الرئيسيةبحث

مجلة الرسالة/العدد 482/الحديث ذو شجون

مجلة الرسالة/العدد 482/الحديث ذو شجون

بتاريخ: 28 - 09 - 1942


للدكتور زكي مبارك

مكانة الأديب في الجهاد - أدب المعاش - نفحة سودانية

مكانة الأديب في الجهاد

اقترح أحد النواب المحترمين إحياء ذكرى (شوقي) بإقامة تمثال له في أحد شوارع القاهرة، وتلك التفاتة لطيفة تدل على قيمة الشعر في أنفس بعض النواب

ولكن أديباً فاضلاً تعقب هذا الاقتراح في جريدة (الدستور) فقال: يجب أولاً إقامة تمثال لمحمد فريد، وتمثال لمحمد عبده، وتمثال لقاسم أمين، قبل أن يقام تمثال لأحمد شوقي أو حافظ إبراهيم

ولا بأس بهذا الكلام، ولكن الأديب الفاضل علله فقال: نحن في عصر السيادة فيه للشجاعة والبأس، والعبادة فيه للبطولة والأبطال، لا للفن والجمال، وكل مقتحم ميداناً، وداك سوراً، ومنتزع نصراً، مقدم على من يجلس فوق رابية آمنة، ليرسل من قيثارته ألحاناً مشجية

ومعنى هذا التعليل أن أمثال محمد عبده ومحمد فريد كانوا جماعة من المجاهدين، وأن أمثال أحمد شوقي وحافظ إبراهيم كانوا جماعة من المغنين!!

ومن يعش في مصر ير العجب، وإلا فكيف يجوز القول بأن صورة الشاعر هي صورة (من يجلس فوق رابية آمنة، ليرسل من قيثارته ألحاناً مشجية)؟ وكيف يجوز القول بأن الشعراء ليسوا إلا جماعة يسبحون للفن والجمال، ولا صلة لهم بالبطولة والأبطال؟

إن هذا الناقد لا يعرف كيف يحيا الشعراء، ولا يفهم من الشعر إلا أنه غناء، والأدب عنده متعة ذوقية يلهو بها الفارغون من أهل العبث والمجون

فمتى يعرف أهل مصر أن حامل القلم هو الوطني الأول، والمجاهد الأول، وأن معاني البطولة تعتلج في صدره قبل أن تعتلج في صدور القادة والزعماء؟

وما أساس البطولة الحقيقية عند أمثال: محمد فريد ومحمد عبده وقاسم أمين؟

أساسها الفكر والبيان، ويجب حتماً أن نضيف هؤلاء إلى الأدباء قبل أن نعدهم زعماء، فما ارتفعوا إلا بالفكر المشرق والبيان الجم وحكاية دك السوار واقتحام الميادين وانتزاع النصر تحتاج إلى شرح:

فهل من الحق أن الأديب لا يدك أسواراً ولا يقتحم ميادين؟

إن الأديب يقضي عمره في جهاد ونضال وعراك مع الدنيا والناس، ومع الأوهام والأباطيل والأضاليل، وما شرق مشرق أو غرب مغرب في دعوة وطنية أو اجتماعية إلا على هدى من وحي الأديب؛ ولا استبسل جبان، أو استقتل شجاع، إلا بتحريض من عبارة فاه بها شاعر أو كاتب أو خطيب

في أعقاب الحرب الماضية ظهر كتاب فرنسي اسمه: وهو كتب أقيم على أساس القول بأن الوحشية الألمانية ترجع إلى إيحاء من شعراء الألمان ومفكريهم في القرن التاسع عشر، وأن السيوف تتلقى الوحي عن الأقلام في تلك البلاد

وقبل هذه القولة الفرنسية في تعليل الوحشية الألمانية، قال أسلافنا منذ أزمان طوال: إن أبياتاً من شعر عمر بن أبي ربيعة نقلت قلب هرون الرشيد من مكان إلى مكان، فصنع بالبرامكة ما دونه التاريخ بإسهاب

وإلى الأدب العربي يرجع الفضل في تأريث البطولة العربية وكذلك حظ جميع الآداب في جميع الشعوب

حين تزاور الرؤساء من الإنجليز والأمريكان بعد انتصار الحلفاء في الحرب الماضية لم يجدوا عبارة تفصح عن الألفة بين الأمتين أفضل من العبارة التي تقول بأن لغة شكسبير هي الرباط الوثيق بين الإنجليز والأمريكان

فهل سمعتم أن شكسبير دك أسواراً واقتحم ميادين؟

ومنذ أسبوع نقلت البرقيات أن المسيو هريو رد وسام (اللجيون دونير) إلى المشير ببتان - وكان تلقاه من كليمنصو العظيم - لأن حكومة فيشي منحت هذا الوسام لضابطين يحاربان في صفوف الألمان، فعمن تلقى هريو هذا الوحي الرائع، الوحي الذي يأبى على الضمير الفرنسي أن يستبقى وساماً يهدي إلى من يحارب في صفوف الأعداء، ولو أصبحوا بحكم الضرورة حلفاء؟

هذه التفاتة أدبية لا سياسية، والأدب يوحي معاني تنفر منها السياسة، بحيث يجوز الحكم بأن الأدباء أشجع من السياسيين، وما مدح سعد زغلول بأفضل من النص على أنه كان خطيباً وطنياً لا سياسياً، كما قال الأستاذ كامل بك سليم

التفاتة المسيو هريو التفاتة أديب، وكان هريو في مطلع حياته أستاذ الأدب الفرنسي بجامعة ليون، وكان يعاب عليه الإشراف في شرح أصول الغزل والتشبيب، فلم يكن يرتاد محاضراته بجامعة ليون غير عرائس ليون

ثم تحولت العواطف الوجدانية عند المسيو هريو إلى عواطف وطنية، وهل كانت خطبه في مجلس النواب الفرنسي إلا روائع من الأدب المضمخ بعبير الروح؟

ولم يقف الأدب بالمسيو هريو عند الوطنية المحلية، بل سما به إلى رعاية اللغة الفرنسية في البلاد الأجنبية، فرأس جمعية المسيو لاييك رياسة حقيقية لا صورية، وأمدها بما استطاع من الوقت والمال

عتب عليه المسيو بينار في المؤتمر الذي عقد في يوليه سنة 1933 خلف الوعد بحضور افتتاح الليسيه فرانسيه في حلب، فأعتذر بأسلوب لن أنسى وقعه في نفسي، اعتذر بأنه يبيت في القطر ثلاث ليال من كل أسبوع، ثم أعلن استعداده لدفع النفقات التي توجبها الدعوة لنشر اللغة الفرنسية في البلاد الأجنبية

فهل تصدر هذه الأريحية إلا عن أديب؟

وفي ذلك اليوم دعوته لزيارة القاهرة فقال في حماسة: سنلتقي هنالك يا صديقي

وقد بر بالوعد فحضر لافتتاح الليسيه فرانسيه بمصر الجديدة في سنة 1938، ولكني ما رأيته ولا رآني، فقد كنت في بغداد، عليها أطيب التحيات

وخلاصة القول أن الأدب عماد الوطنية، ولا قيمة لوطن ليس فيه أدباء

وإذا تحذلق متحذلق فادعى أن الأدباء لا يحسنون غير التغريد فوق أفنان الجمال، أجبناه قائلين بعزة وخيلاء:

إن الجمال وهو أعظم نعم الله في هذا الوجود، ولا يعيب التغني بالجمال غير مرضى الأذواق والقلوب. . . الأمم العظيمة هي التي تتغنى بالجمال، كما يصنع الإنجليز والألمان، وكما صنع العرب في شباب الزمان. . . فمن بدا له أن يغض من شعرائنا لأنهم يتحدثون عن الجمال، فليبادر باستشارة أحد الأطباء

أدب المعاش لا جدال في أن الأدب العربي الحديث قد سما سموا عظيماً في كثير من الفنون، ولكني مع ذلك أراه تخلف أقبح التخلف في دعوة الناس إلى تدبير المعاش، وأنا أقترح أن يكون عندنا أدب يسمى (أدب المعاش) وهو الأدب الذي يعلم الناس كيف يقتصدون، وكيف يدخرون، وكيف يواجهون مطالب الحياة في الشباب والمشيب، بجيوب سليمة من مرض الإفلاس، فما يذل الرجال غير الفقر، أعاذنا الله وأعاذ جميع الأحرار من رؤية وجهة البغيض

ولتوضيح هذا النقص في اتجاهاتنا الأدبية أسوق الفكاهتين الآتيتين: لقيني الشاعر حافظ إبراهيم يوماً فقال:

- هل رأيت ما صنع شوقي؟

- ماذا صنع شوقي؟

- نظم قصيدة في (بنك مصر) مع أنه لو اختلف مع هذا البنك على مليم واحد لساقه إلى ساحة القضاء!

- ومعنى هذا أنك لا ترى أن تقال في (البنوك) قصائد؟

- القصائد لا تقال إلا في الأزهار والرياحين

ولقيني الشاعر عباس العقاد يوماً فقال:

- قد نفيناك عن فردوس الأدب

- وما سبب هذا النفي، يا حضرة الأستاذ؟

- لأنك بنيت بيتاً في مصر الجديدة، والأدب لا يعرف مثل هذا الثراء

وقد اعتذرت للأستاذ العقاد بعبارة لطيفة، عبارة تقول بأن شهرتي بالأدب هددت سمعتي المالية، فكان من واجبي أن أبني بيتاً ولو بالتقسيط، لتحسن سمعتي في سنتريس

والحق أن أدباءنا قد انصرفوا عن تعليم أنفسهم وتعليم قرائهم فكرة المعاش، ولو شئت لقلت إنهم يتباهون بالتبديد لما يملكون. وهذا خطر يجب التحذير من عواقبه السود، وأنا أنبه نفسي وأنبه تلاميذي وقرائي، فلأسمع وليسمعوا، ولعل فيهم من يعي كلامي بأكثر مما أعي كلامي

لا يعاب على الأديب أن يقص بعض وقائعه الغرامية، فمنذ عهد امرئ القيس إلى اليوم والشعراء يتباهون بحوادث الضم والعناق والوصال، والأمر كذلك عند شعراء الأمم الأجنبية، ولكن يعاب على الأديب أن يقص بعض مسالكه في تدبير المعاش وما وقع من ذلك لم يقابل بغير السخرية والاستهزاء

وأخرج على هذا التقليد فأقول: إني جريت منذ أعوام على الادخار في حدود الاعتدال، فلا أحرم نفسي ولا أحرم أبنائي نعمة العيش المقبول، ولكني لا أسمح لنفسي ولا لأبنائي بتبديد ما يسوق الله من الرزق الحلال

وعند اشتغالي بالتدريس كنت أسأل تلاميذي عما يدخرون ولم يفتني أن ألقي درساً في الادخار على تلاميذي في بغداد، راجياً أن يلقوه على تلاميذهم في جميع أرجاء العراق

ومهنتي اليوم لا تتسع لأمثال هذه الدروس، ومع ذلك يغلبني حب الخير فأسأل المدرسين الذين أتشرف بتوجيههم إلى المناهج الصحيحة في التدريس، اسألهم عما يدخرون، لأطمئن إلى صلاحيتهم لمهنة التعليم؛ فالمعلم الحق في نظري هو الذي يروض نفسه ويروض تلاميذه على تدبير المعاش. ولا يمكن لمدرس يبدد مرتبه في الأسبوع الأول من الشهر أن يجد عقله في الباقي من الأسابيع

وتدبير المال في الحدود المعقولة يشهد بالقدرة على ضبط النفس، وضبط النفس هو أوثق صور الأخلاق، وما يجوز لمبذر أن يتوهم أنه يصلح لشيء من جلائل الأعمال

أكتب هذا وأنا اعرف أن في بني آدم من يطيب له أن يتهمني بالشح والبخل، لأنهم ألفوا وصف المدخرين بالشح والبخل؛ ولأن الشعر القديم صور لهم التبذير بصورة السخاء من أن أكثر المدائح كانت تمائم أريد بها انتهاب ما يملك الخلفاء والملوك

ومهما نهيتكم عن الإسراف فلن أنهاكم عن البر بالفقراء والمساكين. ولي هنا غاية تجارية: فقد عرفت بالتجربة أن الله يعوض ما ننفقه على المعوزين أضعافاً مضاعفة، ومن الواجب أن نستغل كرم الله أجمل استغلال في حدود ما نطيق

وأنا بعد هذا أرجو من يؤلفون كتب المطالعة لتلاميذ المدارس أن يكثروا من الحث على الادخار، ليساعدوا على إنشاء جيل جديد، جيل متماسك لا يتباهى أبناؤه بالسرف والتبديد، وإنما يتباهون بالبر والإفضال

نفحة سودانية

كان من توفيق الله أن نلتفت إلى الأدب في السودان بعض الالتفات، فبه أتيحت فرصة للتعرف إلى ما هناك من روائع لو نشرت لبهرت شعراء مصر والشام والعراق

أقول هذا وأمامي قصيدة للشاعر محمد سعيد العباسي، قصيدة خفيفة الروح، حن فيها إلى أيامه بمصر فقال:

ولو كان لي عِلمُ ما في غدٍ ... لما بِعتُ مصر بسودانيهْ

عدتنيَ عن طِيب ذاك الثواء ... نَوىً قَذَفٌ خيلُها عاديهْ

فودّعتُها أمسِ لا عن قِلًى ... ولم تكن النفسُ بالساليه

إلى بلدٍ عشتُ فيه غريباً ... بعيداً عن الناس في ضاحيهْ

أقيم بها من صدور المطىّ ... للمرخِ تُحدَى وللصافيهْ

لعلي أصيبُ بتلك البطاح ... صباي وذاهب أياميهْ

فلله كم جَنَت الحادثات ... علي وأودت بآماليهْ

رعَى الله مصرَ فكم للأديب ... بها ثَمَّ من عيشةٍ راضيه

وأحبِب بأيامها الذاهبات ... على ما بها وعلى ما بيهْ

قضينا بها غَفَلات الشباب ... بأحلى مذاقاً من العافيهْ

تولَّت سراعاً فيا ليتَها ... تعود لنا مرةً ثانيهْ

ويا قِبلة الخير لا تبعدي ... وحُيِّيتِ زاهرة زاهية

ويا برقُ زُرها بوطف الغمام ... وحُلِّى عزاليك يا ساريه

وإن تبخلي إن لي مُقلةً ... هي المزن هامعةً هاميه

بني مصر حيَّاكم ذو الجلال ... بعَرف تحياته الزاكيه

وأسدى بإحسانه منعماً ... لكم كلَّ صالحةٍ باقيه

بكم غدت اليومَ أم اللغات ... كحسناَء في بُرُدٍ ضافيه

حَمَلتم بمصرَ وبالمشرقَيْن ... رسالةَ آدابها العاليه

أجلْ وشأوتم بسحر البيان ... عباقرة الأعصر الخاليهْ

بيانٌ هو البدر في تِمِّهِ ... يشقُّ حَشا الليلةِ الداجيه

وكالورد يعبق مطلولهُ ... أو المسك أو جونة الغاليه

بَلوْنا الكرام فكانوا البناء ... وكنتم به حَجَر الزوايهْ فما رأى قراء (الرسالة) في هذا الكلام النفيس؟ ما رأيهم في شاعر سوداني يحن إلى مصر هذا الحنين؟ وما جزاؤه على هذا التلطف النبيل؟

نحن لا نملك الجزاء على مثل هذا الوداد، فهو فوق الجزاء، ويكفي أن نقول إنه شاعر من السودان، السودان المصري، أعزه الله ورعاه وحماه من جميع الأسواء

وداد مصر للسودان وداد صحيح، فليعرف السودانيون أننا لا نقبل أن يكونوا أوفى منا بأي حال، وسنعارض هذه القصيدة بقصائد، وسنريهم أن مصر تجزيهم صدقاً بصدق، وإخلاصاً بإخلاص

أيها الأرواح الشوارد بأعالي النيل، أيها الحافظون لأمجاد الإسلام بالوادي السحيق، هل تعرفون مكانتكم في أنفس المصريين؟

لذلك حديث وأحاديث، فانتظروا قليلاً، فسأقص من أخباركم ما تجهلون

أيها الشاعر الذي حيا مصر، حياك الله وحياك ثم حياك، فقد طوقت جيد مصر بقلائد صيغت من حبات القلوب

أهذا شعر أم سحر؟

هو فوق الشعر وفوق السحر، هو إلهام جادت فطرةٌ كريمة الأصل، في بلاد أبناؤنا أصلاء

وإلى الأستاذ عبد العزيز عبد المجيد تحيتي وثنائي، فهو الذي حمل إلي هذا القصيد، كما يحمل النسيم رسائل المحبوب إلى الحبيب

زكي مبارك