الرئيسيةبحث

مجلة الرسالة/العدد 577/على هامش ذكرى المعري

مجلة الرسالة/العدد 577/على هامش ذكرى المعري

بتاريخ: 24 - 07 - 1944


(داعي الدعاة) مناظر المعري

للدكتور محمد كامل حسين

- 2 -

اتجه المؤيد إلى مصر حيث إمامه الفاطمي، ومقر الدعوة التي كان يدين بها، وفي طريقه كان يحدوه أمل باسم مشرق بما سيلقاه في مصر من تقديم وتكريم لما قام به من جهود في سبيل الدعوة وعلو كعبه في علوم المذهب، فقد كان إليه المرجع في عويص مسائله، حتى أن داعي الدعاة الأكبر كان يرسل إليه يسأله ويستوضحه في بعض المشاكل المذهبية، لهذا كله بنى لنفسه في الخيال قصوراً شامخة، وعلا به خياله إلى الوصول أعلى المراتب، ولكن هذا الأمل كانت تغشاه أحياناً سحابة مظلمة تطغى على فكره فتهدم ما بناه خياله وتهبط به إلى الحضيض، فبالرغم من اعتناق المؤيد للمذهب الفاطمي، وبالرغم من شدة احترامه لإمامه حتى درجة التقديس كان المؤيد يعلم أن السلطة الحقيقية في مصر ليست بيد الإمام إنما كانت بيد أم الإمام، أو بمعنى آخر كانت بيد التستري وكيلها، ولم يكن التستري يأبه بشئون الدعوة الفاطمية بقدر ما عني بتركيز سلطانه وسطوته، فخشي المؤيد أن لا يجد في مصر ما كان يطمح إليه، وكان هذا التفكير يثنيه عن المضي في رحلته إلى مصر ولكنه نظر حوله فلم يجد مكاناً يأوي إليه آمناً على حياته سوى مصر فمضى إليها حتى دخلها سنة 437هـ. وذهب إلى دار الخلافة حيث قابل الوزير الفلاحي الذي رحب بمقدمه وأكرمه وأمر بأن تهز له دار وصفها المؤيد بقوله: (فأخذوني إلى دويرة كانت فرشت لي هي من الكرامة في الدرجة الوسطى من الحال، لا بالإكثار ولا من الإقلال) وسمع الناس بمقدمه، فتوافدوا على داره للترحيب به ونصحوه بالاتصال بالتستري. فذهب المؤيد إليه، وبالغ التستري في إكرامه ووهبه الأموال والخلع، وأخذ يعده ويمنيه بل أراد أن يختص بالمؤيد دون غيره من وجوه المصريين، ولكن هذه الوعود كانت كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء فلم يف التستري بما وعد بل كاد للمؤيد ومنعه من مقابلة إمامه المستنصر، وزاد الطين بلة أن بعض المغرضين سعوا بالفساد بين المؤيد والتستري، وخوفوا التستري من وجود المؤيد وقالوا له: (كيف تطوع لك نفسك أن تأخذ هذا الرجل الأعجمي المقام الذي أنت مخصوص به، وما يؤمنك أنك إذا أدخلته أخرجك وإذا قدمته أخرك، وهو أبسط منك لساناً وأقوى جناناً، وهو يدل بعزة الإسلام والتخصيص بالدعوة والخدمه) فكان لهذا الكلام وأمثاله أثر في نفس التستري الذي قلب للمؤيد ظهر المجن وأوعز لبعض حاشيته للتحرش بالمؤيد حتى ضاق المؤيد ذرعاً، كان يلتفت حوله فلم يجد له ناصراً ولا معيناً حتى الوزير الفلاحي لم يستطع مساعدته ومؤازرته في هذا الوقت، وهنا أجد في سيرة المؤيد التي كتبها عن نفسه صورة دقيقة لحالة رجال مصر في هذا الوقت، ولا سيما لهؤلاء الذين يتنافسون للوصول إلى الحكم وإلى المؤامرات التي كان يدبرها بعضهم لبعض التي أدت إلى اضطراب البلاد، والغريب أن يصدر هذا الكلام من رجل خدم الدعوة الفاطمية وأشاد بذكر الفاطميين وفضائلهم وتهكم بخصومهم، ومع ذلك كله كان المؤيد في سيرته مؤرخاً صادقاً صور حالة مصر كما هي دون تحيز لإمامه أو خوف ممن تناولهم من معاصريه، فقد كانوا جميعاً يخشون ازدياد نفوذ المؤيد فعملوا جميعاً على الإيقاع به. لذلك فكر المؤيد في الخروج من مصر بل استعد فعلاً للرحيل، ولكن التستري خاف من المؤيد إذا خرج من مصر فمنعه من الرحيل ليكون تحت رقابته ورقابة عيونه، فاضطر المؤيد أن يكشف القناع عن هذا الرجل وأن يهجو التستري في كل مناسبة تتاح له، فبسط فيه لسانه في المجالس والأندية دون خوف أو وجل إلى أن قتل التستري سنة 439هـ

وصفا جو مصر للوزير الفلاحي الذي كان يعطف على المؤيد بعض العطف. لذلك نراه يسمح للمؤيد بمقابلة إمامه المستنصر. وتمت هذه المقابلة في آخر يوم من شعبان سنة 439؛ وهنا أترك للمؤيد وصف مقابلته الأولى لإمامه: (وكنت في مسافة ما بين السقيفة الشريفة والمكان الذي ألمح فيه أنوار الطلعة الشريفة النبوية، فلم تقع عيني عليه إلا وقد أخذتني الروعة وغلبتني العبرة وتمثل في نفسي أنني بين يدي رسول الله ﷺ وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) ماثل، وبوجهي إلى وجهيهما مقابل، واجتهدت عند وقوعي إلى الأرض ساجداً أن يشفعه لساني بشفاعة حسنة بنطقه، فوجدته بعجمة المهابة معقولاً وعن مزية الخطابة معزولاً، ولما رفعت رأسي وجمعت عليّ ثوبي للقعود، وجدت بناناً يشير إلي بالقيام، فقطب أمير المؤمنين خلد الله ملكه وجهه عليه زجراً على أنني مار رفعت به رأساً، ولا جعلت له قدراً ومكثت بحضرته ساعة لا ينبعث لساني بنطق ولا يهتدي لقول، وكلما استر الحاضرون مني كلاماً ازددت إعجاماً ولعقبة العي اقتحاماً وهو خلد الله ملكه يقول: (دعوه حتى يهدأ أو يستأنس)، ثم قمت وأخذت يده الكريمة فترشفتها وتركتها على عيني وصدري ودعيت وخرجت)

وعين المؤبد بعد ذلك حاجباً على باب المجلس الذي يدخل منه إلى أم الخليفة المستنصر الفاطمي، حتى يكون على صلة دائماً بإمامه، وقنع المؤيد بهذا العمل المتواضع لا لشيء إلا لأنه سيكون على قرب من الإمام، ولكن اليازورى خليفة التستري، خشي مغبة اتصال المؤيد بالمستنصر فعزله بعد ثلاثة أشهر واشتدت نكبة المؤيد بقتل الوزير الفلاحي وتولية الجرجرائي الوزارة بعده، فقد كان هذا الوزير الجديد يخشى على مركزه وسلطته من المؤيد، فعادت إلى المؤيد سيرته الأولى من كثرة الأعداء حوله وعن ذلك يقول المؤيد (وتحيرت في شأني لا أفتح عيناً إلا على عدو، ولا أرى في جهة من الجهات إلا ضمير سوء)؛ فصمم المؤيد على السفر من مصر، وبلغ اليازروي ذلك فاستدعاه وأقنعه بالعدول عن عزمه، فظن المؤيد أن هذا التبليغ بإيعاز من المستنصر فاضطر إلى الخضوع، ولا سيما وقد أصبح اليازوري الداعي الأكبر، وكان اليازوري، كما وصفه المؤيد رجلاً عاطلاً من المواهب التي تؤهله لمرتبة الدعوة؛ فأراد المؤيد أن يتقرب إليه وأن يصلح علاقته معه، فاتفقا على أن يضع المؤيد المجالس والمحاضرات التي يقرؤها داعي الدعاة عادة كل يوم خميس على أتباع المذهب، واجتهد المؤيد في تحسين وتجميل هذه المحاضرات حتى يعلم اليازوري أن المؤيد قد أخلص الخدمة له، واستمر الأمر على هذا المنوال مدة طويلة كان اليازوري يلقي المحاضرات التي كتبها المؤيد وكأنها من إنشائه حتى ولى اليازوري الوزارة سنة 442، فلم يشك الناس في أن أمر الدعوة صار إلى المؤيد، دون غيره، ولكن خاب فألهم إذ ندب لها أحد بني النعمان وأعتذر اليازوري للمؤيد بكلام خفف آلامه بعض الشيء ووعده وعداً حسناً، وانتظر المؤيد الوفاء بهذا الوعد، ولكنها لحقت بالوعود الأخرى، فاشتد حنق المؤيد، وأرسل إلى الوزير يهجوه، فتوعده الوزير وهدده، والمؤيد كعادته لم يأبه بوعيد ولم يخش من تهديد، فاستمر في حملته ضد الوزير وانقطع عن لقائه سبعة أشهر إلى أن كانت ثورة بني قرة وانتصار الجيش في قمع هذه الثورة سنة 443 وسارت الوفود لتهنئة الوزير، فألح أصدقاء المؤيد عليه أن يذهب معهم للوزير، ففعل مرضاة أصدقائه، وسر الوزير لقدومه وعينه بعد ذلك رئيساً لديوان الإنشاء وضاعف في رزقه فتحسن حاله ومع ذلك كانت أحواله مع اليازوري بين الرضى والغضب، وكل ذلك مرجعه إلى طموح المؤيد وطمعه في الوصول إلى درجة داعي الدعاة

ظل المؤيد صاحب دار الإنشاء في مصر إلى أن سمع بدخول طغرلبك التركماني مدينة الري سنة 446، وبحكم عمله بدار الإنشاء علم بأن البيزنطيين اتفقوا مع السلجوقيين لغزو أملاك الفاطميين في الشام وأعالي الجزيرة، فعمد المؤيد إلى المكر والخديعة، فكاتب الكندري وزير طغرلبك وكاتب غيره ممن توهم أنهم على اتصال بالسلجوقيين، واجتهد في أن يستميلهم جميعاً للمذهب الفاطمي وإلى مساعدة الفاطميين ضد البيزنطيين والعباسيين، وكان يرمي بذلك إلى هدفين، إما أن ينجح مسعاه ويدخل القوم في الدعوة الفاطمية أو أن تصل إلى مسامع الخليفة العباسي أمر هذه المكاتبات، فلا يطمئن إلى طغرلبك وصحبه ويحاربه ليبعده عن أملاك الدولة العباسية، ولكن جيوش طغرلبك زحفت إلى العراق وخطب له على منابر بغداد سنة 447، وسمع المؤيد بهروب البساسيري من بغداد خوفاً من التركمانية؛ فانتهز المؤيد هذه الفرصة وكاتب البساسيري ووعده بالأموال والسلاح ليحارب السلجوقيين باسم الفاطميين، ومن الطبيعي أن يرحب البساسيري بالعمل باسم الخليفة الفاطمي، وأرسل إلى المؤيد بذلك، فذهب المؤيد إلى الوزير اليازورى وأطلعه على هذه المكاتبات فوافقت هوى الوزير، واستعد الفاطميون في تجهيز الأموال والخلع والسلاح التي وعدوا بها البساسيري، ولكن اليازوري لم ينس للمؤيد تصرفه هذا بدون استشارته في أول الأمر، وانتهز هذه الفرصة لاقتلاع المؤيد من مصر لازدياد نفوذ المؤيد في البلاد؛ فقد اكتسب المؤيد في هذه الفترة الطويلة احترام وحب عدد كبير من المصريين وخاصة بعض حاشية الإمام المستنصر. لذلك نرى اليازوري يعهد إلى المؤيد أن يكون على رأس الركب المسافر بالأموال والخلع؛ فاعتذر المؤيد وأدرك من توه ما كان يجول بخاطر اليازوري، ولذلك كان يقابل مكر الوزير بمكر أشد منه وأقوى، حتى كاد اليوم الذي حددوا فيه السفر تمسك الوزير بأذيال المؤيد، وأخذ يستعطفه ويلح عليه بأن يتولى توصيل الأموال إلى البساسيري، والمؤيد يمعن في الرفض كلما أمعن الوزير في الإلحاح، حتى اضطر الوزير أن يقول للمؤيد: (افتقرنا إليك وافتقرت الدولة والإسلام والمسلمون، وديانتك تقضي أن تصرخ صريخهم وتجير مستجيرهم). فسخر المؤيد من كلامه هذا، وأجابه متهكما: (سبحاني سبحاني إن كنت بهذه المثابة ومحلاً لهذه المخاطبة!) ولكن الوزير ازداد إلحاحاً واشتد دفع المؤيد، وأخيراً قبل المؤيد أن يتولى هذا الأمر بشرط أن يخرج توقيع الإمام المستنصر بأن لا يوجه إليه لوم لو فشل في مهمته؛ فأجيب إلى ذلك وصدر التوقيع وبه الإنعام على المؤيد بخلع الوزارة، ودعي المؤيد للبسها ولكنه رفض، واعتذر عن ذلك مفضلاً أن يظل في زي أهل العلم

وأخذا الركب في السير بين جلبة عظيمة، والناس في عجب من أمر المؤيد الذي قبل السفر في هذه المهمة الشاقة؛ فقد كان مقدماً على خطر جسيم وعمل لا يستهان به، وهو قلب نظام الحكم في العراق وإسقاط الدولة العباسية. والغريب حقاً أن يطلب المؤيد ألا يصطحب معه جنداً واكتفى بما معه من خزائن المال والسلاح

تجاوز الركب حدود مصر في طريقه إلى الرحبة، وكان اليازوري قد نصح المؤيد بالابتعاد عن ابن صالح المرداسي صاحب حلب، لأنه نقض عهد الفاطميين واستقل ببلاده، فصار عدواً للفاطميين بعد أن كان تابعاً لهم، ونصحه كذلك أن يصطنع عدداً من الكلبيين ليحاربوا مع البساسيري، فكانت هذه النصائح موضع تفكير المؤيد طول سفره، حتى بلغ دمشق ومكث ليستريح قليلاً، نراه يكاتب ابن صالح ويعرض عليه العودة إلى الدعوة الفاطمية، بل يطلب منه مساعدته في حروب العباسيين، وأخذ يعد ابن صالح في كلام طويل أثبت المؤيد نصه في سيرته، ولست أدري كيف استجاب ابن صالح إلى المؤيد؛ فأعاد الخطبة على المنابر باسم المستنصر الفاطمي، وذهب هو نفسه لمقابلة المؤيد الذي خلع عليه ولقبه بتاج الأمراء. ثم نرى ابن صالح وجيشه ينضمون إلى المؤيد ويسيرون معه لمحاربة العباسيين، والواقع أن تحول ابن صالح بسهولة تعد من أغرب ما ذكره المؤيد لأن المؤيد، لأن المؤيد استطاع بخطاب منه أن يكبح جماح ثائر له خطره وقوته، بل استطاع أن يتخذ منه عوناً وعضداً. ثم استطاع أن يسترجع حلب إلى أملاك الفاطميين، كل ذلك تم بخطاب من المؤيد إلى ابن صالح. أما الأسباب التي جعلت ابن صالح يقبل هذا كله فهذا ما لم نستطع تعليله (يتبع)

الدكتور

محمد كامل حسين

بكلية الآداب بالقاهرة