الرئيسيةبحث

مجلة الرسالة/العدد 177/في الموسيقى

مجلة الرسالة/العدد 177/في الموسيقى

بتاريخ: 23 - 11 - 1936


إلى الأستاذ محمد عبد الوهاب

للأستاذ محمد زروقي

سيدي الأستاذ:

لا أدري إذا كانت أعمالك الكثيرة تسمح لك بتوجيه بعض اهتمامك إلى ملاحظاتي الآتية، كذلك لا أدري إذا كانت وجهة نظري تبدو لك على صواب. وبالرغم من ذلك فأني أحسن الظن بك، وأسجل هنا أني آمل منك أن تتنازل لسماع صوت متواضع من بعيد لشخص من أكثر المعجبين بك والمتحمسين لك.

واسمح لي بادئ ذي بدء أن أوضح لك نقطة هامة راجياً منك العفو وحسن القبول.

وليس لي أن أوجه خطابي الجريء إلى الأستاذ محمد عبد الوهاب الذي ليس لي شرف معرفته المعرفة الكافية، ولكني أوجهه إلى فناني المفضل، إلى ذلك الذي كثيراً ما استمع إليه، إلى ذلك الذي يستطيع - كصديق حميم - أن يفتح لي قلبه بكرم فأرى وأميز قلبي منعكساً عليه.

وهنا يخيل إلى أن معرفتي الدقيقة بالفنان - وهي ترجع إلى مدة بعيدة - تحتم علي ألا أخفي عنه شيئاً، وإلا كانت بمثابة خيانة له. كما يخيل إلي أن تبادل الشعور يجعل لي الحق، وربما يتطلب مني البحث عن شئ من أخطائه والاحتجاج على بعض وسائله.

بعد ذلك أبدأ - إذا سمحت لي - بأن أعبر عن الأسف الذي يعتورني عندما اسمع بعض مقطوعاتك المشهورة مثل (في الليل) و (اللي انكتب) باللهجة المصرية، في حين أن لغة امرئ القيس والمتنبي هي التي كان يجب استعمالها إذا كنا نود أن نهدي إلى أحفادنا مثل هذه الأعمال الخالدة. فذلك الذي أودع (يا جارة الوادي) في أسطوانة يجب ألا يتقيد بحدود البحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط، وأن يظل ضمن الحدود التي اختطها الفراعنة (فماذا تهم الزجاجة نفسها ما دامت تسكرنا؟) وإني أشارك (نيتشه) رأيه الذي يقول بأن العاطفة يجب أن يعبر عنها الصوت دون غيره، وألا نعطي للكلام أكثر مما يستحق من الأهمية، ولذلك فأنني أعطي للموسيقى نفس المرتبة التي يضعها فيها المفكرون: تلك المرتبة التي تحلها محل الكلمات العاجزة عندما تكون هذه الأخيرة فقيرة وقاصرة أ مطالب الحساسية القوية.

الآن أنتقل إلى الغرض الأساسي من خطابي:

حاولت في بحث قصير كان موضوع إحدى المناقشات أن أوجه مقارنة بين الحساسية في الغرب وبينها في الوسط الذي أعيش فيه، وذلك عن طريق دراسة أقوى وسائل التعبير عنها - ألا وهي الموسيقى - ولكي أعزز مناقشتي لجأت إلى الأدب وتاريخه وشخصياته البارزة. وحينئذ أصبحت مدفوعاً إلى أن أقرر بأن الغرب قد تأخر إلى القرن التاسع عشر ليشهد ازدهار (المذهب الرومانتيكي) أي تلك الحركة الفكرية والفنية التي تشبه أدبنا إلى حد بعيد. ولذلك فان أوربا لم تخلق إلا حديثاً، وحديثاً جداً من يكمل ما بدأه عمر الخيام والمعري والفردوسي. فالنفثة الحزينة المؤلمة التي بعثها الفيلسوف شبنهور (1788 - 1860) هي التي ألهمت كل الموسيقيين الرومانتيكيين، هؤلاء الموسيقيين الذين عالجوا مسائل القدر المعقدة، وآلام الإنسانية المحكوم عليها بالعذاب. وإن أشهر زعماء المتشائمين الغربيين ليس لهم أن يعلمونا شيئاً، كما أن شوبان الذي قيل إن (توقيعاته ما هي إلا دموع متساقطة على أصابع البيانو) لم يصل مطلقاً إلى ما وصلت إليه أغانينا الحزينة حسب رأيي على الأقل.

ولا شك في أن الموسيقى ليست عالمية. فلن تستطيع أن تفهم (سيزار فرنك) كما يفهم نفسه أو كرجل مسيحي، ولا (بتهوفن) بدون دراسة عميقة للفلسفة الألمانية. وأني أحاول في حكمي أن أتناسى الآراء التي انتقلت إلي بالوراثة، وأن أتحاشى التحيز والتعصب في نقدي، وأنا لا أنكر إن هذا العمل يتطلب مني جهداً عظيماً، وتسامحاً كبيراً. ولكن دراستي المتواصلة والبعيدة عن المحاباة لشلر ومدام دستايل وشاتوبريان وبيرون وبودلير، الذين أذكرهم هنا كقادة المدرسة الرومانتيكية، لا ترسم لنا صورة جديدة أو أثر يكون أجنبياً عنا حقيقة.

بقى علينا أن تساءل في صراحة: أليس الموسيقى الغربية التي لا تسير إلا في المحيط النظري (الميتافيزيقي) أكثر تأخيراً من موسيقانا؟

إن أوروبا بمؤلفيها الموسيقيين في القرن التاسع عشر والقرن العشرين - برغم أعمال سترافنسكي - تُظهر تخبطاً لا نهاية له في محاولتها دراسة القضاء والقدر التي تتحكم في رقاب الناس. فاعتبار هذه الحالة درجة من الكمال تستحق أن تُحتذى كما يُحتذى التقدم العلمي ونظرياته تكون غلطة ما أقبحها من ذلك الشخص الموهوب الذي يصدح على ضفاف النيل. فالبحث كذلك عن مناح جديدة في الألحان الغربية واستخدام وسائل تعبيرها يعد منا رجعة إلى الوراء.

وقد ظهر لي أن محاولاتك نتجه يوماً بعد يوم نحو توافق الأصوات وإخراج مجموعة متنافرة منها في لحظة واحدة وبالتبعية محاولة التعبير عما يضطرم في نفسك بما تستخلصه من ذلك.

كانت النغمة الفردية الأوربية دائماً أبداً ضعيفة، فلا عجب أن نراها تلجأ إلى تلك الأصوات المتجمعة؛ هذه الأصوات تعبر عن أشياء متباينة، ولكنها تصدر في وقت واحد لتنتج من ذلك تآلفاً فيما بينها. ولا أدل على ضعف السلم الموسيقي الغربي من اقتصاره على استعمال النغمتين فقط (ويلاحظ أن النغمة المنخفضة ترجع إلى عرب أسبانيا) في حين أن الفرس في العصور الوسطى قد استعملوا ستاً وثلاثين نغمة وأن الأندلسيين استعملوا أربعين منها، وأن الشرقيين بعكس المؤلفين الموسيقيين الحديثين لم يجعلوا ألحانهم تعتمد على قدرة آلاتهم وعلى الأخص على وضع علامات لها.

وليست الرغبة في استعارة آلات موسيقية عجمية (كموسيقى اليد) إلا وقوعاً منا في نفس الخطأ الشنيع الذي وقعوا هم فيه وتجنباً منا على الموسيقى الشرقية.

ومهما كانت محاولاتك جريئة وتستحق الإعجاب فيجب أن تعرف - في رأيي المتواضع - كيفية الرجوع إلى مصادر الأشياء، وأن تتساءل عن ماهية العوامل التي تهيئ الخلود لفكرة ما، وأن تفكر في النتائج التي يصح أن تنتظرها من وراء هذا الاقتباس. وهنا يجب أن تعترف بأن قوانين الوراثة تلعب دور الهام: فأن (بولدييه) و (برليو) لا ينسبان فضل أعمالهما إلى نفسيهما فقط. . . . لأنهما رضعا ألحانهما من ثدي أميهما اللتين حصلتا عليها بدورهما ممن سبقوهما، وهما ليستا إلا حلقتين من سلسلة طويلة.

وليس من الغريب أن نرى وجوه الغربيين عندما يستمعون إلى موسيقانا وقد ارتسمت عليها تلك الابتسامة التي ترتسم على وجوهنا نحن عندما نستمع إلى الموسيقى الأولية. وهناك حقيقة أخرى أكثر خطراً، وهي أن الأوربيين لا يكادون يفهمون من أنغامنا الموسيقية إلا ما استعرناه منهم، وحيث أننا لم نوفق في استعارتنا فهم لا يحجمون عن الحكم على الجزء العربي منه بأنه رديء.

وهذا ما يدفعني إلى سرد أمثلة من خطواتك المحيرة غير الموفقة: (فبحارة الفلجا) أغنية روسية واقعية تعبر عن العذاب العقلي والجثماني الذي كان يعانيه سكان قلب روسيا، وقد أخذتها أنت بنفسك في فلم (الوردة البيضاء) وهو فلم شعري خالص: فالشقة بينهما بعيدة بعداً شاسعاً.

و (يا شراعاً) وهي قصيدة مقدمة إلى الملك فيصل عبارة عن نشيد يراد به مدح بلاد الرافدين، فهل يصح أن نقبل هذه النغمات التي تحرك العاطفة بدون شك، ولكنها خالية من الحمية والملاطفة التي يجب أن تكون عند مَن يريد أن يمدح ملكاً محبوباً يعجب به؟ ففي هذا النشيد نبحث عبثاً عن الحمية التي نراها في نشيد لمير بيير الذي فيه يعبر عن الكثير من العظمة والنبل.

وعندما ننعم النظر في مقطوعاتك الأخيرة نلاحظ في حسرة شديدة بأن (الحركة) قد زادت فيها كثيراً بحيث أن الأذن تتساءل في حيرة عما إذا كنت حقيقة الذي ملأت اسطوانة (أيها العلم الخفاق) رقم 99. 104.

فهل يجب علينا إذن ألا نستوحي شيئاً عن الموسيقى الغربية؟

لا بكل تأكيد. وليكن ذلك لمجرد الإطلاع فقط. فمن الضروري أن ندرس هوجو ولامرتين وشكسبير ورابندانا تاجور وإبسن وكبلنج وتولستوي وسرفنتس لكي نفهم الآداب العالمية، وهذه الدراسة ليست أقل لزوماً من إرسال أبنائنا إلى الخارج لتمضية بعض الوقت في (مدرسة الفنادق في جرينوبل) أو في معامل الاختبار للمراكز الصناعية في (بربي) و (برمنجهام) وفي الأحواض البحرية في (نانت) و (كيل).

ولكيي أعزز رأيي هذا أذكر الحقيقة التاريخية الآتية: عندما انتصر هارون الرشيد على الإمبراطورية نيقفور البيزنطي عام 806 ميلادية نص في معاهدة الصلح بينهما على شرط يلزم المغلوبين بتسليم العرب جميع المؤلفات التي خلفها القدماء والمحفوظات الموجودة في دور الكتب بالقسطنطينية القديمة. وقد برهن العاهل العربي مرة أخرى على ذكائه الفائق وفهمه للحقائق، فقدر أن شعبه يجب أن يتفهم ويستوعب سريعاً كل المعارف التي وقف السابقون على أسرارها، وأن العرب بدون مساعدة غيرهم لا يمكنهم تأسيس حضارة ثابتة؛ ولذا يجب عليهم أن يستعينوا بمن تقدموهم من مصريين وكلدانيين ويهود وفرس وهنود ويونانيين ورومانيين وقرطاجيين، وأن يتوفروا على دراسة أوراق البردي واللوحات وتماثيل الآلهة. فبعد أن درس العرب العصور السابقة أمكنهم أن يضيفوا معارف من سبقوهم إلى معارفهم الخاصة التي ستبقى على مدى الأيام.

وكذلك اليابان: فما الذي فعله حزب التجديد عندما تربع في دست الحكم عام 1868؟ لقد بدأ بدراسة مبادئ الأحزاب الأخرى في الدول المتمدينة.

فإذا تحدثنا عن القلب ونشاطه والحساسية وطرق التعبير عنها وجدنا الأمر هنا مختلفاً عن ذلك، وهذه النقطة الهامة هي محور بحثي: فالإحساس المتناهي ورد الفعل وتجسيم التأثيرات النفسانية لا يمكن أن تقارن بالمعارف التي يمكن اكتسابها.

وهناك نقوش فرعونية تذكر بعض النصائح الموجهة من أم إلى ولدها يوم أن عهدت به إلى أستاذه. وهناك نقوش أخرى تعبر عن مثال خالد: ذلك هو ألم الأشخاص المحكوم عليهم بالعمل اليومي الشاق المضني. فعليك أيها الأستاذ أن تبحث في زوايا التاريخ عن ألحان أكثر إنسانية! بل من السهل عليك أن تتخيل الأمهات في هذه العصور البعيدة وهن يهززن مهود أطفالهن بنفس المحبة والعناية والحنان التي تبديها أمهات العصر الحالي. أليس من الخطل والنفاق أن نعتبر وقع الألم النفساني الذي عاناه أسلافنا أخف على نفوسهم من وقعه علينا؟ وأني لا أجد صعوبة في أن أتخيل الألحان الجميلة التي كانوا يعبرون بها ويصورون عواطفهم التي تتوثب من الألم.

وللرجوع إلى الحديث عن محاولات التجديد أو فرنجة موسيقانا يمكنني أن أضرب مثلاً بأحد موسيقيينا الذي حاول منذ سنوات أن يعبر عن بعض مقطوعاتنا الشعرية بأوزان أوربية، فكان سبب نجاحه أنه قد استحدث شيئاً جديداً ولكنه كان نجاحاً قصير الأجل، وسرعان ما أسدل النسيان ستاره على هذه المحاولة وحسناً فعل. وقد بدأ مغنى الجزائر الحالي أو (كاروزو شمال أفريقية) كما أطلق على نفسه بإلقاء مقطوعات تحترم موسيقانا القديمة، ويجب علي أن أشير أثناء حديثي إلى أن طرق التلحين الأندلسية الأثنتي عشرة التي لا زالت مستعملة في المدن الرئيسة بشمال أفريقية ليست إلا مخلفات وبقايا بالية في حاجة إلى عيون عالم الآثار - وأقصد أذان رجل موسيقي - لنكشف في هذه البقايا عن عظمة المقطوعات التي كانت تردد تحت أبواب الحمراء المرمرية، أو تحت ظلال الأشجار الوارفة في أشبيلية وقرطبة.

ومهما يكن من شئ فإن استعمال هذه المخلفات القديمة لا يدخل كثيراً من التغير على قواعد الموسيقى، إذ أن في ذلك محافظة على تراثنا القديم.

ولكن للغرب سحره الأخاذ ما في ذلك من شك، لأن مغنينا الجزائري خضع لتأثير الأوبرا، واستمع بسرور إلى الألحان القصيرة من الأوبريت والصالات؛ تلك الألحان التي طغت شيئاً فشيئاً على مقطوعاته حتى أصبحنا الآن نلمس فيها أكبر فشل فني معيب.

وقد سارت المرحومة أنيسة يامنة الجزائرية في طريق مخالف لذلك كل المخالفة. فهذه الموسيقية انتهجت نهج الغناء القديم الذي يمكن تقدير أهميته، واستندت إلى شعورها النسوي القوي وخبرتها الموسيقية الطويلة. وكانت تذهب للإقامة بين أفراد الطبقة الفقيرة وبين العرب الرحل لتغترف من شعورهم البسيط الخالي من كل زخرف ثم تعود بمحصول غني متنوع وفير، وبعد ذلك تستسلم لتفكيرها ولأبحاثها وتستمع إلى نفسها وتستوحي صوت أجدادها ثم تترك قلبها يعبر عما في خلدها بألحان تخلب الألباب.

وأني أعرف الكثير عن الطريقة المخالفة لتلك التي يتبعها الأستاذ، وبمعنى آخر ترجمة الغربيين واقتباسهم لموضوعاتنا؛ وأسواق إليك هنا مثلاً مشهوراً لأوضح وجهة نظري: أقام المؤلف الموسيقي سان سانس حقبة طويلة في الجزائر، ولذلك يقوم مؤلفه المشهور (شمشون ودليلة) على طريقة التلحين الأندلسية (زيدان). ولا أتردد أن أضيف إلى هذا المثل مثلاً آخر فيما فعله ف. دافيد الذي أمكنه بعد رحلة طويلة إلى الشرق أن يخرج مؤلفيه: (الصحراء، ولالاروك). وكذلك فعلوا الأسبانيون وكذلك (بيزت) في (كارمن) (1870) وغير هؤلاء من الذين يدينون بالشيء الكثير إلى الأندلس في القرون الوسطى. ومثل هؤلاء أيضاً موسيقيي وسط أوربا مثل لست وشوبر وموزار وبعض موسيقيي أمريكا الجنوبية أيضاً الذين وجدوا في ألحاننا مورداً فياضاً لا ينضب.

والآن أعود متسائلاً إذا كان العكس ممكناً: فتقدم الموسيقى الغربية - في رأيي - قد بدأ يصل إلى درجة التشاؤم التي تكلمت عنها من قبل. وأني لا أفكر في لحظة في أن أحط من شأن (الأرلزين وفيدليو ولوهنجرين) ولا أريد إلا أن أضع كل موسيقي في الوضع المناسب له. وأني لا أذكر هنا ما قاله المسيو (أندريه كوردي) في مؤلفه (مشاهد الموسيقى العصرية): صراع دائم. . الموسيقى العربية تحتضر كل يوم باتصالها بالموسيقى الغربية؛ وستموت الموسيقى الشرقية إن عاجلاً وإن آجلاً إذا لم تثابر على مقاومة الموسيقى الأوربية الزاحفة عليها بموسيقى شرقية بحتة.

قد أكون فيما كتبته أعبر عن أمنية لي. فالفنان الكبير الذي لمصر فخر الاحتفاظ به، والذي له تلك المهارة الفائقة التي استطاع أن يهضم بها بعض القطع الخالدة في الموسيقى الرومانتيكية، لن يعجز بفضل ما وهبه الله من حسن اختيار أن يوفق في أعماله القادمة في مزج الموسيقى العربية بالإفرنجية بدلاً من المجهود الضائع في إخراج ثمرة غير ناضجة لا يهضمها الذوق العربي. وأني أتمنى له التوفيق المطرد والفوز العظيم.

(تلمسان)

محمد زروقي