الرئيسيةبحث

مجلة الرسالة/العدد 532/لافونتين

مجلة الرسالة/العدد 532/لافونتين

بتاريخ: 13 - 09 - 1943


(1621 - 1695)

بنو آدم كالنبت ... ونبت الأرض ألوان

فمنهم شجر الصند ... ل والكافور والبان

للأستاذ محمد حسني عبد الله

(بقية ما نشر في العدد الماضي)

الخرافة وازدواج الشخصية عند لافونتين

ولقد عرف الشعراء والأقربون في هذا الشاعر، من تصرفاته وأحواله، إنساناً قليل الانتباه لمجرى الحوادث، قليل الاحتفال بوقائع الحياة، منصرفاً عن حركات الناس وسكناتهم، متشاغلاًعن حديثهم ولغوهم، شارد الفكر فيما لم يكن في مستطاعه الدلالة عليه إذا بدهه سائل بالسؤال عما يشغله ويذهب بلبه. فكان يبدو ساذجاً أشبه بأبله، من العصي عليه أن يصف لأحد مشافهة ما رأت عينه أو يعيد عليه ما وعت أذنه. فهو لم يكن يعني - فيما ظن خلصاؤه وبطانته - بشؤون الناس في شيء، عظم أم حقر - حتى ولا بشأنه؛ فكان همه في الحياة - كزعمهم - العيش فحسب؛ ومثله الأعلى - كحدسهم - الاستكانة للواقع والانصراف عن الجهاد والكفاح واستمراء للكسل مضافاً إليه قليلاً من الحب ليمد العيش بالنضارة والحلاوة كقليل الملح إذ يصلح الطعام ويجعل له طعما سائغاً

ولكن كل من قرأ دواوين خرافاته وبحث فيها تصويرها الجامع لألطف المعاني والأخيلة، الحافل بأدق الأحداث وأشدها، تطلباً لليقظة، عرف فيه كما قد عرف مؤرخو الآداب والناس عامة، يقظاً مرهف الحس، فطناً لكل ما ظن أنه غافل عنه

فللرجل إذن خلقان على طرفي نقيض: أحدهما واضح المعالم ظاهر للعيان ساخر من الحياة، غير عابئ بواجباتها حتى واجبات الأبوة والزوجية؛ والآخر خفي مستبطن، ولكنه يقظ منتبه لكل ما يدور في ملعب الحياة. وثمة انسجام وتآلف بين هذين الخلقين ساق إلى تفادي أضرار هذا التباين بالتنفيس عن الجانب المستسر من خلقه في أدب الخرافة كان إخراجها للناس برهاناً على ازدواج الشخصية عنده وجمعه لعجائب الأضداد

خرافة لافونتين والناس

وكما أن إلياذة هوميروس وأوديسته هما سجل اليونان الحافل، وديوان أدبهم، المحدث في صدق عن معتقدهم، المصور في دقة لنظمهم، ومراسمهم خلال حقبة طويلة من تاريخهم القديم، فكذلك خرافات لافونتين - هوميروس الفرنسي - مرآة صادقة للحياة الاجتماعية في عصر من أحفل عصور التاريخ السياسي والأدبي عند الفرنسيين، ومعبر صريح عن الروح الغالية الساخرة العابثة الفطنة في القرن السابع عشر، إذ أراد فيها لافونتين بتصويره حاشية الأسد وجماعته من الحيوان، مجتمع معاصره لويس الرابع عشر نفسه، بلاطه وشعبه

وأما الصفات التي وزعها على الحيوان - كل بما يوائمه من صفة - كالكرم للأسد القوي، والحيلة للثعلب الماكر المستضعف، والغباء للحمار الأخرق، والطيش للأرنب المستهترة، والرياء للهر المتلون، والغرور للغراب المستغر، إلا صفات إنسانية محضة خبرها في أهل عصره وصادفها في مجتمعه فوصفه بطريقته الخاصة - الجادة إذ عبثت - متلطفاً بالمداراة والتأدب في نقد الناس إذا قدح، متحامياً الملق والتقرب من أي كان إذا مدح. فخلق بذلك عالماً في ظاهره غريب عن الإنسان، وهو في مستسره وكيد الصلة به. فتهيأت من ذلك للصغار فرصة الالتذاذ والتفكه بشؤون هذا العالم الحيواني العجيب والإفادة منه، وللكبار فرصة إعمال الذهن وكدح الخاطر في ربط الصلة بينهم وبين عالمهم واستخلاص الحقائق الواقعية التي أريد بها عصر لويس الرابع عشر خاصة ولكنها تصلح تصويراً أخلاقياً دقيقاً لكل عصره. وبهذا عدت الخرافات في مجموعها ملحمة فرنسا الكبرى فكانت تراثاً أدبياً إذا أضيف إلى الإلياذة والأوديسة والشهنامة وألف ليلة وليلة، أعز جانب الأدب العالمي.

هوميروس الفرنسي والأخلاق

ولكن يصعب على المنقب في هذه الخرافات أن يستخلص منها مذهباً أخلاقياً أو مبدأ مثالياً. فهوميروس الفرنسي قد قنع فيها بتصوير الحياة كما هي فأجملها في قصائد منظومة لا تحسن حسناً ولا تقبح مرذولاً. وإنما هدفها رسم الأحوال المختلفة وتصوير العواطف البشرية، شرها وخيرها، إذ الأمر يتعلق بوصف الحياة لا بنقدها. فالقوة والضعف والغنى والفقر والشر والخير هذه كلها ألوان ليس للحياة منها بد. بل لا محيد للضعيف عن الخضوع للقوي، ولا مهرب للفقير من استعباد الغني، ولا حيلة للخير مع الشر

فلافونتين إذن لا يختط قواعد أخلاقية تتبع، ولا يبين أغراضاً مثالية تراعى، إذ غرضه إزاحة الستار عن حقيقة الحياة الدنيا بغير أن يتطلع إلى خير منها. فإذا عرض للضعيف المغلوب فغالباً يجرده من معونة الغير ومن القدرة على الأخذ لنفسه. وإذا تكلم عن القوي المظفر حشد في ركابه الدنيا برجلها وخيلها، وهيأ له النصر المحتوم من طبيعة الأمور. وهو يؤيد ما قيل من أن (جوبيتير) مد على البسيطة خوانين: خوانا للمجدودين أصحاب الجاه والنفوذ والقوة قد صفت عليه ألوان شهية من الطعام والشراب، وخوانا للمخذولين الخاضعين، لا يليق إليه إلا بالفضالة والفتات. بل المسألة - فيما ترى - أدهى وأمر؛ فالصغار أنفسهم هم مأكول الكبار القادرين. وأيا ما كان الأمر فالامتثال والإذعان واجب الضعيف للقوي والمسود نحو السيد. وعلى الكلب ألا يجهل من يكون السبع الملك، وأي فضائل تلك التي خص بها دون المخلوقات، ومتى ينبغي توطين النفس على الرضاء بظلمه وحيفه

على أن الحياة كما هي لا بأس بها، والألم فيها على أي حال خير من الموت. فشعار لافونتين - مع هذا - الخضوع المطلق للواقع. وهذا شعار لا يرضي الأراديين وأصحاب الخطة في الحياة

وقد عاب عليه جان جاك روسو السخرية من الضعيف المغلوب. فبالإضحاك على حسابه يدعو إلى الإعجاب بالغالب المختال، ويحث على المظلمة والجور. وذكر أن حكمه وأمثاله ليست من النبل والبطولة في شيء. فكثيرها ينصح بقبول الحياة حتى في أحط الأوضاع؛ ثم ينصح بأخذها بالملق والإذعان والدهاء. وما هذه إلا صفات الخاضع الذليل الذي لا يرجى نفعه

على أن الخرافات في الحق وإن سخرت كثيراً من الضعاف لا تخلو من الإشارة إلى الأخلاق. وكيف لا والسخرية نفسها سياط تحدو إلى التفطن والانتباه حذر الوقوع فيها يستوعبها من الغفلة والانخذال. وهل أدل على أن لافونتين قد قصد إلى الأخلاق والنصيحة من قوله هذا (ما أردت إلا الإفادة والإرضاء بهذه الصور الوهمية التي أقدمها للعالمين، فالحكاية لمجرد التسلية شيء يبدو لي تافهاً صغيراً)

كلمة ختامية

ولئن كان أروج الأمور - فيما يرى لافونتين - التسليم للأمر الواقع فان ذلك لا يعني عنده الغفلة عن المسرة واغتنام فرص الحياة. فهو - وهو أبيقوري المذهب - جد حريص على أن يهيب بالناس إلى الاستمتاع بمسرات العيش ما أسعفت الحيلة ومكنت الفرصة. فما للإنسان سوى عمر واحد، فإن هو بذل في هم وأحزان، إن كان وضع في الدنيا موضع كد وحرمان، فوالله قد عرى من دهره وحرم نعيم الرضاء بأية حال. فالمرء لا يعدم مع الفاقة والمعسرة والإذعان للسيد المقتدر، غبطة القناعة وسرور السلام. وهل استطعمت السباع التي خلفت وراءها ما فاض من مطعمها مذاقاً غير الذي ذاقته الثعالب في هذا المخلف؟ على أن الدنيا في واقع الأمر دار ضيافة، وليس من عرفان الصنيع في شيء أن تغادرها دون الشكر للمضيف أيا ما كان القرى الذي يتيسر لنا من حكم الأقدار

تلك وأشباهها أراء لم تكن إلا صدى لحياة لافونتين نفسها. فهو قد عاش قرير العين، رخي النفس، لا منفذ إلى قلبه للهم. وكانت له الضياع والعقار في أراضي (شاتوتيري حيث ولد ودرج وشب وعاش حتى الخامسة والثلاثين من عمره - فلم يعن بالإبقاء عليها تحرزاً من غير الدهر وصروف الزمن. فلما صار إلى الفقر نتيجة التبذير والإسراف، آواه بباريس (فوكيه) وزير مالية لويس الرابع عشر، فدوقة أورليان، فمدام دولا سابليير، فهيرفار من بعد، لم يمنعه ذلك من التسليم والرضا، ولم يتأسف على ما لم يعن التوفيق ببقائه؛ بل أطلق لهواه العنان وأخذ بأوفر سهم من لذة العيش قبل أن تولي أيامه وتنصرم مدته. إلا أنه عند دنو الأجل استشعر الندم على ما فرط منه. يتضح ذلك من هذه النبذة التي نختتم بها من كتاب له إلى صديقه الشاعر (موكروا

(ومن الإسراف يا أخي أن تخال صديقك لافونتين مريضاً بالوهم؛ فالذي لا ريب فيه أنه لم يبقى من أجله إلا أيام معدودات، ولشد ما نالت من قواه العلة طوال عامين بتمامها، لم يشد أزره على شدتهما سوى نعمة اختلافه إلى المجمع اللغوي بين الوقت والوقت. ولكن بالأمس وهو في طريق العودة منه، بغتة ضعف ظن أنه الموت على موعد. فأخذته الرعدة لا خشية الموت ولكن خوف الحاكم العادل، جلت قدرته. فأنت تعلم بأي وجه سيلاقي صديقك ربه. . .)

وتلك الندامة لعمري حسنة تسجل للافونتين.

محمد حسني عبد الله