الرئيسيةبحث

مجلة الرسالة/العدد 576/مشروع محو الأمية أيضا

مجلة الرسالة/العدد 576/مشروع محو الأمية أيضا

بتاريخ: 17 - 07 - 1944

ً

وجوب عقد مؤتمر أو مجلس أعلى

من كبار رجال التربية للنظر في المشروع

للأستاذ دريني خشبة

تمنينا في كلمتنا السابقة أن يوفق الله وزارة الشئون الاجتماعية إلى النجاح في هذا المشروع العظيم الذي اضطلعت به، والذي يجب أن ننظر إليه باعتباره الأساس القويم الذي يجب أن تنهض عليه جميع مشروعاتنا، لتنهض على هدى وعلى نور مبين

ومشروع مكافحة الأمية أو محوها ليس من السهولة واليسر بحيث يقف عند حدود تعلم مبادئ القراءة والكتابة والحسابة، وقليل من مبادئ الدين وتدبير الصحة. . . فهذا القسط من التعلم قسط زهيد لا يكافح الأمية ولا يمحوها. . . إن لم يضاعفها ويزيد طينها بلة. . .

لقد همت الأمة بمثل هذا المشروع من قبل، حينما فكرت في تعميم التعليم الإلزامي، وذلك منذ نحو من عشرين سنة. . .

فماذا كانت النتيجة؟! هذا هو الضوء الذي يجب أن نسير على هداه. . . ونحن على يقين من أن وزارة الشئون الاجتماعية سوف لا تتردى في مهاوي الفشل الذي تردت فيه وزارة المعارف في عهودها السابقة، والتي أضاعت فيه على الأمة جيلاً من طفولة أبنائها ومن صباهم ومن شبابهم. . . دون أن يتعلموا شيئاً. . .

كما أضاعت نحواً من خمسين مليوناً من الجنيهات لو أن نصفها أو ربعها أنفق على هدى وبصيرة، وفي ضوء تجارب الأمم الأخرى، بل في ضوء التجارب التي أجراها في مصر محمد علي الكبير، الحاكم الأمي العظيم، لسهلت على وزارة الشئون الاجتماعية اليوم أعباء القيام بما تبقى من هذه المهمة الشريفة الهائلة

لنذكر دائماً أننا أمام مشكلة من أشد مشكلاتنا تعقيداً. . .

لنذكر أن وزارة الشئون أخذت على عاتقها مهمة انتشال اثني عشر مليوناً وثلاثة أرباع المليون من إخواننا المصريين، من براثن الأمية الذميمة. . . من ظلمات الجهالة المهلكة. . .

فكيف يا ترى تنهض بهذا المشروع الضخم؟ وبمن من هؤلاء الإثني عشر مليوناً وثلاثة أرباع المليون تبدأ؟ أتبدأ بالأطفال وأمرهم موكول إلى وزارة المعارف، أم بالغلمان وأمرهم موكول إلى سياسة التعليم العام الذي شرعت وزارة المعارف تُعدَّ له برنامجاً ذهبياً؟ أم بالشباب والشيوخ، ومشكلة تعليمهم ليست هنةً من الهنات، بل هي مشكلة المشكلات! وهل يكون للمرأة - أو الفتاة - نصيب من مشروع وزارة الشئون، بوصفها تشغل من الأمية نسبة أعلى مما يشغله الذكور؟ وإذا استقر الأمر بوزارة الشئون على أن يشمل مشروعها الذكور والإناث على السواء، فما هي الوسيلة - أو الوسائل - التي سوف تروض بها تلك الكتلة الهائلة العجيبة من الأميات المصريات البائسات، وتروضهن بها على قبول الفكرة أولا، فكرة محو الأمية، ووجب إقبالهن على تعلم مبادئ القراءة والكتابة والحسابة وما هو وراء الكتابة والقراءة والحسابة من محتوم الثقافات؟ أم تفضل وزارة الشئون أن تبدأ بتعليم الذكور، فإذا فرغت من شأنهم شرعت في حربها ضد أمية النساء؟ ومتى تفرغ من إبادة الأمية بين الذكور لتبدأ إبادة الأمية بين النساء يا ترى؟ وهل من الخير لمصر والمصريين أن يهملوا إبادة الأمية بين النساء حتى يفرغوا من أمر الذكور؟ وأيهما خير: البدء بمكافحة الأمية بين النساء، أم البدء بمكافحتها بين الذكور؟ وإذا نهضنا بالحرب ضد الأمية في الميدانين في وقت معاً، فكيف نبدأ في حدود الوسائل التي تيسرها لنا ظروفنا الحاضرة، ومواردنا المالية؟

هذه بعض مشكلات البدء في مكافحة الأمية

وثمة مشكلات لا تقل خطورة عن تلك التي ذكرنا، تتعلق بالهيئة التي سوف تتولى الإشراف على هذا المشروع الشريف الضخم. . . هل يشترك في ذلك نفس الرجال الذين اضطلعوا بمشروع التعليم الإلزامي ففشلوا فيه فشلاً ذريعاً تاماً كما عبر وزير المعارف الحالي؟ وهل حقاً كان هؤلاء الرجال الأفاضل سبب الفشل في هذا المشروع. لا يشاركهم في ذلك أحد ممن يتولون في مختلف الظروف سياسة التعليم في مصر؟ ثم ما هي الوسيلة، أو الوسائل، التي تتقي بها وزارة الشئون تكرر المأساة التي وقعت لسوء الحظ من قبل؟

وثمة مشكلات أجل خطورة من كل ما ذكرنا. . . تتعلق باختيار المعلم - أو المعلمين - الذين سوف نعبئهم للنهوض بهذا المشروع. . . ومما لا ريب فيه أن المعلم الإلزامي سوف ينهض بأثقل الأعباء في تلك الحرب، يعاونه سائر المعلمين في سائر فروع التعليم؛ فهل هؤلاء المعلمون جميعاً صالحون لأن توكل إليهم تلك المهمة النبيلة السامية؟ والمعلم الإلزامي بنوع خاص ما خطبه؟! لقد عبنا عليه قلة العلم وقلة الثقافة، بل منا من اتهمه هو نفسه بالأمية الشنيعة في أفكاره وفي معلوماته، بالرغم من وجود عدد لا يستهان به من المعلمين الإلزاميين المثقفين ثقافة ممتازة استطاعوا أن يلمسوا هذا العيب في أنفسهم، فعالجوه بالإكباب على القراءة وحسن الدرس واقتناء الكتب، حتى أصبح منهم الكتاب والشعراء والمفكرون. فماذا صنعت الدولة لإصلاح حال هذا المعلم البائس؟ لقد تناول المستشار الفني لوزارة المعارف حياة هذا المعلم المصري الكريم في كتابه (مستقبل الثقافة في مصر) في أكثر من فصل من فصوله. فصوره لنا في صورة مؤلمة. . . وطلب له من الدولة العناية اللائقة به في حالتيه الأدبية والمادية؛ فماذا حققت الدولة إلى اليوم من رجاء المستشار يا ترى؟ نعترف أنها أوشكت أن تفرغ من إنصافه مادياً، ولكن متى تنصفه أدبياً؛ فتكمل هذا النقص العلمي والثقافي الذي أخذه عليه المستشار في كتابه، بالطريقة التي يراها الفنيون، والتي من أجلها وأكثرها نفعاً تلك الدراسات الصيفية التي أخذت بها مراقبة التعليم الحر لتكميل النقص الذي لمسته في ثقافات الكثيرين من مدرسيها. لقد استكثر المستشار الفني على هذا المعلم أن يضطلع بحالته تلك بمهمة تعليم الأطفال في المدارس الإلزامية. فكيف نترك العبء الأكبر من مكافحة الأمية بين الكبار يقع على كاهله وهو لا يزال في الحالة التي عهده المستشار عليها منذ ست سنوات. أي عندما فرغ من تأليف كتابه

إن المعلم الصالح سيكون المثل الأعلى الذي تقيمه الدولة بين الأميين، يعلمهم ويهذبهم ويهديهم إلى الرشد. ويقيم عليهم من شخصيته سلطاناً أدبياً جديراً بالمحبة والاحترام. . . فأي بلاء يصيب أمانينا إذا كان هذا المعلم أحوج من الأميين إلى من يكافح فيه أميته الكامنة، التي تزيدها قشور المعلومات الفجة سوءاً على سوء؟؟

أما مشكلة البرنامج، فبالرغم مما يبدو من سهولتها ويسرها وبالرغم من أن مجرد التفكير فيها يثير الضحك، فهي لا تقل تعقيداً عن سابقاتها. . . إن الذين يظنون مشكلة البرنامج سهلة ميسرة، يحصرون تصورهم في مكافحة الأمية في ذلك الميدان - أو النطاق - الضيق المحدود. . . نطاق القراءة والكتابة والحسابة. ولو فكروا في ألوان الأميات التي ينبغي مكافحتها، لاعترفوا بتعقد هذه المشكلة وتشعبها. وقد أشرنا إلى ألوان من الأميات الزراعية والصناعية والصحية في كلمتنا السابقة، والذي نريد أن نخصه بالذكر هنا، هو المدة التي تكفي لمحو عار الأمية عن الرجل العادي أو المرأة العادية، ثم القدر اللائق من التعليم والثقافة الذي يكفل محو هذا العار، ثم الوسيلة التي نتقي بها انصراف من علمناهم من الأميين عن القراءة والكتابة والإطلاع حتى لا يعودوا أميين كما بدأوا. . . ونكون قد انتهينا إلى ما انتهى إليه أمر التعليم الإلزامي من فشل ذريع، ساحق ماحق، لسوء الوسائل التي اتخذناها، وللأرض البور التي بعثرنا فيها بذورنا، ولقصر نظرنا الذي حصرناه في ذاك النطاق الضيق المحدود. . . نطاق القراءة والكتابة والحسابة، الذي ربما ظننا أننا نفرغ منه في أشهر أو في عام أو عامين

ماذا نُدرس إذن لهؤلاء الأميين؟ ماذا نعلمهم حتى يصبحوا مواطنين صالحين ذوي كرامة، صحاح الأجسام لا تخترمهم العلل، صحاح الإفهام لا تجوز عليهم الترهات، صحاح الأيدي لا يقترفون سوءاً، صحاح النظر يستحقون أن ينعموا بنعمة الديمقراطية؟!

وكم من الزمن يكفي يا ترى لضمان بلوغ الأمي الواحد هذه المرتبة؟ وكم من السنين تكفي لمحو الأمية من مصر؟

وهل يكون البرنامج واحداً في فترة المكافحة كلها؟ أم عساه يختلف في السنة الثانية عن السنة الأولى، وفي السنة الثالثة عن الثانية. . . وهكذا!. . . وماذا أعددنا من الكتب والأدوات لهذه الحرب الطاحنة؟! وماذا أعددنا من المكتبات المتنقلة وأشرطة السينما التهذيبية والثقافية، والمصابيح السحرية، والفرق التمثيلية وغير ذلك من المشوقات التي لا غناء عنها؟!

كل هذه مشكلات يجب أن ينعقد مؤتمر أو مجلس أعلى يضم النخبة المختارة من كبار رجال التربية في مصر لدراستها ووضع خطة السير لكل منها

يجب أن نسير على هدى أخطائنا الماضية، والله ندعو أن يوفق خطانا

دريني خشبة