الرئيسيةبحث

مجلة الرسالة/العدد 1017/من سير الخالدين

مجلة الرسالة/العدد 1017/من سير الخالدين

بتاريخ: 29 - 12 - 1952


حياة المازني

للأستاذ محمد محمود حمدان

(قد شببت عن الطوق جدا. ولكني مازلت أمت إلى طفولتي

بسبب قوي، وما انفكت أخراي معقودة بأولاها)

(المازني)

- 5 -

الكهولة الطفلة

كانت سنوات الشباب في حياة المازني فترة تجربة نفسية امتحن بها. ولقد طالت به هذه التجربة وخلفت نتائجها في كيانه وسريرته، وكان لها أثرها البعيد فيما عدل إليه من أسلوب الحياة ونهج التفكير.

بدأت هذه التجربة النفسية مع مطلع الحرب الكبرى، حين أصيب المازني بعرج في إحدى ساقيه؛ (وما كنت سكران ولا وقعت من سطح ولا زلت بي قدم، ولا شيء غير هذا مما يكسر العظام. ولكنما كانت زوجتي مريضة فأجريت لها عملية جراحية. وفي صباح اليوم التالي وقفت إلى سريرها وفي يمناي الدواء ممزوجا في كوب من الزجاج، وحاولت أن أرفعها بيسراي، وكان السرير عاليا وأنا قصير القامة فشببت فسمعت شيئا يطق فظننت الكوب قد انكسر، وتلفت أنظر فإذا هو في كفي سليم، فحاولت أن أدور على قدمي لأرى فإذا بساقي اليمنى تخذلني ولا تحملني فعلمت أن الصوت منها، ثم تبينت بعد ذلك أن حق الحرقفة هو الذي انكسر، وعولجت ثلاثة شهور، ولكن العلاج كان فيه بعض الخطأ فانحرفت عظمة الساق عن استقامتها فقصرت عن أختها فكان هذا العرج)

عند ذاك تغيرت الدنيا في عينيه، وأدركته الشيخوخة في عنفوان شبابه، وغمرته - كما يقول - مرارة كان يخيل إليه أنه يحسها على لسانه، وتملكنه السوداء والتشاؤم، وأصيب من جراء ذلك بالنيراستينيا. ولقد كانت هذه الحادثة أقسى ما يمكن أن يمتحن به معدن شاب مستوفز نزعات الإحساس، متعدد آفاق النفس؛ يستقبل الحياة بذخيرة من أحلام المجد والسعادة فتستقبله بطعنة نجلاء من طعنات المحنة والبلاء. فلا جرم ينطوي المازني على نفسه يعاقر الألم ويستمرئ الحرمان، صادفا عن الدنيا والناس ومناعم الحياة. ولقد ظل سنوات يجاهد العقدة النفسية التي طرأت عليه من هذا العرج ويعالجها بالتهوين والتخفيف، ولكن الحادثة كانت لا تفتأ تعاوده بذكراها الأليمة أو ذكراها المتجددة وهي بضعة منه لا تفارقه، فلا يفيد معها التهوين والتخفيف.

ثم كان مدى تلك التجربة، أو تلك المحنة، بعد أن وضعت الحرب أوزارها، حين عن له أن يترك التعليم ويلقي بنفسه إلى معترك الصحافة.

أغلق المدرسة التي كان يديرها، قبل أن تتصل أسبابه بالعمل الدائم في الصحف، وجاءت حوادث الثورة الوطنية وما قام في أعقابها من الاضطراب وعدم الاستقرار فتركته فترة بغير عمل. وكانت النيراستينيا كأحد ما تكون. وأحس أنه خليق أن يفقد أعصابه وتلح عليه وطأة المرض إذ لم يركن إلى الراحة والاستجمام ومجانبة التفكير، فسافر إلى الإسكندرية، وفي مأموله أن يوفق بعد ذلك إلى عمل هناك.

ويقول المازني (لم أكد أستقر في الإسكندرية حتى شعرت بحمى عصبية، ثم اتفق أن وجدت مع صديق لي رواية روسية مترجمة إلى الإنجليزية فسألته عنها فأثنى عليها، ولم أكن قد سمعت قبل ذلك باسم المؤلف فاشتقت أن أقرأها واستعرتها منه. وكانت وصية الأطباء لي ألا أكد خاطري أو أتعب رأسي بالقراءة أو الكتابة.

(قرأت هذه الرواية فلم أكد أفرغ منها حتى رأيتني قد انقلبت مخلوقا آخر: أعدتني روح بطلها بقوتها وبجرأتها على الحياة، وبالبساطة في مواجهة ما يقع له فيها، وباستقامة النظرة وسداد الاتجاه، فشفيت واستغنيت عن الأطباء والعقاقير، وما لبث أن كررت إلى ميدان العمل وبي من النشاط والثقة ما يكفي فيلقى بأسره).

تلك هي قصة سانين لمؤلفها الروسي ميخائيل أرتزيباشيف. وقد نقلها المازني إلى العربية ونشرها باسم (ابن الطبيعة) (1922) أداء لما لها من دين عليه.

ومن قراءات المازني في الأدب الروسي في ذلك الحين إلى جانب سانين، قصة إيفان تورجنيف المشهورة (الآباء وهي من أندر القصص في بابها وأصدقها تصوير للطبيعة الروسية في بعض جوانبها، وقد أصبح اسم بطلها بازاروف علما على المذهب الفكري والسياسي الذي ابتدعه تورجنيف ودعاه باسم النهلزم بمعنى الفوضوية أو العدمية.

ويذكر الأستاذ العقاد ما كان لقصة سانين من الإيحاء والتأثير في نفس المازني فيقول (لست أنسى هزة وجدانه بأفاعيل سانين مع إنكاره لتلك الحيوانية اللجوج التي مثله بها مؤلف القصة. . وأنه كان يردد بعض (لوازم) سانين في كلامه بعد قراءتها. ويقول العقاد (إن القصة الروسية من أقوى المؤثرات في نزعته التي جنح إليها بقوته كلها فيما نسميه بفلسفة الحياة).

والحق أن المازني كان أقرب ما يكون إلى خصائص أبطال القصة الروسية، من طراز سانين وبازاروف، الذين يواجهون الحياة بالاستخفاف وقلة المبالاة، ويعيشون بالقدرية ويعولون على مفاجآت الغيب وحساب المجهول، ويجمعون بين نقائض الطبائع الإنسانية، فلا يزالون أبدا مترددين بين الروحانية والجسدية، وبين الزهادة والطموح، وبين الكلبية المتهانفة والغرارة الساذجة. وقد عصمت المازني بيئته المحافظة ونشأته الدينية من أن يتأثر بالناحية الدنيا في تلك الخصائص الروسية، ووسعه أن يأخذ عنها أشبه تلك الخصائص به وأقربها إلى طبعه ومنحاه، وهي نزعة الاستخفاف وقلة المبالاة. فكانت هذه النزعة بعد سلاحه في مواجهة ما تأزمت به نفسه من أحداث تلك التجربة، وبقيت إلى آخر أيامه سلاحه في مواجهة الحياة، وبه غلبها ولم تغلبه.

وكأن ما امتحنته به تلك التجربة - من الإصابة بالعرج، ثم هجر التعليم والتعطل الذي أعقبه - كان من توفيقات المقادير التي تغم الحكمة فيها على الإنسان قبل أن تتبدى صفحتها من مستقرها في عالم المجهول.

كان المازني قد أوفى على الثلاثين، وشب عن الطوق جدا فيما يحس، وارتفع، كما يقول، (عن كل حداثة ارتفاعا أجلسني على ربوة الحياة حيث تنازع السحب الضياء)، ووقف يستقبل الكهولة التي طرق بابها قبل أن تطرق بابه، والتي تزود لها بزادين من عمل النشأة؛ فليس أقرب إلى الكهولة وألصق بها ممن يحرم في سنه وميعته قراه من الطفولة والشباب، ومن يدركه بلاء التجارب وهو غر لا يفيد منها غير الجهد والعناء.

وقد عرف القارئ كيف ودع المازني طفولته قسرا وقطعها وثبا، وكيف أكره نفسه على كبح عواطفها الساذجة وكبت نزعاتها البريئة في غير رفق أو رحمة. ولا شك أنه ظل منطويا على هذا الشعور بالحرمان من أسعد فترات الحياة وأنضر عهودها حتى جر عليه هذا الانطواء أن أضاع شبابه في بيداء السلبية ومهمة التشاؤم ومقارفة العزلة والتوحد وتلقي الحياة باحتفال الموسوس الممرور.

ثم كانت تلك التجربة النفسية وما طبعته عليه من مواجهة الحياة بالاستخفاف وقلة المبالاة، وكانت معها المعجزة الكبرى في حياة المازني الذي كان يشرف على الكهولة يوم ذاك.

أشرف على الكهولة ليجد نفسه من جديد أمام طفولته التي زايلته، تعاوده بأخص خصائصها في طابعها القديم، وإن تكن قد عادت ناضجة واعية أشد تمرسا بالحياة وأكثر فهما وتجربة.

وليس بالعسير تفسير هذا الارتداد أو هذه الرجعة إلى الطفولة، ولا يحوجنا الأمر فيما نرى إلى استشارة علم النفس التحليلي أو تطبيق مناهجه ومقاييسه فيما كتب علماؤه المحدثون، فهي ظاهرة طبيعية وليست حدثا خارقا أو شذوذا غير مألوف.

. . . طفل أكرهته الحياة على أن يكبت في نفسه كل إحساس بالطفولة - على فرط إحساسه بها - وأن يطرح عنه كل ما يمت إليها من دوافع ونزعات، فاستقرت طفولته في أعماقه مكبوتة أو مكرهة على الكبت، تترقب المناسبة التي تطفر فيها من قرارها وتلبس إهابها السليب.

وقد سنحت هذه المناسبة المرتقبة في حياة المازني بتصحيح النظرة إلى الحياة والنقلة من المبالاة والاحتفال إلى الاستخفاف وقلة الاكتراث، فعاودت طفولته ظهورها وعادت سيرتها، ولا بست بنية الكهل المجرب فيه روح الطفل الغرير.

صورتان جد مختلفتين: أولاهما صورة شاب يعارض الحياة معارضة الإذلال، ويثور عليها لأنه يباليها ويحفلها غاية المبالاة والاحتفال، ويتراءى في إهاب أقرب إلى الشيخوخة المنطوية لولا ما يتسم به من ثورة السخط والزراية على الحياة والأحياء.

والثانية سورة كهل يصدر في مطالبه ورغائبه وفي جده وهزله عن منازع هي منازع الطفولة في صميمها، بل تزيده السن فرط غرارة واندفاع وحماس. . كهل يركب الحياة بالسخرية والاستخفاف، ويسالمها غير مضطر أو مغلوب! أو هو يقلع عن معارضتها لأنه قد ملأ يديه منها، وكأنه يقول لها بلسان الحال إنني لا أحفلك ولا أباليك منذ الآن، فسيان أن نلتقي على حرب أو سلام، وعلى ود أو خصام، فعلى هذا وذلك نحن ملتقيان!

وقد قابل المازني بين هاتين الصورتين لذينك العهدين من حياته، ولم يخف عن نفسه، ولا عن الناس، موقع هواه وموضع ميله منهما. ونحن نؤثر أن ننقل هنا معالم الصورتين كما خرجتا عنه، مع تفسيره الذي ارتاح إليه في تعليل رأيه؛ فهو يقول:

(الكهولة والشباب عهدان مختلفان في كل شيء، ولك أن تقول إنهما يجعلان من الإنسان الواحد إنسانيين متميزين، لا يشبه أحدهما صاحبه، لا في المخبر ولا في المظهر. فأنا في كهولتي إنسان جديد من كل وجه، لا يشبه ذلك الإنسان القديم الذي كان أيام الشباب، فقد ذهب ذلك الإنسان إلى غير رجعة، وذهب معه كل ما كان له من خصائص وصفات وسمات ومعارف ونزعات وآمال وألام ومخاوف ومطامع وشهوات إلى آخر ذلك، وحل محله هذا الكهل الذي يدلف إلى الشيخوخة).

(ولك أن تقول أيضاً إن الشباب والكهولة معنيان في النفس. فإن منا من يخطئ معنا الشباب في عهده المألوف ثم يجده في غير أوانه. وهذا ما وقع لي، فما عرفت معنا الشباب، ولا ركبت به ما يركب الناس به، لأني امتحنت في صدر حياتي وغضونة سني بما تركني أحس كأن الدهر كله عمري. ودارت الأيام وكبرت، وازددت بالدنيا وبالناس معرفة وبنفسي أيضا، فإذا كل شيء يتغير، التشاؤم انقلب تفاؤلا واستبشارا، والضغن أصبح عطفا ورقة قلب وحبا للحياة والناس، وكنت أضنني لن يطول عمري وأحمد الله على هذا وأسأله في سري أن يعجل بالراحة الكبرى وإن كنا لن ندري بأنا فزنا بها، فإذا بي واثق أني سأكون من المعمرين جدا، وإذا بي قد صرت أحرص الناس على حياتي، بل إذا بي أشعر شعورا قويا أني رددت شابا وإن كان رأسي قد شاب ولم يبق فيه سواد، وأذهلني هذا الشعور المستغرق عن سني التي لا تكف عن الارتفاع)

وإذا كان لنا أن نعقب على هذه المقابلة الصادقة بشيء، فهو إن ذينك العهدين، في حياة المازني وأدبه، قريب من قريب، وإن عهد الشباب والثورة ومعارضة الحياة كعهد الكهولة الطفلة المجرب؛ قوة إحساس وفيض عاطفة وشعور.

فلم يكن المازني الشاب ليعارض الحياة أو يتنكر لها إلا وهو متعلق الرجاء بها قوي الرغبة فيها. وما كان سخطه وثورته إلا دالة يدل بها الشباب على الحياة فلا تتجاوز التبسط في المغاضبة أو العتاب إلى الحنق والتنديد والمجافاة.

بلى. وذلك الشاب الذي كان قلبه ينبض أبدا بأشواق العاطفة وصورة الإحساس، والذي لم تهدأ فيه حيوية الشباب قط، لقد كان أقرب إلى الحياة وأتعرف بها وأوفر نصيبا منها من كثيرين لا يدينون بسخطه ولا يحسون مثل قلقه وثورته.

منذ ذلك العهد - عهد إيحاء سانين - لم يحي المازني في غير عالم الطفولة الخالدة. ولقد تقلبت به الحياة وتقلبت عليه التجارب فما كانت لتمر به إلا كما تمرق الأعاصير من بين قلل الأطواد الشامخة ثم تنكفئ عنه، كما تنكفئ الموجة العتية عن الصخر الركين.

في عالم الطفولة الخالدة عاش المازني أعوامه الثلاثين التي تقضت بين بدء عهده بالكهولة ووفاته، فكانت خلاصة العمر وصفوته ولبابه، وكأنما كان إيذان ذلك العهد بمثابة ميلاد جديد بأديبنا العظيم، وإن سبق مجيئه إلى الدنيا قبل ذلك بأعوام طوال.

محمد محمود حمدان