الرئيسيةبحث

مجلة الرسالة/العدد 348/محمد الزعيم

مجلة الرسالة/العدد 348/محمد الزعيم

بتاريخ: 04 - 03 - 1940


ولدت سنتنا الهجرية الجديدة وا أسفاه في هذه الأيام التي اختبل فيها إنسان الغرب فزلزل جوانب الأرض على نفسه؛ وأبكم في فمه حجة العقل ووحي الضمير فلا يتكلم إلا بلسان النار، ولا يصول إلا ببأس الحديد؛ وراحت المنايا الرواعد تدكدك المدن والناس في فجوات القنابل، فلا ترى اليوم في بلاد الحرب غير مقبور أو منتظر، ولا في بلاد الحيدة غير مذعور أو حذر. ومفزع الشعوب في غشية هذه الخطوب الزعماء والقادة. فليت شعري إلى من يفزع العرب والمسلمون من هول هذه الساعة؟ لم يتح الله لهم بعد محمد وخلفائه زعيماً تجتمع عليه القلوب وترجع إليه الأمور في أقطارهم البعيدة ووجوههم المختلفة؛ وإنما ابتلاهم بالانقسام والفرقة حين ضلوا الطريق فكان في كل قطعة من الوطن الأكبر سرير وأمير، وتوزعت زعامة محمد في كل جيل وفي كل قبيل بين عشرات من الرجال العجاف، فكانت كالشعلة العظيمة الوهاجة تقطعت أقباساً كشموع الأطفال لا تقوى على نسم الريح ولا تظهر في حلك الليل!

تعالوا يا زعماء اليوم عانين خاشعين ألقي عليكم درساً من زعامة محمد! إن فيكم زعماء أحزاب، وليس فيكم زعيم أمة؛ أما هو فكان زعيم الإنسانية جمعاء

بلغتم مكان الزعامة الإقليمية عن طريق الحزبية أو الثروة أو القوة، ثم لم تستطيعوا أن تنسوا ضعف القميء الصغير الذي ارتفع على كواهل غيره؛ أما هو فقد بلغ الزعامة العالمية عن طريق الألم والفقر والغربة والجهاد؛ ثم جعل في عشر سنين من الرعاة الجفاة المشتتين على رمال القفر، أمةً متماسكة الأجزاء، متحدة الأهواء، متساندة القوى، متجانسة الطباع، بلغت رسالة الله وحكمت عامر الأرض ومدنت أكثر العالم

إنكم تكونون قبل الزعامة ناساً كالناس، ثم تصبحون بعدها آلهة كالآلهة، تنكرون الخاصة، وتزدرون العامة؛ ثم تمتازون فتدخلون بفضل المبادئ المزورة والمناصب المسخرة في دنيا النبلاء والأغنياء، وماذا بعد هذا؟ أما هو فقد ملك الحجاز واليمن، وجبى الجزيرة كلها وما داناها من العراق والشام، وظل ينام على فراش من أدم حشوه ليف، ويبيت هو وأهله الليالي طاوين لا يجدون العشاء، ويمكثون الشهر لا يستوقدون ناراً إن هو إلا التمر والماء، ويلبس الكساء الخشن والبرد الغليظ ويقسم على الناس أقبية الديباج المخوص بالذهب؛ فإذا أقبل على أصحابه فقاموا إجلالا له قال لهم: (لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يعظم بعضه بعضاً. إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد). وكان ذات مرة في سفر فأمر أصحابه بإصلاح شاة. فقال رجل: عليَّ بذبحها، وقال ثان: عليَّ بسلخها، وقال ثالث: عليّ طبخها. فقال الرسول صلوات الله عليه: وعليّ جمع الحطب. فقالوا: يا رسول الله نكفيك العمل. فقال: علمت أنكم تكفونني إياه ولكني أكره أن أتميز عليكم!

ولما استعز الله بقاسم الفيء وزعيم الجزيرة وسيد الملوك كانت درعه مرهونة عند يهودي في نفقة عياله!

إنكم حينما تتزعمون لا تفكرون إلا في مثوبة الصديق وعقوبة العدو، ثم لا تخرج أعمالكم وآمالكم عن دائرة الحزبية الصغيرة الحقيرة؛ فالمنفعة تقاس بمقياس الحزب، والسياسة تتلون بلون المنفعة. أما هو فكان يعادي في الله ويصادق في الله. اشتط في أذاه المشركون في مكة والمنافقون في المدينة، فلما أمكنه الله منهم بسط عليهم جناح عفوه. وقال لقريش يوم الفتح: يا معشر قريش! ما ترون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيراً! أخ كريم وابن أخ كريم! قال: أذهبوا فأنتم الطلقاء

ثم كانت سياسته كنور الله لا تعرف الحدود ولا الخصوص ولا الزمن؛ إنما هي سر الخالق العظيم استعلن في سكون الصحراء على لسان الرسول العظيم، ثم دوَّى في غياهب الآفاق ومجاهل الأبد ليكون الشعاع الهادي لكل ضال، والنداء الموقظ لكل غافل

إنكم تسيرون الجنود إلى الخنادق وتبيتون على حشايا الديباج، وترسلون العمال إلى المهالك وتظلون في أبراج العاج؛ أما هو فكان يقاتل مع الجندي حتى يدمى، ويعمل مع العامل حتى ينصب. وكان صحبه إذا احتدم البأس واحمرت الحدَق اتقوا به فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه!

ذلك محمد يا زعماء اليوم وهؤلاء أنتم! فهل تحسون بينكم وبينه صلة، أو تجدون بين سياستكم وسياسته مشابهة؟

لا تقولوا إنه الوحي، فما كانت حياة الرسول كلها ولا سياسته كلها من هدى الوحي؛ ولكن قولوا إنها الرجولة الكاملة والخلق العظيم والعبقرية الفذة والشخصية القوية. وصفة القوة لا تدل على شيء في شخصية الرسول، فإنها لم تظهر في أحد قبله ولا بعده حتى يقوم بها وصف. وما ظنكم بشخصية تخضع لليتيم العديم الزاري على الآلهة والسادة، الرؤوس الطاغية والنفوس العاتية والقلوب الغلاظ، فيسمتون سمته في الخلال، وينهجون نهجه في العيش، ويأخذون أخذه في المعاملة، ويجمعون على حبه وطاعته وتفديته إجماعاً لا يخرقه إلا الكفر بالله. فأقواله سنن تتبع، وأعماله عهود تحفظ، وآراؤه أوامر تطاع، وأحكامه أقضية تنفذ. فعليكم يا زعماءنا بسيرة محمد وسياسة محمد؛ فلعل فيكم من تدركه نفحة من نفحاته القدسية فيجدد ما رث من دعوته، ويجمع ما شت من وحدته، ويصلح ما فسد من أمته! (قد جاءتكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه، ومن عمى فعليها)

أحمد حسن الزيات