الرئيسيةبحث

قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة/الصفحة الرابعة


وقد روي عنه ﷺ أنه قال: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" رواه الحاكم في صحيحه.

وقد ثبت عنه في الصحيح ﷺ أنه قال: "اليد العليا خير من اليد السفلى".

وقال: "اليد العليا هي المعطية واليد السفلى السائلة ".

وهذا ثابت عنه في الصحيح. فأين الإحسان إلى عباد الله من إيذائهم بالسؤال والشحاذة لهم؟.

وأين التوحيد للخالق بالرغبة إليه والرجاء له والتوكل عليه والحب له من الإشراك به بالرغبة إلى المخلوق والرجاء له والتوكل عليه وأن يحب كما يحب الله؟

وأين صلاح العبد في عبودية الله والذل له والافتقار إليه من فساده في عبودية المخلوق والذل له والافتقار إليه؟.

فالرسول ﷺ أمر بتلك الأنواع الثلاثة الفاضلة المحمودة التي تصلح أمور أصحابها في الدنيا والآخرة، ونهى عن الأنواع الثلاثة التي تفسد أمور أصحابها، ولكن الشيطان يأمر بخلاف ما يأمر به الرسول، قال تعالى [1]: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لاَ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ* وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ* وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ}، وقال تعالى [2]: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَ مَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْغَاوِينَ}، وقال تعالى [3]: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ* إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ* إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ}، وقال تعالى [4]: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَانِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ* وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنْ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ}، وذكر الرحمن هو الذكر الذي أنزل الله على رسوله الذي قال فيه [5]: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}، وقال تعالى [6]: {قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى* وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى* قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا* قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى}، وقد قال تعالى [7]، {المص* كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ* اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ}، وقد قال تعالى [8]: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ* اللهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ}، وقال تعالى [9]: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الأيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ* صِرَاطِ اللهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ أَلاَ إِلَى اللهِ تَصِيرُ الأمُورُ}.

فالصراط المستقيم هو ما بعث الله به رسوله محمدا ﷺ بفعل ما أمر، وترك ما حظر، وتصديقه فيما أخبر، لا طريق إلى الله إلا ذلك. وهذا سبيل أولياء الله المتقين وحزب الله المفلحين وجند الله الغالبين، وكل ما خالف ذلك فهو من طرق أهل الغي والضلال، وقد نزه الله تعالى نبيه عن هذا وهذا فقال تعالى [10]: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى* مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى* وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلاَ وَحْيٌ يُوحَى} وقد أمرنا الله سبحانه أن نقول في صلاتنا: {اهدنا الصراط المستقيم* صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين}.

وقد روى الترمذي وغيره عن عدي بن حاتم عن النبي ﷺ أنه قال: "اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون". قال الترمذي: حديث صحيح.

وقال سفيان بن عيينة: كانوا يقولون من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود، ومن فسد من عُبَّادنا ففيه شبه من النصارى.

وكان غير واحد من السلف يقول: احذروا فتنة العالم الفاجر والعابد الجاهل، فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون.

فمن عرف الحق ولم يعمل به أشبه اليهود الذين قال الله فيهم [11]: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}.

ومن عبد الله بغير علم بل بالغلو والشرك أشبه النصارى الذين قال الله فيهم [12]: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ}.

فالأول من الغاوين، والثاني من الضالين؛ فإن الغي اتباع الهوى، والضلال عدم الهدى، قال تعالى [13]: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنْ الْغَاوِينَ* وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصْ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}، وقال تعالى [14]: {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لاَ يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ}. ومن جمع الضلال والغي ففيه شبه من هؤلاء وهؤلاء. نسأل الله تعالى أن يهدينا وسائر إخواننا صراط الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.


فصل

إذا عرف هذا فقد تبين أن لفظ "الوسيلة" و "التوسل" فيه إجمال واشتباه يجب أن تعرف معانيه، ويعطى كل ذي حق حقه، فيعرف ما ورد به الكتاب والسنة من ذلك ومعناه، وما كان يتكلم به الصحابة ويفعلونه ومعنى ذلك.

ويعرف ما أحدثه المحدثون في هذا اللفظ ومعناه فإن كثيرا من اضطراب الناس في هذا الباب هو بسبب ما وقع من الإجمال والاشتراك في الألفاظ ومعانيها حتى تجد أكثرهم لا يعرف في هذا الباب فصل الخطاب.

فلفظ الوسيلة مذكور في القرآن في قوله تعالى [15]: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ} وفي قوله تعالى [16]: {قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا}.

فالوسيلة التي أمر الله أن تبتغى إليه وأخبر عن ملائكته وأنبيائه أنهم يبتغونها إليه هي ما يتقرب به إليه من الواجبات والمستحبات.

فهذه الوسيلة التي أمر الله المؤمنين بابتغائها تتناول كل واجب ومستحب، وما ليس بواجب ولا مستحب لا يدخل في ذلك سواء كان محرما أو مكروها أو مباحا.

فالواجب والمستحب هو ما شرعه الرسول فأمر به أمر إيجاب أو استحباب، وأصلُ ذلك الإيمان بما جاء به الرسول.

فجماع الوسيلة التي أمر الله الخلق بابتغائها هو التوسل إليه باتباع ماجاء به الرسول، لا وسيلة لأحد إلى ذلك إلا ذلك.

والثاني لفظ "الوسيلة" في الأحاديث الصحيحة كقوله ﷺ: "سلوا الله لي الوسيلة فإنها درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا ذلك العبد. فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه شفاعتي يوم القيامة".

وقوله: "من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته إنك لا تخلف الميعاد، حلت له الشفاعة".

فهذه الوسيلة للنبي ﷺ خاصة. وقد أمرنا أن نسأل الله له هذه الوسيلة، وأخبر أنها لا تكون إلا لعبد من عباد الله وهو يرجو أن يكون ذلك العبد، وهذه الوسيلة أمرنا أن نسألها للرسول وأخبر أن من سأل له هذه الوسيلة فقد حلت عليه الشفاعة يوم القيامة لأن الجزاء من جنس العمل، فلما دعوا للنبي ﷺ استحقوا أن يدعو هو لهم، فإن الشفاعة نوع من الدعاء كما قال: إنه من صلى عليه مرة صلى الله عليه بها عشرا.

وأما التوسل بالنبي ﷺ والتوجه به في كلام الصحابة فيريدون به التوسل بدعائه وشفاعته.

والتوسل به في عرف كثير من المتأخرين يراد به الإقسام به والسؤال به كما يقسمون ويسألون بغيره من الأنبياء والصالحين ومن يعتقدون فيه الصلاح.

وحينئذ فلفظ التوسل به يراد به معنيان صحيحان باتفاق المسلمين، ويراد به معنى ثالث لم ترد به سنة.

فأما المعنيان الأولان - الصحيحان باتفاق العلماء -

فأحدهما: هو أصل الإيمان والإسلام وهو التوسل بالإيمان به وبطاعته.

والثاني: دعاؤه وشفاعته كما تقدم.

فهذان جائزان بإجماع المسلمين.

ومن هذا قول عمر بن الخطاب: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا توسلنا إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا. أي بدعائه وشفاعته.

وقوله تعالى [17]: {وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ} أي القربة إليه بطاعته. وطاعةُ رسوله طاعته، قال تعالى [18]: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاع الله}.

فهذا التوسل الأول هو أصل الدين، وهذا لا ينكره أحد من المسلمين.

وأما التوسل بدعائه وشفاعته - كما قال عمر - فإنه توسل بدعائه لا بذاته، ولهذا عدلوا عن التوسل به إلى التوسُّل بعمه العباس ولو كان التوسل هو بذاته لكان هذا أولى من التوسل بالعباس، فلما عدلوا عن التوسل به إلى التوسل بالعباس علم أن ما يفعل في حياته قد تعذر بموته، بخلاف التوسل الذي هو الإيمان به والطاعة له فإنه مشروع دائما.

فلفظ التوسل يراد به ثلاثة معان:

أحدهما: التوسل بطاعته، فهذا فرض لا يتم الإيمان إلا به.

والثاني: التوسل بدعائه وشفاعته، وهذا كان في حياته ويكون يوم القيامة يتوسلون بشفاعته.

والثالث: التوسل به بمعنى الإقسام على الله بذاته والسؤال بذاته، فهذا هو الذي لم تكن الصحابة يفعلونه في الاستسقاء ونحوه، لا في حياته ولا بعد مماته، لا عند قبره ولا غير قبره، ولا يعرف هذا في شيء من الأدعية المشهورة بينهم، وإنما ينقل شيء من ذلك في أحاديث ضعيفة مرفوعة وموقوفة أو عن من ليس قوله حجة كما سنذكر ذلك إن شاء الله تعالى.

وهذا هو الذي قال أبو حنيفة وأصحابه: إنه لا يجوز، ونهوا عنه حيث قالوا: لا يُسأل بمخلوق، ولا يقول أحد: أسألك بحق أنبيائك.

قال أبو الحسين القدوري في كتابه الكبير في الفقه المسمى بشرح الكرخي في باب الكراهة: وقد ذكر هذا غير واحد من أصحاب أبي حنيفة.

قال بشر بن الوليد حدثنا أبو يوسف قال: قال أبو حنيفة: لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به. وأكره أن يقول: "بمعاقد العز من عرشك" أو "بحق خلقك". وهو قول أبي يوسف. قال أبو يوسف: بمعقد العز من عرشه هو الله فلا أكره هذا، وأكره أن يقول بحق فلان أو بحق أنبيائك ورسلك وبحق البيت الحرام والمشعر الحرام.

قال القدوري: المسألة بخلقه لا تجوز لأنه لا حق للخلق على الخالق فلا تجوز وفاقا.

وهذا الذي قاله أبو حنيفة وأصحابه من أن الله لا يسأل بمخلوق له معنيان:

أحدهما: هو موافق لسائر الأئمة الذين يمنعون أن يقسم أحد بالمخلوق، فإنه إذا منع أن يقسم على مخلوق بمخلوق، فَلأنْ يمنع أن يقسم على الخالق بمخلوق أولى وأحرى.

وهذا بخلاف إقسامه سبحانه بمخلوقاته كالليل إذا يغشى، والنهار إذا تجلى، والشمس وضحاها، والنازعات غرقا، والصافات صفا.

فإن إقسامه بمخلوقاته يتضمن من ذكر آياته الدالة على قدرته وحكمته ووحدانيته ما يحسن معه إقسامه، بخلاف المخلوق فإن إقسامه بالمخلوقات شرك بخالقها كما في السنن عن النبي ﷺ أنه قال:

"من حلف بغير الله فقد أشرك" وقد صححه الترمذي وغيره، وفي لفظ "فقد كفر" وقد صححه الحاكم.

وقد ثبت عنه في الصحيحين أنه قال: "من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت" وقال: "لا تحلفوا إلا بالله".

وقال: "لا تحلفوا بآبائكم فإن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم".

وفي الصحيحين عنه أنه قال: "من حلف باللات والعُزَّى فليقل: لا إله إلا الله".

وقد اتفق المسلمون على أنه من حلف بالمخلوقات المحترمة أو بما يعتقد هو حرمته كالعرش والكرسي والكعبة والمسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجد النبي ﷺ والملائكة والصالحين والملوك وسيوف المجاهدين وترب الأنبياء والصالحين وأيمان السذق وسراويل الفتوة وغير ذلك لا ينعقد يمينه ولا كفارة في الحلف بذلك.

والحلف بالمخلوقات حرام عند الجمهور وهو مذهب أبي حنيفة، وأحد القولين في مذهب الشافعي وأحمد. وقد حكي إجماع الصحابة على ذلك. وقيل: هي مكروهة كراهة تنزيه.

والأول أصح حتى قال عبد الله بن مسعود وعبد الله ابن عباس وعبد الله بن عمر: لأن أحلف بالله كاذبا أحب إليَّ من أن أحلف بغير الله صادقا. وذلك لأن الحلف بغير الله شرك، والشرك أعظم من الكذب.

وإنما يعرف النزاع في الحلف بالأنبياء، فعن أحمد في الحلف بالنبي ﷺ روايتان:

إحداهما: لا ينعقد اليمين به كقول الجمهور؛ مالك وأبي حنيفة والشافعي.

والثانية: ينعقد اليمين به واختار ذلك طائفة من أصحابه كالقاضي وأتباعه، وابن المنذر وافق هؤلاء.

وقصر أكثر هؤلاء النزاع في ذلك على النبي ﷺ خاصة، وعدَّى ابن عقيل هذا الحكم إلى سائر الأنبياء.

وإيجاب الكفارة بالحلف بمخلوق وإن كان نبيًّا قول ضعيف في الغاية مخالف للأصول والنصوص فالإقسام به على الله - والسؤال به بمعنى الإقسام - هو من هذا الجنس.

وأما السؤال بالمخلوق إذا كانت فيه باء السبب ليست باء القسم - وبينهما فرق - فإن النبي ﷺ أمر بإبرار القسم.

وثبت عنه في الصحيحين أنه قال: "إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره" قال ذلك لما قال أنس بن النضر: أتكسرُ ثنية الربيع؟ قال: لا والذي بعثك بالحق لا تكسر سنها. فقال: "يا أنس كتابُ. الله القصاص"، فرضي القوم وعفوا، فقال ﷺ: "إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره".

وقال: "ربَّ أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره" رواه مسلم وغيره.

وقال: "ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كل ضعيف متضعف، لو أقسم على الله لأبره. ألا أخبركم بأهل النار كل عُتُلّ جوّاظ مستكبر".

وهذا في الصحيحين وكذلك [حديث] أنس بن النضر والآخر من أفراد مسلم.

وقد روى في قوله: "إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره" أنه قال: "منهم البراء بن مالك".

وكان البراء إذا اشتدت الحرب بين المسلمين والكفار يقولون: يا براء، أقسم على ربك. فيقسم على الله فينهزم الكفار. فلما كانوا على قنطرة بالسوس قالوا: يا براء أقسم على ربك. فقال: يارب أقسمت عليك لما منحتنا أكتفاهم وجعلتني أول شهيد. فأبر الله قسمه فانهزم العدو واستشهد البراء بن مالك يومئذ. وهذا هو أخو أنس بن مالك، قتل مائة رجل مبارزة غير من شرك في دمه، وحمل يوم مسيلمة على ترس ورمي به إلى الحديقة حتى فتح الباب.

والإقسام به على الغير أن يحلف المقسم على غيره ليفعلن كذا؛ فإن حنثه ولم يبر قسمه فالكفارة على الحالف لا على المحلوف عليه عند عامة الفقهاء، كما لو حلف على عبده أو ولده أو صديقه ليفعلن شيئا ولم يفعله فالكفارة على الحالف الحانث.

وأما قوله: "سألتك بالله أن تفعل كذا" فهذا سؤال وليس بقسم، وفي الحديث "من سألكم بالله فأعطوه" ولا كفارة علىهذا إذا لم يجب سؤاله.

والخلق كلهم يسألون الله مؤمنهم وكافرهم، وقد يجيب الله دعاء الكفار؛ فإن الكفار يسألون الله الرزق فيرزقهم ويسقيهم، وإذا مسهم الضر في البحر ضل من يدعون إلا إياه، فلما نجاهم إلى البر أعرضوا وكان الإنسان كفورا.

وأما الذين يقسمون على الله فيبر قسمهم فإنهم ناس مخصوصون.

فالسؤال كقول السائل لله: أسألك بأن لك الحمد أنت الله المنان بديع السموات والأرض ياذا الجلال والإكرام.

وأسألك بأنك أنت الله الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد.

وأسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك.

فهذا سؤال الله تعالى بأسمائه وصفاته، وليس ذلك إقساما عليه، فإن أفعاله هي مقتضى أسمائه وصفاته، فمغفرته ورحمته من مقتضى اسمه الغفور الرحيم، وعفوه من مقتضى اسمه العفو. ولهذا لما قالت عائشة للنبي ﷺ: إن وافقتُ ليلة القدر ماذا أقول؟ قال: "قولي: اللهم إنك عفوٌّ تحب العفو فاعف عني".

وهدايته ودلالته من مقتضى اسمه الهادي، وفي الأثر المنقول عن أحمد بن حنبل أنه أمر رجلا أن يقول: يادليل الحيارى دلني على طريق الصادقين، واجعلني من عبادك الصالحين.

وجميع ما يفعل الله بعبده من الخير من مقتضى اسمه الرب، ولهذا يقال في الدعاء: يارب يارب كما قال آدم [19]: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ}، وقال نوح [20]: {قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنْ الْخَاسِرِينَ} وقال إبراهيم [21]: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ...} وكذلك سائر الأنبياء.

وقد كره مالك وابن أبي عمران من أصحاب أبي حنيفة وغيرهما أن يقول الداعي ياسيدي ياسيدي وقالوا: قل كما قالت الأنبياء، رب رب.

واسمه الحي القيوم يجمع أصل معاني الأسماء والصفات كما قد بسط هذا في غير هذا الموضع، ولهذا كان النبي ﷺ يقوله إذا اجتهد في الدعاء.

فإذا سئل المسئول بشيء - والباء للسبب - سئل بسبب يقتضي وجود المسئول، فإذا قال: أسألك بأن لك الحمد أنت الله المنان بديع السموات والأرض، كان كونه محمودا منانا بديع السموات والأرض يقتضي أن يمن على عبده السائل، وكونه محمودا هو يوجب أن يفعل ما يحمد عليه، وحمد العبد له سبب إجابة دعائه.

ولهذا أمر المصلي أن يقول "سمع الله لمن حمده" أي استجاب الله دعاء من حمده، فالسماع هنا بمعنى الإجابة والقبول كقوله ﷺ: "أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعاء لا يسمع" أي لا يستجاب.

ومنه قول الخليل في آخر دعائه [22]: {إن ربي لسميع الدعاء}، ومنه قوله تعالى [23]: {وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ}، وقوله [24]: {وَمِنْ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ} أي يقبلون الكذب ويقبلون من قوم آخرين لم يأتوك أي لم يأتك أولئك الأقوام، ولهذا أمر المصلي أن يدعو بعد حمد الله بعد التشهد المتضمن الثناء على الله سبحانه.

وقال النبي ﷺ لمن رآه يصلي ويدعو ولم يحمد ربه ولم يصل على نبيه فقال: "عَجِلَ هذا" ثم دعاه فقال: "إذا صلى أحدكم فليبدأ بحمد الله والثناء عليه وليصل على النبي ﷺ وليدع بعد بما شاء" أخرجه أبو داود والترمذي وصححه.

وقال عبد الله بن مسعود: كنت أصلي والنبي ﷺ وأبوبكر وعمر معه، فلما جلست بدأت بالثناء على الله ثم بالصلاة على نبيه ثم دعوت لنفسي فقال النبي ﷺ: "سَلْ تُعْطَه" رواه الترمذي وحسنه.

فلفظ السمع يراد به إدراك الصوت، ويراد به معرفة المعنى مع ذلك، ويراد به القبول والاستجابة مع الفهم. قال تعالى [25]: {وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا لاَسْمَعَهُمْ} ثم قال: {وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ} على هذه الحال التي هم عليها لم يقبلوا الحق ثم {لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ}، فذمهم بأنهم لا يفهمون القرآن ولو فهموه لم يعملوا به.

وإذا قال السائل لغيره: أسألك بالله. فإنما سأله بإيمانه بالله وذلك سبب لإعطاء من سأله به، فإنه سبحانه يحب الإحسان إلى الخلق، لا سيما إن كان المطلوب كف الظلم، فإنه يأمر بالعدل وينهى عن الظلم، وأمره أعظم الأسباب في حض الفاعل، فلا سبب أولى من أن يكون مقتضيا لمسببه من أمر الله تعالى.

وقد جاء فيه حديث رواه أحمد في مسنده وابن ماجه، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ أنه علم الخارج إلى الصلاة أن يقول في دعائه: "وأسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي هذا فإني لم أخرج أشرًا ولا بطرًا ولا رياء ولا سمعة، ولكن خرجت اتقاء سخطك، وابتغاء مرضاتك" فإن كان هذا صحيحا فحق السائلين عليه أن يجيبهم، وحق العابدين له أن يثيبهم، وهو حق أوجبه على نفسه لهم.

كما يسأل بالإيمان والعمل الصالح الذي جعله سببا لإجابة الدعاء كما في قوله تعالى [26]: {وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ}.

وكما يُسأل بوعده؛ لأن وعده يقتضي إنجاز ما وعده، ومنه قول المؤمنين [27]: {رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلأيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ} وقوله [28]: {إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ* فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي}.

ويشبه هذا مناشدة النبي ﷺ يوم بدر حيث يقول: "اللهم أنجز لي ما وعدتني".

وكذلك ما في التوراة أن الله تعالى غضب على بني إسرائيل، فجعل موسى يسأل ربه ويذكر ما وعد به إبراهيم، فإنه سأله بسابق وعده لإبراهيم.

ومن السؤال بالأعمال الصالحة سؤال الثلاثة الذين أووا إلى غار، فسأل كل واحد منهم بعمل عظيم أخلص فيه لله، لأن ذلك العمل مما يحبه الله ويرضاه محبة تقتضي إجابة صاحبه: هذا سأل ببره لوالديه، وهذا سأل بعفته التامة، وهذا سأل بأمانته وإحسانه.

وكذلك كان ابن مسعود يقول وقت السحر: "اللهم أمرتني فأطعتك، ودعوتني فأجبتك، وهذا سَحَر فاغفر لي".

ومنه حديث ابن عمر أنه كان يقول على الصفا: "اللهم إنك قلت، وقولك الحق: {ادعوني أستجب لكم}، وإنك لا تخلف الميعاد" ثم ذكر الدعاء المعروف عن ابن عمر أنه كان يقول على الصفا.

فقد تبين أن قول القائل: أسألك بكذا، نوعان. فإن الباء قد تكون للقسم، وقد تكون للسبب. فقد تكون قسما به على الله، وقد تكون سؤالا بسببه.

فأما الأول فالقسم بالمخلوقات لا يجوز على المخلوق فكيف على الخالق؟.

وأما الثاني وهو السؤال بالمعظم كالسؤال بحق الأنبياء فهذا فيه نزاع، وقد تقدم عن أبي حنيفة وأصحابه أنه لا يجوز. ومن الناس من يجوّز ذلك.


هامش

  1. (36: 60 - 62)
  2. (15: 42)
  3. (16: 98 - 99)
  4. (43: 36 - 37)
  5. (15: 9)
  6. (20: 123 - 126)
  7. (7: 1 - 3)
  8. (14: 1 - 2)
  9. (42: 52 - 53)
  10. (53: 1 - 4)
  11. (2: 44)
  12. (5: 77)
  13. (7: 175 - 176)
  14. (7: 146)
  15. (5: 35)
  16. (17: 56 - 57)
  17. (5: 35)
  18. (4: 80)
  19. (7: 23)
  20. (11: 47)
  21. (14: 37)
  22. (34: 39)
  23. (9: 47)
  24. (5: 41)
  25. (8: 23)
  26. (42: 26)
  27. (3: 193)
  28. (23: 109 - 110)