الرئيسيةبحث

مجلة الرسالة/العدد 705/ما ربحه الدين من العلم في الزمن الأخير

مجلة الرسالة/العدد 705/ما ربحه الدين من العلم في الزمن الأخير

مجلة الرسالة - العدد 705
ما ربحه الدين من العلم في الزمن الأخير
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 06 - 01 - 1947


للأستاذ محمد فريد وجدي بك

اعتبر العلم منذ أول نشوئه منافساً للدين، ثم ما لبث أن تطور التنافس بينهما إلى تخاصم بسبب اختلاف وجهتيهما. سار كل منهما في طريقه عاملاً على هدم منافسه، وتجاوزت المخاصمة بينهما في آخر أدوارها حدود الكلام إلى الأخذ بالنواصي والأقدام، وكان رجال العلم في هذا الدور في أوربا هدفاً لأقسى ضروب الاضطهاد، ولم ينقذهم من الفناه إلا نشوء انقسام ديني خطير كانت نتيجته في القرن السادس عشر حدوث عهد جديد من حرية البحث والتفكير، خطا العلم بعدها خطوات سريعة، وخاصة في القرن التاسع عشر، في سبيل استكشاف مجهولات، وإظهار مخترعات وجهت الأنظار إليه، وجعلت المعول في ترقية الإنسانية عليه.

ظل العلم من الناحية الاعتقادية عدواً للدين، رامياً إلى محو أثره من النفسية البشرية، لاعتباره إياه عاملاً أتقضى زمنه، وبطلت الحاجة إليه، وما ليس إليه حاجة مادية أو أدبية، كان وجوده معطلا الآخذين به من التأدي إلى الكمال المنشود.

ولكن في القرن التاسع عشر نفسه الذي نال العلم فيه أقصى مناه من الدين، ظهرت آراء علمية، قضت بها الضرورة، كان لها اثر فعال في إعادة سلطان الدين إليه، منها الحاجة الملحة إلى افتراض وجود عنصر أولي لطيف إلى أقصى حد، مالئ للكون كله دعوه الأثير، لا يخلو منه حيز في الأرض ولا في السماء، وأنه كان موجودا من أزل الآزال، وسيبقى موجودا ابد الآباد، وأنه أصل المادة منه نشأت وإليه تعود. وغلا الأستاذ (هيكيل) المدرس بجامعة (يينا) من ألمانيا فكتب في كتابه وحدة الوجود (المونيسم) يقول:

(نعم، إن نظرية الأثير إذا أخذت كقاعدة للأيمان يمكنها أن تعطينا شكلا معقولا للدين، وذلك إذا جعلنا إزاء تلك الكتلة الجامدة الثقيلة، وهي المادة، ذلك الأثير الموجود في كل مكان، الذي يمكن اعتباره إلها خالقاً).

ثم أيد رأيه هذا الأستاذ (شليسنجر) الألماني الذي أفضى به في خطبة ألقاها في (التينبورغ) بألمانيا وهو.

(إن أحقر مظهر من مظاهر الطبيعة غير الآلية، وأكبر مجلي من مجالي الحياة الآلية، يمكن أن يعلل وجودها بفعل قوى طبيعية واحدة. وبما أنهما من جهة أخرى يشتركان في الصدور من الأصل الأصيل المتوحد، الذي بملأ الوجود اللانهائي، وهو الأثير، فيمكن اعتبار هذا الأثير إلهاً، ويكون نتيجة ذلك الحكمأن الاعتقاد بالخالق يتفق والعلوم الطبيعية.).

إلى هذا الحد وصل اعتداد الطبيعيين بالأثير، وهو عنصر افتراضي، اضطر الطبيعيون إليه، لأنه لا يمكن تعليل كثير من ظواهر الطبيعة بدون افتراض وجوده، فهل بقي لهم وجه للاعتراض على الدينيين في القول بوجوب وجود قدرة عليا أوجدت الوجود كله، ومتعته بالقوى والنواميس الضرورية، لبنائه على ما هو عليه، من تنوع موجوداته، وتباين كائناته؟.

لعمري أن ما ذكرناه لربح للدين من العلم أعاد إليه ما سلبه منه من الاحترام في نظر أتباعه، فكان هذا جزاء للعلم من جنس العمل على نحو لا يمكن إخفاءه، يجب أن يفطن له الذين يهيمنون على العقائد.

وكان مما فتن أهل العلم منذ أكثر من ألفي سنة ما ارتآه (ديمو كريت) الفيلسوف اليوناني من أن أصل المادة جواهر فردة متناهية في الصغر لا تقبل الانقسام تتألف مادة جميع الأجسام الكونية منها.

انتشر هذا الرأي وأخذ به أهل العلم في كل مكان وزمان، وقارعوا به حجج الدينيين في أن المادة محدثة كسائر الموجودات، وظل الأمر على هذا المنوال قروناً، ودرس الناس في كل أمة علم الطبيعة على هذا النحو حتى أواخر القرن التاسع عشر، فرأى الأستاذ اللورد (رودفورد) من أساتذة جامعة منشستر أن الجوهر الفرد لا يعقل أن يكون حصاة جامدة متناهية في الصغر، وأنها لا بد من أن تكون مجتمع قوي لو أمكن فض اجتماعها أحدث تفرقها قوى هائلة يمكن استخدامها في الشؤون الصناعية. وأخذ من ذلك الحين يحاول حلها. كان ذلك في سنة (1875). وما جاءت سنة (1910) حتى كان بعض الطبيعيين قد تمكنوا من تفتيت الذرة فثبت ثبوتاً علمياً أنها مجتمع من القوى، فرال من الأذهان ما كان يقوله الماديون من قدم المادة حتى أن الدكتور (فيلبون) كتب في مجلة (العلم والحياة) سنة (1917) يقول: (لقد حلت كلمة (القوة) محل كلمة (المادة) فما يدرينا إذا كانت كلمة (روح) لا تحلمحل كلمة (قوة)؟).

وقال الفيلسوف (جيو) في كتابه (اللاتدين في المستقبل) ولا يتهم بمشايعة الأديأن، قال في طبعته السادسة:

(إن الرأي الذي مؤداه: أن الجوهر الفرد لا يقبل الانقسام ولا التجزؤ، يعتبر من الوجهة الفلسفية من الآراء الطفيلية. فقد أثبت طومسون وهولوتز أن الذرات في ذاتها زوبعات متشابهة ثم قال:

(إذا وسع المذهب المادي مدى نظره، وجب عليه أولاً نسبة الحياة إلى العنصر العام بدلاً من أن يفرضه مادة عمياء).

ثم نقل الفيلسوف جيو بعد ذلك عن سبنسر قوله:

(قال الفيلسوف سبنسر:) كل جيل من الطبيعيين يكشف في المادة المسماة عمياء قوى ما كأن يحلم بوجودها أعلم علماء الطبيعة قبل ذلك بسنين معدودة.). فإننا لما رأينا أجساماً جامدة تحس رغماً من جمودها الظاهر بتأثير قوى لا يحصى عددها؛ ولما أثبتت لنا آلة التحليل الطيفي بأن الذرات الأرضية تتحرك موافقة حركة الذرات الموجودة في الكواكب، ولما اضطررنا إلى أن نستنتج من ذلك أن ذبذبات لا يحصى لها عدد تخترق الفضاء في كل جهة وتحركه، لما رأينا ذلك كله، وجب علينا أن ندرك ما قاله (سبنسر) من أن الوجود ليس بمؤلف من مادة ميتة، ولكنه وجود حي في كل جهة من جهاته، حي بأعم معاني هذه الكلمة، إن لم يكن بأخص معانيها).

وهذا أيضاً ربح عظيم للدين آتاه به العلم بعدما ملأ الخافقين إيذاناً بأن الدين قد قضى زمنه، وانتهت مهمته.

وفي العالم بحوث منذ أكثر من مائة وخمسين سنة موضوعها النفس الإنسانية، كان في مقدمتها ما دعاه مكتشفه الدكتور (مسمر) الألماني حوالي سنة (1770) بالتنويم المغناطيسي، وقد ثبت بتجارب العلماء فيه من خصائص الروح الإنسانية ما كاد لا يصدق لولا أنه شوهد مشاهدة علمية لا تدع عذراً لمستريب. ثبت منه أن الإنسان متى وقع في ذلك الضرب من النوم، ظهر له عقل أرقى من عقله، وذاكرة لا يفلت منها ما كبر أو صغر من حوادثه، فيدرك ما يراد منه إدراكه بذاته، لا بأية آلة من آلاته، وتظهر له من الخواص ما يفوق ذلك، خصائص روحية لا جدال فيها، وهي مع ذلك تجريبية محسوسة. وقد سلك العلماء سبيلا أخرى للوقوف على ما نجهله من خصائص النفس منذ قرن واحد وصلوا منها غايات بعيدة، ومكتشفات مدهشة.

كل هذا ربحه الدين من العلم في مدى المائة وخمسين سنة الأخيرة، وهي تكفي لدحض كل فلسفة مادية، واكتساب حجة الدين قوة تجعلها فوق متناول الشكوك.

أليس من العجيب بعد هذا أن رجال الدين لا يأبهون لهذه الأسلحة العلمية، بل يوجد فيهم من يكذب بها ويعمل على ملاشاتها! ألا فليتحققوا أن العصر الذي نعيش فيه هو عصر العلم، وأن أي مدرك من المدركات، لا يمكن أن يأبه به أحد ممن يعتد بهم إلا إذا جاءه من طريق العلم، فلا نجعلن بيننا وبينه حجاباً، ولنستفيد مما وصل إليه من التطور لنجتذب القلوب إلى حظيرة الحقائق الإلهية الخالدة بما تقرر فيه من المكتشفات الباهرة، فإن كان لا بد للقائمين بذلك من دراسة خاصة فلنقم بها، وما يذكر إلا أولو الألباب.

محمد فريد وجدي