الرئيسيةبحث

مجلة الرسالة/العدد 360/الحرب في أسبوع

مجلة الرسالة/العدد 360/الحرب في أسبوع

مجلة الرسالة - العدد 360
الحرب في أسبوع
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 27 - 05 - 1940


للأستاذ فوزي الشتوي

بين الديمقراطية والديكتاتورية

إلى أي طريق تساق البشرية؟ وهل قدر أن تسود الديمقراطية، أو تسيطر الديكتاتورية؟ وهل يستطيع العالم بعد ما ذاق طعم الحرية وتعود جني ثمارها وتطبع بأخلاقها، أن يتخلى عنها تحت ضغط الحديد والنار؟ إن التاريخ البشري حافل بقصص المجاهدين في سبيل حرية الفكر، مملوء بأحاديث الضحايا الذين فضلوا الموت على أن يتنازلوا عن مبدئهم

فإذا ذكرنا أن الحرية كانت في مهدها في تلك العهود، وذكرنا أيضاً أن الناس ظلوا أجيالاً طويلة ورقابهم تحت السيف أدركنا أن الديمقراطية تنتصر حتماً مهما طال عهد النضال وتأكد لنا أن الدكتاتورية لن تسيطر إلا إذا عبدت طريقها على رمم الديمقراطيين. فالحرب الآن نضال بين مبدأ الهمجية ومبدأ الإنسانية!

مأساة تتكرر

وإذا كانت جيوش ألمانيا الآن قد تقدمت فإنها تعيد ما حدث في سنة 1914 عندما ما وصلت على بعد 70 ميلاً من باريس وجيوش الحلفاء لم تصب بعد بخسائر كبيرة، بل هي تتقهر بانتظام بكامل قواتها حتى تسنح الفرصة الملائمة، وحتى تضعف عدة الهجوم الألماني وتتوزع قواته؛ فإنه يلاحظ في هذا الهجوم عدة أوجه: أولها أن قوات الحلفاء تتجمع بينما قوات الألمان تتوزع. وقوات الألمان في مناطق ثائرة تريد الخلاص، بينما قوات الحلفاء في مناطق موالية تعمل للدفاع وثاني هذه الأوجه اتساع جبهة القتال الألمانية وتخلخل قواتها، فخلف جيوشها في فرنسا قوات معادية كبيرة في بلجيكا فحكومة بلجيكا. مازالت قائمة في ديارها تعتمد على جيوش بلجيكا وبريطانيا وفرنسا، ومعاركها لم تنته بعد لتقرر سلامة النتوء الألماني الذي يمتد من لونجوي إلى أميان ووجهته موانئ بحر الشمال. ويفهم من تغيير القيادة الفرنسية تغيراً جوهرياً في الخطط العسكرية، كما يفهم من تصريحات رئيس وزراء فرنسا وإنجلترا أن الحلفاء صمموا على النضال إلى النهاية حتى يضمنوا النصر. وهذا مؤكد بفضل اتساع مواردها المالية، وغنى الإمبراطوريتين الإنجليزية والفرنسية واتساع رقعتيهما

اختلاف الخطط

وتقدم الجيوش الألمانية الحالي لا يدل على نصر أو خذلان لأي الجانبين، بل يرجع في حد ذاته إلى اختلاف فن القتال عند المتحاربين وتقديرهما للرجال والخسائر. فبينما ألمانياً لا تتقيد بكثرة الضحايا وتقدم للميدان أعداداً كبيرة منها، تحرض إنجلترا وفرنسا على أن يكون عدد الضحايا أقل ما يمكن. بل إنه يبدو للمطلع أن قيادة الحلفاء تقدر قيمة الموقع الذي تدافع عنه أو تحتله وما يتكلف من خسائر؛ ثم تقدر مكسبها أو خسارتها. وعلى هذا الأساس تقرر خططها، وغالباً ما يعز عليها الضحايا فتوفرهم لفرصة أوفق وأقل ضحايا

وإذا عدنا إلى حوادث الحرب العظمى ووسائل الهجوم الألماني أمكننا أن ندرك مبلغ حرص القوتين المتحاربتين على سلامة رجالهما، ففي هجوم الألمان على خط كونديه - مونز - بينش، كانت قوات المشاة تتقدم في جماعات غفيرة متراصة يسهل حصدها بالمدافع السريعة الطلقات أو البنادق، حتى قال جنود الجيش البريطاني التي كانت تتولى الدفاع عن هذا الخط بقيادة الجنرال فرانش: (إنه كان يكفي أن تطلق البندقية في أي اتجاه فنضمن استقرار الرصاصة في جسم أحد الجنود الألمان)

هذا بعكس خطط الهجوم الإنجليزي أو الفرنسي، إذ يتقدم الجنود في خطوط رفيعة بين كل جندي والآخر متران تقريباً، فيطيش عدد كبير من الطلقات ويقل عدد الضحايا إلى أقل نسبة ممكنة. وحقيقة أن هجوم قوات الحلفاء يحرز النصر بعد مدة أطول، بينما يعطي هجوم الألمان نتائج سريعة، ولكن بخسائر فادحة؛ وهذا ما يحدث الآن. فلكي ينتصر الجيش الألماني في موقعه يجب أن تكون قواته ضعف قوات أعدائه فتتغلب عليه بالكثرة العددية

أخطاء خطيرة

وارتكبت في الموقعة الحالية عدة أخطاء كبيرة استغلها الجيش الألماني أحسن استغلال. فقد قررت قيادة الجيوش البلجيكية أن تخلي خط دفاعها الممتد على الحدود في منطقة أردن إلى حصن لييج، وأن تبدأ عملياتها الحربية في خط الدفاع الثاني على نهر الموز، وهو نهر سريع الجريان وذلك ليتاح لها الاستفادة من نجدات جيوش الحلفاء. ولكن حدث ما لم يكن في الحسبان فإن القيادة الألمانية هاجمت بلجيكا من جبهتين الأولى من لكسمبورج إلى منطقة أردن وكانت هذه الجبهة كما قلنا خالية من الجنود المدافعة. والثانية اجتاحت مقاطعة لامبرج الهولندية واستولت على ماسترخت ومنها اتخذت شكل مروحة فاتحة بعضها غرباً، واتجه البعض الآخر جنوباً في حوض نهر الموز وأرضه سهلة. وكان هذا مقدراً لدى القيادة البلجيكية على أن يستمر الجيش الألماني على الشاطئ الشرقي للنهر ويتعذر عليه المرور بفضل القوات التي ترابط على شاطئه الغربي بعد نسف الجسور المقامة على النهر

ولكن خطا ثانياً أفسد هذا التدبير فلم تنسف الجسور وتمكنت الجنود الألمانية من اجتيازها لأسباب لم يكشف عنها بعد. ولكن هذا الخطأ كان على جانب كبير من الخطورة إذا أصبح هذا الخط عديم الفائدة مما اضطر قوات الحلفاء إلى التراجع إلى خطوط خلفية أقل مقاومة فساعد ذلك جيوش الألمان على مهاجمة فرنسا بقوات كبيرة

ولنسف الجسور في حالة وقف الهجوم أهمية كبيرة. إذ يتعذر بعد نسفها على الجيوش المهاجمة أن تنقل قواتها ويصبح النهر فاصلاً بين القوتين. وبينما يكون المدافعون محصنين خلف الحصون الطبيعية أو الصناعية يكون الجنود المهاجمون مكشوفين لنيران القوات المدافعة وخصوصاً إذا أرادوا اجتياز النهر لإنشاء الجسور العسكرية لمرور قواتهم

ولنقدر أهمية نسف الجسور نذكر أن عدة أوسمة رفيعة تمنح للأفراد الذين ينجحون في نسفها. وفي الحرب الماضية منحت ستة أوسمة تقريباً من (صليب فيكتوريا) لمختلف الرتب العسكرية من الجنود إلى الضباط اعترافاً بما أدوه من خدمات بنسف الجسور في جبهة كونديه بنش، وهذا الوسام هو أرفع الأوسمة العسكرية البريطانية، ولم يحصل عليه إلا عدد قليل

بين حربين

والخطة الألمانية الحالية لا تختلف كثيراً عن الخطة التي نفذت سنة 1914، ووضعت قواعدها في أواخر القرن الماضي. فهي تتكون من اجتياح هولندا في مدة لا تتجاوز ثلاثة أيام؛ ثم اجتياح بلجيكا للوصول إلى سهول فرنسا الشمالية عن طريق حوض نهر الموز: وهو سهل منبسط قليل العقبات الطبيعية التي تعتبر عقبة في سبيل تقدم الجيوش. أضف إلى ذلك أن الحصون الفرنسية في تلك المنطقة اضعف منها على حدود ألمانيا، فعلى الحدود الفرنسية البلجيكية كانت تقوم حصون متفرقة أقل مقاومة من خط ماجينو الذي ينتهي عند لونجوي

وتختلف خطة ألمانيا الحالية عن خطتها سنة 1914 في اجتياحها لهولندا لغرضين عسكريين: الأول اتخاذ قواعد برية وبحرية وجوية تقرب بينها وبين إنجلترا، والثاني لتأمن على جيوشها هجوم قوات الحلفاء من هولندا

فالمسافة بين شواطئ هولندا وإنجلترا قصيرة لا تتجاوز 150 ميلاً تقطعها الطائرات في أقل من ساعة، كما تتخذ موانيها قواعد للغواصات، وبهذا يتيسر لها استغلال أسطولها الجوي على أحسن وجه. وتتجه القوات الألمانية إلى الغرب للاستيلاء على موانئ فرنسا على المانش لقطع المواصلات بين فرنسا وإنجلترا ليتعذر نقل القوات البريطانية إلى فرنسا

انهيار مفاجئ

ويبدو لنا أن خطط الحلفاء الجديدة قد نجحت فتيسر لها وقف التقدم الألماني، بل إنها تمكنت من طرد القوات الألمانية من بعض المناطق التي سبق أن استولت عليها. ولعل هذا يوضح السبب في التجاء الألمان إلى إنزال بعض جنود المظلات الواقية خلف خطوط القتال لتؤدي مهمة قطاع الطرق؛ فتعتدي على المدنيين لبث الرعب فيهم، ولتخلق لقيادة الحلفاء بعض المتاعب التي تصرفها عن العناية بجبهة القتال. ولكننا نعتقد أن هذه الوسيلة فاشلة مقدماً، فقد عرفت وسائلها واستعدت لها البلاد، ونظمت قوات خاصة لتطهير هذه الآفات الكثيرة النفقات التي إن تحملها موارد ألمانيا الاقتصادية فترة من الزمن فلن تتحملها فترة أخرى

فإن جندي المظلات الواقية يتكلف بضع مئات من الجنيهات. فوزن المظلة الواقية وحدها 12 رطلاً من الحرير الطبيعي يضاف إليها نفقات معداته من دراجة بخارية ومدفع سريع الطلقات وأنصار سريين يشترون بالمال من داخل البلاد. فكل هذه النفقات لا تتحملها الموارد الألمانية. ولهذا يتردد كثير من خبراء الحرب في اعتبار الخطوات التي اتخذتها ألمانيا خطوات موفقة، بل يقول بعضهم إن حوادث سنة 1914 تتكرر في هذه الحرب إذ تفوز في أكثر الميادين العسكرية ثم تتحطم دفعة واحدة في الميدان الاقتصادي ولا تجد الموارد اللازمة لإمداد جيشها

ولعل القارئ يذكر ما أصاب المالية الألمانية من إفلاس عقب الحرب الماضية، إذ هبطت قيمة المارك الألماني فلم يساور ثمن الحبر الذي طبع به حتى اضطرت إلى إلغائها في آخر الأمر فإن ألمانيا تلجأ إلى طبع الأوراق المالية دون أن يكون لها الرصيد المعدني الكافي الذي يحفظ لهذه الأوراق قيمتها في السوق

هل هو تعديل؟

ويرى بعض المفكرين من كثرة اعتداء ألمانيا على الدول الصغيرة المجاورة لها تعديلاً لخططها الاقتصادية الحربية. فهي في عرفهم تحصل على موارد البلاد المحايدة آناً بالتهديد وآناً بالاجتياح فإن الرعب الذي يستولي على دول البلقان يجعلها تقدم لألمانيا كل ما تطلب منها اتقاء لشرها. وقد ازداد رعب هذه الدول نتيجة لتقدم الألمان في فرنسا وبلجيكا فأصبحت أقل مقاومة وأكثر ليونة تحت الضغط الألماني

وكلما قصرت الموارد في ألمانيا اجتاحت دولة لتحصل على مواردها ونقدها. ولكن من المشكوك فيه أن تظل الدول التي تجتاحها بقرة حلوباً بسبب تدمير الجيوش للمرافق العامة أثناء انسحابها، ولان أكثرها الآن يحفظ رصيد نقده في أماكن بعيدة عن الخطر مثل أمريكا التي تحتفظ فيها أكثر الدول بأموال كبيرة

أمريكا تفزع

وكشفت حركات ألمانيا الأخيرة عن عدة مشاكل دولية قد تؤدي إلى اشتراك عدة دول في الحرب. فإن اعتداءات النازية المتكررة أفزعت الأمريكيين، وبعدما كانوا يقصرون أبحاثهم على خير الوسائل لمساعدة الحلفاء بالعتاد الحربي، تبدلت النغمة وظهرت أصوات في مجلس الشيوخ الأمريكي وفي الصحف تطالب علناً بوجوب اشتراك أميركا في الحرب

فالأمريكيون يرون أن النازية مظهر من مظاهر الوحشية والهمجية ويرون أن انتصارها هدم للمدنية الحالية وقضاء على الديمقراطية يرجع بالإنسانية آلاف السنين، حيت كان يخضع المجموع للفرد، ويتحكم السيف في رقاب الناس بدلاً من المنطق والعقل.

والأمريكيون أكثر شعوب الأرض تمسكاً بالحرية ومبادئها؛ وهم مستعدون دائماً لبذل دمائهم في سبيلها

وسيطرة النازية على أوربا معناها عندهم تهديد لحريتهم، ولا سيما بعد ما تكشفت عدة دسائس نازية ترمي إلى الاستيلاء على أمريكا بوسائل الدعاية وإثارة الحرب الداخلية. هذا فضلاً عن اشتراك الولايات المتحدة وكندا في حدود واحدة، ثم قرب جزيرة جرينلند من الشواطئ الأمريكية مما يسهل اتخاذها قواعد عسكرية. فاعتزال أمريكا لمشاكل أوربا نظرية لا تقرها العقلية الأميركية الآن

جيوش الشرق

ويحتفظ الحلفاء في الشرق بقوات كبيرة انتظاراً لما قد تولده أطماع ألمانيا وغيرها من الدول الدكتاتورية في البلقان. فإن إيطاليا والروسيا لم توضحا بعد موقفهما وتلوحان آنا بالحرب وأخرى بالحياد، فهذه النغمة تفقد الحلفاء ناحية التركيز التي تستفيد منها ألمانيا. فبينما هي تركز أكثر قواتها في الجهة الغربية تتوزع قوات الحلفاء في مصر وسوريا وفلسطين وتونس والجبهة الغربية

وتعمل الخطط الألمانية للقتال في جبهة واحدة فقط، ولكن الواجب على الحلفاء أن يشغلوها في أكثر من ميدان حتى تتوزع قواتها فيخف الضغط عن الجبهة الغربية وتقع ألمانيا في المأزق الذي تتحاشاه

فوزي الشتوي