الرئيسيةبحث

مجلة الرسالة/العدد 227/الكميت بن زيد

مجلة الرسالة/العدد 227/الكميت بن زيد

بتاريخ: 08 - 11 - 1937


شاعر العصر المرواني

للأستاذ عبد المتعال الصعيدي

- 2 -

سيرته

ولد الكميت بالكوفة سنة ستين للهجرة، وهي السنة التي قتل فيها الحسين رضي الله عنه، وكان أهل الكوفة قد دعوه ليبايعوه في بدء عهد يزيد بن معاوية، فسار إليهم من مكة إلى أن وصل إلى كربلاء، فقتله فيها جيش عبيد الله ابن زياد

وكانت الكوفة عاصمة العراق وما إليه من بلاد فارس وما حواليها، وكانت أيضاً مهداً للتشيع العلوي من يوم أن اتخذها علي رضي الله عنه عاصمة لخلافته، كما كانت دمشق بالشام مهداً للتشيع الأموي بتأثير معاوية رضي الله عنه، ولعلهما بهذا أرادا أن يستغلا العصبية القديمة بين العراق والشام، فقد كانت هناك منافسة شديدة في الجاهلية بين عرب العراق وعلى رأسهم دولة المناذرة، وبين عرب الشام وعلى رأسهم دولة الغساسنة. ولم يترك علي (ض) المدينة التي كانت عاصمة الخلفاء قبله إلى الكوفة إلا ليكون له أهل العراق على معاوية وأهل الشام، ويساعدوه على أن تكون الخلافة بعاصمتهم، فتحيا بها بلادهم، ويكون خيرها لهم، ولا يستأثر به أهل الشام دونهم؛ وهذا إلى ما في العراق من الرجال والخصب، فيضاهي بهذا خصب الشام بالمال والرجال، ويجد من الحاقدين على معاوية وبني أمية ما لا يجده في مكة والمدينة

وقد كان الكميت من بني أسد بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن معد بن عدنان، وهو الجد الأعلى للنبي عليه الصلاة والسلام، فنشأ بين من نزح من قبيلته من البادية إلى الكوفة، وأخذ عن علمائها من أهل الحضر علوم الدين والأدب، وكانت له جدتان أدركتا الجاهلية فكانتا تصفان له البادية وأمورها، وتخبرانه بأخبار الناس في الجاهلية، فإذا شك في شعر أو خبر عرضه عليهما فتخبرانه عنه، فتأثر من هذا وذاك بثقافة البدو والحضر، واجتمع له علم غزير بلغات العرب وغريبها وأشعارها وأيامها ومفاخرها ومثالبها، وروى الحديث وغيره من العلوم الدينية، وقد ذكر صاحب الأغاني بعض رواياته في الحديث فليرجع إليها من يريدها

ولم يقصر الكميت نفسه على العلم والأدب، بل كان يأخذ نفسه بقول الشعر والاستماع إليه، ولكن ميله إلى هذا لم يكن يبلغ ميله إلى العلم والأدب. ويحكى أنه وقف وهو صبي على الفرزدق وهو ينشد أشعاره، فراع الفرزدق حسن استماع الكميت وأخذه الزهو والخيلاء، فلما فرغ من إنشاده أقبل على الصبي وقال له: هل أعجبك شعري يا بني؟ فأجاب الكميت: لقد طربت لشعرك طرباً لم أشعر بمثله من قبل، فانتشى الفرزدق، وأخذ العجب منه كل مأخذ، وقال للصبي في نشوة المفتون: أيسرك أني أبوك؟ فقال الكميت: أما أبي فلا أريد به بدلاً، ولكن يسرني أن تكون أمي. فحصر الفرزدق، وقال: ما مر بي مثلها

فلما أتم الكميت دراسته اشتغل بما كان يغلب ميله إليه من العلم والتعليم، فكان يعلم الصبيان بمسجد الكوفة، ولكن عشيرته من بني أسد كانت تريد منه أن يكون شاعرها الذي يعلي من شأنها، وينشر من مفاخرها، وينافح عنها أعداءها، وقد صار الشعر في الدولة المروانية كما كان في الجاهلية مفخرة القبائل العربية فتعلقت به تلك القبائل كما كانت تتعلق به في جاهليتها، فأخذ بنو أسد يرغبون الكميت في قول الشعر، ويحملونه على الانصراف إليه والتفرغ له، ويحكون في ذلك أن عمه وكان رئيس قومه أخذ الكميت يوماً وقال له: يا كميت لم لا تقول الشعر؟ ثم أخذه فأدخله الماء وقال: لا أخرجك منه أو تقول الشعر، فمرت به قنبرة فأنشد متمثلاً:

يالكِ من قُنْبُرَةٍ بِمَعْمَرِ ... خلا لكِ الجَوُّ فبيضي واصفري

ونَقِّري ما شئت أن تُنَقِّري

فقال له عمه ورحمه: لقد قلت شعراً فاخرج، فقال الكميت لا أخرج أو أقول لنفسي، فما رام حتى عمل قصيدته المشهورة، وهي أول شعره، ثم غدا على عمه فقال: اجمع لي العشيرة ليسمعوا فجمعهم له فأنشد:

طَرِبْتُ وما شوقاً إلى البيض أطْرَبُ ... ولا لعباً منِّي وذو الشوق يلعبُ

وقد طعن الأستاذ زكي مبارك في صحة هذه القصة، وذكر أنه ليس بمعقول أن تكون هذه القصيدة أول شعره، لأن فيها من القوة ما يقطع بأنها ليست بداية شعرية، وإنما هي صرخة شاعر فحل طال منه الصيال

ولا وجه عندي لهذا الطعن في صحة هذه القصة، لأن هذه القصيدة: (طربتُ وما شوقاً إلى البيض أطرَبُ) من قصائد الهاشميات، وقد ثبت من غير هذا الطريق أن هاشمياته على العموم وهذه القصيدة على الخصوص كانت أول ما قاله من الشعر، وواضح أنه لا يراد من هذا إلا أنها أول ما قاله من الشعر الجيد الذي يعتد به، فلا يمنع أن يكون له شعر قبل هذا الشعر ترقى فيه إلى أن وصل إلى درجة هذا الشعر الجيد

فلما أرادته عشيرته أن يكون شاعراً ينافح عنها ويصاول أعداءها، صرف نفسه إلى قول الشعر وتفرغ له حتى أجاد إنشاءه، وكان قد ورث التشيع لأهل البيت عن بيئته بالكوفة التي نشأ فيها، ولم يكن للشيعة في عهده شاعر يتعصب لها وينشر دعوتها كما كان لبني مروان من الشعراء الأخطل وغيره، وكما كان للخوارج الطرماح بن حكيم وعمران بن حطان، فرأى أن يكون هو شاعر الشيعة وناصر دعوتها، والمشيد بذكر أهل البيت والناشر لفضلهم

وقد كانت الشيعة في ذلك الوقت تعادي بني مروان والخوارج معاً؛ ولكن العداوة بين الشيعة والخوارج لم تكن تبلغ درجة العداوة بينها وبين بني مروان، لأن الخوارج كانوا قد اشتغلوا بعداوة بني مروان بعد أن صار لهم الأمر، وتناسوا عداوتهم للشيعة بعد انصراف الأمر عنهم، فاشترك كل من الشيعة والخوارج في مناهضة الدولة المروانية، ومناوأتها بسيوفهم وألسنتهم، وكان اشتراكهم في معارضة هذه الدولة سبباً في تخفيف ما بينهم من العداوة

ولهذا كان تعصب الكميت في شعره للشيعة موجهاً إلى بني مروان وحدهم، ولا يدخل في أولئك الخوارج الذين لقي الشيعة منهم ما لقوا في عهد علي رضي الله عنه، بل لم يمنع ذلك التعصب الكميت من إخلاص المودة للطرماح بن حكيم من شعراء الخوارج، فقد كان بينهما من الخلطة والمودة والصفاء ما لم يكن بين اثنين، حتى إن راوية الكميت قال: أنشدت الكميت قول الطرماح:

إذا قبضتْ نفسُ الطِّرمَّاح أخلقتْ ... عُرَى المجد واسترخى عنانُ القصائِد

فقال الكميت: إي والله، وعنان الخطابة والرواية وهذه الأحوال كانت بينهما على تفاوت المذاهب والعصبية والديانة، فقد كان الكميت شيعياً عصبياً عدنانياً من شعراء مضر متعصباً لأهل الكوفة، وكان الطرماح خارجياً صفرياً قحطانياً عصبياً لقحطان من شعراء اليمن متعصباً لأهل الشام، فقيل للكميت: فيم اتفقتما هذا الاتفاق مع اختلاف سائر الأهواء؟ فقال: اتفقنا على بغض العامة

والعامة التي اتفقا على بغضها كانت في ذلك الوقت جمهور الأمة من خاصة الناس وعامتهم، فقد استكانوا لحكم بني مروان حين طال عليهم أمده، وخضعوا لظلمهم ولم يعنهم إلا أمورهم الخاصة، كشأن العامة في كل وقت وفي كل أمة، ولا يزال بغض الحكومات القائمة يقرب الآن بين معارضيها، وينسيهم ما بينهم من عداوات، واختلاف في المشارب والأهواء

فنصب الكميت نفسه لمناهضة بني مروان بشعره، وهم أصحاب الملك في الناس، وأخذ ينصر عليهم أهل البيت والأمر مدبر عنهم، وليس هناك مطمع فيهم، وإنما هو سبيل اتخذه لنفسه يرضي به عقيدته، وينأى بعلمه وشعره أن يتخذهما أداة كسب كما فعل ذلك غيره من الشعراء، فكان يقول الشعر للشعر ويتخذه وسيلة لإرضاء نفسه وعقيدته، ويجاهد به في إصلاح حال أمته، ويؤدي به ما يجب على الشاعر في عصره، ولا يهمه بعد هذا ما يفوته من دنيا الملوك، ولا ما يصيبه من عنتهم وإرهاقهم

وقد أراد ثراة أهل البيت أن يثيبوه على ما يقوم به من نصر دعوتهم، وإنشائه القصائد الطوال في مدحهم والإشادة بذكرهم، فكان يعرض عما يعرضونه عليه من الصلات والجوائز، ويذكر أنه يريد من ذلك وجه الله تعالى، ونصرة الحق الذي يدين به، وقد حدث صاعد مولى الكميت قال: دخلنا على أبي جعفر محمد ابن علي فأنشده الكميت قصيدته التي أولها:

مَنْ لقلبٍ متيَّم مستهامِ

فأمر له بمال وثياب، فقال الكميت: والله ما أحببتكم للدنيا، ولو أردت الدنيا لأتيت من هي في يديه، ولكنني أحببتكم للآخرة، فأما الثياب التي أصابت أجسامكم فأنا أقبلها لبركاتها، وأما المال فلا أقبله، فرده وقبل الثياب

وحدث أيضاً فقال: دخلنا على فاطمة بنت الحسين رضي الله عنهما، فقالت: هذا شاعرنا أهل البيت، وجاءت بقدح فيه سويق فحركته بيدها وأسقته للكميت فشربه، ثم أمرت له بثلاثين ديناراً ومركب، فهملت عيناه وقال: لا والله لا أقبلها، إني لا أحبكم للدنيا

وحدث محمد بن سهل صاحب الكميت قال: دخلت مع الكميت على أبي عبد الله جعفر بن محمد في أيام التشريق فقال له: جعلت فداك ألا أنشدك؟ فقال إنها أيام عظام، قال إنها فيكم، قال هات، وبعث أبو عبد الله إلى بعض أهله فقرب، فأنشده فكثر البكاء حتى أتى على هذا البيت:

يصيبُ به الرَّامونَ عن قوس غيرهمْ ... فيا آخراً أسْدَى له الغيَّ أوّلُ

فرفع أبو عبد الله يديه وقال: اللهم اغفر للكميت ما قدم وما أخر، وما أسر وما أعلن، واعطه حتى يرضى

عبد المتعال الصعيدي