أيضا يستعملون في حروبهم البيمارستانالمحمول وكان يحمل الآلات وأدوات والأدوية والعقاقير اللازمة عدد من الجمال خصصت لذلك أما البيمارستانات الثابتة فهي ما كان بناؤها ثابتا في مكان خاص؛ وكان هذا النوع موجودا في معظم البلاد المهمة ولا سيما في العواصم الكبرى وكان في بعضها اكثر من بيمارستان واحد ولا تزال أثار بعضها باقية إلى الآن كالبيمارستان المنصوري أو (قلاوون) واليمارستان المؤيدي بالقاهري والبيمارستان النوري بدمشق وغيرها.

وكانت هذه البيمارستانات بوجه عام منقسمة إلى قسمين منفصلين قسم للذكور وآخر للإناث، وكل قسم مجهز بما يحتاجه من آلات وعدد وخدم من الرجال والنساء وفي كل قسم منهما قاعات مختلفة فقاعة للأمراض الباطنية وأخرى للجراحة وثالثة للكحالة ورابعة للتجبير، إلى غير ذلك من القاعات.

وكانت هذه الأقسام الخاصة مقسمة بدورها إلى شعب وأقسام فرعية مثل الفرع الخاص بالمحمومين والقرع الخاص بالممرووين أي المجانين، والفرع الخاص بالمصابين بالأمراض العادية والأسهال وغير ذلك. كانت البيمارستانات تقام في إمكان حسنة الموقع طيبة المناح.

يروى بعض المؤرخين في ترجمة محمد بن زكريا الرازي أنه عند ما طلب إليه أن يختار محلا مناسبا لبناء بيمارستان في بغداد أمر أن يعلقوا قطعا من اللحم الغريض في أماكن مختلفة من المدينة ثم اختار المحل الذي تعفن اللحم فيه متأخرا عنه في سائر الأماكن لبناء المستشفى المطلوب.

وكان من شروط انتخاب المحل المناسب لبناء البيمارستان أن يكون فيه ماء جار.

وكان لكل بيمارستان شرايخاناه أي صيدليه (والكلمة محرفة عن شرابخانة الفارسية ومعناه خزانة الشراب) ولكل شرابخاناه (مهتار) أي رئيس (وهذه الكلمة أيضا محرفة عن مهتر الفارسية بمعنى الرئيس أو الكبير) وتحت يده غلمان عندن برسم الخدمة يطلق على كل واحد منهم (شراب دار).

ومما يسترعي النظر كثرة الأسامي والمصطلحات الطبية الفارسية التي كانت شائعة في اللغة العربية ويدل ذلك على نفوذ الأطباء الإيرانيين وأثر مدرسة جند يسابور منذ عهد الساسانيين، حتى أن العرب استعملوا نفس هذه المصطلحات واللغات الفارسية عيناً أو بتحريف بسيط في كتاباتهم ومحاوراتهم؛ فكلمة (بيمارستان) أو مخففتها (مارستان) شائعة ومتداولة في اللغة العربية أكثر من كلمتي المستشفى أو دار الشقاء.

وكانت كلمة (بيمارستان) تطلق في بادئ الأمر على المستشفيات التي تعالج فيها الأمراض بصورة عامة؛ أما بعد ذلك لما أصابتها الكوارث وحل بها البوار وهجرها المرضى أقفرت إلا من المجانين حيث لا مكان لهم سواها فصارت كلمة (مارستان) وهي تحريف بيمارستان لا تنصرف إلا إلى مستشفى المجاذيب.

وكان لكل بيمارستان ناظر يشرف على إدارته، وكان النظر عليه يعد من الوظائف الديوانية العظيمة، وكان تحت إدراته عدد من أرباب الوظائف في البيمارستان وهم:

1 - رئيس الأطباء وهو الذي يحكم على طائفة الأطباء وبأذن لهم في التطبيب ونحو ذلك.

2 - رئيس الكحالين وحكمه في الكلام على طائفة الكحالة حكم رئيس الأطباء في طائفة الأطباء: - رئيس الجرائحية.

وكان لكل طبيب حسب درجته ومقامه مرتب خاص له زيادة على المرتب جامكية وصلات وعلوفة لدابته من الخلفاء والملوك والأمراء.

يقول القفطي وابن أبي أصيبعة أن معدل المرتبات الشهرية للأطباء كان كالآتي:

1 - أطباء الخاص (أس المنقطعون للخليفة أو السلطان) وكان عددهم اثنين لكل منهما في الشهر خمسون ديناراً (وكل دينار حوالي خمسة عشر فرنكا فرنسيا ذهبا أي ستين قرشا مصريا تقريبا).

2 - أطباء الدرجة الثانية وهم ثلاثة أو أربعة، وكان بعضهم يقيم بالقصر ولكل منهم عشرة دنانير؛ وكان بعضهم طبيبا بالبيمارستان أيضا فكان له رزقان أي ثلاثون ديناراً في كل شهر مثل رضى الدين الرحبي طبيب صلاح الدين الأيوبي، فقد أطلق له صلاح الدين ثلاثين دينارا في الشهر ويكون ملازما للقلعة والبيمارستان؛ وكان للبعض الآخر مثل جبرائيل الكحال ألف درهم كل شهر (والدرهم نصف فرنك فرنسي ذهب أو قرشان مصريان).

يقول المقريزي إن أول من بنى البيمارستان في الإسلام ودار المرضى هو الوليد بن عبد الملك الخليفة الأموي سنة 88 هجرية وجعل فيها الأطباء وأجرى لهم الأرزاق وأمر بحبس المجذومين لئلا يخرجوا وأجرى عليهم وعلى العميان الأرزاق.

وكان في البيمارستان طريقان للعلاج. علاج خارجي أي أن المريض يتناول الدواء من اليمارستان ثم ينصرف ليتعاطاه في منزله، وعلاج داخلي يقيم المريض في أثنائه في البيمارستان في القسم والقاعة الخاصة بمرضه حتى يشفى.

ففي الطريقة الأولى كان الطبيب يجلس في محل خاص ويعاين المرضى ويعطيهم العلاج اللازم؛ وبما أن هذه المعاينة وهذا العلاج كنا يتمان في البيمارستان غالبا فقد كان يجتمع التلاميذ بحضرة أستاذهم يعاينون معه المريض ويعرفون كيفية استدلاله على المرض من أعراضه وعلائمه، وجملة ما يصفه له، والعلاج الذي يعالجه به، ومقدار الأدوية والعقاقير التي يوصى بها وطريقة استعمالها. يروى ابن النديم وكانمعاصرا لمحمد بن زكريا الرازي نقلا عن شيخ من أهل الرى (أن الرازي وكان شيخ كبيراً كان يجلس في مجلسه ودونه تلاميذه ودونهم تلاميذهم ودونهم تلاميذ أخر وكان يجيئ الرجل فيصف ما يجد لأول من تلقاه فأن كان عندهم علم وإلا تعداهم غيرهم، فإن - أصابوا وإلا تكلم الرزاي في ذلك.

إن هذه الطريقة تشبه إلى حد كبير الطريقة المتبعة الآن أو التي يجب أن تتبع في حالة مداولة الأطباء عن فحص المريض فإن الأطباء بعد أن يعاينوا المريض يجتمعون للمداولة في غرفة خاصة ويبدأ الحاضرون بإبداء آرائهم في حالة المريض متدرجين من أصغرهم سناً إلى أكبرهم؛ وذلك لأن الأطباء الكبار والمشهورين إن أبدوا رأيهم في ذلك ربما خجل الطيب الأصغر منهم بحكم سنه وإجلاله للطبيب الأكبر منه سنا ومقاما من أبداء رأي يخالف ذلك، وقد يكون أحيانا أحسن من رأي غيره وأقرب إلى الصواب.

والخلاصة أن دراسة الأطباء لحالة المريض بجانب سريره ومطالعاتهم في البيمارستانات وأخذهم دروسا عملية كانت تعد في تلك العهود - وكانت العلوم فيها على الأغلب الأعم نظرية ذات أهمية خاصة بالنظر لأهمية الطب والتبعة التي تقع على عاتق المشتغل به وللمهارة التي تستلزمها هذه المهنة.

وإن شطرا هاما من كتاب الحاوي للرازي مخصص لهذه الدروس الطبية (الأكلينيكية).

ومنه فصل بعنوان (أمثلة من قصص المرضى)، يذكر فيه الحالات النادرة التي تردد فيها في تشخيص المرضى، وفي كل حالة يذكر اسم المريض وأعراض المرض وطريقة العلاج ونتيجتها.

ويذكر الأستاذ بروان في كتابه الطب الإسلامي

كما يأتي:

(كان يأتي عبد الله بن سوادة حميات مخلطة تنوب مرة في ستة أيام، مرة غب، ومرة ربع، ومرة كل يوم ويتقدمها نافض يسير، وكان يبول مرات كثيرة، وحكمت أنه لا يخلو أن أن تكون هذه الحميات تريد أن تنقلب ربعا، وإما أن يكون به خراج في كلا، فلم يلبث إلا مديدة أعلمته أنه لا يعاود هذه الحميات، وكان كذلك، وإنما صدني في أول الأمر عن أن أبت القول بأن به خراجاً في كلاه أنه يحم قبل ذلك حمى غب وحميات أخر فكان للظن بأن تلك الحمى المخلطة من احتراقات تريد أن تصبر ربعا موضعا أقوى. ولم يشك إلى أن قطنه شبه ثقل معلق منه إذا قام وأغفلت أنا أيضا أن أسأله عنه، وقد كان كثيرة البول يقوى ظنى بالخراج في الكلى، إلا أني كنت لا أعلم أن أباه أيضا ضعيف المثانة يعتريه هذا الدء، وهو أيضا قد كان يعتريه في صحته فينبغي ألا يفعل بعد ذلك غاية التقصى إن شاء الله، ولما بال المدة أكببت عليه بما بدر البول، حتى صفا البول من المدة ثم سقيته بعد ذلك الطين المختوم والكندر ودم الأخوين وتخلص من علته وبرأ برءا تاما سريعا في نحو من شهرين. وكان الخراج صغيرا ودلني على ذلك أنه لم يشك إلى ابتداء ثقلا في قطنه، ولكن بعد أن بال مدة قلت له هل كنت تجد ذلك؟ قال نعم، فلو كان كثيرا لقد كان يشكو ذلك، وأن المدة تنبث سريعا تدل على صغر الخراج. فأما غيري من الأطباء فأما غيري من الأطباء فإنهم كانوا بعد أن بال مدة أيضا لا يعلمون حالته البتة).

(البقية في العدد القادم)