الرئيسيةبحث

مجلة الرسالة/العدد 177/خطر الفاشستية على سلام العالم

مجلة الرسالة/العدد 177/خطر الفاشستية على سلام العالم

مجلة الرسالة - العدد 177
خطر الفاشستية على سلام العالم
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 23 - 11 - 1936


ومشكلة البحر الأبيض المتوسط

بقلم باحث دبلوماسي كبير

لم يبد خطر الفاشستية على سلام أوربا وسلام العالم كما يبدو اليوم؛ ولقد كان رأينا دائماً أن الفاشستية وما تقوم عليه من مبادئ العنف، وما يحدوها من الأطماع المضطرمة، وما تؤكده بأعمالها وتصريحاتها من احتقار لمبادئ الحق والعدالة الدولية، إنما هي مصدر دائم للشر والخطر على السلام، وبخاصة على الأمم الضعيفة التي تدين بوجودها واستقلالها لمبدأ الحق الطبيعي لا للقوة الغاشمة؛ بيد أن الفاشستية لم تبد من قبل بمثل هذه الجرأة المكشوفة، وهذا التحدي الواضح، وهذا التوثب لارتكاب العدوان والشر، وهذا الاستخفاف بحقوق الشعوب ومصايرها كما تبدو اليوم.

منذ أكثر من عام نظمت إيطاليا اعتداءها المثير على الحبشة، واستطاعت لا بحرب شريفة مشروعة، ولكن بوسائل همجية ممقوتة أن تقهر هذه الأمة المنكودة وأن تضمها لأملاكها، وان تقيم على أنقاض الحريات المغصوبة إمبراطورية استعمارية تصول بها اليوم؛ وفي الصيف الماضي استطاعت الفاشستية الإيطالية وحليفتها النازية الألمانية أن تضرما في أسبانيا نار ثورة مضطرمة، وما زالتا إلى اليوم تمدان العسكرية الثائرة بالسلاح وكل صنوف المعونة، وما زالت أسبانيا تتلظى في جحيم الحرب الأهلية، لأن الفاشستية والنازية تود كل منهما أن تحقق لنفسها ظفراً معنوياً يكون مظهره قيام حكومة طغيان فاشستية في أسبانيا على أنقاض الجمهورية، وظفراً مادياً يقوم بتحقيق بعض المصالح السياسية والعسكرية التي تطمح كل منهما إلى تحقيقها.

وكما أن مسألة البحر الأبيض المتوسط كانت أثناء الاعتداء الإيطالي على الحبشة مثار الخطر والاحتكار المستمر بين إيطاليا وبريطانيا العظمى، فكذلك تثير الحرب الأهلية الأسبانية مسألة البحر الأبيض المتوسط مرة أخرى، وتثيرها بصورة أدق وأوسع نطاقاً وأشد خطراً؛ وقد كانت الأزمة التي أثارت الحرب الحبشية في هذا البحر محلية في نوع ما لأنها كانت تتعلق بشرقية فقط، وتتعلق بالنزاع بين إيطاليا وبريطانيا على السيادة في هذه المياه، ولكن الأزمة التي تثيرها أسبانيا اليوم أزمة عامة شاملة، تتعلق بالتوازن في البح الأبيض المتوسط كله، وتدخل فيها فضلاً عن إيطاليا وبريطانيا العظمى، فرنسا وألمانيا.

وقد خطب السنيور موسوليني في ميلان أخيراً في سياسة إيطاليا العامة نحو المشاكل الأوربية المختلفة وكرر دعاوى إيطاليا القديمة على البحر الأبيض المتوسط، ووصفه بأنه بحيرة رومانية، وأنه يجب أن يكون في الواقع كذلك لولا أن بريطانيا تدعي فيه سيادة لا يحق أن تكون لها، ووجه الدعوة في خطاب إلى بريطانيا أن تتفاهم مع إيطاليا على قاعدة المساواة في الحقوق والمصالح؛ لأن كون بريطانيا تتخذ من هذا البحر طريقاً لأملاكها فيما وراء البحار، لا يجيز لها أن تدعي السيادة فيه والسيطرة على مياهه؛ وقرن السنيور موسوليني خطابه السياسي كالعادة ببعض التلميحات والتهديدات المسرحية، فأشار إلى عصبة الأمم بأنها حلم سخيف، وسخر من مشروع نزع السلاح ونظرية السلامة الإجماعية، وما إليها من مثل تأيد السلام؛ ولكن الحكومة البريطانية لم تلبث أن أجابت (الدوتشي) على مزاعمه ودعاويه؛ فذكرت أولاً في خطاب العرش الذي افتتح به البرلمان البريطاني، أن سياستها الدولية تقوم على تأييد عصبة الأمم وتدعيمها وإصلاحها لتتمكن من تأدية مهمتها، وأنها ما زالت تؤمن بالسلامة الإجماعية كوسيلة لتأيد السلام والتفاهم بين الأمم؛ وأما فيما يتعلق بالبحر الأبيض المتوسط، فقد ذكرت الحكومة البريطانية على لسان وزير خارجيتها مستر أيدن في مجلس العموم، أن بريطانيا العظمى تعتبر هذا البحر شرياناً من شرايين الإمبراطورية، وطريقاً حيوياً لتجارتها تدافع عنه بكل ما وسعت.

ألقى السنيور موسوليني خطابه الرنان غداة الاتفاق الذي عقد أخيراً بين إيطاليا وألمانيا، وكان من أهم نتائجه اعتراف ألمانيا بالإمبراطورية الإيطالية وسيادة إيطاليا على الحبشة، واتفاق الدولتين على اتخاذ خطة سياسية مشتركة في أواسط أوربا وشرقيها، وتحالفهما على مقاومة الخطر البلشفي الذي يزعج ألمانيا الهتلرية في كل لحظة؛ واتفاقهما على احترام استقلال النمسا إلى حين؛ ولم يكن هذا الاتفاق بين الدولتين الفاشستيتين مفاجأة في السياسة الدولية؛ فمن المعروف أن إيطاليا وألمانيا تجمع بينهما روابط خاصة أهمها اتفاق الوسائل والخطط، والاتحاد في كثير من المطامع والغايات، ولا سيما المطامع الاستعمارية؛ وقد كانت ألمانيا أول الدول المؤيدة لإيطاليا يوم اعتدائها على الحبشة، لأنها تجيش بمثل الأماني الإمبراطورية التي تجيش بها إيطاليا؛ هذا فضلاً عن اتحاد الدولتين في مناوأة عصبة الأمم، وسياسة نزع السلاح، وفي النزعة العسكرية، والخطط السياسية العنيفة.

والواقع أن المسألة الاستعمارية تلعب دوراً كبيراً في الأزمة الدولية الحاضرة، وفي أزمة البحر الأبيض بنوع خاص؛ فقد رأينا كيف بدأت هذه الأزمة وتفاقمت من جراء اعتداء إيطاليا على الحبشة ووقوف إنكلترا في وجه السياسة الإيطالية، وحشدها الدول بواسطة عصبة الأمم لتوقيع العقوبات الاقتصادية ضد إيطاليا؛ والآن وقد كلل اعتداء إيطاليا بالنجاح وفازت بامتلاك الحبشة، فأنها تتطلع إلى تحطيم المركز الممتاز الذي تستأثر به إنكلترا في البحر الأبيض المتوسط لكي تأمن على مواصلاتها مع إمبراطوريتها الأفريقية؛ ومن المحقق أن معونة إيطاليا للجنرال فرانكو زعيم الثورة الأسبانية لها صلة كبيرة بهذا المشروع الذي تحلم به إيطاليا؛ ذلك لأن قيام حكومة عسكرية فاشستية في أسبانيا موالية للسياسة الإيطالية، يهدد مركز إنكلترا في جبل طارق وفي غرب البحر الأبيض المتوسط، كما انه يعزز مركز إيطاليا ونفوذها في هذه المياه خصوصاً إذا ثبتت الأنباء القائلة بأن القوات الإيطالية تحتل الآن جزيرة ميورقة كبرى جزر البليار. وألمانيا تؤيد إيطاليا في هذا الموقف، وتعاون ثوار أسبانيا أيضاً، لأنها ترى في قيام الفاشستية في أسبانيا تقوية للجبهة الفاشستية التي تمثلها مع إيطاليا وإضعافاً للدول الديموقراطية: أعني فرنسا وإنكلترا في أوربا، كما أنها ترى في ظفر الفاشستية هزيمة لعدوتها روسيا السوفيتية التي تعاون الجبهة الجمهورية في أسبانيا وربما كانت ألمانيا إلى جانب ذلك ترى في التدخل في شؤون أسبانيا وغرب البحر الأبيض وسيلة لإثارة المسألة الاستعمارية التي تعلق عليها أهمية كبيرة.

وقد امتازت خطط الدولتين الفاشستيتين في العام المنصرم بالاندفاع والتحدي؛ وما زال السنيور موسوليني بالأخص يبرق ويتوعد في كل خطبه وتصريحاته، وينوه بقوة جيوشه واستعداداته وينذر أوربا بالويل إذا لم تنزل عند أطماعه ومطالبه؛ وما زالت إنكلترا وهي التي يخصها (الدوتشي) بأكبر قسط من الوعيد والتحدي تقابل الموقف بالرزانة والإغضاء، ماضيه في تقوية تسليحاتها في نفس الوقت في كل ما وسعت؛ كذلك نرى ألمانيا الهتلرية تنحو في خططها السياسية هذا النحو فتنقض المواثيق والعهود متى شاءت، وتلوح في كل فرصة باستعداداتها العسكرية؛ وفرنسا التي هي محور هذه الضربات تتلقاها في هدوء وتحاول مع حليفتها القديمة إنكلترا أن تذلل الصعاب والأزمات بالأساليب السياسية، وهي ماضية أيضاً في مضاعفة استعداداتها العسكرية العظيمة.

ومن المحقق أن الدول الغربية وعلى رأسها فرنسا وإنكلترا ترغب في السلام كل الرغبة، وتعمل على اتقاء خطر الحرب بكل ما وسعت؛ وكذلك لا ريب أن الفاشستية لا تبدي مثل هذا الحرص في المحافظة على السلام اجتناب أخطار الحرب؛ ولقد اندفعت إيطاليا وألمانيا خلال هذا العام إلى إثارة عدة أزمات دولية كانت كل منها تكفي لإضرام نار الحرب، فنقض ألمانيا لميثاق لوكارنو ومعاهدة الصلح، وغزو إيطاليا للحبشة وحملاتها العنيفة على إنكلترا، وعلى عصبة الأمم، وعملهما معاً على إضرام نار الحرب الأهلية في أسبانيا، كل هذه كانت وما تزال تثير كدراً في أفق السلام، وقد كادت في أكثر من فرصة أن تغدو خطراً حقيقياً على السلام.

وهذه النزعة الخطرة التي تندفع الفاشستية فيها دون تدبر للعواقب ترجع إلى حالة نفسية تستغلها الفاشستية؛ فالدول الغربية التي خرجت من الحرب بأكبر قسط من الغنيمة، والتي تبسط سلطانها على إمبراطوريات استعمارية شاسعة، وتستأثر بوفرة هائلة في المواد الأولية، تتمتع بمستوى مرتفع من الرخاء الاقتصادي، ولها صناعات مزدهرة، وتجارة خارجية عظيمة، وهي تحرص على ذلك كله، وتجانب الحرب ما استطاعت، لأن الحرب نذير الخراب البؤس الاقتصادي؛ وهذا مثل إنكلترا وفرنسا وبلجيكا؛ فهي دول (راضية) لا تود بحالتها بديلاً، أما الدول الفاشستية، أو بعبارة أخرى إيطاليا وألمانيا، فهما من الدول (غير راضية) لأنهما تعانيان حالة من البؤس الاقتصادي ولا تحتكمان على مقادير كافية من المواد الأولية، ولا تتمتعان بمقدار مرضي من الرخاء، فهما لذلك ساخطتان، تحقدان على الدول (الراضية)، وتودان تغيير هذا الحال والاستيلاء على بعض المستعمرات الغنية التي تكفل لهما الحصول على المواد الأولية؛ وإذا كانت الفاشستية تقوم في الداخل على العنف، فهي لا ترى أيضاً سوى العنف وسيلة لسياستها الخارجية، وهي تندفع بلا تدبر للعواقب، لأنها تعرف جيداً أن الدول (الراضية) أشد ما يكون زهداً في مقابلة العنف بالعنف، وأنها تعمل جهدها لاتقاء خطر الحرب؛ ولقد نجحت الفاشستية في استغلال هذه الحالة، وحققت لنفسها بالعنف ألواناً من الظفر، في ميدان السياسة والحرب، كغزو الحبشة؛ ولا تزال تسرف في الوعيد كلما لاح لها أمل في التهويل والاستغلال.

على أن الذي لا ريب فيه هو أن ألمانيا وإيطاليا مهما بلغتا اليوم من القوة لا تستطيعان الاضطلاع بحرب أوربية كبيرة، فكلتاهما تفتقد إلى المال والمواد الأولية، وأن كانت غنية بالرجال والأساليب الفنية؛ والحرب المعاصرة تقوم على المال والمادة كما تقوم على الفن والسواعد؛ ومن ثم كان تلهف ألمانيا على استرداد مستعمراتها وهي أمنية تبدو مستحيلة التحقيق على الأقل في الوقت الحاضر؛ ثم أنتيار الحوادث لا يستقر على حال، فها هي ذي الحرب الأسبانية تتطور في مصلحة الجمهوريين، والثورة تدنو إلىالفشل؛ وسيكون فشل الثورة الأسبانية ضربة أليمة ولكن عادلة للفاشستية التي أثارتها؛ والأحوال السياسية تتطور في أوربا الوسطى تطوراً سريعاً، ودول الاتفاق الصغير تنظر بعد خطبة الدوتشي في ميلان وما ورد فيها من إشارة إلى تعديل المعاهدات، إلى السياسة الإيطالية وغاياتها بمنتهى الريب، بل أن الاتفاق الذي عقد أخيراً بين ألمانيا وإيطاليا يبدو ضئيلاً مزعزع الأسس أمام التطورات الأخيرة في أوربا الوسطى؛ وها هي ذي إيطاليا رغم صياحها ووعيدها تؤثر أن تمد يدها إلى إنكلترا التي تمضي في تسليحاتها البحرية والجوية بخطى الجبابرة.

والخلاصة أن الفاشستية هي منبع الخطر على سلام أوربا، ففي إيطاليا وألمانيا تضطرم النار الخفية التي قد تثير ضرام الحرب في أي أزمة من الأزمات التي ما زالت الفاشستية تعمل على إثارتها بلا تدبر للعواقب؛ فإذا لم تنجح أوربا في كبح هذه النزعة الخطرة، فالويل للسلام الأوربي والحضارة الأوربية؛ بيد أن كل ما هنالك يدل على أن أوربا حريصة على سلامها وتراثها، وأنها لن تنحني أمام وعيد هتلر وموسوليني