الرئيسيةبحث

مجلة الرسالة/العدد 607/هذا العالم المتغير

مجلة الرسالة/العدد 607/هذا العالم المتغير

مجلة الرسالة - العدد 607
هذا العالم المتغير
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 19 - 02 - 1945


للأستاذ فوزي الشتوي

حذار الغيظ والحسرة

في مدينة نيويورك رجل أسمه توم وعمره، 57 سنة. عاش منها 48 سنة لم يبتاع طعاماً، ومع ذلك فهو يأكل أي طعام تشتهيه نفسه. سدت قناة الابتلاع (الزور) عنده وهو في التاسعة من عمره إثر شربه لسائل ملتهب حرق الزرو ولم يفد الطب في علاجه فأغلق إلى الأبد. واضطر الجراح إلى فتح نافذة مستديرة قطرها بوضة وربع في معدته ليتناول منها غذاءه

واندفعت أغشية المعدة من هذه الفتحة فكونت ثنية قطرها ثلاث بوصات. فان أراد أن يأكل رقد على ظهره وفك الأربطة عن وسطه، وأزاح وسادة عن فتحة المعدة، ثم يثبت فيها أنبوبة قصيرة من المطاط. وبعد ما يمضغ طعامه يضعه في معدته عن طريق الأنبوبة. وبهذه الطريقة تناول ما لا يقل عن 30 ألف وجبة طعام لم يشعر فيها بأية مضايقة.

مارس هذا الإنسان كثيراً من الألعاب الرياضية وهو غلام واشتغل في عدة مهن يدوية، فلم يلحظ زملاؤه شذوذه إذ كان يتمتع بصحة جيدة. إلى أن أكرهته ظروف العمل إلى الاشتغال في حفر الخنادق فأهبت الحركة المستمرة أغشية المعدة المكشوفة حتى أدمتها واضطر إلى الالتجاء إلى أحد المستشفيات، وهناك أكتشفه الطبيبان ولف، فوجدا فيه حقل تجارب لن يسمح الزمان بمثله. ففي هذه المعدة المفتوحة يستطيعان أن يكشفا أسرار أمراض المعدة، وأسرار التغذية، وتأثر عملية الهضم بالانفعالات النفسية.

وتمكنا من إغرائه بالوظيفة الثابتة في معملهما، وبما يؤديه للإنسانية من خمات، فقبل منذ ست سنوات أن يعمل معهما. فاشتغل في صباحه حقل تجارب، وبعد الظهر كمحضر في معمل مستشفى جامعة كورنل الطبية.

وفي مثل هذا الإنسان تسهل دراسة الظواهر المعدية بإنفاذ آلة مثل منظار الغواصة المزود بالضوء إلى داخل المعدة. ولهذا ظلت حياة هذا الإنسان طوال السنوات الست الماضية ممتزجة بالتجارب الطبية. فإنه أغنى الطبيب عن استعمال منظار المعدة الذي لا يتيح فحص الإنسان العادي أكثر من عشر دقائق.

ومن أهم الدراسات التي أجريت عليه فحص العلاقة بين الانفعالات النفسية ومرض قرح المعدة. فبينما الطب يتقدم بخطوات واسعة في دراساته فان عدد الإصابات بهذه القرح يزيد، ويعتقد عدد كبير من الباحثين أنه نتيجة للإجهاد العصبي والقلق فقدمت لهم معدة توم الدليل العلمي بأن القلق المتواصل، والغضب، والعداوة تكون إفرازات تؤدي إلى الإصابة بالقرح.

ويتفق أكثر الأطباء على أن هذا المرض نتيجة لزيادة الإفرازات الحمضية، ويصف الطبيبان ولف تطوراته، بأن الانفعالات النفسية المتعلقة بالقلق أو الغضب تصحب بزيادة إفرازات الحوامض العادية ومعها فيض من الدم مما يؤدي إلى غمر أغشية المعدة وتمددها. ويصحب هذه الانفعالات أيضاً انقباض شديد في المعدة.

وفي مثل هذه الحالات يسبب الاحتكاك البسيط بمواد الغذاء الصلبة تسلخات دموية رفيعة في الأغشية يثيرها اتصالها بالسوائل الحمضية، المعدية الغير العادية فتزداد الإفرازات الحمضية، ويزداد غمرها بالدم وتمددها، فتبدأ حلقة إصابة خطيرة في المعدة، فتتصل مادة الببسين الهاضمة بأغشية المعدة الأصلية وتأكل جزءاً منها فتسبب قرحة.

ولا تهضم المعدة نفسها أو تأكل أجزاءها لأنها مبطنة بغشاء مخاطي قلوي سميك يقي أغشيتها فلا تلمسها المواد الهاضمة. فإذا انغمس الإنسان في الانفعالات النفسية المقلقة فإنها تأكل نفسها بطول المدة مبتدئة بالقرح، مما شاهده الطبيبان في معدة توم، فكانا يعرضانه لمختلف الانفعالات النفسية، ويراقبان التغير الذي يطرأ على معدته، ولكنه من الطبيعي أن توم لم يصب بقرح المعدة لأن فترة إقلاقه وانفعاله لم تكن طويلة بل كانت فترات قصيرة.

والأشخاص المعرضون لهذه الإصابات هم ممن يجدون لذة في الانفعالات وآلامها، فيصرون على أن تكون رفيقتهم في حلهم وترحالهم وفي عملهم وراحتهم.

ولم يؤثر تعاطي الكحول ولا التدخين أيا كانت نسبُه على معدة توم، لأن مخاط المعدة القوي كان يقي أغشيتها من فعل حوامضهما. فإن تعرضت المعدة لحوامض قوية لا تكفي لتعادلها قلويات المخاط، فإن الأغشية تكون غطاء آخر يحفظها من الحوامض فإذا فشل هذا الغطاء في تأدية عمله لقوة الحوامض تكونت القرح وبدأت المعدة تأكل نفسها

وهكذا صدق تعبيرنا القائل أنه يأكل نفسه كمداً وحسرة.

يعيشون بدون معدة

أصبحت عملية إزالة المعدة أو جزء منها من المسائل العادية في الولايات المتحدة كما صرح بذلك الدكتور فرانرا انجلفنجر، فانخفضت نسبة وفياتها في الحالات غير السرطانية من 1 إلى 3 في المائة، فان كانت لإزالة سرطان المعدة انخفضت إلى 10 % وحتى في حالة إزالة المعدة كلها فان المريض لا يتعرض للخطر من العملية بنسبة تعرضه للمرض الذي تزال المعدة من أجله.

وأثبتت الإحصاءات أن 30 % ممن تجرى عليهم هذه العمليات لا يستعيدون وزنهم العادي ومنهم 3 % يحسون بضعف ودوار وضغط إن أكلوا وجبات كبيرة. ولكن هذا الإحساس يزال بعد سنة من إجراء العملية فيتجنب المريض الوجبات الكبيرة ويستعيض عنها بست وجبات في اليوم. فإن من العوامل المهمة أن تلائم عمليات الهضم للحالة الجديدة.

ويستطيع المريض بعد استئصال معدته تناول أي طعام وتأدية أي مجهود. ولكنه لوحظ أن النشويات والسكر والزلاليات يسهل امتصاصها، أما الدهنيات فتحدث بعض الاضطراب. وقد يصاب بعض المرضى بالأنيميا وإن كانت الحادة منها نادرة الحدوث.

فوزي الشتوي