الرئيسيةبحث

مجلة الرسالة/العدد 184/قصة الميكروب كيف كشفه رجاله

مجلة الرسالة/العدد 184/قصة الميكروب كيف كشفه رجاله

مجلة الرسالة - العدد 184
قصة الميكروب كيف كشفه رجاله
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 11 - 01 - 1937


ترجمة الدكتور احمد زكي

مدير مصلحة الكيمياء

عزرائيل يقبض بيد صفراء

وصل الفائت: بنى ريد رئيس بعثة الحمى الصفراء ومساعده كارول بيتا صغيرا وأناما فيه ثلاثة رجال، الطبيب كوك والجنديين فوك وجرنجان، أناماهم في اقمصة الموتى بالحمى وفي دمائهم، فلم تصب الحمى أحدا منهم. إذن فالحمى لا تنتقل من ثياب المرضى ولا من قذرهم، وأنما من البعوض. وخشية أن تكون الحمى لم تصبهم لأنهم بطبيعتهم حصينون، حقنا أحدهم بدم مريض، وسلطا على الآخر بعوضة وبيئة، فجاءت الحمى كليهما

- 5 -

وبينا هذه التجارب تجري كان رجل غير جندي من أهيو كاسف البال حزينا. هذا جون موران الذي أنتصب له ريد قائما ورفع له يده بالسلام. تذكر انه تطوع (في سبيل العلم والإنسانية) ورفض بتاتا أن يأخذ أجرا، وقرصته بعوضة الحمى ذات الأقلام الفضية البيضاء، وبعد ذلك قرصته مرارا بعوضات مختارات تحمل السم نقيعا في بطنها، ولكنه صمد وا أسفاه لكل هذا وظل صحيحا سليما. فحار ريد ماذا يصنع به

ثم أسعده الخيال فقام فبنى له بيتا صغيرا ثانيا إلى جانب ذلك البيت الكريه الأول، وكان هذا البيت الجديد على نقيض جاره القديم. فكانت له نوافذ في قبالة الباب حتى يجري فيه الهواء، وكان باردا، وكان به سرير لطيف نظيف عقم فراشه بالبخار. وعلى الجملة كان منزلا ترضاه الصحة غاية الرضاء، فكأنما بني خصيصا لمسلول يعيش فيه ليطيب؛ وأقام في وسط البيت سترا من ثوب شف دقيق ضاقت فروج نسجه فلا تأذن لأصغر بعوضة أن تنفذ منها. ونال الستر من البيت عدا الحائطين سقفه وأرضه

وفي اليوم الحادي عشر من ديسمبر عام 1900 في الساعة الثانية عشر ظهرا دخل البيت موران بعد استحمام، وليس عليه من الثياب غير قميص فضفاض للنوم؛ ومضت خمس دقائق، فجاء ريد وكارول بوعاء من زجاج فتحاه في البيت فخرج منه خمس عشرة من بعوضات أنثيات عطشى تطن حنينا إلى شربة من دم. وكانت كل واحدة من هذه الخمس عشرة شربت في أيام مختلفات قبل هذا من دم صبية صفر الوجوه في مستشفى لاس انيماس

دخل موران إلى هذه الحجرة النظيفة الصغيرة بعد استحمامه في قميص واحد ورقد على سريرها النظيف وانتظر القدر الذي يكون. هذا موران، فهل يسمع به أحد من الناس الان؛ وبعد دقيقة طن البعوض حول رأسه. وبعد دقيقتين قرصه البعوض. وفي ثلاثين دقيقة كنت تراه راقدا سطيحا وفي جلده عدة وخزات وخزها إياه البعوض وهو صاغر مستسلم لا يؤذن له حتى شفاء غليله بدق هذا البعوض

وعاد للقرص في منتصف الساعة الخامسة من نفس اليوم، وعاد إليه مرة ثالثة في غد اليوم ليعطيني الفرصة لإناث البعوض التي لم تعثر عليه فتعضه، لتعثر عليه وتعضه حتى تشتفي منه. وكان إلى جانب موران في النصف الآخر من البيت شابان يعيشان فيه لا يفصلهما عن موران وعن بعوضه غير الستر الشفاف، وعاشا في هذا النصف ثمانية عشر شهرا في سلام

آما موران ففي صبيحة عيد الميلاد من عام 1900 استقبله العيد بالهدايا آلاتية: وجع ينبض في رأسه، وحمرة في عينيه يزيدها نور الشمس ألما، وهمود بلغ منه حتى عظامه؛ لقد هده البعوض شر هدة، وأطاح به حتى كان من الموت على قيد شعره؛ ثم آخذت الأقدار بيده فحمد الله ريد على انه اشتفى، ولكنه اشتفى ليعيش في خمول ذكر ما استحقه أبدا، وعلى كل حال فقد نال أمنيته - في سبيل العلم والإنسانية؛ والنتيجة انه هو وفوك وجرنجان وكوك وكل من تطوع معهم أو أوجر، كل هؤلاء اثبتوا أن البيت الأول بيت الكرب والهول خلا من البعوض فخلا من كل خطر برغم قذره، وأن البيت الجميل النظيف الثاني دخل إليه كل خطر برغم أناقته ونظافته. ووقع ريد أخيرا على جواب كل سؤال في معضلته الكبرى، وكتب في أسلوبه العتيق يقول: (إن أول شرط يجب توفره في بناء ليكون وبيئا بالحمى الصفراء أن يحل فيه بعوض عض من قبل مرضى بالحمى الصفراء)

كلمة ما ابسطها. وكلمة ما اصدقها. وانتهى الأمر وكان ما كان. وكتب ريد إلى زوجه: (أن الدعاء الذي بت أدعو الله إياه عشرين عاما: أن يكون من نصيبي بطريقة ما وفي وقت ما أن اخفف عن الإنسان شيئا من شقاء الإنسان، هذا الدعاء قد استجابه الله! وهذا العام الجديد يطل علينا، فآلف عام وآنت بخير يا عزيزتي. . . أنصتي! أنصتي! هؤلاء عشرون بواقا ينفخون أبواقهم معا يسترقدون العام القديم)

أم هم ينفخون أبواقهم تحية لازار! أم هم ينفخون أبواقهم احتفالا بالحمى الصفراء أن أمكن محوها من على ظهر الأرض! آم ينفخ هؤلاء الموسيقيون أبواقهم إنذارا بالقدر الخبيء الذي لن يلبث أن يجيء أفراد هذه البعثة الصغيرة بعيد ساعة نصرها بقليل. . .

- 6 -

وجاءت الدنيا إلى هبانا، وهتف هناك لريد. وجاء العلماء إلى هبانا واشتركوا في نقاشهم العابس وفي التساؤل والتشكك المعهود. ثم جاء وليم كروفورد جرجاس وكان رجلا مثل ريد لا يعاب، جاء إلى هبانا يتدرب استعدادا لصنيعه الأكبر الاخلد في بنما فدخل إلى ميازيب هبانا وإلى مجمعات مراحيضها والى أحواض مائها وشن فيها الغارة على البعوضة الاستيجيوميويه، وفي تسعين يوما خلصت المدينة من الوباء لأول مرة بعد قرنين فلم تقع فيها إصابة واحدة من الحمى الصفراء. انقلاب كأنه السحر، ولكن مع هذا بقي الشك يساور الأطباء والعلماء والنطاسيين ذوي اللحى العبوسة، في أوربا وأمريكا، فظلوا يسألون عن هذا، ويعيدون الكرة على هذا، فعل الذي لم يطمئن قلبه. . . وذات صباح دخل خمسون من هؤلاء الشكاكين بيت البعوض المذكور واخذوا يقولون: (أن هذه التجارب بارعة جميلة، ولكن نتائجها يجب أن تمحص وتوزن من غير عوج أو ميل. . .). وبينا هم فيما هم انكشف غطاء وعاء به بعض انثيات البعوض، انكشف بالطبع اتفاقا، فخرجت البعوضات منه وذهبت قدما إلى وجوه هؤلاء العلماء تطن طنينا وفي عيونها بسمة الخبيث ولهفة الجوعان. فوا حسرتاه على العلماء الإجلاء! طار الشك من قلوبهم، كما طارت أرجلهم بهم - إلى الباب. وارتد الستار بينهم وبين البعوض بقوة صاخبة تحكي عن قوة اقتناعهم بالذي قال ريد. ثم اتضح الأمر فإذا بالبعوض لم يكن لوث بالحمى

بعدئذ جاء جرجاس، وقد سبق ذكره، وجاء معه جون جتراس وكان كوبيا عمدة في الحمى الصفراء، وكانا كلاهما اقتنعا في الذين اقتنعوا بالتجارب التي أجريت في معسكر لازار، فاختطا الخطط لتطبيق نتائج هذه التجارب. وكانت خططا جميلة، ولكنها كانت مع الآسف سريعة نزقة. قالا: (أن من الغريب أن تلك الإصابات التي حدثت في معسكر لازار لم يمت أصحابها. إنها كانت إصابات ذات أعراض نموذجية من الحمى الصفراء، ولكن أصحابها اشتفوا منها وصحوا من بعدها. أفيكون سبب ذلك أن ريد لم يمهلهم على أرجلهم طويلا وبعث بهم إلى الفراش ليستريحوا سريعا). وبدا يلعبان بالنار. قالا: (سنأتي بنفر من المهاجرين الأسبانيين الذين وردوا حديثا، فهم غير حصينين، ثم نصيبهم بالحمى إصابة شديدة، ولكن على أسلوب ريد لتكون العاقبة مأمونة). هكذا فكرا وهكذا اختطا، وما كان ايسر محو الوباء بإبادة البعوض وهو من البعوض الأنيس الذي يسكن منازل الناس ويتناسل في أماكن بين ظهرانيهم غير خافية ولكنهما قالا: (وبهذا نكون أيضاً قد أعدنا تجارب ريد وخرجنا على نفس نتائجه فزدناها ثبوتا)

وجاءا بالمهاجرين، وكانوا قوما جهلاء لا يفقهون، أنصتوا للذي قالاه لهم واطمأنوا إلى أن الإصابة ستكون مأمونة العاقبة. ثم عض البعوض سبعة منهم، وعض ممرضة أمريكية شابة جسورة. فخرج من المستشفى من هؤلاء الثمانية مهاجران والممرضة، وقد أمن الثلاثة عواقب للمرض جديدة، وأمنوا عواقب الأمراض اجمع، وكل هم من هموم الدنيا. خرجوا محمولين على الأعناق والطبول تدق دقا بطيئا خافتا حزينا. . .

ألا ما كان ابرع ريد في بحثه. ألا ما كان أسعده حظا في بحثه - في تلك التجارب التي خلت من الموت في معسكر لازار. . .

واستولى الذعر على هبانا، وأخذت الجماهير تتجمع وتتحدث بالغضب اصطخابا، ومن ذا الذي يلومهم والحياة الإنسانية عند كل الناس غالية مقدسة

كان كارول قد عاد إلى هبانا ليقضي في بعض مسائل علمية صغيرة، وكان رجلا كالحنوطي ذهبت العاطفة من قلبه، وكان فوق ذلك جنديا. قال: (نحن الآن نستطيع أن نستأصل الحمى الصفراء فلا تكون، ونحن الآن نعلم بأي وسيلة تنتقل من رجل لرجل، ولكن الذي لا نعلمه هو الشيء الذي بسببها). هذا ما قاله كارول لريد، وهذا ما قاله ريد لكارول، ولابد من اعترافنا، واعتراف كل أحد معنا، بان الشيء الذي لم يعلماه بعد، والذي ظلا يعتزمان طلبه، إنما كان أمرا علميا محضا لا يهم إلا ممن يطلبون المعرفة للمعرفة. وأني أسألك أكان هذا أمرا من الخطورة بحيث يستحق ضياع الأرواح، ولو أرواح مهاجرين أسبانيين؟ أما أنا فلن أستطيع جواب هذا السؤال. وأما ريد وكارول فقد أجاباه بنعم. ولا عجب. فهما بدآ هذا الأمر جنديين يطيعان أمرا، وبدأه إنسانيين يخاطران بروحيهما في سبيل الإنسان، وآذنا للبعوض أن يصب سمة في جلديهما في سبيل المعرفة القاسية الباردة، ثم زهاهما المجد الذي يكون من كشف الغطاء عن كل مجهول. . .

وتأكد لديهما أن الوباء ليس بشلة ترى، أو أية مكروبة أخرى تريها اكبر المجاهر , لقد نظرا في أكبدة الناس وأحشاء البعوض طلبا لهذا المكروب عبثا. ولكن أمعنى هذا انه لا يوجد؟ كلا. فهناك احتمالات خفية أخرى. فهناك احتمال وجود نوع اصغر من المكروب دق حتى عن اكبر مكرسكوب لا يحسن وجوده إلا بقتل الرجال ونفث سمه الخفي فيهم، قد تكون هذه طبيعة مكروب هذه الحمى الصفراء. يؤيد هذا أن فريدريك لفلار، الرجل القديم ذا الشوارب الكبيرة، كشف عن وجود مثل هذه الأحياء في داء (الفم والقدم) الذي يصيب العجول. وود ريد وكارول أن يكشفا في الحمى الصفراء عن وجود مثل هذا المكروب الذي اخرج عن طوق المجاهر فلم تكتشفه

وكان ريد في شغل شاغل، فبعث كارول إلى هبانا يستطلع الامر، فلما جاءها غضب اشد الغضب لموت من مات في تجارب جتراس، وكان جتراس في هلع هالع ومن ذا الذي يلومه، فمنع كارول أن يستخرج دما من مرضى الحمى الصفراء. لا، لا. لا يمكن أن يستخرج دما ابدا. بل ولن يؤذن لكارول أن يعضهم ببعوضه. وزاد جتراس في سخفه ففضل إلا يفحص كارول حتى الجثث التي تموت خشية أن يثير هذا ثائرة السكان. فكتب كارول إلى ريد يقول: (. . . فتصور خيبتي في وسط هذا) وزاد فاستنكر مخاوف قوم جهال يتسخفون. على أن هذا لم يورثه الخيبة، فما مثل كارول يخيب

ولسنا ندري أي حيلة اعمل، وأي سحر استنجد حتى جاء بدم وبئ من مريض بالحمى، ورشحه في مرشح خزفي دقت مسامه حتى لا ينفذ منه المكروبات التي تريها المجاهر، واخذ السائل الراشح الذي نفذ من الخزف وحقنه تحت جلد ثلاثة رجال غير حصينين من الحمى - ولا يذكر التاريخ كيف أغراهم بالرضاء. فأصيب اثنان منهم. فصرخ صاحبنا صرخة الفرح: أن الحمى الصفراء مثل مرض (الفم والقدم) كلاهما ينشا عن أحياء بالغة الصغر تستطيع الإفلات من مرشح خزفي دقيق المسام وكتب ريد إلى كارول يقول: (كف عن قتل الناس فقد غلونا فيه)، ولكن أين الكف من كارول، فلابد له من الحصول على بعوض وبئ، وحصل عليه ببعض طرائقه الجريئة الشيطانية، وانتزع الرحمة من قلبه وقام بأخيرة تجاربه

وقال في صدد ما جرى: (لقد عضني البعوض ومرضت، وكنت انتظر الخاتمة تأتي في بحر سبعة أيام. ولكنها لم تأت، فاقتنعت كل الاقتناع بان قوة الإصابة تتوقف على قابلية المصاب اكثر منها على عدد القرصات. ففي التاسع من أكتوبر علم 1901 جمعت كل البعوض الوبيء الذي عندي، وكانت ثمان منها أتاها الوباء قبل ذلك بثمانية عشر يوما، وسلطتها عامدا على رجل غير حصين، فكانت الإصابة التي جاءته إصابة معتدلة). وختم مقاله ختام الفاخر المنتصر. ولك ماذا كان الحال لو أن هذا المريض مات، والله يعلم أن احتمال هذا كان كبيرا؟

هذه قصة هذه العصابة العجيبة، غريبة ما وسعت الغرابة. وإني لأعود بالذكر إلى الذي كان من هذا الباحث كارول، وأتصوره وقد عرت من الشعر رأسه، واحتجبت عيناه وراء منظاره، ثم اذكر انه كان حطابا قبل أن يكون بحاثا، ثم اذكر ما كان من جرأته الخارقة وقلة مبالاته بالعاقبة في أمر نفسه، فلا أتمالك أن ارفع قبعتي احتراما وإعجابا به بالرغم من اغرامه الشديد وإلحاحه في أن يتجسس عن أسرار الطبيعة في اخطر مخابئها. إن كارول كان أول رجل أصيب في هذا السبيل، وهو الذي سن السنة الأولى فاقتدى به الجنود الأمريكيون، وقفى على آثره الكاتب الملكي، وتشجع به المهاجرون الأسبانيون رقم 1، 2، 3، 4، 5، وحذا على حذوه البقية الباقية من هذا النفر الكريم الذي عرفنا أعمالهم وجهلنا أسماءهم - كل هذا في سبيل العلم وسبيل الإنسانية! ولعلك تذكر انه لما أصيب وقف قلبه أو كاد في سبيل العلم وفي سبيل الإنسانية. فهذا القلب الذي وقف أو كاد في عام 1900، ثم تشبث بعد ذلك بالحياة، عاد في عام 1907 فوقف وقفة لا حركة من بعدها. . .

- 7 -

وقبل ذلك بخمسة أعوام، أي في عام 1902، مات ريد وهو في عنفوان شبابه، وكان متعباً اشد التعب برغم صباه. مات وهتاف الأمم له يزداد اصطخابا. وهل تدري بأي علة مات؟ بالزائدة الدودية. ومات فقيرا. تمتم لصديقه كين وهو على سرير العمليات قبيل أن يهبط المخروط بالأثير على وجهه: (إني لم اترك لزوجتي ولابنتي من متاع الدنيا إلا القليل. . . القليل. . . القليل)، واسكت الأثير لسانه، وهبط به إلى الأخير من أحلامه

لنا الفخار في امتنا وفي مجلس امتنا، فنهم منحوا مدام املي لورانس ريد، زوجة الرجل الذي اقتصد للعالم ملايين الدولارات، دع ذكر الأنفس، منحوها منحة طبية، خمسمائة وألف دولار معاشا سنويا، ومنحوا مثلها لأرملة لازار، ومثلها لأرملة كارول، ولاشك أن هذا كانت فيه الكفاية لهن، بدليل أن لجنة من شيوخ المجلس قالت في غرابة وإبهام: (إن الأرامل لا يزال باب الرزق في وجوههن مفتوحا)

ولكن ما الذي جرى لكيسنجر، جندي اهيو، الذي غامر في التجربة وصمد فيها صمودا في سبيل العلم والإنسانية وحدهما؟ أن الحمى الصفراء لم تقتله. وانه رفض أن يأخذ أجرا عن آلامه وتخاطره. ولكنهم أخيرا وبعد الجهد أغروه بقبول خمس عشرة ومائة دولار وساعة من ذهب، أهديت أليه في حفل جنود معسكر كولومبيا وضباطه. انه لم يمت بالحمى، ولكن خرج سم الحمى من جسده ليدخل فيه ما هو شر منه: شلل زحف في جثمانه بطيئا. واليوم هو مقعد يعد الزمن مصابرة على عقارب ساعته، وهي من ذهب! وساعده الحظ أخيرا فجاءته زوجة طيبة تعوله من غسل الثياب للناس

وماذا جرى للقوم الآخرين؟ أن الوقت يضيق بي عن تناولهم. وفوق هذا فأنا لا ادري ماذا جرى لهم. لقد لقي كل واحد من هذا النفر قسمة مختلفة خصته بها المقادير. أي والله لقد كانوا زمرة من اغرب الزمر، قامت في تلك السنوات العشر بأعجب ما قام به صياد المكروب، وتوجت هذه الصيادة بأفخرها وأفخمها، وعملت بيد واحدة وقلب واحد في بحث وباء الحمى الصفراء حتى لم يبق من سمه وأنا اكتب هذا ما يغطي راس دبوس

قال دافيد بروس وهو محارب الموت القدير: (ليس بمستطاع في الوقت الحاضر أن نتخذ من أجسام الناس أداة للتجريب). فاليوم ماذا يقول بعد الذي كان!

احمد زكي