الرئيسيةبحث

مجلة الرسالة/العدد 130/قصة المكروب كيف كشفه رجاله

مجلة الرسالة/العدد 130/قصة المكروب كيف كشفه رجاله

مجلة الرسالة - العدد 130
قصة المكروب كيف كشفه رجاله
[[مؤلف:|]]
بتاريخ: 30 - 12 - 1935


ترجمة الدكتور أحمد زكي وكيل كلية العلوم

كوخ رابع غزاة المكروب يكتشف مكروب السل

بدت لكوخ طلائع النجاح، فقضى أشهرا يؤكده بالعمل المتواصل، والتفصيل الممل، والصبر النادر، والدقة المتناهية، والحذر البعيد. تجد كل ذلك منه إذا أنت قرأت تجاربه المتكررة العديدة في تقريره التاريخي عن داء السل، وقد ولد من هذه البشلات ثلاثا وأربعين أسرة مختلفة، ولدها على فالوذج المصل في أنابيبه المائلة من القردة المسلولة والفئران والخنازير الغينية العليلة

ولم يستطع توليدها إلا من حيوانات أصابها السل أو ماتت من جرائه، وقضى أشهراً يرعى تلك القتلة الصغار رعى الحاضن ولدها، وكان أكبر همه ألا يدخلها من أخلاط المكروبات الضالة شيء

قال كوخ: (والآن إذ ولدت بشلاتي هذه خالصة، فلم يبق لي إلا أن أحقنها في خنازير غينية سليمة، بل في كل نوع من حيوان سليم. فإذا أصابها السل علمت علم اليقين أن هذه البشلات ضرورة لازمة لإحداثه، وأنها علته التي لا شبهة فيها)

وقام كالمجنون الذي يركب رأسه لفكرة ملكت عليه منافذ السبل، فقلب معمله فصار أشبه شيء بحدائق الحيوانات، وأصبح يتجهم للناس ويتهكم بزواره المتشوفين لما عنده حتى صار غولاً ألمانيا صغير الجرم حقوداً، وعقم عشرات المحاقن وحده، وزودها بمكروبه الأحدب من زريعاته التي على فلاذج أمصاله بعد أن دافه بقليل من الماء، ثم أطلق هذا المكروب من هذه المحاقن كالسهام في جلود الخنازير والأرانب والدجاج والجرذان والقردة والفئران. ثم زمجر فقال: (لا يكفي هذا. فلا بد من إطلاق هذا المكروب في أنواع من الحيوانات لا يعرف أن السل أصابها أبداً)، وخرج عن ألمانيا يطوف البلاد فجمع لمعمله. ثم عاد فحقن بشلاته، العزيزة عليه الشديدة على غيره، في سلاحف وعصافير وخمسة ضفادع وثلاثة من ثعابين الماء

وفي نوبة ذهب فيها عقله شاء أن يتمم تجريته الغريبة في سمكة مرجان

ومضت أيام تلو أيام، وتلاحقت الأسابيع، وفي كل يوم منها ذهب كوخ إلى (ورشته) الصباح واتجه تواً إلى أقفاصه وجراره التي احتوت هذه الحيوانات الخطيرة. أما سمكة المرجان فظلت تفتح فاها وتغلقه وهي تعوم عوم الوداع الآمن في طاسها الكبير ذي البطن العظيم. أما الضفادع فظلت تنق نقيق من لا يأبه لشيء. وأما ثعابين البحر فكانت على عهدها نشيطة رشيقة في انزلاقها على الماء، وأما السلاحف فكانت تخرج رأسها أحياناً من بيتها العظم وتطرف بعينها لكوخ كأنها تغمز به وتقول: (إن مكروبك يا سيدي العزيز غذاء صالح لنا، فهل لديك من مزيد؟)

سلمت هذه الحيوانات من محاقن كوخ، ولا عجب، فهي في حياتها العادية منيعة على السل. أما الخنازير الغينية فأخذت تميل ثم تتساقط على جنوبها تتلهف على الهواء وتستدر الرحمات ثم تموت وقد براها السل برياً شديداً

والآن وقد أتم كوخ آخر حلقة من البرهان الذي أراده، تهيأ ليعلن للدنيا أن البشلة التي هي سبب السل الحق قد اصطيدت، قد اكتشفت! وما كاد يهم بالإعلان حتى خطر له أن للبرهان ذيلاً لا بد من إتمامه. قال: إن الناس لا بد آخذة هذه البشلات استنشاقا مع تراب الهواء، أو لعلهم آخذوها من المسلولين إذ يسعلون. فليت شعري أتأخذه الحيوانات السليمة بهذه الطريقة أيضاً؟) وما عتم أن قلب وجوه الحيلة لإجراء هذه التجربة الخطرة. وارتأى أن يرش البشلات رشا في وجوه الحيوانات. وتلك مخاطرة من دونها فتح أبواب السجن لعشرات الألوف من القتلة السفاحين

ولكن كوخ كان مشبعاً بروح الصيد، فعرف أنه لا بد له من مواجهة الأخطار التي لا مندوحة لصياد عنها. فصنع صندوقا كبيرا في الجنينة ووضع فيه الخنازير الغينية والفئران والأرانب. وأوصل من شباك معمله خرطوماً ينتهي طرفه في الصندوق برشاشة. وقعد هو في معمله عند طرف الخرطوم الآخر يحرك مضخة ينبعث من تحريكها في الصندوق ضباب من البشلات قتال يستنشقه ما في الصندوق من حيوان، وقام كوخ يحرك المضخة نصف ساعة كل يوم طيلة ثلاثة أيام. وعند فوات عشرة أيام وجد ثلاثة من الأرانب تتنفس سريعاً في طلب هذا الهواء الغالي الذي عجزت رئاتها المريضة عن إعطائها إياه. ولم تمض خمسة وعشرون يوماً حتى كانت هذه الخنازير قامت هي أيضاً بنصيبها المتواضع من هذه المأساة المجيدة فمات الواحد تلو أخيه مسلولاً ولم يذكر لنا كوخ كيف صنع لاخراج هذه الحيوانات من صندوقها وقد عمه وعمها الوباء، ولم يحدثنا ما الذي صنعه بهذا البيت الصغير الذي بناه بعد أن ابتلت حيطانه بهذا الرشاش الفتاك. ولعمري لقد أضاع هذا البحاثة الهادئ المتواضع بصمته عن ذكر هذا فرصة ثمينة لمن همه الفخر وطلب المباهاة

(يتبع)

احمد زكي