الرئيسيةبحث

مجلة الرسالة/العدد 57/القصص

مجلة الرسالة/العدد 57/القصص

بتاريخ: 06 - 08 - 1934


من الأدب التركي

فتاة الصحراء

رآها اليوم مرة في صحراء فلسطين فاحبها وتزوجها، ونقلها من تلك الصحراء المقفرة الهادئة، من وطنها العزيز إلى وطنه استنبول، إلى ضوضاء المدن وجلبتها.

عاش الزوج سنين طويلة في البلاد النائية، في الأماكن البعيدة عن وطنه، ثم عاد ومعه كنز حبه، تلك الفتاة التي تشبه زهرة ذابلة، والتي نشأت وترعرعت في الصحراء بجانب نخلة عارية وفوق رمال حارة، عاد بها إلى استنبول تلك البلدة العظيمة التي تجمع أصنافاً من الناس وأنواع من البشر، وتعج بمن فيها من السكان. أراد أن يجد لها في استنبول العظيمة مكانا تعيش فيه هانئة لا تذبل فتنصل ولا تجف فتسقط.

كان متوسط الحال، فهو لا يستطيع أن يقدم إليها في بلد كاستنبول حياة صحراوية، فلابد له ان يجد لها في أقاصي البلدة مكانا هادئا منزويا.

لم يتركا مكانا في أستا بنول ولا محلة إلا بحثا فيها عن دار فلم يجدا ما يوافقهما، وبالأحرى لم تجد الزوجة ما يلائمها وما يلائم روحها الصحراوية، وكانت تظنانها إذا بحثت كثيرا في أنحاء البلدة العظيمة وجدت منزلا في روح الصحراء.

كلما زارا دارا كان ينظر الزوج بطرف عينه إلى زوجته ليرى في عينيها الصافيتين ما ينطبع فيهما من انقباض أو انشراح، إلا إنها كانت بعيدة الغور لا يظهر في عينيها ما يجول في قلبها. وكان زوجها أيضاً يود من صميم فؤاده أن يجد مكاناً ترى فيه فتاة الصحراء ولو شيئاً صغيراً يذكرها بالصحراء وطنها العزيز.

وفي يوم من الأيام نهضا صباحاً ليذهبا إلى دار قيل لهما إنها موافقة لرغائبهما وهي في محلة (السلطان أيوب) فذهبا إليها وتسلقا الهضبة التي قامت عليها تلك المحلة حتى بلغا الدار المقصودة، كانت الزوجة كعادتها لا تبدي اعتراضاً أبداً، بل كانت تمشي بجانبه كآلة صماء، وقد تعبت من البحث عن الدار التي تريدها في تلك البلدة التي لم تر أولها ولم تعرف آخرها.

كانت الدار صغيرة مشرفة على البحر فيها غرفتان وبهو وحديقة صغيرة، وكانت فتاة الصحراء تنظر إلى كل ذلك بفتور وملل فإذا بشيء يعلق به نظرها، لقد لمعت أمام عينيها شمس الصحراء: هناك في الحديقة الصغيرة شجرة نخل، نعمانها صغيرة هزيلة، ولكنها كانت كافية لأن تمثل لها وطنها العزيز. لقد أثر منظر تلك الشجرة في فتاة الصحراء تأثيراً عظيماً، وأعطى روحها حرارة شمس لطيفة أجرت الدم الذي جمد في عروقها منذ فارقت صحراءها، وفتحت تلك الشجرة الطريق بين عينيها وبين الصحراء النائية عنها: فرأت أباها وأمها واخوتها، وعلى قيد غلوة منهم رأت جملها الذي يغمض عينيه السوداوين الكبيرتين أمام الشمس وهو يمد عنقه إلى الأمام.

لقد جاءتها هذه الشجرة بالصحراء، الصحراء العزيزة عليها، وبكل شيء قد تركته هناك، وألقته في أحضانها فكأنها بجانبه تلامسه ويلامسها.

نظرت إلى زوجها بعينين يلمع فيهما بريق السعادة لأول مرة بعد عدة شهور، كانت تلك النظرة تفيد معنى: إنني وجدت مبتغاي، وإني هنا، هنا فقط أستطيع أن أعيش بجانب هذه النخلة الصغيرة.

لقد حلت تلك الدار المشرفة على مياه الخليج من قلب المرأة محلاً رفيعاً، فأحبتها بعد زوجها، بقدر حياتها، بقدر وطنها. نزلا في الدار وعاشا فيها سنة طويلة.

كانت تعيش هنا بعيدة عن الناس لا تخرج لزيارة أحد كائناً من كأن، بعيدة عن الحياة الغريبة، عن الوجوه الغريبة، في تلك البلدة الغريبة.

لقد زارتها جاراتها يوماً، فلما رأينها لا تبتدئ معهن خطاباً ولا ترد عليهن جواباً إلا بنظراتها الفاترة الحزينة التي تطلب بها الرحمة والشفقة، ذهبن في الحديث عنها مذاهب شتى كل واحدة ترى فيها رأيا، فلما علمن أن بينها وبينهن حاجزاً من الاختلاف في اللغة يمنعها من الاتصال بهن تألمن لها أشد الألم، ثم أخذت تلك الرحمة تستحيل إلى سخرية واستهزاء.

إن أهل المدن فطروا على أن يعدوا أهل الصحراء دونهم في كل شيء، وهكذا كان شأن نساء تلك المحلة، كن يستهزئن بالمرأة المسكينة، وكن يضحكن منها ويقهقهن، لأنها لا تفهم ما يقلنه من الكلمات فيها، وكن يجدن في ذلك لذة عظيمة كما يجد الأولاد القساة لذة في تعذيب الحيوان الذي لا حول له ولا قوة، فشعرت فتاة الصحراء بذكائها الفطري أنهن كن يضحكن منها، فنفرت منهم ولم تعد تقابلهن.

لقد نسى نساء الحي وجود فتاة الصحراء بينهن، عدا عجوز دردبيس كانت تتردد على نساء الحي فتقص عليهن أحاديثها وجدالها مع كنتها، وتقلق راحتهن بتلك الأحاديث التي لا تعرف الانتهاء، حتى مللنها وسئمن ثرثرتها، فكانت تتردد على فتاة الصحراء فتجلس أمامها وتبدأ حديثها باسم الله وتبقى مدة طويلة تتكلم وتتكلم، ثم تختم القصة بدموع ترسلها من عينيها وتغادر البيت وهي تقول للمرأة التي لم تفهم منها غير دموعها: (إلى الملتقى يا بنيتي لقد أزعجتك بثرثرتي، شرفينا).

كانت العجوز لا تني عن زيارة فتاة الصحراء، وأخيرا شعرت إنها وحدها التي كانت تتكلم طيلة هذه الأيام، فقالت لفتاة الصحراء: ما لك لا تتكلمين يا ابنتاه؟ أبكماء أنت أم ماذا؟

فلما رأت فتاة الصحراء لم تجبها إلا بابتسامة مبهمة ولم تقل إلا برأسها نهضت وغادرت المكان على إلا تعود إليه مرة أخرى.

لم يبق من يطرق باب الدار الصغيرة، ولم يبق من يوقظ شمس الصحراء النائمة هنا من أحلامها، إلا إنها أحياناً كانت تنزل عند إرادة زوجها ورغبته وتذهب معه إلى النزهة، ولكنها كانت تعود إلى بيتها وهي مريضة قلباً لا جسماً، لقد كانت تشبه طائراً صغيراً فارق عشه ليطير، فوهى جناحاه ووقع على الأرض.

إنها لا تكون سعيدة إلا إذا كانت في منزلها منفردة بنفسها أمام شجرة النخل مستغرقة في رؤياها، وفي ذلك الحين فقط تظهر الشمس لعينيها؛ إنها حين تجلس تلك الجلسة، في تلك الساحة التي يبدو لها منها وجه السماء، والتي تشبه في نظرها قصرا من القصور تنسى ذلك الدور الأخير من أدوار حياتها، وتعود بخيالها في غفلة لذيذة إلى تلك البحار الرملية التي تجري فيها بقوة هائلة س يول أشعة شمس بلادها فتغمرها غمرا، وتملأ أرجاءها ونواحيها.

إنها في ذلك الحين حين تجلس إلى تلك النخلة التي تشبهها في محبة الوطن، وتشاركها الأسف والحزن، وترتسم على شفتيها ابتسامة حزن يائسة، لوقوعها بعيدة عن وطنها وعن شمس وطنها وعن سماء وطنها، تجمع تلك الهضاب والتلال التي أمامها بعضها إلى بعض، حتى يغيب عن نظرها ذلك البحر الذي أمامها، وترى أشعة الشمس تغمر تلك الصحراء، وتبصر ألوف النخيل المنتشرة فيها يسلم بعضها على بعض من بعيد بأغصانها الخضراء العالية الرءوس فإذا رسمت في خيالها هذه الصورة الجميلة، وأتقنت صنعها كل الإتقان، وأعطتها من حسن تمثيلها حياة حقيقية، خيل إليها إن آباها وأمها واخوتها وجملها ذا العينين الواسعتين السوداوين أمامها وتحت نظرها، فخفق قلبها لهم، وحاولت أن تهجم عليهم مسلمة معانقة.

وربما ذهبت بعض الأحيان في النهار إلى الحديقة ووضعت حصيرا تحت النخلة التي لا ترد أغصانها عنها أشعة الشمس واضطجعت عليها، ورفعت عينيها إلى السماء، وسافرت بفكرها إلى أقصى حدود الخيال.

كانت ترى قطع السحب تمشي في السماء على غير انتظام، فهي إذن أما ذاهبة نحو قومها، أو آتية من عندهم؛ فالسحب إذن قد رأت قومها أو سترأهم، فكانت تبتسم لهؤلاء السائحات وتسألهن: ألم يجئنها بسلام من قومها وصحرائها؟ أو تسألهن أن يتركن لها في أجنحتهن مكانا صغيرا يسع خبرا عنها لقومها وأهلها.

في أعقاب خريف السنة التي قضتها في تلك الدار رأت الطيور تطير أسرابا أسراباً في السماء، فاهتمت لذلك وسألت زوجها عنها فقال لها: (إنها ذاهبة إلى بعيد! إلى البلاد الحارة). فقالت في نفسها إنها ستمر إذنبوطنها العزيز. فكانت تضطجع تحت نخلتها وتغني بصوت حزين أناشيد قومها وألحانهم الشجية، مضمنة ذلك شوقها الشديد، متوهمة إن تلك الطيور ستقفل راجعة إليها تحمل إليها أجوبة تلك الألحان والأشواق.

جاء الشتاء بخيله ورجله، وأصبحت فتاة الصحراء لا تقدر على الجلوس تحت نخلتها، والتمتع بظلها، وشم رائحتها، فأخذها من اليأس ما زاد في الأم نفسها، وأصبحت تقعد بجانب نافذتها ساعات فراغها من عمل المنزل غارقة في بحر من الألأم والأفكار، فما يدري ما الذي كان يشغل خيالها ويقلق بالها في ذلك الحين، أمنظر النخلة التي كانت تخشى عليها من البرد القارس، والهواء العاصف؟ أم انتظار الطيور تقبل عليها من ناحية من نواحي السماء المستورة بالغيوم، تنقل إليها أخبار أهلها ووطنها؟

كانت فتاة الصحراء كلما مضى يوم من الشتاء هزلت وضعفت، وأخذ نور عينيها يخبو تدريجا. فلم يخف ذلك على زوجها، فقال لها: (ما بك؟ أراك تخفين عني شيئا يمضك ويؤلم، لقد سئمت الوحدة وتشوقت لرؤية أهلك وصحرائك) كانت تنكر ذلك، ولكنها كانت شوق زائد إلى رؤيتهم، إنها اشتاقت إلى الصحراء، إلى شمسها، إلى جوها الصافي، إلى نخيلها، إلى والديها واخواتها، إلى جملها، اجل! أشتقات إلى كل هؤلاء، ولكنها كانت كالأطفال تنكر شوقها وتصر على الانكار، ومع هذا كانت تدير وجهها تحت تمثال صحرائها، إلا وهو نخلتها وتنظر إليها بحزن عميق.

اقبل الربيع:

علمت ذلك من زوجها فابتهجت وفرحت: جاء الربيع، كانت تظن انه إذا جاء الربيع. أتاها بتذكار جميل من أهلها ومن قومها، ولكن هيهات، جاءها الربيع بالمصيبة الكبرى: ستباع الدار، وهما مضطران إلى النزوح عنها إلى غيرها.

الدار يبيعها صاحبها: ستفارق إذنفتاة الصحراء حلمها الجميل، ستفارق النخلة، خطر لها خاطر فجائي وهو أن تأخذ معها شجرتها إلى الدار التي ستسكنها، ذكرت لزوجها رأيها فوافقها على ذلك، وقرراً أن يأخذا معهما النخلة سلوتها الوحيدة.

رحلا إلى دار صغيرة مظلمة في حي فقير مظلم فصنعا للشجيرة محلا أمام النافذة ووضعاها فيه وربطاها إلى حديد النافذة.

لقد قنعت فتاة الصحراء بهذه الدار الصغيرة المظلمة، ما كانت ترى في هذه الدر السماء الصافية، ولا الشمس المشرقة، ولا القمر الزاهي، ولا النجوم الزاهرة، ولا الدور الشاهقة، لكنها كانت ترى نخلتها المحبوبة فيسكن قلبها لرؤيتها، فحياتها منوطة بها. تجلس دائما بقرب النافذة واضعة رأسها على يدها، وتنظر إلى رفيقة وطنها بقلب أضناه الشوق وبرحت به الذكرى. ولكن النخلة كانت تذوى كطفل أخذ غصبا من حضن أمه، وفتاة الصحراء تذبل بذبولها كشجيرة انتزعت من مغرسها، فاستحكم الذبول في الاثنتين، فكان يظن الناظر إليهما أن سراج حياتيهما ينطفئ تدريجا.

نهضت يوما من فراشها وذهبت كعادتها إلى نخلتها، ولكنها تراجعت إلى الوراء دهشة، ماذا ترى؟ رأت نخلتها العزيز رفيقتها ومؤنستها قد انكسرت من وسطها حيث الرباط، وسقط رأسها إلى الأرض، فهدت تلك المصيبة من قوة الفتاة، فجلست بجانبها وذرفت دموعا غزيرة خرجت من أعماق قلبها المحطم لفراق الوطن والأهل.

عاد زوجها مساء فألفاها على تلك الحالة باكية حزينة. فسألها قائلا: (ما بك؟ أعلميني أسباب حزنك وكدرك، ما الذي يبكيك؟) فاعترفت لأول مرة قائلة: (لنذهب! لنذهب إلى هناك!) وأشارت بيدها إلى بعيد، إلى ديار أهلها وقومها.

عادت الطيور ولم تأتها بخبر من أهلها، ولكن ما الذي يهمها من ذلك ألان، إنها ذاهبة بنفسها إلى الصحراء، إلى الوطن الذي طالما فكرت فيه أضناها بعدها عنه، وذرفت لذلك دموعا غزيرة. . . لقد ذهبا إلى الصحراء ومضى على ذهابهما زمن طويل. . . فليت شعري، أفتاة الصحراء لا تزال تجلس تحت ظل أشجار النخيل، تغني أناشيدها القومية فرحة مسرورة بالوطن العزيز الذي كانت ترى بجانبه جمال الآستانة قبحا، وماءها ملحا، وهواءها رديئا، وجوها وبيئا، وشمسها قاتمة، ونجومها مغمضة نائمة، أم هي نائمة نوما أبديا تحت أطباق الثرى، وحيدة منفردة وظلال أشجاب النخيل تبكي عليها؟

(حلب)

فتاة الفرات