الرئيسيةبحث

مجلة الرسالة/العدد 705/فتربصوا حتى يأتي الله بأمره

مجلة الرسالة/العدد 705/فتربصوا حتى يأتي الله بأمره

مجلة الرسالة - العدد 705
فتربصوا حتى يأتي الله بأمره
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 06 - 01 - 1947


للأستاذ محمد عرفه

مدير الوعظ والإرشاد

(قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره، والله لا يهدي القوم الفاسقين)

ما روعتني آية من كتاب الله ما روعتني هذه الآية، وما قرأتها قط إلا ارتعدت فرائصي وخيل إلي أن الأرض تدور بي الفضاء، ذاك لأنها توجب أن يؤثر المؤمنون الله ورسوله والجهاد في سبيله على الآباء والأبناء والعشيرة والأموال والتجارة والمساكن، ولا ترضي منهم أن يؤثروا الله ورسوله والجهاد في سبيله كما يؤثر المرء الدواء المر البشع، بل لا ترضي إلا أن يكون ذلك الإيثار عن رضى ومحبة، فإذا دعا داعي الجهاد ودعا المال والولد والعشيرة والمسكن وجب أن يستجيب المؤمنون لداعي الجهاد عن رضى ومحبة؛ فإن لم يكونوا كذلك فليتربصوا حتى يأتي الله بأمره، وقد أبهم الله هذا الأمر لتذهب النفس في أودية الخوف كل مذهب، والله لا يهدي القوم الفاسقين الذين فسقوا عن أمر الله وانحرفوا عن الطريق القويم.

تكليف صعب شاق، وهو على صعوبته ومشقته الطريق الوحيد إلى العزة والأمن والقوة والسمو، فالأمة التي تؤثر الحق والجهاد في سبيله على ما سواهما هي التي تمهد طريقها إلى المعالي، وتسلك سبيلها إلى العزة القعساء.

أما الأمة التي انتكست فطرتها فآثرت الباطل على الحق، والدعة على الجهاد في سبيله، فأقل ما يصيبها من أنواع العقوبات الضعف والذلة والاستكانة إلى الأقوياء، والاستعباد للمغيرين، يستذلونها ويستخدمونها كما يستخدم الإنسان الحيوان الأعجم، وهذا البلاء الشديد وغيره مما يشمله قوله تعالى: (فتربصوا حتى يأتي الله بأمره).

ولا عجب فالمعالي سبيلها غير معبد، ولها صعداء مطلعها طويل، وهي لا تنال على الدعة والراحة والطمأنينة والبلهنية، إنما تنال بالتعب والنصب والكد وتهذيب النفس وتقوية الخلق والإرادة القوية والعزم الشديد. إنما الذي ينال على الدعة والراحة، الهم الطويل، والحزن الممض.

فليقس كل امرئ إيمانه بهذه الآية ولينظر أيحزن إذا فاته حظ من دينه مثل ما يحزن إذا فاته حظ من دنياه، أم هو لا يبالي بضياع دينه ويأسى على ما فاته من الحقير من دنياه.

أيجد من قوة اليقين ما يستحبه له دينه على الآباء والأبناء والأهل والعشائر والأموال والمساكن وجميع حظوظ الدنيا وخيراتها، أم يجد من ضعف اليقين ما يستحب له عرض الدنيا على دينه وآخرته.

ومن خدع الشيطان ما يوسوس به في النفوس من أن هذا التكليف لم يتحقق ولن يتحقق؛ فإذا لم يحققه المرء في نفسه فله في جميع المكلفين أسوة. هذا ما يحدث به المرء نفسه، والمرء يلتمس المعاذير، ولكن التاريخ الإسلامي يحدثنا عن كثير من السابقين الأولين أنهم نالوا هذه الدرجة وكان الله ورسوله أحب إليهم مما سواها.

روى أنه قدم على النبي ﷺ رهط من قبيلة عضل والقارة وقالوا إن فينا إسلاماً فابعث معنا نفراً من أصحابك يفقهوننا في الدين ويقرئوننا القرآن ويعلموننا شرائع الإسلام، فبعث رسول الله معهم نفراً ستة من أصحابه فيهم زيد بن الدثنة، وخبيب بن عدي، فخرجوا حتى إذا كانوا على الرجيع وهو ماء لهذيل استصرخوا عليهم هذيلاً فلم يرع القوم وهم في رحالهم إلا الرجال بأيديهم السيوف قد غشوهم فأخذوا أسيافهم ليقاتلوهم، فقالوا لهم إنا والله ما نريد قتلكم، ولكنا نريد أن نصيب بكم شيئاً من أهل مكة، ولكم عهد الله وميثاقه ألا نقتلكم، فقال بعضهم والله لا نقبل من مشرك عهداً ولا عقداً أبدا، فقاتلوا المشركين حتى قتلوا وأسر زيد وعدي، وخرج بهما المشركون إلى مكة فباعوهما من قريش بأسيرين من هذيل كانا بمكة، فأخذ حبيباً عقبة بن الحارث بن عامر ليقتله بأبيه الذي قتله المسلمون، وابتاع زيد بن الدثنة صفوان بن أمية ليقتله بأبيه أمية بن خلف الذي قتله المسلمون ببدر وبعث به أمية إلى خارج الحرم، وترامى الخبر إلى أهل مكة أن صفوان سيقتل زيداً بأبيه فخرجوا ليشهدوا مصرعه، وكان ممن خرج أبو سفيان فقال لزيد حين قدم ليقتل، أنشدك الله يا زيد أتحب أن محمداً عندنا الآن في مكانك نضرب عنقه وأنك في أهلك؟ قال والله ما احب أن محمداً الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وإني جالس في أهلي. فقال أبو سفيان ما رأيت من الناس أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمد محمداً ثم قتل. وأما خبيب فلما خرجوا ليصلبوه قال لهم إن وأيتم أن تدعوني حتى أركع ركعتين فافعلوا، قالوا دونك فاركع، فركع ركعتين أتمهما وأحسنهما، ثم أقبل على القوم فقال أما والله لولا أن تظنوا أني إنما طولت جزعاً من القتل لا استكثرت من الصلاة، ثم قال حين أوثقوه ورفعوه على خشبة: اللهم إنا قد بلغنا رسالة رسولك فبلغه الغداة ما يصنع بنا، ثم قال اللهم أحصهم عددا، واقتلهم بددا، ولا تغادر منهم أحدا. فاضطجع المشركون لجنوبهم حين سمعوا الدعاء، وكانوا يقولون إن الرجل إذا دعى عليه فاضطجع لجنبه زالت عنه، ثم قتلوه رحمه الله، وكانت آخر كلمة قالها:

ولست أبالي حين أُقتَل مسلماً ... على أي جنب كان في الله مصرعي

فإذا كانت محبة الله ورسوله والجهاد في سبيله، أكثر من الآباء والأبناء والمال والمساكن يمكن نيلها وقد نالها الرعيل الأول من المسلمين السابقين، وهي السبيل إلى العزة والكرامة، فما أحرى الأمم الإسلامية أن تربي أبناءها على حب الله ورسوله والجهاد في سبيله، لتنال ما ناله السابقون من العزة والتمكين في الأرض، ولتضيف مجداً طارفاً إلى مجدها التليد، ولتنجو من هذا الوعيد الشديد، فتربصوا حتى يأتي الله بأمره، والله لا يهدي القوم الفاسقين.

محمد عرفه