الرئيسيةبحث

بدائع الفوائد/المجلد الأول


☰ جدول المحتويات

بسم الله الرحمن الرحيم

قال الشيخ الإمام العلامة الأوحد البارع أوحد الفضلاء وقدوة العلماء وارث الأنبياء شيخ الإسلام مفتي الأنام المجتهد المفسر ترجمان القرآن ذو الفوائد الحسان أبو عبد الله محمد بن أبي بكر المعروف بابن قيم الجوزية تغمده الله برحمته.

الحمد لله ولا قوة إلا بالله، هذه فوائد مختلفة الأنواع.

فائدة: حقوق المالك والملك

حقوق المالك شيء وحقوق الملك شيء آخر، فحقوق المالك تجب لمن له على أخيه حق وحقوق الملك تتبع الملك ولا يراعى بها المالك، وعلى هذا حق الشفعة للذمي على المسلم من أوجبه جعله من حقوق الأملاك، ومن أسقطه جعله من حقوق المالكين.

والنظر الثاني أظهر وأصح، لأن الشارع لم يجعل للذمي حقًا في الطريق المشترك عند المزاحمة. فقال: إذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه فكيف يجعل له حقًا في انتزاع الملك المختص به عند التزاحم وهذه حجة الإمام أحمد نفسه. وأما حديث لا شفعة لنصراني فاحتج به بعض أصحابه وهو أعلم من أن يحتج به، فإنه من كلام بعض التابعين.

فائدة: تمليك المنفعة وتمليك الانتفاع

تمليك المنفعة شيء وتمليك الانتفاع شيء آخر، فالأول يملك به والمعاوضة، والثاني يملك به الانتفاع دون المعاوضة وعليها إجارة ما استأجره، لأنه ملك المنفعة بخلاف المعارضة على البضع، فإنه لم يملكه، وإنما ملك أن ينتفع به. وكذلك أجاره ما ملك أن ينتفع به من الحقوق، كالجلوس بالرحاب وبيوت المدارس والربط ونحو ذلك لا يملكها، لأنه لم يملك المنفعة، وإنما ملك الانتفاع وعلى هذا الخلاف تخرج إجارة المستعار فمن منعها كالشافعي وأحمد ومن تبعهما، قال: لم يملك المنفعة، وإنما ملك الانتفاع ومن جوزها كمالك ومن تبعه. قال: هو قد ملك المنفعة، ولهذا يلزم عنده بالتوقيت، ولو أطلقها لزمت في مدة ينتفع بمثلها عرفًا، فليس له الرجوع قبلها.

فائدة: تقديم الحكم على سببه

قولهم: إذا كان للحكم سببان جاز تقديمه على أحدهما. ليس بجيد وفي العبارة تسامح والحكم لا يتقدم سببه، بل الأولى أن يقال: إذا كان للحكم سبب وشرط جاز تقديمه على شرطه دون سببه. وأما تقديمه عليهما أو على سببه فممتنع، ولعل النزاع لفظي فإن شرط الحكم من جملة أسبابه المعتبرة في ثبوته، فلو قدمت الظهر مثلًا على الزوال والجلد على الشرب والزنا لم يجز اتفاقًا. وأما إذا كان له سبب وشرط فله ثلاثة أحوال. أحدها: أن يتقدم عليهما فلغو، والثاني: أن يتأخر عنهما فمعتبر صحيح، الثالث: أن يتوسط بينهما فهو مثار الخلاف. وله صور:

إحداها: كفارة اليمين سببها الحلف وشرطها الحنث، فمن جوز توسطها راعى التأخر عن السبب، ومن منعه رأى أن الشرط جزء من السبب.

الثانية: وجوب الزكاة سببه النصاب وشرطه الحول ومأخذ الجواز وعدمه ما ذكرناه.

الثالثة: لو كفر قبل الجرح كان لغوًا وبعد القتل معتبر وبينهما مختلف فيه.

الرابعة: لو عفى عن القصاص قبل الجرح فلغو وبعد الموت عفو الوارث معتبر وبينهما ينفذ أيضا.

الخامسة: إذا أخرج زكاة الحب قبل خروجه لا يجزي، وبعد يبسه يعتبر وبين نضجه ويبسه كذلك.

السادسة: إذا أذن الورثة في التصرف فيما زاد على الثلث قبل المرض فلغو وإجازتهم بعد الموت معتبرة وأذنهم بعد المرض مختلف فيه، فأحمد لا يعتبره لأنه أجازة من غير مالك. ومالك يعتبره وقوله أظهر.

السابعة: إذا أسقطا الخيار قبل التبايع ففيه خلاف فمن منعه نظر إلى تقدمه على السبب، ومن أجازه وهو الصحيح قال: الفرق بينهما أنهما قد عقدا العقد على هذا الوجه فلم يتقدم هنا الحكم على سببه أصلًا. فإنه لم يثبت وسقط بعد ثبوته وقبل سببه، بل تبايعا على عدم ثبوته وكأنه حق لهما رضيا بإسقاطه وعدم انعقاده وتجرد السبب عن اقتضائه. فمن جعل هذه المسألة من هذه القاعدة، فقد فاته الصواب.

ونظيرها سواءً اسقاط الشفعة قبل البيع فمن لم ير سقوطها، قال: هو تقديم للحكم على سببه، وليس بصحيح بل هو إسقاط لحق كان بعرض الثبوت، فلو أن الشفعة ثبتت ثم سقطت قبل البيع لزم ما ذكرتم ولكن صاحبها رضي بإسقاطها وأن لا يكون البيع سببًا لأخذه بها، فالحق له وقد أسقطه. وقد دل النص على سقوط الخيار والشفعة قبل البيع وصار هذا كما لو أذن له في إتلاف ماله وأسقط الضمان عنه قبل الاتلاف، فإنه لا يضمن اتفاقًا فهذا موجب النص والقياس. وأما إذا أسقطت المرأة حقها من النفقة والقسم، فلها الرجوع فيه ولا يسقط، لأن الطباع لا تصبر على ذلك ولا تستمر عليه لتجدد اقتضائها له كل وقت، بخلاف اسقاط الحقوق الثابتة دفعة كالشفعة والخيار ونحوهما، فإنها قد توطن النفس على إسقاطها وأشباهها لا تتجدد فافهمه.

فائدة: الفرق بين الشهادة والرواية

الفرق بين الشهادة والرواية أن الرواية يعم حكمها الراوي وغيره على ممر الأزمان، والشهادة تخص المشهود عليه وله ولا يتعداهما إلا بطريق التبعية المحضة. فإلزام المعين يتوقع منه العداوة وحق المنفعة واللهمة الموجبة للرد، فاحتيط لها بالعدد والذكورية وردت بالقرابة والعداوة وتطرق التهم، ولم يفعل مثل هذا في الرواية التي يعم حكمها ولا يخص، فلم يشترط فيها عدد ولا ذكورية، بل اشترط فيها ما يكون مغلبًا على الظن. صدق المخبر وهو العدالة المانعة من الكذب واليقظة المانعة من غلبة السهو والتخليط. ولما كان النساء ناقصات عقل ودين لم يكن من أهل الشهادة، فإذا دعت الحاجة إلى ذلك قويت المرأة بمثلها، لأنه حينئذ أبعد من سهوها وغلطها لتذكير صاحبتها لها، وأما اشتراط الحرية ففي غاية البعد ولا دليل عليه من كتاب ولا سنة ولا إجماع، وقد حكى أحمد عن أنس بن مالك أنه قال: ما علمت أحدًا رد شهادة العبد والله تعالى يقبل شهادته على الأمم يوم القيامة. فكيف لا يقبل شهادته على نظيره على المكلفين ويقبل شهادته على الرسول ﷺ في الرواية فكيف لا يقبل على رجل في درهم ولا ينتقض هذا بالمرأة؟ لأنها تقبل شهادتها مع مثلها لما ذكرناه، والمانع من قبول شهادتها وحدها منتف في العبد.

وعلى هذه القاعدة مسائل:

أحدها الاخبار عن رؤية هلال رمضان من اكتفى فيه بالواحد جعله رواية لعمومه للمكلفين، فهو كالأذان. ومن اشترط فيه العدد ألحقه بالشهادة لأنه لا يعم الأعصار ولا الأمصار، بل يخص تلك السنة وذلك المصر في أحد القولين وهذا ينتقض بالأذان نقضًا لا محيص عنه. وثانيها الاخبار بالنسب بالقافة فمن حيث أنه خبر جزئي عن شخص جزئي يخص ولا يعم جرى مجرى الشهادة، ومن جعله كالرواية غلط فلا مدخل لها هنا، بل الصواب، أن يقال من حيث هو منتصب للناس انتصابًا عامًا يستند قوله إلى أمر يختص به دونهم من الأدلة والعلامات جرى مجرى الحاكم. فقوله: حكم لا رواية.

ومن هذا الجرح للمحدث والشاهد هل يكتفى فيه بواحد إجراء له مجرى الحكم أو لا بد من اثنين؟ إجراء له مجرى الشهادة على الخلاف، وأما أن يجري مجرى الرواية فغير صحيح وأما للرواية والجرح. وإنما هو يجرحه باجتهاده لا بما يرويه عن غيره.

ومنها الترجمة للفتوى والخط والشهادة وغيرها. هل يشترط فيها التعدد؟ مبني على هذا ولكن بناؤه على الرواية والشهادة صحيح، ولا مدخل للحكم هنا.

ومنها التقويم للسلع من اشترط العدد رآه شهادة ومن لم يشترطه أجراه مجرى الحكم لا الرواية.

ومنها القاسم هل يشترط تعدده على هذه القاعدة؟ والصحيح الاكتفاء بالواحد لقصة عبد الله بن رواحة.

ومنها تسبيح المصلي بالإمام هل يشترط أن يكون المسبح اثنين؟ فيه قولان مبنيان على هذه القاعدة.

ومنها المخبر عن نجاسة الماء هل يشترط تعدده؟ فيه قولان.

ومنها الخارص والصحيح في هذا كله الاكتفاء بالواحد كالمؤذن وكالمخبر بالقبلة، وأما تسبيح المأموم بإمامه ففيه نظر، وفيها المفتي يقبل واحدًا اتفاقًا.

ومنها الإخبار عن قدم العيب وحدوثه عند التنازع. والصحيح الاكتفاء فيه بالواحد كالتقويم والقائف. وقالت المالكية: لا بد من اثنين ثم تناقضوا. فقالوا: إذا لم يوجد مسلم قبل من أهل الذمة.

فائدة: قول الواحد في هلال رمضان

إذا كان المؤذن يقبل قوله وحده، مع أن لكل قوم فجرًا وزوالًا وغروبًا يخصهم، فلأن بقبل قول الواحد في هلال رمضان أولى وأحرى.

فائدة: الهدية والاستئذان

يقبل قول الصبي والكافر والمرأة في الهدية والاستئذان. وعليه عمل الأمة قديمًا وحديثًا، وذلك لما احتف بأخبارهم من القرائن التي تكاد تصل إلى حد القطع؟ في كثير من الصور مع عموم البلوى بذلك، وعموم الحاجة إليه. فلو أن الرجل لا يدخل بيت الرجل ولا يقبل هديته إلا بشاهدين عدلين يشهدان بذلك. حرجت الأمة. وهذا تقرير صحيح، لكن ينبغي طرده وإلا وقع التناقض. كما إذا اختلفا في متاع البيت، فإن القرائن التي تكاد تبلغ القطع تشهد بصحة دعوى الرجل لما هو من شأنه. والمرأة لما يليق بها ولهذا قبله الأكثرون وعليه تخرج حكومة سليمان بين المرأتين في الولد وهي محض الفقه. وقد حكى ابن حزم في مراتب الإجماع إجماع الأمة على قبول قول المرأة الواحدة في إهداء الزوجة لزوجها ليلة العرس، وهو كما ذكر، وقد اجتمع في هذه الصورة من قرائن الأحوال من اجتماع الأهل والقرابات وندرة التدليس، والغلط في ذلك مع شهرته وعدم المسامحة فيه ودعوى ضرورات الناس إلى ذلك ما أوجب قبول قولها.

فائدة: الخبر

قبول قول القصاب في الذكاة ليس من هذا الباب بشيء، بل هو من قاعدة أخرى. وهي أن الإنسان مؤتمن على ما بيده وعلى ما يخبر به عنه، فإذا قال الكافر: هذه ابنتي جاز للمسلم أن يتزوجها، وكذا إذا قال: هذا مالي جاز شراؤه وأكله فإذا قال هذا ذكيته جاز أكله، فكل أحد مؤتمن على ما يخبر به مما هو في يده فلا يشترط هنا عدالة ولا عدد.

فائدة: تقسيم الخبر

الخبر إن كان عن حكم عام يتعلق بالأمة، فإما أن يكون مستنده السماع فهو الرواية، وإن كان مستنده الفهم من المسموع فهو الفتوى. وإن كان خبرًا جزئيًا يتعلق بمعين مستنده المشاهدة، أو العلم فهو الشهادة وإن كان خبرًا عن حق يتعلق بالمخبر عنه، والمخبر به هو مستمعه أو نائبه فهو الدعوى. وإن كان خبرًا عن تصديق هذا الخبر، فهو الإقرار وإن كان خبرًا عن كذبه، فهو الإنكار وإن كان خبرًا نشأ عن دليل فهو النتيجة، وتسمى قبل أن يحصل عليها الدليل مطلوبًا، وإن كان خبرًا عن شيء يقصد منه نتيجته فهو دليل وجزؤه مقدمة.

فائدة: معاني لفظ شهد

شهد في لسانهم لها معان. أحدها الحضور ومنه قوله تعالى: { فمن شهد منكم الشهر فليصمه } [1] وفيه قولان: أحدهما من شهد المصر في الشهر. والثاني من شهد الشهر في المصر. وهما متلازمان. والثاني الخبر ومنه شهد عندي رجال مرضيون وأرضاهم عندي عمر أن رسول الله ﷺ نهى عن الصلاة بعد العصر وبعد الصبح. والثالث الاطلاع على الشيء ومنه: { والله على كل شيء شهيد }، [2] وإذا كان كل خبر شهادة، فليس مع من اشترط لفظ الشهادة فيها دليل من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس صحيح، وعن أحمد فيها ثلاث روايات. إحداهن اشتراط لفظ الشهادة. والثانية الاكتفاء بمجرد الإخبار اختارها شيخنا. والثالثة الفرق بين الشهادة على الأقوال وبين الشهادة وعلى الأفعال، فالشهادة على الأقوال لا يشترط فيها لفظ الشهادة وعلى الأفعال يشترط، لأنه إذا قال: سمعته يقول فهو بمنزلة الشاهد على رسول الله ﷺ فيما يخبر عنه.

فائدة: حد الخبر

اختلف أبو المعالي وابن الباقلاني في قولهم في حد الخبر إنه الذي يحتمل التصديق والتكذيب. فقال أبو المعالي: يتعين أن يقال يحتمل الصدق أو الكذب، لأنهما ضدان فلا يقبل إلا أحدهما. وقال القاضي: بل يقال يحتمل الصدق والكذب، وقوله أرجح إذ التنافي إنما هو بين المقبولين لا بين القبولين ولا يلزم من تنافي المقبولات تنافي القبولات، ولهذا يقال: الممكن يقبل الوجود والعدم، وهما متناقضان. والقبولان يجب اجتماعهما له لذاته، لأنه لو وجد أحد القبولين دون الآخر لم يكن ممكنًا، فإنه لو لم يقبل الوجود كان مستحيلًا ولو لم يقبل العدم كان واجبًا فلا يتصور الإمكان إلا باجتماع القبولين. وإن تنافى المقبولان، وكذلك نقول: الجسم يقبل الأضداد فقبولاتها مجتمعة والمقبولات متنافية.

فائدة: الإنشاءات التي صيغها أخبار

اختلف في الإنشاءات التي صيغها أخبار كبعت وأعتقت. فقالت الحنفية: هي أخبار، وقالت الحنابلة والشافعية: هي إنشاءات لا أخبار لوجوه، أحدها: لو كانت خبرًا لكانت كذبًا، لأنه لم يتقدم منه مخبره من البيع والعتق، وليست خبرًا عن مستقبل. وفي هذا الدليل شيء، لأن لهم أن يقولوا: إنها إخبارات عن الحال، فخبرها مقارن للتكلم بها. الثاني: لو كانت خبرًا فإما صدقًا وإما كذبًا. وكلاهما ممتنع. أما الثاني فظاهر. وأما الأول فلأن صدقها متوقف على تقدم أحكامها، فأحكامها: إما أن تتوقف عليها فلزم الدور أو لا يتوقف، وذلك محال لأنه لا توجد أحكامها بدونها، ولقائل أن يقول: هو دور معية لا تقدم، فليس بممتنع، وثالثها: أنها لو كانت أخبارات فأما عن الماضي أو الحال، ويمتنع مع ذلك تعليقها بالشرط، لأنه لا يعمل إلا في مستقبل. وإما عن مستقبل وهي محال لأنه يلزم تجردها عن أحكامها في الحال، كما لو صرح بذلك. وقال ستصيرين طالقًا، ولقائل أن يقول: ما المانع أن يكون خبرًا عن الحال. قولكم يمتنع تعليقها بالشرط. قلنا: إذا علقت بالشرط لم تبق أخبارًا عن الحال، بل أخبارًا عن المستقبل. فالخبر عن الحال الإنشاء المطلق، وأما المعلق فلا. ورابعها: أنه لو قال لمطلقة رجعية: أنت طالق. لزمه طلقة أخرى مع أن خبره صدق، فلما لزمه أخرى دل على أنهما إنشاء ولقائل أن يقول: لما قلنا هي خبر عن الحال، بطل هذا الإلزام. وخامسها أن إمتثال قوله تعالى: { فطلقوهن لعدتهن } [3] أن يقول: أنت طالق. وليس هذا تحريمًا، فإن التحريم والتحليل ليس إلى المكلف، وإنما إليه أسبابهما. وليس المراد بالأمر أخبروا عن طلاقهن، وإنما المراد إنشاء أمر يترتب عليه تحريمهن ولا نعني بالإنشاء إلا ذلك. ولقائل أن يقول: المأمور به هو السبب الذي يترتب عليه الطلاق فهنا ثلاثة أمور، الأمر بالتطليق، وفعل المأمور به وهو التطليق. والطلاق وهو التحريم الناشىء عن السبب. فإذا أتى بالخبر عما في نفسه من التطليق فقد وفى الأمر حقه وطلقت. وسادسها أن الإنشاء هو المتبادر إلى الفهم عرفًا وهو دليل الحقيقة. ولهذا لا يحسن أن يقال فيه صدق أو كذب ولو كان خبرًا لحسن فيه أحدهما: وقد أجيب عن هذه الأدلة بأجوبة أخر. فأجيب عن الأول بأن الشرع قدر تقدم مدلولات هذه الأخبار قبل التكلم بها بالزمن الفرد ضرورة الصدق، والتقدير أولى من النقل. وعن الثاني: أن الدور غير لازم فإن هنا ثلاثة أمور مترتبة فالنطق باللفظ لا يتوقف على شيء. وبعده تقدير تقدم المدلول على اللفظ وهو غير متوقف عليه في التقدير وأن توقف عليه في الوجود وبعده لزوم الحكم ولا يتوقف اللفظ عليه وأن توقف هو على اللفظ. وعن الثالث أما يلزم أنها إخبارات عن الماضي ولا يتعذر التعليق، فإن الماضي نوعان: ماض تقدم مدلوله عليه قبل النطق به من غير تقدير فهذا يتعذر تعليقه. والثاني ماض بالتقدير لا التحقيق. فهذا يصح تعليقه. وبيانه أنه إذا قال: أنت طالق. إن دخلت الدار فقد أخبر عن طلاق امرأته بدخول الدار. فقدرنا هذا الارتباط قبل تطلقها بالزمن الفرد ضرورة الصدق، وإذا قدر الارتباط قبل النطق صار الخبر عن الارتباط ماضيًا، إذ حقيقة الماضي هو الذي تقدم مخبره خبره، إما تحقيقًا وإما تقديرًا. وعلى هذا فقد اجتمع الماضي والتعليق ولم يتنافيا. وعن الرابع أن المطلقة الرجعية أن أراد بقوله لها. أنت طالق. الخبر عن طلقة ماضية لم يلزمه ثانية، وإن أراد الخبر عن طلقة ثانية فهو كذب لعدم وقوع الخبر، فيحتاج إلى التقدير ضرورة التصديق فيقدر تقدم طلقة قبل طلاقه بالزمن الفرد. يصح معها الكلام فيلزمه. وعن الخامس أن الأمر متعلق بإيجاد خبر يقدر الشارع قبله الطلاق فيلزم به لا أنه متعلق بإنشاء الطلاق حتى يكون اللفظ سببًا كما ذكرتموه، بل هو علامة ودليل على الوقوع، وإنما ينتفي الطلاق عند انتفائه كانتفاء المدلول لانتفاء دليله وعلاماته. ولا يقال: لا يلزم من نفي الدليل نفي المدلول، فإن هذا لازم في الشرعيات لأنها إنما تثبت بأدلتها. فأدلتها أسباب ثبوتها. وأما السادس فهو أقواها وقد قيل إنه لا يمكن الجواب عنه إلا بالمكابرة فإنا نعلم بالضرورة أن من قال لأمرأته: أنت طالق. لا يحسن أن يقال له: صدقت ولا كذبت. فهذه نهاية أقدام الطائفتين في هذا المقام.

وفصل الخطاب في ذلك أن لهذه الصيغ نستبين نسبة إلى متعلقاتها الخارجية فهي من هذه الجهات إنشاءات محضة. كما قالت الحنابلة والشافعية ونسبة إلى قصد المتكلم وإرادته: وهي من هذه الجهة خبر عما قصد إنشاءه كما قالت الحنفية: فهي إخبارات بالنظر إلى معانيها الذهنية إنشاءات بالنظر إلى متلقاتها الخارجية. وعلى هذا فإنما لم يحسن أن يقال بالتصديق والتكذيب وإن كانت أخبارًا، لأن متعلق التصديق والتكذيب النفي والإثبات. ومعناهما مطابقة الخبر لمخبره أو عدم مطابقته وهنا المخبر حصل بالخبر حصول المسبب بسببه فلا يتصور فيه تصديق ولا تكذيب، وإنما يتصور التصديق والتكذيب في خبر لم يحصل مخبره ولم يقع به. كقولك: قام زيد فتأمله.

فإن قيل: فما تقولون في قول المظاهر أنت علي كظهر أمي هل هو إنشاء أو إخبار، فإن قلتم إنشاء كان باطلًا من وجوه. أحدها: إن الإنشاء لا يقبل التصديق والتكذيب والله سبحانه قد كذبهم هنا في ثلاثة مواضع. أحدها في قوله: { ما هن أمهاتهم } [4] فنفى ما أثبتوه وهذا حقيقة التكذيب. ومن طلق امرأته لا يحسن أن يقال: ما هي مطلقة. الثاني قوله تعالى: { وإنهم ليقولون منكرًا من القول وزورًا } [5] والإنشاء لا يكون منكرًا، وإنما يكون المنكر هو الخبر، والثالث أنه سماه زورًا والزور هو الكذب. وإذا كذبهم الله دل على أن الظهار إخبار لا إنشاء، الثاني: أن الظهار محرم وليس جهة تحريمه إلا كونه كذبًا والدليل على تحريمه خمسة أشياء. أحدها: ما وصفه بالمنكر. والثاني: وصفه بالزور. والثالث: أنه شرع فيه الكفارة ولو كان مباحًا لم يكن فيه كفارة. والرابع: أن الله قال: { ذلكم توعظون به } [6] والوعظ إنما يكون في غير المباحات. والخامس قوله: { وإن الله لعفو غفور } [7] والعفو والمغفرة إنما يكونان عن الذنب.

وإن قلتم: هو إخبار فهو باطل من وجوه. أحدها: أن الظهار كان طلاقًا في الجاهلية فجعله الله في الإسلام تحريمًا تزيله الكفارة وهذا متفق عليه بين أهل العلم. ولو كان خبرًا لم يوجب التحريم فإنه إن كان صدقًا فظاهر. إن كان كذبًا فأبعد له من أن يترتب عليه التحريم. والثاني: أنه لفظ يوجب حكمه الشرعي بنفسه وهو التحريم، وهذا حقيقه الإنشاء بخلاف الخبر فإنه لا يوجب حكمه بنفسه، فسلب كونه إنشاء مع ثبوت حقيقة الإنشاء فيه جمع بين النقيضين. وثالثها: إن أفادة قوله أنت علي كظهر أمي للتحريم كإفادة قوله: أنت حرة. وأنت طالق. وبعتك ووهبتك وتزوجتك ونحوها لأحكامها. فكيف يقولون هذه إنشاءات دون الظهار وما الفرق؟ قيل: أما الفقهاء فيقولون الظهار إنشاء ونازعهم بعض المتأخرين في ذلك وقال: الصواب أنه إخبار. وأجاب عما احتجوا به من كونه إنشاء.

قال: أما قولهم كان طلاقًا في الجاهلية، فهذا لا يقتضي أنهم كانوا يثبتون به الطلاق، بل يقتضي أنهم كانوا يزيلون العصمة عند النطق به. فجاز أن يكون زوالها لكونه إنشاء كما زعمتم، أو لكونه كذبًا وجرت عادتهم أن من أخبر بهذا الكذب زالت عصمة نكاحه، وهذا كما التزموا تحريم الناقة إذا جاءت بعشرة من الولد ونحو ذلك. قال: وأما قولكم إنه يوجب التحريم المؤقت وهذا حقيقة الإنشاء لا الإخبار فلا نسلم أن ثم تحريمًا البتة، والذي دل عليه القرآن وجوب تقديم الكفارة على الوطء كتقديم الطهارة على الصلاة، فإذا قال الشارع: لا تصل حتى تتطهر لا يدل ذلك على تحريم الصلاة عليه، بل ذلك نوع ترتيب سلمنا أن الظهار ترتب عليه تحريم، لكن التحريم عقب الشيء قد يكون لاقتضاء اللفظ له ودلالته عليه. وهذا هو الإنشاء، وقد يكون عقوبة محضة كترتيب حرمان الإرث على القتل، وليس القتل إنشاء للتحريم وكترتيب التعزير على الكذب وإسقاط العدالة به، فهذا ترتيب بالوضع الشرعي لا بد لآلة اللفظ. وحقيقة الإنشاء أن يكون ذلك اللفظ وضع لذلك الحكم ويدل عليه كصيغ العقود. فسببية القول أعم من كونه سببًا بالإنشاء أو بغيره. فكل إنشاء سبب وليس كل سبب إنشاء. فالسببية أعم فلا يستدل بمطلقها على الإنشاء، فإن الأعم لا يستلزم الأخص، فظهر الفرق بين ترتب التحريم على الطلاق وترتبه على الظهار. قال: وأما قولكم إنه كالتكلم بالطلاق والعتاق والبيع ونحوها، فقياس في الأسباب فلا نقبله، ولو سلمناه فنص القرآن يدفعه.

وهذه الاعتراضات عليهم باطلة.

أما قوله: إن كونه طلاقًا في الجاهلية لا يقتضي أنهم كانوا يثبتون به الطلاق إلى آخره. فكلام باطل قطعًا فإنهم لم يكونوا يقصدون الأخبار الكذب ليترتب عليه التحريم، بل كانوا إذا أرادوا الطلاق أتوا بلفظ الظهار إرادة للطلاق ولم يكونوا عند أنفسهم كاذبين ولا مخبرين، وإنما كانوا منشئين للطلاق به. ولهذا كان هذا ثابتًا في أول الإسلام حتى نسخه الله بالكفارة في قصة خولة بنت ثعلبة. كانت تحت عبادة بن الصامت، فقال لها: أنت علي ظهر أمي. فأتت رسول الله ﷺ فسألته عن ذلك فقال رسول الله ﷺ: «حرمت عليه» فقالت: يا رسول الله والذي أنزل عليك الكتاب ما ذكر الطلاق، وإنه أبو ولدي وأحب الناس إلي، فقال: «حرمت عليه» فقالت: أشكو إلى الله فاقتي ووحدتي، فقال رسول الله ﷺ: «ما أراك إلا قد حرمت عليه ولم أؤمر في شأنك بشيء»، فجعلت تراجع رسول الله ﷺ. وإذا قال لها: حرمت عليه هتفت وقالت: أشكو إلى الله فاقتي وشدة حالي وإن لي صبية صغارًا إن ضممتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إلي جاعوا وجعلت ترفع رأسها إلى السماء وتقول: اللهم إني أشكو إليك وكان هذا أول ظهار في الإسلام. فنزل الوحي على رسول الله ﷺ فلما قضى الوحي قال: «ادعي زوجك» فتلا عليه رسول الله ﷺ: { قد سمع الله }. [8] الآيات فهذا يدل على أن الظهار كان إنشاء للتحريم الحاصل بالطلاق في أول الإسلام، ثم نسخ ذلك بالكفارة، وبهذا يبطل ما نظر به من تحريم الناقة عند ولادها عشرة أبطن ونحوه، فإنه ليس هنا لفظ إنشاء يقتضي التحريم، بل هو شرع منهم لهذا التحريم عند هذا السبب.

وأما قوله إنا لا نسلم أنه يوجب تحريمًا فكلام باطل فإنه لا نزاع بين الفقهاء أن الظهار يقتضي تحريمًا تزيله الكفارة فلو وطئها قبل التكفير أثم بالإجماع المعروف من الدين والتحريم المؤقت هنا، كالتحريم بالإحرام وبالصيام والحيض. وأما تنظيره بالصلاة مع الطهر ففاسد فإن الله أوجب عليه صلاة بطهر، فإذا لم يأت بالطهر ترك ما أوجب الله عليه فاستحق الإثم، وأما المظاهر فإنه حرم على نفسه امرأته وشبهها بمن تحرم عليه، فمنعه الله من قربانها حتى يكفر. فهنا تحريم مستند إلى طهارة وفي الصلاة لا تجزئ منه بغير طهر، لأنها غير مشروعة أصلًا. وقوله التحريم عقب الشيء قد يكون لاقتضاء اللفظ له وقد يكون عقوبة إلى آخره جوابه أنهما غير متنافيين في الظهار فإنه حرام، وتحرم به تحريمًا مؤقتًا حتى يكفر. وهذا لا يمنع كون اللفظ إنشاء كجمع الثلاث عند من يوقعها، والطلاق في الحيض فإنه يحرم ويتعقبه التحريم، وقد قلتم: إن طلاق السكران يصح عقوبة له. مع أنه لو لم يأت بإنشاء السبب لم تطلق امرأته اتفاقًا فكون التحريم عقوبة لا ينفي أن يستند إلى أسبابها التي تكون إنشاءات لها. قوله السببية أعم من الإنشاء إلى آخره جوابه أن السبب نوعان: فعل وقول فمتى كان قولًا لم يكن إنشاء. فإن أردتم بالعموم أن سببية القول أعم من كونها إنشاء وإخبارًا فممنوع. وإن أردتم أن مطلق السببية أعم من كونها سببية بالفعل والقول فمسلم. ولا يفيدكم شيئًا.

وفصل الخطاب أن قوله: "أنت علي كظهر أمي" يتضمن إنشاء وإخبارًا، فهو إنشاء من حيث قصد التحريم بهذا اللفظ، وإخبار من حيث تشبيهها بظهر أمه. ولهذا جعله الله منكرًا وزورًا. فهو منكر باعتبار الإنشاء، وزور باعتبار الإخبار.

وأما قوله: إن المنكر هو الخبر الكاذب، فالخبر الكاذب من المنكر. والمنكر أعم منه، فالإنكار في الإنشاء والإخبار فإنه ضد المعروف، فما لم يؤذن فيه من الإنشاء فهو منكر، وما لم يكن صدقًا من الإخبار فهو زور.

فائدة: المجاز والتأويل

المجاز والتأويل لا يدخل في المنصوص، وإنما يدخل في الظاهر المحتمل له. وهنا نكتة ينبغي التفطن لها وهي أن كون اللفظ نصًا يعرف بشيئين. أحدهما: عدم احتماله لغير معناه وضعًا، كالعشرة. والثاني ما أطرد استعماله على طريقة واحدة في جميع موارده، فإنه نص في معناه لا يقبل تأويلًا ولا مجازًا. وإن قدر تطرق ذلك إلى بعض أفراده وصار هذا بمنزلة خبر المتواتر لا يتطرق احتمال الكذب إليه، وإن تطرق إلى كل واحد من أفراده بمفرده، وهذه عصمة نافعة تدلك على خطأ كثير من التأويلات السمعيات التي أطرد استعمالها في ظاهرها وتأويلها. والحالة هذه غلط، فإن التأويل إنما يكون لظاهر قد ورد شاذًا مخالفًا لغيره، ومن السمعيات فيحتاج إلى تأويله لتوافقها. فإما إذا أطردت كلها على وتيرة واحدة صارت بمنزلة النص وأقوى، فتأويلها ممتنع. فتأمل هذا.

فائدة: إضافة الموصوف للصفة

أضافوا الموصوف إلى الصفة وإن اتحدا، لأن الصفة تضمنت معنى ليس في الموصوف فصحت الإضافة للمغايرة. وهنا نكتة لطيفة وهي أن العرب، إنما تفعل ذلك في الوصف المعرفة اللازم للموصوف لزوم اللقب للأعلام، كما لو قالوا، زيد بطة أي صاحب هذا اللقب. وأما الوصف الذي لا يثبت كالقائم والقاعد ونحوه. فلا يضاف الموصوف إليه لعدم الفائدة المخصصة التي لأجلها أضيف الاسم إلى اللقب فإنه لما تخصص به كأنك قلت: صاحب هذا اللقب. وهكذا في مسجد الجامع وصلاة الأولى فإنه لما تخصص الجامع بالمسجد ولزمه كأنك قلت: صاحب هذا الوصف، فلو قلت: زيد الضاحك وعمرو القائم لم يجز. وكذا إن كان لازمًا غير معرفة. تقول: مسجد جامع وصلاة أولى.

فائدة: الاسم والمسمى

اللفظ المؤلف من الزاي والياء والدال مثلًا له حقيقة متميزة متحصلة فاستحق أن يوضع له لفظ يدل عليه، لأنه شيء موجود في اللسان مسموع بالآذان.

فاللفظ المؤلف من همزة الوصل والسين والميم عبارة عن اللفظ المؤلف من الزاي والياء والدال مثلًا. واللفظ المؤلف من الزاي والياء والدال عبارة عن الشخص الموجود في الأعيان والأذهان، وهو المسمى والمعنى. واللفظ الدال عليه الذي هو الزاي والياء والدال هو الاسم، وهذا اللفظ أيضا قد صار مسمى من حيث كان لفظ الهمزة والسين والميم عبارة عنه. فقد بان لك أن الاسم في أصل الوضع ليس هو المسمى. ولهذا تقول: سميت هذا الشخص بهذا الاسم، كما تقول: حليته بهذه الحلية. والحلية غير المحلى. فكذلك الاسم غير المسمى. وقد صرح بذلك سيبويه، وأخطأ من نسب إليه غير هذا وادعى أن مذهبه اتحادهما. والذي غر من ادعى ذلك قوله الأفعال أمثلة أخذت من لفظ أحداث الأسماء، وهذا لا يعارض نصه قبل هذا. فإنه نص على أن الاسم غير المسمى. فقال الكلم: اسم وفعل وحرف، فقد صرح بأن الاسم كلمة. فكيف تكون الكلمة هي المسمى، والمسمى شخص.

ثم قال بعد هذا: تقول سميت زيد بهذا الاسم، كما تقول علمته بهذه العلامة. وفي كتابه قريب من ألف موضع أن الاسم هو اللفظ الدال على المسمى. ومتى ذكر الخفض أو النصب أو التنوين أو اللام أو جميع ما يلحق الاسم من زيادة ونقصان وتصغير وتكسير وإعراب وبناء، فذلك كله من عوارض الاسم لا تعلق لشيء من ذلك بالمسمى أصلًا وما قال نحوي قط ولا عربي أن الاسم هو المسمى، ويقولون: أجل مسمى يقولون أجل اسم، ويقولون: مسمى هذا الاسم كذا. ولا يقول أحد: اسم هذا الاسم كذا ويقولون هذا الرجل مسمى بزيد ولا يقولون: هذا الرجل اسم زيد ويقولون بسم الله ولا يقولون بمسمى الله. وقال رسول الله ﷺ: «لي خمسة أسماء» ولا يصح أن يقال لي خمس مسميات و «تسموا باسمي»، ولا يصح أن يقال تسموا بمسمياتي ولله تسعة وتسعون اسمًا ولا يصح أن يقال تسعة وتسعون مسمى.

وإذا ظهر الفرق بين الاسم والمسمى فبقي ها هنا التسمية وهي التي اعتبرها من قال باتحاد الاسم والمسمى. والتسمية عبارة عن فعل المسمى، ووضعه الاسم للمسمى. كما أن التحلية عبارة عن فعل المحلى ووضعه الحلية على المحلى. فهنا ثلاث حقائق اسم ومسمى وتسمية، كحلية ومحلى وتحلية وعلامة ومعلم وتعليم ولا سبيل إلى جعل لفظين منها مترادفين على معنى واحد لتباين حقائقها، وإذا جعلت الاسم هو المسمى بطل واحد من هذه الحقائق الثلاثة ولا بد.

فإن قيل: فحلوا لنا شبه من قال باتحادهما ليتم الدليل، فإنكم أقمتم الدليل فعليكم الجواب عن المعارض.

فمنها أن الله وحده هو الخالق وما سواه مخلوق. فلو كانت أسماؤه غيره، لكانت مخلوقة وللزم أن لا يكون له اسم في الأزل ولا صفة لأن أسماءه صفات وهذا هو السؤال الأعظم الذى قاد متكلمي الإثبات إلى أن يقولوا: الاسم هو المسمى، فما عندكم في دفعه؟

الجواب أن منشأ الغلط في هذا الباب من إطلاق ألفاظ مجملة محتملة لمعنيين: صحيح وباطل. فلا ينفصل النزاع إلا بتفصيل تلك المعاني وتنزيل ألفاظها عليها، ولا ريب أن الله تبارك وتعالى لم يزل ولا يزال موصوفًا بصفات الكمال المشتقة أسماؤه منها فلم يزل بأسمائه وصفاته وهو إله واحد له الأسماء الحسنى والصفات العلى وأسماؤه وصفاته داخلة في مسمى اسمه، وإن كان لا يطلق على الصفة إنها إله يخلق ويرزق، فليست وصفاته وأسماؤه غيره، وليست هي نفس الإله.

وبلاء القوم من لفظة الغير فإنها يراد بها معنيين: أحدهما المغاير لتلك الذات المسماة بالله وكل ما غاير الله مغايرة محضة بهذا الاعتبار فلا يكون إلا مخلوقًا. ويراد به مغايرة الصفة للذات إذا خرجت عنها، فإذا قيل علم الله وكلام الله غيره بمعنى أنه غير الذات المجردة عن العلم والكلام. كان المعنى صحيحًا، ولكن الإطلاق باطل، وإذا أريد أن العلم والكلام مغاير لحقيقته المختصة التي امتاز بها عن غيره كان باطلًا لفظًا ومعنى.

وبهذا أجاب أهل السنة المعتزلة القائلين بخلق القرآن وقالوا: كلامه تعالى داخل في مسمى اسمه. فالله تعالى اسم الذات الموصوفة بصفات الكمال، ومن تلك الصفات صفة الكلام، كما أن علمه وقدرته وحياته وسمعه وبصره غير مخلوقة. وإذا كان القرآن كلامه وهو صفة من صفاته فهو متضمن لأسمائه الحسنى، فإذا كان القرآن غير مخلوق ولا يقال: إنه غير الله، فكيف يقال إن بعض ما تضمنه وهو أسماؤه مخلوقة وهي غيره، فقد حصحص الحق بحمد الله وانحسم الاشكال. وإن أسماءه الحسنى التي في القرآن من كلامه وكلامه غير مخلوق ولا يقال: هو غيره ولا هو هو وهذا المذهب مخالف لمذهب المعتزلة الذين يقولون: أسماؤه تعالى غيره وهي مخلوقة ولمذهب من رد عليهم ممن يقول: اسمه نفس ذاته لا غيره، وبالتفصيل تزول الشهبه ويتبين الصواب والحمد لله.

حجة ثانية لهم، قالوا: قال تبارك وتعالى تبارك اسم ربك. وإذكر اسم ربك. سبح اسم ربك.

وهذه الحجة عليهم في الحقيقة، لأن النبي ﷺ امتثل هذا الأمر وقال: «سبحان ربي الأعلى سبحان ربي العظيم»، ولو كان الأمر كما زعموا لقال سبحان اسم ربي العظيم، ثم أن الأمة كلهم لا يجوز أحد منهم أن يقول: عبدت اسم ربي ولا سجدت لاسم ربي ولا ركعت لاسم ربي ولا باسم ربي ارحمني. وهذا يدل على أن الأشياء متعلقة بالمسمى لا بالاسم. وأما الجواب عن تعلق الذكر والتسبيح المأمور به بالاسم فقد قيل فيه: إن التعظيم والتنزيه إذا وجب للمعظم فقد نعظم ما هو من سببه ومتعلق به كما يقال سلام على الحضرة العالية والباب السامي والمجلس الكريم ونحوه. وهذا جواب غير مرضي لوجهين:

أحدهما: أن رسول الله ﷺ لم يفهم هذا المعنى وإنما قال: «سبحان ربي»، فلم يعرج على ما ذكرتموه.

الثاني: أنه يلزمه أن يطلق على الاسم التكبير والتحميد والتهليل وسائر ما يطلق على المسمى، فيقال: الحمد لاسم الله ولا إله إلا اسم الله ونحوه؛ وهذا مما لم يقله أحد.

بل الجواب الصحيح أن الذكر الحقيقي محله القلب لأنه ضد النسيان، والتسبيح نوع من الذكر فلو أطلق الذكر والتسبيح لما فهم منه إلا ذلك دون اللفظ باللسان. والله تعالى أراد من عباده الأمرين جميعًا ولم يقبل الإيمان وعقد الإسلام إلا باقترانهما واجتماعهما فصار معنى الآيتين: سبح ربك بقليل ولسانك واذكر ربك بقلبك ولسانك. فاقحم الاسم تنبيهًا على هذا المعنى حتى لا يخلو الذكر، والتسبيح من اللفظ باللسان لأن ذكر القلب متعلقه المسمى المدلول عليه بالاسم دون ما سواه، والذكر باللسان متعلقه اللفظ مع مدلوله، لأن اللفظ لا يراد لنفسه فلا يتوهم أحد أن اللفظ هو المسبح دون ما يدل عليه من المعنى.

وعبر لي شيخنا أبو العباس ابن تيمية قدس الله روحه عن هذا المعنى بعبارة لطيفة وجيزة فقال: المعنى سبح ناطقًا باسم ربك متكلمًا به وكذا: سبح اسم ربك المعنى سبح ربك ذاكرًا اسمه. وهذه الفائدة تساوي رحلة، لكن لمن يعرف قدرها. فالحمد الله المنان بفضله ونسأله تمام نعمته.

حجة ثالثة لهم قالوا: قال تعالى: { ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها } [9] وإنما عبدوا مسمياتها.

والجواب أنه كما قلتم: إنما عبدوا المسميات، ولكن من أجل أنهم نحلوها أسماء باطلة كاللات والعزى وهي مجرد أسماء كاذبة باطلة لا مسمى لها في الحقيقة فإنهم سموها آلهة وعبدوها لاعتقادهم حقيقة الإلهية لها، وليس لها من الإلهية إلا مجرد الأسماء لا حقيقة المسمى فما عبدوا إلا أسماء لا حقائق لمسمياتها. وهذا كمن سمى قشور البصل لحمًا وأكلها فيقال: ما أكلت من اللحم إلا اسمه لا مسماه، وكمن سمى التراب خبزًا وأكله يقال: ما أكلت من إلا اسم الخبر. بل هذا النفي أبلغ في آلهتهم فإنه لا حقيقة لإلهيتها بوجه، وما الحكمة ثم إلا مجرد الاسم. فتأمل هذه الفائدة الشريفة في كلامه تعالى.

فإن قيل: فما الفائدة في دخول الباء في قوله: { فسبح باسم ربك العظيم } [10] ولم تدخل في قوله: { سبح اسم ربك الأعلى }؟ [11]

قيل: التسبيح يراد به التنزيه والذكر المجرد دون معنى آخر، ويراد به ذلك مع الصلاة وهو ذكر وتنزيه مع عمل، ولهذا تسمى الصلاة تسبيحًا. فإذا أريد التسبيح المجرد فلا معنى للباء، لأنه لا يتعدى بحرف جر، لا تقول: سبحت بالله، وإذا أردت المقرون بالفعل وهو الصلاة أدخلت الباء تنبيهًا على ذلك المراد كأنك قلت: سبح مفتتحًا باسم ربك أو ناطقًا باسم ربك، كما تقول صل مفتتحًا أو ناطقًا باسمه. ولهذا السر والله أعلم دخلت اللام في قوله تعالى: { سبح لله ما في السماوات والأرض } [12] والمراد التسبيح الذي هو السجود والخضوع والطاعة ولم يقل في موضع سبح الله ما في السموات والأرض كما قال: { ولله يسجد من في السموات والأرض }، [13] وتأمل قوله تعالى: { إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون }، [14] فكيف قال: ويسبحونه لما ذكر السجود باسمه الخاص فصار التسبيح ذكرهم له وتنزيههم إياه.

شبهة رابعة: قالوا قد قال الشاعر:

إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ** ومن يبك حولًا فقد اعتذر

وكذلك قول الأعشى: * داع يناديه باسم الماء مبغوم *

وهذه حجة عليهم لا لهم. أما قوله: ثم اسم السلام عليكما، فالسلام هو الله تعالى والسلام أيضا التحية، فإن أراد الأول فلا إشكال، فكأنه قال: ثم اسم السلام عليكما أي بركة اسمه وإن أراد التحية فيكون المراد بالسلام المعنى المدلول وباسمه لفظه الدال عليه، والمعنى ثم اسم هذا المسمى عليكما، فيراد بالأول اللفظ، وبالثاني المعنى كما تقول زيد بطة ونحوه مما يراد بأحدهما اللفظ وبالآخر المدلول فيه. وفيه نكتة حسنة كأنه أراد ثم هذا اللفظ باق عليكما جار لا ينقطع مني بل أنا مراعيه دائمًا.

وقد أجاب السهيلي عن البيت بجواب آخر وهذا حكاية لفظه فقال: لبيد لم يرد إيقاع التسليم عليهم لحينه، وإنما أراد بعد الحول ولو قال: السلام عليكما كان مسلمًا لوقته الذي نطق فيه بالبيت، فكذلك ذكر الاسم الذي هو عبارة عن اللفظ أي إنما اللفظ بالتسليم بعد الحول وذلك أن السلام دعاء، فلا يتقيد بالزمان المستقبل، وإنما هو لحينه ألا نرى أنه لا يقال بعد الجمعة اللهم ارحم زيدًا ولا بعد الموت اللهم اغفر لي. إنما يقال: اللهم اغفر لي بعد الموت فيكون بعد ظرفًا للمغفرة والدعاء واقع لحينه، فإن أردت أن تجعل الوقت ظرفًا للدعاء صرحت بلفظ الفعل. فقلت بعد الجمعة: ادعو بكذا أو أسلم أو ألفظ بكذا، لأن الظروف إنما يريد بها الأحداث الواقعة فيها خبرًا أوامرًا أو نهيًا، وأما غيرها من المعاني كالطلاق واليمين والدعاء والتمني والاستفهام وغيرها من المعاني، فإنما هي واقعة لحين النطق بها، وكذلك يقع الطلاق ممن قال بعد يوم الجمعة: أنت طالق وهو مطلق لحينه. ولو قال بعد الحول: والله لأخرجن انعقدت اليمين في الحال ولا ينفعه أن يقول أردت أن لا أوقع اليمين إلا بعد الحول فإنه لو أراد ذلك لقال بعد الحول أحلف أو بعد الجمعة أطلقك. فأما الأمر والنهي والخبر فإنما تقيدت بالظروف، لأن الظروف في الحقيقة إنما يقع فيها الفعل المأمور به والمخبر به دون الأمر والخبر فإنهما واقعان لحين النطق بهما، فإذا قلت: اضرب زيدًا يوم الجمعة، فالضرب هو المقيد بيوم الجمعة، وأما الأمر فأنت في الحال آمر به، وكذلك إذا قلت: سافر زيد يوم الجمعة فالمتقيد باليوم المخبر به لا الخبر، كما أن قوله اضربه يوم الجمعة المقيد بالظرف المأمور به لا أمرك أنت فلا تعلق للظروف إلا بالأحداث، فقد رجع الباب كله بابًا واحدًا فلو أن لبيدًا قال: إلى الحول ثم السلام عليكما، لكان مسلمًا لحينه، ولكنه أراد أن لا يوقع اللفظ بالتسليم والوداع إلا بعد الحول، وكذلك ذكر الاسم الذي هو بمعنى اللفظ بالتسليم ليكون ما بعد الحول ظرفًا له.

وهذا الجواب من أحد أعاجيبه وبدائعه رحمه الله.

وأما قوله باسم الماء، والماء المعروف هنا هو الحقيقة المشروبة، ولهذا عرفه تعريف الحقيقة الذهينة والبيت لذي الرمة وصدره: * لا ينعش الطرف إلا ما تحونه * ثم قال داع يناديه باسم الماء، فظن الغالط إنه أراد حكاية صوت الظبية وإنها دعت ولدها بهذا الصوت وهو ماما، وليس هذا مراده، وإنما الشاعر ألغز لما وقع الاشتراك بين لفظ الماء المشروب وصوتها به، فصار صوتها كأنه هو اللفظ المعبر عن الماء المشروب فكأنها تصوت باسم هذا الماء المشروب، وهذا لأن صوتها ماما وهذا في غاية الوضوح.

فائدة: اسم الله والاشتقاق

زعم السهيلي وشيخه أبو بكر بن العربي أن اسم الله غير مشتق، لأن الاشتقاق يستلزم مادة يشتق منها، واسمه تعالى قديم، والقديم لا مادة له فيستحيل الاشتقاق. ولا ريب أنه إن أريد بالاشتقاق هذا المعنى وإنه مستمد من أصل آخر فهو باطل. ولكن الذين قالوا بالاشتقاق لم يريدوا هذا المعنى ولا ألم بقلوبهم، وإنما أرادوا أنه دال على صفة له تعالى وهي الإلهية كسائر أسمائه الحسنى، كالعليم والقدير والغفور والرحيم والسميع والبصير، فإن هذه الأسماء مشتقة من مصادرها بلا ريب وهي قديمة والقديم لا مادة له. فما كان جوابكم عن هذه الأسماء؟ فهو جواب القائلين باشتقاق اسمه الله.

ثم الجواب عن الجميع أننا لا نعني بالاشتقاق إلا أنها ملاقية لمصادرها في اللفظ والمعنى لا أنها متولدة منها تولد الفرع من أصله. وتسمية النحاة للمصدر والمشتق منه أصلًا وفرعًا ليس معناه أن أحدهما تولد من الآخر وإنما هو باعتبار أن أحدهما يتضمن الآخر وزيادة. وقول سيبويه إن الفعل أمثلة أخذت من لفظ أحداث الأسماء هو بهذا الاعتبار لا أن العرب تكلموا بالأسماء أولا ثم اشتقوا منها الأفعال، فإن التخاطب بالأفعال ضروري كالتخاطب بالأسماء لا فرق بينهما. فالاشتقاق هنا ليس هو اشتقاق مادي، وإنما هو اشتقاق تلازم سمى المتضمن بالكسر مشتقًا، والمتضمن بالفتح مشتقًا منه ولا محذور في اشتقاق أسماء الله تعالى بهذا المعنى.

فائدة: هل الرحمن في البسملة نعت

استبعد قوم أن يكون الرحمن نعتًا لله، من قولنا: بسم الله الرحمن الرحيم، وقالوا الرحمن علم، والأعلام لا ينعت بها. ثم قالوا: هو بدل من اسم الله قالوا: ويدل على هذا أن الرحمن علم مختص بالله لا يشاركه فيه غيره، فليس هي كالصفات التي هي العليم والقدير والسميع والبصير، ولهذا تجري على غيره تعالى. قالوا: ويدل عليه أيضا وروده في القرآن غير تابع لما قبله كقوله: { الرحمن على العرش استوى }، [15] { الرحمن * علم القرآن }، [16] { أمن هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن }، [17] وهذا شأن الأسماء المحضة، لأن الصفات لا يقتصر على ذكرها دون الموصوف. قال السهيلي: والبدل عندي فيه ممتنع، وكذلك عطف البيان لأن الاسم الأول لا يفتقر إلى تبيين، فإنه أعرف المعارف كلها وأبينها. ولهذا قالوا: وما الرحمن ولم يقولوا: وما الله ولكنه، وإن جرى مجرى الإعلام فهو وصف يراد به الثناء، وكذلك الرحيم إلا أن الرحمن من أبنية المبالغة كغضبان ونحوه، وإنما دخله معنى المبالغة من حيث كان في آخره ألف ونون كالتثنية. فإن التثنية في الحقيقة تضعيف. وكذلك هذه الصفة فكأن غضبان وسكران كامل لضعفين من الغضب والسكر فكان اللفظ مضارعًا للفظ التثنية لأن التثنية ضعفان في الحقيقة، ألا ترى أنهم أيضا قد شبهوا التثنية بهذا البناء إذا كانت لشيئين متلازمين. فقالوا: الحكمان والعلمان وأعربوا النون كأنه اسم لشيء واحد. فقالوا: اشترك باب فعلان وباب التثنية. ومنه قول فاطمة: يا حسنان يا حسينان برفع النون لابنيها ولمضارعة التثنية امتنع جمعه فلا يقال غضابين، وامنع تأنيثه فلا يقال غضبانة، وامتنع تنوينه كما لا ينون نون المثنى فجرت عليه كثير من أحكام التثنية لمضارعته إياها لفظًا ومعنى. وفائدة الجمع بين الصفتين الرحمن والرحيم الإنباء عن رحمة عاجلة وآجلة وخاصة وعامة. تم كلامه.

قلت: أسماء الرب تعالى هي أسماء ونعوت فإنها دالة على صفات كماله فلا تنافي فيها بين العلمية والوصفية. فالرحمن اسمه تعالى ووصفه لا تنافي اسميته وصفيته فمن حيث هو صفة جرى تابعًا على اسم الله، ومن حيث هو اسم ورد في القرآن غير تابع، بل ورود الاسم العلم. ولما كان هذا الاسم مختصًا به تعالى حسن مجيئه مفردًا غير تابع كمجيء اسم الله كذلك، وهذا لا ينافي دلالته على صفة الرحمن كاسم الله فإنه دال على صفة الألوهية ولم يجيء قط تابعًا لغيره، بل متبوعًا. وهذا بخلاف العليم والقدير والسميع والبصير ونحوها، ولهذا لا تجيء هذه مفردة بل تابعة.

فتأمل هذه النكتة البديعة يظهر لك بها أن الرحمن اسم وصفة لا ينافي أحدهما الآخر. وجاء استعمال القرآن بالأمرين جميعًا.

وأما الجمع بين الرحمن الرحيم ففيه معنى هو أحسن من المعنيين اللذين ذكرهما، وهو أن الرحمن دال على الصفة القائمة به سبحانه والرحيم دال على تعلقها بالمرحوم فكان الأول للوصف، والثاني للفعل. فالأول دال على أن الرحمة صفته، والثاني دال على أنه يرحم خلقه برحمته، وإذا أردت فهم هذا فتأمل قوله: { وكان بالمؤمنين رحيمًا }، [18] { إنه بهم رؤوف رحيم }. [19] ولم يجىء قط رحمن بهم فعلم أن رحمن هو الموصوف بالرحمة، ورحيم هو الراحم برحمته وهذه نكتة لا تكاد تجدها في كتاب، وإن تنفست عندها مرآة قلبك لم ينجل لك صورتها.

فائدة: حذف العامل في بسم الله

لحذف العامل في بسم الله فوائد عديدة.

منها أنه موطن لا ينبغي أن يتقدم فيه سوى ذكر الله، فلو ذكرت الفعل وهو لا يستغني عن فاعله كان ذلك مناقضًا للمقصود. فكان في حذفه مشاكلة اللفظ للمعنى ليكون المبدؤ به اسم الله كما نقول في الصلاة: الله أكبر، ومعناه من كل شيء، ولكن لا نقول هذا المقدر ليكون اللفظ مطابقًا لمقصود الجنان وهو أن لا يكون في القلب إلا الله وحده، فكما تجرد ذكره في قلب المصلي تجرد ذكره في لسانه.

ومنها أن الفعل إذا حذف صح الابتداء بالتسمية في كل عمل وقول وحركة، وليس فعل أولى بها من فعل، فكان الحذف أعم من الذكر فإن أي فعل ذكرته كان المحذوف أعم منه.

ومنها أن الحذف أبلغ، لأن المتكلم بهذه الكلمة كأنه يدعي الاستغناء بالمشاهدة عن النطق بالفعل فكأنه لا حاجة إلى النطق به لأن المشاهدة والحال دالة على أن هذا وكل فعل فإنما هو باسمه تبارك وتعالى. والحوالة على شاهد الحال أبلغ من الحوالة على شاهد النطق كما قيل:

ومن عجب قول العواذل من به ** وهل غير من أهوى يحب ويعشق

فائدة: عطف الصلاة على البسملة

اسثشكل طائفة قول المصنفين: "بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على محمد وآله"، وقالوا: الفعل بعد الواو دعاء بالصلاة والتسمية قبله خبر، والدعاء لا يحسن عطفه على الخبر. لو قلت: مررت بزيد وغفر الله لك لكان غثًا من الكلام والتسمية في معنى الخبر، لأن المعنى افعل كذا باسم الله.

وحجة من أثبتها الاقتداء بالسلف. والجواب عما قاله هوان الواو لم تعطف دعاء على خبر، وإنما عطفت الجملة على كلام محكي، كأنك تقول بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على محمد أو أقول هذا وهذا، أو اكتب هذا وهذا.

فائدة: بطلان أن الصلاة من الله بمعنى الرحمة

قولهم: الصلاة من الله بمعنى الرحمة باطل من ثلاثة أوجه:

أحدها: أن الله تعالى غاير ينهما في قوله: { عليهم صلوات من ربهم ورحمة }. [20]

الثاني: أن سؤال الرحمة تشرع لكل مسلم والصلاة تختص بالنبي ﷺ وهي حق له ولآله. ولهذا منع كثير من العلماء من الصلاة على معين غيره، ولم يمنع أحد من الترحم على معين.

الثالث: أن رحمة الله عامة وسعت كل شيء وصلاته خاصة بخواص عباده.

وقولهم الصلاة من العباد بمعنى الدعاء مشكل من وجوه:

أحدها: أن الدعاء يكون بالخير والشر والصلاة لا تكون إلا في الخير.

الثاني: أن "دعوت" تعدّى باللام وصليت لا تُعدّى إلا بعلى، ودعاء المعدى بعلى ليس بمعنى صلى، وهذا يدل على أن الصلاة ليست بمعنى الدعاء.

الثالث: أن فعل الدعاء يقتضي مدعوًا أو مدعوًا له، تقول: دعوت الله لك بخير، وفعل الصلاة لا تقتضي ذلك، لا نقول: صليت الله عليك، ولا لك. فدل على أنه ليس بمعناه، فأي تباين أظهر من هذا، ولكن التقليد يعمي عن إدراك الحقائق فإياك والإخلاد إلى أرضه.

ورأيت لأبي القاسم السهيلي كلامًا حسنًا في اشتقاق الصلاة وهذا لفظه قال: معنى الصلاة اللفظة حيث تصرفت ترجع إلى الحنو والعطف، إلا أن الحنو والعطف يكون محسوسًا ومعقولًا فيضاف إلى الله منه ما يليق بجلاله وينفي عنه ما يتقدس عنه، كما أن العلو محسوس ومعقول. فالمحسوس منه صفات الأجسام. والمعقول منه صفة ذي الجلال والإكرام. وهذا المعنى كثير موجود في الصفات، والكثير يكون صفة للمحسوسات، وصفة للمعقولات وهو من أسماء الرب تعالى، وقد تقدس عن مشابهة الأجسام ومضاهاة الأنام. فالمضاف إليه من هذه المعاني معقولة غير محسوسة، ثم إذا ثبت هذا فالصلاة كما تسمى عطفًا وحنوًا. تقول: اللهم اعطف علينا أي ارحمنا، قال الشاعر:

وما زلت في ليني له وتعطفي ** عليه كما تحنو على الولد الأم

ورحمة العباد رقة في القلب إذا وجدها الراحم من نفسه انعطف على المرحوم وانثنى عليه. ورحمة الله للعباد جود وفضل، فإذا صلى عليه فقد أفضل عليه وأنعم. وهذه الأفعال إذا كانت من الله أو من العبد فهي متعدية بعلى مخصوصة بالخير لا تخرج عنه إلى غيره، فقد رجعت كلها إلى معنى واحد إلا أنها في معنى الدعاء. والرحمة صلاة معقولة أي انحناء معقول غير محسوس ثمرته من العبد الدعاء لأنه لا يقدر على أكثر منه، وثمرته من الله الإحسان والإنعام فلم تختلف الصلاة في معناها، إنما اختلفت ثمرتها الصادرة عنها. والصلاة التي هي الركوع والسجود انحناء محسوس فلم يختلف المعنى فيها إلا من جهة المعقول والمحسوس وليس ذلك باختلاف في الحقيقة، ولذلك تعدت كلها بعلى واتفقت في اللفظ المشتق من الصلاة ولم يجز صليت على العدو أي دعوت عليه فقد صار معنى الصلاة أرق وأبلغ من معنى الرحمة وإن كان راجعًا إليه، إذ ليس كل راحم ينحني على المرحوم ولا ينعطف عليه.

فائدة: اشتقاق الفعل من المصدر

رأيت للسهيلي فصلًا حسنًا في اشتقاق الفعل من المصدر هذا لفظه. قال: فائدة اشتقاق الفعل من المصدر. إن المصدر اسم كسائر الأسماء يخبر عنه، كما يخبر عنها. كقولك: أعجبني خروج زيد، فإذا ذكر المصدر وأخبر عنه كان الاسم الذي هو الفاعل له مجرورًا بالإضافة، والمضاف إليه تابع للمضاف، فإذا أرادوا أن يخبروا عن الاسم الفاعل للمصدر لم يكن الإخبار عنه وهو مخفوض تابع في اللفظ لغيره، وحق المخبر عنه أن يكون مرفوعًا مبدوءًا به فلم يبق إلا أن يدخلوا عليه حرفًا يدل على أنه مخبر عنه، كما تدل الحروف على معاني في الأسماء. وهذا لو فعلوه لكان الحرف حاجزًا بينه وبين الحدث في اللفظ. والحدث يستحيل انفصاله عن فاعله كما يستحيل انفصال الحركة عن محلها. فوجب أن يكون اللفظ غير منفصل، لأنه تابع للمعنى فلم يبق إلا أن يشتق من لفظ الحدث لفظ يكون كالحرف في النيابة عنه دالًا على معنى في غيره، ويكون متصلًا اتصال المضاف بالمضاف إليه وهو الفعل المشتق من لفظ الحدث، فإنه يدل على الحدث بالتضمن ويدل على الاسم مخبرًا عنه لا مضافًا إليه، إذ يستحيل إضافة لفظ الفعل إلى الاسم كاستحالة إضافة الحرف، لأن المضاف هو الشيء بعينه. والفعل ليس هو الشيء بعينه ولا يدل على معنى في نفسه، وإنما يدل على معنى في الفاعل وهو كونه مخبرًا عنه فإن قلت: كيف لا يدل على معنى في نفسه وهو يدل على الحدث. قلنا: إنما يدل على الحدث بالتضمن. والدال عليه بالمطابقة هو الضرب والقتل لا ضرب وقتل، ومن ثم وجب أن لا يضاف ولا يعرف بشيء من آلات التعريف، إذ التعريف يتعلق بالشيء بعينه لا بلفظ يدل على معنى في غيره، ومن ثم وجب أن لا يثنى ولا يجمع كالحرف، ومن ثم وجب أن يبنى كالحرف، ومن ثم وجب أن يكون عاملًا في الاسم كالحرف كما أن الحرف لما دل على معنى في غيره وجب أن يكون له أثر في لفظ ذلك الغير. كما له أثر في معناه، وإنما أعرب المستقبل ذو الزوائد لأنه تضمن معنى الاسم إذ الهمزة تدل على المتكلم والتاء على المخاطب والياء على الغالب. فلما تضمن بها معنى الاسم ضارعه فاعرب. كما أن الاسم إذا تضمن معنى الحرف بني. وأما الماضي والأمر فإنهما وإن تضمنا معنى الحدث وهو اسم فما شار كافيه الحرف من الدلالة على معنى في غيره وهي حقيقة الحرف أوجب بناءهما حتى إذا ضارع الفعل الاسم من وجه آخر غير التضمن للحدث خرج عن مضارعة الحرف وكان أقرب شبهًا بالأسماء كما تقدم. ولما قدمناه من دلالة الفعل على معنى في الاسم وهو كون الاسم مخبرًا عنه وجب أن لا يخلو عن ذلك الاسم مضمرًا أو مظهرًا بخلاف الحدث، فإنك تذكره ولا تذكر الفاعل مضمرًا ولا مظهرًا نحو قوله تعالى: { أو إطعام في يوم ذي مسغبة * يتيما ذا مقربة }، [21] وقوله: { وأقام الصلاة }، [22] والفعل لا بد من ذكر الفاعل بعده كما لا بد بعد الحرف من الاسم. فإذا ثبت المعنى في اشتقاق الفعل من المصدر وهو كونه دالًا على معنى في الاسم، فلا يحتاج من الأفعال الثلاثة إلا إلى صيغة واحدة. وتلك الصيغة هي لفظ الماضى لأنه أخف وأشبه بلفظ الحدث إلا أن تقوم الدلالة على اختلاف أحوال المحدث فتختلف صيغة الفعل. ألا ترى كيف تختلف صيغته بعد ما الظرفية من قولهم: لا أفعله ما لاح برق وما طار طائر لأنهم يريدون الحدث مخبرًا. عنه على الإطلاق من غير تعرض لزمن ولا حال من أحوال الحدث، فاقتصروا على صيغة واحدة وهي أخف أبنية الفعل. وكذلك فعلوا بعد التسوية نحو قوله: { سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم }، [23] وقوله: { أدعوتموهم أم أنتم صامتون }، [24] لأنه أراد التسوية بين الدعاء والصمت على الإطلاق من غير تقييد بوقت ولا حال، فلذلك لم يحتج إلا إلى صيغة واحدة وهي صيغة الماضي كما سبق.

فالحدث إذًا على ثلاثة أضرب. ضرب يحتاج إلى الإخبار عن فاعله وإلى اختلاف أحوال الحدث، فيشتق منه الفعل دلالة على كون الفاعل مخبرًا عنه، وتختلف أبنية دلالته على اختلاف أحوال الحدث. وضرب يحتاج إلى الإخبار عن فاعله على الإطلاق من غير تقييد بوقت ولا حال فيشتق منه الفعل ولا تختلف أبنية نحو ما ذكرناه من الفعل الواقع بعد التسوية وبعد ما الظرفية. وضرب لا يحتاج إلى الإخبار عن فاعله بل يحتاج إلى ذكره خاصة على الإطلاق مضافًا إلى ما بعده نحو سبحان الله. وسبحان اسم ينبىء عن العظمة والتنزيه فوقع القصد إلى ذكره مجردًا من التقييدات بالزمان أو بالأحوال ولذلك وجب نصبه. كما يجب نصب كل مقصود إليه بالذكر نحو إياك وويله وويحه وهما مصدران لم يشتق منهما فعل حيث لم يحتج إلى الإخبار عن فاعلهما ولا احتيج إلى تخصيصهما بزمن، فحكمها حكم سبحان ونصبهما كنصبه، لأنه مقصود إليه ومما انتصب لأنه مقصود إليه بالذكر زيدًا ضربته في قول شيخنا أبي الحسن وغيره من النحويين، وكذلك زيدًا ضربت بلا ضمير لا نجعله مفعولًا مقدمًا لأن المعمول لا يتقدم على عامله وهو مذهب قوي، ولكن لا يبعد عندي قول النحويين أنه مفعول مقدم وإن كان المعمول لا يتقدم على العامل والفعل كالحرف، لأنه عامل في الاسم ودال على معنى فيه فلا ينبغي للاسم أن يتقدم على الفعل كما لا يتقدم على الحرف، ولكن الفعل في قولك زيدًا ضربت قد أخذ معموله وهو الفاعل فمعتمده عليه ومن أجله صيغ. وأما المفعول فلم يبالوا به إذ ليس اعتماد الفعل عليه كاعتماده على الفاعل، ألا ترى أنه يحذف والفاعل لا يحذف فليس تقديمه على الفعل العامل فيه بأبعد من حذفه. وأما زيدًا ضربته فينتصب بالقصد إليه كما قال الشيخ.

و هذا الفصل من أعجب كلامه. ولم أعرف أحدًا من النحويين سبقه إليه.

فائدة: المصدر عند الكوفيين

قولهم للضرب ونحوه مصدر؛ إن أريد بحروف مصدر مصدر صدر يصدر مصدرًا فهو يقوي قول الكوفيين إن المصدر صادر عن الفعل مشتق منه والفعل أصله، وأصله على هذا صادر، ولكن توسعوا فيه كصوم وزوز وعلل في صائم وبابه.

قال السهيلي: هو على جهة المكان استعارة كأنه الموضع الذي صدرت عنه الأفعال والأصل الذي نشأت منه.

قلت: وكأنه يعني مصدورًا عنه لا صادر عن غيره.

قال: ولا بد من المجاز على القولين: فالكوفي يحتاج أن يقول الأصل صادر، فإذا قيل: مصدر قدر فيه حذف أي ذو مصدر، كما يقدر في صوم وبابه. ونحن نسميه مصدر استعارة من المصدر الذي هو المكان.

فائدة: عمل الحروف

أصل الحروف أن تكون عاملة، لأنها ليس لها معان في أنفسها، وإنما معانيها في غيرها، وأما الذي معناه في غيره وهو الاسم، فأصله أن لا يعمل في غيره، وإنما وجب أن يعمل الحرف في كل ما دل على معنى فيه، لأن اقتضاءه معنى فتقتضيه عملًا لأن الألفاظ تابعة للمعاني، فكما تشبث الحرف عما دخل عليه معنى وجب أن يتشبث به لفظًا، وذلك هو العمل.

فأصل الحرف أن يكون عاملًا فنسأل عن غير العامل، فنذكر الحروف التي لم تعمل وسبب سلبها العمل.

فمنها هل، فإنها تدخل على جملة قد عمل بعضها في بعض وسبق إليها عمل الابتداء أو الفاعلية فدخلت لمعنى في الجملة، لا لمعنى في اسم مفرد، فاكتفي بالعمل السابق قبل هذا الحرف وهو الابتداء ونحوه.

وكذلك الهمزة نحو أعمرو خارج فإن الحرف دخل لمعنى في الجملة ولا يمكن الوقوف عليه ولا يتوهم انقطاع الجملة عنه، لأنه حرف مفرد لا يوقف عليه ولو توهم ذلك فيه لعمل في الجمله ليؤكدوا بظهور أثره فيها تعلقه بها ودخوله عليها واقتضاؤه لها، كما فعلوا في إن وأخواتها حيث كانت كلمات من ثلاثة أحرف فصاعدًا يجوز الوقف عليها كأنه وليته ولعله فأعملوها في الجملة إظهارًا لارتباطها وشدة تعلقها بالحديث الواقع بعدها، وربما أرادوا توكيد تعلق الحرف بالجملة إذ كان مؤلفًا من حرفين. نحو هل فربما توهم الوقف عليه أو خيف ذهول السامع عنه، فأدخل في الجملة حرف زائد ينبه السامع عليه وقام ذلك الحرف مقام العمل نحو هل زيد بذاهب وما زيد بقائم. فإذا سمع المخاطب الباء وهي لا تدخل في الثبوت تأكد عنده ذكر النفي والاستفهام وأن الجملة غير منفصلة عنده، ولذلك أعمل أهل الحجاز ما النافية لشبهها بالجملة. ومن العرب من اكتفى في ذلك التعلق وتأكيده بإدخال الباء في الخبر ورآها ثابتة في التأثير عن العمل الذي هو النصب. وإنما اختلفوا في ما ولم يختلفوا في هل لمشاركة ما لليس في النفي. فحين أرادوا أن يكون لها أثر في الجملة يؤكد تشبهها بها جعلوا ذلك الأثر كأثر ليس وهو النصب والعمل في باب ليس أقوى، لأنها كلمة كليت ولعل وكأن. والوهم إلى انفصال الجملة عنها أسرع منه إلى توهم انفصال الجملة عن ما وهل فلم يكن بد من إعمال ليس وإبطال معنى الابتداء السابق، ولذلك إذا قلت: ما زيد إلا قائم لم يعملها أحد منهم، لأنه لا يتوهم انقطاع زيد عن ما، لأن إلا لا تكون إيجابًا إلا بعد نفي فلم يتوهم انفصال الجملة عن ما. ولذلك لم يعملوها عند تقديم الخبر نحو ما قائم زيد إذ ليس من رتبة النكرة أن يكون مبدوءًا بها مخبرًا عنها إلا مع الاعتماد على ما قبلها، فلم يتوهم المخاطب انقطاع الجملة عما قبلها، لهذا السبب فلم يحتج إلى إعمالها وإظهارها كما كان قبل دخولها مستغنيًا عن تأثيرها فيه.

وأما حرف لا فإن كان عاطفًا فحكمه حكم حروف العطف ولاشيء فها عامل. وإن لم تكن عاطفة نحو لا زيد قائم ولا عمرو، فلا حاجة إلى إعمالها في الجملة، لأنه لا يتوهم انفصال الجملة بقوله: ولا عمرو، لأن الواو مع لا الثانية تشعر بالأولى لا محالة وتربط الكلام بها فلم يحتج إلى إعمالها وبقيت الجملة عاملًا فيها الابتداء كما كانت قبل دخول لا. فإن قلت: فلو لم يعطف وقلت: لا زيد قائم، قلت: هذا لا يجوز لأن لا ينفي بها في أكثر الكلام ما قبلها تقول هل قام زيد؟ فيقال: لا، وقال سبحانه: { لا أقسم بيوم القيامة } [25] وليست نفيًا لما بعدها هنا بخلاف ما لو قيل: ما أقسم فإن ما لا تكون أبدًا إلا نفيًا لما بعدها، فلذلك قالوا: ما زيد قائم، ولم يخشوا توهم انقطاع الجملة عنها. ولو قالوا: لا زيد قائم لخيف أن يتوهم أن الجملة موجبة وأن لا كهي في النكرات نحو: { لا لغو فيها ولا تأثيم }، [26] إلا أنهم في النكرات قد أدخلوها على المبتدأ والخبر تشبيهًا لها بليس، لأن النكرة أبعد في الابتداء من المعرفة، والمعرفة أشد استبدادًا بأول الكلام.

وأما التي للتنزيه فللنحويين فيها اختلاف أهي عاملة أم لا. فإن كانت عاملة فكما اعملوا أن حرصًا على اظهار تشبثها بالحديث. وإن كانت غير عاملة كما ذهب إليه سيبويه والاسم بعدها مركب معها مبني على الفتح فليس الكلام فيه.

وأما حرف النداء فعامل في المنادى عند بعضهم قال: والذي يظهر لي الآن أن النداء تصويت بالمنادى نحوها. وأن المنادى منصوب بالقصد إليه وإلى ذكره، كما تقدم من قولنا في كل مقصود إلى ذكره مجردًا عن الإخبار عنه أنه منصوب، ويدلك على أن حرف النداء ليس بعامل وجود العمل في الاسم دونه نحو صاحب زيد أقبل ويوسف أعرض عن هذا، وإن كان مبنيًا عندهم فإنه بناء كالعمل. ألا تراه ينعت على اللفظ كما ينعت المعرب ولو كان حرف النداء عاملًا لما جاز حذفه وإبقاء عمله.

فإن قلت: فلم عملت النواصب والجوازم في المضارع والفعل بعدها جملة قد عمل بعضه في بعض. ثم إن المضارع قبل دخول العامل عليه كان مرفوعًا، ورفعه بعامل وهو وقوعه موقع الاسم. فهلا منع هذا العامل هذه الحروف من العمل كما منع الابتداء الحروفَ الداخلة على الجملة من العمل، إلا أن يُخشى انقطاع الجملة كما خيف في إن وأخواتها.

فالجواب من وجهين:

أحدهما أن العامل في المبتدإ وإن كان معنويا كما أن الرافع للفعل المضارع معنوي، ولكنه أقوى منه، لأن حق كل مخبر عنه أن يكون مرفوعًا لفظًا وحسًا، كما أنه مرفوع معنى وعقلًا، ولذلك استحق الفاعل الرفع دون المفعول لأنه المحدث عنه بالفعل فهو أرفع رتبة في المعنى فوجب أن يكون اللفظ، كذلك لأنه تابع للمعنى. وأما رفع الفعل المضارع فلوقوعه موقع الاسم المخبر عنه والاسم التابع له، فلم يقو قوته في استحقاق الرفع. فلم يمنع شيئًا من الحروف اللفظية عن العمل، إذ اللفظي أقوى من المعنوي وامتنع ذلك في بعض الأسماء المبتدأة لضعف الحروف وقلة العامل السابق للمبتدإ.

الجواب الثاني أن هذه الحروف لم تدخل لمعنى في الجملة إنما دخلت لمعنى في الفعل المتضمن للحدث من نفي أو إنكار أو نهي أو جزاء أو غيره، وذلك كله يتعلق بالفعل خاصة لا بالجملة فوجب عملها فيها كما وجب عمل حروف الجر في الأسماء من حيث دلت على معنى فيها ولم تكن داخلة على جملة، وقد سبق إليها عامل معنوي ولا لفظي.

ومما ينبغي أن يعلم أن النواصب والجوازم لا تدخل على الفعل الواقع موقع الاسم لحصوله في موضع الأسماء، فلا سبيل لنواصب الأفعال وجوازمها أن تدخل على الأسماء ولا ما هو واقع موقعها فهي إذا دخلت على الفعل خلصته للاستقبال ونفت عنه معنى الحال. وهذا معنى يختص بالفعل لا بالجملة.

وأما إلا في الاستثناء فقد زعم بعضهم أنها عاملة ونقض ذلك بقولهم: ما قام أحد إلا زيد وما جاءني إلا عمرو. والصحيح أنها موصلة الفعل إلى العمل في الاسم بعدها كتوصيل واو المفعول معه الفعل إلى العمل فيما بعدها، وليس هذا يكسر الأصل الذي قدمناه، وهو استحقاق جميع الحروف العمل فيما دخلت عليه من الأسماء المفردة والأفعال، لأنها إذا كانت موصلة للفعل. والفعل عامل فكأنها هي العاملة، فإذا قلت: ما قام إلا زيد، فقد اعملت الفعل على معنى الإيجاب. كما لو قلت قام زيد لا عمرو. وقامت لا مقام نفي الفعل عن عمرو، فلذلك قامت إلا مقام إيجاب الفعل لزيد. إذا قلت: ما جاءني إلا زيد، فكأنها هي العاملة فاستغنوا عن أعمالها عملًا آخر.

وكذلك حروف العطف وإن لم تكن عوامل، فإنما جاءت الواو الجامعة منها لتجمع بين الاسمين في الإخبار عنهما بالفعل فقد أوصلت الفعل إلى العمل في الثاني وسائر حروف العطف يتقدر بعدها العامل، فيكون في حكم الحروف الداخلة على الجمل. وإذا قلت: قام زيد وعمرو. فكأنك قلت: قام زيد وقام عمرو فصارت هذه الحروف كالداخلة على الجمل. فقد تقدم في الحروف الداخلة على الجمل أنها لا تستحق من العمل فيها ما تستحق الحروف الداخلة على الأسماء المفردة والأفعال.

ونقيس على ما تقدم لام التوكيد وتركهم أعمالها في الجملة مع أنها لا تدخل لمعنى في الجملة فقط، بل لتربط ما قبلها من القسم بما بعدها. وهذا هو الأصل فيها حتى أنهم ليذكرونها دون القسم فيشعر عند المخاطب بالنهي كقوله:

إني لأمنحك الصدود وإنني ** قسمًا إليك مع الصدود لأميل

لأنه حين قال: لأمنحك علم أنه قد أقسم، فلذلك قال: قسمًا وهذا الأصل محيط بجميع أصول أعمال الحروف وغيرها من العوامل وكاشف عن أسرار العمل للأفعال وغيرها من الحروف في الأسماء، ومنبهة على سر امتناع الأسماء أن تكون عاملة في غيرها، هذا لفظ السهيلي والله أعلم.

فائدة: اختصاص الإعراب بالأواخر

اختص الإعراب بالأواخر، لأنه دليل على المعاني اللاحقة للمعرب، وتلك المعاني لا تلحقه إلا بعد تحصيله وحصول العلم بحقيقته، فوجب أن يترتب الإعراب بعده كما ترتب مدلوله الذي هو الوصف في المعرب.

فائدة: وصف الحرف بالحركة

قولهم حرف متحرك وتحركت الواو ونحو ذلك تساهل منهم، فإن الحركة عبارة عن انتقال الجسم من حيز إلى حيز، والحرف جزء من المصوت ومحال أن تقوم الحركة بالحرف، لأنه عرض والحركة لا تقوم بالعرض، وإنما المتحرك في الحقيقة هو العضو من الشفتين أو اللسان أو الحنك الذي يخرج منه الحرف.

فالضمة عبارة عن تحريك الشفتين بالضم عند النطق فيحدث مع ذلك صويت خفي مقارن للحرف إن امتد كان واوًا، وإن قصر كان ضمة، وكذلك الفتحة عبارة عن فتح الشفتين عند النطق بالحرف وحدوث الصوت الخفي الذي يسمى فتحة أو نصبة وإن مدت كانت ألفًا وإن قصرت فهي فتحة، وكذلك القول في الكسرة، والسكون عبارة عن خلو العضو من الحركات عند النطق بالحرف فلا يحدث بعد الحرف صوت فينجزم عند ذلك أي ينقطع، فلذلك سمي جزمًا اعتبارًا بانجزام المصوت وهو انقطاعه وسكونًا اعتبارًا بالعضو الساكن.

فقولهم: فتح وضم وكسر هو من صفة العضو. وإذا سميت ذلك رفعًا ونصبًا وجزمًا وجرًا في من صفة الصوت، لأنه يرتفع عند ضم الشفتين، وينتصب عند فتحهما، وينخفض عند كسرهما، وينجزم عند سكونهما، ولهذا عبروا عنه بالرفع والنصب والجر عن حركات الإعراب، إذ الإعراب لا يكون إلا بعامل وسبب. كما أن هذه الصفات التي تضاف إلى الصوت من رفع ونصب وخفض، إنما تكون بسبب وهو حركة العضو. واقتضت الحكمة اللفظية أن يعبر بما يكون عن سبب عما يكون عن سبب وهو الإعراب. وأن يعبر بالفتح والضم والكسر والسكون عن أحوال البناء، فإن البناء لا يكون بسبب، وأعني بالسبب العامل فاقتضت الحكمة أن يعبر عن تلك الأحوال بما يكون وجوده تغيرًا له إذ الحركات الموجودة في العضو لا تكون إلا بآلة كما تكون الصفات المضافة إلى الموصوف.

وعندي أن هذا ليس باستدراك على النحاة فإن الحرف وإن كان عرضًا فقد يوصف بالحركة تبعًا لحركة محله. فإن الأعراض وإن لم تتحرك بأنفسها فهي تتحرك بحركة محالها وعلى هذا، فقد اندفع الإشكال جملة.

وأما المناسبة إلى ذكرها في اختصاص الألقاب فحسنة. غير أن كثيرًا من النحاة يطلقون كلًا منها على الآخر. ولهذا يقولون: في قام زيد مرفوع علامة رفعه ضمة آخره ولا يقولون رفعه آخره فدل على إطلاق كل منهما على الآخر.

فائدة: تقول نونت الكلمة وسينتها وكوفتها وزويتها

تقول: نونت الكلمة ألحقت بها نونًا، وسينتها ألحقت بها سينًا، وكوفتها ألحقت بها كافًا. فإن ألحقت بها زايًا. قلت: زويتها لأن ألف الزاي منقلبة عن واو لأن باب طويت أكثر من باب حوة وقوة. وقال بعضهم زييتها وليس بشيء.

فائدة: التنوين في الكلمة

التنوين فائدته التفرقة بين فصل الكلمة ووصلها فلا تدخل في الاسم إلا علامة على انفصاله عما بعده، ولهذا كثر في النكرات لفرط احتياجها إلى التخصيص بالإضافة، فإذا لم تضف احتاجت إلى التنوين تنبيهًا على أنها غير مضافة، ولا تكاد المعارف تحتاج إلى ذلك إلا فيما قل من الكلام لاستغنائها في الأكثر عن زيادة تخصيصها وما لا يتصور فيه الإضافة بحال، كالمضمر والمبهم لا ينون بحال، وكذلك المعرف باللام وهذه علة عدم التنوين وقفًا إذ الموقوف عليه لا يضاف. واختصت النون الساكنة بالدلالة على هذا المعنى لأن الأصل في الدلالة على المعاني الطارئة على الأسماء أن تكون بحروف المد واللين وأبعاضها وهي الحركات الثلاث فمتى قدر عليها فهي الأصل. فإن تعذرت فأقرب شبهًا بها وآخر الأسماء المعربة قد لحقها حركات الإعراب فلم يبق لدخول حركة أخرى عليها سبيل ولا لحروف المد واللين، لأنها مشبعة من تلك الحركات ولأنها عرضة الإعلال والتغير. فأشبه شيء بها النون الساكنة لخفائها وسكونها وإنها من حروف الزيادة وإنها من علامات الإعراب، ولهذه العلة لا ينون الفعل لاتصاله بفاعله واحتياجه إلى ما بعده.

فائدة: الحكمة في علامة التصغير

جعلت علامة التصغير ضم أوله وفتح ثانيه وياء ثالثة.

وحكمة ذلك والله أعلم ما أشار إليه السهيلي فقال: التصغير تقليل أجزاء المصغر والجمع مقابله، وقد زيد في الجمع ألف ثالثة كفعالل فزيد في مقابلته ياء ثالثة ولم يكن آخرًا كعلامة التأنيث، لأن الزيادة في اللفظ على حسب الزيادة في المعنى. والصفة التي هي صغر الجسم لا تختص بجزء منه دون جزء بخلاف صفة التأنيث فإنها مختصة في جميع الحيوانات بطرف يقع به الفرق بين الذكر والأنثى. وكانت العلامة في اللفظ المنبئة عن معنى المناسبة طرفًا في اللفظ بخلاف الياء في التصغير، فإنها منبئة عن صفة واقعة على جملة المصغر. وكانت ياء لا ألفًا لأن الألف قد اختصت بجمع التذكير وكانت به أولى، كما كانت الفتحة التي هي أخفها بذلك أولى، لأن الفتح ينبىء عن الكثرة، ويشار به إلى السعة كما تجد الأخرس والأعجم بطبعه. إذا أخبر عن شيء كثير فتح شفتيه وباعد ما بين يديه، وإذا كان الفتح ينبىء عن السعة والضم الذي هو ضده ينبىء عن القلة والحقارة، كما تجد لم المقلل للشيء يشير إليه بضم يد أو فم. كما فعل رسول الله ﷺ حين ذكر ساعة الجمعة وأشار بيده يقللها فإنه جمع أصابعه وضمها ولم يفتحها.

وأما الواو فلا معنى لها في التصغير لوجهين. أحدهما: دخولها في ضرب من الجموع نحو المفعول فلم يكونوا يجعلونها علامة في التصغير فيلتبس التقليل بالتكثير. والثاني: أنه لا بد من كسر ما بعد علامة التصغير إذا لم يكن حرف إعراب كما كسر ما بعد علامة التكسير في مفاعل ليتقابل اللفظان، وإن تضادا كما قابلوا علم بجهل وروى بعطش، ووضع فهو وضيع بشرف فهو شريف. فلم يمكن إدخال الواو لئلا يخرجوا منها إلى كسرة واستبقيت الألف لأجل أصل الجمع لها بقيت الياء وفتح ما قبلها لأجل ضم أول الكلمة لئلا يخرج من ضم إلى كسر.

فائدة: تنوع الأفعال

الأفعال واجب وممكن ومنتف أو في حكمه. فالرفع للواجب والنصب للممكن، والجزم الذي هو عدم الحركة للمنفي، أو ما في حكمه هذا هو الأصل، وقد يخالف وإن شئت قلت: الأفعال ثلاثة أقسام: واقع موقع الاسم فله الرفع نحو هل تضرب واقع موقع ضارب. وفعل في تأويل الاسم فله النصب نحو أريد أن تقوم أي قيامك. وفعل لا واقع موقع اسم ولا في تأويله فله الجزم نحو لم يقم.

فائدة: إضافة ظروف الزمان للأحداث

إنما أضيفت ظروف الزمان إلى الأحداث الواقعة فيها نحو، يوم يقوم زيد، لأنها أوقات لها وواقعة فيها فهي لاختصاصها بها أضيف إليها وهذا بخلاف ظروف المكان لأنها لا تختص بتلك الأحداث. فإن اختصت غالبًا حسنت الإضافة نحو هذا مكان يجلس القاضي ويكون بمنزلة يوم يجلس القاضي سواء، وربما أضيفت أسماء الزمان إلى أحداث لا تقع فيها لاتصالها بها كقوله تعالى: { ليلة الصيام }. [27] فالليلة من ظروف الزمان وقد أضيفت إلى الصيام، وليس بواقع فيها. فلما جاز في بعض الكلام أن يضاف الظرف إلى الاسم الذي هو الحدث وإن لم يكن واقعًا فيه أضافوه إلى الفعل لفظًا وهو مضاف إلى الحدث معنى. واقحم لفظ الفعل إقرارًا للمعنى وتخصيصًا للغرض ورفعًا لشوائب الاحتمال، حتى إذا سمع المخاطب قولك يوم قام زيد علم أنك تريد اليوم الذي قام فيه زيد، ولو قلت مكان قولك ليلة الصيام ليلة صيام زيد ما كان له معنى إلا وقوع الصيام في الليل، فهو الذي حملهم على إقحام لفظ الفعل عند إرادتهم. إضافة الظروف إلى الأحداث وقس على ذلك المبتدأ والخبر. وأما ريث فبمنزلة الظرف وقد صارت في معناه، وكذلك حيث وذي تسلم أن المعنى في قول بعضهم اذهب لوقت ذي تسلم، أي سلامتك. فلما حذفت المنعوت وأقمت النعت مقامه أضفته إلى ما كنت تضيف إليه المنعوت وهو الوقت. قال السهيلي: وهو عندي على الحكاية حكوا قول الداعي تسلم كما تعيش وتبقي فقولهم، اذهب بذي تسلم. أي اذهب بهذا القول مني. ولم يقولوا اذهب بتسلم لئلا يكون اقتصارًا على دعوة واحدة، ولكن قالوا: بذي تسلم أي بقول يقال فيه تسلم يريدرن هذا المعنى وحذفوا القول المنعوت بذي اكتفاء بدلالة الحال عليه. وأما قوله * بآية ما يحبون الطعام * فالآية هي العلامة وهي ههنا بمعنى الوقت، لأن الوقت علامة للوقت والذي يجوز إضافته من ظروف الزمان إلى الفعل، ما كان منها مفردًا متمكنًا جاز إضافته إليها، وما كان مثنى كيومين ونحوه لم يضف إليها، لأن الحدث إنما يقع مضافًا لظرفه الذي هو وقت له فلا معنى لذكر وقت آخر. وأيضا فالجملة المضاف إليها نعت للظرف في المعنى. فقولك: يوم قام زيد، كقولك يوم قام زيد فيه في المعنى، والفعل لا يدخله التثنية فلا يصح أن يضاف إليه الاثنان، كما لا يصح أن ينعت الاثنان بالواحد.

وجه ثالث وهو أن قولك: قام زيد يوما قام عمر. ولم يصح إلا أن يكون جوابًا لمتى. واليومان جواب لكم وما هو جواب لكم لا يكون جوابًا لمتى أصلًا فإن أضفت اليومين إلى الفعل صرت مناقضًا لجمعك بين الكمية وبين ما لا يكون إلا لمتى. وأما الأيام فربما جاء إضافتها مجموعة إلى الفعل لأنها قد يراد بها معنى الفرد، كالشهر والأسبوع والحول وغيره، وكذلك غير المتمكن كقبل وبعد لا يضاف إلى الفعل، لأنك لو أضفتها إليه لاقتضت إضافتها إليه ما يقتضيه قولك يوم قام زيد أي اليوم الذي قام فيه، وذلك محال في قبل وبعد لأنه يؤول إلى إبطال معنى القبلية والبعدية. وأما سحر يوم بعينه فيمتنع من إضافته إلى الفعل لما فيه من معنى اللام فقس على هذا.

(فائدة: قياس الأسماء الخمسة أن تكون مقصورة)

وقال السهيلي قياس الأسماء الخمسة أن تكون مقصورة لأن أصلها أبو أخو والواو إذا تحركت وانفتح ما قبلها تقلب ألفًا تكون مقصورة كما هو إحدى لغاتها، ولكن هذه الأسماء حذفت أواخرها في حال الإفراد والإنفصال عن الإضافة. وقال لي بعض أشياخنا في بعلبك: إن التنوين لما أوجب حذف الألف المنقلبة لالتقاء الساكنين حذفوها رأسًا كما قيل:

رأى الأمر يفضي إلى آخر ** فصير آخره أولًا

فإذا أضيفت وزالت عند التنوين رجعت الحروف المحذوفة وكان الإعراب فيها مقدرًا كما هو مقدر في الأسماء المقصورة، وقال بهذا بعض النحاة. قال: والأمر فيها عندي أنها علامات إعراب، وليست حروف إعراب والمحذوف منها لا يعود إليها في الإضافة كما لا يعود المحذوف من يد ودم. وبرهان ذلك أنك تقول أخي وأبي إذا أضفت إلى نفسك كما تقول: يدي ودمي، لأن حركات الإعراب لا تجتمع مع ياء المتكلم كما تجتمع معها واو الجمع، فلو كانت الواو في أخوك حرف إعراب لقلت في الإضافة إلى نفسك هذا أخي كما تقول هؤلاء مسلمي فتدغم الواو في الياء لأنها حرف إعراب عند سيبويه. وهي عند غيره علامات إعراب، فإذا كانت واو الجمع تثبت مع ياء المتكلم وهي غير زائدة وهي عند غيره علامة إعراب. فكيف يحذف لام الفعل وهو أحق بالثبات منها؟ فقد وضح لك أنها ليست الحروف المحذوفة هي الأصلية.

فإن قيل: فلم أعربت بالحروف ولم أعلت بالحذف دون القلب خلافًا لنظائرها، مما علته كعلتها. وهي الأسماء المقصورة. قلنا في ذلك جواب لطيف وهو: أن اللفظ جسد والمعنى روح فهو تبع له في صحته واعتلاله، والزيادة فيه والنقصان منه كما أن الجسد مع الروح، كذلك فجميع ما يعتري اللفظ من زيادة أو حذف، فإنما يكون بحسب ما يكون في المعنى اللهم إلا أن يكثر استعمال كلمة فتحذف منها تخفيفًا على اللسان لكثرة دورها فيه، ولعلم المخاطب بمعناها كقولهم: إيش في أي شيء ولم أبل.

وهذه الأسماء الخمسة مضافة إلى المعنى، فإذا قطعت عن الإضافة وأفردت نقص المعنى فينقص اللفظ تبعًا له، مع أن أواخرها حروف علة فلا بد من تغييرها. إما بقلب وإما بحذف، وكان الحذف فيها أولى كما قدمنا وكان ينبغي على هذا أن يتم لفظها في حال الإضافة كما تم معناها. إلا أنهم كرهوا أن يخلوا الخاء من أخ والباء من أب من الإعراب الحاصل فيها، إذ ليس في الكلام ما يكون حرف إعراب في حال الإفراد دون الإضافة. فجمعوا بين الغرضين ولم يبطلوا أحد القياسين فمكنوا الحركات التي هي علامات الإعراب في الأفراد. فصارت حروف مد ولين في الإضافة، وقد تقدم أن الحركة بعض الحرف، فالضمة التي في قولك أخ هي بعينها علامة الرفع في أخوك إلا أن المصوت بها يمد ليتمموا اللفظ كما تمموا المعنى بالإضافة إلى ما بعد الاسم ولم يحتاجوا مع تطويل حركات الإعراب إلى إعادة ما حذف من الكلمة رأسًا، كما لا يعاد محذوف يد ودم.

وأما التثنية فإنهم صححوا اللفظ فيها بإعادة المحذوف تنبيهًا على الأصل وهو الانقلاب إلى ألف فقالوا: أخوان وأبوان. كما قالوا: عضوان ونضوان، لأن قياسه في الأصل كقياسه بخلاف يد ودم فإن أصلهما يدي ودمي فلم يكن بابها كباب عصى ورحا. فاستمر الحذف فيهما في التثنية والإفراد.

فإن قيل: فلم لا يعود في ابن في تثنية ولا إضافة. قيل: لأنهم عوضوا من المحذوف ألف الوصل في ابن واسم فلم يجمعوا بين العوض والمعوض بخلاف أخ وأب، ومنعهم أن يعوضوا من المحذوف في أخ وأب الهمزة التي في أولها فرارًا من اجتماع همزتين. وأما حم فأصله حمأ بالهمزة فلم يكونوا ليعوضوا من الهمزة همزة أخرى فجعلوه كأخ وأب.

فإن قيل: فلم قالوا في جمعه بنون دون ابنون. قيل: الجمع قد يلحقه التغيير بالكسر وغيره، بخلاف التثنية فإنها لا يتغير فيها لفظ الواحد بحال، مع أنهم رأوا أن جمع السلامة لا بد فيه من واو في الرفع، وياء مكسور ما قبلها في النصب والخفض فأثسبهت حاله حال ما لم يحذف منه شيء. وليست هذه العلة في التثنية، ولم يقولوا: أبنات، كما قالوا: ابنتان. فإنهم حملوا جمع المؤنث على جمع المذكر لئلا يختلف.

وأما أخت وبنت فتاء أخت مبدلة من واو كتاء تراث وتخمة، وإنما حملهم على ذلك ههنا، إنهم رأوا المذكر قد حذفت لامه في الإفراد. فقالوا: أخ وكان القياس أن يقولوا: في المؤنث أخت كسنة، ولو فعلوا ذلك، لكانت تلك التاء حرف إعراب في الإضافة والإفراد ولم يمكنهم أن يعيدوا المحذوف في الإضافة إلى اللفظ، فيخالف لفظه لفظ المذكر، ولا أمكنهم من تطويل الصوت بالحركات ما أمكنهم في التذكير، لأن ما قبل تاء التأنيث ليس بحرف إعراب، ولا أمكنهم نقصان اللفظ في الموطن الذي تم فيه المعنى، فجمعوا بين الأغراض بإبدالها تاء لتكون في حال الإفراد علمًا للتأنيث وفي حال الإضافة من تمام الاسم كالحرف الأصلي إذ هو موطن تتميم كما تقدم، وسكنوا ما قبلها لتكون بمنزلة الحرف الأصلي، وضموا أول الكلمة إشعارًا بالواو وكسروها في بنت إشعارًا بالياء، لأنها من بنيت.

وقالوا في تأنيث ابن: ابنة وبنت ولم يقولوا في تأنيث أخ إلا أخت. والعلة في ذلك مستقراة كما تقدم.

وأما قولهم فوك وفاك وفيك فحروف المد فيها حروف إعراب لانفرادها فلم يلزم فيها ما لزم في الخاء والباء ألا تراهم يقولون: هذا في وجعلته في في كما يقولون: مسلمي فيثبتونها مع ياء المتكلم. وهذا يدلك على أنها حرف إعراب بخلاف أخواتها، ألا تراهم في حال الإفراد كيف أبدلوا من الواو ميمًا لتتعاقب عليها حركات الإعراب ويدخلها التنوين. إذ لو لم يبدلوها ميمًا لأذهبها التنوين في الإفراد، وبقيت الكلمة على حرف واحد. فإذا أضيفت زالت العلة حيث أثبتوا التنوين فلم يحتاجوا إلى قلبها ميمًا.

فإن قلت: أين علامات الإعراب في حال الأصالة؟ قلت: مقدر فيها. وإن شئت قلت: تغير صيغها في الأحوال الثلاثة هو الإعراب والمتغير هو حرف الإعراب فإن قلت: فلم لم تثبت الألف في حال النصب إذا أضيفت إلى ضمير المتكلم. فتقول: فأي كعصاي. قلت: الفرق أن ألف عصا ثابتة في جميع الأحوال، وهذه لا تكون إلا في حال النصب وقد قلبت تلك ياء في لغة طي، فهذه أحرى بالقلب.

وأما ذو مال فكان الأظهر فيه أن يكون حرف العلة حرف إعراب، وأن لا يكون الاسم على حرفين كما هو في بعض الأسماء المبهمة، كذلك يدلك على ذلك قولهم في الجمع: ذوو مال وذوات مال إلا أنه قد جاء في القرآن ذواتا أفنان وذواتي أكل، وهذا ينبىء أن الاسم ثلاثي ولامه ياء انقلبت ألفا في تثنية المؤنث خاصة.

وقولهم في التثنية: ذواتي وفي الجمع ذوات، والجمع كان أحق بالرد في التثنية، لأن التثنية أقرب إلى لفظ واحد ولأنها أقرب إلى معناه، ألا تراهم يقولون: أخت وأختان وأخوات وابنة وابنتان، لا تقول في الجمع: ابنتات، [28] فلذلك كان القياس حين قالوا: ذوات فلم يردوا لام الكلمة. (ألا يردوا في التثنية).

والعلة فيه أن ألف ذو وإن كانت منقلبة عن واو فإن انقلابها ليس بلازم، وإنما هو عارض بدخول التأنيث ولولا التأنيث لكانت واوًا وفي حال الرفع غير منقلبة، وياء في حال الخفض، والتثنية أقرب إلى الواحد لفظًا ومعنى فلذلك حين ثبوتها جعلوها واوًا. كما هي في الواحد إذ كان مرفوعًا ومثنى ومجموعًا وكان حكم الواو أغلب عليها من حكم الياء والألف، ثم ردوا لام الفعل لأنهم لو لم يردوها لقالوا ذواتا مال في حال الرفع، فيلتبس بالفعل نحو رمتا وقضتا إذا أخبرت عن امرأتين وذواتا من الذوي فكان في رد اللام رفع لهذا اللبس.

وفرق بين ما يصح عينه في المذكر نحو ذات وذو وبين ما لا يصح عينه في مذكر ولا جمع نحو شاة فإنك تقول في تثنيته: شاتان كقياس ذات وليس في جمع ذات ما يوجب رد لامها كما في تثنيتها كما تقدم.

وأما سنتان وشفتان فلا يلزم فيهما من الالتباس بالفعل ما لزم في ذواتا لو قيل لأن نون الاثنين لا تحذف منهما حذفًا لازمًا لأنهما غير مضافين في أكثر الكلام بخلاف ذواتا، فإن النون لا توجد فيها البتة للزومها الإضافة.

فوائد تتعلق بالحروف الروابط بين الجملتين وأحكام الشرط

وفيها مباحث وقواعد عزيزة نافعة تحررت بعد فكر طويل بحمد الله.

فائدة: الروابط بين جملتين

الروابط بين جملتين هي الأدوات التي تجعل بينهما تلازمًا لم يفهم قبل دخولها وهي أربعة أقسام:

أحدها: ما يوجب تلازمًا مطلقًا بين الجملتين. أما بين ثبوت وثبوت، أو بين نفي ونفي، أو بين نفي وثبوت. وعكسه في المستقبل خاصة وهو حرف الشرط البسيط كان فإنها تلازم بين هذه الصور كلها. تقول: إن اتقيت الله أفلحت وإن لم تتق الله لم تفلح. وإن أطعت الله لم تخب، وإن لم تطع الله خسرت. ولهذا كانت أم الباب واعم أدواته تصرفًا.

القسم الثاني: أداة تلازم بين هذه الأقسام الأربعة تكون في الماضي خاصة. وهي لما تقول: لما قام أكرمته. وكثير من النحاة يجعلها ظرف زمان. وتقول: إذا دخلت على الفعل الماضي فهي اسم، وإن دخلت على المستقبل فهي حرف. ونص سيبويه على خلاف ذلك وجعلها من أقسام الحروف التي تربط بين الجملتين ومثال الأقسام الأربعة. لما قام أكرمته ولما لم يقم لم أكرمه ولما لم يقم أكرمته، ولما قام لم أكرمه.

القسم الثالث: أداة تلازم بين امتناع الشيء لامتناع غيره، وهي لو نحو لو أسلم الكافر نجا من عذاب الله.

القسم الرابع: أداة تلازم بين امتناع الشيء ووجود غيره وهي لولا نحو: لولا أن هدانا الله لضللنا.

وتفصيل هذا الباب برسم عشرة مسائل.

المسألة الأولى: المشهور أن الشرط والجزاء لا يتعلقان إلا بالمستقبل، فإن كان ماضي اللفظ كان مستقبل المعنى. كقولك: إن مت على الإسلام دخلت الجنة، ثم للنحاة فيه تقدير إن أحدهما: إن الفعل ذو تغير في اللفظ وكان الأصل إن تمت مسلمًا تدخل الجنة، فغير لفظ المضارع إلى الماضي تنزيلًا له منزلة المحقق. والثاني أنه ذو تغير في المعنى وإن حرف الشرط لما دخل عليه قلب معناه إلى الاستقبال. وبقي لفظه على حاله. والتقدير الأول أفقه في العربية لموافقته تصرف العرب في إقامتها الماضي مقام المستقبل وتنزيلها المنتظر منزلة الواقع المتيقن نحو: { أتى أمر الله }، [29] { ونفخ في الصور }، [30] ونظائره، فإذا تقرر ذلك في الفعل المجرد فليفهم مثله المقارن لأداة الشرط. وأيضا فإن تغيير الألفاظ أسهل عليهم من تغيير المعاني، لأنهم يتلاعبون بالألفاظ مع محافظتهم على المعنى. وأيضا فإنهم إذا أعربوا الشرط أتوا بأداته ثم اتبعوها فعله يتلوه الجزاء، فإذا أتوا بالأداة جاؤوا بعدها بالفعل وكان حقه أن يكون مستقبلًا لفظًا ومعنى، فعدلوا عن لفظ المستقبل إلى الماضي لما ذكرنا فعدلوا عن صيغة إلى صيغة. وعلى التقدير الثاني كأنهم وضعوا فعل الشرط والجزاء أولا ماضيين، ثم أدخلوا عليهما الأداة فانقلبا مستقبلين والترتيب والقصد يأبى ذلك فتأمله.

المسألة الثانية: قال تعالى عن عيسى عليه الصلاة والسلام: { إن كنت قلته فقد علمته }، [31] فهذا شرط دخل على ماضي اللفظ، وهو ماضي المعنى قطعًا، لأن المسيح إما أن يكون صدر هذا الكلام منه بعد رفعه إلى السماء أو يكون حكاية ما يقوله يوم القيامة. وعلى التقديرين فإنما تعلق الشرط وجزاؤه بالماضي وغلط على الله من قال: إن هذا القول وقع منه في الدنيا قبل رفعه. والتقدير إن أكن أقول: هذا فإنك تعلمه. وهذا تحريف للآية، لأن هذا الجواب إنما صدر منه بعد سؤال الله له عن ذلك، والله لم يسأله وهو بين أظهر قومه ولا اتخذوه وأمه إلهين إلا بعد رفعه بمئين من السنين فلا يجوز تحريف كلام الله انتصارًا لقاعدة نحوية هدم مائة أمثالها أسهل من تحريف معنى الآية. وقال ابن السراج في أصوله: يجب تأويلهما بفعلين مستقبلين تقديرهما إن ثبت في المستقبل. أني قلته في الماضي يثبت أنك علمته. وكل شيء تقرر في الماضي كان ثبوته في المستقبل فيحسن التعليق عليه.

وهذا الجواب أيضا ضعيف جدًا ولا ينبىء عنه اللفظ. وليت شعري ما يصنعون بقول النبي ﷺ: «إن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه»، هل يقول عاقل إن الشرط هنا مستقبل. أما التأويل الأول فمنتف هنا قطعًا. وأما الثاني فلا يخفي وجه التعسف فيه، وإنه لم يقصد أنه يثبت في المستقبل إنك أذنبت في الماضي فتوبي ولا قصد هذا المعنى، وإنما المقصود المراد ما دل عليه الكلام إن كان صدر منك ذنب فيما مضى فاستقبليه بالتوبة. لم يرد إلا هذا الكلام.

وإذا ظهر فساد الجوابين فالصواب أن يقال جملة الشرط والجزاء تارة تكون تعليقًا محضًا غير متضمن جوابًا لسائل. هل كان كذا ولا؟ يتضمن لنفي قول من قال: قد كان كذا فهذا يقتضي الاستقبال، وتارة يكون مقصوده ومضمنه جواب سائل، هل وقع كذا؟ أو رد قوله قد وقع كذا، فإذا علق الجواب هنا على شرط لم يلزم أن يكون مستقبلًا لا لفظًا ولا معنى، بل لا يصح فيه الاستقبال بحال كمن يقول لرجل: هل أعتقت عبدك؟ فيقول: إن كنت قد أعتقته فقد أعتقه الله، فما للاستقبال هنا معنى قط، وكذلك إذا قلته: لمن قال صحبت فلانًا. فيقول: إن كنت صحبته فقد أصبت بصحبته خيرًا. وكذلك إذا قلت له: هل أذنبت؟ فيقول: إن كنت قد أذنبت فإني قد تبت إلى الله واستغفرته. وكذلك إذا قال: هل قلت لفلان كذا وهو يعلم أنه علم بقوله له؟ فيقول إن كنت قلته فقد علمته. فقد عرفت أن هذه المواضع كلها مواضع ماض لفظًا ومعنى ليطابق السؤال الجواب ويصح التعليق الخبري لا الوعدي. فالتعليق الوعدي يستلزم الاستقبال. وأما التعليق الخبري فلا يستلزمه. ومن هذا الباب قوله تعالى: { إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين * وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين }، [32] وتقول: إن كانت البينة شهدت بكذا وكذا فقد صدقت، وهذه دقيقة خلت عنها كتب النحاة والفضلاء وهي كما ترى وضوحًا وبرهانًا ولله الحمد.

المسألة الثالثة: المشهور عند النحاة والأصوليين والفقهاء أن أداة إن لا يعلق عليها إلا محتمل الوجود والعدم. كقولك: إن تأتني أكرمك، ولا يعلق عليها محقق الوجود فلا نقول: إن طلعت الشمس أتيتك، بل تقول: إذا طلعت الشمس أتيتك وإذا يعلق عليها النوعان.

واستشكل هذا بعض الأصوليين فقال: وقد وردت إن في القران في معلوم الوقوع قطعًا كقوله: { وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا }، [33] وهو سبحانه يعلم أن الكفار في ريب منه. وقوله: { فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار }، [34] ومعلوم قطعًا انتفاء فعلهم.

وأجاب عن هذا بأن قال: إن الخصائص الإلهية لا تدخل في الأوضاع العربية، بل الأوضاع العربية مبنية على خصائص الخلق. والله تعالى أنزل القرآن بلغة العرب وعلى منوالهم فكل ما كان في عادة العرب حسنًا أنزل القرآن على ذلك الوجه أو قبحًا لم ينزل في القرآن. فكل ما كان شأنه أن يكون في العادة مشكوكًا فيه بين الناس حسن تعليقه بأن من قبل الله ومن قبل غيره سواء كان معلومًا للمتكلم أو للسامع أم لا. ولذلك يحسن من الواحد منا أن يقول: إن كان زيد في الدار فأكرمه، مع علمه بأنه في الدار لأن حصول زيد في الدار شأنه أن يكون في العادة مشكوكًا فيه، فهذا هو الضابط لما تعلق على إن فاندفع الإشكال.

قلت: هذا السؤال لا يرد، فإن الذي قاله القوم: إن الواقع ولا بد لا يُعلق بأن. وأما ما يجوز أن يقع ويجوز أن لا يقع، فهو الذي يعلق بها وإن كان بعد وقوعه متعين الوقوع. وإذا عرفت هذا فتدبر قوله تعالى: { وإنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة فرح بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور }، [35] كيف أتى في تعليق الرحمة المحققة أصابتها من الله تعالى بإذا وأتى في إصابة السيئة بأن فإن ما يعفو الله عنه أكثر، وأتى في الرحمة بالفعل الماضي الدال على تحقيق الوقوع. وفي حصول السيئة بالمستقبل الدال على أنه غير محقق ولا بد، وكيف أتى في وصول الرحمة بفعل الإذاقة الدال على مباشرة الرحمة لهم وإنها مذوقة لهم. والذوق هو أخص أنواع الملابسة وأشدها وكيف أتى في الرحمة بحرف ابتداء الغاية مضافة إليه؟ فقال: { منا رحمة } وأتى في السيئة بباء السببية مضافة إلى كسب أيديهم. وكيف أكد الجملة الأولى التي تضمنت إذاقة الرحمة بحرف؟ إن دون الجملة الثانية وأسرار القرآن أكثر وأعظم من أن يحيط بها عقول البشر.

وتأمل قوله تعالى: { وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه }، [36] كيف أتى بإذا ههنا؟ لما كان مس الضر لهم في البحر محققًا بخلاف قوله: { لا يسأم الإنسان من دعاء الخير وإن مسه الشر فيؤوس قنوط }، [37] فإنه لم يقيد مس الشر هنا بل أطلقه ولما قيده بالبحر الذي هو متحقق فيه ذلك أتى بأداة إذا.

وتأمل قوله تعالى: { وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر كان يؤوسا }، [38] كيف أتى هنا بإذا المشعرة بتحقيق الوقوع المستلزم لليأس؟ فإن اليأس، إنما حصل عند تحقق مس الشر له. فكان الإتيان بإذا ههنا أدل على المعنى المقصود من إن بخلاف قوله: { وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض }، [39] فإنه بقلة صبره وضعف احتماله مني توقع الشر أعرض وأطال في الدعاء، فإذا تحقق وقوعه كان يؤوسًا. ومثل هذه الأسرار في القرآن لا يرقى إليها إلا بموهبة من الله وفهم يؤتيه عبدًا في كتابه.

فإن قلت: فما تصنع بقوله تعالى: { إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك } [40] والهلاك محقق.

قلت: التعليق ليس على مطلق الهلاك، بل على هلاك مخصوص، وهو هلاك لا عن ولد.

فإن قلت: فما تصنع بقوله: { يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون }، [41] وقوله: { فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين }، [42] وتقول العرب: إن كنت ابني فأطعني. وفي الحديث في السلام على الموتى: «وإنا إن شاء الله بكم لاحقون»، واللحاق محقق. وفي قول الموصي: إن مت فثلث مالي صدقة.

قلت: أما قوله: { إن كنتم إياه تعبدون }، الذي حسن مجيء إن ههنا الاحتجاج والإلزام. فإن المعنى إن عبادتكم لله تستلزم شكركم له، بل هي الشكر نفسه، فإن كنتم ملتزمين لعبادته داخلين في جملتها فكلوا من رزقه واشكروه على نعمه وهذا كثيرًا ما يورد في الحجاج. كما تقول للرجل: إن كان الله ربك وخالقك فلا تعصه. وإن كان لقاء الله حقًا فتأهب له. وإن كانت الجنة حقًا فتزود إليها، وهذا أحسن من جواب من أجاب بأن إن هنا قامت مقام إذا وكذا قوله: { إن كنتم بآياته مؤمنين }، [43] وكذا قولهم: إن كنت ابني فأطعني ونظائر ذلك.

وأما قوله: وإنا إن شاء الله بكم لاحقون فالتعليق هنا ليس لمطلق الموت، وإنما هو للحاقهم بالمؤمنين ومصيرهم إلى حيث صاروا.

وأما قول الموصي: إن مت فثلمث مالي صدقة فلأن الموت وإن كان محققًا، لكن لما لم يعرف تعين وقته وطال الأمد وانفردت مسافة أمنية الحياة نزل منزلة المشكوك كما هو الواقع الذي يدل عليه أحوال العباد فإن عاقلًا لا يتيقن الموت ويرضى بإقامته على حال لا يحب الموت عليها أبدًا. كما قال بعض السلف ما رأيت يقينًا لا شك فيه أشبه بشك لا يقين فيه من الموت، وعلى هذا حمل بعض أهل المعاني: { ثم إنكم بعد ذلك لميتون * ثم إنكم يوم القيامة تبعثون } [44] فأكد الموت باللام وأتى فيه باسم الفاعل الدال على الثبوت وأتى في البعث بالفعل ولم يؤكده.

المسألة الرابعة: قد تعلق الشرط بفعل محال ممتنع الوجود فيلزمه محال آخر وتصدق الشرطية دون مفرديها. أما صدقها فلاستلزام المحال المحال، وأما كذب مفرديها فلاستحالتهما وعليه: { قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين } [45] ومنه قوله: { لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا }، [46] ومنه: { قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا }، [47] ونظائره كثيرة.

وفائدة الربط بالشرط في مثل هذا أمران. أحدهما: بيان استلزام إحدى القضيتين للأخرى. والثاني: أن اللازم منتف. فالملزوم كذلك فقد تبين من هذا. أن الشرط تعلق به المحقق الثبوت والممتنع الثبوت والممكن الثبوت.

المسألة الخامسة: اختلف سيبويه ويونس في الاستفهام الداخل على الشرط فقال سيبويه: يعتمد على الشرط وجوابه فيتقدم عليهما ويكون بمنزلة القسم نحو قوله: { أفإن مت فهم الخالدون }، [48] وقوله: { أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم }، [49] وقال يونس: يعتمد على الجزاء فتقول: إن مت أفأنت خالد والقرآن مع سيبويه. والقياس أيضا كما يتقدم القسم ليكون جملة الشرط والجزاء مقسمًا عليها ومستفهمًا عنها، ولو كان كما قال يونس لقال: { أفإن مت فهم الخالدون }

المسألة السادسة: اختلف الكوفيون والبصريون فيما إذا تقدم أداة الشرط جملة تصلح أن تكون جزاء، ثم ذكر فعل الشرط ولم يذكر له جزاء نحو أقوم إن قمت فقال ابن السراج: الذي عندي أن الجواب محذوف يغني عنه الفعل المتقدم قال: وإنما يستعمل هذا على وجهين. إما أن يضطر إليه شاعر. وإما أن يكون المتهكلم به محققًا بغير شرط ولا نية فقال: أجيئك ثم يبدو له أن لا يجيئه إلا بسبب فيقول: إن جئتني فيشبه الإستثناء ويغني عن الجواب ما تقدم وهذا قول البصريين وخالفهم أهل الكوفة وقالوا: المتقدم هو الجزاء، والكلام مرتبط به وقولهم في ذلك هو الصواب، وهو اختيار الجرجاني قال: الدليل على أنك إذا قلت؟ آتيك إن اتيتني كان الشرط متصلًا بآتيك وإن الذي يجري في كلامهم لا بد من إضمار الجزاء ليس على ظاهره. وأما إن عملنا على ظاهره وتوقفنا أن الشرط متقدم في النفس على الجزاء، صار من ذلك شيئان ابتداء كلام ثان، ثم اعتقاد ذلك يؤدي إلى ابطال ما اتفق عليه العقلاء في الإيمان من افتراق الحكم بين أن يصل الشرط في نطقه وبين أن يقف ثم يأتي بالشرط وإنه إذا قال لعبده: أنت حر إن شاء الله فوصل لم يعتق ولو وقف. ثم قال: إن شاء الله فإنه يعتق. فإذا سمعت ما قلنا عرفت خلاف المسألة. فالمشهور من مذهب البصريين امتناع تقديم الجزاء على الشرط هذا كلامه.

قلت: ولم يكن به حاجة في تقرير الدليل إلى الوقف بين الجملة الأولى وجملة الشرط، فالدلالة قائمة. ولو وصل فانه إذا قال: أنت حر فهذه جملة خبرية ترتب عليها حكمها عند تمامها.

وقوله: إن شاء الله ليس تعليقًا لها عندكم. فإن التعليق، إنما يعمل في الجزاء وهذه ليست بجزاء، وإنما هي خبر محض، والجزاء عندكم محذوف فلما قالوا: إنه لا يعتق، دل على أن المتقدم نفسه جزاء معلق هذا تقرير الدلالة ولكن، ليس هذا باتفاق فقد ذهبت طائفة من السلف والخلف إلى أن الشرط، إنما يعمل في تعليق الحكم إذا تقدم على الطلاق فتقول: إن شاء الله فأنت طالق. فأما إن تقدم الطلاق ثم عقبه بالتعليق فقال، أنت طالق إن شاء الله طلقت ولا ينفع التعليق، وعلى هذا فلا يبقى فيما ذكر حجة، ولكن هذا المذهب شاذ والأكثرون على خلافه وهو الصواب لأنه إما جزاء لفظًا ومعنى قد اقتضاه التعليق على قول الكوفيين، وأما أن يكون جزاء في المعنى وهو نائب الجزاء المحذوف ودال عليه، فالحكم تعلق به على التقديرين والمتكلم إنما بنى كلامه عليه.

وأما قول ابن السراج إنه قصد الخبر جزمًا، ثم عقبه بالجزاء فليس كذلك، بل بنى كلامه على الشرط كما لو قال له: علي عشرة إلا درهمًا فإنه لم يقر بالعشرة ثم أنكر درهمًا، ولو كان كذلك لم ينفعه الاستثناء، ومن هنا قال بعض الفقهاء: إن الاستثناء لا ينفع في الطلاق، لأنه إذا قال: أنت طالق ثلاثًا إلا واحدة فقد أوقع الثلاثة ثم رفع منها واحدة وهذا مذهب باطل. فإن الكلام مبني على آخره مرتبط أجزاوه بعضها ببعض، كارتباط التوابع من الصفات وغيرها بمتبوعاتها والاستثناء لا يستقل بنفسه فلا يقبل إلا بارتباطه بما قبله فجرى مجرى الصفة والعطف. ويلزم أصحاب هذا المذهب أن لا ينفع الاستثناء في الإقرار، لأن المقربة لا يرفع ثبوته وفي إجماعهم على صحته، دليل على إبطال هذا المذهب، وإنما احتاج الجرجاني إلى ذكر الفرق بين أن يقف أو يصل، لأنه إذا وقف عتق العبد ولم ينفعه الاستثناء، وإذا وصل لم يعتق فدل على أن الفرق بين وقوع العتق وعدمه هو السكوت. والوصل هو المؤثر في الحكم لا تقدم الجزاء وتأخره فانه لا تأثير له بحال كما ذكره ابن السراج أنه إنما يأتي في الضرورة، ليس كما قال فقد جاء في أفصح الكلام وهو كثير جدًا. كقوله تعالى: { واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون }، [50] وقوله: { فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين }، [51] وقوله: { قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون }، [52] وهو كثير.

فالصواب المذهب الكوفي، والتقدير إنما يصار إليه عند الضرورة بحيث لا يتم الكلام إلا به، فإذا كان الكلام تامًا بدونه فأي حاجة بنا إلى التقدير، وأيضا فتقديم الجزاء ليس بدون تقديم الخبر والمفعول والحال ونظائرها.

فإن قيل: الشرط له التصدير وصفًا فتقديم الجزاء عليه يخل بتصديره.

قلنا: هذه هي الشبهة التي منعت القائلين بعدم تقديمه وجوابها: أنكم إن عنيتم بالتصدير أنه لا يتقدم معموله عليه، والجزاء معمول له فيمتنع تقديمه فهو نفس المتنازع فيه. فلا يجوز إثبات الشيء بنفسه وإن عنيتم به أمرًا آخر لم يلزم منه امتناع التقديم، ثم نقول: الشرط والجزاء جملتان قد صارتا بأداة الشرط جملة واحدة وصارت الجملتان بالأداة كأنهما مفردان. فأشبها الفردين في باب الابتداء والخبر فكما لا يمتنع تقديم الخبر على المبتدأ، فكذلك تقديم الجزاء، وأيضا فالجزاء هو المقصود والشرط قيد فيه وتابع له فهو من هذا الوجه رتبته التقديم طبعًا. ولهذا كثيرًا ما يجيء الشرط متأخرًا عن المشروط، لأن المشروط هو المقصود وهو الغاية والشرط وسيلة فتقديم المشروط هو تقديم الغايات على وسائلها ورتبتها التقديم ذهنًا، وإن تقدمت الوسيلة وجودًا فكل منهما له التقدم بوجه وتقدم الغاية أقوى، فإذا وقعت في مرتبتها فأي حاجة إلى أن نقدرها متأخرة وإذا انكشف الصواب فالصواب أن تدور معه حيثما دار.

المسألة السابعة: لو يؤتى بها للربط لتعلق ماض بماض. كقولك: لو زرتني لأكرمتك. ولهذا لم تجزم إذا دخلت على مضارع لأن الوضع للماضي لفظًا ومعنى كقولك لو يزورني زيد لأكرمته. فهي في الشرط نظير إن في الربط بين الجملتين لا في العمل ولا في الاستقبال. وكان بعض فضلاء المتأخرين وهو تاج الدين الكندي ينكر أن تكون لو حرف شرط، وغلط الزمخشري في عدها في أدوات الشرط قال الأندلسي: في شرح المفصل فحكيت ذلك لشيخنا أبي البقاء. فقال: غلط تاج الدين في هذا التغليط، فإن لو تربط شيئًا بشيء كما تفعل إن قلت: ولعل النزاع لفظي فإن أريد بالشرط الربط المعنوي الحكمي. فالصواب ما قاله أبو البقاء والزمخشري وإن أريد بالشرط ما يعمل في الجزأين فليست من أدوات الشرط.

المسألة الثامنة: المشهور أن لو إذا دخلت على ثبوتين نفتهما أو نفيين أثبتتهما أو نفي وثبوت أثبتت المنفي ونفت المثبت، وذلك لأنها تدل على امتناع الشيء لامتناع غيره، لم إذا امتنع النفي صار اثباتًا فجاءت الأقسام الأربعة وأورد على هذا أمور.

أحدها قوله تعالى: { ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله }، [53] ومقتضى ما ذكرتم. أن تكون كلمات الله تعالى قد نفدت وهو محال، لأن الأول ثبوت وهو كون أشجار الأرض أقلامًا، والبحار مدادًا لكلماته وهذا منتف. والثاني: وهو قوله ما نفدت كلمات الله فيلزم أن يكون ثبوتًا.

الثاني: قول عمر نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه. فعلى ما ذكرتم يكون الخوف ثابتًا، لأنه منفي والمعصية كذلك، لأنها منفية أيضا. وقد اختلف أجوبة الناس عن ذلك.

فقال أبو الحسن بن عصفور: لو في الحديث بمعنى إن لمطلق الربط فلا يكون نفيها إثباتًا ولا إثباتها نفيًا. فاندفع الإشكال. وفي هذا الجواب ضعف بين فإنه لم يقصد في الحديث مطلق الربط كما قال، وإنما قصد ارتباط متضمن لنفي الجزاء ولو سيق الكلام إلا لهذا ففي الجواب إبطال خاصية لو التي فارقت بها سائر أدوات الشرط.

وقال غيره: لو في اللغة لمطلق الربط، وإنما اشتهرت في العرف في انقلاب ثبوتها نفيًا وبالعكس. والحديث إنما ورد بمعنى اللفظ في اللغة. حكى هذا الجواب القرافي عن الخسروشاهي، وهو أفسد من الذي قبله بكثير، فإن اقتضاء لو لنفي الثابت بعدها وإثبات المنفي متلقى من أصل وضعها لا من العرف الحادث، كما أن معاني سائر الحروف من نفي أو تأكيد أو تخصيص أو بيان أو ابتداء أو انتهار، إنما هو متلقى من الوضع لا من العرف فما قاله ظاهر البطلان.

الجواب الثالث: جواب الشيخ أبي محمد بن عبد السلام وغيره وهو أن الشيء الواحد قد يكون له سبب واحد فينتفي عند انتفائه وقد يكون له سببان فلا يلزم من عدم أحدهما عدمه، لأن السبب الثاني يخلف السبب الأول كقولنا في زوج هو ابن عم لو لم يكن زوجًا لورث أي بالتعصيب فإنهما سببان لا يلزم من عدم أحدهما عدم الآخر، وكذلك الناس ههنا في الغالب، إنما لم يعصوا لأجل الخوف فإذا ذهب الخوف عنهم عصوا لاتحاد السبب في حقهم فأخبر عمر أن صهيبًا اجتمع له سببان يمنعانه المعصية الخوف والإجلال فلو انتفى الخوف في حقه لانتفى العصيان للسبب الآخر وهو الإجلال. وهذا مدح عظيم له.

قلت وبهذا الجواب بعينه يجاب عن قوله ﷺ في ابنة حمزة: «إنها لو لم تكن ربيبتي في حجري لما حلت لي، إنها ابنة أخي من الرضاعة»، أي فيها سببان يقتضيان التحريم فلو قدر انتفاء أحدهما لم ينتف التحريم للسبب الثاني. وهذا جواب حسن جيد.

الجواب الرابع: ذكره بعضهم بأن قال: جواب لو محذوف وتقديره لو لم يخف الله لعصمه فلم يعصه بإجلاله ومحبته إياه، فإن الله يعصم عبده بالخوف تارة، والمحبة والإجلال تارة. وعصمة الإجلال والمحبة أعظم من عصمة الخوف، لأن الخوف يتعلق بعقابه، والمحبة والإجلال يتعلقان بذاته وما يستحقه تبارك وتعالى، فأين أحدهما من الآخر؟ ولهذا كان دين الحب أثبت وأرسخ من دين الخوف وأمكن وأعظم تأثيرًا. وشاهد ما نراه من طاعة المحب لمحبوبه وطاعة الخائف لمن يخافه. كما قال بعض الصحابة: أنه ليستخرج حبه مني من الطاعة ما لا يستخرجه الخوف، وليس هذا موضع بسط هذا الشأن العظيم القدر، وقد بسطته في كتاب الفتوحات القدسية. [54]

الجواب الخامس: أن لو أصلها أن تستعمل للربط بين شيئين كما تقدم، ثم أنها قد تستعمل لقطع الربط فتكون جوابًا لسؤال محقق أو متوهم وقع فيه ربط فتقطعه أنت لاعتقادك بطلان ذلك الربط. كما لو قال القائل: إن لم يكن زيد زوجًا لم يرث، ققول أنت: لو لم يكن زوجًا لورث زيد. إن ما ذكره من الربط بين عدم الزوجية وعدم الإرث ليس بحق، فمقصودك قطع ربط كلامه لا ربطه. وتقول: لو لم يكن زيد عالمًا لأكرم أي لشجاعته جوابًا لسؤال سائل يتوهم أنه لو لم يكن عالمًا لما أكرم. فتربط بين عدم العلم والإكرام فتقطع أنت ذلك الربط، وليس مقصودك أن تربط بين عدم العلم والإكرام، لأن ذلك ليس بمناسب ولا من أغراض العقلاء ولا يتجه كلامك إلا على عدم الربط.

كذلك الحديث، لما كان الغالب على الناس أن يرتبط عصيانهم بعدم خوفهم، وأن ذلك في الأوهام، قطع عمر هذا الربط وقال: لو لم يخف الله لم يعصه.

وكذلك لما كان الغالب على الأوهام أن الشجر كلها إذا صارت أقلامًا والبحار المذكورة كلها تكتب به الكلمات الإلهية، فلعل الوهم يقول: ما يكتب بهذا شيء إلا نفد كائنًا ما كان، فقطع الله تعالى هذا الربط ونفى هذا الوهم وقال: { ما نفدت.

قلت: ونظير هذا في الحدي. أن زوجته لما توهمت أن ابنة عمه حمزة تحل له لكونها بنت عمه، فقطع هذا الربط بقوله: إنها لا تحل وذكر للتحريم سببين الرضاعة وكونها ربيبة له، وهذا جواب القرافي، قال: وهو أصلح من الأجوبة المتقدمة من وجهين أحدهما: شموله للحديث والآية وبعض الأجوبة لا تنطبق على الآية، والثاني: أن ورود لو بمعنى إن خلاف الظاهر وما ذكره لا يتضمن خلاف الظاهر.

قلت: وهذا الجواب فيه ما فيه فإنه إن ادعى أن لو وضعت أو جيء بها لقطع الربط فغلط فإنها حرف من حروف الشرط التي مضمونها ربط السبب بمسببه والملزوم بلازمه. ولم يؤت بها لقطع هذا الارتباط ولا وضعت له أصلًا فلا يفسر الحرف بضد موضوعه. ونظير هذا قول من يقول: إن إلا قد تكون بمعنى الواو، وهذا فاسد، فإن الواو للتشريك والجمع وإلا للإخراج وقطع التشريك ونظائر ذلك. وإن أراد أن قطع الربط المتوهم مقصود للمتكلم من أدلة. فهذا حق، ولكن لم ينشأ هذا من حرف لو، وإنما جاء من خصوصية ما صحبها من الكلام المتضمن لنفي ما توهمه القائل أو ادعاه ولم يأت من قبل لو.

فهذا كلام هؤلاء الفضلاء في هذه المسألة، وإنما جاء الإشكال سؤالًا وجوابًا من عدم الإحاطة بمعنى هذا الحرف ومقتضاه وحقيقته. وأنا أذكر حقيقة هذا الحرف ليتبين سر المسألة بعون الله.

فاعلم أن لو حرف وضع للملازمة بين أمرين، يدل على أن الحرف الأول منهما ملزوم والثاني لازم، هذا وضع هذا الحرف وطبيعته، وموارده في هذه الملازمة فإنه إما أن يلازم بين نفيين أو ثبوتين أو بين ملزوم مثبت ولازم منفي أو عكسه. ونعني بالثبوت والنفي هنا الصوري اللفظي لا المعنوي.

فمثال الأول: { قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذًا لأمسكتم خشية الإنفاق }، [55] { ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما }، [56] { ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرًا لهم وأشد تثبيتًا }، [57] ونظائره.

ومثال الثاني لو لم تكن ربيبتي في حجري لما حلت لي ولو لم يخف الله لم يعصه.

ومثال الثالث: { ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله }. [58]

ومثال الرابع: لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم. فهذه صورة وردوها على النفي والإثبات.

وأما حكم ذلك فأمران:

أحدهما: نفي الأول لنفي الثاني، لأن الأول ملزوم والثاني لازم، والملزوم عدم عند عدم لازمه.

والثاني تحقق الثاني لتحقق الأول، لأن تحقق الملزوم يستلزم تحقق لازمه.

فإذا عرفت هذا، فليس في طبيعة لو ولا وضعها ما يؤذن بنفي واحد من الجزأين ولا إثباته، وإنما طبعها وحقيقتها الدلالة على التلازم المذكور، لكن إنما يؤتى به للتلازم المتضمن نفي اللازم أو الملزوم أو تحققها. ومن هنا نشأت الشبهة فلم يؤت بها لمجرد التلازم مع قطع النظر عن ثبوت الجزأين أو نفيهما، فإذا دخلت على جزأين متلازمين قد انتفى اللازم منهما. استفيد نفي الملزوم من قضية اللزوم لا من نفس الحرف. وبيان ذلك أن قوله تعالى: { لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا }، [59] لم يستفد نفي الفساد من حرف لو، بل الحرف دخل على أمرين قد علم انتفاء أحدهما حسًا فلازمت بينه وبين من يريد نفيه من تعدد الآلهة، وقضية الملازمة انتفاء الملزوم لانتفاء لازمه، فإذا كان اللازم منتف قطعًا وحسًا انتفى ملزومه لانتفائه لا من حيث الحرف.

فهنا أمران؛ أحدهما: الملازمة التي فهمت من الحرف. والثاني انتفاء اللازم المعلوم بالحس. فعلى هذا الوجه ينبغي أن يفهم انتفاء اللازم والملزوم بلو. فمن هنا قالوا: إن دخلت على مثبتين صارا منتفيين بمعنى أن الثاني منهما قد علم انتفاؤه من خارج فينتفي الأول لانتفائه. وإذا دخلت على منفيين أثبتتهما لذلك، أيضا لأنها تدخل على ملزوم محقق الثبوت من خارج فيتحقق ثبوت ملزومه كما في قوله: لو لم تذنبوا فهذا الملزوم وهو صدور الذنب متحقق في الخارج من البشر فتحقق لازمه وهو بقاء النوع الإنساني وعدم الذهاب به، لأن الملازمة وقعت بين عدم الذنب وعدم البقاء، لكن عدم الذنب منتف قطعًا، فانتفى لازمه وهو عدم الذهاب بنا فثبت الذنب وثبت البقاء، وكذلك نفيه الأقسام الأربعة يفهم على هذا الوجه.

وإذا عرف هذا؛ فاللازم الواحد قد يلزم ملزرمات متعددة، كالحيوانية اللازمة للإنسان والفرس وغيرهما، فيقصد المتكلم إثبات الملازمة بين بعض تلك الملزومات، واللازم على تقدير انتفاء البعض الآخر فيكون مقصوده أن الملازمة حاصلة على تقدير انتفاء ذلك الملزوم الآخر، فلا يتوهم المتوهم انتفاء اللازم عند نفي ملزوم معين. فإن الملازمة حاصلة بدونه وعلى هذا يخرجه لو لم يخف الله لم يعصه. ولو لم تكن ربيبتي لما حلت لي فإن عدم المعصية له ملزومات فهي الخشية والمحبة والإجلال، فلو انتفى بعضها وهو الخوف مثلًا لم يبطل اللازم، لأن له ملزومات أخر غيره، وكذلك لو انتفى كون البنت ربيبة لما انتفى التحريم لحصوا الملازمة بينه وبين وصف آخر وهو الرضاع، وذلك الوصف ثابت وهذا القسم، إنما يأتي في لازم له ملزومات متعددة فيقصد المتكلم تحقق الملازمة على تقدير نفي ما نفاه منها.

وأما قوله تعالى: { ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام } [60] فإن الآية سيقت لبيان أن أشجار الأرض. لو كانت أقلامًا والبحار مدادًا فكتبت بها كلمات الله لنفدت البحار والأقلام، ولم تنفد كلمات الله. فالآية سيقت لبيان الملازمة بين عدم نفاد كلماته، وبين كون الأشجار أقلامًا والبحار مدادًا يكتب بها، فإذا كانت الملازمة ثابتة على هذا التقدير الذي هو أبلغ تقدير يكون في نفاد المكتوب، فثبوتها على غيره من التقادير أولى.

ونوضح هذا بضرب مثل يرتقى منه إلى فهم مقصود الآية. إذا قلت لرجل: لا يعطي أحدًا شيئًا لو أن لك الدنيا بأسرها ما أعطيت أحدًا منها شيئًا. فإنك إذا قصدت أن عدم إعطانه ثابت على أعظم التقادير التي تقتضي الإعطاء، فلازمت بين عدم إعطائه وبين أعظم أسباب الإعطاء، وهو كثرة ما يملكه. فدل هذا على أن عدم إعطائه ثابت على ما هو دون هذا التقدير، وإن عدم الإعطاء لازم لكل تقدير فافهم نظير هذا المعنى في الآية، وهو عدم نفاد كلمات الله تعالى على تقدير أن الأشجار أقلام والبحار مداد يكتب بها. فإذا لم تنفد على هذا التقدير كان عدم نفادها لازمًا له. فكيف بما دونه من التقديرات!

فافهم هذه النكتة التي لا يسمح بمثلها كل وقت ولا تكاد تجدها في الكتب، وإنما هي من فتح الله وفضاله فله الحمد والمنة، ونسأله المزيد من فضله. فانظر كيف اتفقت القاعدة العقلية مع القاعدة النحوية، وجاءت النصوص بمقتضاهما معًا من غير خروج عن موجب عقل ولا لغة ولا تحريف لنص، ولو لم يكن في هذا التعليق إلا هذه الفائدة لساوت رحلة. فكيف وقد تضمن من غرر الفوائد ما لا ينفق إلا على تُجاره. وأما من ليس هناك فإنه يظن الجوهرة زجاجة، والزجاجة المستديرة المثقوبة جوهرة ويزري على الجوهري ويزعم أنه لا يفرق بينهما والله المعين.

المسألة التاسعة: في دخول الشرط على الشرط. ونذكر فيه ضابطًا مزيلًا للأشكال إن شاء الله، فنقول: الشرط الثاني تارة يكون معطوفًا على الأول، وتارة لا يكون، والمعطوف تارة يكون معطوفًا على فعل الشرط وحده، وتارة يعطف على الفعل مع الأداة، فمثال غير المعطوف. إن قمت إن قعدت فأنت طالق. ومثال المعطوف على فعل الشرط وحده إن قمت وقعدت. ومثال المعطوف على الفعل مع الأداة إن قمت وإن قعدت. فهذه الأقسام الثلاثة أصول الباب وهي عشر صور:

أحدها: إن خرجت ولبست فلا يقع المشروط إلا بهما كيفما اجتمعا.

الثانية: إن لبست فخرجت لم يقع المشروط إلا بالخروج بعد اللبس فلو خرجت ثم لبست لم يحنث.

الثالثة: إن لبست ثم خرجت، فهذا مثل الأول وإن كان ثم للتراخي فإنه لا يعتبر هنا إلا حيث يظهر قصده.

الرابعة: إن خرجت لا إن لبست فيحتمل هذا التعليق أمرين: أحدهما: جعل الخروج شرطًا ونفي اللبس أن يكون شرطًا. الثاني: أن يجعل الشرط هو الخروج المجرد عن اللبس، والمعنى إن خرجت لا لابسة أي غير لابسة أي غير لابسة، ويكون المعنى إن كان منك خروج لا مع اللبس، فعلى هذا التقدير الأول يحنث بالخروج وحدة. وعلى الثاني لا يحنث إلا بخروج لا لبس معه.

الخامسة: إن خرجت، بل إن لبست ويحتمل هذا التعليق أمرين أحدهما: أن يكون الشرط هو اللبس دون الخروج فيختص الحنث به لأجل الإضراب. والثاني: أن يكون كل منهما شرطًا فيحنث بأيهما وجد ويكون الإضراب عن الاقتصار، فيكون اضراب اقتصار لا اضراب إلغاء. كما تقول: أعطه درهمًا بل درهمًا آخر.

السادسة: إن خرجت أو إن لبست فالشرط أحدهما أيهما كان.

السابعة: إن لبست، لكن إن خرجت، فالشرط الثاني وقع لغا الأول لأجل الإستدراك بلكن.

الثامنة: أن يدخل الشرط على الشرط ويكون الثاني معطوفًا بالواو. نحو إن لبست وإن خرجت فهذا يحنث بأحدهما فإن قيل: فكيف لم تحنثوه في صورة العطف على الفعل وحده إلا بهما وحنثتموه ههنا بأيهما كان؟ قيل: لأن هناك جعل الشرط مجموعهما. وهنا جعل كل واحد منهما شرطًا برأسه. وجعل لهما جوابًا واحدًا وفيه رأيان. أحدهما: أن الجواب لهما جميعًا وهو الصحيح. والثاني: أن جواب أحدهما حذف لدلالة المذكور عليه وهي أخت مسألة الخبر عن المبتدإ بجزأين.

التاسعة: أن يعطف الشرط الثاني بالفاء نحو قوله تعالى: { فإما يأتينكم مني هدى }، [61] فالجواب المذكور جواب الشرط الثاني، وهو وجوابه جواب الأول. فإذا قال: إن خرجت فإن كلمت أحدًا فأنت طالق. لم تطلق حتى تخرج وتكلم أحدًا.

العاشرة: وهي أن المسألة التي تكلم فيها الفقهاء دخول الشرط على الشرط بلا عطف. نحو إن خرجت، إن لبست واختلف أقوالهم فيها فمن قائل إن المؤخر في اللفظ مقدم في المعنى وإنه لا يحنث حتى يتقدم اللبس على الخروج ومن قائل بل المقدم لفظًا هو المقدم معنى. وذكر كل منهم حججًا لقوله.

وممن نص على المسألة الموفق الأندلسي في شرحه، فقال: إذا دخل الشرط على الشرط وعيد حرف الشرط توقف وقوع الجزاء على وجود الشرط الثاني قبل الأول. كقولك: إن أكلت، إن شربت فأنت طالق، فلا تطلق حتى يوجد الشرب منها قبل الأكل، لأنه تعلق على أكل معلق على شرب. وهذا الذي ذكره أبو إسحق في المهذب وحكى ابن شاس في الجواهر عن أصحاب مالك عكسه والوجهان لأصحاب الشافعي.

ولا بد في المسألة من تفصيل وهو أن الشرط الثاني إن كان متأخرًا في الوجود عن الأول كان مقدرًا بالفاء. وتكون الفاء جواب الأول والجواب المذكور جواب الثاني مثاله: إن دخلت المسجد إن صليت فيه فلك أجر تقديره، فإن صليت فيه وحذفت الفاء لدلالة الكلام عليها. وإن كان الثاني متقدمًا في الوجود على الأول فهو في نية التقدم وما قبله جوابه والفاء مقدرة فيه ومثله قوله عز وجل: { ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم }، [62] أي فإن أردت أن أنصح لكم لا ينفعكم نصحي. وتقول: إن دخلت المسجد إن توضأت فصل ركعتين. تقديره إن توضأت فإن دخلت المسجد فصل ركعتين. فالشرط الثاني هنا متقدم وإن لم يكن أحدهما متقدمًا في الوجود على الآخر، بل كان محتملًا للتقدم والتأخر لم يحكم على أحدهما بتقدم ولا تأخر، بل يكون الحكم راجعًا إلى تقدير المتكلم ونيته فأيهما قدره شرطًا كان الآخر جوابًا له وكان مقدرًا بالفاء. تقدم في اللفظ أو تأخر وإن لم يظهر نيته ولا تقديره احتمل الأمرين فمما ظهر فيه تقديم المتأخر قول الشاعر:

إن تستغيثوا بنا أن تذعروا تجدوا ** منا معاقل عز زانها الكرم

لأن الاستغاثة لا تكون إلا بعد الذعر، ومنه قول ابن دريد:

فإن عثرت بعدها إن وألت ** نفسي من هاتا فقولا لا لعا

ومعلوم أن العثور مرة ثانية إنما يكون بعد الذعر. ومن المحتمل قوله تعالى: { وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين }، [63] يحتمل أن تكون الهبة شرطًا، ويكون فعل الإرادة جوابًا له ويكون التقدير إن وهبت نفسها للنبي. فإن أراد النبي أن يستنكحها فخالصة له ويحتمل أن تكون الإرادة شرطًا والهبة جوابًا له، والتقدير إن أراد النبي أن يستنكحها فإن وهبت نفسها فهي خالصة له يحتمل الأمرين. فهذا ما ظهر لي من التفصيل في هذه المسألة وتحقيقها. والله أعلم.

فائدة عظيمة المنفعة: تقديم بعض الألفاظ الواو لا تدل على الترتيب ولا التعقيب

قال سيبويه: الواو لا تدل على الترتيب ولا التعقيب تقول: صمت رمضان وشعبان وإن شئت شعبان ورمضان بخلاف الفاء، وثم إلا أنهم يقدمون في كلامهم ما هم به أهم، وهم ببيانه أعني وإن كانا جميعًا يهمانهم ويغنيانهم هذا لفظه.

قال السهيلي: وهو كلام مجمل يحتاج إلى بسط وتبيين فيقال: متى يكون أحد الشيئين أحق بالتقدم ويكون المتكلم ببيانه أعنى.

قال: والجواب أن هذا الأصل يجب الاعتناء به لعظم منفعته في كتاب الله وحديث رسوله، إذ لا بد من الوقوف على الحكمة في تقديم ما قدم وتأخير ما أخر نحو السميع والبصير والظلمات والنور والليل والنهار والجن والإنس في الأكثر، وفي بعضها الإنس والجن وتقديم السماء على الأرض في الذكر، وتقديم الأرض عليها في بعض الآي ونحو سميع عليم ولم يجيء علهيم سميع، وكذلك عزيز حكيم وغفور رحيم. وفي موضع واحد الرحيم الغفور إلى غير ذلك مما لا يكاد ينحصر، وليس شيء من ذلك يخلو عن فائدة وحكمة، لأنه كلام الحكيم الخبير وسنقدم بين يدي الخوض في هذا الغرض أصلًا يقف بك على الطريق الأوضح.

فنقول: ما تقدم من الكلم فتقديمه في اللسان على حسب تقدم المعاني في الجنان، والمعاني تتقدم بأحد خمسة أشياء: إما بالزمان، وإما بالطبع، وإما بالرتبة، وإما بالسبب، وإما بالفضل والكمال، فإذا سبق معنى من المعاني إلى الخفة والثقل بأحد هذه الأسباب الخمسة أو بأكثرها. سبق اللفظ الدال على ذلك المعنى السابق وكان ترتب الألفاظ بحسب ذلك نعم، وربما كان ترتب الألفاظ بحسب الخفة والثقل، لا بحسب المعنى كقولهم: ربيعة ومضر وكان تقديم مضر أولى من جهة الفضل، ولكن آثروا الخفة لأنك لو قدمت مضر في اللفظ كثرت الحركات وتوالت، فلما أخرت وقف عليها بالسكون.

قلت: ومن هذا النحو الجن والإنس، فإن لفظ الإنس أخف لمكان النون الخفيفة والسين المهموسة. فكان الأثقل أولى بأول الكلام من الأخف لنشاط المتكلم وجمامه. وأما في القرآن فلحكمة أخرى سوى هذه قدم الجن على الإنس في الأكثر والأغلب وسنشير إليها في آخر الفصل إن شاء الله.

أما ما تقدم بتقدم الزمان فكعاد وثمود والظلمات والنور، فإن الظلمة سابقة للنور في المحسوس والمعقول وتقدمها في المحسوس معلوم بالخبر المنقول، وتقدم الظلمة المعقولة معلوم بضرورة العقل قال سبحانه: { والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئًا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة }، [64] فالجهل ظلمة معقولة وهي متقدمة بالزمان على نور العلم ولذلك قال تعالى: { في ظلمات ثلاث }. [65] فهذه ثلاث محسوسات ظلمة الرحم وظلمة البطن وظلمة المشيمة. وثلاث معقولات وهي عدم الادراكات الثلاثة المذكورة في الآية المتقدمة إذ لكل آية ظهر وبطن ولكل حرف حد، ولكل حد مطلع، وفي الحديث: «إن الله خلق عباده في ظلمة، ئم ألقى عليهم من نوره». [66]

ومن المتقدم بالطبع نحو مثنى وثلاث ورباع ونحو: { ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم }، [67] الآية.

وما يتقدم من الأعداد بعضها على بعض إنما يتقدم بالطبع كتقدم الحيوان على الإنسان والجسم على الحيوان. ومن هذا الباب تقدم العزيز على الحكيم، لأنه عز فلما عز حكم. وربما كان هذا من تقدم السبب على المسبب ومثله كثير في القرآن نحو: { يحب التوابين ويحب المتطهرين }، [68] لأن التوبة سبب الطهارة. وكذلك: { كل أفاك أثيم }، [69] لأن الإفك سبب الإثم، وكذلك: { كل معتد أثيم }. [70]

وأما تقدم هماز على مشاء بنميم، فبالرتبة لأن المشي مرتب على القعود في المكان. والهماز هو العياب، وذلك لا يفتقر إلى حركة وانتقال من موضعه بخلاف النميمة.

وأما تقدم مناع للخير على معتد، فبالرتبة أيضا، لأن المناع يمنع من نفسه والمعتدي يعتدي على غيره ونفسه قبل غيره.

ومن المقدم بالرتبة: { يأتوك رجالًا وعلى كل ضامر } [71] لأن الذي يأتي راجلًا يأتي من المكان القريب، والذي يأتي على الضامر يأتي من المكان البعيد. على أنه قد روى عن ابن عباس أنه قال: وددت أني حججت راجلًا لأن الله قدم الرجالة على الركبان، في القرآن فجعله ابن عباس من باب تقدم الفاضل على المفضول، والمعنيان موجودان، وربما قدم الشيء لثلاثة معان وأربعة وخمسة، وربما قدم لمعنى واحد من الخمسة.

ومما قدم للفضل والشرف: { فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم }، [72] وقوله: النبيين والصديقين ومنه تقديم السميع على البصير وسميع على بصير، ومنه تقديم الجن على الإنس في أكثر المواضع، لأن الجن تشتمل على الملائكة وغيرهم، مما اجتن عن الإبصار قال تعالى: { وجعلوا بينه وبين الجنة نسبًا } [73] وقال الأعشى:

وسخر من جن الملائك سبعة ** قيامًا لديه يعملون بلا أجر

وأما قوله تعالى: { لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان }، [74] وقوله: { لا يُسئل عن ذنبه إنس ولا جان }، [75] وقوله: { ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبًا }، [76] فإن لفظ الجن ههنا لا يتناول الملائكة بحال لنزاهتهم عن العيوب، وأنهم لا يتوهم عليهم الكذب ولا سائر الذنوب، فلما لم يتناولهم عموم لفظ لهذه القرينة بدأ بلفظ الإنس لفضلهم وكمالهم.

وأما تقديم السماء على الأرض فبالرتبة أيضا، وبالفضل والشرف.

وأما تقديم الأرض في قوله: { وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء }، [77] فبالرتبة أيضا، لأنها منتظمة بذكر ما هي أقرب إليه وهم المخاطبون بقوله: { ولا تعملون من عمل } [78] فاقتضى حسن النظم تقديمها مرتبة في الذكر مع المخاطبين الذين هم أهلها بخلاف الآية التي في سبأ، فإنها منتظمة بقوله عالم الغيب.

وأما تقديمه المال على الولد في كثير من الآي فلأن الولد بعد وجود المال نعمة ومسرة، وعند الفقر وسوء الحال هم ومضرة، فهذا من باب تقديم السبب على المسبب، لأن المال سبب تمام النعمة بالولد.

وأما قوله: حب الشهوات من النساء والبنين. فتقديم النساء على البنين بالسبب، وتقدم الأموال على البنين بالرتبة.

ومما تقدم بالرتبة ذكر السمع والعلم حيث وقع، فإنه خبر يتضمن التخويف والتهديد، فبدأ بالسمع لتعلقه بما قرب كالأصوات وهمس الحركات، فإن من سمع حِسَّك وخَفيَّ صوتِك أقرب إليك في العادة ممن يقال لك إنه يعلم، وإن كان علمه تعالى متعلقًا بما ظهر وبطن وواقعًا على ما قرُب وشَطَن، ولكن ذكر السميع أوقع في باب التخويف من ذكر العليم، فهو أولى بالتقديم.

وأما تقديم الغفور على الرحيم فهو أولى بالطبع، لأن المغفرة سلامة والرحمة غنيمة والسلامة تطلب قبل الغنيمة. وفي الحديث أن النبي ﷺ قال لعمرو بن العاص: «ابعثك وجهًا يسلمك الله فيه ويغنمك وارغب لك رغبة من المال»، فهذا من الترتيب البديع بدأ بالسلامة قبل الغنيمة وبالغنيمة قبل الكسب.

وأما قوله: وهو الرحيم الغفور في سبأ فالرحمة هناك متقدمة على المغفرة، فإما بالفضل والكمال، وإما بالطبع، لأنها منتظمة بذكر أصناف الخلق من المكلفين وغيرهم من الحيوان. فالرحمة تشملهم والمغفرة تخصهم والعموم بالطبع قبل الخصوص كقوله: { فاكهة ونخل ورمان }، [79] وكقوله: { وملائكته ورسله وجبريل وميكال }. [80]

ومما قدم بالفضل قوله: { واسجدي واركعي مع الراكعين }، [81] لأن السجود أفضل وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فإن قيل: فالركوع قبله بالطبع والزمان والعادة، لأنه انتقال من علو إلى انخفاض، والعلو بالطبع قبل الانخفاض، فهلا قدم الركوع؟ فالجواب أن يقال: انتبه لمعنى الآية من قوله: { اركعي مع الراكعين }، ولم يقل اسجدي مع الساجدين، فإنما عبر بالسجود عن الصلاة وأراد صلاتها في بيتها، لأن صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها مع قومها. ثم قال لها: اركعي مع الراكعين، أي صلي مع المصلين في بيت المقدس، ولم يرد أيضا الركوع وحده دون أجزاء الصلاة، ولكنه عبر بالركوع عن الصلاة، كما تقول: ركعت ركعتين وأربع ركعات، يريد الصلاة لا الركوع بمجرده؛ فصارت الآية متضمنة لصلاتين: صلاتها وحدها، عبر عنها بالسجود لأن السجود أفضل حالات العبد، وكذلك صلاة المرأة في بيتها أفضل لها، ثم صلاتها في المسجد عبر عنها بالركوع، لأنه في الفضل دون السجود، وكذلك صلاتها مع المصلين دون صلاتها وحدها في بيتها ومحرابها. وهذا نظم بديع وفقه دقيق وهذه نبذ تشير لك إلى ما وراء أو تنبذك وأنت صحيح بالعراء.

قالوا: ومما يليق ذكره بهذا الباب قوله: { وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود }. [82] بدأ بالطائفين للرتبة والقرب من البيت المأمور بتطهيره من أجل الطوافين، وجمعهم جمع السلامة، لأن جمع السلامة أدل على لفظ الفعل الذي هو علة تعلق بها حكم التطهير، ولو كان مكان الطائفين الطواف لم يكن في هذا اللفظ من بيان قصد الفعل ما في قوله للطائفين ألا ترى أنك تقول: تطوفون، كما تقول: طائفون، فاللفظان متشابهان.

فإن قيل: فهلا أتى بلفظ الفعل بعينه فيكون أبين، فيقول: وطهر بيتي للذين يطوفون.

قيل: إن الحكم يعلل بالفعل لا بذوات الأشخاص، ولفظ الذين ينبىء عن الشخص والذات، ولفظ الطواف يخفي معنى الفعل ولا يبينه فكان لفظ الطائفين أولى بهذا الموطن.

ثم يليه في الترتيب والقائمين، لأنه في معنى العاكفين وهو في معنى قوله: { إلا ما دمت عليه قائمًا } [83] أي مثابرًا ملازمًا، وهو كالطائفين في تعلق حكم التطهر به. ثم يليه بالرتبة لفظ الراكع، لأن المستقبلين البيت بالركوع لا يختصمون بما قرب منه كالطائفين والعاكفين، ولذلك لم يتعلق حكم التطهير بهذا الفعل الذي هو الركوع وإنه لا يلزم أن يكون في البيت ولا عنده، فلذلك لم يجىء بلفظ جمع السلامة لأنه لا يحتاج فيه إلى بيان لفظ الفعل، كما احتيج فيما قبله.

ثم وصف الركع بالسجود ولم يعطف بالواو كما عطف ما قبله لأن الركع هم السجود. والشيء لا يعطف بالواو على نفسه ولفائدة أخرى وهو أن السجود أغلب ما يجيء عبارة عن المصدر، والمراد به ههنا الجمع، فلو عطف بالواو لتوهم أنه يريد السجود الذي هو المصدر دون الاسم الذي هو النعت. وفائدة ثالثة أن الراكع إن لم يسجد فليس براكع في حكم الشريعة، فلو عطفت ههنا بالواو لتوهم أن الركوع حكم يجري على حياله.

فإن قيل: فلم قال السجود على وزن فعول ولم يقل السجد كالركع، وفي آية أخرى ركعًا سجدًا ولم جمع ساجد على السجود ولم يجمع راكع على ركوع.

فالجواب أن السجود في الأصل مصدر كالخشوع والخضوع، وهو يتناول السجود الظاهر والباطن. ولو قال: السجد في جمع ساجد لم يتناول إلا المعنى الظاهر، وكذلك الركع ألا تراه يقول: تراهم ركعًا سجدًا وهذه رؤية العين وهي لا تتعلق إلا بالظاهر. والمقصود هنا الركوع الظاهر لعطفه على ما قبله مما يراد به قصد البيت والبيت لا يتوجه إليه إلا بالعمل الظاهر. وأما الخشوع والخضوع الذي يتناوله لفظ الركوع دون لفظ الركع، فليس مشروطًا بالتوجه إلى البيت، وأما السجود فمن حيث أنبأ عن المعنى الباطن جعل وصفًا للركع ومتممًا لمعناه، إذ لا يصح الركوع الظاهر إلا بالسجود الباطن ومن حيث تناول لفظه. أيضا السجود الظاهر الذي يشترط فيه التوجه إلى البيت حسن انتظامه أيضا مع ما قبله مما هو معطوف على الطائفين الذين ذكرهم بذكر البيت، فمن لحظ هذه المعاني بقلبه وتدبر هذا النظم البديع بلبه ارتفع في معرفة الإعجاز عن التقليد، وأبصر بعين اليقين أنه تنزيل من حكيم حميد تم كلامه.

قلت: وقد تولج رحمة الله مضائق تضايق عنها أن تولجها الإبر وأتى بأشياء حسنة وبأشياء غيرها أحسن منها.

فأما تعليله تقديم ربيعة على مضر ففي غاية الحسن وهذان الاسمان لتلازمهما في الغالب صارا كاسم واحد فحسن فيهما ما ذكره.

وأما ما ذكره في تقديم الجن على الإنس من شرف الجن فمستدرك عليه، فإن الإنس أشرف من الجن من وجوه عديدة قد ذكرناها في غير هذا الموضع.

وأما قوله: إن الملائكة منهم أو هم أشرف، فالمقدمتان ممنوعتان. أما الأول فلأن أصل الملائكة ومادتهم التي خلقوا منها هي النور، كما ثبت ذلك مرفوعًا عن النبي ﷺ في صحيح مسلم. وأما الجان فمادتهم النار بنص القرآن ولا يصح التفريق بين الجن والجان لغة ولا شرعًا ولا عقلًا. وأما المقدمة الثانية وهي كون الملائكة خيرًا وأشرف من الإنس فهي المسألة المشهورة وهي تفضيل الملائكة أو البشر والجمهور على تفضيل البشر. والذين فضلوا الملائكة هم المعتزلة والفلاسفة وطائفة ممن عداهم، بل الذي ينبغي أن يقال في التقديم هنا إنه تقديم بالزمان لقوله تعالى: { ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمإ مسنون * والجان خلقناه من قبل من نار السموم }. [84]

وأما تقديم الإنس على الجن في قوله: { لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان }، [85] فلحكمة أخرى سوى ما ذكره، وهو أن النفي تابع لما تعقله القلوب من الاثبات فيرد النفي عليه، وعلم النفوس بطمث الإنس ونفرتها ممن طمثها الرجال هو المعروف. فجاء النفي على مقتضى ذلك. وكان تقديم الإنس في هذا النفي أهم.

وأما قوله: { وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا فهذا يعرف سره من السياق، فإن هذا حكاية كلام مؤمني الجن حين سماع القرآن كما قال تعالى: { قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنًا عجبًا } [86] الآيات. وكان القرآن أول ما خوطب به الإنس ونزل على نبيهم وهم أول من بدأ بالتصديق والتكذيب قبل الجن فجاء قول مؤمني الجن: { وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا } [87] بتقديم الإنس لتقدمهم في الخطاب بالقرآن، وتقديمهم في التصديق والتكذيب.

وفائدة ثالثة وهي أن هذا حكاية كلام مؤمني الجن لقولهم بعد أن رجعوا إليهم بأنهم لم يكونوا يظنون أن الإنس والجن يقولون على الله كذبًا، فذكرهم الإنس هنا في التقديم أحسن في الدعوة وأبلغ في عدم التهمة، فإنهم خالفوا ما كانوا يسمعونه من الإنس والجن لما تبين لهم كذبهم فبدأتهم بذكر الإنس أبلغ في نفي الغرض والتهمة وأن لا يظن بهم قومهم أنهم ظاهروا الإنس عليهم، فإنهم أول ما أقروا بتقولهم الكذب على الله، وهذا من ألطف المعاني وأدقها، ومن تأمل مواقعه في الخطاب عرف صحته.

وأما تقديم عاد على ثمود حيث وقع في القرآن فما ذكره من تقدمهم بالزمان فصحيح. وكذلك الظلمات والنور. وكذلك مثنى وبابه.

وأما تقديم العزيز على الحكيم فإن كان من الحكم وهو الفصل والأمر، فما ذكره من المعنى صحيح، وإن كان من الحكمة وهي كمال العلم والإرادة المتضمنين اتساق صنعه وجريانه على أحسن الوجوه وأكملها. ووضعه الأشياء مواضعها وهو الظاهر من هذا الاسم، فيكون وجه التقديم أن العزة كمال القدرة، والحكمة كمال العلم، وهو سبحانه الموصوف من كل صفة كمال بأكملها وأعظمها وغايتها، فتقدم وصف القدرة لأن متعلقه أقرب إلى مشاهدة الخلق وهو مفعولاته تعالى وآياته. وأما الحكمة فمتعلقها بالنظر والفكر والاعتبار غالبًا وكانت متأخرة عن متعلق القدرة. ووجه ثان أن النظر في الحكمة بعد النظر في المفعول والعلم به، فينتقل منه إلى النظر فيما أودعه من الحكم والمعاني. ووجه ثالث أن الحكمة غاية الفعل، فهي متأخرة عنه تأخر الغايات عن وسائلها، فالقدرة تتعلق بإيجاده. والحكمة تتعلق بغايته فقدم الوسيلة على الغاية، لأنها أسبق في الترتيب الخارجي.

وأما قوله تعالى: { يحب التوابين ويحب المتطهرين }، [88] ففيه معنى آخر سوى ما ذكره. وهو أن الطهر طهران طهر بالماء من الأحداث والنجاسات وطهر بالتوبة من الشرك والمعاصي، وهذا الطهور أصل لطهور الماء وطهور الماء لا ينفع بدونه، بل هو مكمل له معد مهيىء بحصوله فكان أولى بالتقديم، لأن العبد أول ما يدخل في الإسلام فقد تطهر بالتوبة من الشرك ثم يتطهر بالماء من الحدث.

وأما قوله: { كل أفاك أثيم }، [89] فالإفك هو الكذب وهو في القول والإثم هو الفجور وهو في الفعل. والكذب يدعو إلى الفجور كما في الحديث الصحيح أن الكذب يدعو إلى الفجور، وأن الفجور يدعو إلى النار، فالذي قاله صحيح.

وأما كل معتد أثيم ففيه معنى ثاني غير ما ذكره وهو أن العدوان مجاوزة الحد الذي حد للعبد فهو ظلم في القدر والوصف. وأما الإثم فهو محرم الجنس ومن تعاطى تعدى الحدود تخطى إلى الجنس الآخر وهو الإثم. ومعنى ثالث وهو أن المعتدي الظالم لعباد الله عدوانًا عليهم، والأثيم الظالم لنفسه بالفجور فكان تقديمه هنا على الأثيم أولى، لأنه في سياق ذمه والنهي عن طاعته. فمن كان معتديًا على العباد ظالمًا لهم فهو أحرى بأن لا تطيعه وتوافقه. وفيه معنى رابع وهو أنه قدمه على الأثيم ليقترن بما قبله وهو وصف المنع للخير، فوصفه بأنه لا خير فيه للناس وأنه مع ذلك معتد عليهم، فهو متأخر عن المناع لأنه يمنع خيره أولًا، ثم يعتدي عليهم ثانيًا، ولهذا يحمد الناس من يوجد لهم الراحة ويكف عنهم الأذى وهذا هو حقيقة التصوف وهذا لا راحة يوجدها ولا أذى يكفه.

وأما تقديم هماز على مشاء بنميم ففيه معنى آخر غير ما ذكره، وهو أن همزه عيب للمهموز وإزراء به وإظهار لفساد حاله في نفسه فإن قاله يختص بالمهموز لا يتعداه إلى غيره. والمشي بالنميمة يتعداه إلى من ينم عنده فهو ضرر متعد والهمز ضرره لازم للمهموز. إذا شعر به ما ينقل من الأذى اللازم إلى الأذى المتعدي المنتشر.

وأما تقديم الرجال على الركبان ففيه فائدة جليلة وهي أن الله شرط في الحج الاستطاعة، ولا بد من السفر إليه لغالب الناس، فذكر نوعي الحجاج لقطع توهم من يظن أنه لا يجب إلا على راكب. وقدم الرجال اهتمامًا بهذا المعنى وتأكيدًا. ومن الناس من يقول: قدمهم جبرًا لهم، لأن نفوس الركبان تزدريهم وتوبخهم. وتقول: إن الله لم يكتبه عليكم ولم يرده منكم، وربما توهموا أنه غير نافع لهم، فبدأ بهم جبرًا لهم ورحمة.

وأما تقديم غسل الوجه ثم اليد ثم مسح الرأس ثم الرجلين في الوضوء، فمن يقول إن هذا الترتيب واجب هو الشافعي وأحمد ومن وافقهما. فالآية عندهم اقتضت التقديم وجوبًا لقرائن عديدة.

أحدها: أنه أدخل ممسوحًا بين مغسولين وقطع النظير عن نظيره، ولو أريد الجمع المطلق لكان المناسب أن يذكر المغسولات متسقة في النظم والممسوح بعدها، فلما عدل إلى ذلك دل على وجوب ترتيبها على الوجه الذي ذكره الله.

الثاني: أن هذه الأفعال هي أجزاء فعل واحد مأمور به وهو الوضوء، فدخلت الواو عاطفة لإجزائه بعضها إلى بعض. والفعل الواحد يحصل من ارتباط أجزائه بعضها ببعض. فدخلت الواو بين الأجزاء للربط فأفادت الترتيب إذ هو الربط المذكور في الآية، ولا يلزمه من كونها لا تفيد الترتيب بين أفعال لا ارتباط بينهما، نحو: { أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة }، [90] أن لا تفيده بين أجزاء فعل مرتبطة بعضها ببعض. فتأمل هذا الموضع ولطفه. وهذا أحد الأقوال الثلاثة في إفادة الواو للترتيب وأكثر الأصوليين لا يعرفونه ولا يحكونه. وهو قول ابن أبي موسى من أصحاب أحمد ولعله أرجح الأقوال.

الثالث: أن لبداءة الرب تعالى بالوجه دون سائر الأعضاء خاصة فيجب مراعاتها، وأن لا تلغى وتهدر فيهدر ما اعتبره الله ويؤخر ما قدمه الله. وقد أشار النبي ﷺ إلى أن ما قدمه الله. فإنه ينبغي تقديمه ولا يؤخر، بل يقدم ما قدمه الله ويؤخر ما أخره الله. فلما طاف بين الصفا والمروة. بدأ بالصفا وقال: «نبدأ بما بدأ الله به»، وفي رواية للنسائي: «ابدؤا بما بدأ الله به» على الأمر، فتأمل بداءته بالصفا معللًا ذلك، يكون الله بدأ به. فلا ينبغي تأخيره، وهكذا يقول المرتبون للوضوء: سواء نحن نبدأ بما بدأ الله به ولا يجوز تأخير ما قدمه الله. ويتعين البداءة بما بدأ الله به، وهذا هو الصواب لمواظبة المبين عن الله مراده ﷺ على الوضوء المرتب، فاتفق جميع من نقل عنه وضوءه كلهم على إيقاعه مرتبًا ولم ينقل عنه أحد قط. أنه أخل بالترتيب مرة واحدة فلو كان الوضوء المنكوس مشروعًا لفعله، ولو في عمره مرة واحدة لتبين جوازه لأمته وهذا بحمد الله أوضح.

وأما تقديم النبيين على الصديقين فلما ذكره، ولكون الصديق تابعًا للنبي فإنما استحق اسم الصديق بكمال تصديقه للنبي فهو تابع محض. وتأمل تقديم الصديقين على الشهداء لفضل الصديقين عليهم، وتقديم الشهداء على الصالحين لفضلهم عليهم.

وأما تقديم السمع على البصر فهو متقدم عليه حيث وقع في القرآن مصدرًا أو فعلًا أو اسمًا. فالأول كقوله تعالى: { إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا }، [91] الثاني كقوله تعالى: { إنني معكما أسمع وأرى }، [92] والثالث كقوله تعالى: { سميع بصير }، [93] { إنه هو السميع البصير }، [94] { وكان الله سميعًا بصير } [95] فاحتج بهذا من يقول إن السمع أشرف من البصر وهذا قول الاكثرين، وهو الذي ذكره أصحاب الشافعي، وحكوا هم وغيرهم عن أصحاب أبي حنيفة أنهم قالوا: البصر أفضل ونصبوا معهم الخلاف وذكروا الحجاج من الطرفين. ولا أدري ما يترتب على هذه المسألة من الأحكام حتى تذكر في كتب الفقه! وكذلك القولان للمتكلمين والمفسرين وحكى أبو المعالي عن ابن قتيبة: تفضيل البصر ورد عليه. واحتج مفضلو السمع بأن الله تعالى يقدمه في القرآن حيث وقع وبأن بالسمع تنال سعادة الدنيا والآخرة. فإن السعادة بأجمعها في طاعة الرسل والإيمان بما جاءوا به، وهذا إنما يدرك بالسمع. ولهذا في الحديث الذي رواه أحمد وغيره من حديث الأسود بن سريع: ثلاثة كلهم يدلي على الله بحجته يوم القيامة فذكر منهم رجلًا أصم يقول: يا رب لقد جاء الإسلام وأنا لا أسمع شيئًا واحتجوا بأن العلوم الحاصلة من السمع أضعاف أضعاف العلوم الحاصلة من البصر. فإن البصر لا يدرك إلا بعض الموجودات المشاهدة بالبصر القريبة، والسمع يدرك الموجودات والمعدومات والحاضر والغائب والقريب والبعيد والواجب والممكن والممتنع، فلا نسبة لإدراك البصر إلى إدراكه. واحتجوا بأن فقد السمع يوجب ثلم القلب واللسان، ولهذا كان الأطرش خلقة لا ينطق في الغالب. وأما فقد البصر فربما كان معينًا على قوة إدراك البصيرة وشدة ذكائها. فإن نور البصر ينعكس إلى البصيرة باطنًا فيقوى إدراكها ويعظم، ولهذا تجد كثيرًا من العميان أو أكثرهم عندهم من الذكاء الوقاد والفطنة، وضياء الحس الباطن، ما لا تكاد تجده عند البصير. ولا ريب أن سفر البصر في الجهات والأقطار ومباشرته للمبصرات على اختلافها يوجب تفرق القلب وتشتيته. ولهذا كان الليل أجمع للقلب والخلوة أعون على إصابة الفكرة. قالوا: فليس نقص فاقد السمع كنقص فاقد البصر، ولهذا كثير في العلماء والفضلاء وأئمة الإسلام من هو أعمى ولم يعرف فيهم واحد أطرش بل لا يعرف في الصحابة أطرش. فهذا ونحوه من احتجاجهم على تفضيل البصر.

قال منازعوهم: يفصل بيننا وبينكم أمران.

أحداهما: أن مدرك البصر النظر إلى وجه الله تعالى في الدار الآخرة، وهو أفضل نعيم أهل الجنة وأحبه إليهم. ولا شيء أكمل من المنظور إليه سبحانه فلا حاسة في العبد أكمل من حاسة تراه بها.

الثاني: أن هذا النعيم وهذا العطاء إنما نالوه بواسطة السمع فكان السمع كالوسلية لهذا المطلوب الأعظم. فتفضليه عليه كفضيلة الغايات على وسائلها.

وأما ما ذكرتم من سعة إدراكاته وعمومها فيعارضه كثرة الخيانة فيها ووقوع الغلط. فإن الصواب فيما يدركه السمع بالإضافة إلى كثرة المسموعات قليل في كثير ويقابل كثير مدركاته صحة مدركات البصر وعدم الخيانة. وإنما يراه ويشاهده لا يعرض فيه من الكذب ما يعرض فيه فيما يسمعه، وإذا تقابلت المرتبتان بقي الترجيح بما ذكرناه.

قال شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية قدس الله روحه ونور ضريحه: وفصل الخطاب أن إدراك السمع أعم وأشمل وإدراك البصر أتم وأكمل فهذا له التمام والكمال. وذاك له العموم والشمول، فقد ترجح كل منهما على الآخر بما اختص به. تم كلامه.

وقد ورد في الحديث المشهور أن النبي ﷺ قال لأبي بكر وعمر: «هذان السمع والبصر» وهذا يحتمل أربعة أوجه.

أحدها: أن يكون المراد أنهما مني بمنزلة السمع والبصر.

والثاني أن يريد أنهما من دين الاسلام بمنزلة السمع والبصر من الإنسان، فيكون الرسول ﷺ بمنزلة القلب والروح. وهما بمنزلة السمع والبصر من الدين. وعلى هذا فيحتمل وجهين.

أحدهما: التوزيع فيكون أحدهما بمنزلة السمع والآخر بمنزلة البصر.

والثاني: الشركة فيكون هذا التنزيل والتشبيه بالحاستين ثابتًا لكل واحد منهما، فكل منهما بمنزلة السمع والبصر فعلى احتمال التوزيع والتقسيم تكلم الناس. أيهما هو السمع وأيهما هو البصر؟ وبنوا ذلك على أي الصفتين أفضل. فهي صفة الصديق.

والتحقيق أن صفة البصر للصديق وصفة السمع للفاروق. ويظهر لك هذا من كون عمر محدثًا كما قال النبي ﷺ: «قد كان في الإمم قبلكم محدثون فإن يكن في هذه الأمة أحد فعمر»، والتحديث المذكور هو ما يلقى في القلب من الصواب والحق وهذا طريقة السمع الباطن وهو بمنزلة التحديث والإخبار في الأذن. وأما الصديق فهو الذي كمل مقام الصديقية لكمال بصيرته، حتى كأنه قد باشر بصره مما أخبر به الرسول ما باشر قلبه فلم يبق بينه وبين إدراك البصر إلا حجاب الغيب، فهو كأنه ينظر إلى ما أخبر به من الغيب من وراء ستوره، وهذا لكمال البصيرة وهذا أفضل مواهب العبد وأعظم كراماته التي يكرم بها، وليس بعد درجة النبوة إلا هي ولهذا جعلها سبحانه بعدها فقال: { ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين } [96] وهذا هو الذي سبق به الصديق لا بكثرة صوم ولا بكثرة صلاة. وصاحب هذا يمشي رويدًا ويجيء في الأول. ولقد تعنى من لم يكن سيره على هذا الطريق وتشميره إلى هذا العلم، وقد سبق من شمر إليه وإن كان يزحف زحفًا ويحبو حبوًا، ولا تستطل هذا الفصل فإنه أهم مما قصد بالكلام فليعد إليه.

فقيل: تقديم السمع على البصر له سببان:

أحدهما: أن يكون السياق يقتضيه بحيث يكون ذكرها بين الصفتين متضمنًا للتهديد والوعيد كما جرت عادة القرآن بتهديد المخاطبين وتحذيرهم بما يذكره من صفاته التي تقتضي الحذر والاستقامة كقوله: { فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أن الله عزيز حكيم }، [97] وقوله: { من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة وكان الله سميعًا بصيرًا }، [98] والقرآن مملوء من هذا وعلى هذا، فيكون في ضمن ذلك أني أسمع ما يردون به عليك وما يقابلون به رسالاتي وأبصر ما يفعلون.

ولا ريب أن المخاطبين بالرسالة بالنسبة إلى الإجابة والطاعة نوعان.

أحدهما: قابلوها بقولهم صدقت ثم عملوا بموجبها.

والثاني: قابلوها بالتكذيب ثم عملوا بخلافها، فكانت مرتبة المسموع منهم قبل مرتبة البصر. فقدم ما يتعلق به على ما يتعلق بالمبصر. وتأمل هذا المعنى في قوله تعالى لموسى: { إنني معكما أسمع وأرى } [99] هو يسمع ما يجيبهم به، ويرى ما يصنعه. وهذا لا يعم سائر المواضع، بل يختص منها بما هذا شأنه.

والسبب الثاني أن إنكار الأوهام الفاسدة لسمع الكلام مع غاية البعد بين السامع والمسموع أشد من إنكارها لرؤيته مع بعده.

وفي الصحيحين عن ابن مسعود قال: اجتمع عند البيت ثلاثة نفر ثقفيان وقرشي أو قرشيان وثقفي فقال أحدهم: أترون الله يسمع ما نقول. فقال الآخر: يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا، فقال الثالث: إن كان يسمع إذا جهرنا فهو يسمع إذا أخفينا. ولم يقولوا: أترون الله يرانا، فكان تقديم السمع أهم والحاجة إلى العلم به أمس.

وسبب ثالث وهو أن حركة اللسان بالكلام أعظم حركات الجوارح وأشدها تأثيرًا في الخير والشر والصلاح والفساد، بل عامة ما يترتب في الوجود من الأفعال إنما ينشأ بعد حركة اللسان. فكان تقديم الصفة المتعلقة به أهم وأولى وبهذا يعلم تقديمه على العليم حيث وقع.

وأما تقديم السماء على الأرض ففيه معنى آخر غير ما ذكره، وهو أن غالبًا تذكر السمرات والأرض في سياق آيات الرب الدالة على وحدانيته وربوبيته، ومعلوم أن الآيات في السموات أعظم منها في الأرض لسعتها وعظمها وما فيها من كواكبها وشمسها وقمرها وبروجها وعلومها واستغنائها عن عمد تقلها، أو علاقة ترفعها إلى غير ذلك من عجائبها التي الأرض وما فيها كقطرة في سعتها، ولهذا أمر سبحانه بأن يرجع الناظر البصر فيها كرة بعد كرة، ويتأمل استواءها واتساقها وبراءتها من الخلل والفطور. فالآية فيها أعظم من الأرض، وفي كل شيء له آية سبحانه وبحمده.

وأما تقديم الأرض عليها في قوله: { وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء }، [100] وتأخيرها عنها في سبأ فتأمل. كيف وقع هذا الترتيب في سبأ في ضمن قول الكفار: { لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض } [101] كيف قدم السموات هنا، لأن الساعة إنما تأتي من قبلها وهي غيب فيها ومن جهتها تبتدىء وتنشأ، ولهذا قدم صعق أهل السموات على أهل الأرض عندها فقال تعالى: { ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض }. [102]

وأما تقديم الأرض على السماء في سورة يونس فإنه لما كان السياق سياق تحذير وتهديد للبشر وإعلامهم أنه سبحانه عالم بأعمالهم دقيقها وجليلها، وإنه لا يغيب عنه منها شيء. اقتضى ذلك ذكر محلهم وهو الأرض قبل ذكر السماء فتبارك من أودغ كلامه من الحكم والأسرار والعلوم ما يشهد أنه كلام الله وإن مخلوقًا لا يمكن أن يصدر منه مثل هذا الكلام أبدًا.

وأما تقديم المال على الولد فلم يطرد في القرآن، بل قد جاء مقدمًا كذلك في قوله: { وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم }، [103] وقوله: { إنما أموالكم وأولادكم فتنة }، [104] وقوله: { لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله }، [105] وجاء ذكر البنين مقدمًا كما في قوله: { قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها }، [106] وقوله: { زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة }. [107] فأما تقديم الأموال في تلك المواضع الثلاثة فلأنها ينتظمها معنى واحد وهو التحذير من الاشتغال بها، والحرص على تحصيلها حتى يفوته حظه من الله والدار الآخرة. فهي في موضع الالتهاب بها وأخبر في موضع أنها فتنة وأخبر في موضع آخر أن الذي يقرب عباده إليه إيمانهم وعملهم الصالح لا أموالهم ولا أولادهم ففي ضمن هذا النهي عن الاشتغال بها عما يقرب إليه. ومعلوم أن اشتغال الناس بأموالهم والتلاهي بها، أعظم من اشتغالهم بأولادهم، وهذا هو الواقع حتى أن الرجل ليستغرقه اشتغاله بما له عن مصلحة ولده وعن معاشرته وقربه. وأما تقديمهم على الأموال في تينك الآيتين فلحكمة باهرة وهي أن براءة متضمنة لوعيد من كانت تلك الأشياء المذكورة فيها أحب إليه من الجهاد في سبيل الله، ومعلوم أن تصور المجاهد فراق أهله وأولاده وآبائه وإخوانه وعشيرته تمنعه من الخروج عنهم أكثر مما يمنعه مفارقته ماله، فإن تصور مع هذا أن يقتل فيفارقهم فراق الدهر، نفرت نفسه عن هذه أكثر وأكثر، ولايكاد عند هذا التصور يخطر له مفارقة ماله بل يغيب بمفارقة الأحباب عن مفارقة المال، فكان تقديم هذا الجنس أولى من تقديم المال.

وتأمل هذا الترتيب البديع في تقديم ما قدم وتأخير ما أخر يطلعك على عظمة هذا الكلام وجلالته. فبدأ أولا بذكر أصول العبد وهم آباؤه المتقدمون طبعًا وشرفًا ورتبة، وكان فخرًا لقوم بآبائهم ومحاماتهم عنهم أكثر من محاماتهم عن أنفسهم وأموالهم، وحتى عن أبنائهم. ولهذا حملتهم محاماتهم عن آبائهم ومناضلتهم عنهم إلى أن احتملوا القتل وسبي الذرية ولايشهدون على آبائهم بالكفر والنقيصة ويرغبون عن دينهم لما في ذلك من ازرائهم بهم، ثم ذكر الفروع وهم الأبناء لأنهم يتلونهم في الرتبة وهم أقرب أقاربهم إليهم وأعلق بقلوبهم وألصق بأكبادهم من الإخوان والعشيرة، ثم ذكر الإخوان وهم الكلالة وحواشي النسب، فذكر الأصول أولًا، ثم الفروع ثانيًا، ثم النظراء ثالثًا، ثم الأزواج رابعًا. لأن الزوجة أجنبية عنده ويمكن أن يتعوض عنها بغيرها، وهي إنما تراد للشهوة، وأما الأقارب من الآباء والأبناء والإخوان فلا عوض عنهم ويرادون للنصرة والدفاع. وذلك مقدم على مجرد الشهوة، ثم ذكر القرابة البعيدة. خامسًا: وهي العشيرة وبنو العم، فإن عشائرهم كانوا بني عمتهم غالبًا. وإن كانوا أجانب فأولى بالتأخير، ثم انتقل إلى ذكر الأموال بعد الأقارب سادسًا: ووصفها بكونها مقترفة أي مكتسبة، لأن القلوب إلى ما اكتسبته من المال أميل، وله أحب وبقدره أعرف لما حصل له فيه من التعب والمشقة، بخلاف مال جاء عفوًا بلا كسب من ميراث أو هبة أو وصية، فإن حفظه للأول ومراعاته له وحرصه على بقائه أعظم من الثاني والحس شاهد بهذا، وحسبك به، ثم ذكر التجارة سابعًا لأن محبة العبد للمال أعظم من محبته للتجارة التي يحصله بها، فالتجارة عنده وسيلة إلى المال المقترف. فقدم المال على التجارة تقديم الغايات على وسائلها، ثم وصف التجارة بكونها مما يخشى كسادها، وهذا يدل على شرفها وخطرها وإنه قد بلغ قدرها إلى أنها مخوفة الكساد، ثم ذكر الأوطان ثامنًا آخر المراتب، لأن تعلق القلب بها دون تعلقه بسائر ما تقدم، فإن الأوطان تتشابه. وقد يقوم الوطن الثاني مقام الأول من كل وجه ويكون خيرًا منه فمنها عوض. وأما الآباء والأبناء والأقارب والعشائر فلا يتعوض منها بغيرها. فالقلب وإن كان يحن إلى وطنه الأول فحنينه إلى آبائه وأبنائه وزوجاته أعظم. فمحبة الوطن آخر المراتب وهذا هو الواقع. إلا لعارض يترجح عنده إيثار البعيد على القريب، فذلك جزئي لا كلي فلا تناقض به. وأما عند عدم العوارض فهذا هو الترتيب المناسب والواقع.

وأما آية آل عمران فإنها لما كانت في سياق الإخبار بما زين للناس من الشهوات التي آثروها على ما عند الله واستغنوا بها قدم ما تعلق الشهوة به أقوى والنفس إليه أشد سعرًا، وهو النساء التي فتنتهن أعظم فتن الدنيا. وهي القيود التي حالت بين العباد وبين سيرهم إلى الله، ثم ذكر البنين المتولدين منهم فالإنسان يشتهي المرأة للذة والولد، وكلاهما مقصود له لذاته، ثم ذكر شهوة الأموال لأنها تقصد لغيرها، فشهوتها شهوة الوسائل. وقدم أشرف أنواعها وهو الذهب، ثم الفضة بعده، ثم ذكر الشهوة المتعلقة بالحيوان الذي لا يعاشر عشرة النساء والأولاد. فالشهوة المتعلقة به دون الشهوة المتعلقة بها. وقدم أشرف هذا النوع وهو الخيل، فإنها حصون القوم ومعاقلهم وعزهم وشرفهم. فقدمها على الأنعام التي هي الإبل والبقر والغنم، ثم ذكر الأنعام وقدمها على الحرث، لأن الجمال بها والانتفاع أظهر وأكثر من الحرث كما قال تعالى: { ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون }، [108] والانتفاع بها أكثر من الحرث فإنها ينتفع بها ركوبًا وأكلًا وشربًا ولباسًا وأمتعة وأسلحة ودواء وقنية إلى غير ذلك من وجوه الانتفاع، وأيضا فصاحبها أعز من صاحب الحرث وأشرف، وهذا هو الواقع فإن صاحب الحرث لا بد له من نوع مذلة، ولهذا قال بعض السلف وقد رأى سكة ما دخل: هذا دار قوم إلا دخلهم الذل. فجعل الحرث في آخر المراتب وضعًا له في موضعه.

ويتعلق بهذا نوع آخر من التقديم لم يذكره وهو تقديم الأموال على الأنفس في الجهاد، حيث ما وقع في القرآن إلا في موضع واحد. وهو قوله: { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله }. [109]

وأما سائر المواضع فقدم فيها المال نحو قوله: { وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم }، [110] وقوله: { وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم }، [111] وهو كثير فما الحكمة في تقديم المال على النفس؟ وما الحكمة في تأخيره في هذا الموضع وحده؟

وهذا لم يتعرض له السهيلي رحمه الله، فيقال:

أولًا: هذا دليل على وجوب الجهاد بالمال، كما يجب بالنفس. فإذا دهم العدو وجب على القادر الخروج بنفسه، فإن كان عاجزًا وجب عليه أن يكتري بماله وهذا إحدى الروايتين عن الإمام أحمد، والأدلة عليها أكثر من أن تذكر هنا.

ومن تأمل أحوال النبي ﷺ وسيرته في أصحابه وأمرهم بإخراج أموالهم في الجهاد، قطع بصحة هذا القول.

والمقصود تقديم المال في الذكر وإن ذلك مشعر بإنكار وهم من يتوهم أن العاجز بنفسه إذا كان قادرًا على أن يغزى بماله لا يجب عليه شيء، فحيث ذكر الجهاد قدم ذكر المال. فكيف يقال: لا يجب به. ولو قيل: إن وجوبه بالمال أعظم وأقوى وجوبه بالنفس، لكان هذا القول أصح من قول من قال: لا يجب بالمال وهذا بين وعلى هذا فتظهر الفائدة في تقديمه في الذكر. وفائدة ثانية على تقدير عدم الوجوب وهي أن المال محبوب النفس ومعشوقها التي تبذل ذاتها في تحصيله وترتكب الأخطار وتتعرض للموت في طلبه. وهذا يدل على أنه هو محبوبها ومعشوقها فندب الله تعالى محبيه المجاهدين في سبيله إلى بذل معشوقهم ومحبوبهم في مرضاته. فإن المقصود أن يكون الله هو أحب شيء إليهم، ولا يكون في الوجود شيء أحب إليهم منه، فإذا بذلوا محبوبهم في حبه، نقلهم إلى مرتبة أخرى أكمل منها. وهي بذل نفوسهم له، فهذا غاية الحب. فإن الإنسان لا شيء أحب إليه من نفسه، فإذا أحب شيئًا بذل له محبوبه من نفعه وماله، فإذا آل الأمر إلى بذل نفسه ضن بنفسه وآثرها على محبوبه. هذا هو الغالب وهو مقتضى الطبيعة الحيوانية والإنسانية، ولهذا يدافع الرجل عن ماله وأهله وولده، فإذا أحس بالمغلوبية والوصول إلى مهجته ونفسه فر وتركهم، فلم يرض الله من محبيه بهذا، بل أمرهم أن يبذلوا له نفوسهم بعد أن بذلوا له محبوباتها، وأيضا فبذل النفس آخر المراتب فإن العبد ييذل ماله أو لا يقي به نفسه، فإذا لم يبق له مال بذل نفسه، فكان تقديم المال على النفس في الجهاد مطابقًا للواقع.

وأما قوله: { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم }. [112] فكان تقديم الأنفس هو الأولى، لأنها هي المشتراة في الحقيقة وهي مورد العقد وهي السلعة التي استامها ربها وطلب شراءها لنفسه وجعل ثمن هذا العقد رضاه وجنته. فكانت هي المقصود بعقد الشراء والأموال تبع لها، فإذا ملكها مشتريها ملك مالها. فإن العبد وما يملكه لسيده ليس له فيه شيء. فالمالك الحق إذا ملك النفس ملك أموالها ومتعلقاتها، فحصن تقديم النفس على المال في هذه الآية حسنًا لا مزيد عليه.

فلنرجع إلى كلام السهيلي رحمه الله وأما ما ذكره من تقديم الغفور على الرحيم فحسن جدًا. وأما تقديم الرحيم على الغفور في موضع واحد وهو أول سبأ ففيه معنى غير ما ذكره يظهر لمن تأمل سياق أوصافه العلي وأسمائه الحسنى في أول السورة إلى قوله وهو الرحيم الغفور. فإنه ابتدأ سبحانه السورة بحمده الذي هو أعم المعارف وأوسع العلوم، وهو متضمن لجميع صفات كماله، ونعوت جلاله مستلزم لها. كما هو متضمن لحكمته في جميع أفعاله وأوامره. فهو المحمود على كل حال وعلى كل ما خلقه وشرعه، ثم عقب هذا الحمد بملكه الواسع المديد فقال: { الحمد لله الذي له ما في السموات وما في الأرض }، [113] ثم عقبه بأن هذا الحمد ثابت له في الآخرة غير منقطع أبدًا، فإنه حمد يستحقه لذاته وكمال أوصافه. وما يستحقه لذاته دائم بدوامه لا يزول أبدًا. وقرن بين الملك والحمد على عادته تعالى في كلامه. فإن اقتران أحدهما بالآخر له كمال زائد على الكمال بكل واحد منهما. فله كمال من ملكه وكمال من حمده وكمال من اقتران أحدهما بالآخر. فإن الملك بلا حمد يستلزم نقصًا، والحمد بلا ملك يستلزم عجزًا، والحمد مع الملك غاية الكمال. ونظير هذه العزة والرحمة والعفو والقدرة والغنى والكرم فوسط الملك بين الجملتين فجعله محفوفًا بحمد قبله وحمد بعده، ثم عقب هذا الحمد والملك باسم الحكيم الخبير الدالين على كمال الإرادة، وإنها لا تتعلق بمراد إلا لحكمة بالغة وعلى كمال العلم. وإنه كما يتعلق بظواهر المعلومات فهو متعلق ببواطنها التي لا تدرك إلا بخبره. فنسبة الحكمة إلى الإرادة، كنسبة الخبرة إلى العلم. فالمراد ظاهر والحكمة باطنة والعلم ظاهر والخبرة باطنة، فكمال الإرادة أن تكون واقعة على وجه الحكمة، وكمال العلم أن يكون كاشفًا عن الخبرة. فالخبرة باطن العلم وكماله، والحكمة باطن الإرادة وكمالها فتضمنت الآية إثبات حمده وملكه وحكمته وعلمه على أكمل الوجوه.

ثم ذكر تفاصيل علمه بما ظهر وما بطن في العالم العلوي والسفلي فقال: يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء، وما يعرج فيها.

ثم ختم الآية بصفتين تقتضيان غاية الإحسان إلى خلقه وهما الرحمة والمغفرة فيجلب لهم الإحسان والنفع على أتم الوجوه برحمته، ويعفو عن زلتهم ويهب لهم ذنوبهم ولا يؤاخذهم بها بمغفرته. فقال: { وهو الرحيم الغفور }، [114] فتضمنت هذه الآية سعة علمه ورحمته وحكمه ومغفرته.

وهو سبحانه يقرن بين سعة العلم والرحمة. كما يقرن بين العلم والحلم. فمن الأول قوله: { ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلمًا }، [115] ومن الثاني: { والله عليم حليم }، [116] فما قرن شيء إلى شيء أحسن من حلم إلى علم، ومن رحمة إلى علم.

وحملة العرش أربعة؛ اثنان يقولان: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك لك الحمد على حلمك بعد علمك، واثنان يقولان: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك لك الحمد على عفوك بعد قدرتك. فاقتران العفو بالقدرة كاقتران الحلم والرحمة بالعلم، لأن العفو إنما يحسن عند القدرة، وكذلك الحلم والرحمة، إنما يحسنان مع العلم. وقدم الرحيم في هذا الموضع لتقدم صفة العلم. فحسن ذكر الرحيم بعده ليقترن به فيطابق قوله: { ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلمًا }. [117]

ثم ختم الآية بذكر صفة المغفرة لتضمنها دفع الشر وتضمن ما قبلها جلب الخير، ولما كان دفع الشر مقدمًا على جلب الخير قدم اسم الغفور على الرحيم حيث وقع. ولما كان في هذا الموضع تعارض يقتضي تقديم اسمه الرحيم لأجل ما قبله قدم على الغفور.

وأما قوله تعالى: { يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين }، [118] فقد أبعد النجعة فيما تعسفه من فائدة التقديم وأتى بما ينبو اللفظ عنه. وقال غيره: السجود كان في دينهم قبل الركوع. وهذا قائل ما لا علم له به. والذي يظهر في الآية والله أعلم بمراده من كلامه أنها اشتملت على مطلق العبادة وتفصيلها، فذكر الأعم، ثم ما هو أخص منه، ثم ما هو أخص من الأخص. فذكر القنوت أولا وهو الطاعة الدائمة فيدخل فيه القيام والذكر والدعاء وأنواع الطاعة، ثم ذكر ما هو أخص منه وهو السجود الذي يشرع وحده، كسجود الشكر والتلاوة ويشرع في الصلاة فهو أخص من مطلق القنوت، ثم ذكر الركوع الذي لا يشرع إلا في الصلاة فلا يسن الإتيان به منفردًا فهو أخص مما قبله.

ففائدة الترتيب النزول من الأعم إلى الأخص إلى أخص منه. وهما طريقتان معروفتان في الكلام: النزول من الأعم إلى الأخص وعكسها وهو الترقي من الأخص إلى ما هو أعم منه إلى ما هو أعم.

ونظيرها: { يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير }، [119] فذكر أربعة أشياء أخصها الركوع، ثم السجود أعم منه، ثم العبادة أعم من السجود، ثم فعل الخير العام المتضمن لذلك كله.

والذي يزيد هذا وضوحًا الكلام على ما ذكره بعد هذه الآية من قوله: { أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود } [120] فإنه ذكر أخص هذه الثلاثة وهو الطواف الذي لا يشرع إلا بالبيت خاصة، ثم انتقل منه إلى الاعتكاف وهو القيام المذكور في الحج وهو أعم من الطواف، لأنه يكون في كل مسجد ويختص بالمساجد لا يتعداها، ثم ذكر الصلاة التي تعم سائر بقاع الأرض سوى ما منع منه مانع أو استثني شرعًا.

وإن شئت قلت: ذكر الطواف الذي هو أقرب العبادات بالبيت، ثم الاعتكاف الذي يكون في سائر المساجد، ثم الصلاة التي تكون في البلد كله، بل في كل بقعة، فهذا تمام الكلام على ما ذكره من الأمثلة وله رحمه الله مزيد السبق وفضل التقدم.

وابن اللبون إذا ما لز في قرن ** لم يستطع صولة البزل القنا عيسى

(مسائل في المثنى والجمع)

(الواو والألف في يفعلون وتفعلان)

الواو والألف في يفعلون وتفعلان أصل للواو والألف في الزيدون والزيدان، فإنما جعلنا ما هو من الأفعال أصلًا لما هو في الأسماء، لأنها إذا كانت في الأفعال كانت أسماء وعلامة جمع. وإذا كانت في الأسماء كانت علامة محضة لا أسماء، وما يكون اسمًا وعلامة في حال هو الأصل لما يكون حرفًا في موضع آخر. إذا كان اللفظ واحدًا نحو كاف الضمير وكاف المخاطبة في ذلك، وهذا أولى بنا من أن نجعل الحرف أصلًا والاسم فرعًا له، يدلك على هذا أنهم لم يجمعوا بالواو والنون من الأسماء إلا ما كان فيه معنى الفعل، كالمسلمون والصالحون دون رجلون وخيلون.

فإن قيل: فالإعلام ليس فيها معنى الفعل وقد جمعوها كذلك.

قيل: الأسماء الأعلام لا تجمع هذا الجمع إلا وفيها الألف واللام. فلا يقال: جاءني زيدون وعمرون. فدل على أنهم أرادوا معنى الفعل أي الملقبون بهذا الاسم والمعرفون بهذه العلامة. فعاد الأمر إلى ما ذكرنا.

وأما التثنية فمن حيث قالوا: في الفعل فعلًا وصنعًا لمن يعقل وغيره، ولم يقولوا صنعوا إلا لمن يعقل. لم يجعلوا الواو علامة للجمع في الأسماء إلا فيما يعقل، إذ كان فيه معنى الفعل، ومن حيث اتفق معنى التثنية ولم يختلف. اتفق لفظها كذلك في جميع أحوالها ولم يختلف. واستوى فيها العاقل وغيره.

ومن حيث اختلفت معاني الجموع بالكثرة والقلة، اختلف ألفاظها. ولما كان الإخبار عن جمع ما لا يعقل يجري مجرى الجمّة والأمة والبلد، لا يقصد به في الغالب إلا الأعيان المجتمعة على التخصيص لا كل منهما على التعيين. كان الإخبار عنها بالفعل كالإخبار عن الأسماء المؤنثة، إذ الجمة والأمة وما هو في ذلك المعنى أسماء مؤنثة، ولذلك قالوا: الجمال ذهبت والثياب بيعت. إذ لا يتعين في قصد الضمير كل واحد منهما في غالب الكلام والتفاهم بين الأنام. ولما كان الإخبار عن جمع ما يعقل بخلاف ذلك، وكان كل واحد من الجمع يتعين غالبًا في القصد إليه والإشارة، وكان اجتماعهم في الغالب عن ملازمتهم وتدبير وأغراض عقلية، جعلت لهم علامة تختص بهم تنبىء عن الجمع المعنوي كما هي في ذاتها جمع لفظي وهي الواو، لأنها ضامة بين الشفتين وجامعة لهما. وكل محسوس يعبر عن معقول فينبغي أن يكون مشاكلًا له. فما خلق الله الأجساد في صفاتها المحسوسة إلا مطابقة للأرواح في صفاتها المعقولة، ولا وضع الألفاظ في لسان آدم وذريته إلا موازنة للمعاني التي هي أرواحها. وعلى نحو ذلك خصت الواو بالعطف لأنه جمع في معناه وبالقسم، لأن واوه في معنى واو العطف.

وأما اختصاص الألف بالتثنية فلقرب التثنية من الواحد في المعنى فوجب أن يقرب لفظها من لفظه. وكذلك لا يتغير بناء الواحد فهما كما لا يتغير في أكثر الجموع وفعل الواحد مبني على الفتح فوجب أن يكون فعل الاثنين كذلك وذلك لا يمكن مع غير الألف، فلما ثبت أن الألف بهذه العلة ضمير الاثنين كانت علامة للاثنين في الأسماء، كما فعلوا في الواو حين كانت ضمير الجماعة في الفعل جعلت علامة للجمع في الأسماء.

وأما إلحاق النون بعد حرف المد في هذه الأفعال الخمسة فحملت على الأسماء التي في معناها المجموعة جمع السلامة والمثناة نحو مسلمون ومسلمات وهي في تثنية الأسماء وجمعها عوض عن التنوين. كما ذكروا، ثم شبهوا بها هذه الأمثلة الخمسة وألحقوا النون فيها في حال الرفع، لأنها إذا كانت مرفوعة كانت واقعة موقع الاسم فاجتمع فيها وقوعها موقع الاسم ومضارعتها له في اللفظ، لأن آخرها حرف مد ولين، ومشاركتها له في المعنى، فالحق فيها النون عوضًا عن حركة الأعراب حملًا على الأسماء كما حملت الأسماء عليها فجمعت بالواو والياء.

فالنون في تثنية الأسماء وجمعها أصل للنون في تثنية الأفعال وجمعها، أعني علامات الأعراب هي أصل الحروف والمد في تثنية الأسماء، وجمعها التي هي علامات إعراب وحروف إعراب كما تقدم.

فإن قيل: فهلا أثبتوا هذه النون في حال النصب والجزم من الأمثلة الخمسة؟

قلنا: لعدم العلة المتقدمة وهي وقوعها موقع الإسم. وأنت إذا أدخلت النواصب والجوازم لم تقع موقع الأسماء، لأن الأسماء لا تكون بعد عوامل الأفعال فبعدت عن الأسماء ولم يبق فيها إلا مضارعتها لها في اتصال حروف المد بها مع الاشتراك في معنى الفعل.

فإن قيل: فأين الإعراب فيها في حال النصب والجزم؟

قلنا: مقدر، كما هو في كل اسم وفعل آخره حرف مد ولين سواء. وسواء كان حرف المد زائدًا أو أصليًا ضميرًا أو حرفًا كيرمي والقاضي وعصى ورمى وسكري وغلامي، إلا أنه مع هذه الياء مقدر قبلها أعني الإعراب وهو في يرمي ويخشى، ونحوه مقدر في نفس الحرف لا قبله، لأنه لا يتقدر إعراب اسم في غيره.

إذا ثبت ذلك، فقولك: لن تفعلوا ولن تفعلي إعرابه مقدر قبل الضمير في لام الفعل. كما هو كذلك في غلامي. وليس زوال النون وحذفها هو الإعراب، لأنه يستحيل أن يحول بين حرف الإعراب وبين إعرابه اسم فاعل أو غير فاعل. مع أن العدم ليس بشيء فيكون إعرابًا وعلامة لشيء في أصل الكلام ومفعوله.

وأما فعل جماعة النساء، فكذلك أيضا إعرابه مقدر قبل علامة الإضمار كما هو مقدر قبل الياء من غلامي فعلامة الإضمار منعت من ظهوره لاتصالها بالفعل، وإنها لبعض حروفه فلا يمكن تعاقب الحركات على لام الفعل معها، كما لم يمكن ذلك مع ضمائر الفاعلين المذكورين ولا مع الياء في غلامي، ولا يمكن أيضا أن يكون الإعراب في نفس النون، لأنها ضمير الفاعل فهي غير الفعل ولا يكون إعراب شيء في غيره.

ولا يمكن أيضا أن يكون بعدها فإنه مستحيل في الحركات وبعيد كل البعد في غير الحركات أن يكون إعرابًا وبينه وبين حرف الإعراب اسم أو فعل فثبت أنه مقدر كما هو في جميع الأسماء والأفعال المعربة التي لا يقدر على ظهور الإعراب فيها لمانع كما تقدم.

فإن قيل: فقد أثبتم أن فعل جماعة المؤنث معرب وهذا خلاف لسيبويه ومن وافقه من النحويين. فإنهم زعموا أنه مبني وإن اختلفوا في علة بنائه.

قلنا: بل هو وفاق لهم لأنهم علمونا وأصلوا لنا أصلًا صحيحًا. فلا ينبغي لنا أن ننقضه ونكسره عليهم وهو وجود المضارعة الموجبة للإعراب وهي موجودة في يفعلن وتفعلن. فمتى وجدت الزوائد الأربع وجدت المضارعة وإذا وجدت المضارعة وجد الإعراب.

فإن قيل: فهلا عوضوا من حركة الإعراب في حال رفعه كما فعلوا في يفعلون، لأنه أيضا واقع موقع الاسم؟

قلنا: قد تقدم ما في يفعلون ويفعلان من وجوه الشبه بينه وبين جمع السلامة في الأسماء فمنها الوقوع موقع الاسم، ومنها المضارعة في اللفظ من جهة حروف المد واللين. وهذا الشبه معدوم في يفعلن من جهة اللفظ، لأنه ليس مثل لفظ فاعلين ولا فاعلات وإن كان واقعًا موقعه في حال الرفع.

فائدة: أسماء الأيام

لما كانت الأيام متماثلة لا يتميز يوم من بوم بصفة نفسية ولا معنوية. لم يبق تمييزها إلا بالأعداد، ولذلك جعلوا أسماء أيام الأسبوع مأخوذة من العدد، نحو الاثنين والثلاثاء والأربعاء، أو بالأحداث الواقعة فيها كيوم بعاث ويوم بدر ويوم الفتح، ومنه يوم الجمعة. وفيه قولان: أحدهما لاجتماع الناس فيه للصلاة. والثاني، وهو الصحيح، لأنه اليوم الذي جمع فيه الخلق وكمل. وهو اليوم الذي يجمع الله فيه الأولين والآخرين لفصل القضاء. وأما يوم السبت فمن القطع كما تشعر به هذه المادة، ومن السبات لانقطاع الحيوان فيه عن التحرك والمعاش. والنعال السبتية التي قطع عنها الشعر، وعلة السبات التي تقطع العليل عن الحركة والنطق، ولم يكن يومًا من أيام تخليق العالم بل ابتداء أيام التخليق الأحد وخاتمتها الجمعة. هذا أصح القولين، وعليه يدل القرآن وإجماع الأمة. على أن أيام تخليق العالم ستة، فلو كان أولها السبت لكانت سبعة.

وأما حديث أبي هريرة الذي رواه مسلم في صحيحه خلق الله التربة يوم السبت فقد ذكر البخاري في تاريخه أنه حديث معلول وأن الصحيح إنه قول كعب وهو كما ذكر، لأنه يتضمن أن أيام التخليق سبعة والقرآن يرده.

واعلم: أن معرفة أيام الأسبوع لا يعرف بحس ولا عقل ولا وضع يتميز به الأسبوع عن غيره، وإنما يعلم بالشرع. ولهذا لا يعرف أيام الأسبوع إلا أهل الشرائع ومن تلقى ذلك عنهم وجاورهم. وأما الأمم الذين لا يدينون بشريعة ولا كتاب، فلا يتميز الأسبوع عندهم من غيره، ولا أيامه بعضها من بعض. وهذا بخلاف معرفة الشهر والعام فإنه أمر محسوس.

فائدة: الأمس واليوم والغد

في اليوم وأمس وغد وسبب اختصاص كل لفظ بمعناه

اعلم أن أقرب الأيام إليك يومك الذي أنت فيه، فيقال: فعلت اليوم فذكر الاسم العام، ثم عرف بأداة العهد ولا شيء أعرف من يومك الحاضر. فانصرف إليه ونظيره الآن من آن والساعة من ساعة. وأما أمس وغد فلما كان كل واحد منهما متصلًا بيومك اشتق له اسم من أقرب ساعة إليه، فاشتق لليوم الماضي أمس الملاقي للمساء، وهو أقرب إلى يومك من صاحبه، أعني صباح غد، فقالوا: أمس. وكذلك غد، اشتق الاسم من الغدو وهو أقرب إلى يومك من مسائه أعني مساء غد.

وتأمل كيف بنوا أمس وأعربوا غدًا لأن أمس صيغ من فعل ماض وهو أمسى، وذلك مبني فوضعوا أمس على وزن الأمر من أمسى يمسي. وأما الغد فإنه لم يؤخذ من مبني. إذ لا يمكن أن يقال: هو مأخوذ من غدًا.

كما يمكن أن يقال أمس من أمسى، بل أقصى ما يمكن فيه أن يكون من الغدو والغدوه وليستا بمبنيين. وهذه العلة أحسن من علة النحاة أن أمس بني لتضمنه معنى اللام وأصله الأمس. قالوا: لأنهم يقولون أمسِ الدابر فيصفونه بذي اللام، فدل على أنه معرفة، ولا يمكن أن يكون معرفة إلا بتقدير اللام وهذا أولا منقوض بقولهم غد الآتي فيلزم على طرد علتهم أن يبنوا غدًا.

وأيضا فإن أمس جرى مجرى الأعلام وهو والله أعلم بمنزلة "اصمت" و"أطرقا" مما جاء منها بلفظ الأمر اسم علم لمكان. يقول الرجل لصاحبه: فقد اصمت إذا جاوره، فاصمت في المكان كأمس في الزمان، ولعله أخذ من قولهم أمس بخير وأمس معنا ونحوه. ولا يقال: كيف يدعي فيه العلمية مع شياعه، لأنا نقول: علميته ليست كعلمية زيد وعمرو، بل كعلمية أسامة وذؤالة وبرة وفجار، وبابه مما جعل الجنس فيه بمنزلة الشخص في العلم الشخصي.

فإن قيل: فما الفرق بينه وهو اسم الجنس إذًا؟

قيل: هذا مما أعضل على كثير من النحاة حتى جعلوا الفرق بينهما لفظيًا فقط، وقالوا يظهر تأثيره في منع الصرف ووصفه بالمعرفة وانتصاب الحال عنه ونحو ذلك، ولم يهتدوا لسر الفرق بين أن موضع اللفظ لواحد منهم منكر شائع في الجنس ولمسمى الجنس المطلق. فهنا ثلاثة أمور تتبعها ثلاثة أوضاع:

أحدها معرف معين من الجنس له العلم الشخصي كزيد.

والثاني واحد منهم شائع في الجنس غير معرف فله الاسم النكرة كأسد من الأسد.

الثالث الجنس المتصور في الذهن المنطبق على كل فرد من أفراده وله علم الجنس كأسامة، فنظير هذا أمس في الزمان، ولهذا وصف بالمعرفة فاعلق بهذه الفائدة التي لا تجدها في شيء من كتب القوم. والحمد الله الوهاب المان بفضله.

فائدة: حذف لام يد ودم وغد

المشهور عند النحاة أن حذف لام يد ودم وغد وبابه حذف اعتباطي لا سبب له، لأنهم لم يروه جاريًا على قياس الحذف، وقد يظهر فيه معنى لطيف وهو أن الألفاظ أصلها المصادر الدالة على الأحداث فأصل غد مصدر غدًا يغدو غدوًا بوزن رمى وأصل دم دمي بوزن فرح مصدر دمي يدمى كبقي يبقى. وأصل يد كذلك يدي من يديت إليه يديا، ثم حذفوا: فقالوا: يدًا وكذلك سم أصله سمو من سما يسمو سموًا كعلم يعلم علمًا. فلما زحزحت على أصل موضوعاتها وبقي فيها من المعنى الأول ما يعلم أنها مشتقة منه. حذفت منها لاماتها بإزاء ما نقص من معانيها ليكون النقص في اللفظ موازيًا للنقص في المعنى، فلا يستوفي حروف الكلمة بأسرها إلا عند حصول المعنى بأسره.

فائدة: دخول الزوائد على الحروف

دخول الزوائد على الحروف الأصلية منبئة معان زائدة على معنى الكلمة التي وضعت الحروف الأصلية عبارة عنه. فإن كان المعنى الزائد آخرًا كانت الزيادة آخرًا كنحو التاء في فعلت، لأنها تنبىء عما رتبته بعد الفعل، وإن كان المعنى الزائد أولًا، كانت الزيادة الدالة عليه سابقة على حروف الكلمة كالزوائد الأربع، فإنها تنبىء أن الفعل لم يحصل بعد لفاعله، وإن بينه وبين تحصيله جزءًا من الزمان. وكان الحرف الزائد السابق للفظ مشيرًا في اللسان إلى الجزء من الزمان مرتبًا في البيان على حسب ترتب المعنى في الجنان. وكذلك حكم جميع ما يرد عليك في كلامهم.

فإن قيل: فهلا كانت الياء مكان التاء، والهمزة.

قيل: أصل هذه الزوائد الياء بدليل كونها في الوضع الذي لا يحتاج فيه إلى الفرق بين مذكر ومؤنث وهو فعل جماعة النساء، فإنك إذا قلت: النسوة يقمن، فالفرق حاصل بالنون. وأيضا فأصل الزيادة لحروف المد واللين والواو لا تزاد أولا لئلا يشتبه بواو العطف والألف يتعذر أولا لسكونها فلم يبق إلا الياء فهي الأصل، فلما أريد الفرق كانت الهمزة للمتكلم أولى لإشعارها بالضمير المستتر في الفعل، إذ هي أول حروف ذلك الضمير إذا برز فلتكن مشيرة إليه إذا خفي، وكانت النون لفعل المتكلم أولى لوجودها في أول لفظ الضمير الكامن في الفعل إذا ظهر فلتكن دالة عليه إذا خفي واستتر وكانت التاء من تفعل للمخاطب لكونها في الضمير المستتر فيه، وإن لم تكن في أول اللفظ أعني أتت، ولكنها في آخره. ولم يخصوا بالدلالة عليه ما هو في أول لفظه، أعني الهمزة لمشاركته للمتكلم فيها وفي النون. فلم يبق من لفظ الضمير إلا التاء فجعلوها في أول الفعل علمًا عليه وإيماء إليه.

فإن قيل: فكان يلزم على هذا أن تكون الزيادة في فعل الغائب هاء لوجودها في لفظ ضمير الغائب إذا برز.

قيل: لا ضمير في الغائب في أصل الكلام وأكثر مواضعه، لأن الاسم الظاهر يغني عنه ولا يستتر ضمير الغائب حتى يتقدمه مذكور يعود عليه. وليس كذلك فعل المتكلم والمخاطب والمخبرين عن أنفسهم. فإنه لا يخلو أبدًا عن ضمير ولا يجيء بعده اسم ظاهر يكون علامة ولا مضمرًا أيضا. إلا أن يكون توكيدًا للمضمر المنطوي عليه الفعل.

ومن ههنا ضارعت الأسماء حتى أعربت وجرت مجراها في دخول لام التوكيد وغير ذلك، لأنها ضمنت معنى الأسماء بالحروف التي في أوائلها. فهي من حيث دلت على الحدث والزمان فعل محض، ومن حيث دلت بأوائلها على المتكلم والمخاطب وغير ذلك متضمنة معنى الاسم. فاستحقت الإعراب الذي هو من خواص الاسم، كما استحق الاسم المتضمن معنى الحرف البناء.

فائدة: فعل الحال

فعل الحال لا يكون مستقبلًا وإن حسن فيه عد. كما لا يكون المستقبل حالًا أبدًا ولا الحال ماضيًا. وأما جاءني زيد يسافر غدًا، فعلى تقدير الحكاية له إذا وقع وهي حال مقدرة. ومنه قوله تعالى: { ولو ترى إذ وقفوا }، [121] والوقوف مستقبل لا محالة، ولكن جاء بلفظ الماضي حكاية لحال يوم الحساب فيه لا يترتب على وقوف، قد ثبت وكذلك: { قال الذين حق عليهم القول }، [122] { وقال الذين في النار }، [123] وهو كثير والوقت مستقبل والفعل بلفظ الماضي ونحوه: { فوجد فيها رجلين يقتتلان }، [124] حكاية للحال، فكذلك يقوم زيد غدًا هو على التقرير والتصوير لهيئته إذا وقع، وهذا لأن الأصل أنه لا يحكم للفظين متغايرين بمعنى واحد إلا بدليل، ولا للفظ واحد بمعنيين إلا بدليل.

فائدة: حروف المضارعة

حروف المضارعة وإن كانت زوائد فقد صارت كأنها من أنفس الكلم، وليست كذلك السين وسوف وإن كانوا قد شبهوهما بحروف المضارعة والحروف الملحقة بالأصول، ولذلك تقول غدًا يقوم زيد فتقدم الظرف على الفعل، كما تفعل ذلك في الماضي الذي لا زيادة فيه، نحو أمس قام زيد ولا يستقيم هذا في المقرون بالسين وسوف لا تقول غدًا سيقوم زيد لوجوه.

منها: أن السين تنبىء عن معنى الاستئناف والاستقبال للفعل، وإنما يكون مستقبلًا بالإضافة إلى ما قبله. فإن كان قبله ظرف أخرجته السين عن الوقوع في الظرف فبقي الظرف لا عامل فيه فبطل الكلام. فإذا قلت: سيقوم غدًا، دلت السين على أن الفعل مستقبل بالإضافة إلى ما قبله، وليس قبله إلا حالة التكلم، ودل لفظ غدًا على استقبال اليوم فتطابقا وصارا ظرفًا له.

الثاني: أن السين وسوف من حروف المعاني الداخلة على الجمل ومعناها في نفس المتكلم، وإليه يسند لا إلى الاسم المخبر عنه. فوجب أن يكون له صدر الكلام كحروف الاستفهام والنفي والنهي وغير ذلك، ولذلك قبح زيد سأضرب وزيد سيقوم. مع أن الخبر عن زيد، إنما هو بالفعل لا بالمعنى الذي دلت عليه السين. فإن ذلك المعنى مستند إلى المتكلم لا إلى زيد. فلا يجوز أن يخلط بالخبر عن زيد. فتقول: زيد سيفعل.

فإن أدخلت إن على الاسم المبتدأ، جاز دخول السين في الخبر لاعتماد الاسم على أن ومضارعتها للفعل، فصارت في اللفظ مع اسمها كالجملة التامة فصلح دخول السين فيم بعدها. وأما مع عدم أن فيقبح ذلك، وهذا مذهب أبي الحسن شيخ السهيلي. قال السهيلي: فقلت له: أليس قد قال الله تعالى: { والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات }، [125] فقال لي: اقرأ ما قبل الآية فقرأت: { إن الذين كفروا } [126] الآية. فضحك وقال: قد كنت أفزعتني أليست هذه إن في الجملة المتقدمة وهذه الأخرى معطوفة بالواو عليها، والواو تنوب مناب تكرار العامل فسلمت له وسكت.

قال: ونظير هذه المسألة مسألة اللام في إن تقول: إن زيدًا لقائم، ولا تقول زيد لقائم، والمصحح لتقديم الظرف على الفعل الماضي. أن معنى المضي مستفاد من لفظه لا من حرف زائد على الجملة منفصل عن الفعل كالسين وقد. وأما فعل الحال فزوانده ملحقة بالأصل، فإن أدخلت على الماضي قد التي للتوقع كانت بمنزلة السين التي للاستئناف، وقبح حينئذ أمس قد قام زيد، كما قبح غدًا يقوم زيد والعلة حذو النعل بالنعل.

فائدة: السين تشبه حروف المضارعة

السين تشبه حروف المضارعة، ونقرر قبل ذلك مقدمة وهي لم لم تعمل في الفعل وقد اختصت به؟

والجواب أنها فاصلة لهذا الفعل من فعل الحال، كما فصلت الزوائد الأربع فعل الحال عن الماضي فأشبهتها. وإن لم تكن مثلها في اتصالها ولحوقها بالأصل، كما أشبهت لام التعريف العلمية في اتصالها وتعرف الاسم بها. وإن لم تكن ملحقة بحروف الأصل. فلما لم تعمل تلك اللام في الأسماء مع اختصاصها بها، لم تعمل هذه في الأفعال مع استبدادها بها. هذا تعليل الفارسي في بعض كتبه وابن السراج والسهيلي وهو يحتاج إلى بيان وإيضاح.

وتقريره أن الحرف إذا نزل منزلة الجزء من الكلمة لم يعمل فيها، لأن أجزاء الكلمة لا يعمل بعضها في بعض، ولام التعريف مع المعرف بمنزلة اسم علم، فنزلت منزلته جزئه.

و"قد" مع الماضي بمنزلة فعل الحال فنزلت منزلة جزئه. وأما الزوائد الأربع فهي فاصلة لفعل الحال عن الماضي فصارت مع الفعل بمنزلة كلمة واحدة دالة على فعل الحال. وكذلك السين مع الفعل فاصلة للمستقبل عن الحال، فصارت مع الفعل بمنزلة كلمة واحدة دالة على فعل الاستقبال. وهذا المعنى موجود في سوف أيضا. فاختصاص الحرف شرط عمله ونزوله منزلة الجزء مانع من العمل.

فإن قيل: فهذا ينتقض عليكم بأن المصدرية فإنها منزلة منزلة الجزء من الكلمة، ولهذا يصير الفعل بها في تأويل كلمة مفردة، ومع هذا فهي عاملة.

قيل: هذا لا ينقض ما أصلناه، لأن هذا الحرف لم ينزل منزلة الجزء من الفعل، وإنما صار به الفعل في تأويل الاسم فلم ينتقض ما ذكرناه.

وعلل السهيلي بطلان عمل سوف بعلة أخرى فقال: وأما سوف فحرف، ولكنه على لفظ السوف الذي هو الشم لرائحة ما ليس بحاضر، وقد وجدت رائحته. كما أن سوف هذه تدل على أن ما بعدها ليس بحاضر. وقد علم وقوعه وانتظر إيابه ولا غرو أن يتقارب معنى الحرف من معنى الاسم المشتق المتمكن في الكلام.

فهذه "ثم" حرف عطف ولفظها كلفظ الثم وهو زم الشيء بعضه إلى بعض. كما قال: كنا أهل ثمة وزمة، وأصله من ثممت البيت إذا كانت فيه فرج فسدد بالثمام، والمعنى الذي في ثم العاطفة قريب من هذا، لأنه ضم شيء إلى شيء بينهما مهلة. كما أن ثم البيت ضم بين شئين بينهما فرجة. ومن تأمل هذا المعنى في الحروف والأسماء المضارعة لها الفاه كثيرًا.

فائدة بديعة: دخول أن على الفعل

في دخول أن على الفعل دون الاكتفاء بالمصدر ثلاث فوائد:

أحدها: أن المصدر فد يكون فيما مضى وفيما هو آت وليس في صيغته ما يدل عليه. فجاءوا بلفظ الفعل المشتق منه مع أن ليجتمع لهم الإخبار عن الحدث مع الدلالة على الزمان.

الثانية: أن أن تدل على إمكان الفعل دون الوجوب والاستحالة.

الثالثة: أنها تدل على مجرد معنى الحدث دون احتمال معنى زائد عليه نفيها تحصين للمعنى من الإشكال وتخليص له من شوائب الاحتمال.

بيانه أنك إذا قلت: كرهت خروجك وأعجبني قدومك، احتمل الكلام معاني.

منها أن يكون نفس القدوم هو المعجب لك دون صفة من صفاته وهيئاته وإن كان لا يوصف في الحقيقة بصفات، ولكنها عبارة عن الكيفيات.

واحتمل أيضا أنك تريد أنه أعجبك سرعته أو بطؤه أو حالة من حالاته. فإذا قلت: أعجبني أن قدمت كانت أن على الفعل بمنزلة الطبايع. والصواب من عوارض الاجمالات المتصورة في الأذهان، وكذلك زادوا أن بعد لما في قولهم لما أن جاء زيد أكرمتك، ولم يزيدوها بغير ظرف سوى لما وذلك أن لما ليست في الحقيقة ظرف زمان، ولكنه حرف يدل على ارتباط الفعل الثاني بالأول، وأن أحدهما كالعلة للآخر بخلاف الظرف. إذا قلت: حين قام زيد قام عمرو فجعلت أحدهما وقتًا للآخر على اتفاق لا على ارتباط. فلذلك زادوا أن بعدها صيانة لهذا المعنى وتخليصًا له من الاحتمال العارض في الظرف، إذ ليس الظرف من الزمان بحرف فيكون قد جاء لمعنى كما جاءت لما.

وقد زعم الفارسي أنها مركبة من لم وما. قال السهيلي: ولا أدري ما وجه قوله، وهي عندي من الحروف التي في لفظها شبه من الاشتقاق وإشارة إلى مادة هي مأخوذة منها نحو ما تقدم في سوف وثم لأنك تقول: لممت الشيء لما إذا ضممت بعضه إلى بعض. وهذا نحو من هذا المعنى الذي سيقت إليه، لأنه ربط فعل بفعل على جهة التسبيب أو التعقيب فإذا كان التسبيب حسن إدخال إن بعدها زائدة إشعارًا بمعنى المفعول من أجله. وإن لم يكن مفعولًا من أجله نحو قوله: { ولما جاءت رسلنا لوطًا }، [127] و { فلما أن جاء البشير }، [128] ونحوه وإذا كان التعقيب مجردًا من التسبيب لم يحسن زيادة إن بعدها وتأمله في القرآن. وأما أن التي للتفسير فليست مع ما بعدها بتأويل المصدر، ولكنها تشارك أن التي تقدم ذكرها في بعض معانيها لأنها تحصين لما بعدها من الاحتمالات وتفسير لما قبلها من المصادر المجملات التي في معنى المقالات والإشارات. فلا يكون تفسيرًا إلا لفعل في معنى التراجم الخمس الكاشفة عن كلام النفس، لأن الكلام القائم في النفس والغائب عن الحواس في الأفئدة يكشفه للمخاطبين خمسة أشياء: اللفظ والخط والإشارة والعقد والنصب وهي لسان الحال وهي أصدق من لسان المقال، فلا تكون أن المفسرة إلا تفسيرًا لما أجمل من هذه الأشياء. كقولك: كتبت إليه أن اخرج، وأشرت إليه أن اذهب، { نودي أن بورك من في النار }، [129] وأوصيته أن أشكر. وعقدت في يدي أن قد أخذت بخمسين. وزربت على حائطي أن لا يدخلوه. ومنه قول الله عز وجل: { ووضع الميزان * أن لا تطغوا في الميزان }، [130] هي ههنا لتفسير النصبة التي هي لسان الحال.

وإذا كان الأمر فيها كذلك، فهي بعينها التي تقدم ذكرها، لأنها إذا كانت تفسيرًا فإنما تفسر الكلام. والكلام مصدر فهي إذًا في تأويل مصدر إلا أنك أوقعت بعدها الفعل بلفظ الأمر والنهي وذلك مزيد فائدة ومزيد الفائدة لا تخرج الفعل عن كونه فعلًا. فلذلك لا تخرج عن كونها مصدرية كما لا يخرجها عن ذلك صيغة المضي والاستقبال بعدها. إذا قلت: يعجبني أن تقوم وإن قمت فكأنهم، إنما قصدوا إلى ماهية الحدث مخبرًا عن الفاعل لا الحدث مطلقًا، ولذلك لا تكون مبتدأة وخبرها في ظرف أو مجرور، لأن المجرور لا يتعلق بالمعنى الذي يدل عليه أن ولا الذي من أجله صيغ الفعل واشتق من المصدر، وإنما يتعلق المجرور بالمصدر نفسه مجردًا من هذا المعنى كما تقدم. فلا يكون خبرًا عن أن المتقدمة وإن كانت في تأويل اسم، وكذلك أيضا لا يخبر عنها بشيء مما هو من صفة للمصدر. كقولك: قيام سريع أو بطيء ونحوه. لا يكون مثل هذا خبرًا عن المصدر.

فإن قلت: حسن أن تقوم وقبح أن تفعل جاز ذلك، لأنك تريد بها معنى المفعول كأنك تقول: استحسن هذا، أو استقبحه، وكذلك إذا قلت: لأن تقوم خير من أن تقعد جاز لأنه ترجيح وتفصيل فكأنك تأمره بأن يفعل. ولست بمخبر عن الحدث بدليل امتناع ذلك في المضي، فإنك لا تقول: إن قمت خير من أن قعد، ولا إن قام زيد خير من أن قعد، وامتناع هذا دليل على ما قدمناه من أن الحدث هو الذي يخبر عنه.

وأما "أن" وما بعدها فإنها وإن كانت في تأويل المصدر فإن لها معنى زائدًا لا يجوز الإخبار عنه، ولكنه يراد ويلزم ويؤمر به. فإن وجدتها مبتدأة ولها خبر فليس الكلام على ظاهره كما تقدم.

وأما لن فهي عند الخليل مركبة من لا وأن، ولا يلزم ما اعترض عليه سيبويه من تقديم المفعول عليها، لأنه يجوز في المركبات ما لا يجوز في البسائط. واحتج الخليل بقول جابر الأنصاري وهو من شعراء الجاهلية:

فإن أمسك فإن العيش حلو ** إلي كأنه عسل مشوبُ

يرجى المرء ما لا أن يُلاقي ** وتعرضُ دون أبعده خطوبُ [131]

فإذا ثبت ذلك فمعناها نفي الإمكان بأن كما تقدم.

وكان ينبغي أن تكون جازمة كلم، لأنها حرف نفي مختص بالفعل فوجب أن يكون عمله الجزم الذي هو نفي الحركة وانقطاع الصوت ليتطابق اللفظ والمعنى. وقد فعل ذلك بعض العرب فجزم بها حين لحظ هذا الأسلوب، ولكن أكثرهم ينصب بها مراعاة، لأن المركبة فيها مع لا. إذ هي من جهة الفعل وأقرب إلى لفظه فهي أحق بالمراعاة من معنى النفي. فرب نفي لا يجزم الأفعال، وذلك إذا لم يختص بها دون الأسماء والنفي في هذا الحرف، إنما جاءه من قبل لا وهي غير عاملة لعدم اختصاصها. فلذلك كان النصب بها أولى من الجزم على أنها قد ضارعت لم لتقارب المعنى واللفظ. حتى قدم عليها معمول فعلها فقالوا: زيدًا لن أضرب، كما قالوا: زيدًا لم أضرب.

ومن خواصها تخليصها الفعل للاستقبال بعد أن كان محتملًا للحال فأغنت عن السين وسوف. وجل هذه النواصب تخلص الفعل للاستقبال.

ومن خواصها أنها تنفي ما قرب ولا يمتد معنى النفي فيها كامتداد معنى النفي في حرف لا. إذا قلت: لا يقوم زيد أبدًا، وقد قدمنا أن الألفاظ مشاكلة للمعاني التي أرواحها يتفرس الفطن فيها حقيقة المعنى بطبعه وحسه كما يتعرف الصادق الفراسة صفات الأرواح في الأجساد من قوالبها بفطنته.

وقلت يومًا لشيخنا أبي العباس ابن تيمية قدس الله روحه: قال ابن جني: مكثت برهة إذا ورد علي لفظ آخذ معناه من نفس حروفه وصفاتها وجرسه وكيفية تركيبه، ثم أكشفه، فإذا هو كما ظننته أو قريبًا منه، فقال لي رحمه الله: وهذا كثيرًا ما يقع لي.

وتأمل حرف لا كيف تجدها لامًا بعدها ألف يمتد بها الصوت ما لم يقطعه ضيق النفس. فآذن امتداد لفظها بامتداد معناها ولن يعكس ذلك. فتأمله فإنه معنى بديع.

وانظر كيف جاء في أفصح الكلام كلام الله: { ولا يتمنونه أبدًا } [132] بحرف لا في الموضع الذي اقترن به حرف الشرط بالفعل فصار من صيغ العموم فانسحب على جميع الأزمنة. وهو قوله عز وجل: { إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت } [133] كأنه يقول: متى زعموا ذلك لوقت من الأوقات، أو زمن من الأزمان. وقيل لهم: تمنوا الموت فلا يتمنونه أبدًا. وحرف الشرط دل على هذا المعنى وحرف لا في الجواب بإزاء صيغة العموم لاتساع معنى النفي فيها.

وقال في سورة البقرة: { ولن يتمنوه } [134] فقصر من سعة النفي وقرب لأن قبله: { قل إن كانت لكم الدار الآخرة } [135] لأن إن وكان هنا ليست من صيغ العموم، لأن كان ليست بدالة على حدث وإنما هي داخلة على المبتدأ والخبر عبارة عن مضي الزمان الذي كان فيه ذلك الحدث فكأنه يقول عز وجل: إن كان قد وجبت لكم الدار الآخرة وثبتت لكم في علم الله فتمنوا الموت الآن. ثم قال في الجواب: ولن يتمنوه فانتظم معنى الجواب بمعنى الخطاب في الآيتين جميعًا.

وليس في قوله أبدًا ما يناقض ما قلناه. فقد يكون أبدًا بعد فعل الحال تقول: زيد يقوم أبدًا.

ومن أجل ما تقدم من قصور معنى النفي في لن وطوله في لا يعلم الموفق قصور المعتزلة في فهم كلام الله حيث جعلوا لن تدل على النفي على الدوام واحتجوا بقوله: { لن تراني }، [136] وعلمت بهذا أن بدعتهم الخبيثة حالت بينهم وبين فهم كلام الله كما ينبغي. وهكذا كل صاحب بدعة تجده محجوبًا عن فهم القرآن.

وتأمل قوله تعالى: { لا تدركه الأبصار }، [137] كيف نفى الإدراك بلا الدالة على طول النفي ودوامه في أنه لا يدرك أبدًا وإن رآه المؤمنون فأبصارهم لا تدركه تعالى عن أن يحيط به مخلوق وكيف نفى الرؤية بلن فقال: { لن تراني } [138] لأن النفي بها لا يتأيد وقد أكذبهم الله في قولهم بتأبيد النفي بلن صريحًا بقوله وقالوا: { يا مالك ليقض علينا ربك }، [139] فهذا تمن للموت فلو اقتضت لن دوام النفي تناقض الكلام كيف وهي مقرونة بالتأبيد بقوله: { ولن يتمنوه أبدًا }، [140] ولكن ذلك لا ينافي تننيه في النار، لأن التأبيد قد يراد به التأبيد المقيد والتأبيد المطلق. فالمقيد كالتأبيد بمدة الحياة مقيد كقولك: والله لا أكلمه أبدًا والمطلق كقولك: والله لا أكفر بربي أبدًا. وإذا كان كذلك فالآية إنما اقتضت نفي تمني الموت أبد الحياة الدنيا، ولم يتعرض للآخرة أصلًا. وذلك لأنهم لحبهم الحياة وكراهتهم للجزاء لا يتمنون. وهذا منتف في الآخرة.

فهكذا ينبغي أن يفهم كلام الله لا كفهم المحرفين له عن مواضعه.

قال أبو القاسم السهيلي: على أني أقول إن العرب، إنما تنفي بلن ما كان ممكنًا عند المخاطب مظنونًا أن سيكون، فتقول له: لن يكون، لما ظًن أن يكون، لأن لن فيها معنى أن؛ وإذا كان الأمر عندهم على الشك لا على الظن كأنه يقول أيكون أم لا، قلت في النفي: لا [141] يكون، وهذا كله مقو لتركيبها من لا، وإن وتبين لك وجه اختصاصها في القرآن بالمواضع التي وقعت فيها دون لا.

فائدة: إذا الظرفية الشرطية

قولهم: إذن أُكرمك، قال السهيلي: هي عندي إذا الظرفية الشرطية خلع منها معنى الاسمية، كما فعلوا ذلك بإذا وبكاف الخطاب وبالضمائر المنفصلة، وكذلك فعلوا بإذا إلا أنهم زادوا فيها التنوين فذهبت الألف والقياس إذا وقفت عليها أن يرجع الألف لزوال العلة، وإنما نونوها لما فصلوها عن الإضافة إذ التنوين علامة الانفصال. كما فصلوها عن الإضافة إلى الجملة فيه فصار التنوين معاقبًا للجملة إلا أن إذ في ذلك الموضع لم تخرج عن الاسمية في نحو قوله: { ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون } [142] جعلها سيبويه ههنا حرفًا بمنزلة أن.

فإن قيل: ليس شيء من هذه الأشياء التي صيرت حروفًا بعد أن كانت اسمًا إلا وقد بقي فيها معنى من معانيها، كما بقي في كاف الخطاب معنى الخطاب وفي على معنى الاستعلاء. فما بقي في إذا إذًا من معانيها في حال الاسمية؟

فالجواب أنك إذا قلت: سأفعل كذا إذا خرج زيد. ففعلك مرتبط بالخروج مشروط به، وكذلك إذا قال لك القائل: قد أكرمتك. فقلت: إذا أحسن إليك ربطت إحسانك بإكرامه وجعلته جزاء له، فقد بقي فيها طرف من معنى الجزاء وهي حرف كما كان فيها معنى الجزاء وهو اسم.

وأما "إذ" من قوله: { إذ ظلمتم } [143] ففيها معنى الاقتران بين الفعلين. كما كان فيها ذلك في حال الظرفية تقول: لأضربن زيدًا إذ شتمني فهي وإن لم تكن ظرفًا ففيها معنى الظرف. كأنك تنبهه على أنك تجازيه على ما كان منه وقت الشتم، فإن لم يكن الضرب واقعًا في حال الشتم فله رد إليه وتنبيه عليه، فقد لاح لك قرب ما بينها وبين أن التي هي للمفعول من أجله، ولذلك شبهها سيبويه بها في سواد كتابه.

وعجبًا للفارسي حيث غاب ذلك عنه وجعلها ظرفًا، ثم تحيل في إيقاع الفعل الذي هو النفع فيها وسوقه إليها.

وأما "إذ" فإذا كانت منونة فإنها لا تكون إلا مضافًا إليها ما قبلها ليعتمد على الظرف المضاف إليها فلا يزول عنها معنى الظرفية. كما زال عن أختها حين نونوها وفصلوها عن الفعل الذي كانت تضاف إليه، والأصل في هذا أن إذ وإذا في غاية من الإبهام والبعد عن شبه الأسماء والقرب من الحروف لعدم الاشتقاق وقلة حروف اللفظ وعدم التمكن وغير ذلك، فلولا إضافتها إلى الفعل الذي يبنى للزمان ويفتقر إلى الظروف لما عرف فيها معنى الاسم أبدًا إذ لا تدل واحدة منهما على معنى في نفسها إنما جاءت لمعنى في غيرها. فإذا قطعت عن ذلك المعنى تمحض معنى الحرف فيها إلا أن إذ لما ذكرنا من إضافة ما قبلها من الظرف إليها لم يفارقها معنى الاسم. وليست الإضافة إليها في الحقيقة، ولكن إلى الجملة التي عاقبها التنوين.

وأما إذن فلما لم يكن فيها بعد فصلها عن الإضافة ما يعضد معنى الاسمية فيها صارت حرفًا لقربها من حروف الشرط في المعنى. ولما صارت حرفًا مختصًا بالفعل مخلصًا له للاستقبال لسائر النواصب للأفعال نصبوا الفعل بعده، إذ ليس واقعًا موقع الاسم فيستحق الرفع ولا غير واجب فيستحق الجزم فلم يبق إلا النصب. ولما لم يكن العمل فيها أصليًا لم تقو قوة أخوتها فألغيت تارة، وأعملت أخرى، وضعفت عن عوامل الأفعال.

فإن قيل: فهلا فعلوا بها ما فعلوا بإذ حين نونوها وحذفوا الجملة بعدها فيضيفوا إليها ظروف الزمان، كما يضيفونها إلى إذ في نحو يومئذ، لأن الإضافة في المعنى إلى الجملة التي عاقبها التنوين.

فالجواب أن إذ قد استعملت مضافة إلى الفعل في المعنى على وجه الحكاية للحال. كما قال تعالى: { ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب } [144] ولم يستعملوا إذا مضافة إلى الماضي بوجه ولا على الحال، فلذلك استغنوا بإضافة الظروف إلى إذ، وهم يريدون الجملة بعدها عن إضافتها إلى إذا، مع أن إذ في الأصل حرفان وإذا ثلاثة أحرف فكان ما هو أقل حروفًا في اللفظ أولى بالزيادة فيه، وإظافة الأوقات إليه زيادة فيه، لأن المضاف والمضاف إليه بمنزلة اسم واحد. وأقوى من هذا أن إذا فيها معنى الجزاء وليس في إذ منه رائحته فامتنع إضافة ظرف الزمان إلى إذا، لأن ذلك يبطل ما فيها من معنى الجزاء، لأن المضاف والمضاف إليه كالشيء الواحد، فلو أضيف إليه والحين إليهما لغلب عليهما حكمه لضعفهما عن درجة حرف الجزاء فتأمله.

فائدة بديعة: لام كي ولام الجحود

لام كي والجحود حرفان ماضيان بإضمار أن إلا أن لام كي هي لام العلة فلا يقع فيها إلا فعل يكون علة لما بعدها. فإن كان ذلك الفعل منفيًا لم يخرجها عن أن تكون لام كي. كما ذهب إليه الصيمري، لأن معنى العلة فيها باق، وإنما الفرق بين لام الجحود ولام كي وذلك من ستة أوجه:

أحدها أن لام الجحود يكون قبلها كون منفي بشرط المضي. إما ما كان أو لم يكن لا مستقبلًا فلا تقول: ما أكون لأزورك، وتكون زمانية ناقصة لا تامة ولا يقع بعد اسمها ظرف ولا مجرور. لا تقول: ما كان زيد عندك ليذهب ولا أمس ليخرج فهذه أربعة فروق.

والذي يكشف لك قناع المعنى ويهجم بك على الغرض إن كان الزمانية عبارة عن زمان ماض فلا يكون علة لحادث، ولا يتعدى إلى المفعول من أجله، ولا إلى الحال وظروف المكان وفي تعديها إلى ظرف الزمان نظر. وهذا الذي منعها أن تقع قبلها لام العلة أو يقع بعدها المجرور أو الظرف.

وأما الفرق الخامس بين اللامين فهو أن الفعل بعد لام الجحود لا يكون فاعله إلا عائدًا على اسم كان، لأن الفعل بعدها في موضع الخبر فلا تقول: ما كان زيد ليذهب عمرو كما تقول: يا زيد ليذهب عمرو، أو لتذهب أنت، ولكن تقول: ما كان ليذهب وما كنت لأفعل.

والفرق السادس جواز إظهار أن بعد لام كي ولا يجوز إظهارها بعد لام الجحود، لأنها جرت في كلامهم نفيًا للفعل المستقبل بالسين أو سوف فصارت لام الجحود بإزائها فلم يظهر بعدها ما لا يكون بعدها.

وفي هذه النكتة مطلع على فوائد من كتاب الله ومرقاة إلى تدبره كقوله: { وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم } [145] فجاء بلام الجحد حيث كان نفيًا لأمر متوقع وسبب مخوف في المستقبل، ثم قال: { وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون } [146] فجاء باسم الفاعل الذي لا يختص بزمان حيث أراد نفي وقوع العذاب بالمستغفرين على العموم في الأقوال لا يخص مضيًا من استقبال. ومثله: { ما كان ربك ليهلك القرى }، [147] ثم قال: { وما كنا مهلكي القرى }، [148] فالحظ هذه الآية من مطلع الأخرى تجدها كذلك.

وأما لام العاقبة ويسمونها لام الصيرورة في نحو: { ليكون لهم عدوًا } [149] فهي في الحقيقة لام كي، ولكنها لم تتعلق بالخبر لقصد المخبر عنه وإرادته، ولكنها تعلقت بإرادة فاعل الفعل على الحقيقة وهو الله سبحانه أي فعل الله ليكون كذا وكذا. وكذلك قولهم: أعتق ليموت لم يعتق لقصد الموت، ولم بتعلق اللام بالفعل، وإنما المعنى قدر الله أنه يعتق ليموت فهي متعلقة بالمقدور وفعل الله. ونظيره إني أنسى لاسن ومن رواه أنسى بالتشديد فقد كشف قناع المعنى.

وسمعت شيخنا أبا العباس بن تيمية يقول: يستحيل دخول لام العاقبة في فعل الله، فإنها حيث وردت في الكلام فهي لجهل الفاعل لعاقبة فعله، كالتقاط آل فرعون لموسى فإنهم لم يعلموا عاقبته، أو لعجز الفاعل عن دفع العاقبة نحو "لدوا للموت وابنوا للخراب". فأما في فعل من لا يعزب عنه مثقال ذرة. ومن هو على كل شيء قدير، فلا يكون قط إلا لام كي وهي لام التعليل.

ولمثل هذه الفوائد التي لا تكاد توجد في الكتب يحتاج إلى مجالسة الشيوخ والعلماء.

فائدة: نفي الماضي ونفي المستقبل

كما أن لن لنفي المستقبل كان الأصل أن يكون لا لنفي الماضي وقد استعملت فيه نحو: { فلا اقتحم العقبة } [150] ونحوه: * وأي عبد لك لا ألمّا * ولكن عدلوا في الأكثر إلى نفي الماضي بلم لوجوه:

منها أنهم خصوا المستقبل بلن. فأرادوا أن يخصوا الماضي بحرف، ولا لا تخص ماضيًا من مستقبل، ولا فعلًا من اسم. فخصوا نفي الماضي بلم.

ومنها أن "لا" يتوهم انفصالها مما بعدها، إذ قد تكون نافية لما قبلها ويكون ما بعدها في حكم الوجوب، مثل لا أقسم. حتى لقد قيل في قول عمر: "لا نقضي ما تجانفنا لإثم" إن لا رد لما قبلها ونقضي واجب لا منفي. وقال بعض الناس في قوله ﷺ: «لا ترآى ناراهما». أن لا رد وما بعدها واجب، وهذا خطأ في الأثرين وتلبيس لا يجوز حمل النصوص عليه. وكذلك: { لا أقسم بيوم القيامة } [151] أيضا، بل القول فيها أحد قولين، إما أن يقال هي للقسم وهو ضعيف. وإما أن يقال أقحمت أول القسم إيذانًا بنفي القسم عليه وتوكيدًا لنفيه كقول الصديق لاها الله لا تعمد إلى أسد من أسد الله الحديث.

ومما يدل على حرصهم على إيصال حرف النفي بما بعده قطعًا لهذا التوهم، إنما قلبوا لفظ الفعل الماضي بعد لم إلى لفظ المضارع حرصًا على الاتصال وصرفًا للوهم عن ملاحظة الانفصال.

فإن قيل: وأي شيء في لفظ المضارع مما يؤكد هذا المعنى، أو ليسا سواء هو والماضي؟

قلنا: لا سواء، فاعلم أن الأفعال مضارعة للحروف من حيث كانت عوامل في الأسماء كهي ومن هناك استحقت البناء، وحق العامل أن لا يكون مهيئًا لدخول عامل آخر عليه قطعًا للتسلسل الباطن. والفعل الماضي بهذه الصورة وهو على أصله من البناء ومضارعة الحروف العوامل في الأسماء فليس يذهب الوهم عند النطق به إلا إلى انقطاعه عما قبله إلا بدليل يربطه وقرينة تجمعه إليه. ولا يكون في موضع الحال البتة إلا مصاحبًا لقيد ليجعل هذا الفعل في موضع الحال.

فإن قلت: فقد يكون في موضع الصفتين النكرة، نحو مررت برجل ذهب.

قيل: افتقار النكرة إلى الوصف وفرط احتياجها إلى التخصيص تكملة لفائدة الخبر هو الرابط بين الفعل وبينها بخلاف الحال فإنها تجيء بعد استغناء الكلام وتمامه.

وأما كونه خبرًا للمبتدإ فلشدة احتياج المبتدأ إلى خبره جاز ذلك حتى أنك إذا أدخلت أن على المبتدأ بطل أن يكون الماضي في موضع الخبر إذ قد كان في خبرها اللام لما في الكلام من معنى الابتداء والاستئناف لما بعدها، فاجتمع ذلك مع صيغة الماضي وتعاونا على منع الفعل الماضي من أن يكون خبرًا لما قبلها، وليس ذلك في المضارع.

وليس المضارع كالماضي، لأن مضارعته للاسم هيأته لدخول العوامل عليه والتصرف بوجوه الإعراب كالاسم وأخرجته عن شبه العوامل التي لها صدر الكلام وصيرته كالأسماء المعمول فيها، فوقع موقع الحال والوصف وموقع خبر المبتدأ وإن لم يقطعه دخول اللام عن أن يكون خبرًا في باب أن. كما قطع الماضي من حيث كانت صيغة الماضي لها صدر الكلام كما تقدم.

فإن قيل: فما وجه مضارعة الفعل المستقبل والحال؟

قيل: دخول الزوائد ملحقة بالحروف الأصلية متضمنة لمعاني الأسماء كالمتكلم والمخاطب فما تضمن معنى الاسم أعرب كما بني من الأسماء ما تضمن معنى الحرف. ومع هذا فإن الأصل في دخول الزوائد شبه الأسماء وصلح فيها من الوجوه ما لا يصلح في الماضي.

فائدة بديعة: لام الأمر ولا الناهية

لام الأمر ولا في النهي وحروف المجازاة داخلة على المستقبل فحقها أن لا يقع بعدها لفظ الماضي، ثم لم يوجد ذلك إلا لحكمة. أما حرف النهي فلا يكون فيه ذلك كي لا يلتبس بالنفي لعدم الجزم، ولكن إذا كانت لا في معنى الدعاء. جاز وقوع الفعل بعدها بلفظ الماضي، ثم قد يوجد بعد ذلك لوجوه:

منها أنهم أرادوا أن يجمعوا التفاؤل مع الدعاء في لفظ واحد فجاءوا بلفظ الفعل الحاصل في معرض الدعاء تفاؤلًا بالإجابة، فقالوا: لا خيبك الله.

وأيضا: فالداعي قد تضمن دعاؤه القصد إلى إعلام السامع وإخبار المخاطب بأنه داع فجاءوا بلفظ الخبر إشعارًا بما تضمنه من معنى الاخبار نحو أعزك الله وأكرمك ولا رحم فلانًا. جمعت بين الدعاء والإخبار فإنك داع.

ويوضح ذلك أنك لا تقول هذا في حال مناجاتك الله ودعائك لنفسك لا تقول: رحمتني رب ورزقتني وغفرت لي كما تقول للمخاطب: رحمك الله ورزقك وغفر لك. إذ لا أحد في حال مناجاتك يقصد إخباره وإعلامه وإنما أنت داع وسائل محض.

فإن قيل: وكيف لم يخافوا اللبس كما خافوه في النهي.

قلنا: للدعاء هيبة ترفع الالتباس وذكر الله مع الفعل، ليس بمنزلة ذكر الناس فتأمله، فإنه بديع في النظر والقياس فقد جاءت أشياء بلفظ الخبر وهي في معنى الأمر والنهي. منها قول عمر: صلى رجل في كذا وكذا من اللباس. وقولهم: أنجز حر ما وعد. وقولهم: اتقى الله امرء. وهو كثير فجاء بلفظ الخبر الحاصل تحقيقًا لثبوته وإنه مما ينبغي أن يكون واقعًا ولا بد فلا يطلب من المخاطب إيجاده، بل يخبر عنه به ليحققه خبرًا صرفًا كالإخبار عن سائر الموجودات.

وفيه طريقة أخرى وهي أفقه معنى من هذه وهو أن هذا إخبار محض عن وجوب ذلك واستقرار حسنه في العقل والشريعة والفطرة وكأنهم يريدون بقولهم أنجز حر ما وعد، أي ثبت ذلك في المروءة واستقر في الفطرة. وقول عمر صلى رجل في إزار ورداء الحديث أي هذا مما وجب في الديانة وظهر وتحقق من الشريعة، فالإشارة إلى هذه المعاني حسنت صرفه إلى صورة الخبر وإن كان أمرًا زائدًا لا يكاد يجيء الاسم بعده إلا نكرة لعموم هذا الحكم وشيوع النكرة في جنسها، فلو جعلت مكان النكرة في هذه الأفعال أسماء معرفة تمحض فيها معنى الخبر وزال معنى الأمر، فقلت: اتق الله زيد وأنجز عمر وما وعد فصار خبرًا لا أمرًا.

وهذا موضع المسألة المشهورة وهي مجيء الخبر بمعنى الأمر في القرآن في نحو قوله: { والوالدات يرضعن }، [152] { والمطلقات يتربصن }، [153] ونظائره. فمن سلك المسلك الأول جعله خبرًا بمعنى الأمر ومن سلك المسلك الثاني قال: بل هو خبر حقيقة غير مصروف من جهة الخبرية، ولكن هو خبر عن حكم الله وشرعه ودينه ليس خبرًا عن الواقع ليلزم ما ذكروه من الأشكال، وهو احتمال عدم وقوع مخبره، فإن هذا، إنما يلزم من الخبر عن الواقع، وأما الخبر عن الحكم والشرع فهو حق مطابق لمخبره لا يقع خلافه أصلًا.

وضد هذا مجيء الأمر بمعنى الخبر نحو قوله: «إذا لم تستح فاصنع ما شئت»، فإن هذا صورته صورة الأمر ومعناه معنى الخبر المحض، أي من كان لا يستحي فإنه يصنع ما يشتهي، ولكنه صرف عن جهة الخبرية إلى صورة الأمر لفائدة بديعة. وهي أن العبد له من حيائه آمر يأمره بالحسن وزاجر يزجره عن القبيح، ومن لم يكن من نفسه هذا الأمر لم تنفعه الأوامر، وهذا هو واعظ الله في قلب العبد المؤمن الذي أشار إليه النبي ﷺ ولا تنفع المواعظ الخارجة إن لم تصادف هذا الواعظ الباطن، فمن لم يكن له من نفسه واعظ لم تنفعه المواعظ، فإذا فقد هذا الآمر الناهي بفقد الحياء فهو مطيع لا محالة لداعي الغي، والشهوة طاعة لا انفكاك له منها. فنزل منزلة المأمور، وكأنه يقول: إذا لم تأتمر لأمر الحياء فأنت مؤتمر لأمر الغي والسفه وأنت مطيعه لا محالة. وصانع ما شئت لا محالة فأتي بصيغة الامر تنبيهًا على هذا المعنى ولو أنه عدل عنها إلى صيغة الخبر المحض. فقيل: إذا لم تستح صنعت ما شئت لم يفهم منها هذا المعنى اللطيف فتأمله. وإياك والوقوف مع كثافة الذهن وغلظ الطباع فإنها تدعوك إلى إنكار هذه اللطائف وأمثالها فلا تأتمر لها.

وأما وقوع الفعل المستقبل بلفظ الأمر في باب الشرط نحو: قم أكرمك أي أن تقم أكرمك. فقيل: حكمته أن صيغة الأمر تدل على الاستقبال فعدلوا إليها إيثارًا للخفة، وليست هذه العلة مطردة، فإن الأفعال المختصة بالمستقبل لا يحسن إقامة لفظ الأمر مقام أكثرها. نحوة سيقوم وسوف يقوم ولن تقوم وأريد أن يقوم، ولكن أحسن ما ذكروه أن يقال في قوله: قم اكرمك فائدتان ومطلوبان. أحدهما جعل القيام سببًا للإكرام ومقتضيًا له اقتضاء الأسباب لمسبباتها. والثاني كونه مطلوبًا للآمر مرادًا له. وهذه الفائدة لا يدل عليها الفعل المستقبل فعدل عنه إلى لفظ الأمر تحقيقًا له، وهذا واضح جدًا.

وأما وقوع المستقبل بعد حرف الجزاء بلفظ الماضي مع أن الموضع للمستقبل، فقد علل بنحو هذه العلة. وإن الإرادة لا تدل على الاستقبال فعدلوا إلى الماضي، لأنه أخف وهي أيضا غير مطردة ولا مستقلة، ولو لم ينقض عليهم إلا بسائر الأدوات التي لا يكون الفعل بعدها إلا مستقبلًا. ومع ذلك لا يقع بلفظ الماضي.

وأحسن مما ذكروه أن يقال: عدل عن المستقبل هنا إلى صيغة الماضي إشارة إلى نكتة بديعة. وهي تنزيل الشرط بالنسبة إلى الجزاء منزلة الفعل الماضي، فإن الشرط لا يكون سابقًا للجزاء متقدمًا عليه فهو ماض بالإضافة إليه. ألا ترى أنك إذا قلت: إن اتقيت الله أدخلك جنته. فلا يكون إلا سابقًا على دخول الجنة فهو ماض بالإضافة إلى الجزاء فأتوا بلفظ الماضي تأكيدًا للجزاء وتحقيقًا، لأن الثاني لا يقع إلا بعد تحقق الأول ودخوله في الوجود، وأنه لا يكتفي فيه بمجرد العزم وتوطين النفس عليه الذي في المستقبل، بل لا سبيل إلى نيل الجزاء إلا بتقدم الشرط عليه وسبقه له. فأتي بالماضي لهده النكتة البديعة مع أمنهم اللبس بتحصين أداة الشرط لمعنى الاستقبال فيهما.

يبقى أن يقال فهذا تقرير حسن في فعل الشرط فما الذي حسن وقوع الجزاء المستقبل من كل وجه بلفظ الماضي إذا قلت: إن قمتَ قمتُ.

قيل: هذا سؤال حسن، وجوابه: أنهم أبرموا تلك الفائدة في فعل الشرط، قصدوا معها تحسين اللفظ ومشاكلة أوله لآخره وازدواجه واعتدال أجزائه، فأتوا بالجزاء ماضيًا لهذه الحكمة، فإن لفظتي الشرط والجزاء كالأخوين الشقيقين، وأنت تراهم يغيرون اللفظ عن جهته وما يستحقه لأجل المعادلة والمشاكلة، فيقولون: أتيته بالغدايا والعشايا، ومأزورات غير مأجورات ونظائره. ألا ترى كيف حسن أن تزرني أزرك. وأن زرتني زرتك وقبح أن تزرني زرتك، وتوسط أن زرتني أزرك. فحسن إلا ولأن للمشاكلة، وقبح الثالث للمنافرة حتى منع منه أكثر النحاة وأجازه جماعة منهم أبو عبد الله بن مالك وغيره، وهو الصواب لكثرة شواهده وصحة قياسه على الصورة الواقعة، وادعى أنه أولى منها. قال: لأن المستقبل في هذا الباب هو الأصل، والماضي فرع عليه. فإذا أجزتم أن يكون الماضي أولا والمستقبل بعده. فجواز الإتيان بالمستقبل الذي هو الأصل أولا والماضي بعده أولى.

والتقرير الذي قدمناه من كون الشرط سابقًا على الجزاء فهو ماضي بالنسبة إليه يدل على ترجيح قولهم: وإن زرتني أزرك أولى بالجواز من أن تزرني زرتك، والتقرير الذي قرره من جواز المستقبل هو الأصل في هذا الباب والماضي دخيل عليه، فإذا قدم الأصل كان أولى بالجواز، ترجح ما ذكره، فالترجيحان حق ولا فرق بين الصورتين، وكلاهما جائز هذا هو الإنصاف في المسألة والله أعلم.

ولكن هنا دقيقة تشير إلى ترجيح قول الجماعة وهي أن الفعل الواقع بعد حرف الشرط تارة يكون القصد إليه والاعتماد عليه، فيكون هو مطلوب المعلق، وجعل الجزاء باعثًا ووسيلة إلى تحصيله وفي هذا الموضع يتأكد أو يتعين الإيتان فيه بلفظ المضارع الدال على أن المقصود منه أن يأتي به فيوقعه. وظهور القصد المعنوي إليه أوجب تأثير العمل اللفظي فيه ليطابق المعنى للفظ فيجتمع التأثيران اللفظي والمعنوي. والذي يدل على هذا أنهم قلبوا لفظ الفعل الماضي إلى المستقبل في الشرط لهذا المعنى حتى يظهر تأثير الشرط فيه واقتضاؤه له.

وإذا كان الكلام معتمدًا على الجزاء والقصد إليه والشرط جعل تابعًا ووسيلة إليه كان الإتيان فيه بلفظ الماضي حسنًا أو أحسن من المستقبل، فزن بهذه القاعدة ما يرد عليك من هذا الباب.

فمنه قوله تعالى: { لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين }، [154] فانظر كيف جعل فعل الشرط ماضيًا والجزاء مستقبلًا، لأن القصد كان إلى دخولهم المسجد الحرام، وعنايتهم كلها مصروفة، وهمهم معلقة به دون وقوع الأفعال بمشيئة الله تعالى. فإنهم لم يكونوا يشكون في ذلك ولا يرتابون.

وأكد هذا المعنى تقديم الجزاء على الشرط. وهو إما نفس الجزاء على أصح القولين دليلًا كما تقدم تقريره، وإما دال على الجزاء وهو محذوف مقدر تأخيره وعلى القولين فتقدم الجزاء، أو تقديم ما يدل عليه اعتناء بأمره وتجريدًا للقصد إليه.

ويدل عليه أيضا تأكيده باللام المؤذنة بالقسم المضمر كأنه قيل: والله لتدخلن المسجد الحرام، فهذا كله يدلك على أنه هو المقصود المعنى به ومثل هذا قوله تعالى: { لئن شكرتم لأزيدنكم }، [155] ونحوه: { ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك } [156] ومثله: { لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله } [157] وهذا أصل غير منخرم، وفيه نكتة حسنة. وهي اعتماد الكلام في هذا النوع على القسم كما رأيت. فحسن الإتيان بلفظ الماضي إذ القسم أولى به لتحققه ولا يكون الإلغاء مستشنعًا فيه، لأنه مبني. ولما كان الفعل بعد حرف الجزاء يقع بلفظ الماضي لما ذكرناه من الفائدة حسن وقوع المستقبل المنفي بلم بعدها نحو، وان لم تنتهوا وهما جازمتان ولا يجتمع جازمان كما لا يجتمع في شيء من الكلام عاملان من جنس واحد، ولكن لما كان الفعل بعدها ماضيًا في المعنى وكانت متصلة به حتى كأن صيغته صيغة الماضي لقوة الدلالة عليه بلم جاز وقوعه بعد إن، وكان العمل والجزم لحرف لم، لأنها أقرب إلى الفعل وألصق به، وكان المعنى في الاستقبال لحرف إن، لأنها أولى وأسبق لكان اعتبارها في المعنى واعتبار لم في الجزم. ولا ينكر إلغاء إن هنا، لأن ما بعدها في حكم صيغة الفعل الماضي. كما لا ينكر إلغاؤها قبله.

وقد أجازوا في إن النافية من وقوع المستقبل بعدها بلفظ الماضي ما أجازوا في إن التي للشرط كما قال تعالى: { ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد } [158] ولو جعلت مكان إن ههنا غيرها من حروف النفي لم يحسن فيه مثل هذا، لأن الشرطية أصل للنافية كأن المجتهد في النفي، إذا أراد توكيده يقول: إن كان كذا وكذا فعلى كذا أو فأنا كذا، ثم كثر هذا في كلامهم حتى حذف الجواب وفهم القصد. فدخلت أن في باب النفي والأصل ما ذكرناه والله أعلم.

فائدة بديعة: المفرد والجمع وأسباب اختلاف علامات الجمع

في ذكر المفرد والجمع وأسباب اختلاف العلامات الدالة على الجمع واختصاص كل محل بعلامته ووقوع المفرد موقع الجملة وعكسه، وأين يحسن مراعاة الأصل وأين يحسن العدول عنه. وهذا فصل نافع جدا يطلعك على سر هذه اللغة العظيمة القدر، المفضلة على سائر لغات الأمم.

اعلم أن الأصل هو المعنى المفرد، وأن يكون اللفظ الدال عليه مفردًا؛ لأن اللفظ قالب المعنى، ولباسه يحتذى حذوه، والمناسبة الحقيقية معتبرة بين اللفظ والمعنى طولًا وقصرًا وخفة وثقلًا وكثرة وقلة وحركة وسكونًا وشدة ولينًا، فإن كان المعنى مفردًا أفردوا لفظه، وإن كان مركبًا ركبوا اللفظ، وإن كان طويلًا طولوه كالقطنط والعشنق للطويل، فانظر إلى طول هذا اللفظ لطول معناه، وانظر إلى لفظ بحتر وما فيه من الضم والاجتماع لما كان مسماه القصير المجتمع الخلق، وكذلك لفظة الحديد والحجر والشدة والقوة ونحوها. تجد في ألفاظها ما يناسب مسمياتها، وكذلك لفظا الحركة والسكون مناسبتهما لمسمياتهما معلوم بالحس، وكذلك لفظ الدوران والنزوان والغليان، وبابه في لفظها من تتابع الحركة ما يدل على تتابع حركة مسماها، وكذلك الدجال والجراح والضراب والأفاك في تكرر الحرف المضاعف، منها ما يدل على تكرر المعنى. وكذلك الغضبان والظمآن والحيران، وبابه صيغ على هذا البناء الذي يتسع النطق به ويمتلىء الفم بلفظه لامتلاء حامله من هذه المعاني، فكان الغضبان هو الممتلىء غضبًا الذي قد اتسع غضبه حتى ملأ قلبه وجوارحه، وكذلك بقيتها.

ولا يتسع المقام لبسط هذا، فإنه يطول ويدق جدًا حتى تسكع عنه أكثر الأفهام وتنبو عنه للطافته، فإنه ينشأ من جوهر الحرف تارة، وتارة من صفته. ومن اقترانه بما يناسبه ومن تكرره ومن حركته وسكونه. ومن تقديمه وتأخيره. ومن إثباته وحذفه. ومن قلبه وإعلاله إلى غير ذلك من الموازنة بين الحركات وتعديل الحروف وتوخي المشاكلة والمخالفة والخفة والثقل والفصل والوصل، وهذا باب يقوم من تتبعه سفر ضخم، وعسى الله أن يساعد على إبرازه بحوله وقوته.

ورأيت لشيخنا أبي العباس بن تيمية فيه فهمًا عجيبًا كان إذا انبعث فيه أتى بكل غريبة، ولكن كان حاله فيه كما كان كثيرًا يتمثل:

تألق البرق نجديًا فقلت له ** يا أيها البرق إني عنك مشغول

ولنذكر من هذا الباب مسألة واحدة وهي حال اللفظ في إفراده وتغييره عند زيادة معناها بالتثنية والجمع دون سائر مغيراته، فنقول: لما كان المفرد هو الأصل والتثنية والجمع تابعان له جعل لهما في الاسم علامة تدل عليهما، وجعلت آخره قضاء لحق الأصالة فيه، والتبعية فيهما والفرعية. فالتزموا هذا في التثنية ولم ينخرم عليهم.

وأما الجمع فإنهم ذهبوا به كل مذهب وصرفوه كل مصرف فمرة جعلوه على حد التثنية وهو قياس الباب، كالتثنية والنسب والتأنيث وغيرها، وتارة اجتلبوا له علامة في وسطه كالألف في جعافر والياء في عبيد والواو في فلوس. وتارة جعلوا اختصار بعض حروفه وإسقاطها علامة عليه نحو عنكبوت وعناكب، فإنه لما ثقل عليهم المفرد وطالت حروفه وازداد ثقلًا بالجمع خففوه بحذف بعض حروفه لئلا يجمعوا بين ثقلين، ولا يناقض هذا ما أصلوه من طول اللفظ لطول المعنى وقصره لقصره. فإن هذا باب آخر من المعادلة والموازنة. عارض ذلك الأصل ومنع من طرده.

ومنهم جمعهم فعيل وفعول وفعال على فعل، كرغيف وعمود وقذال على رغف وعمد وقذل لثقل المفرد بالمدة، فإن كان في واحده ياء التأنيث فإنها تحذف في الجمع. فكرهوا أن يحذفوا المدة فيجمعوا عليه بين نقيضين فقلبوا المدة ولم يحذفوها كرسالة ورسائل وصحيفة وصحائف، فجبروا النقص بالفرق لا أنهم تناقضوا.

وتارة يقتصرون على تغيير بعض حركاته فيجعلونها علامة لجمعه، كفلك وفلك وعبد وعبد. وتارة يجتلبون له لفظًا مستقلًا من غير لفظ واحدة كخيل وأيم وقوم ورهط ونحوه. وتارة يجعلون العلامة في التقدير والنية لا في اللفظ كفلك للواحد والجمع، فإن ضمة الواحد في النية كضمة قفل، وضمة الجمع كضمة رسل، وكذلك هجان ودلاص وأسمال وأعشار. مع أن غالب هذا الباب، إنما يأتي في الباب لحصول التمييز والعلامة بموصوفاتها، فلا يقع لبس ولا يكاد يجيء في غير الصفات إلا نادرًا جدًا. ومع هذا، فلا بد أن يكون لمفرده لفظ يغاير جمعه ويكون فيه لغتان، لأنهم علموا أنه يثقل عليهم. أما في الجر والنصب فلتوالي الكسرات. وأما في الرفع فيثقل الخروج من الكسرة إلى الضمة فعدلوا إلى جمع تكسيره ولا يرد هذا عليهم في راحمين وراحمون لفصل الألف الساكنة ومنعها من توالي الحركات فهو كمسلمين وقائمين، وكذلك عدلوا عن جمع فعل المضاعف من صفات العقلاء كفظ وبر، فلم يجمعوه جمع سلامة، ويقولون برون وفظون لئلا بشتبه بكلوب وسفود، لأنه برائبن فكسروه. وقالوا: أبرار، فلما جاءوا إلى غير المضاعف كصعب جمعوه جمع تصحيح، ولم يخافوا التباسًا، إذ ليس في الكلام فعلول، وصعفوق نادر. فتأمل هذا التفريق وهذا التصور الدال، على أن أذهانهم قد فاقت أذهان الأمم، كما فاقت لغتهم لغاتهم.

وتأمل كيف لم يجمعوا شاعرًا جمع سلامة مع استيفائه وشروطه. بل كسروه فقالوا: شعراء إيذانًا منهم بأن واحده على زنة فعيل فجمعوه جمعه كرحيم ورحماء لما كان مقصودهم المبالغة في وصفهم بالشعور.

ثم انظر كيف لم ينطقوا بهذا الوجه المقدر كراهية منهم لمجيئه بلفظ شعير وهو الحب المعروف. فأتوا بفاعل ولما لم يكن هذا المانع في الجمع قالوا شعراء.

فأما التثنية فإنهم ألزموها حالًا واحدًا، فالتزموا فيها لفظ المفرد، ثم زادوا عليه علامة التثنية، وقد قدمنا أن ألف التثنية في الأسماء أصلها ألف الاثنين في فعلا، وذكرنا الدليل على ذلك، فجاءت الألف في التثنية في الأسماء، كما كانت في فعلا علامة الاثنين، وكذلك الواو في جمع المذكر السالم علامة الجمع، نظير واو فعلوا، وتقدم أنك لا تجد الواو علامة للرفع في جميع الأسماء إلا في الأسماء المشتقة من الأفعال أو ما هو في حكمها. ولما كانت الألف علامة الاثنين في ضمير من يعقل وغيره، كانت علامة التثنية في العاقل وغيره، كانت الألف أولى بضمير الاثنين لقرب التثنية من الواحد. وأرادوا أن لا يغيروا الفعل عن البناء على الفتح في الاثنين، كما كان ذلك في الواحد للقرب المذكور.

ولما كانت الواو ضمير العاقلين خاصة في فعلوا خصوها بجمع العقلاء في نحوهم مسلمون وقائمون، ولما كان في الواو من الضم والجمع ما ليس في غيرها خصوها بالدلالة على الجمع دون الألف.

وسر المسألة أنك إذا جمعت وكان القصد الى تعيين آحاد الجموع، وأنت معتمد الاخبار عن كل واحد منهم وسلم لفظ بناء الواحد في الجمع كما سلم معناه في القصد إليه، فقلت: فعلوا وهم فاعلون وأكثر ما يكون هذا فيمن يعقل، لأن جميع ما لا يعقل من الأجناس يجري مجرى الأسماء المؤنثة المفردة كالثلة والأمة والجملة. فلذلك تقول: الثياب بيعت وذهبت. ولا تقول: بيعوا وذهبوا، لأنك تشير إلى الجملة من غير تعيين آحادها. هذا هو الغالب فيما لا يعقل إلا ما أجرى مجرى العاقل.

وجاءت جموع التكسير معتبرًا فيها بناء الواحد جارية في الإعراب مجراه حيث ضعف الاعتماد على كل واحد بعينه وصار الخبر كأنه عن الجنس الكبير الجاري في لفظه مجرى الواحد، وكذلك جمعوا ما قل عدده من المؤنث جمع السلامة، وإن كان ما لا يعقل نحو الثمرات والسمرات. إلا أنهم لم يجمعوا المذكر منه، وإن قل عدده إلا جمع تكسير، لأنهم في المؤنث لا يزيدوا غير ألف فرقًا بينه وبين الواحد. وأما التاء فقد كانت موجودة في الواحدة، وفي وصفها، وإن كثر جمعوه جمع تكسير، كالمذكر، فإذا كانوا في الجمع القليل فيسلمون لفظ الواحد من أجل الاعتماد في إسناد الخبر على أفراده. فما ظنك به في الاثنين إذا ساغ لهم ذلك في الجمع الذي هو على حدها لقربه منها، فلهذا لا تجد التثنية في العاقل وغيره، إلا على حد واحد، وكذلك ضمير الاثنين في الفعل.

وإذا علم هذا، فحق العلامة في تثنية الأسماء أن يكون على حدها في علامة الإضمار، وأن تكون ألفًا في كل الأحوال.

وكذلك فعلت طوائف من العرب وهم خثعم وطي وبنو الحرث بن كعب وعليه جاءت في قول محققي النحاة: إن هذان لساحران. وأما أكثر العرب فإنهم كرهوا أن يجعلوه كالاسم المبني والمقصور من حيث كان الإعراب قد ثبت في الواحد، والتثنية طارئة على الإفراد، وكرهوا زوال الألف لاستحقاق التثنية لها، فتمسكوا بالأمرين فجعلوا الياء علامة الجر وشركوا النصب معه لما علمت من تعليل النحاة. فكان الرفع أجدر بالألف لا سيما وهي في الأصل، علامة إضمار الفاعل وهي في تثنية الأسماء علامة رفع الفاعل أو ما ضارعه وقام مقامه.

وأما الواو فقد فهمت اختصاصها بالجمع واستحقاق الرفع لها بما قررناه في الألف، ولكنهم حولوا إلى الياء في الجر لما ذكرنا في ألف التثنية. ومتى انقلبت الواو ياء فكأنها، إذ لم يفارقها المد واللين فكأنهما حرف واحد، والانقلاب فيهما يعتبر حال لا تبديل، ولهذا تجدهم يعبرون عن هذا المعنى بالقلب لا بالإبدال. ويقولون في تاء تراث وتخمة وتجاه: إنها بدل من الواو.

فإن قيل: فإذا كان بعض العرب قد جعل التثنية بالألف في كل حال فهلا جعلوا الجمع بالواو في جمع أحواله.

قيل: إن الألف منفردة في كثير من أحكامها عن الواو والياء، والياء والواو أختان فكأنهم لما قلبوها ياء في النصب لم يبعدوا عن الواو، بخلاف الألف فإنهم إذا قلبوها ياء بعدوا عنها.

فإن قيل: فما بال سنين ومئين وبابهما جمع على حد التثنية، وليس من صفات العاقلين ولا أسمائهم.

قيل: إن هذا الجمع لا يوجد إلا فيما كملت فيه أربعة شروط.

أحدها: أن يكون معتل اللام.

الثاني: أن لا يكون المحذوف منه غير حرف مد ولين.

الثالث: أن يكون مؤنثًا.

الرابع: أن لا يكون له مذكر.

فخرج من هذا الضابط شفة، لأن محذوفها هاء. وكذا شاه وعضه وخرج منه أمة، لأن لها مذكرًا وإن لم يكن على لفظها، فقالوا في جمعها أموات ولم يجمعوه جمع سنين كيلا يظن أنه جمع المذكر، إذ كان له مذكر فجمعوا هذا الباب جمع سلامة من أجل أنه مؤنث. والمؤنث يجمع جمع سلامة وأن لم يكن على هذا اللفظ، فلما حصل فيه جمع السلامة بالقياس الصحيح وكانت عادتها رد اللام المحذوفة في الجموع، وكانت اللام المحذوفة واوًا أو ياء أظهر في الجمع السالم لها ياء أو واو ولم يكن في الواحد، وساق القياس إليها سوقًا لطيفًا حتى حصلت له بعد أخذها منه. فما أشبه حال هذا الاسم بحال من أخذ الله منه شيئًا، وعوضه خيرًا منه. وأين الواو والياء الدالة على جمع أولى العلم من ياء أو واو لا تدل على معنى البتة.

فتأمل هذا النحو ما ألطفه وأغربه وأعزه في الكتب والألسنة.

ثم انظر كيف كسروا السين من سنين لئلا يلتبس بما هو على وزن فعول من أوزان المبالغة. فلو قالوا: سنون بفتح السين لالتبس بفعول من سن يسن. فكان كسر السين تحقيقًا للجمع، إذ ليس في الكلام اسم مفرد على وزن فعيل وفعول بكسر الفاء.

فإن قيل: فما أنت صانع في الأرضين.

قيل: ليست الأرض في الأصل كأسماء الأجناس مثل ماء وحجر وتمر، ولكنها لفظة جارية مجرى المصدر فهي بمنزلة السفل والتحت وبمنزلة ما يقابلها كالفوق والعلو، ولكنها وصف بها هذا المكان المحسوس فجرت مجرى امرأة زور وضيف، ويدل على هذا قول الراجز: * ولم يقلب أرضها البيطار * يصف قوائم فرس، فأفرد اللفظ وإن كان يريد ما هو جمع في المعنى.

فإذا كانت بهذه المنزلة فلا معنى لجمعها، كما لا يجمع الفوق والتحت والعلو والسفل. فإن قصد المخبر إلى جزء من هذه الأرض الموطوءة وعين قطعة محدودة منها خرجت عن معنى السفل الذي هو في مقابلة العلو، حيث عين جزءًا محسوسًا منها. فجاز على هذا أن يثنى إذا ضممت إليه جزءًا آخر، فتقول: رأيت أرضين. ولا تقول للواحدة: أرضة، كما تقول في واحد التمرة: تمرة، لأن الأرض ليس باسم جنس كما تقدم.

ولا يقال أيضا: أرضة من حيث قلت: ضربة وجرحة، لأنها في الأصل تجري مجرى السفل والتحت، ولا يتصور في العقول أن يقال: سفله وتحته كما يتصور ذلك في بعض المصادر، فلما لم يمكنهم أن يجمعوا أرضًا على أرضات من حيث رفضوا أرضه، ولا أمكنهم أن يقولوا آرض ولا آراض من حيث لم يكن مثل أسماء الأجناس كصخر وكلب وكانوا قد عينوا مجزوءًا محدودًا، فقالوا فيه: أرض وفي تثنيته أرضان لم يستكثروا إذا أضافوا إلى الجزأين بالياء، ورابعًا أن يجمعوه على حد التثنية فقد تقدم السر في الجمع الذي على حد التثنية وأنه مقصود إلى آحاده على التعيين، فإن أرادوا الكثرة والجمع الذي لا يتعين آحاده كأسماء الأجناس لم يحتاجوا إلى الجمع، فإن لفظ أرض يأتي على ذلك كله، لأنها كلها بالإضافة إلى السماء تحت وسفل فعبر عنها بهذا اللفظ الجاري مجرى المصدر لفظًا ومعنى، وكأنه وصف لذاتها لا عبارة عن عينها وحقيقتها إذ يصلح أن يعبر به عن كل ماله فوق وهو بالإضافة إلى ما يقابله سفل كما تقدم فسماء كل شيء أعلاه وأرضه أسفله، وتأمل كيف جاءت مجموعة في قول النبي ﷺ: «طوقه من سبع أرضين» لما اعتمد الكلام على ذات الأرضين وأنفسها على التفصيل والتعيين لآحادها دون الوصف لها بتحت، أو سفل في مقابلة فوق وعلو فتأمله.

فإن قلت: فلم جمعوا السماء فقالوا: سموات وهلا راعوا فيها ما راعوا في الأرض فإنها مقابلة فما الفرق بينهما؟

قيل: بينهما فرقان فرق لفظي وفرق معنوي.

أما اللفظي فإن الأرض على وزن ألفاظ المصادر الثلاثة وهو فعل كضرب، وأما السموات كان نظيرها في المصادر التلاء والجلاء فهي بأبنية الأسماء أشبه، وإنما الذي يماثل الأرض في معناها ووزنها السفل والتحت وهما لا يثنيان ولا يجمعان، وفي مقابلتهما الفوق والعلو، وهما كذلك لا يجمعان على أنه قد قيل: إن السموات ليس جمع سماء، وإنما هي جمع سماوة، وسماوة كل شيء أعلاه. وأما جمع سماء فقياسه اسمية كأكسية وأغطية أو (سماءات [159] في المسلَّم).

وليس هذا بشيء، فإن السماوة هي أعلا الشيء خاصة ليست باسم لشيء عال، وإنما هي اسم لجزئه العالي. وأما السماء فاسم لهذا السقف الرفيع بجملته، فالسموات جمعه لا جمع أجزاء عالية منه على أنه كل عال.

وأحسن من هذا الفرق أن يقال: لو جمعوا أرضًا على قياس جموع التكسير، لقالوا: آرض كأفلس أو آراض كأجمال أو آروض كفلوس فاستثقلوا هذا اللفظ. إذ ليس فيه من الفصاحة والحسن والعذوبة ما في لفظ السموات وأنت تجد السمع ينبو عنه بقدر ما يستحسن لفظ السموات، ولفظ السموات يلج في السمع بغير استئذان لنصاعته وعذوبته. ولفظ الأراضي لا يأذن له السمع إلا على كره، ولهذا تفادوا من جمعه إذا أرادوه بثلاثة ألفاظ تدل على التعدد كما قال تعالى: { خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن }، [160] كل هذا تفاديًا من أن يقال أراض وآرض.

وأما الفرق المعنوي فإن الكلام متى اعتمد به على السماء المحسوسة التي هي السقف وقصد به إلى ذاتها دون معنى الوصف صح جمعها جمع السلامة، لأن العدد قليل، وجمع السلامة بالقليل أولى لما تقدم من قربه من التثنية القريبة من الواحد. ومتى اعتمد الكلام على الوصف ومعنى العلا والرفعة جرى اللفظ مجرى المصدر الموصوف به في قولك: قوم عَدل وزور.

وأما الأرض فأكثر ما تجيء مقصودًا بها معنى التحت والسفل دون أن يقصد ذواتها وأعدادها. وحيث جاءت مقصودًا بها الذات والعدد أتى بلفظ يدل على البعد كقوله: { ومن الأرض مثلهن }.

وفرق ثان وهو أن الأرض لا نسبة لها إلى السموات وسعتها، بل هي بالنسبة إليها كحصاة في صحراء فهي وإن تعددت وتكبرت فهي بالنسبة إلى السماء كالواحد القليل فاختير لها اسم الجنس.

وفرق ثالث أن الأرض هي دار الدنيا التي بالإضافة إلى الآخرة، كما يدخل الإنسان أصبعه في اليم فما تعلق بها هو مثال الدنيا من الآخرة، والله سبحانه لم يذكر الدنيا إلا مقللًا لها محقرًا لشأنها.

وأما السموات فليست من الدنيا هذا على أحد القولين في الدنيا فإنه اسم للمكان فإن السموات مقر ملائكة الرب تعالى ومحل دار جزائه ومهبط ملائكته ووحيه، فإذا اعتمد التعبير عنها عبر عنها بلفظ الجمع. إذ المقصود ذواتها لا مجرد العلو والفوق، وأما إذا أريد الوصف الشامل للسموات وهو معنى العلو والفوق أفردوا ذلك بحسب ما يتصل به من الكلام والسباق فتأمل. قوله: { أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور }، [161] { أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبًا }، [162] كيف أفردت هنا، لما كان المراد الوصف الشامل والفوق المطلق ولم يرد سماء معينة مخصوصة، ولما لم تفهم الجهمية هذا المعنى أخذوا في تحريف الآية عن مواضعها.

وكذا قوله تعالى: { وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء } [163] بخلاف قوله في سبأ: { عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض }، [164] فإن قبلها ذكر سبحانه سعة ملكه ومحله، وهو السموات كلها والأرض، ولما لم يكن في سورة يونس ما يقتضي أفردها إرادة للجنس.

وتأمل كيف أتت مجموعة في قوله تعالى: { وهو الله في السموات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم }، [165] فإنها أتت مجموعة هنا لحكمة ظاهرة وهي تعلق الظرف بما في اسمه تبارك وتعالى من معنى الإلهية. فالمعنى وهو الإله وهو المعبود في كل واحدة واحدة من السموات ففي كل واحدة من هذا الجنس هو المألوه المعبود، فذكر الجمع هنا أبلغ وأحسن من الاقتصار على لفظ الجنس الواحد.

ولما عزب هذا المعنى عن فهم بعض المتسننة فسر الآية بما لا يليق بها، [166] فقال: الوقف التام على السموات ثم يبتدىء بقوله: { وفي الأرض يعلم }، [167] وغلط في فهم الآية. وإن معناها ما أخبرتك به، وهو قول محققي أهل التفسير. [168]

وتأمل كيف جاءت مفردة في قوله: { فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون }، [169] إرادة لهذين الجنسين أي رب كل ما علا وكل ما سفل، فلما كان المراد عموم ربوبيته أتى بالاسم الشامل لكل ما يسمى سماء وكل ما يسمى أرضًا، وهو أمر حقيقي لا يتبدل ولا يتغير. وإن تبدلت عين السماء والأرض. فانظر كيف جاءت مجموعة في قوله: { يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض } [170] في جميع الصور. لما كان المراد الإخبار عن تسبيح سكانها على كثرتهم وتباين مراتبهم لم يكن بد من جمع محلهم.

ونظير هذا جمعها في قوله: { وله من في السماوات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون }، [171] وكذلك جاءت في قوله: { تسبح له السموات السبع }، [172] مجموعة إخبارًا بأنهاى تسبح له بذواتها وأنفسها على اختلاف عددها، وأكد هذا المعنى بوصفها بالعدد ولم يقتصر على السموات فقط، بل قال: السبع.

وانظر كيف جاءت مفردة في قوله: { وفي السماء رزقكم وما توعدون } [173] فالرزق المطر وما وعدنا به الجنة وكلاهما في هذه الجهة لا أنهما في كل واحدة واحدة من السموات فكان لفظ الأفراد أليق بها.

ثم تأمل كيف جاءت مجموعة في قوله: { قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله }، [174] لما كان المراد نفي علم الغيب عن كل من هو في واحدة واحدة من السموات أتى بها مجموعة.

وتأمل كيف لم يجىء في سياق الإخبار بنزول الماء منها إلا مفردة حيث وقعت. لما لم يكن المراد نزوله من ذات السماء بنفسها، بل المراد الوصف.

وهذا باب قد فتحه الله لي ولك، فلجه وانظر إلى أسرار الكتاب وعجائبه وموارد ألفاظه جمعًا له إفرادًا وتقديمًا وتأخيرًا إلى غير ذلك من أسراره فلله الحمد والمنة لا يحصى أحد من خلقه ثناء عليه.

فإن قيل: فهل يظهر فرق بين قوله تعالى في سورة يونس: { قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار } [175] وبين قوله في سورة سبأ: { قل من يرزقكم من السماوات والأرض قل الله }؟ [176]

قيل: هذا من أدق هذه المواضع وأغمضها وألطفها فرقًا فتدبر السياق تجده نقيضًا لما وقع، فإن الآيات التي في يونس سيقت مساق الاحتجاج عليهم بما أقروا به، ولم يمكنهم إنكاره من كون الرب تعالى هو رازقهم ومالك أسماعهم وأبصارهم ومدبر أمورهم وغيرها، ومخرج الحي من الميت، والميت من الحي. فلما كانوا مقرين بهذا كله، حسن الاحتجاج به عليهم. إن فاعل هذا هو الله الذي لا إله غيره، فكيف يعبدون معه غيره ويجعلون له شركاء لا يملكون شيئًا من هذا ولا يستطيعون فعل شيء منه. ولهذا قال بعد أن ذكر ذلك من شأنه تعالى: { فسيقولون الله } [177] أي لا بد أنهم يقرون بذلك، ولا يجحدونه، فلا بد أن يكون المذكور مما يقرون به.

والمخاطبون المحتج عليهم بهذه الآية إنما كانوا مقرين بنزول الرزق من قبل هذه السماء التي يشاهدونها بالحس ولم يكونوا مقرين ولا عالمين بنزول الرزق من سماء إلى سماء حتى تنتهي إليهم ولم يصل علمهم إلى هذا. فأفردت لفظ السماء هنا فإنهم لا يمكنهم إنكار مجيء الرزق منها، لا سيما والرزق ههنا إن كان هو المطر فمجيئه من السماء التي هي السحاب، فإنه يسمى سماء لعلوه.

وقد أخبر سبحانه أنه بسط السحاب في السماء بقوله: { الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابًا فيبسطه في السماء كيف يشاء } [178] والسحاب إنما هو مبسوط في جهة العلو لا في نفس الفلك، وهذا معلوم بالحس فلا يلتفت إلى غيره. فلما انتظم هذا بذكر الاحتجاج عليهم، لم يصلح فيه إلا إفراد السماء لأنهم لا يقرون بما ينزل من فوق ذلك من الأرزاق العظيمة للقلوب والأرواح ولا بد من الوحي الذي به الحياة الحقيقية الأبدية، وهو أولى باسم الرزق من المطر الذي به الحياة الفانية المنقضية. فما ينزل من فوق ذلك من الوحي والرحمة والألطاف والموارد الربانية والتنزلات الإلهية، وما به قوام العالم العلوي والسفلي من أعظم أنواع الرزق، ولكن القوم لم يكونوا مقرين به فخوطبوا بما هو أقرب الأشياء إليهم، بحيث لا يمكنهم إنكاره.

وأما الآية التي في سبأ فلم ينتظم بها ذكر إقرارهم بما ينزل من السموات ولهذا أمر رسوله بأن يتولى الجواب فيها ولم يذكر عنهم أنهم المجيبون المقرون فقال: { قل من يرزقكم من السموات والأرض قل الله } [179] ولم يقل: سيقولون الله فأمر تعالى نبيه ﷺ أن يجيب بأن ذلك هو الله وحده الذي ينزل رزقه على اختلاف أنواعه، ومنافعه من السموات السبع. وأما الأرض فلم يدع السياق إلى جمعها في واحدة من الاثنين إذ يقربه كل أحد مؤمن وكافر وبر وفاجر.

ومن هذا الباب ذكر الرياح في القرآن جمعًا ومفردة فحيث كانت في سياق الرحمة أتت مجموعة وحيث وقعت في سياق العذاب أتت مفردة، وسر ذلك أن رياح الرحمة مختلفة الصفات والمهاب والمنافع، وإذا هاجت منها ريح أنشأ لها ما يقابلها ما يكسر سورتها ويصدم حدتها، فينشأ من بينهما ريح لطيفة تنفع الحيوان والنبات، فكل ريح منها في مقابلها ما يعد لها ويرد سورتها فكانت في الرحمة ريحًا، وأما في العذاب فإنها تأتي من وجه واحد وحمام واحد لا يقوم لها شيء ولا يعارضها غيرها، حتى تنتهي إلى حيث أمرت لا يرد سورتها ولا يكسر شرتها، فتمتثل ما أمرت به، وتصيب ما أرسلت إليه. ولهذا وصف سبحانه الريح التي أرسلها على عاد بأنها عقيم فقال: { أرسلنا عليهم الريح العقيم }، [180] وهي التي لا تلقح ولا خير فيها، والتي تعقم ما مرت عليه.

ثم تأمل كيف اطرد هذا إلا في قوله في سورة يونس: { هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف }، [181] فذكر ريح الرحمة الطيبة بلفظ الأفراد، لأن تمام الرحمة هناك، إنما تحصل بوحدة الريح لا باختلافها، فإن السفينة لا تسير إلا بريح واحدة من وجه واحد سيرها. فإذا اختلف عليها الرياح وتصادمت وتقابلت فهو سبب الهلاك. فالمطلوب هناك ريح واحدة لا رياح، وأكد هذا المعنى بوصفها بالطيب دفعًا لتوهم أن تكون ريحًا عاصفة، بل هي مما يفرح بها لطيبها فلينزه الفطن بصيرته في هذه الرياض المونقة المعجبة التي ترقص القلوب لها فرحًا، ويتغذى بها عن الطعام والشراب والحمد لله الفتاح العليم. فمثل هذا الفصل يعض عليه بالنواجذ، وتثنى عليه الخناصر فإنه يشرف بك على أسرار عجائب تجتنيها من كلام الله. والله الموفق للصواب.

ومما يدخل في هذا الباب جمع الظلمات وإفراد النور وجمع سبل الباطل، وإفراد سبل الحق وجمع الشمائل وإفراد اليمين.

أما الأول فكقوله: { الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور }. [182]

وأما الثاني فكقوله: { وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله }. [183]

وأما الثالث فكقوله: { يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل }. [184]

والجواب عنها يخرج من مشكاة واحدة، وسر ذلك والله أعلم أن طريق الحق واحد وهو على الواحد للأحد، كما قال تعالى: { هذا صراط علي مستقيم }، [185] قال مجاهد: الحق طريقه على الله ويرجع إليه كما يقال: طريقك علي، ونظيره قوله: { وعلى الله قصد السبيل } [186] في أصح القولين أي السبيل القصد الذي يوصل إلى الله وهي طريق عليه. قال الشاعر:

فهن المنايا أي واد سلكنه ** عليها طريقي أو علي طريقها

وقد قررت هذا المعنى وبينت شواهده من القرآن، وسر كون الصراط المستقيم على الله، وكونه تعالى على الصراط المستقيم كما في قول هود: { إن ربي على صراط مستقيم في كتاب التحفة المكية. [187]

والمقصود أن طريق الحق واحد إذ مرده إلى الله الملك الحق، وطرق الباطل متشعبة متعددة فإنها لا ترجع إلى شيء موجود ولا غاية لها يوصل إليها، بل هي بمنزلة بنيات الطريق. وطريق الحق بمنزلة الطريق الموصل إلى المقصود، فهي وإن تنوعت فأصلها طريق واحد.

ولما كانت الظلمة بمنزلة طرق الباطل والنور بمنزلة طريق الحق، بل هما هما أفرد النور وجمعت الظلمات وعلى هذا جاء قوله: { الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات }، [188] فوحد ولي الذين آمنوا وهو الله الواحد الأحد، وجمع الذين كفروا لتعددهم وكثرتهم، وجمع الظلمات وهي طرق الضلال، وألغي لكثرتها واختلافها، ووحد النور وهو دينه الحق وطريقه المستقيم الذي لا طريق إليه سواه.

ولما كانت اليمين جهة الخير والفلاح وأهلها هم الناجون أفردت. ولما كانت الشمال جهة أهل الباطل وهم أصحاب الشمال جمعت في قوله: { عن اليمين والشمائل }. [189]

فإن قيل: فهلا كذلك في قوله: { وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال }، [190] وما بالها جاءت مفردة؟

قيل: جاءت مفردة لأن المراد أهل هذه الجهة ومصيرهم ومآلهم إلى جهة واحدة وهي جهة الشمال مستقر أهل النار، والنار من جهة الشمال فلا يحسن مجيئها مجموعة، لأن الطرق الباطلة وإن تعددت، فغايتها المرد إلى طريق الجحيم وهي جهة الشمال، وكذلك مجيئها مفردة في قوله: { عن اليمين وعن الشمال قعيد } [191] لما كان المراد أن لكل عبد قعيدين: قعيدًا عن يمينه، وقعيدًا عن شماله، يحصيان عليه الخير والشر، فلكل عبد من يختص بيمينه وشماله من الحفظة، فلا معنى للجمع ههنا، وهذا بخلاف قوله تعالى حكاية عن إبليس: { ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم }، [192] فإن الجمع هنا في مقابلة كثرة من يريد إغواءهم، فكأنه أقسم أن يأتي كل واحد واحد من بين يديه، ومن خلفه، وعن يمينه، وعن شماله ولا يحسن هنا عن يمينهم وعن شمالهم. بل الجمع ههنا من مقابلة الجملة بالجملة المقتضي توزيع الأفراد ونظيره: { فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق }. [193]

وقد قال بعض الناس: إن الشمائل، إنما جمعت في الظلال وأفرد اليمين، لأن الظل حين ينشأ أول النهار يكون في غاية الطول، يبدو كذلك ظلأً واحدًا من جهة اليمين، ثم يأخذ في النقصان. وأما إذا أخذ في جهة الشمال فإنه يتزايد شيئًا فشيئًا. والثاني منه غير الأول، فلما زاد منه شيئًا فهو غير ما كان قبله، فصار كل جزء منه كأنه ظل، فحسن جمع الشمائل في مقابلة تعدد الظلال، وهذا معنى حسن.

ومن هذا المعنى مجيء المشرق والمغرب في القرآن تارة مجموعين، وتارة مثنيين، وتارة مفردين لاختصاص كل محل بما يقتضيه من ذلك. فالأول كقوله: { فلا أقسم برب المشارق والمغارب }، [194] والثاني كقوله: { رب المشرقين ورب المغربين * فبأي آلاء ربكما تكذبان }، [195] والثالث كقوله: { رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا }، [196] فتأمل هذه الحكمة البالغة في تغاير هذه المواضع في الإفراد والجمع والتثنية بحسب موادها. يطلعك على عظمة القرآن وجلالته، وأنه تنزيل من حكيم حميد.

فحيث جمعت كان المراد بها مشارق الأرض ومغاربها في أيام السنة وهي متعددة، وحيث أفردا كان المراد أفقي المشرق والمغرب، وحيث ثنيا كان المراد مشرقي صعودها وهبوطها ومغربيهما. فإنها تبتدىء صاعدة حتى تنتهي إلى غاية أوجها وارتفاعها، فهذا مشرق صعودها، وينشأ منه فصلا الخريف والشتاء. فجعل مشرق صعدوها بجملته مشرقًا واحدًا، ومشرق هبوطها بجملته مشرقًا واحدًا، ويقابلها مغرباها. فهذا وجه اختلاف هذه في الإفراد والتثنية والجمع.

وأما وجه اختصاص كل موضع بما وقع فيه فلم أر أحدًا تعرض له ولا فتح بابه وهو بحمد الله بين من السياق، فتأمل وروده مثنى في سورة الرحمن، لما كان مساق السورة مساق المثاني المزدوجات، فذكر أولا نوعي الإيجاد وهما الخلق والتعظيم، ثم ذكر سراجي العالم ومظهري نوره: وهما الشمس والقمر، ثم ذكر نوعي النبات ما قام منه على ساق، وما انبسط منه على وجه الأرض: وهما النجم والشجر، ثم ذكر نوعي السماء المرفوعة، والأرض الموضوعة وأخبر أنه رفع هذه، ووضع هذه، ووسط بينما ذكر الميزان، ثم ذكر العدل والظلم في الميزان فأمر بالعدل ونهى عن الظلم، ثم ذكر نوعي الخارج من الأرض وهما الحبوب والثمار، ثم ذكر خلق نوعي المكلفين وهما: نوع الإنسان ونوع الجان، ثم ذكر نوعي المشرقين ونوعي المغربين، ثم ذكر بعد ذلك البحرين الملح والعذب.

فتأمل حسن تثنية المشرق والمغرب في هذه السورة وجلالة ورودهما لذلك، وقدر موضعهما اللفظ مفردًا ومجموعًا، تجد السمع ينبو عنه ويشهد العقل بمنافرته للنظم.

ثم تأمل ورودهما مفردين في سورة المزمل لما تقدمهما ذكر الليل والنهار فأمر رسوله بقيام الليل، ثم أخبره أن له في النهار سبحًا طويلًا. فلما تقدم ذكر الليل وما أمر به فيه وذكر النهار وما يكون منه فيه عقب ذلك بذكر المشرق والمغرب الذين هما مظهر الليل والنهار. فكان ورودهما مفردين في هذا السياق أحسن من التثنية والجمع، لأن ظهور الليل والنهار هما واحد فالنهار أبدًا يظهر من المشرق والليل أبدًا يظهر من المغرب، ثم تأمل مجيئهما مجموعين في سورة المعارج في قوله: { فلا أقسم برب المشارق والمغارب إنا لقادرون * على أن نبدل خيرا منهم وما نحن بمسبوقين }، [197] لما كان هذا القسم في سياق سعة ربوبيته وإحاطة قدرته والمقسم عليه أرباب هؤلاء، والإتيان بخير منهم ذكر المشارق والمغارب لتضمنهما انتقال الشمس التي هي أحد آياته العظيمة الكبيرة، ونقله سبحانه لها، وتصريفها كل يوم في مشرق ومغرب. فمن فعل هذا، كيف يعجزه أن يبدل هؤلاء وينقل إلى أمكنتهم خيرًا منهم؟

وأيضا فإن تأثير مشارق الشمس ومغاربها في اختلاف أحوال النبات والحيوان أمر مشهور، وقد جعل الله تعالى ذلك بحكمته سببًا لتبدل أجسام النبات، وأحوال الحيوانات وانتقالها من حال إلى غيره، ويبدل الحر بالبرد. والبرد بالحر. والصيف بالشتاء، والشتاء بالصيف إلى سائر تبدل أحوال الحيوان والنبات والرياح والأمطار والثلوج، وغير ذلك من التبدلات والتغيرات الواقعة في العالم. بسبب اختلاف مشارق الشمس ومغاربها. كان ذلك تقدير العزيز العليم. فكيف لا يقدر مع ما يشهدونه من ذلك على أن يبدل خيرًا منهم؟ وأكد هذا المعنى بقوله: { وما نحن بمسبوقين } فلا يليق بهذا الموضع سوى لفظة الجمع.

ثم تأمل كيف جاءت أيضا في سورة الصافات مجموعة في قوله: { رب السموات والأرض وما بينهما ورب المشارق } [198] لما جاءت مع جملة المربوبات المتعددة وهي السموات والأرض وما بينهما. كان الأحسن مجيئها مجموعة لينتظم مع ما تقدم من الجمع والتعدد، ثم تأمل كيف اقتصر على المشارق دون المغارب لاقتضاء الحال، لذلك فإن المشارق مظهر الأنوار وأسباب انتشار الحيوان وحياته وتصرفه ومعاشه وانبساطه فهو إنشاء مشهود، فقدمه بين يدي الرد على منكري البعث، ثم ذكر تعجب بنيه من تكذيبهم واستبعادهم البعث بعد الموت، ثم قدر الموت وحالهم فيه وكان الاقتصار على ذكر المشارق ههنا في غاية المناسبة للغرض المطلوب والله أعلم.

فائدة: علامة التثنية والجمع

إنما ظهرت علامة التثنية والجمع في الفعل دون علامة الواحد، لأن الفعل يدل على فاعل مطلق ولا يدل على تثنية ولا جمع، لأنهما طارئان على الأفراد وهو الأصل. ففعل الواحد مستغن عن علامة الإضمار لعلم السامع أن له فاعلًا، ولا كذلك في التثنية والجمع لأن السامع لا يعلم أن الفاعل مثنى ولا مجموع.

فإن قيل: فما معنى استتار الضمير في الفعل وهو حروف مركبة من حركات اللسان، فكيف يستتر فيها شيء أو يظهر؟

قيل: أكثر ألفاظ النحاة محمول على الاستعارة والتشبيه والتسامح، إذ مقصودهم التقريب على المتعلمين.

والتحقيق أن الفاعل مضمر في نفس المتكلم، ولفظ الفعل متضمن له دال عليه، واستغني عن إظهاره لتقدم ذكره، وعبر عنه بلفظ مضمر ولم يعبر عنه بمحذوف، لأن المضمر هو المستتر فهو مضمر في النية مخفي في الخلد، والإضمار هو الإخفاء.

فإن قيل: فهلا سموا ما حذفوه لفظًا وأرادوا نيته مضمرًا مثل الغاية في قولك، الذي رأيت زيد، وما الفرق بينهما وبين زيد قام؟

قيل: الضمير في زيد قام. لم ينطق به، ثم حذف، ولكنه مضمر في الإرادة، ولا كذلك الضمير المحذوف للعلم به، لأنه قد لفظ به في النطق، ثم حذف تخفيفًا. فلما كان قد لفظ به، ثم قطع من اللفظ تخفيفًا. عبر عنه بالحذف، والحذف هو القطع من الشيء فهذا هو الفرق بينهما.

فائدة بديعة: تقدم علامة التثنية والجمع للفعل

لحاق علامة التثنية والجمع للفعل مقدمًا، جاء في لغة قوم من العرب حرصًا على البيان وتوكيدًا للمعنى، إذ كانوا يسمون بالتثنية والجمع نحو فلسطين وقنسرين وحمدان وسلمان مما يشبه لفظه لفظ المثنى والجمع، فهذا ونحوه دعاهم إلى تقديم العلامة في قولهم: أكلوني البارغيث، وقد ورد في الحديث: «يتعاقبون فيكم ملائكة» وكما أن هذه العلامة ليست للفعل، إنما هي للفاعلين، وكذلك التاء في قامت هند ليست للفعل إذ هو حيث يذكر لا يلحقه تأنيث إلا في نحو ضربه وقتله. والفعل لم يشتق من المصدر محدودًا، وإنما يدل عليه مطلقًا. فالتاء إذًا بمنزلة علامة التثنية والجمع، إلا أنها ألزم للفعل منها.

وقد ذكر النحاة في ذلك فروقًا وعللًا مشهورة فراجعها، ولكن ينبغي أن تتنبه لأمور تجب مراعاتها.

منها: أنهم قالوا إن الاسم المؤنث لو كان تأنيثه حقيقيًا فلا بد من لحوق تاء التأنيث في الفعل، وإن كان مجازيًا لكنت بالخيار. وزعموا أن التاء في قالت الأعراب ونحوه لتأنيث الجماعة وهو غير حقيقي، وقد كان على لحوق التاء في. وقال نسوة أولى: لأن تأنيثهن حقيقي، واتفقوا أن الفعل إذا تأخر عن فاعله المؤنث فلا بد من إثبات التاء، وإن لم يكن التأنيث حقيقيًا ولم يذكروا فرقًا بين تقدم الفعل وتأخره.

ومما يقال لهم إذ لحقت التاء لتأنيث الجماعة فلم لا يجوز في جمع السلامة المذكر كما جازت في جمع التكسير.

ومما يقال لهم أيضا: إذا كان لفظ الجماعة مؤنثًا فلفظ الجمع مذكر فلم روعي لفظ التأنيث دون لفظ التذكير.

فإن قلتم: أنت مخير، فإن راعيت لفظ التأنيث أنثت، وإن راعيت لفظ التذكير ذكرت.

قيل لهم: هذا باطل. فإن أحدًا من العرب لم يقل الهنداتُ ذهب، ولا الجمال انطلق، ولا الأعراب تكلم، مراعاة للفظ الجمع فبطلت العلة.

فهذه عللهم قد انتقضت كما ترى. فاسمع الآن سر المسألة وكشف قناعها: الأصل في هذا الباب أن الفعل متى اتصل بفاعله، ولم يحجز بينهما حاجز، لحقت العلامة ولا نبالي أكان التأنيث حقيقيًا أم مجازيًا. فتقول: طابت الثمرة وجاءت هند، إلا أن يكون الاسم المؤنث في معنى اسم آخر مذكر كالحوادث والحدثان والأرض والمكان. فلذلك جاء: * فإن الحوادث أودى بها * فإن الحوادث في معنى الحدثان. وجاء: * ولا أرض أبقل إبقالها * فإنه في معنى ولا مكان أبقل إبقالها. وإذا فصلت الفعل عن فاعله فكلما بعد عنه قوي حذف العلامة، وكلما قرب قوي إثباتها وإن توسط توسط فحضر القاضي اليوم امرأة أحسن من حضرت، وفي القرآن: { وأخذ الذين ظلموا الصيحة }. [199]

ومن هنا كان إذا تأخر الفعل عن الفاعل وجب ثبوت التاء طال الكلام أم قصر، لأن الفعل إذا تأخر كان فاعله مضمرًا متصلًا به اتصال الجزء بالكل. فلم يكن بد من ثبوت التاء لفرط الاتصال. وإذا تقدم الفعل متصلًا بفاعله الظاهر فليس مؤخر الاتصال كهو مع المضمر، لأن الفاعل الظاهر كلمة، والفعل كلمة أخرى، كان حذف التاء في تأنيث هند وطابت الثمرة أقرب إلى الجواز منه، في قولك الثمرة طابت.

فإن حجز بين الفعل وفاعله حاجز كان حذف التاء حسنًا، وكلما كثرت الحواجز كان حذفها أحسن.

فإن كان الفاعل جمعًا مكسرًا دخلت التاء للتأنيث وحذفت لتذكير اللفظ، لأنه بمنزلة الواحد في أن اعرابه كإعرابه، ومجراه في كثير من الكلام مجرى اسم الجنس.

فإن كان الجمع مسلمًا فلا بد من التذكير لسلامة لفظ الواحد. فلا تقول: قالت الكافرون، كما لا تقول: قالت الكافر، لأن اللفظ بحاله لم يتغير بطر والجمع عليه.

فإن قيل: فلم لا تقول الأعراب. قال: كما تقوله مقدمًا.

قيل: ثبوت التاء إنما كان مراعاة لمعنى الجماعة، فإذا أردت ذلك المعنى أثبت التاء، وإن تأخر الفعل لم يجز حذفه لاتصال الضمير. وإن لم ترد معنى الجماعة حذفت التاء إذا تقدم الفعل ولم يحتج إليها، إذا تأخر لأن ضمير الفاعلين لجماعة في المعنى وليسوا جمعًا، لأن الجمع مصدر جمعت أجمع. فمن قال إن التذكير في ذهب الرجال، وقام الهندات مراعاة لمعنى الجمع فقد أخطأ.

وأما حذف التاء من { وقال نسوة }، فلانة اسم جمع كرهط وقوم، ولولا أن فيه تاء التأنيث لقبحت التاء في فعله. ولكنه قد يجوز أن تقول: قالت نسوة، كما تقول: قالت فِتية وصِبية.

فإن قلت: إذا كانت النسوة باللام كان دخول التاء في الفعل أحسن كما كان ذلك في قالت الأعراب لأن اللام للعهد وكان الاسم قد تقدم ذكره فأشبهت حال الفعل حاله. إذا كان فيه ضمير يعود إلى مذكور من أجل الألف واللام فإنها ترد على معهود.

فإن قلت: فإذا استوى ذكر التاء وتركها في الفعل المتقدم وفاعله مؤنث غير حقيقي فما الحكمة في اختصاصها في قصة شعيب بالفعل وحذفها في قصة صالح: { وأخذ الذين ظلموا الصيحة }.

قلت: الصيحة في قصة صالح في معنى العذاب والخزي إذ كانت منتظمة بقوله سبحانه: { ومن خزي يومئذ إن ربك هو القوي العزيز }، [200] فصارت الصيحة عبارة عن ذلك الخزي، وعن العذاب المذكور في الآية. فقوي التذكير بخلاف قصة شعيب فإنه لم يذكر فيها ذلك، وهذا جواب السهيلي.

وعندي فيه جواب أحسن من هذا إن شاء الله، وهو أن الصيحة يراد بها المصدر بمعنى الصياح فيحسن فيها التذكير ويراد بها الواحدة من المصدر فيكون التأنيث أحسن.

وقد أخبر تعالى عن العذاب الذي أصاب به قوم شعيب بثلاثة أمور كلها مؤنثة اللفظ.

أحدها: الرجفة في قوله في الأعراف: { فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين }. [201]

الثاني: الظلة بقوله: { فأخذهم عذاب يوم الظلة }. [202]

الثالث: الصيحة: { وأخذت الذين ظلموا الصيحة }، [203] وجمع لهم بين الثلاثة. فإن الرجفة بدأت بهم فأصحروا إلى الفضاء خوفًا من سقوط الأبنية عليهم فصهرتهم الشمس بحرها، ورفعت لهم الظلة فأهرعوا إليها يستظلون بها من الشمس فنزل عليهم منها العذاب وفيه الصيحة، فكان ذكر الصيحة مع الرجفة، والظلة أحسن من ذكر الصياح وكان ذكر التاء والله أعلم.

فإن قيل: فإن قلتم إن التاء حرف ولم يجعلوها بمنزلة الواو والألف في قاما وقاموا؟

قيل: لإجماع العرب على قولهم: الهندان قامتا بالتاء والضمير، ولا يجوز أن يكون للفعل ضميران فاعلان.

فإن قيل: فما الفرق بين قوله: { فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة } [204] وبين قوله: { فريقًا هدى وفريقًا حق عليهم الضلالة }. [205]

قيل: الفرق من وجهين: لفظي ومعنوي. أما اللفظي فهو أن الحروف الحواجز بين الفعل والفاعل في قوله: { حق عليهم الضلالة }، أكثر منها في قوله: { حقت عليه }، وقد تقدم أن الحذف مع كثرة الحواجز أحسن.

وأما المعنوي فإن من في قوله: { ومنهم من حقت عليه الضلالة } واقعة على الأمة والجماعة وهي مؤنثة لفظًا، ألا تراه يقول: { ولقد بعثنا في كل أمة رسولا }، [206] ثم قال: { ومنهم من حقت عليه الضلالة } أي من تلك الأمم أمم حقت عليه بم الضلالة. ولو قال بدل ذلك: ضلت. لتعينت التاء ومعنى الكلامين واحد، وإذا كان معنى الكلامين واحدًا كان إثبات التاء أحسن من تركها، لأنها ثابتة فيما هو في معنى الكلام الآخر.

وأما: { فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة } فالفريق مذكر. ولو قال: فريقا ضلوا لكان بغير تاء. وقوله تعالى: { حق عليهم الضلالة } في معناه فجاء بغير تاء، وهذا أسلوب لطيف من أساليب العربية تدغ العرب حكم اللفظ الواجب له في قياس لغتها إذا كان في معنى كلمة لا يجب لها ذلك الحكم تراهم يقولون: هو أحسن الفتيان وأجمله، لأنه في معنى هو أحسن فتى وأجمله.

ونظيره تصحيحهم حول وعور، لأنه في معنى أحول وأعور. ونظائره كثيرة جدًا فإذا حسن الحمل على المعنى فيما كان القياس لا يجوزه. فما ظنك به حيث يجوزه القياس والاستعمال.

وأحسن من هذا أن يقول: إنهم أرادوا أحسن شيء وأجمله. فجعلوا مكان شيء قولهم الفتيان تنبيهًا على أنه أحسن شيء من هذا الجنس، فلو اقتصروا على ذكر شيء لم يدل على الجنس المفضل عليه ومن هذا قوله ﷺ: «أحناه على ولد في صغره، وأرعاه في ذات يده» فهذا يدل على أن التقدير هذا أحسن شيء وأجمله. لأنه أحسن فتى إذ لو كان التقدير أحسن فتى لكان نظيره هنا أحنى امرأة على ولد. وكان يقال: أحناها وأرعاها. فلما عدل إلى التذكير دل على أنهم أرادوا أحسن شيء من هذا الجنس وأرعاه.

فائدة بديعة: قولهم ضرب القوم بعضهم بعضا

قولك: ضرب القوم بعضهم بعضًا، هذه المسألة مما لم يدخل تحت ضبط النحاة ما يجب تقديمه من الفاعلين فإن كلاهما ظاهر إعرابه وتقديم الفاعل متعين. وسر ذلك وهو الضمير المحذوف فإن الأصل أن يقال: ضرب القوم بعضهم بعضهم، لأن حق البعض أن يضاف إلى الكل ظاهرًا، أو مقدرًا، فلما حذفوه من المفعول استغناء بذكره في الفاعل لم يجوروا تأخير الفاعل، فيقولوا: ضرب بعضًا بعضهم، لأن اهتمامهم بالفاعل قد قوي وتضاعف لاتصاله بالضمير الذي لا بد منه، فبعد أن كانت الحاجة إلى الفاعل مرة صارت الحاجة إليه مرتين.

فإن قلت: فما المانع من إضافة بعض المفعول إلى الضمير، فتقول: ضرب القوم بعضهم بعض، أو ضرب القوم بعض بعضهم.

قلت: الأصل أن يذكر الضميران منهما جميعًا. فلما أرادوا حذفه من أحدهما تخفيفًا كان حذفه مع، المفعول الذي هو كالفضلة في الكلام. أولى من حذفه مع الفاعل الذي لا بد منه، ولا غناء عنه كقولك: خلطت القوم بعضهم ببعض، لأن رتبة المفعول ههنا التقدم على المجرور، كما كانت رتبة الفاعل التقديم على المفعول. فحق الضمير العائد على الكل أن يتصل بما هو أهم بالتقديم.

فائدة: إنما للنفي والإثبات

إذا قلت: إنما يأكل زيد الخبز، فحققت ما يتصل، ومحقت ما ينفصل هذه عبارة بعض النحاة وهي عبارة أهل سمرقند يقولون: في إنما وضعت لتحقيق المتصل، وتمحيق المنفصل. وتلخيص هذا الكلام أنها لنفي وإثبات. فأثبتت لزيد أكل الخبز المتصل به في الذكر، ونفت ما عداه فمعناه ما يأكل زيدًا إلا الخبز، فإن قدمت المفعول. فقلت: إنما يأكل الخبز زيد انعكس المعنى والقصد.

فائدة بديعة: الوصلات الخمسة

الوصلات في كلامهم التي وضعوها للتوصل بها إلى غيرها خمسة أقسام:

أحدها حروف الجر التي وضعوها ليتوصلوا بالأفعال إلى المجرور بها، ولولاها لما نفذ الفعل إليها، ولا باشرها.

الثاني: حرف ها التي للتنبيه وضعت ليتوصل بها إلى نداء ذي الألف واللام.

الثالث: ذو وضعوه وصلة إلى وصف النكرات بأسماء الأجناس غير المشتقة كرجل ذي مال.

الرابع: الذي وضوه وصلة إلى وصف المعارف بالجمل ولولاها لما جرت صفاتها عليها.

الخامس: الضمير الذي جعل وصلة إلى ارتباط الجمل بالمفردات خبرًا وصفة وصلة وحالًا. فأتوا بالضمير وصلة إلى جريان الجمل على هذه المفردات أحوالًا وأخبارًا وصفات وصلات، ولم يصفرا المعرفة بالجملة مع وجود هذه الوصلة المصححة كما وصفوا بها النكرة لوجهين:

أحدهما: أن النكرة مفتقرة إلى الوصف والتبيين. فعلم أن الجملة بعدها مبينة لها ومكملة لفائدتها.

الوجه الثاني: أن الجملة تتنزل منزلة النكرة، لأنها خبر ولا يخبر المخاطب إلا بما يجهله، لا بما يعرفه. فصلح أن يوصف بها النكرة بخلاف المعرفة. فإنك لو قلت: جاءني زيد قائم أبوه على وجه الوصف لما ارتبط الكلام بعضه ببعض لاستقلال كل واحد منهما بنفسه، فجاؤوا بالوصلة التي توصلوا بها إلى وصف النكرة باسم الجنس وهي ذو. فقالوا: جاءني زيد ذو قام أبوه وهذه لغة طيىء وهي الأصل.

ثم إن أكثر العرب لما رآها اسمًا قد وصف بها المعرفة أرادوا تعريفه ليتفق الوصف والموصوف في التعريف. فأدخلوا الألف واللام عليه، ثم ضاعفوا اللام كيلا يذهب لفظها بالإدغام، وتذهب ألف الوصل في الدرج. فلا يظهر التعريف. فجاء منه هذا اللفظ تقديرًا لذو فلما رأوا الاسم قد انفصل عن الإضافة حيث صار معرفة قلبوا الواو منه ياء. إذ ليس في كلامهم واو متطرفة مضموم ما قبلها ألا وتنقلب ياء، كأدل وأحق. فصار الذي.

وإنما صحب الواو في قولهم: ذو لأنها كانت في حكم التوسط؛ إذ المضاف مع المضاف إليه كالشيء الواحد.

وفي معنى "ذو" بمعنى الذي طرف من معنى ذا التي للإشارة، لأن كلًا منهما يبين بأسماء الأجناس. كقولك: هذا الغلام، وهذا الرجل فيتصل بها على وجه البيان، كما يتصل بها ذو على جهة الإضافة، وكذلك قالوا: في المؤنث من الذي التي بالتاء، كما قالوا في المؤنث، من هذا هاتا وهاتين.

فإن قيل: فلم أعرب الذي في حال التثنية.

قيل: لأن الألف التي فيه بعضها علامة الرفع في الأسماء المعربة فدار الأمر بين ثلاثة أمور:

أحدها: أن يبنوه وفيه علامة الإعراب وهو مستشنع وصار بمنزلة من تعطل عن التصرف وفيه آلته.

الثاني: أن يسقطوها منه ليعطوه حظه من البناء فيبطل معنى التثنية.

فرأوا الثالث أسهل شيء عليهم وهو إعرابه فكان ترك مراعاة علة البناء أهون عليهم من إبطال معنى التثنية ولهذه بعينها أعربوا اثنى عشر وهذين. وطرد هذا أن يكون هذان معربًا وهو الصحيح. وممن نص عليه السهيلي وأحسن ما بينا فإن الألف لا يكون علامة بناء بخلاف الضمير فانها تكون للبناء كحيث ومنذ، فتأمل هذا الموضع.

فإن قلت: ينتقض عليك بالجمع فإنهم بنوه أعني الذين وهو على حد التثنية وفيه علامة الإعراب؟

قلت: الفرق بين الجمع والتثنية من وجهين:

أحدهما: أن الجمع قد يكون إعرابه كإعراب الواحد بالحركات نعم، وقد يكون الجمع اسمًا واحدًا في اللفظ كقوم ورهط.

الثاني: أن الجمع نصبه وخفضه يضارع لفظه لفظ الواحد من حيث كان آخره باء مكسورًا ما قبلها. فجعلوا الرفع الذي هو أقل حالاته على النصب والخفض، وغلبوا عليه البناء حيث كان لفظه في الإعراب في أغلب أحواله كلفظه في البناء، وليس كذلك التثنية فإن ياءها مفتوح ما قبلها فلا يضارع لفظها في شيء من أحوالها لفظ الواحد.

وأما النون في الذين فلا اعتبار بها، لأنها ليست في الجمع ركنًا من أركان صيغته لسقوطها في الإضافة من الشعر كما قال: * وإن الذي حانت بفلج دماؤهم [207] * هذا تعليل السهيلي.

وعندي فيه علة ثانية وهي أن التثنية في الذين خاصة من خواص الاسم قاومت شبه الحرف فتقابل المقتضيان، فرجع إلى أصله، فأعرب بخلاف الذين فإن الجمع وإن كان من خواص الأسماء، لكن هذه الخاصة ضعيفة في هذا الاسم لنقصان دلالته مجموعًا عما يدل عليه مفردًا فإن الذي يصلح للعاقل وغيره، والذي لا يستعمل إلا للعقلاء خاصة فنقصت دلالته فضعفت خاصية الجمع فيه، فبقي موجب بنائه على قوته وهذا بخلاف المثنى، فإنه يقال على العاقلين وغيرهما فإنك تقول: الرجلان اللذان لقيتهما، والثوبان اللذان لبستهما، ولا تقول: الثياب الذين لبستهم. وعلى هذا التعليل فلا حاجة بنا إلى ركوب ما تعسفه رحمه الله من مضارعة الجمع للواحد وشبهه به وتكلف الجواب عن تلك الإشكالات. والله أعلم.

فائدة بديعة: ما الموصولة

قول النحاة إن "ما" الموصولة بمعنى الذي، إن أرادرا به أنها بمعناها من كل وجه فليس بحق، وإن أرادوا أنها بمعناها من بعض الوجوه فحق. والفرق بينهما أن ما اسم مبهم في غاية الإبهام حتى أنها تقع على كل شيء، وتقع على ما ليس بشيء، ألا تراك تقول: إن الله يعلم ما كان وما لم يكن، ولفرط أبهامها لم يجز الإخبار عنها حتى توصل بما يوضحها، وكل ما وصلت به يجوز أن يكون صلة للذي فهو يوافق الذي في هذا الحكم، ويخالفها في إبهامها. فلا تكون نعتًا لما قبلها ولا منعوتة لأن صلتها بعينها غير النعت. وأيضا فلو نعتت بنعت زائد على الصلة لارتفع إبهامها وفي ارتفاع الأبهام منها جملة بطلان حقيقتها وإخراجها عن أصل موضوعها.

وتفارق الذي أيضا في امتناعها من التثنية والجمع، وذلك أيضا لفرط إبهامها فإذا ثبت الفرق بينهما. فاعلم أنه لا يجوز أن توجد إلا موصولة لإبهامها وموصوفة، ولا يجوز أن توجد إلا واقعة على جنس تتنوع منه أنواع، لأنها لا تخلو من الإبهام أبدًا. ولذلك كان في لفظها ألف آخرة لما في الألف من المد والإتساع في هواء الفم مشاكلة لاتساع معناها في الأجناس. فإذا أوقعوها أعلى نوع بعينه وخصوا به من يعقل وقصروها عليه، أبدلوا الألف نونًا ساكنة. فذهب امتداد الصوت فصار قصر اللفظ موازنًا لقصر المعنى.

وإذا كان أمرها كذلك (ووقعت على جنس من الأجناس) وجب أن يكون ضميرها العائد عليها من الصلة التي لا بد للصلة منه، ولولا هو لم ترتبط بموصول حتى تكون صلة له فيجب أن يكون ذلك الضمير بمنزلة ما يعود عليه في الإعراب والمعنى، فإذا وقعت على ما هو فاعل في المعنى كان ضميرها فاعلًا في المعنى واللفظ، نحو كرهت ما أصابك. فما مفعولة لكرهت في اللفظ وهي فاعلة لأصاب في المعنى، فالضمير الذي في أصاب فاعل في اللفظ والمعنى.

وإذا وقعت على مفعول كان ضميرها مفعولا لفظًا ومعنى نحو: سرني ما أكلته، وأعجبني ما لبسته، فهي في المعنى مفعولة لأنها عبارة عن الملبوس، فضميرها مفعول في اللفظ والمعنى، وكذلك إذا وقعت على اللفظ كان ضميرها مجرورًا بفي، لأن الظرف كذلك في المعنى إلا أنها لا تقع على المصادر إلا على ما تختلف أنواعه للإبهام الذي فيها.

فإن قيل: فكيف وقعت على من يعقل كقوله: { لما خلقت بيدي }، [208] { والسماء وما بناها }، [209] { ولا أنتم عابدون ما أعبد }، وأمثال ذلك؟

قيل: هي في هذا كله على أصلها من الأبهام والوقوع على الجنس العام لما يراد بما ما يراد بمن من التعيين لما يعقل، والاختصاص دون الشياع، ومن فهم حقيقة الكلام وكان له ذوق عرف هذا واستبان له.

أما قوله تعالى: { ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي }، [210] فهذا كلام ورد في معرض التوبيخ والتبكيت للعين على امتناعه من السجود، ولم يستحق هذا التبكيت والتوبيخ حيث كان السجود لمن يعقل، ولكن للمعصية والتكبر على ما لم يخلقه. إذ لا ينبغي التكبر لمخلوق على مثله، إنما التكبر للخالق وحده فكأنه يقول: سبحانه لم عصيتني وتكبرت على ما لم تخلقه وخلقته أنا وشرفته وأمرتك بالسجود له. فهذا موضع ما، لأن معناها أبلغ ولفظها أعم وهو في الحجة أوقع وللعذر والشبهة أقطع.

فلو قال: ما منعك أن تسجد لمن خلقت لكان استفهامًا مجردًا من توبيخ وتبكيت ولتوهم أنه وجب السجود له من حيث كان يعقل.

ولعله موجود في ذاته وعينه. وليس المراد كذلك، وإنما المراد توبيخه وتبكيته على ترك سجوده لما خلق الله وأمره بالسجود له، ولهذا عدل عن اسم آدم العلم مع كونه أخص وأتى بالاسم الموصول الدال على جهة التشريف المقتضية لإسجاده له كونه خلقه بيديه، وأنت لو وضعت مكان ما لفظة من، لما رأيت هذا المعنى المذكور في الصلة وإن ما جيء بها وصلة إلى ذكر الصلة. فتأمل ذلك فلا معنى إذًا للتعيين بالذكر. إذ لو أريد التعيين لكان بالاسم العلم أولى وأحرى.

وكذلك قوله: { والسماء وما بناها } [211] لأن القسم تعظيم للمقسم به واستحقاقه للتعظيم من حيث ما. وأظهر هذا الخلق العظيم الذي هو السماء ومن حيث سواها، وزينها بحكمته فاستحق التعظيم، وثبتت قدرته. فلو قال: ومن بناها لم يكن في اللفظ دليل على استحقاقه للقسم من حيث اقتدر على بنائها، ولكان المعنى مقصورًا على ذاته ونفسه دون الإيماء إلى أفعاله الدالة على عظمته المنبئة عن حكمته المفصحة باستحقاقه للتعظيم من خليقته.

وكذلك قولهم: "سبحان ما يسبح الرعد بحمده"، لأن الرعد صوت عظيم من جرم عظيم، والمسبَّح به لا محالة أعظم، فاستحقاقه للتسبيح من حيث سبَّحته [212] العظيمات من خلقه لا من حيث كان يعلم، ولا تقل: يعقل في هذا الموضع.

فإذا تأملت ما ذكرناه استبان لك قصور من قال: إن ما مع الفعل في هذا كله سوى الأول في تأويل المصدر، وإنه لم يصدر المعنى حق قدره فلا لصناعة النحو وفق، ولا لفهم التفسير رزق وإنه تابع الحز وأخطا المفصل وحام، ولكن ما ورد المنهل.

(سورة الكافرون)

وأما قوله عز وجل: { لا أعبد ما تعبدون * ولا أنتم عابدون ما أعبد }، فما على بابها، لأنها واقعة على معبوده ﷺ على الإطلاق، لأن امتناعهم من عبادة الله ليس لذاته، بل كانوا يظنون أنهم يعبدون الله، ولكنهم كانوا جاهلين به فقوله: { ولا أنتم عابدون ما أعبد }، أي لا أنتم تعبدون معبودي، ومعبوده هو ﷺ كان عارفًا به دونهم وهم جاهلون به. هذا جواب بعضهم.

وقال آخرون: إنها هنا مصدرية لا موصولة أي لا تعبدون عبادتي ويلزم من تنزيههم عن عبادته تنزيههم عن المعبود، لأن العبادة متعلقة به وليس هذا بشىء إذ المقصود براءته من معبوديهم، وإعلامه أنهم بريئون من معبوده تعالى. فالمقصود المعبود لا العبادة.

وقيل: إنهم كانوا يقصدون مخالفته ﷺ حسدًا له، وأنفة من أتباعه، فهم لا يعبدون معبوده لا كراهية لذات المعبود، ولكن كراهية لأتباعه ﷺ وحرصًا على مخالفته في العبادة. وعلى هذا فلا يصح في النظم البديع والمعنى الرفيع إلا لفظ ما لإبهامها ومطابقتها الغرض الذي تضمنته الآية.

وقيل في ذلك وجه رابع. وهو قصد ازدواج الكلام في البلاغة والفصاحة مثل قوله: { نسوا الله فنسيهم }، [213] { فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه }، [214] فكذلك: { لا أعبد ما تعبدون } ومعبودهم لا يعقل، ثم ازدوج مع هذا الكلام قوله: { ولا أنتم عابدون ما أعبد } فاستوى اللفظان وإن اختلف المعنيان، ولهذا لا يجيء في الإفراد مثل هذا، بل لا يجيء إلا من كقوله: { قل من ينجيكم قل من يرزقكم }، [215] { أمن يملك السمع }، [216] { أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر }، [217] { أمن يجيب المضطر إذا دعاه }، [218] { أمن يبدأ الخلق }، [219] إلى أمثال ذلك.

وعندي فيه وجه خامس أقرب من هذا كله، وهو أن المقصود هنا ذكر المعبود الموصوف بكونه أهلا للعبادة مستحقًا لها، فأتى بما الدالة على هذا المعنى كأنه قيل: ولا أنتم عابدون معبودي الموصوف بأنه المعبود الحق، ولو أتى بلفظة من لكانت إنما تدل على الذات فقط، ويكون ذكر الصلة تعريفًا لا أنه هو جهة العبادة ففرق بين أن يكون كونه تعالى أهلًا، لأن يعبد تعريف محض أو وصف مقتضي لعبادته. فتأمله فإنه بديع جدًا.

وهذا معنى قول محققي النحاة أن "ما" تأتي لصفات من يعلم، ونظيره: { فانكحوا ما طاب لكم من النساء } [220] لما كان المراد الوصف وإن هو السبب الله الداعي إلى الأمر بالنكاح وقصده وهو الطيب فتنكح المرأة الموصوفة به أتى بما دون من وهذا باب لا ينخرم وهو من ألطف مسالك العربية.

وإذ قد أفضى الكلام بنا إلى هنا. فلنذكر فائدة ثانية على ذلك وهي تكرير الأفعال في هذه السورة.

ثم فائدة ثالثة وهي كونه كرر الفعل في حق نفسه بلفظ المستقبل في الموضعين، وأتى في حقهم بالماضي.

ثم فائدة رابعة: وهي أنه جاء في نفي عبادة معبودهم عنه بلفظ الفعل المستقبل، وجاء في نفي عبادتهم معبوده باسم الفاعل.

ثم فائدة خامسة وهي كون إيراده النفي هنا "لا" دون لن.

ثم فائدة سادسة: وهي أن طريقة القرآن في مثل هذا. أن يقرن النفي بالإثبات فينفي عبادة ما سوى الله ويثبت عبادته. وهذا هو حقيقة التوحيد والنفي المحض ليس بتوحيد. وكذلك الإثبات بدون النفي فلا يكون التوحيد إلا متضمنًا للنفي والإثبات وهذا حقيقة لا إله إلا الله. فلم جاءت هذه السورة بالنفي المحض وما سر ذلك؟

وفائدة سابعة: وهي ما حكمة تقديم نفي عبادته عن معبودهم، ثم نفي عبادتهم عن معبوده.

وفائدة ثامنة: وهي أن طريقة القرآن إذا خاطب الكفار أن يخاطبهم بالذين كفروا والذين هادوا كقوله: { يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم }، [221] { قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله }، [222] و { يا أيها الكافرون } في هذا الموضع فما وجه هذا الاختصاص؟

وفائدة تاسعة: وهي هل في قوله: { لكم دينكم ولي دين }، معنى زائد على النفي المتقدم فإنه يدل على اختصاص كل بدينه ومعبوده وقد فهم هذا من النفي فما أفاد التقسيم المذكور؟ وفائدة عاشرة: وهي تقديم ذكرهم ومعبودهم في هذا التقسيم والاختصاص. وتقديم ذكر شأنه وفعله في أول السورة.

وفائدة حادية عشرة وهي أن هذه السورة قد اشتملت على جنسين من الإخبار.

أحدهما: براءته من معبودهم وبراءتهم من معبوده وهذا لازم أبدًا.

الثاني: إخباره بأن له دينه ولهم دينهم، فهل هذا متاركة وسكوت عنهم فيدخله النسخ بالسيف، أو التخصيص ببعض الكفار، أم الآية باقية على عمومها وحكمها غير منسوخة ولا مخصوصة.

فهذه عشر مسائل في هذه السورة فقد ذكرنا منها مسألة واحدة وهي وقوع ما فيها بدل من. فنذكر المسائل التسع مستمدين من فضل الله مستعينين بحوله وقوته متبرئين إليه من الخطأ. فما كان من صواب فمنه وحده لا شريك له وما كان من خطأ فمنا ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان منه.

فأما المسألة الثانية: وهي فائدة تكرار الأفعال فقيل فيه وجوه أحدها إن قوله: { لا أعبد ما تعبدون }، نفي للحال والمستقبل وقوله: { ولا أنتم عابدون ما أعبد }، مقابله أي لا تفعلون ذلك. وقوله: { ولا أنا عابد ما عبدتم }، أي لم يكن مني ذلك قط قبل نزول الوحي. ولهذا أتى في عبادتهم بلفظ الماضي فقال: ما عبدتم فكأنه قال: لم أعبد قط ما عبدتم. وقوله: { ولا أنتم عابدون ما أعبد }، مقابله أي لم تعبدوا قط في الماضي ما أعبده أنا دائمًا. وعلى هذا فلا تكرار أصلًا، وقد استوفت الآيات أقسام النفي ماضيًا وحالًا ومستقبلًا عن عبادته وعبادتهم بأوجز لفظ وأخصره وأبينه. وهذا إن شاء الله أحسن ما قيل فيها فلنقتصر عليه، ولا نتعداه إلى غيره، فإن الوجوه التي قيلت في مواضعها فعليك بها.

وأما المسألة الثالثة: وهي تكريره الأفعال بلفظ المستقبل حين أخبر عن نفسه وبلفظ الماضي حين أخبر عنهم. ففي ذلك سر وهو الإشارة والإيماء إلى عصمة الله له عن الزيغ والإنحراف عن عبادة معبوده، والاستبدال به غيره. وأن معبوده واحد في الحال والمآل على الدوام لا يرضى به بدلًا ولا يبغي عنه حولًا بخلاف الكافرين فإنهم يعبدون أهواءهم، ويتبعون شهواتهم في الدين وأغراضهم. فهم يصددان يعبدوا اليوم معبودًا وغدًا غيره فقال: { لا أعبد ما تعبدون } يعني الآن: { ولا أنتم عابدون ما أعبد }، أنا الآن أيضا، ثم قال: { ولا أنا عابد ما عبدتم } يعني ولا أنا فيما يستقبل يصدر مني عبادة لما عبدتم أيها الكافرون. وأشبهت ما هنا رائحة الشرط، فلذلك وقع بعدها الفعل بلفظ الماضي وهو مستقبل في المعنى. كما يجيء ذلك بعد حرف الشرط، كأنه يقول: مهما عبدتم من شيء فلا أعبده أنا.

فإن قيل: وكيف يكون فيها الشرط وقد عمل فيها الفعل ولا جواب لها وهي موصولة. فما أبعد الشرط منها؟

قلنا: لم نقل أنها شرط نفسها، ولكن فيها رائحة منه وطرف من معناه لوقوعها على غير معين، وإبهامها في المعبودات وعمومها. وأنت إذا ذقت معنى هذا الكلام وجدت معنى الشرط باديًا على صفحاته. فإذا قلت لرجل: ما تخالفه في كل ما يفعل أنا لا أفعل ما تفعل. ألست ترى معنى الشرط قائمًا في كلامك وقصدك. وإن روح هذا الكلام مهما فعلت من شيء فإني لا أفعله. وتأمل ذلك من مثل قوله تعالى: { قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيًا }، [223] كيف تجد معنى الشرطية فيه حتى وقع الفعل بعد من بلفظ الماضي، والمراد به المستقبل. وإن المعنى من كان في المهد صبيًا فكيف نكلمه؟ وهذا هو المعنى الذي حام حوله من قال من المفسرين والمعربين: أنه كان نبيًا بمعنى يكون، لكنهم لم يأتوا إليه من بابه، بل ألقوه عطلًا من تقدير وتنزيل وعزب فهم غيرهم عن هذا للطفه ودقته. فقالوا: كان زائدة والوجه ما أخبرتك فخذه عفوًا لك عزمه، وعلى سواك غرمه. هل على من في الآية قد عمل فيها الفعل. وليس لها جواب. ومعنى الشرطية قائم فيها، فكذلك في قوله: { ولا أنا عابد ما عبدتم }، وهذا كله مفهوم من كلام فحول النحاة كالزجاج وغيره.

فإذا ثبت هذا، فقد صحت الحكمة التي من أجلها جاء الفعل بلفظ الماضي من قوله: { ولا أنا عابد ما عبدتم } بخلاف قوله: { ولا أنتم عابدون ما أعبد } لبعد ما فيها عن معنى الشرط. تنبيهًا من الله على عصمة نبيه أن يكون له معبود سواه، وأن ينتقل في المعبودات تنقل الكافرين.

وأما المسألة الرابعة: وهي أنه لم يأت النفي في حقهم إلا باسم الفاعل وفي جهته جاء بالفعل المستقبل تارة، وباسم الفاعل أخرى، فذلك والله أعلم لحكمة بديعة وهي أن المقصود الأعظم براءته من معبوديهم بكل وجه وفي كل وقت، فأتى أولا بصيغة الفعل الدالة على الحدوث والتجدد، ثم أتى في هذا النفي بعينه بصيغة اسم الفاعل الدالة على الوصف والثبوت. فأفاد في النفي الأول أن هذا لا يقع مني، وأفاد في الثاني أن هذا ليس وصفي ولا شأني فكأنه قال: عبادة غير الله لا تكون فعلًا لي، ولا وصفًا، فأتى بنفيين لمنفيين مقصودين بالنفي. وأما في حقهم، فإنما أتى بالاسم الدال على الوصف والثبوب دون الفعل. أي إن الوصف الثابت اللازم العائد لله ملتف عنكم. فليس هذا الوصف ثابتًا لكم، وإنما ثبت لمن خص الله وحده بالعبادة لم يشرك معه فيها أحدًا، وأنتم لما عبدتم غيره فلستم من عابديه وإن عبدوه في بعض الأحيان فإن المشرك يعبد الله ويعبد معه غيره، كما قال أهل الكهف: { وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله } [224] أي اعتزلتم معبودهم إلا الله فإنكم لم تعتزلوه، وكذا قال المشركون عن معبودهم: { ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى } [225] فهم كانوا يعبدون الله ويعبدون معه غيره، فلم ينتف عنهم الفعل لوقوعه منهم ونفي الوصف، لأن من عبد غير الله لم يكن ثابتًا على عبادة الله موصوفًا بها.

فتأمل هذه النكتة البديعة كيف تجد في طيها أنه لا يوصف بأنه عابد الله، وعبده المستقيم على عبادته إلا من انقطع إليه بكليته، وتبتل إليه تبتيلًا لم يلتفت إلى غيره، ولم يشرك به أحدًا في عبادته وإنه وإن عبده وأشرك به غيره، فليس عابدًا لله ولا عبدًا له. وهذا من أسرار هذه السورة العظيمة الجليلة التي هي إحدى سورتي الإخلاص التي تعدل ربع القرآن كما جاء في بعض السنن. وهذا لا يفهمه كل أحد، ولا يدركه إلا من منحه الله فهمًا من عنده فله الحمد والمنة.

وأما المسألة الخامسة: وهي أن النفي في هذه السورة أتى بأداة لا دون لن فلما تقدم تحقيقه عن قرب إن النفي بلا أبلغ منه بلن، وإنها أدل على دوام النفي وطوله من لن وإنها للطول والمد الذي في نفيها طال النفي بها واشتد وإن هذا ضد ما فهمته الجهمية والمعتزلة من أن لن إنما تنفي المستقبل، ولا تنفي الحال المستمر النفي في الاستقبال. وقد تقدم تقرير ذلك بما لا تكاد تجده في غير هذا التعليق. فالإتيان بلا متعين هنا والله أعلم.

وأما المسألة السادسة: وهي اشتمال هذه السورة على النفي المحض فهذا هو خاصة هذه السورة العظيمة فإنها سورة براءة من الشرك كما جاء في وصفها أنها براءة من الشرك. [226] فمقصودها الأعظم هو البراءة المطلوبة بين الموحدين والمشركين، ولهذا أتي بالنفي في الجانبين تحقيقًا للبراءة المطلوبة مع أنها متضمنة للإثبات صريحًا فقوله: { لا أعبد ما تعبدون براءة محضة ولا أنتم عابدون ما أعبد إثبات أن له معبودًا يعبده وأنتم بريئون من عبادته فتضمنت النفي والإثبات، وطابقت قول إمام الحنفاء: { إنني براء مما تعبدون * إلا الذي فطرني }، [227] وطابقت قول الفئة الموحدين: { وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله } [228] فانتظمت حقيقة لا إله إلا الله ولهذا كان النبي ﷺ يقرنها بسورة { قل هو الله أحد } في سنة الفجر وسنة المغرب، فإن هاتين السورتين سورتا الإخلاص، وقد اشتملتا على نوعي التوحيد الذي لا نجاة للعبد، ولا فلاح إلا بهما. وهما توحيد العلم والاعتقاد المتضمن تنزيه الله عما لا يليق به من الشرك والكفر والولد والوالد. وأنه إله أحد صمد لم يلد فيكون له فرع ولم يولد فيكون له أصل، ولم يكن له كفوًا أحد فيكون له نظير، ومع هذا فهو الصمد الذي اجتمعت له صفات الكمال كلها؛ فتضمنت السورة إثبات ما يليق بجلاله من صفات الكمال ونفي ما لا يليق به من الشريك أصلًا وفرعًا ونظيرًا، فهذا توحيد العلم والاعتقاد. والثاني: توحيد القصد والإرادة وهو أن لا يعبد إلا إياه فلا يشرك به في عبادته سواه بل يكون وحده هو المعبود وسورة { قل يا أيها الكافرون } مشتملة على هذا التوحيد، فانتظمت السورتان نوعي التوحيد، وأخلصتا له فكان ﷺ يفتتح بهما النهار في سنة الفجر ويختم بهما في سنة المغرب، وفي السنن أنه كان يوتر بهما فيكونا خاتمة عمل الليل، كما كانا خاتمة عمل النهار.

ومن هنا تخريج جواب المسألة السابعة وهي تقديم براءته من معبودهم، ثم أتبعها ببراءتهم من معبوده. فتأمله.

وأما المسألة الثامنة: وهي إثباته هنا بلفظ يا أيها الكافرون. دون يا أيها الذين كفروا. فسره والله أعلم إرادة الدلالة على أن من كان الكفر وصفًا ثابتًا له لازمًا لا يفارقه، فهو حقيق أن يتبرأ الله منه، ويكون هو أيضا بريئًا من الله. فحقيق بالموحد البراءة منه، فكان في معرض البراءة التي هي غاية البعد، والمجانبة بحققة حاله التي هي غاية الكفر. وهو الكفر الثابت اللازم في غاية المناسبة فكأنه يقول: كما أن الكفر لازم لكم ثابت لا تنتقلون عنه فمجانبتكم والبراءة منكم ثابتة دائمًا أبدًا. ولهذا أتى فيها بالنفي الدال على الاستمرار مقابلة الكفر الثابت المستمر وهذا واضح.

وأما المسألة التاسعة: وهي ما هي الفائدة في قوله: { لكم دينكم ولي دين }، وهل أفاد هذا معنى زائدًا على ما تقدم؟ فيقال في ذلك من الحكمة والله أعلم أن النفي الأول أفاد البراءة وأنه لا يتصور منه، ولا ينبغي له أن يعبد معبوديهم وهم أيضا لا يكونون عابدين لمعبوده، وأفاد آخر السورة إثبات ما تضمنه النفي من جهتهم من الشرك، والكفر الذي هو حظهم، وقسمهم ونصيبهم فجرى ذلك مجرى من اقتسم هو وغيره أرضًا. فقال له: لا تدخل في حدي، ولا أدخل في حدك، لك أرضك ولي أرضي. فتضمنت الآية أن هذه البراءة اقتضت إنا اقتسمنا خطتنا بيننا فأصابنا التوحيد والإيمان فهو نصيبنا، وقسمنا الذي نختص به لا تشركونا فيه، وأصابكم الشرك بالله والكفر به، فهو نصيبكم وقسمكم الذي تختصون به لا نشرككم به.

فتبارك من أحيا قلوب من شاء من عباده بفهم كلامه. وهذه المعاني ونحوها، إذا تجلت للقلوب رافلة في حللها فإنها تسبي القلوب وتأخذ بمجامعها، ومن لم يصادف من قلبه حياة فهي: * خود تزف إلى ضرير مقعد * فالحمد لله على مواهبه التي لا منتهى لها ونسأله إتمام نعمته.

وأما المسألة العاشرة: وهي تقديم قسمهم ونصيبهم على قسمه ونصيبه وفي أول السورة قدم ما يختص به على ما يختص بهم. فهذا من أسرار الكلام، وبديع الخطاب الذي لا يدركه إلا فحول البلاغة وفرسانها. فإن السورة لما اقتضت البراءة واقتسام ديني التوحيد والشرك بينه وبينهم ورضي كل بقسمه وكان المحق هو صاحب القسمة، وقد برز النصيبين وميزا القسمين، وعلم أنهم راضون بقسمهم الدون الذي لا أردى منه وإنه هو قد استولى على القسم الأشرف. والحظ الأعظم بمنزلة من اقتسم هو وغيره سمًا وشفاء فرضي مقاسمه بالسم. فإنه يقول له: لا تشاركني في قسمي، ولا أشاركك في قسمك، لك قسمك ولي قسمي. فتقديم ذكر قسمه ههنا أحسن وأبلغ. كأنه يقول: هذا هو قسمك الذي آثرته بالتقديم، وزعمت أنه أشرف القسمين وأحقهما بالتقديم. فكان في تقديم ذكر قسمه من اللهم به، والنداء على سوء اختياره، وقبح ما رضيه لنفسه من الحسن والبيان ما لا يوجد في ذكر تقديم قسم نفسه، والحاكم في هذا هو الذوق والفطن يكتفي بأدنى إشارة، وأما غليظ الفهم فلا ينجع فيه كثرة البيان.

ووجه ثان وهو أن مقصود السورة براءته ﷺ من دينهم ومعبودهم، هذا هو لبها ومغزاها. وجاء ذكر براءتهم من دينه ومعبوده بالقصد الثاني مكملًا لبراءته، ومحققًا لها فلما كان المقصود براءته من دينهم، بدأ به في أول السورة ثم جاء قوله: { لكم دينكم } مطابقًا لهذا المعنى أي لا أشارككم في دينكم، ولا أوافقكم عليه، بل هو دين تختصون أنتم به لا أشرككم فيه أبدًا. فطابق آخر السورة أولها فتأمله.

وأما المسألة الحادية عشرة: وهي أن هذا الإخبار بأن لهم دينهم وله دينه، هل هو إقرار فيكون منسوخًا أو مخصوصًا، أو لا نسخ في الآية ولا تخصيص؟

فهذه مسألة شريفة ومن أهم المسائل المذكورة، وقد غلط في السورة خلائق وظنوا أنها منسوخة بآية السيف لاعتقادهم أن هذه الآية اقتضت التقرير لهم على دينهم، وظن آخرون أنها مخصوصة بمن يقرون على دينهم وهم أهل الكتاب. وكلا القولين غلط محض فلا نسخ في السورة ولا تخصيص، بل هي محكمة عمومها نص محفوظ. وهي من السور التي يستحيل دخول النسخ في مضمونها، فإن أحكام التوحيد التى اتفقت عليه دعوة الرسل يستحيل دخول النسخ فيه. وهذه السورة أخلصت التوحيد. ولهذا تسمى سورة الإخلاص كما تقدم، ومنشأ الغلط ظنهم أن الآية اقتضت إقرارهم على دينهم، ثم رأوا أن هذا الإقرار زال بالسيف فقالوا: منسوخ. وقالت طائفة: زال عن بعض الكفار وهم من لا كتاب لهم، فقالوا: هذا مخصوص. ومعاذ الله أن تكون الآية اقتضت تقريرًا لهم أو إقرارا على دينهم أبدًا. بل لم يزل رسول الله ﷺ في أول الأمر وأشده عليه وعلى أصحابه أشد على الإنكار عليهم، وعيب دينهم وتقبيحه، والنهي عنه والتهديد والوعيد كل وقت وفي كل ناد. وقد سألوه أن يكف عن ذكر آلهتهم وعيب دينهم ويتركونه وشأنه فأبى إلا مضيًا على الإنكار عليهم وعيب دينهم. فكيف يقال: إن الآية اقتضت تقريره لهم. معاذ الله من هذا الزعم الباطل. وإنما الآية اقتضت البراءة المحضة كما تقدم، وأن ما هم عليه من الدين لا نوافقكم عليه أبدًا فإنه دين باطل فهو مختص بكم لا نشرككم فيه، ولا أنتم تشركوننا في ديننا الحق. فهذا غاية البراءة والتنصل من موافقتهم في دينهم. فأين الإقرار حتى يدعي النسخ أو التخصيص. أفترى إذا جوهدوا بالسيف كما جوهدوا بالحجة لا يصح أن يقال لهم: لكم دينكم ولي دين. بل هذه آية قائمة محكمة ثابتة بين المؤمنين والكافرين، إلى أن يطهر الله منهم عباده وبلاده.

وكذلك حكم هذه البراءة بين أتباع الرسول ﷺ أهل سنته، وبين أهل البدع المخالفين لما جاء به الداعين إلى غير سنته. إذا قال لهم خلفاء الرسول وورثته: لكم دينكم ولنا ديننا. لا يقتضي هذا إقرارهم على بدعتهم، بل يقولون لهم: هذه براءة منها، وهم مع هذا منتصبون للرد عليهم ولجهادهم بحسب الإمكان.

فهذا ما فتح الله العظيم به من هذه الكلمات اليسيرة، والنبذة المشيرة إلى عظمة هذه السورة وجلالتها ومقصودها، وبديع نظمها من غير استعانة بتفسير، ولا تتبع لهذه الكلمات من مظان توجد فيه. بل هي استملاء مما علمه الله وألهمه بفضله وكرمه. والله يعلم أني لو وجدتها في كتاب لأضفتها إلى قائلها، ولبالغت في استحسانها وعسى الله المان بفضله الواسع العطاء الذي عطاؤه على غير قياس المخلوقين أن يعين على تعليق تفسير هذا النمط، وهذا الأسلوب، وقد كتبت على مواضع متفرقة من القرآن بحسب ما يسنح من هذا الغمط وقت مقامي بمكة وبالبيت المقدس. والله المرجو إتمام نعمته.

ولنذكر تمام الكلام على أقسام ما ومواقعها فقد ذكرنا منها الموصولة. ومن أقسامها المصدرية، ومعنى وقوعها عليه أنها إذا دخلت على الفعل كان معها في تأويل المصدر. هكذا أطلق النحاة. وهنا أمور يجب التنبيه عليها والتنبه لها:

أحدها: الفرق بين المصدر الصريح والمصدر المقدر مع ما. والفرق بينههما. أنك إذا قلت: يعجبني صنعك. فالإعجاب هنا واقع على نفس الحدث بقطع النظر عن زمانه ومكانه، وإذا قلت: يعجبني ما صنعك فالإعجاب واقع على صنع ماض، وكذلك ما تصنع واقع على مستقبل فلم تتحد دلالة ما والفعل والمصدر.

الثاني: أنها لا تقع مع كل فعل في تأويل المصدر وإن وقع المصدر في ذلك الموضع. فإنك إذا قلت: يعجبني قيامك كان حسنًا. فلو قلت: يعجبني ما تقوم، لم يكن كلامًا حسنًا، وكذلك يعجبني ما تقوم وما تجلس، أي قيامك وجلوسك. ولو أتيت بالمصدر كان حسنًا، وكذلك إذا قلت: يعجبني ما تذهب لم يكن في الجوازة والاستعمال مثل يعجبني ذهابك.

فقال أبو القاسم السهيلي: الأصل في هذا أن ما. لما كانت اسمًا مبهمًا لم يصح وقوعها إلا على جنس تختلف أنواعه. فإن كان المصدر مختلف الأنواع جاز أن تقع عيه ويعبر بها عنه، كقولك: يعجبني ما صنعت، وما عملت، وما حكمت لاختلاف الصنعة والعلم والحكم. فإن قلت: يعجبني ما جلست، وما قعدت وما نطلق زيد كان غثًا من الكلام لخروج ما عن الإبهام ووقوعها على ما لا يتنوع من المعاني، لأنه يكون التقدير يعجبني الجلوس الذي جلست، والقعود الذي قعدت فيكون آخر الكلام مفسرًا لأوله رافعًا للأبهام. فلا معنى حينئذ لما فأما قوله تعالى: { ذلك بما عصوا } [229] فلأن المعصية تختلف أنواعها. وقوله: { بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون }، [230] فهو كقولك: لأعاقبنك بما ضربت زيدًا، وبما شتمت عمرًا أوقعتها على الذنب والذنب مختلف الأنواع ودل ذكر المعاقبة والمجازاة على ذلك وكأنك قلت: لأجزينك بالذنب الذي هو ضرب زيد، أو شتم عمرو فما على بابها غير خارجة عن إبهامها.

هذا كلامه، وليس كما زعم رحمه الله فإنه لا يشترط في كونها مصدرية ما ذكر من الإبهام، بل تقع على المصدر الذي لا تختلف أنواعه، بل هو نوع واحد فإن إخلافهم ما وعد الله كان نوعًا واحدًا مستمرًا معلومًا. وكذلك كذبهم.

وأصرح من هذا كله قوله تعالى: { كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون } [231] فهذا مصدر معين خاص لا إبهام فيه بوجه وهو علم الكتاب ودرسه، وهو فرد من أفراد العمل والصنع، فهو كما منعه من الجلوس والقعود والانطلاق. ولا فرق بينهما في إبهام، ولا تعيبن إذ كلاهما معين متميز غير مبهم ونظيره: { بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون }، [232] فاستكبارهم وقولهم على الله غير الحق مصدر أن معيان غير مبهمين، واختلاف أفرادهما كاختلاف أفراد الجلوس والانطلاق، ولو أنك قلت: في الموضع الذي منعه هذا بما جلست، وهذا بما نطقت، كان حسنًا غير غث، ولا مستكره وهو المصدر بعينه فلم يكن الكلام غثًا بخصوص المصدر، وإنما هو لخصوص التركيب. فإن كان ما يقدر امتناعه واستكراهه إذا صغته في تركيب آخر زالت الكراهية والغثاثة عنه كما رأيت.

والتحقيق أن قوله: يعجبني ما تجلس، وما ينطلق زيد. إنما استكره وكان غثًا، لأن ما المصدرية والموصولة يتعاقبان غالبًا، ويصلح أحدهما في الموضع الذي يصلح فيه الآخر، وربما احتملها كلام واحد ولا يميز بينهما فيه إلا بنظر وتأمل. فإذا قلت: يعجبني ما صنعت فهي صالحة، لأن تكون مصدرية أو موصولة، وكذلك: { والله عليم بما يفعلون }، [233] { والله بصير بما يعملون }، [234] فتأمله تجده كذلك.

ولدخول إحداهما على الأخرى. ظن كثير من الناس أن قوله تعالى: { والله خلقكم وما تعملون }، [235] إنها مصدرية واحتجوا بها على خلق الأعمال، وليست مصدرية، وإنما هي موصولة، والمعنى والله خلقكم، وخلق الذي تعملونه وتنحتونه من الأصنام، فكيف تعبدونه وهو مخلوق لله، ولو كانت مصدرية لكان الكلام إلى أن يكون حجة لهم أقرب من أن يكون حجة عليهم. إذ يكون المعنى: { أتعبدون ما تنحتون } [236] والله خلق عبادتكم لها فأي معنى في هذا وأي حجة عليهم.

والمقصود أنه كثيرًا ما تدخل إحداهما على الأخرى ويحتملها الكلام سواء.

وأنت لو قلت: تعجبني الذي يجلس. لكان غثًا من المقال إلا تأتي بموصوف يجري هذا صفة له فتقول: يعجبني الجلوس الذي تجلس، وكذلك إذا قلت: يعجبني الذي ينطلق زيد كان عثًا. فإذا قلت: يعجبني الانطلاق الذي ينطلق زيد كان حسنًا. فمن هنا استغث يعجبني ما ينطلق وما تجلس إذا أردت به المصدر.

وأنت لو قلت: آكل ما يأكل كانت موصولة وكان الكلام حسنًا. فلو أردت بها المصدرية، والمعنى آكل أكلك كان غثًا حتى تأتي بضميمة تدل على المصدر. فتقول: آكل كما يأكل فعرفت أنه لم يكن الاستكراه الذي أشار إليه من جهة الإبهام والتعيين، فتأمله.

وأما طالما يقوم زيد، وقل ما يأتي عمرو فما هنا واقعة على الزمان. والفعل بعدها متعد إلى ضميره بحرف الجر. والتقدير طال زمان يقوم فيه زيد وقل زمان يأتينا فيه عمر، وثم حذف الضمير فسقط الحرف هذا تقدير طائفة من النحاة منهم السهيلي وغيره.

ويحتمل عندي تقديرين آخرين هما أحسن من هذا.

أحدهما: أن تكون مصدرية وقتية والتقدير طال قيام زيد وقل إتيان عمرو. وإنما كان هذا أحسن، لأن حذف العائد من الصفة قبيح بخلاف حذفه إذا لم يكن عائدًا على شيء فإنه أسهل. وإذا جعلت مصدرية كان حذف الضمير حذف فضلة غير عائد على موصوف.

والتقدير الثالث وهو أحسنها: إن ما ههنا مهيئة لدخول الفعل على الفعل ليست مصدرية ولا نكرة، إنما أتى بها لتكون مهيئة لدخول طال على الفعل. فإنك لو قلت: طال يقوم زيد وقل يجنىء عمرو لم يجز. فإذا أدخلت ما استقام الكلام وهذا كما دخلت على رب مهيئة لدخولها على الفعل نحو قوله: { ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين }، [237] وكما دخلت على إن مهيئة لدخولها على الفعل نحو: { إنما يخشى الله من عباده العلماء }. [238] فإذا عرفت هذا فقول النبي ﷺ: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، هو من هذا الباب ودخلت ما بين كاف التشبيه وبين الفعل مهيئة لدخولها عليه فهي كافة للخافض ومهيئة له أن تقع بعد الفعل، وهذا قد خفي على أكثر النحاة حتى ظن كثير منهم أن ما ههنا مصدرية. وليس كما ظن فإنه لم يقع التشبيه بالرؤية. وأنت لو صرحت بالمصدر هنا، لم يكن كلامًا صحيحًا فإنه لو قيل: صلوا كرؤيتكم صلاتي لم يكن مطابقًا للمعنى المقصود فلو قيل: إنها موصولة والعائد محذوف، والتقدير صلوا كالتي رأيتموني أصلي أي كالصلوات التي رأيتموني أصليها كان أقرب من المصدرية على كراهته. فالصواب ما ذكرته لك.

ونظير هذه المسألة قوله ﷺ للصديق: «كما أنت»، فأنت مبتدأ والخبر محذوف فلا مصدر هنا إذ لا فعل، فمن قال إنها مصدرية فقد غلظ، وإنما هي مهيئة لدخول الكاف على ضمير الرفع، والمعنى كما أنت صانع أو كما أنت مصل فدم على حالتك.

ونظير ذلك أيضا وقوعها بين بعد والفعل نحو قوله تعالى: { من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم }، [239] ليست مصدرية كما زعم أكثر النحاة، بل هي مهيئة لدخول بعد على فعل كاد إذ لا يصاغ من كاد وما مصدر إلا أن يتشجم له فعل بمعناه يسبك منها. ومن ذلك الفعل مصدر، وعلى ما قررناه لا يحتاج إلى ذلك ويؤيد هذا قول الشاعر:

أعلَاقَةٌ أمَّ الوليد بعدما ** أفنانُ رأسك كالثَّغام المُخلِس

أفلا تراها ههنا حيث لا فعل ولا مصدر أصلًا، فهي كقوله "كما أنت" مهيئة لدخول "بعد" على الجملة الإبتدائية، ولكن الخبر في البيت مذكور، وهو في قوله "كما أنت" محذوف.

فإن قلت: فما بالهم لم يدخلوها في قبل كافة لها مهيئة لدخولها على الفعل والجملة قبلما يقوم زيد وقبل ما زيد قائم.

قلت: لا تكون ما كافة لأسماء الإضافة، وإنما تكون كافة للحروف وبعد أشد مضارعة للحروف من قبل، لأن قبل كالمصدر في لفظها ومعناها تقول: جئت قبل الجمعة تريد الوقت الذي تستقبل في الجمعة. فالجمعة بالإضافة إلى ذلك الوقت قابله كما قال الشاعر: * نحج معًا، قالت أعامًا وقابله * فإذا كان العام الذي بعد عامك يسمى قابلًا فعامك الذي أنت فيه قبل، ولفظه من لفظ قابل. فقد بان لك من جهة اللفظ والمعنى أن "قبل" مصدر في الأصل، والمصدر كسائر الأسماء لا يكف به ولا يهيأ لدخول الجمل بعد، وإنما ذلك في بعض العوامل لا في شيء من الأسماء، وأما "بعد" فهي أبعد عن شبه المصدر، وإن كانت تقرب من لفظ بعد ومن معناه. فليس قربها من لفظ المصدر كقرب قبل؛ ألا ترى أنهم لم يستعملوا من لفظها اسم فاعل فيقولون للعام الماضي الباعد، كما قالوا للمستقبل القابل.

فإن قلت: فما تقول في قوله: { كما أرسلنا فيكم رسولًا منكم }، [240] وقوله: { واذكروه كما هداكم }، [241] وقوله: { وأحسن كما أحسن الله إليك }، [242] فإنها لا يمتنع فيها تقدير المصدر في هذه المواضع كلها فهل هي كافة مهيئة أو مصدرية؟

قلت: التحقيق أنها كافة لحرف التشبيه عن عمله مهيئة لدخوله على الفعل. ومع هذا فالمصدر ملحوظ فيها وإن لم تكن مصدرية محضة، ويدل على أن ما لا تقع مصدرية على حد أن إنك تجدها لا تصلح في موضع تصلح فيه أن. فإذا قلت: أريد أن تقوم كان مستقيمًا، فلو قلت: أريد ما تقوم لم يستقم، وكذلك أحب أن تأتيني. لا تقول موضعه أحب تأتيني.

وسر المسألة أن المصدرية ملحوظ فيها معنى الذي كما تقدم بخلاف أن.

فإن قلت: فما تقول في كلما قمت أكرمتك أمصدرية هنا أم كافة أم نكرة؟

قلت: هي ههنا نكرة وهي ظرف زمان في المعنى. والتقدير كل وقت تقوم فيه أكرمك.

فإن قلت: فهلا جعلتها كافة لإضافة كل إلى الفعل مهيئة لدخولها عليه.

قلت: ما أحراها بذلك لولا ظهور الظرف، والوقت، وقصده من الكلام فلا يمكن إلغاؤه مع كونه هو المقصود. ألا ترى أنك تقول: كل وقت يفعل كذا أفعل كذا. فإذا قلت: كلما فعلت فعلت. وجدت معنى الكلامين واحدًا، وهذا قول أئمة العربية وهو الحق.

فصل: الرد على المعتزلة

قال أبو القاسم السهيلي: اعلم أن ما إذا كانت موصولة بالفعل الذي لفظه عمل أو صنع أو فعل وذلك الفعل مضاف إلى فاعل غير الباري سبحانه فلا يصح وقوعها إلا على مصدر، لإجماع العقلاء من الأنام في الجاهلية والإسلام على أن أفعال الآدميين لا تتعلق بالجواهر والأجسام، لا تقول: عملت جملًا، ولا صنعت جبلًا ولا حديدًا ولا حجرًا ولا ترابًا. فاذا قلت: أعجبني ما عملت وما فعل زيد، فإنما يعني الحدث. فعلى هذا لا يصح في تأويل قوله تعالى: { والله خلقكم وما تعملون } [243] إلا قول أهل السنة أن المعنى والله خلقكم وأعمالكم، ولا يصح قول المعتزلة من جهة المنقول ولا من جهة المعقول لأنهم زعموا أن ما واقعة على الحجارة التي كانوا ينحتونها أصنامًا. وقالوا: تقدير الكلام خلقكم والأصنام التي تعلمون إنكارًا منهم أن تكون أعمالنا مخلوقة لله سبحانه، واحتجوا بأن نظم الكلام يقتضي ما قالوا لأنه تقدم قوله: { أتعبدون ما تنحتون } فما واقعة على الحجارة المنحوتة، ولا يصح غير هذا من جهة النحو، ولا من جهة المعنى. أما النحو فقد تقدم أن ما لا تكون مع الفعل الخاص مصدرًا. وأما المعنى فإنهم لم يكونوا يعبدون النحت، وإنما كانوا يعبدون المنحوتات، فلما ثبت هذا وجب أن تكون الآية التي هي رد عليهم وتقييد لهم واقعة على الحجارة المنحونة والأصنام المعبودة. ويكون التقدير تعبدون حجارة منحوتة والله خلقكم وتلك الحجارة التي تعملون!

هذا كله معنى قول المعتزلة وشرح ما شبهوا به، والنظم على تأويل أهل الحق أبدع والحجة أقطع. والذي ذهبوا إليه فاسد محال، لأنهم أجمعوا معنا على أن أفعال العباد لا تقع على الجواهر والأجسام.

فإن قيل: فقد تقول عملت الصحيفة وصنعت الجفنة، وكذلك الأجسام معمولة على هذا.

قلنا: لا يتعلق الفعل فيما ذكرتم إلا بالصورة التي هي التأليف والتركيب، وهي نفس العمل. وأما الجوهر المؤلف المركب فليس بمعمول لنا. فقد رجع العمل والفعل إلى الأحداث دون الجواهر. هذا إجماع منا ومنهم، فلا يصلح حملهم على غير ذلك.

وأما ما زعموا من حسن النظم وإعجاز الكلام فهو ظاهر، وتأويلنا معدوم في تأويلهم، لأن الآية وردت في بيان استحقاق الخالق للعبادة لانفراده بالخلق، وإقامة الحجة على من يعبد ما لا يخلق وهم يخلقون فقال: { أتعبدون ما تنحتون }، [244] أي من لا يخلق شيئًا وهم يخلقون، وتدعون عبادة من خلقكم وأعمالكم التي تعملون، ولو لم يضف خلق الأعمال إليه في الآية وقد نسبها إليهم بالمجاز ما قامت له حجة من نفس الكلام، لأنه كان يجعلهم خالقين لأعمالهم وهو خالق لأجناس أخر فيشركهم معه في الخلق تعالى الله عن قول الزائغين ولا لعا لعثرات المبطلين، فما أدحض حجتهم، وما أوهى قواعد مذهبهم، وما أبين الحق لمن اتبعه، جعلنا الله من أتباعه وحزبه.

وهذا الذي ذكرناه قاله أبو عبيد في قول حذيفة: إن الله يخلق صانع الخَزَم وصنعته واستشهد بالآية. وخالفه القتيبي في إصلاح الغلط فغلط أشد الغلط ووافق المعتزلة في تأويلها، وإن لم يقل بقيلها. هذا آخر كلام أبي القاسم.

ولقد بالغ في رد ما لا تحتمل الآية سواه أو ما هو أولى بحملها وأليق بها، ونحن وكلُّ محق مساعدوه على أن الله خالق العباد وأعمالهم، وأن كل حركة في الكون فالله خالقها. وعلى صحة هذا المذهب أكثر من ألف دليل من القرآن والسنة والمعقول والفطر. ولكن لا ينبغي أن تحمل الآية على غير معناها اللائق بها حرصًا على جعلها عليهم حجة. ففي سائر الأدلة غنية عن ذلك على أنها حجة عليهم من وجه آخر مع كون ما بمعنى الذي سنبينه إن شاء الله تعالى.

والكلام إن شاء الله في الآية قي مقامين:

أحدهما في سلب دلالتها على مذهب القدرية. والثاني في إثبات دلالتها على مذهب أهل الحق خلاف قولهم. فههنا مقامان: مقام إثبات ومقام سلب.

فأما مقام السلب فزعمت القدرية أن الآية حجة لهم في كونهم خالقين أعمالهم. قالوا: لأن الله سبحانه أضاف الأعمال إليهم. وهذا يدل على أنهم هم المحدثون لها، وليس المراد ههنا نفس الأعمال، بل الأصنام المعمولة فأخبر سبحانه أنه خالقهم، وخالق تلك الأصنام التي عملوها. والمراد مادتها وهي التي وقع الخلق عليها.

وأما صورتها وهي التي صارت بها أصنامًا فإنها بأعمالهم وقد أضافها إليهم فتكون بأحداثهم وخلقهم فهذا وجه احتجاجهم بالآية.

وقابلهم بعض المثبتين للقدر، وأن الله هو خالق أفعال العباد. فقالوا: الآية صريحة في كون أعمالهم مخلوقة الله فإن ما ههنا مصدرية والمعنى والله خلقهم وخلق أعمالهم. وقرروه بما ذكره السهيلي وغيره، ولما أورد عليهم القدرية كيف تكون ما مصدرية هنا وأي وجه يبقى للاحتجاج عليهم إذا كان المعنى والله خلقكم وخلق عبادتكم وهل هذا إلا تلقين لهم الاحتجاج بأن يقولوا: فإذا كان الله قد خلق عبادتنا للأصنام فهي مرادة له، فكيف ينهانا عنها؟ وإذا كانت مخلوقة مرادة فكيف يمكننا تركها؟ فهل يسوغ أن يحتج على إنكار عبادتهم؟ أجابهم المثبتون بأن قالوا: لو تدبرتم سياق الآية. ومقصودها لعرفتم صحة الاحتجاج، فإن الله سبحانه أنكر عليهم عبادة من لا يخلق شيئًا أصلًا، وترك عبادة من هو خالق لذواتهم وأعمالهم. فإذا كان الله خالقكم وخالق أعمالكم. فكيف تدعون عبادته وتعبدون من لا يخلق شيئًا لا ذواتكم ولا أعمالكم؟ وهذا من أحسن الاحتجاج.

وقد تكرر في القرآن الإنكار عليهم أن يعبدوا ما لا يخلق شيئًا وسوى بينه وبين الخالق لقوله: { أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون }، [245] وقوله: { والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئًا وهم يخلقون }، [246] وقوله: { هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه }، [247] إلى أمثال ذلك فصح الاحتجاج وقامت الحجة بخلق الأعمال مع خلق الذوات، فهذا منتهى اقدام الطائفتين في الآية كما ترى.

والصواب أنها موصولة، وأنها لا تدل على صحة مذهب القدرية. بل هي حجة عليهم مع كونها موصولة، وهذا يتبين بمقدمة نذكرها قبل الخوض في التقرير. وهي أن طريقة الحجاج والخطاب أن يجرد القصد والعناية بحال ما يحتج له وعليه، فإذا كان المستدل محتجًا على بطلان ما قد ادعى في شيء وهو يخالف ذلك، فإنه يجرد العناية إلى بيان بطلان تلك الدعوى، وأن ما ادُّعي له ذلك الوصف هو متصف بضده لا متصف به. فأما أن يمسك عنه ويذكر وصف غيره فلا.

وإذا تقرر هذا فالله سبحانه أنكر عليهم عبادتهم الأصنام، وبين أنها لا تستحق العبادة. ولم يكن سياق الكلام في معرض الإنكار عليهم ترك عبادته وأن ما هو في معرض الإنكار عبادة من لا يستحق العبادة، فلو أنه قال: لا تعبدون الله وقد خلقكم وما تعملون لتعينت المصدرية قطعًا، ولم يحسن أن يكون بمعنى الذي إذ يكون المعنى كيف لا تعبدونه وهو الذي أوجدكم وأوجد أعمالكم فهو المنعم عليكم بنوعي الإيجاد والخلق، فهذا وزان ما قرروه من كونها مصدرية، فأما سياق الآية فإنه في معرض إنكاره عليهم عبادة من لا يستحق العبادة فلا بد أن يبين فيه معنى ينافي كونه معبودًا. فبين هذا المعنى بكونه مخلوقًا له، ومن كان مخلوقًا في بعض مخلوقاته فإنه لا ينبغي أن يعبد ولا تليق به العبادة.

وتأمل مطابقة هذا المعنى لقوله: { والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئًا وهم يخلقون }، [248] كيف أنكر عليهم عبادة الهة مخلوقة له سبحانه وهي غير خالقة. فهذا يبين المراد من قوله: { والله خلقكم وما تعملون }، [249] ونظيره قوله في سورة الأعراف: { إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم }، [250] أي هم عباد مخلوقون كما أنتم كذلك. فكيف تعبدون المخلوق.

وتأمل طريقة القرآن لو أراد المعنى الذي ذكروه من حسن صفاته وانفراده بالخلق كقول صاحب يس: { وما لي لا أعبد الذي فطرني }، [251] فهنا لما كان المقصود إخبارهم بحسن عبادته واستحقاقه لها. ذكر الموجب لذلك وهي كونه خالقًا لعابده فاطرًا له، وهذا إنعام منه عليه. فكيف يترك عبادته. ولو كان هذا هو المراد من قوله: { والله خلقكم وما تعملون }، [252] كان يقتضي أن يقال ألا يعبدون الله وهو خالقهم وخالق أعمالهم. فتأمله فإنه واضح.

وقول أبي القاسم رحمه الله في تقرير حجة المعتزلة من الآية، إنه لا يصح أن تكون مصدرية وهو باطل. من جهة النحو ليس كذلك.

أما قوله: أن ما لا تكون مع الفعل الخاص مصدرًا، فقد تقدم بطلانه إذ مصدريتها تقع مع الفعل الخاص المبهم لقوله تعالى: { بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون }، [253] وقوله: { بما كنتم تعلمون الكتاب بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون } [254] إلى أضعاف ذلك، فإن هذه كلها أفعال خاصة وهي أخص من مطلق العمل فإذا جاءت مصدرية مع هذه الأفعال فمجيئها مصدرية مع العمل أولى.

قولهم إنهم لم يكونوا يعبدون النحت وإنما عبدوا المنحوت حجة فاسدة فإن الكلام في ما المصاحبة للفعل دون المصاحبة لفعل النحت فإنها لا تحتمل غير الموصولة ولا يلزم من كون الثانية مصدرية كون الأولى كذلك فهذا تقرير فاسد * وأما تقريره كونها مصدرية أيضا بما ذكره فلا حجة له فيه.

أما قوله أفعال العباد لا تقع على الجواهر والأجسام، فيقال ما معنى عدم وقوعها على الجواهر والأجسام؟ أتعني به أن أفعالهم لا تتعلق بإيجادها، أم تعني به أنها لا تتعلق بتغييرها وتصويرها، أم تعني به أعم من ذلك وهو المشترك بين القسمين؟

فإن عنيت الأول فمسلم لكن لا يفيدك شيئا، فإن كونها موصولة لا يستلزم ذلك، فإن كون الأصنام معمولة لهم يقتضي أن تكون مادتها معمولة لهم، بل هو على حد قولهم "عملت بيتا، وعملت بابا، وعملت حائطا، وعملت ثوبا" وهذا إطلاق حقيقي ثابت عقلا ولغة وشرعا وعرفا لا يتطرق إليه رد، فهذا ككون الأصنام معمولة سواء.

وإن عنيت أن أفعالهم لا تتعلق بتصويرها فباطل قطعا. وإن عنيت القدر المشترك فباطل أيضا، فإنه مشتمل على نفي حق وباطل فنفي الباطل صحيح ونفي الحق باطل.

ثم يقال إيقاع العمل منهم على الجواهر والأجسام يجوز أن يطلق فيه العمل الخاص وشاهده في الآية: { أتعبدون ما تنحتون } [255] فما ههنا موصولة فقد أوقع فعلهم وهو النحت على الجسم وحينئذ فأي فرق بين إيقاع أفعالهم الخاصة على الجوهر والجسم وبين إيقاع أفعالهم العامة عليه لا بمعنى أن ذاته مفعولة له، بل بمعنى أن فعلهم هو الذي صار به صنما واستحق أن يطلق عليه اسمه كما أنه بعملهم صار منحوتا واستحق هذا الاسم وهذا بين.

وأما قوله بجواب النقض بعملت الصحيفة وصنعت الجفنة أن الفعل متعلق بالصورة التي هي التأليف والتركيب وهي نفس العمل، فكذلك هو أيضا متعلق بالتصوير الذي صار الحجر به صنما منحوتا سواء.

وأما قوله الآية في بيان استحقاق الخالق للعبادة لانفراده بالخلق فقد تقدم جوابه وأن الآية وردت لبيان عدم استحقاق معبوديهم للعبادة لأنها مخلوقة لله وذكرنا شواهده من القرآن.

فإن قيل كان يكفي في هذا أن يقال أتعبدون ما تنحتون والله خالقه فلما عدل إلى قوله: { والله خلقكم وما تعملون } [256] علم أنه أراد الاحتجاج عليهم في ترك عبادته سبحانه وهو خالقهم وخالق أفعالهم.

قيل: في ذكر خلقه سبحانه لآلهتهم ولعابديها من بيان تقبيح حالهم وفساد رأيهم وعقولهم في عبادتها دونه تعالى ما ليس في الاقتصار على ذكر خلق الآلهة فقط فإنه إذا كان الله تعالى هو الذي خلقكم وخلق معبوديكم فهي مخلوقة أمثالكم، فكيف يعبد العاقل من هو مثله ويتألهه ويفرده بغاية التعظيم والإجلال والمحبة؟ وهل هذا إلا أقبح الظلم في حق أنفسكم وفي حق ربكم!

وقد أشار تعالى إلى هذا المعنى بقوله: { إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم }، [257] ومن حق المعبود أن لا يكون مثل العابد، فإنه إذا كان مثله كان عبدا مخلوقا، والمعبود ينبغي أن يكون ربا خالقا. فهذا من أحسن الاحتجاج وأبينه. فقد أسفر لك من المعنى المقصود بالسياق صبحه ووضح لك شرحه وانجلى بحمد الله الإشكال وزال عن المعنى غطاء الإجمال وبان أن ابن قتبية في تفسير الآية وفق للسداد كما وفق لموافقة أهل السنة في خلق أعمال العباد. ولا تستطل هذا الفصل فإنه يحقق لك فصولا لا تكاد تسمعها في خلال المذاكرات ويحصل لك قواعد وأصولا لا تجدها في عامة المصنفات.

فإن قيل فأين ما وعدتم به من الاستدلال بالآية على خلق الله لأعمال العباد على تقدير كون ما موصولة؟

قيل: نعم قد سبق الوعد بذلك وقد حان انجازه وآن ابرازه. ووجه الاستدلال بها على هذا التقدير أن الله سبحانه أخبر أنه خالقهم وخالق الأصنام التي عملوها وهي إنما صارت أصناما بأعمالهم فلا يقع عليها ذلك الاسم إلا بعد عملهم فإذا كان سبحانه هو الخالق اقتضى صحة هذا الإطلاق أن يكون خالقها بجملتها أعني مادتها وصورتها، فإذا كانت صورتها مخلوقة لله كما أن مادتها كذلك، لزم أن يكون خالقا لنفس عملهم الذي حصلت به الصورة لأنه متولد عن نفس حركاتهم. فإذا كان الله خالقها كانت أعمالهم التي تولد عنها ما هو مخلوق الله مخلوقة له، وهذا أحسن استدلالا وألطف من جعل ما مصدرية.

ونظيره من الاستدلال سواء قوله: { وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون * وخلقنا لهم من مثله ما يركبون }. [258] والأصح أن المثل المخلوق هنا هو السفن وقد أخبر أنها مخلوقة وهي إنما صارت سفنا بأعمال العباد. وأبعد من قال إن المثل ههنا هو سفن البر وهي الإبل لوجهين:

أحدهما أنها لا تسمي مثلا للسفن لا لغة ولا حقيقة، فإن المثلين ما سد أحدهما مسد الآخر، وحقيقة المماثلة أن يكون بين فلك وفلك لا بين جمل وفلك.

الثاني أن قوله: { إن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم }، [259] عقب ذلك دليل على أن المراد الفلك التي إذا ركبوها قدرنا على إغراقهم فذكرهم بنعمه عليهم من وجهين: أحدهما ركوبهم إياها، والثاني أن يسلمهم عند ركوبها من الغرق.

ونظير هذا الاستدلال أيضا قوله تعالى: { والله جعل لكم مما خلق ظلالًا وجعل لكم من الجبال أكنانًا وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم } [260] والسرابيل التي يلبسونها وهي مصنوعة لهم، وقد أخبر بأنه سبحانه هو جاعلها، وإنما صارت سرابيل بعملهم. ونظيره: { والله جعل لكم من بيوتكم سكنًا وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتًا } [261] والبيوت التي من جلود الأنعام هي الخيام، وإنما صارت بيوتًا بعملهم.

فإن قلت: المراد من هذا كله المادة لا الصورة.

قلت: المادة لا تستحق هذه الأسماء التي أطلق الخلق عليها، وإنما تستحق هذه الأسماء بعد عملها وقيام صورها بها، وقد أخبر أنها مخلوقة له في هذه الحال. والله أعلم.

فائدة: ضمير من يكرمني

الذي يدل على أن الضمير من يكرمني ونحوه الياء دون ما معها وجوه:

أحدها: القياس على ضمير المخاطب، والغائب في أكرمك وأكرمه.

الثاني: أن الضمير في قولك أني وأخواته هو الياء وحدها لسقوط النون اختيارًا في بعضها، وجوازًا في أكثرها، وسماعًا في بعضها، ولو كان الضمير هو الحرفين لم يسقطوا أحدهما.

الثالث: إدخالهم هذه النون في بعض حروف الجر وهي من وعن. ولو كانت جزءًا من الضمير لأطردت في إلي وفي وسائر حروف الجر. فإن قلت: فما وجه اختصاصها ببعض الحروف والأسماء، والجواب: أنهم أرادوا فصل الفعل والحروف المضارعة له من توهم الإضافة إلى الياء، فألحقوها علامة للانفصال. وهي في أكثر الكلام نون ساكنة وهو التنوين. فإنه لا يوجد في الكلام إلا علامة لانفصال الاسم. ولذلك ألحقوها في القوافي المعرفة باللام أبدًا بإتمام البيت وانفصاله مما بعده نحو العتابا والزرافا، ولذلك زادوها قبل علامة الإنكار حين أرادوا فصل الاسم من العلامة كي لا يتوهم أنها تمام الاسم، أو علامة جمع. ففصل بين الاسم وبينها بنون زائدة، وأدخل عليها ألف الوصل لسكونها، ثم حركتها بالكسر لالتقاء الساكنين. فلما كان من أصلهم تخصيص النون بعلامة الانفصال واجبًا وأرادوا فصل الفعل وما ضارعه عن الإضافة إلى الياء، جاؤوا بهذه النون الساكنة ولولا سكون الياء لكانت ساكنة كالتنوين، ولكنهم كسروها لالتقاء الساكنين.

فائدة: حذف الألف من ما الاستفهامية

السر في حذف الألف من ما الاستفهامية عند حرف الجر أنهم أرادوا مشاكلة اللفظ للمعنى فحذفوا الألف، لأن معنى قولهم فيم ترغب في أي شيء وإلى م تذهب إلى أي شيء، وحتام لا ترجع حتى أي غاية تستمر ونحوه، فحذفوا الألف مع الجار ولم يحذفوها في حال النصب والرفع كيلا تبقى الكلمة على حرف واحد. فإذا اتصل بها حرف الجر، أو اسم مضاف اعتمدت عليه، لأن الخافض والمخفوض بمنزلة كلمة واحدة.

وربما حذفوا الألف في غير موضع الخفض، ولكن إذا حذفوا الخبر. فيقولون: مه يا زيد؟ أي ما الخبر وما الأمر؟ فلما كثر الحذف في المعنى كثر في اللفظ، ولكن لا بد من هاء السكت لتقف عليها.

ومنه قولهم: مهيم كان الأصل ما هذا يا امرؤ؟ فاقتصروا من كل كلمة على حرف. وهذا غاية الاختصار والحذف. والذي شجعهم على ذلك أمنهم من اللبس لدلالة حال المسؤول والمسؤول عنه على المحذوف، فيهم المخاطب من قوله مهيم ما يفهم من تلك الكلمات الأربع. ونظير هذا قولهم "أيش" في "أي شيء"، و"م الله" في و"أيمين الله".

فائدة بديعة: قوله ثم لننزعن من كل شيعة

قوله عز وجل: { ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيًا }، [262] الشيعة الفرقة التي شايع بعضها بعضًا أي تابعه. ومنه الأشياع أي الأتباع. فالفرق بين الشيعة والأشياع: أن الأشياع هم التبع. والشيعة القوم الذين شايعوا أي تبع بعضهم بعضًا، وغالب ما يستعمل في الذم، ولعله لم يرد في القرآن إلا كذلك كهذه الآية وكقوله: { إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا }، [263] وقوله: { وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل }، [264] وذلك والله أعلم لما في لفظ الشيعة من الشياع والإشاعة التي هي ضد الائتلاف والاجتماع، ولهذا لا يطلق لفظ الشيع إلا على فرق الضلال لتفرقهم واختلافهم. والمعنى لننزعن من كل فرقة أشدهم عتوًا على الله وأعظمهم فسادًا، فنلقيهم في النار. وفيه إشارة إلى أن العذاب يتوجه إلى السادات أولا ثم تكون الأتباع تبعًا لهم فيه، كما كانوا تبعًا لهم في الدنيا.

و { أيهم أشد } للنحاة فيه أقوال:

أحدها: قول الخليل أنه مبتدأ وأشد خبره، ولم يعمل لننزعن فيه، لأنه محكي، والتقدير الذي يقال فيه: { أيهم أشد على الرحمن عتيًا وعلى هذا فأي استفهامية.

الثاني: قول يونس أنه رفع على جهة التعليق للفعل السابق. كما لو قلت علمت أنه أخوك فعلق الفعل عن الفعل كما تعلق أفعال القلوب.

الثالث: قول سيبويه إن أي هنا موصولة مبنية على الضم والمسوغ لبنائها حذف صدر صلتها وعنده أصل الكلام أيهم هو أشد. فلما حذف صدر الصلة بنيت على الضم تشبيهًا لها بالغايات، التي قد حذفت مضافاتها كقبل وبعد. وعلى كل واحد من الأقوال إشكالات نذكرها، ثم نبين الصحيح إن شاء الله.

فأما قول الخليل: فقيل يلزمه ستة أمور:

أحدها: حذف الموصول.

الثاني: حذف الصلة.

الثالث: حذف العائد، لأن تقديره الذي يقال لهم: إنهم أشد، وهذا لا عهد لنا فيه باللغة. وأما ما يحذف من القول فإنه إنما يكون قولًا مجردًا عن كونه صلة لموصول نحو قوله: { والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم }، [265] أي: يقولون أو قائلين. ومثله: { والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى }. [266]

الرابع: أنه إذا قدر المحذوف هكذا لم يستقم الكلام فإنه يصير { لننزعن من كل شيعة } الذي يقال فيهم: { أيهم أشد } وهذا فاسد فإن ذلك المنزوع لا يقال فيه أيهم أشد بل هو نفسه أشد، أو من أشد الشيعة على الرحمن فلا يقع عليه الاستفهام بعد نزعه، فتأمله.

الخامس: أن الاستفهام لا يقع إلا بعد أفعال العلم والقول على الحكاية، ولا يقع بعد غيره من الأفعال. تقول: علمت أزيد عندك، أم عمرو، ولو قلت: ضربت أزيد أم عمرو ولم يجز وننزعن ليس من أفعال العلم. فإذا قلت: ضربت أيهم قام لم تكن إلا موصولة ولا يصح أن يقال ضربت الذي يقال فيه أيهم قال، وإنما توهم مثل ذلك لكون اللفظ صالحًا لجهة أخرى مستقيمة فيتوهم متوهم أن حمله على الجهة الأخرى يسقيم. والذي يدل عليه أنه لو قدرت موضعه استفهامًا صريحًا ليس له جهة أخرى لم يجز. فلو قلت: ضرب أزيد عندك أم عمرو لم يجز بخلاف ضرب أيهم عندك. فلو كان أيهم استفهامًا لجاز الكلام مع الاستفهام الذي بمعناهما، وإنما لم يقع الاستفهام إلا بعد أفعال العلم والقول. أما القول فلأنه يحكي به كل جملة خبرية كانت أو إنشائية. وأما أفعال العلم فإنما وقع بعدها الاستفهام لكون الاستفهام مستعلمًا به. فكأنك إذا قلت: أزيد عندك أم عمرو كان معناه اعلمني. وإذا قلت: علمت أزيد عندك أم عمرو؟ كان معناه علمت ما يطلب استعلامه فلهذا صح وقوع الاستفهام بعد العلم. لأنه استعلام، ثم حمل الحسبان والظن عليهما لكونهما من بابه. ووجه آخر وهو كثرة استعمال أفعال العلم فجعل لها شأن ليس لغيرها.

السادس: أن هذا الحذف الذي قدره في الآية حذف لا يدل عليه سياق فهو مجهول الوضع. وكل حذف كان بهذا المنزلة كان تقديره من باب علم الغيب.

وأما قول يونس فإشكاله ظاهر فإن التعليق، إنما يكون في أفعال القلوب نحو العلم والظن والحسبان دون غيرها. ولا يجوز أن تقول: ضربت أيهم. قام على أن تكون أيهم استفهامًا وقد علق الفعل عن العمل فيه.

وأما قول سيبويه فإشكاله أنه بناء خارج عن النظائر ولم يوجد في اللغة شاهد له.

قال السهيلي: ما ذكره سيبويه لو استشهد عليه بشاهد من نظم أو نثر أو وجدنا بعده في كلام فصيح شاهدًا له لم نعدل به قولًا ولا رأينا لغيره عنه طولًا، ولكنا لم نجز ما بين لمخالفته غيره، لا سيما مثل هذه المخالفة فإنا لا نسلم أنه حذف من الكلام شيء. وإن قال: إنه حذف ولا بد والتقدير أيهم هو أخوك؛ فيقال: لم لم يبنوا في النكرة فيقولون: مررت برجل أخوك، أو رأيت رجلًا أبوك أي هو أخوك وأبوك. ولم خصوا أيًا هذا دون سائر الأسماء أن يحذف من صلته، ثم يبنى للحذف. ومتى وجدنا شيئًا من الجملة يحذف، ثم يبنى الموصوف بالجملة من أجل ذلك الحذف. وذلك الحذف لا نجعله متضمنًا لمعنى الحرف، ولا مضارعًا له. وهذه علة البناء وقد عدمت في أي.

قال: والمختار قول الخليل لكنه يحتاج إلى شرح، وذلك أنه لم يرد بالحكاية ما يسبق إلى الفهم من تقدير معنى القول، ولكنه أراد حكاية لفظ الاستفهام الذي هو أصل في أي كما يحكيه بعد العلم. إذا قلت: قد علمت من أخوك وأقام زيد أم قعد فقد تركت الكلام على حاله قبل دخول الفعل لبقاء معنى الاختصاص والتعيين في أي الذي كان موجودًا فيها وهي استفهام، لأن ذلك المعنى هو الذي وضعت له استفهامًا كانت، أو خبرًا كما حكوا لفظ النداء في قولهم اللهم اغفر لي أيها الرجل، وارحمنا أيتها العصابة. فنحكي لفظ هذا إشعارًا بالتعيين والاختصاص الموجود في حال النداء لوجود معنى الاختصاص والتعيين فيه.

قال: وقول يونس: إن الفعل ملغى حق وإن لم تكن من أفعال القلب وعلة إلغائه ما قدمناه من حكاية لفظ الاستفهام للاختصاص.

فإذا أتممت لفظة الصلة وقلت: ضربت أيهم أخوك، زالت مضارعة الاستفهام وغلب فيه معنى الخبر لوجود الصلة التامة بعده.

قال وأما قوله تعالى: { وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون }، [267] وإجماعهم على أنها منصوبة بينقلبون لا بسيعلم. وقد كان يتصور فيها أن تكون منصوبة بسيعلم على جهة الاستفهام، ولكن تكون موصولة والجملة صلتها والعائد محذوف. ولكن منع من هذا أصل أصلناه ودليل أقمناه على أن الاسم الموصول إذا عني به المصدر ووصل بفعل مشتق من ذلك المصدر لم يجز لعدم الفائدة المطلوبة من الصلة وهي إيضاح الموصول وتبيينه. والمصدر لا يوضح فعله المشتق من لفظه، لأنه كأنه هو لفظًا ومعنى إلا في المختلف الأنواع كما تقدم.

قال: ووجه آخر أقوى من هذا وهو أن أيًا لا تكون بمعنى الذي حتى تضاف إلى معرفة. فتقول: لقيت أيهم في الدار إذ من المحال أن يكون بمعنى الذي وهو نكرة. والذي لا ينكر وهذا أصل يبنى عليه في "أي".

فائدة: تحقيق معنى أي

فصل في تحقيق معنى أي

وهو أن لفظ الألف والياء المكررة راجع في جميع الكلام إلى معنى التعيين والتمييز للشيء من غيره، فمنه أياة الشمس لضوءها لأنه يبينها ويميزها من غيره، ومنه الآية العلامة، ومنه خرج القوم بآيهم أي بجماعتهم التي يتميزون بها عن غيرهم، ومنه تأييت بالمكان أي تثبت لتبيين شيء، أو تمييزه ومنه قول امرىء القيس:

قف بالديار وقوف حابسْ ** وتأيَّ إنك غير يائسْ

وقال الكميت: * وتأيَّ إنك غير صاغر *

ومنه إياك في المضمرات، لأنه في أكثر الكلام مفعول مقدم، والمفعول إنما يتقدم على فعله قصدًا إلى تعيينه وحرصًا على تمييزه من غيره وصرفًا للذهن عن الذهاب إلى غيره، ولذلك تقدم في ( إياك نعبد ) إذ الكلام وارد في معرض الإخلاص وتحقيق الوحدانية ونفي عوارض الأوهام عن التعلق بغيره، ولهذا اختصت أي بنداء ما فيه الألف واللام تمييزًا له وتعيينًا، وكذلك أي زيد، ومنه إياك المراء والأسد أي ميز نفسك وأخلصها عنه. ومنه وقوع أي تفسيرًا كقولك: عندي عهن أي صوف.

وأما وقوعها نفيًا لما قبلها نحو مررت برجل أي رجل. فأي تدرجت إلى الصفة من الاستفهام كان الأصل أي رجل هو على الاستفهام الذي يراد به التفخيم والتهويل، وإنما دخله التفخيم لأنهم يريدون إظهار العجز والإحاطة لوصفه فكأنه مما يستفهم عنه بجهل كنهه. فأدخلوه في باب الاستفهام الذي هو موضوع لما يجهل. وكذلك جاء: { القارعة * ما القارعة } [268] و { الحاقة * ما الحاقة } [269] أي أنها لا يحاط بوصفها. فلما ثبت هذا اللفظ في باب التفخيم والتعظيم للشيء قرب من الوصف حتى أدخلوه في باب النعت، وأخروه في الإعراب عن ما قبله ومنه: * جاءوا بمذق هل رأيت الذئب قط * أي كأنه في لون الذئب إن كنت رأيت الذئب. ومنه "مررت بفارس هل رأيت الأسد"، وهذا التقدير أحسن من قول بعض النحويين أنه معمول وصف مقدر، وهو قول محذوف أي مقول فيه هل رأيت كذا، وما ذكرته لك أحسن وأبلغ فتأمله.

فائدة جليلة: ما يجري صفة أو خبرا على الرب

ما يجري صفة أو خبرًا على الرب تبارك وتعالى أقسام.

أحدها: ما يرجع إلى نفس الذات كقولك: ذات وموجود وشيء.

الثاني: ما يرجع إلى صفات معنوية كالعليم والقدير والسميع.

الثالث: ما يرجع إلى أفعاله نحو الخالق والرزاق.

الرابع: ما يرجع إلى التنزيه المحض ولا بد من تضمنه ثبوتًا إذ لا كمال في العدم المحض كالقدوس السلام.

الخامس: ولم يذكره أكثر الناس وهو الاسم الدال على جملة أوصاف عديدة لا تختص بصفة معينة بل هو دال على معناه لا على معنى مفرد نحو المجيد العظيم الصمد فإن المجيد من اتصف بصفات متعددة من صفات الكمال ولفظه يدل على هذا فإنه موضوع للسعة والكثرة والزيادة فمنه استمجد المرخ والغفار وأمجد الناقة علفًا. ومنه { ذو العرش المجيد } [270] صفة للعرض لسعته وعظمه وشرفه.

وتأمل كيف جاء هذا الاسم مقترنًا بطلب الصلاة من الله على رسوله كما علمناه ﷺ لأنه في مقام طلب المزيد والتعرض لسعة العطاء، وكثرته ودوامه، فأتى في هذا المطلوب باسم تقتضيه كما تقول: اغفر لي وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم ولا يحسن أنك أنت السميع البصير فهو راجع إلى المتوسل إليه بأسمائه وصفاته، وهو من أقرب الوسائل وأحبها إليه.

ومنه الحديث الذي في المسند والترمذي: «ألظوا بياذا الجلال والإكرام». ومنه: «اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السموات والأرض ياذا الجلال والإكرام». فهذا سؤال له وتوسل إليه وبحمده وإنه الذي لا إله إلا هو المنان. فهو توسل إليه بأسمائه وصفاته وما أحق ذلك بالإجابة وأعظمه موقعًا عند المسؤول. وهذا باب عظيم من أبواب التوحيد أشرنا إليه إشارة، وقد فتح لمن بصره الله.

ولنرجع إلى المقصود وهو وصفه تعالى بالاسم المتضمن لصفات عديدة. فالعظيم من اتصف بصفات كثيرة من صفات الكمال. وكذلك الصمد قال ابن عباس: هو السيد الذي كمل في سؤدده. وقال ابن وائل: هو السيد الذي انتهى سؤدده. وقال عكرمة: الذي ليس فوقه أحد، وكذلك قال الزجاج: الذي ينتهي إليه السؤدد فقد صمد له كل شيء. وقال ابن الأنباري: "لا خلاف بين أهل اللغة أن الصمد السيد الذي ليس فوقه أحد، الذي يصمد إليه الناس في حوائجهم وأمورهم". واشتقاقه يدل على هذا، فإنه في الجمع والقصد الذي اجتمع القصد نحوه، واجتمعت فيه صفات السؤدد وهذا أصله في اللغة كما قال:

ألا بكر الناعي بخير بني أسد ** بعمرو بن يربوع وبالسيد الصمد

والعرب تسمى أشرافها بالصمد لاجتماع قصد القاصدين إليه واجتماع صفات السيادة فيه.

السادس: صفة تحصل من اقتران أحد الاسمين والوصفين بالآخر، وذلك قدر زائد على مفرديهما نحو: الغني الحميد، العفو القدير، الحميد المجيد. وهكذا عامة الصفات المقترنة والأسماء المزدوجة في القرآن. فإن الغني صفة كمال والحمد كذلك، واجتماع الغني مع الحمد كمال آخر. فله ثناء من غناه، وثناء من حمده، وثناء من اجتماعهما، وكذلك العفو القدير والحميد المجيد والعزيز الحكيم فتأمله فإنه من أشرف المعارف.

وأما صفات السلب المحض فلا تدخل في أوصافه تعالى إلا أن تكون متضمنة لثبوت كالأحد المتضمن لانفراده بالربوبية والإلهية. والسلام المتضمن لبراءته من كل نقص يضاد كماله، وكذلك الإخبار عنه بالسلوب هو لتضمنها ثبوتًا كقوله تعالى: { لا تأخذه سنة ولا نوم }، [271] فإنه متضمن لكمال حياته وقيوميته وكذلك قوله تعالى: { وما مسنا من لغوب } [272] متضمن لكمال قدرته. وكذلك قوله: { وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة }، [273] متضمن لكمال علمه. وكذلك قوله: { لم يلد ولم يولد } متضمن لكمال صمديته وغناه وكذلك قوله: { ولم يكن له كفوًا أحد } متضمن لتفرده بكماله وأنه لا نظير له، وكذلك قوله تعالى: { لا تدركه الأبصار } [274] متضمن لعظمته. وأنه جل عن أن يدرك بحيث يحاط به. وهذا مطرد في كل ما وصف به نفسه من السلوب.

(في أسماء الله وصفاته)

ويجب أن يعلم هنا أمور:

أحدها: أن ما يدخل في باب الإخبار عنه تعالى، أوسع مما يدخل في باب أسمائه وصفاته، كالشيء والموجود والقائم بنفسه، فإنه يخبر به عنه، ولا يدخل في أسمائه الحسنى وصفاته العليا.

الثاني: أن الصفة إذا كانت منقسمة إلى كمال ونقص لم تدخل بمطلقها في أسمائه، بل يطلق عليه منها كمالها وهذا كالمريد والفاعل والصانع، فإن هذه الألفاظ لا تدخل في أسمائه ولهذا غلط من سماه بالصانع عند الإطلاق. بل هو الفعال لما يريد، فإن الإرادة والفعل والصنع منقسمة ولهذا إنما أطلق على نفسه من ذلك أكمله فعلًا وخبرًا.

الثالث: أنه لا يلزم من الإخبار عنه بالفعل مقيدًا أن يشتق له منه اسم مطلق، كما غلط فيه بعض المتأخرين فجعل من أسمائه الحسنى المضل الفاتن الماكر تعالى الله عن قوله، فإن هذه الأسماء لم يطلق عليه سبحانه منها إلا أفعال مخصوصة معينة، فلا يجوز أن يسمى بأسمائها المطلقة والله أعلم.

الرابع: أن أسماءه الحسنى هي أعلام وأوصاف. والوصف بها لا ينافي العلمية، بخلاف أوصاف العباد فإنها تنافي علميتهم، لأن أوصافهم مشتركة فنافتها العلمية المختصة بخلاف أوصافه تعالى.

الخامس: أن الاسم من أسمائه له دلالات. دلالة على الذات والصفة بالمطابقة. ودلالة على أحدهما بالتضمن. ودلالة على الصفة الأخرى باللزوم.

السادس: أن أسماءه الحسنى لها اعتباران: اعتبار من حيث الذات، واعتبار من حيث الصفات، فهي بالاعتبار الأول مترادفة، وبالاعتبار الثاني متباينة.

السابع: أن ما يطلق عليه في باب الأسماء والصفات توقيفي، وما يطلق عليه من الأخبار لا يجب أن يكون توقيفيًا كالقديم والشيء والموجود والقائم بنفسه. فهذا فصل الخطاب في مسألة أسمائه هل هي توقيفية، أو يجوز أن يطلق عليه منها بعض ما لم يرد به السمع.

الثامن: أن الاسم إذا أطلق عليه جاز أن يشتق منه المصدر والفعل، فيخبر به عنه فعلًا ومصدرًا نحو السميع البصير القدير، يطلق عليه منه السمع والبصر والقدرة ويخبر عنه بالأفعال من ذلك نحو: { قد سمع الله }، [275] { فقدرنا فنعم القادرون }. [276] هذا إن كان الفعل متعديًا. فإن كان لازمًا لم يخبر عنه به نحو الحي. بل يطلق عليه الاسم والمصدر دون الفعل فلا يقال حيي.

التاسع: أن أفعال الرب تبارك وتعالى صادرة عن أسمائه وصفاته. وأسماء المخلوقين صادرة عن أفعالهم، فالرب تبارك وتعالى فعاله عن كماله. والمخلوق كماله عن فعاله فاشتقت له الأسماء بعد أن كمل بالفعل. فالرب لم يزل كاملًا فحصلت أفعاله عن كماله، لأنه كامل بذاته وصفاته فأفعاله صادرة عن كماله كمل ففعل والمخلوق فعل فكمل الكمال اللائق به.

العاشر: احصاء الأسماء الحسنى والعلم بها أصل للعلم بكل معلوم، فإن المعلومات سواه، إما أن تكون خلقًا له تعالى أو أمرًا، إما علم بما كونه أو علم بما شرعه ومصدر الخلق والأمر عن أسمائه الحسنى وهما مرتبطان بها ارتباط المقتضي بمقتضيه. فالأمر كله مصدره عن أسمائه الحسنى، وهذا كله حسن لا يخرج عن مصالح العباد والرأفة والرحمة بهم والإحسان إليهم بتكميلهم بما أمرهم به، ونهاهم عنه. فأمره كله مصلحة وحكمة ورحمة ولطف وإحسان إذ مصدره أسماؤه الحسنى، وفعله كله لا يخرج عن العدل والحكمة والمصلحة والرحمة إذ مصدره أسماؤه الحسنى، فلا تفاوت في خلقه ولا عبث ولم يخلق خلقه باطلًا ولا سدى ولا عبثًا. وكما أن كل موجود سواه فبإيجاده. فوجود من سواه تابع لوجوده تبع المفعول المخلوق لخالقه، فكذلك العلم بها أصل للعلم بكل ما سواه، فالعلم بأسمائه وإحصاؤها أصل لسائر العلوم. فمن أحصى أسماءه كما ينبغي للمخلوق أحصى جميع العلوم إذ إحصاء أسمائه أصل لإحصاء كل معلوم، لأن المعلومات هي من مقتضاها ومرتبطة بها. وتأمل صدور الخلق والأمر عن علمه وحكمته تعالى ولهذا لا تجد فيها خللًا ولا تفاوتًا، لأن الخلل الواقع فيما يأمر به العبد أو يفعله. إما أن يكون لجهله به، أو لعدم حكمته، وأما الرب تعالى فهو الحكيم فلا يلحق فعله ولا أمره خلل ولا تفاوت ولا تناقض.

الحادي عشر: إن أسماءه كلها حسنى، ليس فيها اسم غير ذلك أصلًا، وقد تقدم أن من أسمائه ما يطلق عليه باعتبار الفعل نحو الخالق والرازق والمحيي والمميت، وهذا يدل على أن أفعاله كلها خيرات محض لا شر فيها، لأنه لو فعل الشر لاشتق له منه اسم. ولم تكن أسماؤه كلها حسنى وهذا باطل. فالشر ليس إليه، فكما لا يدخل في صفاته ولا يلحق ذاته لا يدخل في أفعاله، فالشر ليس إليه، لا يضاف إليه فعلًا ولا وصفًا، وإنما يدخل في مفعولاته. وفرق بين الفعل والمفعول. فالشر قائم بمفعوله المباين له لا بفعله الذي هو فعله. فتأمل هذا فإنه خفي على كثير من المتكلمين، وزلت فيه أقدام وضلت فيه أفهام وهدى الله أهل الحق لما اختلفوا فيه بإذنه، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

الثاني عشر: في بيان مراتب إحصاء أسمائه التي من أحصاها دخل الجنة، وهذا هو قطب السعادة ومدار النجاة والفلاح.

المرتبة الأولى إحصاء ألفاظها وعددها.

المرتبة الثانية فهم معانيها ومدلولها.

المرتبة الثالثة: دعاؤه بها كما قال تعالى: { ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها } [277] وهو مرتبتان: إحداهما: دعاء ثناء وعبادة. والثاني دعاء طلب ومسألة، فلا يثنى عليه إلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، وكذلك لا يسأل إلا بها فلا يقال: يا موجود أو يا شيء أو يا ذات اغفر لي وارحمني، بل يسأل في كل مطلوب باسم يكون مقتضيًا لذلك المطلوب فيكون السائل متوسلًا إليه بذلك الاسم. ومن تأمل أدعية الرسل، ولا سيما خاتمهم وإمامهم، وجدها مطابقة لهذا. وهذه العبارة أولى من عبارة من قال: يتخلق بأسماء الله، فإنها ليست بعبارة سديدة وهي منتزعة من قول الفلاسفة بالتشبه بالإله على قدر الطاقة. وأحسن منها عبارة أبي الحكم بن برجان وهي التعبد، وأحسن منها العبارة المطابقة للقرآن وهي الدعاء المتضمن للتعبد والسؤال. فمراتبها أربعة أشدها إنكارًا عبارة الفلاسفة وهي التشبه. وأحسن منها عبارة من قال التخلق. وأحسن منها عبارة من قال التعبد. وأحسن من الجميع الدعاء وهي لفظ القرآن.

الثالث عشر: اختلف النظار في الأسماء التي تطلق على الله وعلى العباد، كالحي والسميع والبصير والعليم والقدير والملك ونحوها. فقالت طائفة من المتكلمين. هي حقيقة في العبد مجاز في الرب. وهذا قول غلاة الجهمية وهو أخبث الأقوال وأشدها فسادًا. الثاني: مقابله وهو أنها حقيقة في الرب مجاز في العبد وهذا قول أبي العباس الناشي. الثالث: أنها حقيقة فيهما، وهذا قول أهل السنة وهو الصواب. واختلاف الحقيقتين فيهما لا يخرجها عن كونها حقيقة فيهما. وللرب تعالى منها ما يليق بجلاله وللعبد منها ما يليق به. وليس هذا موضع التعرض لمأخذ هذه الأقوال وإبطال باطلها وتصحيح صحيحها. فإن الغرض الإشارة إلى أمور ينبغي معرفتها في هذا الباب ولو كان المقصود بسطها لاستدعت سفرين أو أكثر.

الرابع عشر: أن الاسم والصفة من هذا النوع له ثلاث اعتبارات. اعتبار من حيث هو مع قطع النظر عن تقييده بالرب تبارك وتعالى أو العبد. الاعتبار الثاني: اعتباره مضافًا إلى الرب مختصًا به. الثالث: اعتباره مضافًا إلى العبد مقيدًا به فما لزم الاسم لذاته وحقيقته كان ثابتًا للرب والعبد، وللرب منه ما يليق بكماله وللعبد منه ما يليق به. وهذا كاسم السميع الذي يلزمه إدراك المسموعات، والبصير الذي يلزمه رؤية المبصرات والعليم والقدير وسائر الأسماء، فإن شرط صحة إطلاقها حصول معانيها وحقائقها للموصوف بها، فما لزم هذه الأسماء لذاتها فإثباته للرب تعالى لا محذور فيه بوجه، بل ثبتت له على وجه لا يماثله فيه خلقه، ولا يشابههم، فمن نفاه عنه لإطلاقه على المخلوق ألحد في أسمائه وجحد صفات كماله. ومن أثبته له على وجه يماثل فيه خلقه فقد شبهه بخلقه. ومن شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن أثبته له على وجه لا يماثل فيه خلقه بل كما يليق بجلاله وعظمته فقد برىء من فرث التشبيه ودم التعطيل. وهذا طريق أهل السنة، وما لزم الصفة لإضافتها إلى العبد وجب نفيه عن الله، كما يلزم حياة العبد من النوم والسنة والحاجة إلى الغذاء ونحو ذلك. وكذلك ما يلزم إرادته من حركة نفسه في جلب ما ينتفع به ودفع ما يتضرر به. وكذلك ما يلزم علوه من احتياجه إلى ما هو عال عليه وكونه محمولًا به مفتقرًا إليه محاطًا به. كل هذا يجب نفيه عن القدوس السلام تبارك وتعالى، وما لزم صفة من جهة اختصاصه تعالى بها. فإنه لا يثبت للمخلوق بوجه كعلمه الذي يلزمه القدم والوجوب والإحاطة بكل معلوم وقدرته وإرادته وسائر صفاته، فإن ما يختص به منها لا يمكن إثباته للمخلوق. فاذا أحطت بهذه القاعدة خبرًا وعقلتها كما ينبغي خلصت من الآفتين اللتن هما أصل بلاء المتكلمين: آفة التعطيل، وآفة التشبيه. فإنك إذا وفيت هذا المقام حقه من التصور أثبت الله الأسماء الحسنى والصفات العلى حقيقة فخلصت من التعطيل، ونفيت عنها خصائص المخلوقين ومشابهتهم فخلصت من التشبيه، فتدبر هذا الموضع واجعله جنتك التي ترجع إليها في هذا الباب والله الموفق للصواب.

الخامس عشر: أن الصفة متى قامت بموصوف لزمها أمور أربعة: أمران لفظيان وأمران معنويان. فاللفظيان ثبوتي وسلبي، فالثبوتي أن يشتق للموصوف منها اسم، والسلبي أن يمتنع الاشتقاق لغيره، والمعنويان ثبوتي وسلبي، فالثبوتي أن يعود حكمها إلى الموصوف ويخبر بها عنه، والسلبي أن لا يعود حكمها إلى غيره، ولا يكون خبرًا عنه وهي قاعدة عظيمة في معرفة الأسماء والصفات. فلنذكر من ذلك مثالًا واحدًا وهو صفة الكلام، فإنه إذا قامت بمحل كانت هو التكلم دون من لم تقم به وأخبر عنه بها، وعاد حكمها إليه دون غيره. فيقال: قال وأمر ونهى ونادى وناجى وأخبر وخاطب وتكلم وكلم ونحو ذلك. وامتنعت هذه الأحكام لغيره، فيستدل بهذه الأحكام والأسماء على قيام الصفة به وسلبها عن غيره على عدم قيامها به. وهذا هو أصل السنة الذي ردوا به على المعتزلة والجهمية وهو من أصح الأصول طردًا وعكسًا.

السادس عشر: أن الأسماء الحسنى لا تدخل تحت حصر ولا تحد بعدد. فإن لله تعالى أسماء وصفات استأثر بها في علم الغيب عنده، لا يعلمها ملك مقرب ولا نبي مرسل، كما في الحديث الصحيح: أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك. فجعل أسماءه ثلاثة أقسام: قسم سمى به نفسه فأظهره لمن شاء من ملائكته أو غيرهم ولم ينزل به كتابه. وقسم أنزل به كتابه فتعرف به إلى عباده. وقسم استأثر به في علم غيبه فلم يطلع عليه أحد من خلقه. ولهذا قال: استأثرت به، أي انفردت بعلمه، وليس المراد انفراده بالتسمي به، لأن هذا الانفراد ثابت في الأسماء التي أنزل بها كتابه. ومن هذا قول النبي ﷺ في حديث الشفاعة: «فيفتح علي من محامده بما لا أحسنه الآن» وتلك المحامد هي تفي بأسمائه وصفاته. ومنه قوله ﷺ: «لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك». وأما قوله ﷺ: «إن لله تسعة وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة». فالكلام جملة واحدة. وقوله: «من أحصاها دخل الجنة»، صفة لا خبر مستقبل. والمعنى له أسماء متعددة من شأنها أن من أحصاها دخل الجنة. وهذا لا ينفي أن يكون له أسماء غيرها. وهذا كما تقول لفلان مائة مملوك قد أعدهم للجهاد. فلا ينفي هذا أن يكون له مماليك سواهم معدون لغير الجهاد وهذا لا خلاف بين العلماء فيه.

السابع عشر: أن أسماءه تعالى منها ما يطلق عليه مفردًا ومقترنًا بغيره، وهو غالب الأسماء. فالقدير والسميع والبصير والعزيز والحكيم وهذا يسوغ أن يدعا به مفردًا ومقترنًا بغيره، فتقول: يا عزيز، يا حليم، يا غفور، يا رحيم. وأن يفرد كل اسم، وكذلك في الثناء عليه والخبر عنه بما يسوغ لك الإفراد والجمع. ومنها ما لا يطلق عليه بمفرده، بل مقرونًا بمقابله كالمانع والضار والمنتقم فلا يجوز أن يفرد هذا عن مقابله فإنه مقرون بالمعطي والنافع والعفو. فهو المعطي المانع الضار النافع المنتقم العفو المعز المذل، لأن الكمال في اقتران كل اسم من هذه بما يقابله، لأنه يراد به أنه المنفرد بالربوية وتدبير الخلق والتصرف فيهم عطاء ومنعًا ونفعًا وضرًا وعفوًا وانتقامًا. وأما أن يثنى عليه بمجرد المنع والانتقام والإضرار فلا يسوغ. فهذه الأسماء المزدوجة تجري الأسماء منها مجرى الاسم الواحد الذي يمتنع فصل بعض حروفه عن بعض، فهي وإن تعددت جارية مجرى الاسم الواحد. ولذلك لم تجىء مفردة ولم تطلق عليه إلا مقترنة فاعلمه. فلو قلت: يا مذل، يا ضار، يا مانع، وأخبرت بذلك لم تكن مثنيًا عليه، ولا حامدًا له حتى تذكر مقابلها.

الثامن عشر: أن الصفات ثلاثة أنواع: صفات كمال. وصفات نقص، وصفات لا تقتضي كمالًا، ولا نقصًا، وإن كانت القسمة التقديرية تقتضي قسمًا رابعًا وهو ما يكون كمالًا ونقصًا باعتبارين. والرب تعالى منزه عن الأقسام الثلاثة وموصوف بالقسم الأول، وصفاته كلها كمال محض فهو موصوف من الصفات بأكملها، وله من الكمال أكمله. وهكذا أسماؤه الدالة على صفاته هي أحسن الأسماء وأكملها، فليس في الأسماء أحسن منها، ولا يقوم غيرها مقامها، ولا يؤدي معناها. وتفسير الاسم منها بغيره ليس تفسيرًا بمرادف محض، بل هو على سبيل التقريب والتفهيم. وإذا عرفت هذا فله من كل صفة كمال أحسن اسم وأكمله وأتمه معنى وأبعده وأنزهه عن شائبة عيب، أو نقص، فله من صفة الإدراكات العلم الخبير دون العاقل الفقيه، والسميع البصير دون السامع والباصر والناظر. ومن صفات الإحسان البر، الرحيم، الودود، دون الرفيق والشفوق ونحوهما، وكذلك العلي العظيم دون الرفيع الشريف. وكذلك الكريم دون السخي، والخالق البارىء المصؤر دون الفاعل الصانع المشكل، والغفور العفو دون الصفوح الساتر. وكذلك سائر أسمائه تعالى يجري على نفسه منها أكملها وأحسنها وما لا يقوم غيره مقامه، فتأمل ذلك فأسماؤه أحسن الأسماء، كما أن صفاته أكمل الصفات، فلا نعدل عما سمي به نفسه إلى غيره، كما لا تتجاوز ما وصف به نفسه ووصفه به رسوله إلى ما وصفه به المبطلون والمعطلون.

التاسع عشر: أن من أسمائه الحسنى ما يكون دالًا على عدة صفات ويكون ذلك الاسم متناولًا لجميعها تناول الاسم الدال على الصفة الواحدة لها كما. تقدم بيانه، كاسمه العظيم والمجيد والصمد كما قال ابن عباس فيما رواه عنه ابن أبي حاتم في تفسيره: الصمد السيد الذي قد كمل في سؤدده، والشريف الذي قد كمل في شرفه، والعظيم الذي قد كمل في عظمته. والحليم الذي قد كمل في حلمه. والعليم الذي قد كمل في علمه. والحكيم الذي قد كمل في حكمته وهو الذي قد كمل في أنواع شرفه وسؤدده وهو الله سبحانه. هذه صفته لا تنبغي إلا له ليس له كفوًا أحد وليس كمثله شيء سبحان الله الواحد القهار هذا لفظه.

وهذا مما خفي على كثير ممن تعاطى الكلام في تفسير الأسماء الحسنى. ففسر الاسم بدون معناه، ونقصه من حيث لا يعلم، فمن لم يحط بهذا علمًا بخس الاسم الأعظم حقه وهضمه معناه فتدبره.

العشرون: وهي الجامعة لما تقدم من الوجوه، وهو معرفة الإلحاد في أسمائه حتى لا يقع فيه. قال تعالى: { ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون } [278] والإلحاد في أسمائه هو العدول بها وبحقائقها ومعانيها عن الحق الثابت لها، وهو مأخوذ من الميل كما يدل عليه مادته ل ح د. فمنه اللحد وهو الشق في جانب القبر الذي قد مال عن الوسط. ومنه الملحد في الدين المائل عن الحق إلى الباطل. قال ابن السكيت: الملحد المائل عن الحق المدخل فيه ما ليس منه. ومنه الملتحد: وهو مفتعل من ذلك. وقوله تعالى: { ولن تجد من دونه ملتحدًا } [279] أي من تعدل إليه، وتهرب إليه، وتلتجىء إليه وتبتهل إليه فتميل إليه عن غيره. تقول العرب: التحد فلان إلى فلان إذا عدل إليه.

(أنواع الإلحاد في أسمائه تعالى)

إذا عرف هذا. فالإلحاد في أسمائه تعالى أنواع:

أحدها: أن يسمي الأصنام بها كتسمتيهم اللات من الإلهية والعزى من العزيز وتسميتهم الصنم إلهًا، وهذا إلحاد حقيقة فإنهم عدلوا بأسمائه إلى أوثانهم وآلهتهم الباطلة.

الثاني: تسميته بما لا يليق بجلاله كتسمية النصارى له أبا وتسمية الفلاسفة له موجبًا بذاته أو علة فاعلة بالطبع ونحو ذلك.

وثالثها: وصفه بما يتعالى عنه، ويتقدس من النقائص كقول أخبث اليهود أنه فقير. وقولهم: إنه استراح بعد أن خلق خلقه.

وقولهم: { يد الله مغلولة }، [280] وأمثال ذلك مما هو إلحاد في أسمائه وصفاته.

ورابعها: تعطيل الأسماء عن معانيها، وجحد حقائقها كقول من يقول من الجهمية وأتباعهم: أنها ألفاظ مجردة لا تتضمن صفات، ولا معاني فيطلقون عليه اسم السميع والبصير والحي والرحيم والمتكلم والمريد، ويقولون: لا حياة له ولا سمع ولا بصر ولا كلام ولا إرادة تقوم به، وهذا من أعظم الإلحاد فيها عقلًا وشرعًا ولغة وفطرة وهو يقابل إلحاد المشركين. فإن أولئك أعطوا أسماءه وصفاته لآلهتهم وهؤلاء سلبوه صفات كماله وجحدوها وعطلوها فكلاهما ملحد في أسمائه.

ثم الجهمية وفروخهم متفاوتون في هذا الإلحاد فمنهم الغالي والمتوسط والمنكوب. وكل من جحد شيئًا عما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله فقد ألحد في ذلك فليستقل أو ليستكثر.

وخامسها: تشبيه صفاته بصفات خلقه تعالى الله عما يقول المشبهون علوًا كبيرًا. فهذا الإلحاد في مقابلة إلحاد المعطلة. فإن أولئك نفوا صفة كماله وجحدوها وهؤلاء شبهوها بصفات خلقه فجمعهم الإلحاد، وتفرقت بهم طرقه، وبرأ الله أتباع رسوله وورثته القائمين بسنته عن ذلك كله فلم يصفوه إلا بما وصف به نفسه، ولم يجحدوا صفاته ولم يشبهوها بصفات خلقه، ولم يعدلوا بها عما أنزلت عليه لفظًا ولا معنى. بل أثبتوا له الأسماء والصفات ونفوا عنه مشابهة المخلوقات. فكان إثباتهم بريًا من التشبيه، وتنزيههم خليًا من التعطيل لا كمن شبه حتى كأنه يعبد صنمًا أو عطل حتى كأنه لا يعبد إلا عدمًا.

وأهل السنة وسط في النحل كما أن أهل الإسلام وسط في الملل، توقد مصابيح معارفهم من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء. فنسأل الله تعالى أن يهدينا لنوره ويسهل لنا السبيل إلى الوصول إلى مرضاته ومتابعته رسوله إنه قريب مجيب.

فهذه عشرون فائدة مضافة إلى القاعدة التي بدأنا بها في أقسام ما يوصف به تبارك وتعالى فعليك بمعرفتها ومراعاتها ثم اشرح الأسماء الحسنى إن وجدت قلبًا عاقلًا ولسانًا قائلًا ومحلًا قابلًا وإلا فالسكوت أولى بك فجناب الربوبية أجل وأعز مما يخطر بالبال أو يعبر عنه المقال: { وفوق كل ذي علم عليم } [281] حتى ينتهى العلم إلى من أحاط بكل شيء علمًا. وعسى الله أن يعين بفضله على تعليق شرح الأسماء الحسنى مراعيًا فيه أحكام هذه القواعد بريئًا من الإلحاد في أسمائه، وتعطيل صفاته فهو المان بفضله والله ذو الفضل العظيم.

فائدة: المعنى المفرد لا يكون نعتا

المعنى المفرد لا يكون نعتًا ونعني بالمفرد ما دل لفظه على معنى واحد نحو: علم وقدرة، لأنه لأ رابط بينه وبين المنعوت، لأنه اسم جنس على حياله. فإذا قلت: ذو علم وذو قدرة. كان الرابط ذو. فإذا قلت: عالم وقادر. كان الرابط الضمير فكل نعت وإن كان مفردًا في لفظه فهو دال على معلومين: حامل ومحمول. فالحامل هو الاسم المضمر، والمحمول هو الصفة، وإنما أضمر في الصفة، ولم يضمر في المصدر وهو الصفة في الحقيقة لأن هذا الوصف مشتق من الفعل، والفعل هو الذي يضمر فيه دون المصدر، لأنه إنما صيغ من المصدر ليخبر به عن فاعل. فلا بد له مما صيغ لأجله، إما ظاهرًا وإما مضمرًا. ولا كذلك المصدر لأنه اسم جنس فحكمه حكم سائر الأجناس، ولذلك ينعت الاسم بالفعل لتحمله الضمير.

فإن قلت: فأيهما هو الأصل في باب النعت؟

قلت: الاسم أصل للفعل في باب النعت، والفعل أصل لذلك الاسم لي غير باب النعت، وإنما قلنا: ذلك لأن حكم النعت أن يكون جاريًا على المنعوت في إعرابه، لأنه هو مع زيادة معنى ولأن الفعل أصله أن يكون له صدر الكلام لعمله في الاسم. وحق العامل التقدم لا سيما إن قلنا إن العامل في النعت هو العامل في المنعوت. وعلى هذا لا يتصور أن يكون الفعل أصلًا في باب النعت، لأن عوامل الأسماء لا تعمل في الأفعال فعلى هذا لا ينبغي أن ينعت النعت. فتقول: مررت برجل عاقل كريم على أن يكون كريمًا صفة للعاقل، بل للرجل لأن النعت ينبىء عن الاسم المضمر وعن الصفة والمضمر لا ينعت، ولأنه قد صار بمنزلة الجملة من حيث دل على الفعل والفاعل والجملة لا تنعت ولأنه يجري مجرى الفعل في رفع الأسماء، والفعل لا ينعت قاله ابن جني. وبعد فلا يمتنع أن ينعت النعت، إذا جرى النعت الأول مجرى الاسم الجامد ولم يرد به ما هو جار على الفعل.

فصل: إقامة النعت مقام المنعوت

ولما علم من افتقاره إلى الضمير لا يجوز إقامة النعت مقام المنعوت لوجهين:

أحدهما: احتماله الضمير فإذا حذفت المنعوت لم يبق للضمير ما يعود عليه.

الثاني: عموم الصفة فلا بد من بيان الموصوف بها ما هو.

فإن أجريت الصفة مجرى الاسم مثل: جاءني الفقيه وجالست العالم، خرج عن الأصل الممتنع وصار كسائر الأسماء، وإن جئت بفعل يختص بنوع من الأسماء وأعملته في نوع يختص بذلك النوع، كان حذف المنعوت حسنًا، كقولك: أكلت طيبًا ولبست لينًا وركبت فارها ونحوه. أقمت طويلًا وسرت سريعًا، لأن الفعل يدل على المصدر والزمان فجاز حذف المنعوت ههنا لدلالة الفعل عليه.

وقريب منه قوله تعالى: { ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين } [282] لدلالة الذرية عليه الموصوف بالصفة.

وإن كان في كلامك حكم منوط بصفة اعتمد [283] الكلام على تلك واستغنى عن ذكر الموصوف كقولك: مؤمن خير من كافر، وغني أحظى من فقير، والمؤمن لا يفعل كذا، ولعنة الله على الظالمين، والمؤمن يأكل في معى واحد والكافر يأكل في سبعة أمعاء، وقولهم وأبيض كالمخراق.. البيت، وقول الآخر وأسمر خطي.. لأن الفخر والمدح إنما يتعلق بالصفة دون الموصوف. فمضمون هذا الفصل ينقسم خمسة أقسام:

نعت لا يجوز حذف منعوته كقولك لقيت سريعًا وركبت خفيفًا.

ونعت يجوز حذف منعوته على قبح نحو لقيت ضاحكًا ورأيت جاهلًا فجوازه لاختصاص الصفة بنوع واحد من الأسماء.

وقسم يستوي فيه الأمران: نحو أكلت طيبًا وركبت فارهًا ولبست لينًا وشربت عذبًا لاختصاص الفعل بنوع من المفعولات.

وقسم يقبح فيه ذكر الموصوف لكونه حشوًا في الكلام. نحو أكرم الشيخ ووقر العالم وارفق بالضعيف وارحم المسكين وأعط الفقير وأكرم البر وجانب الفاجر. ونظائره لتعليق الأحكام بالصفات واعتمادها عليها بالذكر.

وقسم لا يجوز فيه البتة ذكر الموصوف كقوله: دابة أبطح وأجرع. وأبرق للمكان وأسود للحية وأدهم للقيد وأخيل للطائر. فهذه في الأصول نعوت ولكنهم لا يجرونها نعتًا على منعوت فنقف عند ما وقفوا، ونترك القياس إذا تركوا.

فائدة بديعة: النعت السببي

إذا نعت الاسم بصفة هي لسببه ففيه ثلاثة أوجه.

أحدها: وهو الأصل أن تقول مررت برجل حسن أبوه بالرفع، لأن الحسن ليس صفة له فتجري عليه، وإنما ذكرت الجملة ليميز بها بين الرجل، وبين من ليس عنده أب كأبيه. فلما تميز بالجملة من غيره صارت في موضع النعت وتدرجوا من ذلك إلى أن قالوا: حسن أبوه بالجر وأجروه نعتًا على الأول وإن كان الأب من حيث تميز وتخصص كما يتخصص بصفة نفسه.

والوجه الثالث مررت برجل حسن الأب فيصير نعتًا للأول ويضمر فيه ما يعود عليه حتى كان الحسن له، وإنما فعلوا ذلك مبالغة وتقريبًا للنسب وحذفًا للمضاف وهو الأب وإقامة المضاف إليه مقامه وهو الهاء. فلما قام الضمير مقام الاسم المرفرع صار ضميرًا مرفوعًا فاستتر في الفعل فقلت برجل حسن، ثم أضفته إلى النسب الذي من أجله كان حسنًا وهو الأب ودخول الألف واللام على النسب، إنما هي لبيان الحسن. وهذا الوجه لا يجوز إلا في الموضع الذي يجوز فيه حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه، وذلك غير مطرد الجواز وإنما يجوز حيث يقصدون المبالغة تفخيم الأمر وإن بعد النسب كان الجواز أبعد كقولك: نابح الكلب وصاهل فرس العبد. وما امتنع في هذا الفصل فإنه يجوز في الفصل الذي قبله من حيث لم يقيموا فيه مضافًا مقام المضاف إليه.

وإنما حكمنا باختلاف المعاني في هذه الوجوه الثلاثة. من حيث اختلف اللفظ فيها، لأن الأصل أن لا يختلف لفظان إلا لاختلاف المعنى، ولا يحكم باتحاد المعنى مع اختلاف اللفظ إلا بدليل. فمعنى الوجه الأول تمييز الاسم من غيره بالجملة التي بعده. ومعنى الوجه الثاني تمييز الاسم من غيره مع انجرار الوصف إليه بمدح أو ذم. ومعنى الوجه الثالث نقل الصفة كلها إلى الأول على حذف المضاف مع تبيين السبب الذي صيره، كذلك وأكثر ما يكون هذا الوجه فيما قرب سببه جدًا. نحو عظيم القدر وشريف الأب، لأن شرف الأب شرف له، وكذلك القدر والوجه، وههنا يحسن حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه.

فائدة: اكتساب المضاف التعريف من المضاف إليه

إن قيل: لم اكتسب المضاف التعريف من المضاف إليه، ولم يكتسب المضاف إليه التنكير من المضاف وهو مقدم عليه في اللفظ، لا سيما والتنكير أصل في الأسماء والتعريف فرع عليه؟

قيل: الجواب من وجهين:

أحدهما: أنهم قد حكم غلبوا المعرفة على النكرة في غير هذا الموضع نحو هذا زيد ورجل ضاحكين على الحال، ولا يجوز ضاحكان على النعت تغليبًا لحكم المعرفة، لأنهم رأوا الاسم المعرفة يدل على معنيين الرجل وتعيينه، والشيء وتخصيصه من غيره، والنكرة لا تدل إلا على معنى مفرد فكان ما يدل على معنيين أقوى مما يدل على معنى واحد وهذا أصل نافع فحصله.

الثاني: أن المضاف إليه بمنزلة آلة التعريف فصار كالألف واللام. ألا ترى أنك إذا قلت: غلام زيد فهو بمنزلة قولك الغلام لمن تعرفه بذلك. وكذلك إذا قلت: كتاب سيبويه فهو بمنزلة قولك الكتاب، وكذلك إذا قلت: سلطان المسلمين فهو بمنزلة قولك السلطان فتعريفه باللام في أوله وتعريفه بالإضافة من آخره.

فإن قيل: فإذا اكتسب التعريف من المضاف إليه فكان ينبغي أن يعطي حكمه.

قيل: وإن استفاد منه التعريف لم يستفد منه خصوصية تعريفه، وإنما اكتسب منه تعريفًا آخر كما اكتسبه من لام التعريف. ألا ترى أنه إذا أضيف إلى المضمر لم يكتسب منه الإضمار، وإذا أضيف إلى المبهم لم يكتسب منه الإبهام، فلا الأول اقتبس من الثاني خصوصية تعريفه، ولا الثاني اقتبس من الأول تنكيره والمضاف إليه في ذلك كالآلة الداخلة على الاسم.

فائدة: تفسير الكلام

من كلام السهيلي: الكلام هو تعبير عما في نفس المتكلم من المعاني. فإذا أضمر ذلك المعنى في نفسه أي أخفاه، ودل المخاطب عليه بلفظ خاص، سمي ذلك اللفظ ضميرًا تسمية له باسم مدلوله. ولا يقال فكان ينبغي أن يسمي كل لفظ ضميرًا على ما ذكرتم، لأن هنا مراتب ثلاثة:

أحدها المعنى المضمر وهو حقيقة الرجل مثلا.

والثاني اللفظ المميز له عن غيره وهو زيد وعمرو.

والثالث: اللفظ المعبر عن هذا الاسم الذي إذا أطلق كان المراد به ذلك الاسم بخلاف قولك زيد وعمرو. فإنه ليس ثم إلا لفظ ومعنى فخصوا اسم الضمير بما ذكرناه. والمضمرات في كلامهم ستين ضميرًا وأحوالها معلومة، لكن ننبه على أسرارها من أحكام المضمرات.

اعلم أن المتكلم لما استغنى عن اسم الظاهر في حال الأخبار لدلالة المشاهدة عليه جعل مكانه لفظًا يومىء به إليه وذلك اللفظ مؤلف من همزة ونون. أما الهمزة فلأن مخرجها من الصدر وهو أقرب مواضع الصوت إلى المتكلم إذ المتكلم في الحقيقة محله وراء حبل الوريد. قال الله تعالى: { ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد }، [284] ألا تراه يقول: { ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد }، [285] يعني ما يلفظ المتكلم، فدل على أن المتكلم أقرب شيء إلى حبل الوريد، فإذا كان المتكلم على الحقيقة. محله هناك وأردت من الحروف ما يكون عبارة عنه. فأولاها بذلك ما كان مخرجه من جهته، وأقرب المواضع إلى محله وليس إلا الهمزة أو الهاء، والهمزة أحق بالمتكلم لقوتها بالجهر والشدة وضعف الهاء بالخفاء فكان ما هو أجهر أقوى وأولى بالتعبير عن اسم المتكلم الذي الكلام صفة له وهو أحق بالاتصاف به.

وأما تآلفها مع النون؛ فلما كانت الهمزة بانفرادها لا تكون اسمًا منفصلًا كان أولى ما وصلت به النون أو بحرف المد واللين إذ هي أمهات الزوائد. ولم يمكن حروف المد مع الهمزة لذهابها عند التقاء الساكنين نحو أنا الرجل فلو حذف الحرف الثاني لبقيت الهمزة في أكثر الكلام منفردة مع لام التعريف فتلتبس بالألف التي هي أخت اللام، فيختل أكثر الكلام، فكان أولى ما قرن به النون لقربها من حرف المد واللين ثم ثبتوا النون لخفائها بالألف في حال السكت، أو بهاء في لغة من قال: إنه.

ثم لما كان المخاطب مشاركًا للمتكلم في حال معنى الكلام، إذ الكلام مبدأه من المتكلم، ومنتهاه عند المخاطب، ولولا المخاطب ما كان كلام المتكلم لفظًا مسموعًا، ولا احتاج إلى التعبير عنه، فلما اشتركا في المقصود بالكلام وفائدته اشتركا في اللفظ الدال على الاسم الظاهر وهو الألف والنون، وفرق بينهما بالتاء خاصة، وخصت التاء بالمخاطب لثبوتها علامة الضمير في قمت، إلا أنها اسم، وفي أنت حرف.

فإن قلت: فهي علامة لضمير المتكلم في قمت فلم كان المخاطب أولى بها.

قلت: الأصل في التاء للمخاطب، وإنما المتكلم دخيل عليه، ولما كان دخيلًا عليه خصوه بالضم، لأن فيه من الجمع والإشارة إلى نفسه ما ليس في الفتحة، وخصوا المخاطب بالفتح، لأن في الفتحة من الإشارة إليه ما ليس في الضمة. وهذا معلوم في الحس.

وأما ضمير المتكلم المخفوض فإنما كان ياء، لأن الاسم الظاهر لما ترك لفظه استغناء ولم يكن بد من علامة دالة عليه كان أولى الحروف بذلك حرف من حروف الاسم المضمر وذلك لا يمكن لاختلاف أسماء المتكلمين، وإنما أرادوا علامة تختص بكل متكلم في حال الخفض والأسماء مختلفة الألفاظ متفقة في حال الإضافة إلى الياء في الكسرة التي هي علامة الخفض إلا أن الكسرة لا تستقل بنفسها حتى تمكن فتكون ياء، فجعلوا الياء علامة لكل متكلم مخفوض، ثم شركوا النصب مع الحفظ في علامة الإضمار لاستوائها في المعنى إلا أنهم زادوا نونًا في ضمير المنصوب وقاية للفعل من الكسر.

وأما ضمير المتكلم المتصل فعلامته التاء المضمومة. وأما المتكلمون فعلامتهم نافي الأحوال كلها.

وسره أنهم لما تركوا الاسم الظاهر وأرادوا من الحروف ما يكون علامة عليه أخذوا من الاسم الظاهر ما يشترك جميع المتكلمين فيه في حال الجمع والتثنية وهي النون التي في آخر اللفظ وهي موجودة في التثنية والجمع رفعًا ونصبًا وجرًا، فجعلوها علامة للمتكلمين جمعًا كانوا أو تثنية وزادوا بعدها ألفًا كيلا تشبه التنوين، أو النون الخفيفة. ولحكمة أخرى وهي القرب من لفظ أنا، لأنها من ضمير المتكلمين فإنها ضمير متكلم فلم يسقط من لفظة أنا إلا الهمزة التي هي أصل في المتكلم الواحد. وأما جمع المتكلم وتثنيته ففرع طار عن الأصل فلم تمكن فيه الهمزة التي تقدم اختصاصها بالمتكلم حتى خصت به في أفعل وخص المخاطب لتاء في تفعل لما ذكرناه.

وأما ضمير المرفوع المتصل فإنما خص بالتاء، لأنهم حين أرادوا حرفًا يكون علامة على الاسم الظاهر المستغنى عن ذكره كان أولى الحروف بذلك حرفًا من الاسم وهو مختلف كما تقدم، فأخذوا من الاسم ما لا تختلف الأسماء فيه في حال الرفع وهي الضمة. وهي لا تستقل بنفسها ما لم تكن واوًا، ثم رأوا الواو لا يمكن تعاقب الحركات عليها لثقلها وهم يحتاجون إلى الحركات في هذا الضمير فرقًا بين المتكلم والمخاطب المؤنث، والمخاطب المذكر فجعلوا التاء مكان الواو لقربها من مخرجها، ولأنها قد تبدل منها في كثير من الكلام كتراث وتجاه. فاشترك ضمير المتكلم والمخاطب في التاء، كما اشتركا في الألف والنون من أنا وأنت، لأنهما شريكان في الكلام لأن الكلام من حيث كان للمخاطب كان لفظًا، ومن حيث كان للمتكلم كان معنى، ثم وقع الفرق بين ضميريهما بالحركة دون الحروف لما تقدم.

وأما ضمير المخاطب نصبًا وجرًا فكان كافًا دون الياء، لأن الياء قد اختص بها المتكلم نصبًا وخفضًا فلو أمكنت فيه الحركات، أو وجد ما يقوم مقامها في البدل كما كانت التاء مع الواو اشترك المخاطب مع المتكلم في حال الخفض، كما اشترك معه في الباقي حال الرفع. فلما لم يمكن ذلك، ولم يكن بد من حروف تكون علامة إضمار كان الكاف أحق بهذا الموطن، لأن المخاطبين وإن اختلف أسماؤهم الظاهرة فكل واحد منهم متكلم ومقصود في الكلام الذي هواللفظ ومن أجله احتيج إلى التعبير بالألفاظ عما في النفس فجعل الكلام المبدوء بها في لفظ الكلام علامة إضمار المخاطب. ألا تراه لا يقع علامة إضمار له إلا بعد كلام كالفعل والفاعل نحو أكرمتك، لأنهما كلام والفعل وحده ليس كلامًا فلذلك لم تكن علامة الضمير كافًا إلا بعد كلام من فعل وفاعل أو مبتدأ وخبر.

فإن قيل: فالمتكلم أيضا هو صاحب الكلام فهو أحق بأن تكون الكاف المأخوذة من لفظ الكلام علامة للاسم.

قيل: الكاف لفظ فهي أحق بالمخاطب، لأن الكلام إنما لفظ به من أجله.

وأما ضمير الغائب المنفصل فهاء بعدها واو، لأن الغائب لما كان مذكورًا بالقلب واستغني عن اسمه الظاهر بتقدمه، كانت الهاء التي مخرجها من الصدر قريبًا من محل الذكر أولى بأن تكون عبارة على مذكور بالقلب، ولم تكن الهمزة لأنها مجهورة شديدة فكانت أولى بالمتكلم الذي هو أظهر، والهاء لخفائها أولى بالغائب الذي هو أخفى وأبطن، ثم وصلت بالواو لأنه لفظ يرمز به إلى المخاطب ليعلم ما في النفس من المذكور والرمز بالشفتين، والواو مخرجها من هناك فخصت بذلك.

ثم طردوا أصلهم في ضمير الغائب المنفرد فجعلوه في جميع أحواله هاء إلا في الرفع، وإنما فعلوا ذلك لأنهم رأوا الفرق بين الحالات واقعًا باختلاف حال الضمير، لأنه إذا دخل عليها حرف الجر كسرت الهاء وانقلبت واوه ياء، وإذا لم يدخل عليه بقي مضمومًا على أصله. وإذا كان في حال الرفع لم يكن له علامة في اللفظ، لأن الاسم الظاهر قبل الفعل علم ظاهر يغني المخاطب عن علامة إضمار في الفعل بخلاف المتكلم. والمخاطب لأنك تقول في الغائب: زيد قائم فتجد الاسم الذي يعود عليه الضمير موجودًا ظاهرًا في اللفظ. ولا تقول في المتكلم: زيد قمت، ولا في المخاطب زيد قمت. فلما اختلف أحوال الضمير الغائب لسقوط علامته في الرفع وتغير الهاء بدخول حروف الخفض قام ذلك عندهم مقام علامات الإعراب في الظاهر وما هو بمنزلتها في المضمر، كالتاء المبدلة من الواو والياء المثبتة والكسرة والكاف المختصة بالمفعول والمجرور الواقعين بعد الكلام التام، ولا يقع بعد الكلام إلا منصوب أو مجرور. فكانت الكاف المأخوذة من لفظ الكلام علامة على المنصوب والمجرور إذا كان مخاطبًا.

وأما نحن فضمير منفصل للمتكلمين تثنية وجمعًا وخصت بذلك لما لم يمكنهم التثنية والجمع في المتكلم المضمر، لأن حقيقة التثنية ضم شيء إلى مثله في اللفظ. والجمع ضم شيء إلى أكثر منه مما يماثله في اللفظ، فإذا قلت: زيدان فمعناه زيد وزيد. وأنتم معناه أنت وأنت وأنت، والمتكلم لا يمكنه أن يأتي باسم مثنى، أو مجموعًا في معناه لأنه لا يمكنه أن يقول: أنا فيضم إلى نفسه مثله في اللفظ. فلما عدم ذلك ولم يكن بد من لفظ يشير إلى ذلك المعنى وإن لم يكنه في الحقيقة جاءوا بكلمة تقع على الاثنين والجمع في هذا الموطن، ثم كانت الكلمة آخرها نون. وفي أولها إشارة إلى الأصل المتقدم الذي لم يمكنهم الإتيان به وهو تثنية أنا التي هي بمنزلة عطف اللفظ على مثله، فإذا لم يمكنهم ذلك في اللفظ مثنى كانت النون المكررة تنبيهًا عليه وتلويحًا عليه. وخصت النون بذلك دون الهمزة لما تقدم من اختصاص ضمير الجمع بالنون وضمير المتكلم بالهمزة، ثم جعلوا بين النون حاء ساكنة لقربها من مخرج الألف الموجودة في ضمير المتكلم قبل النون وبعدها، ثم بنوها على الضم دون الفتح والكسر، إشارة إلى أنه ضمير مرفوع وشاهده ما قلناه في الباب من دلالة الحروف المقطعة على المعاني والرمز بها إليها وقوع ذلك في منثور كلامهم ومنظومه. فمنه: * قلت لها قفي، قالت قاف * ومنه: ألاتا، فيقول الآخر: ألافا؛ يعني ألا ترتحل، فيقول: ألا فارحل. ومنه:

بالخير خيرات وإن شرا فا ** ولا أريد الشر إلا أن تا

وكقولهم مهيم في ما هذا يا امرؤ. وأيش في أي شيء. وم الله في أيمن الله.

ومن هذا الباب حروف التهجي في أوائل السور.

وقد رأيت لابن فورك نحو من هذا في اسم الله. قال: الحكمة في وجود الألف في أوله أنها من أقصى مخارج الصوت قريبًا من القلب الذي هو محل المعرفة إليه، ثم الهاء في آخره مخرجها من هناك أيضا، لأن المبتدأ منه والمعاد إليه، والإعادة أهون من الابتداء. وكذلك لفظ الهاء أهون من لفظ الهمزة هذا معنى كلامه. فلم يقل ما قلناه في المضمرات إلا اقتضابًا من أصول أئمة النحاة واستنباطًا من قواعد اللغة.

فتأمل هذه الأسرار ولا يزهدنك فيها نبو طباغ أكثر الناس عنها، واستغناؤهم بظاهر من الحياة الدنيا عن الفكر فيها، والتنبيه عليها. فإني لم أفحص عن هذه الأسرار وخفي التعليل في الظواهر والإضمار إلا قصد التفكر، والاعتبار في حكمة من خلق الإنسان وعلمه البيان، فمتى لاح لك من هذه الأسرار سر، وكشف لك عن مكنونها فكر فاشكر الواهب للنعمى وقل: رب زدني علمًا.

فائدة بديعة: اسم الإشارة

الاسم من هذا الذال وحدها دون الألف على أصح القولين، بدليل سقوط الألف في التثنية والمؤنث. وخصت الذال بهذا الاسم، لأنها الخارج من طرف اللسان والمبهم مشار إليه، فالمتكلم يشير نحوه بلفظه أو بيده، ويشير مع ذلك بلسانه، فإن الجوارح خدم القلب فإذا ذهب القلب إلى شيء ذهابًا معقولًا. ذهبت الجوارح نحوه ذهابًا محسوسًا.

والعمدة في الإشارة في مواطن التخاطب على اللسان، ولا يمكن إشارته إلا بحرف يكون مخرجه من عذبة اللسان التي هي آلة الإشارة دون سائر أجزائه. فأما الذال أو التاء فالتاء مهموسة رخوة، فالمجهور أو الشديد من الحروف أولى منها للبيان والذال مجهورة فخصت بالإشارة إلى المذكر، وخصت التاء بالإشارة إلى المؤنث لأجل الفرق. وكانت التاء به أولى لهمسها وضعف المؤنث، ولأنها قد ثبتت علامة التأنيث في غير هذا الباب، ثم بينوا حركة الذال بالألف كما فعلوا في النون من أنا، وربما شركوا المؤنث مع المذكر في الذال فاكتفوا بالكسرة فرقًا بينهما، وربما اكتفوا بمجرد لفظ التاء في الفرق بينهما، وربما جمعوا بين لفظ التاء والكسرة حرصًا على البيان.

وأما في المؤنث الغائب فلا بد من التاء مع الكسرة، لأنه أحوج إلى البيان لدلالة المشاهدة على الخاطر ققول: تيك، وربما زادوا اللام توكيدًا كما زادوها في المذكر الغائب إلا أنهم سكنوها في المؤنث لئلا تتوالى الكسرات مع التاء وذلك ثقيل عليهم. وكانت اللام أولى بهذا الموطن حين أرادوا الإشارة إلى البعيد فكثرت الحروف حين كثرت مسافة هذه الإشارة. وقللوها حين قلت لأن اللام قد وجدت في كلامهم توكيدًا. وهذا الموطن موطن توكيد وقد وجدت بمعنى الإضافة للشيء، وهذا الموطن شبيه بها، لأنك إذا أومأت إلى الغائب بالاسم المبهم فأنت مشير إلى من يخاطب ويقبل عليه لينظر إلى من تشير، إما بالعين وإما بالقلب. وكذلك جئت بكاف الخطاب فكأنك تقول له: لك أقول ولك أرمز بهذا الاسم ففي اللام طرف من هذا المعنى كما كان ذلك في الكاف، وكما لم يكن الكاف ههنا اسمًا مضمرًا لم يكن اللام حرف جر، وإنما كل منهما طرف من المعنى دون جميعه فلذلك خلعوا من المكان معنى الاسمية، وأبقوا فيها معنى الخطاب واللام كذلك، إنما اجتلبت لطرف من معناها الذي وضعت له في باب الإضافة.

وأما دخول هاء التنبيه، فلأن المخاطب يحتاج إلى تنبيه على الاسم الذي يشير به إليه، لأن للإشارة قرائن حال يحتاج إلى أن ينظر إليها. فالمتكلم كأنه آمر له بالإلتفات إلى المشار إليه، أو منبه له. فلذلك اختص هذا الموطن بالتنبيه وقلما يتكلمون به في المبهم الغائب، لأن كاف الخطاب يغني عنها مع أن المخاطب مأمور بالإلتفات بلحظه إلى المبهم الحاضر. فكان التنبيه في أول الكلام أولى بهذا الموطن، لأنه بمنزلة الأمر الذي له صدر الكلام.

وعندي أن حرف التنبيه بمنزلة حرف النداء. وسائر حروف المعاني لا يجوز أن تعمل معانيها في الأحوال، ولا في الظروف كما لا يعمل معنى الاستفهام والنفي في هل وما في ذلك. ولا نعلم حرفًا يعمل معناه في الحال والظرف إلا كان وحدها على أنها فعل، فدع عنك ما شعبوا به في مسائل الحال في هذا الباب من قولهم: هذا قائمًا زيد وقائمًا. هذا زيد فإنه لا يصلح من ذلك إلا تأخير الحال عن الاسم الذي هو ذا، لأن العامل فيها معنى الإشارة دون معنى التنبيه وكلاهما معنوي.

فإن قيل: لم جاز أن يعمل فيه معنى الإشارة دون معنى التنبيه وكلاهما معنوي.

قيل: معنى الإشارة يدل عليه قرائن الأحوال من الإيماء باللحظ واللفظ من طرف اللسان، وهيئة المتكلم. فقامت تلك الدلالة مقام التصريح بلفظ الإشارة، لأن الدال على المعنى إما لفظ، وإما إشارة وإما لحظ فقد جرت الإشارة مجرى اللفظ فلتعمل فيما عمل فيه اللفظ، وإن لم تقو قوته في جميع أحكام العمل.

وأصح من هذا أن يقال معنى الإشارة ليس هو العامل إذ الاسم الذي هو هذا ليس بمشتق من أشار يشير. ولو جاز أن تعمل أسماء الإشارة لجاز أن تعمل علامات الإضمار، لأنها أيضا إيماء وإشارة إلى مذكور. وإنما العامل فعل مضمر تقديره انظر، وأضمر لدلالة الحال عليه من التوجه واللفظ. وقد قالوا لمن الدار مفتوحًا بابها، فأعملوا في الحال معنى انظر وابصر، ودل عليه التوجه من المتكلم بوجهه نحوها وكذلك هذا بعلي شيخًا وهو قوي في الدلالة لاجتماع اللفظ مع التوجه. وإذا ثبت هذا فلا سبيل إلى تقديم الحال، لأن العامل المعنوي (لا يعمل) حتى يدل عليه الدليل اللفظي أو التوجه، أو ما شاكله.

فائدة: العامل في النعت

العامل في النعت هو العامل في المنعوت. وكان سيبوبه إلى هذا ذهب حين منع أن يجمع بين نعتين للاسمين إذا اتفق إعرابهما، واختلف عاملاهما نحو جاء زيد وهذا عمرو العاقلان.

وذهب قوم إلى أن العامل في النعت معنوي وهو كونه في معنى الاسم المنعوت، فإنما ارتفع أو انتصب من حيث كان هو الأول في المعنى. لا من حيث كان الفعل عاملًا فيه. وكيف يعمل فيه وهو لا يدل عليه. إنما يدل على فاعل، أو مفعول، أو مصدر دلالة واحدة من جهة اللفظ.

وأما الظروف فمن دليل آخر. قال السهيلي: وإلى هذا أذهب. وليس فيه نقض لما منعه سيبويه من النجاح بين نعتي الاسمين المتفقين في الإعراب. إذا اختلف العامل فيهما، لأن العامل في النعت وإن كان هو المنعوت فلولا العامل في المنعوت لما صح رفع النعت، ولا نصبه فكان الفعل هو العامل في النعت فامتنع اشتراك عاملين في معمول واحد. وإن لم يكونا عاملين فيه في الحقيقة، ولكنهما عاملان فيما هو في المعنى.

وإنما قوي عندنا هذا القول الثاني لوجوه. منها امتناع تقديم النعت على المنعوت ولو كان الفعل عاملًا فيه لما امتنع أن يليه معموله كما يليه المعمول تارة، والفاعل أخرى، وكما يليه الحال والظرف. ولا يصح أن يليه ما عمل فيه غيره، لو قلت: قام زيدًا ضارب، تريد ضارب زيدًا أو ضربت عمرًا رجلًا ضاربًا. تريد ضربت رجلًا ضاربًا عمر. لم يجز فلا يلي العامل إلا ما عمل فيه، فكذلك لا يلي كان إلا ما عملت فيه، ولذلك تقول خبر: إن المرفوع ليس بمعمول، لأن وإنما هو على أصله في باب المبتدإ والخبر ولولا ذلك لجاز أن يليها، وإنما وليها إذا كان مجرورًا، لأنها ممنوعة من العمل فيه بدخول حرف الجر، مع أن المجرور رتبته التأخير فلم يبالوا بتقديمه في اللفظ إذ كان موضه التأخير، ولأن المجرور ليس هو بخبر على الحقيقة، وإنما هو متعلق بالخبر والخبر منوي في موضعه أعني بعد الاسم المنصوب بإن.

فإن قيل: ولعل امتناع النعت من التقديم على المنعوت إنما هو من أجل الضمير الذي فيه، والمضمر حقه أن يترتب بعد الاسم الظاهر.

قلنا: هذا ليس بمانع، لأن خبر المبتدأ حامل للضمير ويجوز تقديمه ورب مضمر يجوز تقديمه على الظاهر إذا كان موضعه التأخير.

فإن قيل: ولعل امتناع تقديم النعت، إنما وجب من أجل أنه تبيين للمنعوت وتكملة لفائدته فصار كالصلة مع الموصول.

قلنا: هذا باطل، لأن الاسم المنعوت يستقل به الكلام ولا يفتقر إلى النعت افتقار الموصول إلى الصلة.

ومما يبين لك أن الفعل العامل في الاسم لا يعمل في نعته إذ النعت صفة للمنعوت لازمة له قبل وجود الفعل وبعده فلا تأثير للفعل فيه ولا تسلط له عليه، وإنما التأثير فيه للاسم المنعوت إذ بسببه يرفع وينصب. وإن لم يجز أن تكون الأسماء عوامل في الحقيقة. وهذا بخلاف الحال، لأنها وإن كانت صفة كالنعت وفيها ضمير يعود إلى الاسم فإنها ليست بصفة لازمة للاسم كالنعت، وإنما هي صفة للاسم في حيز وجود الفعل خاصة. فالفعل بها أولى من الاسم فعمل فيه دونه. فلما عمل فيها جاز تقديمها عليه نحو ضاحكًا جاء زيد وجاء ضاحكًا زيد. وتأخيرها بعد الفاعل، لأنها كالمفعول يعمل الفعل فيها والنعت بخلاف هذا كله.

وسنبين بعد هذا إن شاء الله فصلًا عجيبًا في أن الفعل لا يعمل بنفسه إلا بثلاثة أشياء الفاعل، والمفعول به، والمصدر، أو ما هو صفة لأجل هذه الثلاثة في حيز وقوع الفعل ويخرج من هذا الفصل ظرفًا المكان والزمان والنعوت والإبدال والتوكيدات وجميع الأسماء المعمول فيها، ونقيم هنالك البراهين القاطعة على صحة هذه الدعوى.

فائدة بديعة: حق النكرة إذا جاءت بعدها الصفة

حق النكرة إذا جاءت بعدها الصفة أن تكون جارية عليها ليتفق اللفظ، وأما نصب الصفة على الحال فيضعف عندهم لاختلاف اللفظ من غير ضرورة. ورد بعض محققي النحاة هذا القول بالقياس والسماع. قال: أما القياس، فكما جاز أن يختلف المعنى في نعت المعرفة والحال، كما إذا قلت: جاء زيد الكاتب وكاتبًا بينهما من الفرق ما تراه فما المانع من الاختلاف؟ كذلك في النكرة. إذا قلت: مررت برجل كاتب أو كاتبًا، لأن الحاجة قد تدعو إلى الحال من النكرة، كما تدعو إلى الحال من المعرفة ولا فرق. وأما السماع فأكثر من أن يحصر فمنه وصلى خلفه رجال قيامًا. وأما نحو وقع أمر فجأة فحال من مصدر وقع لا من أمر، وكذلك أقبل رجل مشيًا. حال من الإقبال.

وهذا صحيح، ولكن الأكثر ما قاله النحاة إيثارًا لاتفاق اللفظ ولتقارب ما بين المعنيين في النكرة، ولتباعد ما بينهما في المعرفة، لأن الصفة في النكرة مجهولة عند المخاطب حالًا كانت أو نعتًا وهي في المعرفة بخلاف ذلك، ولو كانت الحال من النكرة ممتنعة لأجل تنكيرها لما اتفقت العرب على صحتها حالًا إذا تقدمت عليها كما أنشده سيبويه: * لمية موحشًا طلل * وقوله:

وتحت العوالي والقنا مستكنة ** ظباء أعارتها العيون الجآذر

قإن قيل: حمل سيبويه وغيره على أن جعلوا موحشًا حالًا من طلل، وقائمًا حالًا من قولك فيها قائمًا رجل وهو لا يقول بقول الأخفش: إن رجلًا وطللًا فاعل بالإستقرار الذي تعلق به الجار. فلو قال بهذا القول كان عذرًا له في جعلها حالًا منه، ولكن الاسم النكرة عنده مبتدأ وخبره في المجرور قبله، ولا بد في خبر المبتدأ من ضمير يعود على المبتدأ تقدم الخبر، أو تأخر فلم لا تكون هذه الحال من ذلك الضمير ولا تكون من النكرة. وما الذي دعاهم إلى هذا؟

قيل: هذا سؤال حسن جدًا يجب التقصي عنه والاعتناء به. فقد كع عند أكثر الشارحين للكتاب والمؤلفين في هذا الباب، وما رأيت أحدًا منهم أشار فيه إلى جواب مقنع وأكثرهم لم ينتبه للسؤال ولا تعرض له.

والذي أقوله وبان التوفيق: أن هذه المسألة في النحو بمنزلة مسائل الدور في الفقه، ونضرب فيه مثالًا فنقول: رجل شهد مع آخر في عبد أنه حر فعتق العبد وقبلت شهادته، ثم شهد ذلك الرجل مرة أخرى فأريد تجريحه فشهد العبد المعتق فيه بالجرحة، فإن قبلت شهادته ثبت جرح الشاهد وبطل العتق، وإذا بطل العتق سقطت الشهادة. وإن سقطت شهادته لم يصح جرح الشاهد، ودارت المسألة هكذا، وكل فرع يؤول إلى إسقاط أصله فهو أولى أن يسقط في نفسه، وكذلك مسألة هذا الفصل. فإنك إن جعلت الحال من قولك فيها قائمًا رجل من الضمير لم يصح تقدير المضمر إلا مع تقدير فعل يتضمنه، ولا يصح تقدير فعل بعده مبتدأ، لأن معنى الابتداء يبطل ويصير المبتدأ فاعلًا، وإذا صار فاعلًا بطل أن يكون في الفعل ضمير لتقدم الفعل على الفاعل، وإذا بطل وجود الضمير بطل وجود الحال منه وهذا بديع في النظر.

فإن قيل: إن المجرور ينوي به التأخير، لأن خبر المبتدأ حقه أن يكون مؤخرًا.

قيل: وإذا نويت به التأخير لم يصح وجود الحال مقدمة على المبتدأ لأنها لا تتقدم على عاملها إذا كان معنويًا فبطل كون الحال من شيء غير الاسم النكرة الذي هو مبتدأ عند سيبويه، وفاعل عند الأخفش، وهذا السؤال لا يلزم الأخفش على مذهبه، وإنما يلزم سيبويه ومن قال بقوله، ولولا الوحشة من مخالفة الإمام أبي بشر لنصرت قول الأخفش نصرًا مؤزرًا وجلوت مذهبه في منصب التحقيق مفسرًا، ولكن النفس إلى مذهب سيبويه أميل. هذا كلام الفاضل وهو كما ترى كأنه سيل ينحط من صبب.

قلت: والكلام معه في ثلاث مقامات: أحدها: ثحقيق مذهب الأخفش في أن قولك في الدار رجل ارتفاع رجل بالظرف لا بالابتداء. والمقام الثاني أن الحال من النكرة يمتنع أن يكون. حالًا من الضمير في الظرف: والمقام الثالث: الكلام فيما ذكره من الدور في المسألة النحوية وإنه ليس مطابقًا للدور في المسألة الفقهية.

فأما المقام الأول: فاعلم أن الأخفش مذهبه إذا تقدم الظر ف على الاسم المرفوع نحو قي الدار زيد. كان مرفوعًا ارتفاع الفاعل بفعله ومذهبه أيضا، أن المبتدأ إذا كان نكرة لا يسو غ الابتداء به إلا بتقديم الخبر عليه وجب تقديمه عليه نحو: في الدار رجل. تقديم الظرف عنده واجب وجوب تقديم الخبر على المبتدأ به وعلى هذا فلا ضمير في الظرف بحال لو كان مذهبه أن المسألتين سواء في أن الاسم مرفوع بالظرف لم يلزم سببويه أن يقول بقوله حتى يجعل الحال من النكرة، وذلك أن قولك: في الدار رجل ليس في الظرف ضمير فإنه ليس بمشتق، ولا يتحمل ضميرًا بوجه أقصى ما يقال: إن عامله وهو الاستقرار يتضمن الضمير وهذا لا يقتضي رجوع حكم الضمير إلى الظرف حتى ينصب عنه الحال، فإنه ليس واقعًا موقعه، ولا بدل من اللفظ به،. ألا ترى أنك لو صرحت بالعامل لم نستغن عن الظرف، فلو قلت: زيد مستقر، لم تستغن عن قولك في الدار. فعلم أنه إنما حذف حذفًا مستقرًا لمكان العلم به، وليس الظرف نائبًا عنه ولا واقعًا موقعه ليصح تحمله الضمير فتأمله فإنه من بديع النحو، وإذا كان كذلك فلا ضمير في الظرف فينصب عنه الحال بوجه فلم يبق معك ما يصح أن يكون صاحب الحال إلا تلك النكرة الموجودة فلهذا جعل الإمام أبو بشر وأئمة أصحابه الحال منها لا من غيرها.

وأما المقام الثاني: فاعلم أن الظرف إذا تقدم وقدرت فيه الضمير صار بمنزلة الفعل العامل. فإنه لا يتحمل الضمير إلا وهو بمنزلة الفعل أو ما أشبهه، وإذا صار بمنزلة الفعل وهو مقدم وجب أن يتجرد عن الضمير قضاء لحق التشبيه بالفعل وقيامه مقامه. فتعدي الضمير فيه ينافي تقديره.

فإن قيل: إنما قدرنا فيه الضمير الذي كان يستحقه وهو خبر فلما قدم وفيه ما يستحقه من الضمير، بخلاف ما إذا كان عاملا محضًا.

قيل: فهلا قدرت مثل هذا في زيد قام. إنه يجوز أن يقدم قام وتقول قام زيد ويكون مبتدأ وخبرًا فلما أجمع النحاة على امتناع ذلك وقالوا لا يجوز تقديم الخبر هنا لأنه لا يعرف هل المسألة من باب الابتداء والخبر أو من باب الفعل والفاعل. وكذلك ينبغي في نائب الفعل من الظرف سواء فتأمله.

وأما المقام الثالث وهو ما ذكره من الدور، فالدور أربعة أقسام دور حكمي. ودور علمي. ودور معي. ودور سبقي تقدمي.

فالحكمي توقف ثبوت حكمين كل منهما على الآخر من الجهة التي توقف الآخر منها. وأخص من هذه العبارة توقف كل من الحكمين على الآخر من جهة واحدة.

والدور العلمي توقف العلم بكل من المعلومين على العلم بالآخر.

والإضافي المعي تلازم شيئين في الوجود لا يكون أحدهما إلا مع الآخر.

والدور السبقي التقدمي توقف وجود كل واحد منهما على سبق الآخر له وهذا المحال.

والإضافي واقع. والدوران الآخران فيهما كلام ليس هذا موضعه.

وإذا عرف هذا فما ذكره في الصورتين الفقهية والنحوية ليس بدور إذ ليس فيه توقف كل من الشيئين في ثبوته على الآخر فإن قبول شهادة العبد موقوفة على قبول شهادة شاهد عتقه، وليس شهادة شاهد العتق موقوفة على شهادته، ولذلك تحمل الظرف للضمير موقوف على تقدير فعل يتضمنه، وتقدير الفعل غير موقوف على تحمل الظرف للضمير فتأمله.

وإنما هذا من باب ما يقتضي إثباته إلى إسقاطه فهو من باب الفروع التي لا تعود على أصولها بالإبطال. وإذا بطلت أصولها بطلت هي فهي موقوفة على صحة أصولها، وصحة أصولها لا تتوقف عليها، ولكن وجه الدور في هذا أنها لو أبطلت أصولها لتوقف صحة أصولها على عدم إفسادها لها وهي متوقفة على اقتضاء أصولها لها. فجاء الدور من هذا الوجه. وكذلك نظائره.

فائدة: النعت

النعت إذا كان تمييزًا للمنعوت مثبتًا له لم يقطع برفع ولا نصب، لأنه من تمامه وإن كان غير تمييز له، بل هي من أداة المدح له، أو الذم المحض شاع قطعه تكررت النعوت، أو لم تتكرر. وإنما يشترط تكرر النعوت إذا كانت للتمييز والتبيين فيحصل الاتباع ببعضها ويسوغ قطع الباقي فتفطن لهذه النكتة، والذي يدلك على ذاك قول سيبويه سمعت العرب يقولون: ( الحمد لله رب العالمين ) فسألت عنها يونس فزعم أنها عربية.

وفائدة القطع من الأول أنهم إذا أرادوا تجديد مدح، أو ذم جددوا الكلام، لأن تجديد غير اللفظ الأول دليل على تجدد المعنى، وكلما كثرت المعاني وتجدد المدح كان أبلغ.

فائدة بديعة: الشيء لا يعطف على نفسه

القاعدة أن الشيء لا يعطف على نفسه، لأن حروف العطف بمنزلة تكرار العامل لأنك إذا قلت: قام زيد وعمرو فهي بمعنى قام زيد وقام عمرو. والثاني غير الأول فإذا وجدت مثل قولهم كذبًا ومينًا فهو لمعنى زائد في اللفظ الثاني، وإن خفي عنك.

ولهذا يبعد جدًا أن يجيء في كلامهم جاءني عمر وأبو حفص ورضي الله عن أبي بكر وعتيقه، فإن الواو إنما تجمع بين الشيئين لا بين الشيء الواحد. فإذا كان في الاسم الثاني فائدة زائدة على معنى الاسم الأول كنت مخيرًا في العطف وتركه. فإن عطفت فمن حيث قصدت تعداد الصفات وهب متغايرة، وإن لم تعطف فمن حيث كان في كل منهما ضمير هو الأول فعلى الوجه الأول تقول: زيد فقيه شاعر كاتب. وعلى الثاني فقيه وشاعر وكاتب كأنك عطفت بالواو الكتابة على الشعر وحيث لم تعطف أتبعت الثاني الأول، لأنه هو هو من حيث اتحد الحامل للصفات.

وأما في أسماء الرب تبارك وتعالى فأكثر ما يجيء في القرآن بغير عطف نحو السميع العليم، العزيز الحكيم، الغفور الرحيم، الملك القدوس، السلام إلى آخرها وجاءت معطوفة في موضعين:

أحدهما في أربعة أسماء: وهي { الأول والآخر والظاهر والباطن }.

والثاني: في بعض الصفات بالاسم الموصول مثل قوله: { الذي خلق فسوى * والذي قدر فهدى * والذي أخرج المرعى }، [286] ونظيره: { الذي جعل لكم الأرض مهدا وجعل لكم فيها سبلا لعلكم تهتدون * والذي نزل من السماء ماء بقدر فأنشرنا به بلدة ميتا كذلك تخرجون * والذي خلق الأزواج }، [287] فأما ترك العطف في الغالب فلتناسب معاني تلك الأسماء وقرب بعضها من بعض وشعور الذهن بالثاني منها شعوره بالأول. ألا ترى أنك إذا شعرت بصفة المغفرة انتقل ذهنك منها إلى الرحمة، وكذلك إذا شعرت بصفة السمع انتقل الذهن إلى البصر وكذلك: { الخالق البارئ المصور }. [288]

وأما تلك الأسماء الأربعة فهي ألفاظ متباينة المعاني متضادة الحقائق في أصل موضوعها وهي متفقة المعاني متطابقة في حق الرب تعالى لا يبقى منها معنى بغيره. بل هو أول كما أنه آخر وظاهر كما أنه باطن. ولا يناقض بعضها بعضًا في حقه فكان دخول الواو صرفًا لوهم المخاطب قبل التفكر والنظر عن توهم المحال واحتمال الأضداد، لأن الشيء لا يكون ظاهرًا باطنًا من وجه واحد، وإنما يكون ذلك باعتبارين فكان العطف ههنا أحسن من تركه لهذه الحكمة هذا جواب السهيلي.

وأحسن منه أن يقال: لما كانت هذه الألفاظ دالة على معاني متباينة، وأن الكمال في الاتصاف بها على تباينها أتى بحرف العطف الدال على التغاير بين المعطوفات إيذانًا بأن هذه المعاني مع تباينها فهي ثابتة للموصوف بها.

ووجه آخر وهو أحسن منهما، وهو أن الواو تقتضي تحقيق الوصف المتقدم. وتقريره يكون في الكلام متضمنًا لنوع من التأكيد من مزيد التقرير. وبيان ذلك بمثال نذكره مرقاة إلى فهم ما نحن فيه، إذا كان لرجل مثلًا أربع صفات هو: عالم وجواد وشجاع وغني وكان المخاطب لا يعلم ذلك، أو لا يقربه ويعجب من اجتماع هذه الصفات في رجل، فإذا قلت: زيد عالم وكان ذهنه استبعد ذلك. فتقول: وجواد أي وهو مع ذلك جواد. فإذا قدرت استبعاده لذلك قلت: وشجاع أي وهو مع ذلك شجاع وغني فيكون في العطف مزيد تقرير وتوكيد لا يحصل بدونه تدرأ به توهم الإنكار.

وإذا عرفت هذا فالوهم قد يعتريه إنكار لاجتماع هذه المقابلات في موصوف واحد. فإذا قيل: هو الأول ربما سرى الوهم إلى أن كونه أولا يقتضي أن يكون الآخر غيره، لأن الأولية والآخرية من المتضايفات. وكذلك الظاهر والباطن إذا قيل: هو ظاهر ربما سرى الوهم إلى أن الباطن مقابله. فقطع هذا الوهم بحرف العطف الدال على أن الموصوف بالأولية هو الموصوف بالآخرية فكأنه قيل: هو الأول وهو الآخر وهو الظاهر وهو الباطن لا سواه، فتأمل ذلك فإنه من لطيف العربية ودقيقها.

والذي يوضح لك ذلك أنه إذا كان للبلد مثلًا قاض وخطيب وأمير فاجتمعت في رجل حسن أن تقول: زيد هو الخطيب والقاضي والأمير وكان للعطف هنا مزية ليست للنعت المجرد. فعطف الصفات ههنا أحسن قطعًا لوهم متوهم أن الخطيب غيره وأن الأمير غيره.

وأما قوله تعالى: { غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو } [289] فعطف في الاسمين الأولين دون الآخرين. فقال السهيلي: إنما حسن العطف بين الاسمين الأولين لكونهما من صفات الأفعال وفعله سبحانه في غيره، لا في نفسه. فدخل حرف العطف للمغايرة الصحيحة بين المعنيين ولتنزلهما منزلة الجملتين، لأنه يريد تنبيه العياد على أنه يفعل هذا، ويفعل هذا ليرجوه ويؤملوه، ثم قال: { شديد العقاب } بغير واو، لأن الشدة راجعة إلى معنى القوة والقدرة وهو معنى خارج عن صفات الأفعال فصار بمنزلة قوله: { العزيز العليم }، [290] وكذلك قوله: { ذي الطول } لأن لفظ ذي عبارة عن ذاته.

هذا جوابه، وهو كما ترى غير شاف، ولا كاف. فإن شدة عقابه من صفات الأفعال. وطوله من صفات الأفعال، ولفظه ذي فيه لا تخرجه عن كونه صفة فعل كقوله: { عزيز ذو انتقام }، [291] بل لفظ الوصف بغافر وقابل أدل على الذات من الوصف بذي، لأنها بمعنى صاحب كذا. فالوصف المشتق أدل على الذات من الوصف بها فلم يشف جوابه، بل زاد السؤال سؤالًا.

فاعلم أن هذه الجملة مشثملة على ستة أسماء كل اثنين منها قسم. فابتدأها بالعزيز العليم وهما اسمان مطلقان، وصفتان من صفات ذاته، وهما مجردان على العاطف.

ثم ذكر بعدهما اسمين من صفات أفعاله، فأدخل بينهما العاطف، ثم ذكر اسمين آخرين بعدهما وجردهما من العاطف، فاما الأولان فتجردهما من العاطف لكونهما مفردين صفتين جاريتين على اسم الله وهما متلازمان. فتجريدهما عن العطف هو الأصل وهو موافق لبيان ما في الكتاب العزيز من ذلك، كالعزيز العليم، والسميع والبصير والغفور الرحيم.

وأما: { غافر الذنب وقابل التوب } فدخل العاطف بينهما، لأنهما في معنى الجملتين وإن كانا مفردين لفظًا فهما يعطيان معنى يغفر الذنب ويقبل التوب أي هذا شأنه ووصفه في كل وقت فأتى بالاسم الدال على أن وصفه ونعته المتضمن لمعنى الفعل الدال على أنه لا يزال يفعل ذلك فعطف أحدهما على الآخر على نحو عطف الجمل بعضها على بعض، ولا كذلك الاسمان الأولان، ولما لم يكن الفعل ملحوظًا في قوله: { شديد العقاب ذي الطول إذ لا يحسن وقوع الفعل فيهما وليس في لفظ ( ذي ) ما يصاغ منه فعل جرى مجرى المفردين من كل وجه، ولم يعطف أحدهما على الآخر كما لم يعطف في العزيز العليم، فتأمله فإنه واضح.

وأما العطف في قوله: { الذي خلق فسوى * والذي قدر فهدى } [292] فلما كان المقصود الثناء عليه بهذه الأفعال وهي جملة دخلت الواو عاطفة جملة على جملة وإن كانت الجملة مع الموصول في تقدير المفرد. فالفعل مراد مقصود، والعطف يصير كلًا منها جملة مستقلة مقصودة بالذكر بخلاف ما لو أتى بها في خبر موصول واحد فقيل: { الذي جعل لكم الأرض مهدا } و { نزل من السماء ماء } و { خلق الأزواج كلها } [293] كانت كلها في حكم جملة واحدة. فلما غاير بين الجمل بذكر الاسم الموصول مع كل جملة دل على أن المقصود وصفه بكل من هذه الجمل على حدتها وهذا قريب من باب قطع النعوت، والفائدة هنا كالفائدة ثم وقد تقدمت الإشارة إليها فراجعها، بل قطع النعوت. إنما كان لأجل هذه الفائدة فذلك المقدر في النعوت المقطوعة لهذا المحقق به وأنعم، فإنه ذو الطول والإحسان.

تتمة

تأمل كيف وقع الوصف بشديد العقاب بين صفتي رحمة قبله وصفة رحمة بعده. فقبله: { غافر الذنب وقابل التوب } وبعده: { ذي الطول }، [294] ففي هذا تصديق الحديث الصحيح وشاهد له وهو قوله ﷺ: «إن الله كتب كتابًا فهو موضوع عنده فوق العرش إن رحمتي تغلب غضبي»، وفي لفظ: «سبقت غضبي»، وقد سبقت صفتا الرحمة هنا وغلبت.

وتأمل كيف افتتح الآية بقوله: { تنزيل الكتاب } [295] والتنزيل يستلزم علو المنزل من عنده لا تعقل العرب من لغتها. بل ولا غيرها من الأمم السليمة الفطرة إلا ذلك. وقد أخبر أن تنزيل الكتاب منه. فهذا يدل على شيئين: أحدهما: علوه تعالى على خلقه. والثاني: أنه هو المتكلم بالكتاب المنزل من عنده لا غيره. فإنه أخبر أنه منه. وهذا يقتضي أن يكون منه قولًا كما أنه منه تنزيلًا فإن غيره. لو كان هو ا لمتكلم به لكان الكتاب من ذلك الغير فإن الكلام، إنما يضاف إلى المتكلم به.

ومثل هذا: { ولكن حق القول مني }، [296] ومثله: { قل نزله روح القدس من ربك }، [297] ومثله: { تنزيل من حكيم حميد } [298] فاستمسك بحرف من في هذه المواضع فإنه يقطع حجج شعب المعتزلة والجهمية.

وتأمل كيف قال تعالى: { تنزيل من ولم يقل تنزيله فتضمنت الآية إثبات علوه وكلامه وثبوت الرسالة ثم قال: { العزيز العليم } [299] فتضمن هذان الإسمان صفتي القدرة والعلم وخلق أعمال العباد وحدوث كل ما سوى الله لأن القدرة هي قدرة الله كما قال أحمد بن حنبل فتضمنمت إثبات القدر، ولأن عزته تمنع أن يكون في ملكه ما لا يشاؤه، أو أن يشاء ما لا يكون فكان عزته تبطل ذلك. وكذلك كمال قدرته توجب أن يكون خالق كل شيء. وذلك ينفي أن يكون في العالم شيء قديم لا يتعلق به خلقه، لأن كمال قدرته وعزته يبطل ذلك.

ثم قال تعالى: غافر الذنب وقابل التوب، والذنب مخالفة شرعه وأمره، فتضمن هذان الإسمان إثبات شرعه وإحسانه وفضله، ثم قال: شديد العقاب، وهذا جزاؤه للمذنبين وذو الطول جزاؤه للمحسنين فتضمنت الثواب والعقاب.

ثم قال تعالى: { لا إله إلا هو إليه المصير }، [300] فتضمن ذلك التوحيد والمعاد.

فتضمنت الآيتان إثبات صفة العلو والكلام والقدرة والعلم والقدر وحدوث العالم والثواب والعقاب والتوحيد والمعاد. وتنزيل الكتاب منه على لسان رسوله يتضمن الرسالة والنبوة، فهذه عشرة قواعد الإسلام والإيمان تجلي على سمعك في هذه الآية العظيمة، ولكن * خود تزف إلى ضرير مقعد *

فهل خطر ببالك قط أن هذه الآية تتضمن هذه العلوم والمعارف مع كثرة قراءتك لها، وسماعك إياها. وهكذا سائر آيات القرآن، فما أشدها من حسرة وأعظمها من غبنة على من أفنى أوقاته في طلب العلم، ثم يخرج من الدنيا، وما فهم حقائق القرآن، ولا باشر قلبه أسراره ومعانيه. فالله المستعان.

فائدة جليلة: تقدير العامل في المعطوف

العامل في المعطوف مقدر في معنى المعطوف عليه، وحرف العطف أغنى عن إعادته وناب منابه، وإنما قلنا ذلك للقياس والسماع.

أما القياس فإن ما بعد حرف العطف لا يعمل فيه ما قبله، ولا يتعلق به إلا في باب المفعول معه، لأنه قد أخذ معموله ولا يقتضي ما بعد حرف العطف، ولا يصح تسليطه عليه بوجه فلا تقول: ضربت وعمرًا. فكيف يقال: إن عاملًا يعمل في شيء فلا يصح مباشرته إياه، وأيضا فالنعت هو المنعوت في المعنى ولا واسطة بينه، وبين المنعوت، ومع ذلك فلا يعمل فيه ما يعمل في المنعوت على القول الذي نصرناه سالفًا وهو الصحيح، فكيف بالمعطوف الذي هو غير المعطوف عليه من كل وجه.

وأما السماع فإظهار العامل قبل المعطوف في مثل قوله:

بل بنو النجار إن لنا ** فيهم قتلى وإن تره

يريد: لنا فيهم قتلى وترة، وهذا مطرد في سائر حروف العطف ما لم يمنع مانع كما منع في المعطوف على اسم لا يصح انفراده عنه نحو: اختصم زيد وعمرو، وجلست بين زيد وعمرو. فإن الواو هنا تجمع بين الاسمين في العالم. فكأنك قلت: اختصم هذان واجتمع الرجلان في قولك: اجتمع زيد وعمرو. ومعرفة هذه الواو أصل يبنى عليه فروع كثيرة فمنها. أنك تقول: رأيت الذي قام زيد وأخوه، على أن تكون الواو جامعة وإن كانت عاطفة لم يجز، لأن التقدير يصير قام زيد وقام أخوه فخلت الصلة من العائد. ومنها قوله سبحانه: { وجمع الشمس والقمر } [301] غلب المذكر على المؤنث لاجتماعهما، ولو قلت طلع الشمر والقمر لقبح ذلك، كما يقبح قام هند وزيد إلا أن تريد الواو الجامعة لا العاطفة، وأما في الآية فلا بد أن تكون الواو جامعة، ولفظ الفعل يقتضي ذلك.

وأما الفاء فهي موضوعة للتعقيب وقد تكون للتسبيب والترتيب وهما راجعان إلى معنى التعقيب، لأن الثاني بعدهما أبدًا. إنما يجيء في عقب الأول، فالسبب نحو ضربته فبكى. والترتيب: { أهلكناها فجاءها بأسنا } [302] دخلت الفاء لترتيب اللفظ، لأن الهلاك يجب تقديمه في الذكر لأن الاهتمام به أولى وإن كان مجيء البأس قبله في الوجود. ومن هذا:

إن من ساد، ثم ساد أبوه ** ثم قد ساد بعد ذلك جده

دخلت "ثم" لترتيب الكلام لا لترتيب المعنى في الوجود، وهذا معنى قول بعض النحاة: إنها تأتي للترتيب في الخبر لا في المخبر.

وعندي في الآية تقديران آخران أحسن من هذا:

أحدهما: أن يكون المراد بالإهلاك إرادة الهلاك. وعبر بالفعل عن الإرادة وهو كثير فترتب مجيء البأس على الإرادة ترتب المراد على الإرادة.

والثاني: وهو ألطف أن يكون الترتيب ترتيب تفصيل على جملة. فذكر الإهلاك ثم فصله بنوعين أحدهما مجيء البأس بياتًا أي ليلًا. والثاني: مجيئه وقت القائلة، وخص هذين الوقتين، لأنهما وقت راحتهم وطمأنيتهم، فجاءهم بأس الله أسكن ما كانوا وأروحه في وقت طمأنينتهم وسكونهم على عادته سبحانه في أخذ الظالم في وقت بلوغ آماله وكرمه وفرحه وركونه إلى ما هو فيه. وكذلك قوله تعالى: { حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا }. [303] والمقصود أن الترتيب هنا، ترتيب التفصيل على الجمل وهو ترتيب علمي لا خارجي، فإن الذهن يشعر بالشيء جملة أولًا، ثم يطلب تفصيله بعد ذلك. وأما في الخارج فلم يقع إلا مفصلًا، فتأمل هذا الموضع الذي خفي على كثير من الناس حتي ظن أن الترتيب في الآية كترتيب الأخبار. أي: إنا أخبرناكم بهذا قبل هذا.

وأما قوله تعالى: { فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم } [304] فعلى ما ذكرنا من التعبير عن إرادة الفعل بالفعل هذا هو المشهور.

وفيه وجه ألطف من هذا، وهو أن العرب تعبر بالفعل عن ابتداء الشروع فيه تارة، وتعبر عن انتهائه تارة، فيقولون: فعلت عند الشروع، وفعلت عند الفراغ وهذا استعمال حقيقي وعلى هذا فيكون معنى قرأت في الآية ابتداء الفعل أي إذا شرعت وأخذت في القراءة فاستعذ فالاستعاذة مرتبة على الشروع الذي هو مبادىء الفعل ومقدمته وطليعته. ومنه قوله: فصلى الصبح حتى طلع الفجر أي أخذ في الصلاة عند طلوعه.

وأما قوله: ثم صلاها من الغد بعد أن أسفر. فالصحيح أن المراد به الابتداء وقالت طالفة: المراد الانتهاء منهم السهيلي وغلطوا في ذلك، والحديث صريح في أنه قدمها في اليوم الأول، وأخرها في اليوم الثاني ليبين أول الوقت وآخره.

وقوله في حديث جبريل: صلى الظهر حين زالت الشمس هذا ابتداؤها ليس إلا.

وقوله: صلى العصر حين صار ظل كل شيء مثله، فذلك مراد به الابتداء.

وأما قوله: وصلى الظهر من الغد حين صار ظل الرجل مثله، فقيل: المراد به الفراغ منها أي فرغ منها في هذا الوقت، وقيل: المراد به الابتداء أي أخرها إلى هذا الوقت بيانًا لا آخر الوقت وعلى هذا. فتمسك به أصحاب مالك في مسألة الوقت المشترك والكلام في هذه المسائل ليس هذا موضعه.

فصل: حتى

وأما حتى فموضوعة للدلالة على أن ما بعدها غاية لما قبلها، وغاية كل شيء حده. وذلك كان لفظها كلفظ الحد فإنها حاء قبل تاءين. كما أن الحد حاء قبل دالين والدال كالتاء في المخرج والصفة إلا في الجهر فكانت لجهرها أولى بالاسم لقوته. والتاء لهمسها أولى بالحرف لضفه ومن حيث كانت حتى كانت للغاية خفضوا بها كما يخفضون بإلى التي للغاية والفرق بينهما أن حتى غاية لما قبلها وهو منه وما بعد إلى ليس مما قبلها بل عنده انتهى من قبل الحرف، ولذلك فارقتها في أكثر أحكامها ولم تكن إلى عاطفة لانقطاع ما بعدها عما قبلها بخلاف حتى. ومن ثم دخلت حتى في حروف. العطف ولم يجز دخولها على المضمر المخفوض. إذا كانت خافضة لا تقول قام القوم حتاك، كما لا تقول قاموا وك، ومن حيث كانت ما بعدها غاية لما قبلها لم يجز في العطف قام زيد حتى عمرو، ولا أكلت خبزًا حتى تمرًا، لأن الثاني ليس بحد للأول ولا ظرف.

تنبيه

ليس المراد من كون حتى لانتهاء الغاية وإن ما بعدها ظرفًا. أن يكون متأخرًا في الفعل عما قبلها، فإذا قلت: مات الناس حتى الأنبياء، وقدم الحاج حتى المشاه لم يلزم تأخر موت الأنبياء عن الناس، وتأخر قدوم المشاة عن الحاج.

ولهذا قال بعض الناس: إن حتى مثل الواو لا تخالفها إلا في شيئين. أحدهما: أن يكون المعطوف من قبيل المعطوف عليه فلا تقول: قدم الناس حتى الخيل بخلاف الواو. الثاني: أن تخالفه بقوة أو ضعف أو كثرة أو قلة، وأما أن يفهم منها الغاية والحد فلا والذي حمله على ذلك ما تقدم من المثالين، ولكن فاته أن يعلم المراد بكون ما بعدها غاية وظرفًا. فاعلم أن المراد به أن يكون غاية في المعطوف عليه لا في الفعل. فإنه يجب أن يخالفه في الأشد والأضعف والقلة والكثرة. وإذا فهمت هذا، فالأنبياء غاية للناس في الشرف والفضل، والمشاة غاية للحجاج في الضعف والعجز وأنت إذا قلت: أكلت السمكة حتى رأسها. فالرأس غاية لانتهاء السمكة، وليس المراد أن غاية أكلك كان الرأس فلا يجوز أن يتقدم أكلك للرأس.. وهذا مما أغفله كثير من النحويين لم ينبهوا عليه.

فائدة: أو للدلالة على أحد الشيئين

"أو" وضعت للدلالة على أحد الشيئين المذكورين معها ولذلك وقعت في الخبر المشكوك فيه من حيث كان الشك ترددًا بين أمرين من غير ترجيح لأحدهما على الآخر لا أنها وضعت للشك. فقد تكون في الخبر الذي لا شك فيه. إذا أبهمت على المخاطب ولم تقصد أن تبين له كقوله سبحانه: { إلى مائة ألف أو يزيدون }. [305] أي أنهم من الكثرة بحيث يقال فيهم: هم مائة ألف أو يزيدون. فأو على بابها دالة على أحد الشيئين. إما مائة ألف بمجردها وإما مائة ألف مع زيادة. والمخبر في كل هذا لا يشك.

وقوله: { فهي كالحجارة أو أشد قسوة }، [306] ذهب في هذه الزجاج كالتي في قوله: { أو كصيب من السماء }، [307] إلى أنها أو التي للإباحة أي أبيح للمخاطبين أن يشبهوا بهذا أو هذا، وهذا فاسد، فإن أو لم توضع للإباحة في شيء من الكلام، ولكنها على بابها. أما قوله: { أو كصيب من السماء } فإنه تعالى ذكر مثلين مضروبين للمنافقين في حالتين مختلفتين. فهم لا يخلون من أحد الحالتين فأو على بابها من الدلالة على أحد المعنيين. وهذا كما تقول: زيد لا يخلو أن يكون في المسجد، أو الدار ذكرت، أو لأنك أردت أحد الشيئين. وتأمل الآية بما قبلها وافهم المراد منها تجد الأمر كما ذكرت لك، وليس المعنى ابحت لكم أن تشبهوهم بهذا وهذا.

وأما قوله: فهي كالحجارة أو أشد قسوة فإنه ذكر قلوبًا ولم يذكر قلبًا واحدًا. فهي على الجملة قاسية أو على التعيين لا تخلو من أحد أمرين: إما أن تكون كالحجارة. وإما أن تكون أشد قسوة. ومنها ما هو كالحجارة ومنها ما هو أشد قسوة منها، ومن هذا قول الشاعر:

فقلت لهم ثنتان لا بد منهما ** صدور رماح أشرعت أو سلاسل

أي لا بد منهما في الجملة، ثم فصل الاثنين بالرماح والسلاسل فبعضهم له الرماح قتلًا، وبعضهم له السلاسل أسرًا. فهذا على التفصيل والتعيين. والأول على الجملة فالأمران واقعان جملة، وتفصيلهما بما بعد أو. وقد يجوز في قوله تعالى: أو أشد قسوة مثل أن يكون مائة ألف، أو يزيدون.

وأما أو التي للتخيير فالأمر فيها ظاهر.

وأما "أو" التي زعموا أنها للإباحة نحو جالس مر الذي هو للإباحة ويدل على هذا أن القائلين بأنها للإباحة يلزمهم أن يقولوا إنها للوجوب إذا دخلت بين شيئين لا بد من أحدهما نحو قولك للمكفر أطعم عشرة مساكين، أو اكسهم، فالوجوب هنا لم يوجد من "أو" وإنما اخذ من الأمر. فكذا جالس الحسن أو ابن سيرين.

فصل: لكن

وأما لكن فقال السهيلي: أصح القولين فيها أنها مركبة من لا وإن وكاف الخطاب في قول الكوفيين. قال السهيلي: وما أراها إلا كاف التشبيه، لأن المعنى يدل عليها. إذا قلت: ذهب زيد، لكن عمرو مقيم تريد لا ينتقل عمرو فلا لتوكيد النفي عن الأول. وإن لإيجاب الفعل الثاني وهو النفي عن الأول، لأنك ذكرت الذاهب الذي هو ضده فدل على انتفائه به.

قلت: وفي هذا من التعسف والبعد عن اللغة والمعنى ما لا يخفى وأي حاجة إلى هذا، بل هي حرف شرط موضوع للمعنى المفهوم منها، ولا تقع إلا بين كلامين متنافيين.

ومن هنا قال: إنها ركبت من لا والكاف وإن، إلا أنهم لما حذفوا الهمزة المذكورة كسروا الكاف إشعارًا بها، ولا بد بعدها من جملة، إذا كان الكلام قبلها موجبًا شددت نونها، أو خففت فإن كان ما قبلها منفيًا اكتفيت بالاسم المفرد بعدها، إذا خففت النون منها لعلم المخاطب أنه لا يضاد النفي إلا الإيجاب فلما اكتفيت باسم مفرد وكانت إذا خففت نونها لا تعمل مطيرت كحروف العطف فألحقوها بها، لأنهم حين استغنوا عن خبرها بما تقدم من الدلالة كان إجراء ما بعدها على ما قبلها أولى وأحرى ليتفق اللفظ كما اتفق المعنى.

فإن قيل: أليس مضادة النفي للوجوب بمثابة مضادة الوجوب للنفي. وهي في كل حال لا تقع إلا بين كلامين متضادين. فلم قالوا: ما قام زيد، لكن قام عمرو، اكتفاء بدلالة النفي على نقيضه وهو الوجوب، ولم يقولوا: قام زيد لكن قام عمرو، اكتفاء بدلالة الوجوب على نقيضه من النفي.

قيل: إن الفعل الموجب قد تكون له معان تضاده وتناقض وجوده، كالعلم. فإنه يناقض وجود الشك والظن والغفلة والموت، وأخص أضداده به الجهل. فلو قلت: قد علمت الخبر، لكن زيد لم يدر ما أضفت إلى زيدًا ظن أو شك أم غفلة أم جهل؟ فلم يكن بد من جملة قائمة بنفسها لعلم ما تريد، فإذا تقدم النفي نحو قولك ما علمت الخبر لكن زيد اكتفى باسم واحد لعلم المخاطب أنه لا يضاد نفي العلم إلا وجوده، لأن النفي مشتمل على جمبع أضداده المنافية للعلم.

فإن قيل: فام إذا خففت وجب الغاؤها بخلاف أن وإن وكأن فإنه يجوز فيها الوجهان مع التخفيف، كما قال: * كأن ظبية تَعطُو إلى وارِق السَّلَم *

قيل: زعم الفارسي أن القياس فيهن كلهن الإلغاء إذا خففن. فلذلك ألزموا لكن إذا خففت الإلغاء تنبيهًا على أن ذلك هو الأصل في جميع الباب. وهذا القول مع ما يلزم عليه من الضعف والوهن ينكسر عليه بأخواتها. فيقال له: فلم خصت، لكن بذلك دون إن وإن ولا جواب له عن هذا.

قال السهيلي: وإنما الجواب عن ذلك أنها لما ركبت من لا وإن، ثم حذفت الهمزة اكتفاء بكسر الكاف بقي عمل أن لبقاء العلة الموجبة للعمل وهي فتح آخرها، وبذلك ضارعت الفعل. فلما حذفت النون المفتوحة وقد ذهبت الهمزة للتركيب ولم يبق إلا النون الساكنة وجب إبطال حكم العمل بذهاب طرفها وارتفاع علة المضارعة للفعل بخلاف أخواتها إذا خففن فإن معظم لفظها باق فجاز أن يبقى حكمها على أن الأستاذ أبا القاسم الرمان قد حكى رواية عن يونس أنه حكى الأعمال في لكن مع تخفيفها. وكان يستغرب هذه الرواية.

واعلم أن لكن لا تكون حرف عطف مع دخول الواو عليها، لأنه لا يجتمع حرفان من حروف العطف. فمتى رأيت حرفًا من حروف العطف مع الواو قالوا هي العاطفة دونه فمن ذلك. أما إذا قلت: إما زيد، وإما عمرو، وكذلك لا. إذا قلت: ما قام زيد ولا عمرو. ودخلت لا لتوكيد النفي. ولئلا يتوهم أن الواو جامعة، وإنك نفيت قيامهما في وقت واحد.

(فصل في لا العاطفة)

ولا تكون "لا" عاطفة إلا بعد إيجاب. وشرط آخر وهو أن يكون الكلام قبلها يتضمن بمفهوم الخطاب نفي الفعل عما بعدها. كقولك: جاءني رجل لا امرأة ورجل عالم لا رجل جاهل، ولو قلت: مررت برجل لا زيد لم يجز، وكذلك مررت برجل لا عاقل، لأنه ليس في مفهوم الكلام ما ينفي الفعل عن الثاني وهي لا تدخل إلا لتوكيد نفي. فإن أردت ذلك المعنى جئت بلفظ غير فتقول: مررت برجل غير زيد ورجل غير عالم، ولا تقول برجل غير امرأة ولا بطويل غير قصير، لأن في مفهوم الخطاب ما يغنيك عن مفهوم النفي الذي في غير وذلك المعنى الذي دل عليه المفهوم حتى قلت بطويل لا قصير.

وأما إذا كانا اسمين معرفين نحو مررت بزيد لا عمرو فجائز هنا. دخول غير لجمود الاسم العلم. فإنه ليس له مفهوم خطاب عند الأصوليين بخلاف الأسماء المشتقة، وما جرى مجراها كرجل. فإنه بمنزلة قولك ذكر ولذلك دل بمفهومه على انتقال الخبر عن المرأة ويجوز أيضا مررت بزيد لا عمرو لأنه اسم مخصوص بشخص وكأنه حين خصصته بالذكر نفيت المرور عن عمرو، ثم أكدت ذلك النفي بلا.

وأما الكلام المنفي فلا يعطف عليه بلا، لأن نفيك الفعل عن زيد إذا قلت ما قام زيد لا يفهم منه نفيه عن عمرو فيؤكد بلا.

فإن قلت: أكد بها النفي المتقدم.

قيل لك: وأي شيء يكون حينئذ إعراب عمرو وهو اسم مفرد ولم يدخل عليه عاطف يعطف على ما قبله. فهذا لا يجوز إلا أن تجعله مبتدأ وتأتي بخبر. فتقول: ما قام زيد لا عمرو هو القائم. وإما إن أردت تشريكهما في النفي فلا بد من الواو إما وحدها. وإما مع لا فلا تكون الواو عاطفة ومعها لا.

وأما قوله: { غير المغضوب عليهم ولا الضالين }، فإن معنى النفي موجود في غير.

فإن قيل: فهلا قال: لا المغضوب عليهم ولا الضالين.

قيل: في ذكر غير بيان للفضيلة للذين أنعم عليهم وتخصيص لنفي صفة الضلال والغضب عنهم، وأنهم الذين أنعم عليهم بالنبوة والهدى دون غيرهم، ولو قال لا المغضوب عليهم ولا الضالين، لم يكن في ذلك إلا تأكيد نفي إضافة الصراط إلى المغضوب عليهم. كما تقول: هذا غلام زيد لا عمرو. أكدت نفي الإضافة عن عمرو بخلاف قولك، هذا غلام الفقيه غير الفاسق، ولا الخبيث. وكأنك جمعت بين إضافة الغلام إلى الفقيه دون غيره. وهي نفي الصفة المذمومة عن الفقيه فافهمه.

فإن قيل: وأي شيء أكدت لا حتى أدخلت عليها الواو وقد قلت إنها لا تؤكد المنفي المتقدم، وإنما تؤكد نصبًا يدل عليه اختصاص الفعل الواجب بوصف ما كقولك: جاءني رجل عالم لا جاهل.

فالجواب أنك حين قلت: ما جاءني زيد، لم يدل الكلام على نفي المجيء عن عمرو كما تقدم. فلما عطفت بالواو دل الكلام على انتفاء الفعل عن عمرو كما انتفى عن الأول لقيام الواو مقام تكرار حرف النفي، فدخلت لا لتوكيد النفي عن الثاني.

فائدة بديعة: أم على ضربين

"أمْ" تكون على ضربين؛ متصلة وهي المعادلة لهمزة الاستفهام وإنما جعلوها معادلة للهمزة دون هل ومتى وكيف، لأن الهمزة هي أم الباب والسؤال بها استفهام بسيط مطلق غير مقيد بوقت ولا حال، والسؤال بغيرها استفهام مركب مقيد، إما بوقت كمتى، وإما بمكان كأين، وإما بحال نحو كيف، وإما بنسبة نحو هل زيد عندك. ولهذا لا يقال "كيف زيد أم عمرو"، ولا "أين زيد أم عمرو"، ولا "من زيد أم عمرو".

وأيضا فلأن الهمزة وأم يصطحبان كثيرًا كقوله تعالى: { سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم }، [308] ونحو قوله تعالى: { أأنتم أشد خلقًا أم السماء }. [309]

وأيضا فلأن اقتران أم بسائر أدوات النفي غير الهمزة يفسد معناها فإنك إذا قلت كيف زيد فأنت سائل عن حاله. فإذا قلت: أم عمرو كان خلفًا من الكلام، وكذلك إذا قلت: من عندك فأنت سائل عن تعيينه، فإذا قلت: أم عمرو فسد الكلام، وكذلك الباقي.

وأيضا فإنما عادلت الهمزة دون غيرها، لأن الهمزة من بين حروف الاستفهام تكون للتقرير والإثبات نحو ألم أحسن إليك. فإذا قلت: أعندك زيد أم عمرو فأنت مقر بأن أحدهما عنده، ومثبت لذلك، وطالب تعيينه فأتوا بالهمزة التي تكون للتقرير دون هل التي لا تكون لذلك، إنما يستقبل بها الاستفهام استقبالًا.

وسر المسألة أن أم هذه مشربة معنى أي. فإذا قلت: أزيد عندك أم عمرو كأنك قلت: أي هذين عندك. ولذلك تعين الجواب بأحدهما أو بنفيهما أو بإثباتهما، ولو قلت: نعم، أو لا. كان خلفًا من الكلام وهذا بخلاف أو فإنك إذا قلت أزيد عندك أو عمرو كنت سائلًا عن كون أحدهما عنده بخبر معين فكأنك قلت: أعندك أحدهما. فيتعين الجواب بنعم أو لا.

وتفصيل ذلك أن السؤال على أربع مراتب في هذا الباب الأول السؤال بالهمزة منفردة نحو أعندك شيء مما يحتاج إليه فتقول: نعم. فينتقل إلى المرتبة الثانية. فتقول: ما هو؟ فتقول: متاع، فينتقل إلى المرتبة الثالثة بأي فتقول: أي متاع؟ فتقول: ثياب فتنتقل إلى المرتبة الرابعة. فتقول: أكتان هي أم قطن أم صوف؟ وهذه أخص المراتب وأشدها طلبًا للتعيين فلا يحسن الجواب إلا بالتعيين وأشدها إبهامًا السؤال الأول لأنه لم يدع فيه أن عنده شيئًا، ثم الثاني أقل إبهامًا منه، لأن فيه ادعاء شيء عنده وطلب ماهيته، ثم الثالث أقل إبهامًا وهو السؤال بأي، لأن فيه طلب تعيين ما عرف حقيقته، ثم السؤال الرابع بأم أخص من ذلك كله، لأن فيه طلب تعيين فرد من أفراد قد عرفها وميزها. والثالث: إنما فيه تعيين جنس عن غيره.

ولا بد في أم هذه من ثلاثة أمور تكون بها متصلة:

أحدها: أن تعادل بهمزة الاستفهام.

الثاني: أن يكون السائل عنده علم أحدها دون تعيينه.

الثالث: أن لا يكون بعدها جملة من مبتدأ وخبر نحو قولك: أزيد عندك، أم عندك عمرو فقولك أم عندك عمرو. يقتضي أن تكون منفصلة بخلاف ما، إذا قلت: أزيد عندك أم عمرو فإذا وقعت الجملة بعدها فعلية لم تخرجها عن الاتصال نحو أعطيت زيدًا أم حرمته.

وسر ذلك كله أن السؤال قام عن تعيين أحد الأمرين أو للأمر. فإذا قلت: أزيد عندك أم عمرو كأنك قلت: أيهما عندك وإذا قلت: أزيد عندك؟ أم عندك عمر؟ وكان كل واحد منهما جملة مستقلة بنفسها، وإن سائل هل عنده زيد أو لا، ثم استأنفت سؤالا آخر هل عندك عمرو أم لا. فتأمله فإنه من دقيق النحو وفقهه، ولذلك سميت متصلة لاتصال ما بعدها بما قبلها وكونه كلامًا واحد.

وفي السؤال بها معادلة وتسوية، فأما المعادلة فهي بين الاسمين أو الفعلين، لأنك جعلت الثاني عديل الأول في وقوع الألف على الأول، وأم على الثاني. وأما التسوية فإن الشيئين المسؤول عن تعيين أحدهما مستويان في علم السائل وعلى هذا فقوله تعالى: { أأنتم أشد خلقًا أم السماء بناها }، هو على التقرير والتوبيخ والمعنى أي المخلوقين أشد خلقًا وأعظم. ومثله: { أهم خير أم قوم تبع }. [310]

فإن قيل: هذا ينقض ما أصلتموه فإنكم ادعيتم أنها إنما يسأل بها عن تعيين ما علم وقوعه، وهنا لا خير فيهم ولا في قوم تبع.

قيل: هذا لا ينقض ما ذكرناه، بل يشده ويقويه، فإن مثل هذا الكلام يخرج خطابًا على تقرير دعوى المخاطب وظنه أن هناك خيرًا، ثم يدعي أنه هو ذلك المفصل فيخرج الكلام معه والتقريع والتوبيخ على زعمه وظنه. أي ليس الأمر كما زعمتم، وهذا كما تعاقب شخصًا على ذنب لم يفعله مثله وتدعي أنك لا تعاقبه.

فتقول: أنت خير أم فلان؟ وقد عاقبته بهذا الذنب ولست خيرًا منه.

فصل: أم المنقطعة للإضراب

وأما أم التي للإضراب وهي المنقطعة فإنها قد تكون أم إضرابًا، ولكن ليس بمنزلة بل كما زعم بعضهم، ولكن إذا مضي كلامك على اليقين، ثم أدركك الشك مثل قولهم إنها لا بل أم شاء كأنك أضربت عن اليقين ورجعت إلى الاستفهام حين أدركك الشك.

ونظيره قول الزباء: * عسى الغوير أبؤسا * فتكلمت بعسى الغوير، ثم أدركها اليقين فختمت كلامها بحكم ما غلب على ظنها لا بحكم عسى، لأن عسى لا يكون خبرها اسمًا عن حدث فكأنها لما قالت: عسى الغوير قالته متوقعة شرًا تريد الإخبار بفعل مستقبل متوقع كما تقتضيه عسى، ثم هجم عليها اليقين فعدلت إلى الإخبار باسم حدث يقتضي جملة ثبوتية محققة. فكأنها قالت: أصار الغوير؟ أبؤسا؟ فابتدأت كلامها على الشك، ثم ختمته بما يقتضي اليقين والتحقيق.

فكذا أم إذا قلت: إنها لأبل ابتدأت كلامك باليقين والجزم، ثم أدركك الشك في أثنائه فاتيت بام الدالة على الشك فهو عكس طريقة عسى الغوير أبؤسا، ولذلك قدرت ببل لدلالتها على الاضراب، فإنك أضربت عن الخبر الأول إلى الاستفهام والشك. فإنك أخبرت أولا عما توهمت، ثم أدركك الشك فأضربت عن ذلك الإخبار. وإذا وقع بعد أم هذا الاسم المفرد فلا بد من تقدير مبتدأ محذوف وهمزة استفهام. فإذا قلت: إنها لا بل أم شاء كان تقديره لا بل أهي شاء وليس الثاني خبرًا ثبوتيًا كما توهمه بعضهم وهو من أقبح الغلط. والدليل عليه قوله تعالى: { أم له البنات ولكم البنون }. [311]، وقوله تعالى: { أم اتخذ مما يخلق بنات وأصفاكم بالبنين }، [312] وقوله تعالى: { أم لهم إله غير الله أم لهم سلم يستمعون فيه }، [313] { أم لكم سلطان مبين } [314] { أم خلقوا من غير شيء }، [315] فهذا ونحوه يدلك على أن الكلام بعدها استفهام محض وأنه لا يقدر ببل وحدها، ولا يقدر أيضا بالهمزة وحدها. إذ لو قدر بالهمزة وحدها لم يكن بينه وبين الأول علقة، لأن الأول خبر، وأم المقدرة بالهمزة وحدها لا تكون إلا بعد استفهام، فتأمله.

هذا شرح كلام التحاة وتقريره في هذا الحرف. والحق أن يقال: إنها على بابها، وأصلها الأول من المعادلة والاستفهام حيث وقعت وإن لم يكن قبلها أداة استفهام في اللفظ وتقديرها ببل. والهمزة خارج عن أصول اللغة والعربية فإن أم للاستفهام وبل للإضراب ويا بعد ما بينهما والحروف لا يقوم بعضها مقام بعض على أصح الطريقتين. وهي طريقة إمام الصناعة والمحققين من أتباعه. ولو قدر قيام بعضها مقام بعض فهو فيما تقارب معناهما كمعنى على وفي ومعنى إلى ومع. ونظائر ذلك، وأما في ما لا جامع بينهما فلا. ومن هنا كان زعم من زعم أن لا قد تأتي بمعنى الواو باطلًا لبعد ما بين معنيهما، وكذلك أو بمعنى الواو فأين معنى الجمع بين الشيئين إلى معنى الإثبات لأحدهما؟ وكذلك مسألتنا أين معنى أم من معنى بل، فاسمع الآن فقه المسألة وسرها:

اعلم أن ورود أم هذه على قسمين. أحدهما ما تقدمه استفهام صريح بالهمزة وحكمها ما تقدم وهو الأصل فيها والأخية التي يرجع إليها ما خرج عن ذلك كله. والثاني ورودها مبتدأة مجردة من استفهام لفظي سابق عليها نحو قوله تعالى: { أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبًا }، [316] وقوله تعالى: { أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون }، [317] وقوله: { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة }، [318] { أم لم يعرفوا رسولهم }، [319] { أم اتخذ مما يخلق بنات }، [320] { أم له البنات }، [321] { أم أنا خير من هذا الذي هو مهين } [322] { أم أنزلنا عليهم سلطانًا }، [323] وهو كثير جدًا تجد فيه أم مبتدأ بها ليس قبلها استفهام في اللفظ، وليس هذا استفهام استعلام بل تقريع وتوبيخ وإنكار. وليس بإخبار فهو إذًا متضمن لاستفهام سابق مدلول عليه بقوة الكلام وسياقه ودلت أم عليه لأنها لا تكون إلا بعد تقدم استفهام كأنه يقول: أيقولون صادق أم يقولون شاعر، وكذلك أم يقولون تقوله أي أتصدقونه أم تقولون تقوله. وكذلك: { أم حسبت أن أصحاب الكهف }، [324] أي أبلغك خبرهم أم حسبت أنهم كانوا من آياتنا عجبًا. وتأمل كيف تجد هذا المعنى باديًا على صفحات قوله تعالى: { ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين }، [325] كيف تجد المعنى: أحضَرَ أم كان من الغائبين. وهذا بظهر كل الظهور فيما إذا كان الذي دخلت عليه أم له ضد وقد حصل التردد بينهما، فإذا ذكر أحدهما استغنى به عن ذكر الآخر، لأن الضد يخطر بالقلب وهو عند شعوره بضده.

فإذا قلت: ما لي لا أرى زيدًا أم هو في الأموات كان المعنى الذي لا معنى للكلام سواه، أحي هو أم في الأموات؟ وكذلك قوله تعالى: { أم أنا خير من هذا الذي هو مهين } [326] معناه أهو خير مني أم أنا خير منه. وكذلك قوله تعالى: { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم }، [327] هو استفهام إنكار معادل لاستفهام مقدر في قوة الكلام، فإذا قلت: لم فعلت هذا أم حسبت أن لا أعاقبك؟ كان معناه أحسبت أن أعاقبك فأقدمت على العقوبة، أم حسبت أني لا أعاقبك فجهلتها.

وكذلك قوله: { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم }، [328] أي أحسبتم أن تدخلوا الجنة بغير جهاد فتكونوا جاهلين أم لم تحسبوا ذلك فتكونوا مفرطين. وكذلك إذا قلت: أم حسبت أن تنال العلم بغير جد واجتهاد معناه أحسبت أن تناله بالبطالة والهوينا؟ فأنت جاهل، أم لم تحسب ذلك؟ فأنت مفرط.

وكذلك: { أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات }، [329] أي أحسبوا هذا فهم مغترون أم لم يحسبوه فما لهم مقيمون على السيئات، وعلى هذا سائر ما يرد عليك من هذا الباب.

وتأمل كيف يذكر سبحانه القسم الذي يظنونه ويزعمونه فينكره عليهم وإنه مما لا ينبغي أن يكون ويترك ذكر القسم الآخر الذي لا يذهبون إليه. فتردد الكلام بين قسمين فيصرح بإنكار أحدهما وهو الذي سيق لإنكاره، ويكتفي منه بذكر الآخر. وهذه طريقة بديعة عجيبة في القرآن نذكرها في باب الأمثال وغيرها، وهي من باب الاكتفاء عن غير الأهم بذكر الأهم لدلالته عليه. فأحدهما مذكور صريحًا والآخر ضمنًا. ولذلك أمثلة في القرآن يحذف منها الشيء للعلم بموضعه.

فمنها قوله تعالى: { وإذ قلنا }، [330] { وإذ نجيناكم }، [331] { وإذ فرقنا }، [332] وإذ فعلنا وهو كثير جدًا بواو العطف من غير ذكر عامل يعمل في إذ، لأن الكلام في سياق تعداد النعم وتكرار الأقاصيص فيشير بالواو العاطفة إليها كانها مذكورة في اللفظ لعلم المخاطب بالمراد. ولما خفي هذا على بعض ظاهرية النحاة قال: إن أو زائدة هنا، وليس كذلك.

ومن هذا الباب الواو المتضمنة معنى رب. فإنك تجدها في أول الكلام كثيرًا إشارة منهم إلى تعداد المذكور بعدها من فخر، أو مدح، أو غير ذلك. فهذه كلها معان مضمرة في النفس وهذه الحروف عاطفة عليها، وربما صرحوا بذلك المضمر كقول ابن مسعود: دع ما في نفسك وإن أفتوك عنه وأفتوك.

ومن هذا الباب حذف كثير من الجوابات في القرآن لدلالة الواو عليها لعلم المخاطب أن الواو عاطفة ولا يعطف بها إلا على شيء كقوله تعالى: { فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب }، [333] وكقوله تعالى: { حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها } [334] وهذا الباب واسع في اللغة.

فهذا ما في هذه المسألة، وكان قد وقع لي هذا بعينه أمام المقام بمكة وكان يجول في نفسي فأضرب عنه صفحًا، لأني لم أره في مباحث القوم، ثم رأيته بعد لفاضلين من النحاة. أحدهما حام حوله وما ورد ولا أعرف اسمه. والثاني أبو القاسم السهيلي رحمه الله فإنه كشفه وصرح به. وإذا لاحت الحقائق فكن أسعد الناس بها وإن جفاها الأغمار. والله الموفق للصواب.

فائدة بديعة: لا يجوز إضمار حرف العطف

لا يجوز إضمار حرف العطف خلافًا للفارسي ومن تبعه لأن الحروف أدلة على معان في نفس المتكلم فلو أضمرت لاحتاج المخاطب إلى وحي يسفر له عما في نفس مكلمه. وحكم حروف العطف في هذا حكم حروف النفي والتوكيد والترجي والتمني وغيرهم اللهم إلا أن حروف الاستفهام قد يسوغ إضمارها في بعض المواطن لأن للمستفهم هيئة تخالف هيئة المخبر وهذا على قلته.

فإن قيل: فكيف تصنعون بقول الشاعر:

كيف أصبحت كيف أمسيت مما يثبت الود في فؤاد الكريم

أليس على إضمار حرف العطف وأصله كيف أصبحت وكيف أمسيت؟

قيل: ليس كذلك، وليس حرف العطف مرادًا هنا البتة. ولو كان مرادًا لانتقض الغرض الذي أراده الشاعر، لأنه لم يرد انحصار الود في هاتين الكلمتين من غير مواظبة عليهما. بل أراد أن تكرار هاتين الكلمتين دائمًا يثبت المودة، ولولا حذف الواو لانحصر إثبات الود في هاتين الكلمتين من غير مواظبة ولا استمرار عليها، ولم يرد الشاعر ذلك، وإنما أراد أن يجعل أول الكلام ترجمة على سائر الباب يريد الاستمرار على هذا الكلام والمواظبة عليه. كما تقول: قرأت ألفًا بابا جمعت هذه الحروف ترجمة لسائر الباب وعنوانًا للغرض المقصود. ولو قلت قرأت ألفًا وباء لأشعرت بانقضاء المقروء حيث عطفت الباء على الألف دون ما بعدها، فكان مفهوم الخطاب أنك لم تقرأ غير هذين الحرفين.

وأحسن من هذا أن يقال: دخول الواو هنا يفسد المعنى، لأن المراد أن هذا اللفظ وحده يثبت الود وهذا وحده يثبته بحسب اللقاء فأيهما وجد مقتضيه وواظب عليه أثبت الود ولو أدخل الواو لكان لا يثبت الود إلا باللفظين معًا. ونظير هذا أن تقول: أطعم فلانًا شيئًا فيقول: ما أطعمه؟ فيقول: أطعمه تمرًا أقطا زبيبًا لحمًا، لم ترد جمع ذلك، بل أردت أطعمه واحدًا من هذه أيهما تسير. ومنه الحديث الصحيح المرفوع: «تصدق رجل من ديناره، من درهمه، من صاع بره»، ومنه قول عمر: صلى رجل في إزار ورداء في سراويل ورداء في تبان ورداء.. الحديث. يتعين ترك العطف في هذا كله لا المراد الجمع.

فإن قيل: فما تقولون: في قولهم أضرب زيدًا عمرًا خالدًا أليس على حذف الواو؟

قيل: ليس كذلك إذ لو كان على تقدير الواو لاختص الأمر بالمذكورين ولم يعدهم إلى سواهم، وإنما المراد الإشارة بهم إلى غيرهم. ومنه قولهم: بوبت الكتاب بابًا بابًا وقسمت المال درهمًا درهمًا وليس على إضمار حرف العطف ولو كان كذلك، لانحصر الأمر في درهمين وبابين.

وأما ما احتجوا به من قوله تعالى: { ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه }، [335] والذي دعاهم إلى ذلك أن جواب إذا هو قوله تعالى: { تولوا وأعينهم تفيض من الدمع } والمعنى، إذا أتوك ولم يكن عندك ما تحملهم عليه تولوا يبكون فيكون الواو في قلت مقدرة، لأنها معطوفة على فعل الشرط وهو أتوك هذا تقرير احتجاجهم ولا حجة فيه لأنه جواب إذا في قوله قلت لا أجد. والمعنى إذا أتوك لتحملهم لم يكن عندك ما تحملهم عليه فعبر عن هذا بقوله قلت: لا أجد ما أحملكم عليه لنكتة بديعة وهي الإشارة إلى تصديقهم له، وأنهم اكتفوا من علمهم بعدم الإمكان بمجرد إخباره لهم بقوله: { لا أجد ما أحملكم عليه } بخلاف ما لو قيل: لم يجدوا عندك ما تحهلهم عليه فإنه يكون تبيين حزنهم خارجًا عن إخباره. وكذلك لو قيل: لم تجد ما تحملهم عليه لم يؤد هذا المعنى فتأمله فإنه بديع.

فإن قيل: فبأي شيء يرتبط قوله: { تولوا وأعينهم تفيض }، وهذا عطف على ما قبله فإنه ليس بمستأنف.

فالجواب أن ترك العطف هنا من بديع الكلام لشدة ارتباطه بما قبله ووقوعه منه موقع التفسير حتى كأنه هو وتأمل مثل هذا في قوله تعالى: { أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم قال الكافرون إن هذا لساحر مبين }، [336] كيف لم يعطف فعل القول بأداة عطف لأنه كالتفسير لتعجبهم والبدل من قوله تعالى: { أكان للناس عجبًا }، فجرى مجرى قوله: { ومن يفعل ذلك يلق أثاما * يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا }، [337] فلما كان مضاعفة العذاب بدلًا وتفسيرًا لأثامًا لم يحسن عطفه عليه.

وزعم بعض الناس أن من هذا الباب قول عمر رضي الله عنه في الحديث الصحيح: لا يغرنك هذه التي أعجبها حسنها حب رسول الله ﷺ لها فقال: المعنى أعجبها حسنها وحب رسول الله ﷺ وليس الأمر كذلك، ولكن قوله: حب رسول الله ﷺ، بدل من قوله: هذه وهو من بدل الاشتمال والمعنى: لا يغرنك حب رسول الله ﷺ لهذه التي قد أعجبها حسنها. ولا عطف هناك، ولا حذف، وهذا واضح بحمد الله.

فائدة بديعة: كل لفظ دال على الإحاطة بالشيء وكأنه من لفظ الإكليل

"كل" لفظ دال على الإحاطة بالشيء وكأنه من لفظ الإكليل والكلالة والكلة مما هو في معنى الإحاطة بالشيء وسر اسم واحد في لفظه جمع في معناه ولو لم يكن معناه معنى الجمع لما جاز أن يؤكد به الجمع، لأن التوكيد تكرار للمؤكد فلا يكون إلا مثله إن كان جمعًا فجمع، وإن كان واحدًا فواحد.

وحقه أن يكون مضافًا إلى اسم منكر شائع في الجنس من حيث اقتضى الإحاطة، فإن أضفته إلى معرفة كقولك كل إخوتك ذاهب قبح إلا في الابتداء، لأنه إذا كان مبتدأ في هذا الموطن كان خبره بلفظ الإفراد تنبيهًا على أن أصله أن يضاف إلى نكرة، لأن النكرة شائعة في الجنس، وهو أيضا يطلب جنسًا يحيط به فأما أن تقول: كل واحد من إخوتك ذاهب فيدل إفراد الخبر على المعنى الذي هو الأصل وهو إضافته إلى اسم مفرد نكرة.

فإن لم تجعله مبتدأ وأضفته إلى جملة معرفة كقولك: رأيت كل إخوتك وضربت كل القوم لم يكن في الحسن بمنزلة ما قبله لأنك لم تضفه إلى جنس ولا معك في الكلام خبر مفرد يدل على معنى إضافته إلى جنس كما كان في قولهم كلهم ذاهب وكل القوم عاقل فإن أضفته إلى جنس معرف باللام نحو قوله تعالى: { فأخرجنا به من كل الثمرات } [338] حسن ذلك، لأن اللام للجنس لا للعهد، ولو كانت للعهد لقبح. كما إذا قلت: خذ من كل الثمرات التي عندك، لأنها إذا كانت جملة معرفة معهودة وأردت معنى الإحاطة فيها فالأحسن أن تأتي بالكلام على أصله فتؤكد المعرفة بكل فتقول: خذ من الثمرات التي عندك كلها، لأنك لم تضطر عن إخراجها عن التوكيد كما اضطررت في النكرة حين قلت: لقيت كل رجل، لأن النكرة لا تؤكد، وهي أيضا شائعة في الجنس كما تقدم.

فإن قيل: فإذا استوى الأمران كقولك كل من كل الثمرات وكل من الثمرات كلها. فلم اختص أحد النظمين بالقرآن في موضع دون موضع؟

قيل: هذا لا يلزم، لأن كل واحد منه فصيح، ولكن لا بد من فائدة في الاختصاص.

أما قوله تعالى: { فأخرجنا به من كل الثمرات }، [339] فمن ههنا لبيان الجنس لاللتبعيض والمجرور في موضع المفعول لا في موضع الظرف، وإنما تريد الثمرات نفسها إلا أنه أخرج منها شيئًا وأدخل من لبيان الجنس كله. ولو قال: أخرجنا به من الثمرات كلها لذهب الوهم إلى أن المجرور في موضع ظرف وأن مفعول أخرجنا فيما بعد، ولم يتوهم ذلك مع تقديم كل لعلم المخاطبين. أن كلًا إذا تقدمت تقتضي الإحاطة بالجنس. وإذا تأخرت وكانت توكيدًا اقتضت الإحاطة بالمؤكد خاصة جنسًا شائعًا كان أو معهودًا معروفًا.

وأما قوله تعالى: { كلي من كل الثمرات } [340] ولم يقل من الثمرات كلها ففيها الحكمة التي في الآية قبلها ومزيد فائدة. وهو أنه تقدمها في النظم قوله تعالى: { ومن ثمرات النخيل والأعناب }، [341] فلو قال بعدها: كلي من الثمرات كلها لذهب الوهم إلى أنه يريد الثمرات المذكورة قبل هذا. أعني ثمرات النخيل والأغاب، لأن اللام إنما تنصرف إلى المعهود. فكان الابتداء بكل أحصن للمعنى، وأجمع للجنس، وأرفع للبس، وأبدع في النظم فتأمله.

وإذا قطعت عن الإضافة وأخبر عنها فحقها أن تكون ابتداء ويكون خبرها جمعًا، ولا بد من مذكورين قبلها، لأنها إن لم تذكر قبلها جملة ولا أضيفت إلى جملة بطل معنى الإحاطة فيها ولم يعقل لها معنى، وإنما وجب أن يكون خبرها جمعًا لأنها اسم في معنى الجمع فتقول: كل ذاهبون إذا تقدم ذكر قوم، لأنك معتمد في المعنى عليهم. وإن كنت مخبرًا عن كل فصارت بمنزلة قولك الرهط ذاهبون والنفر منطلقون، لأن الرهط والنفر اسمان مفردان، ولكنهما في معنى الجمع. والشاهد لما بيناه قوله سبحانه: { كل في فلك يسبحون }، [342] { كل إلينا راجعون }، [343] { وكل كانوا ظالمين }، [344] وإن كانت مضافة إلى ما بعدها في اللفظ لم تجد خبرها إلا مفردًا للحكمة التي قدمتها قبل. وهي أن الأصل إضافتها إلى النكرة المفردة. فتقول: كل إخوتك ذاهب أي كل واحد منهم ذاهب ولم يلزم ذلك حين قطعتها عن الإضافة فقلت: كل ذاهبون، لأن اعتمادها إذا أفردت على المذكورين قبلها وعلى ما في معناها من معنى الجمع واعتمادها إذا أضفتها على الاسم المفرد إما لفظًا وإما تقديرًا كقوله ﷺ: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته»، ولم يقل راعون ومسؤولون. ومنه: «كلكم سيروي». ومنه قول عمر أوكلكم يجد ثوبين ولم يقل تجدون. ومثله قوله تعالى: { كل من عليها فان }، [345] وقال تعالى: { كل له قانتون }، [346] فجمع وقال تعالى: { إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا }. [347]

فإن قيل: فقد ورد في القرآن: { كل يعمل على شاكلته }، [348] { كل كذب الرسل } [349] وهذا يناقض ما أصلتم.

قيل: إن في هاتين الآيتين قرينة تقتضي تخصيص المعنى بهذا اللفظ دون غيره، أما قوله تعالى: { قل كل يعمل على شاكلته } فلأن قبلها ذكر فريقين مختلفين، ذكر مؤمنين وظالمين. فلو قال: يعملون وجميعهم في الإخبار عنهم لبطل معنى الاختلاف فكان لفظة الأفراد أدل على المعنى المراد. كأنه يقول: كل فهو يعمل على شاكلته.

وأما قوله: { كل كذب الرسل }، فلأنه ذكر قرونًا وأمما وختم ذكرهم بذكر قوم تبع. فلو قال: كل كذبوا. وكل إذا أفردت، إنما تعتمد على أقرب المذكورين إليها فكان يذهب الوهم إلى أن الإخبار عن قوم تبع خاصة بأنهم كذبوا الرسل فلما قال: { كل كذب } علم أنه يريد كل فريق منهم، لأن إفراد الخبر عن كل حيث وقع إنما يدل على هذا المعنى كما تقدم. ومثل: { كل آمن بالله }، [350].

وأما قولنا في كل إذا كانت مقطوعة عن الإضافة فحقها أن تكون مبتدأة، فإنما يريد أنها مبتدأة يخبر عنها، أو مبتدأة باللفظ منصوبة بفعل بعدها لا قبلها، أو مجرورة يتعلق خافضها بما بعد نحو: { وكلًا وعد الله الحسنى }، [351] وقول الشاعر: بكل تداوينا..

ويقبح تقديم الفعل العامل فيها إذا كانت مفردة كقولك: ضربت كلا ومررت بكل وإن لم يقبح كلا ضربت وبكل مررت من أجل أن تقديم العامل عليها يقطعها عن المذكور قبلها في اللفظ، لأن العامل اللفظي له صدر الكلام. وإذا قطعتها عما قبلها في اللفظ لم يكن لها شيء تعتمد عليه قبلها، ولا بعدها فقبح ذلك.

وأما إذا كان العامل معنويًا نحو كل ذاهبون، فليس بقاطع لها عما قبلها من المذكورين، لأنه لا وجود له في اللفظ. فإذا قلت: ضربت زيدًا وعمرًا وخالدًا وشتمت كلًا وضربت كلًا. لم يجز ولم يعد يخبر لما قدمناه.

إذا عرفت هذا فقولك كل إخوتك ضربت سواء رفعت، أو نصبت يقتضي وقوع الضرب بكل واحد منهم وإذا قلت: كل إخوتك ضربني يقتضي أيضا أن كل واحد واحد منهم ضربك. فلو قلت: كل إخوتي ضربوني وكل القوم جاؤوني احتمل ذلك، واحتمل أن يكونوا اجتمعوا في الضرب والمجيء، لأنك أخبرت عن جملتهم يخبر واقع عن الجملة بخلاف قولك، كل إخوانك جاءني فإنما هو إخبار عن كل واحد منهم وإن الإخبار بالمجيء عم جميعهم. فتأمل على هذا قوله تعالى: { قل كل يعمل على شاكلته } كيف أفرد الخبر، لأنه لم يرد اجتماعهم فيه. وقال تعالى: { كل إلينا راجعون }، [352] فجمع لما أريد الاجتماع في المجيء وهذا أحسن مما تقدم من الفرق فتأمله.

ولا يرد على هذا قوله تعالى: { وله من في السموات والأرض كل له قانتون } [353] بل هو تحقيق له وشاهد، لأن القنوت هنا هو العبودية العامة التي تشترك فيها أهل السموات والأرض لا يختص بها بعضهم عن بعض، ولا يختص بزمان دون زمان وهي عبودية القهر. فالقنوت هنا قنوت قهر وذل لا قنوت طاعة ومحبة، وهذا بخلاف قوله تعالى: { كل من عليها فان }، [354] فإنه أفرد لما لم يهجتمعوا في الفناء. ونظيره قوله ﷺ: «وكلكم مسؤول عن رعيته»، فإن الله يسأل كل راع راع بمفرده.

ومما جاء مجموعًا لاجتماع الخبر قوله تعالى: { كل في فلك يسبحون }، [355] وما أفرد لعدم اجتماع الخبر قوله تعالى: { كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد * وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة أولئك الأحزاب * إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب }، [356] فأفرد ما لم يجتمعوا في التكذيب.

ونظيره في سورة ق: { كل كذب الرسل فحق وعيد }، [357] وتأمل كيف كشف قناع هذا المعنى وأوضحه كل الإيضاح بقوله تعالى: { وكلهم آتيه يوم القيامة فردًا }. [358] كيف أفرد آتيه لما كان المقصود الإشارة إلى أنهم وإن أتوه جميعًا فكل واحد منهم منفرد عن كل فريق من صاحب أو قريب أو رفيق. بل هو وحده منفرد فكأنه، إنما أتاه وحده وإن أتاه مع غيره لانقطاع تبعيته للغير وانفراده بشأن نفسه، فهذا عندي أحسن من الفرق بالإضافة وقطعها. والفرق بذلك فرقه السهيلي رحمه الله تعالى. فتأمل الفرقين واستقر الأمثلة والشواهد.

فصل: كل ذلك لم يكن ولم يكن كل ذلك

وأما مسألة كل ذلك لم يكن ولم يكن كل ذلك، ولم أصنع كله وكله لم أصنعه فقد أطالوا فيها القول وفرقوا بين دلالتي الجملة الفعلية والاسمية. وقالوا: إذا قلت كل ذلك لم يكن وكله لم أصنعه فهو نفي للكل بنفي كل فرد من أفراده فينا قض الإيجاب الجزئي. وإذا قلت لم أصنع الكل ولم يكن كل ذلك فهو نفي للكلية دون التعرض لنفي الأفراد فلا يناقضه الإيجاب الجزئي ولا بد من تقرير مقدمة تبنى عليها هذه المسألة وأمثالها وهي أن الخبر لا يجوز أن يكون أخص من المبتدإ بل يجوز أن يكون أعم منه أو مساويًا له إذ لو كان أخص منه لكان ثابتًا لبعض افراده ولم يكن خبرًا عن جملته فإن الأخص، إنما يثبت لبعض أفراد الأعم.

وأما إذا كان أعم منه فإنه لا يمتنع، لأنه يكون ثابتًا لجملة افراد المبتدأ وغيرها، وهذا غير ممتنع، فإذا عرف ذلك، فإذا كان المبتدأ لفظة كل الدال على الإحاطة والشمول. وجب أن يكون الخبر المثبت حاصلًا لكل فرد من أفراد كل والخبر المنفي مثبتًا لكل فرد من أفراده سواء أضفت كلا، أو قطعتها عن الإضافة، فإن الإضافة فيها منوية معنى وإن سقطت لفظًا، فإذا قلت: كلهم ذهب، وكلكم سيروي، أو كل ذهب وكل سيروي عم الحكم افراد المبتدأ فإذا كان الحكم سلبًا نحو كلهم لم يأت وكل لم يقم فكذلك، ولهذا يصح مقابلته بالإيجاب الجزئي نحو قوله ﷺ: وقد سأل أقصرت الصلاة أم نسيت. فقال: كل ذلك لم يكن فقال: ذو اليدين بلى قد كان بعض ذلك.

ومن هذا ما أنشده سيبويه رحمه الله تعالى:

قد أصبحت أم الخيار تدعي ** علي ذنبًا كله لم أصنع

أنشده برفع كل، واستقبحه لحذف الضمير العائد من الخبر، وغير سيبويه يمنعه مطلقًا وينشد البيت منصوبًا فيقول: كلَّه لم أصنع. والصواب إنشاده بالرفع محافظة على النفي العام الذي أراده الشاعر وتمدح به عند أم الخيار، ولو كان منصوبًا لم يحصل له مقصوده من التمدح فإنه لم يفعل ذلك الذنب، ولا شيئًا منه، بل يكون المعنى لم أفعل كل الذنب بل بعضه، وهذا ينافي غرضه. ويشهد لصحة قول سيبويه قراءة ابن عامر في سورة الحديد: { أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلٌّ وعد الله الحسنى }، [359] فهذا يدل على أن حذف العائد جائز، وأنه غير قبيح.

ومن هذا على أحد القولين: { قل أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا ماذا يستعجل منه المجرمون }، [360] أجاز الزجاج أن تكون الجملة ابتدائية وقد حذف العائد من يستعجل وتقديره يستعجله منه المجرمون، كما يحذف من الصلة والصفة والحال. إذا دل عليه دليل ودعوى قبح حذفه من الخبر مما لا دليل عليها. وللكلام في تقرير هذه المسألة موضع آخر.

والمقصود أن إنشاد البيت بالنصب محافظة على عدم الحذف اخلال شديد المعنى. وأما إذا تقدم النفي. وقلت: لم أصنع كله ولم أضرب كلهم، كأنك لم تتعرض للنفي عن كل فرد فرد. وإنما نفيت فعل الجميع، ولم تنف فعل البعض ألا ترى أن قولك لم أصنع الكل مناقض لقولك صنعت الكل. والإيجاب الكلي يناقضه السلب الجزئي. ألا ترى إلى قولهم لم أرد كل هذا فيما إذا فعل ما يريده وغيره، فتقول: لم أرد كل هذا، ولا يصح أن تقول: كل هذا لم أرده، فتأمله فهذا تقرير هذه المسألة وقد أغناك عن ذلك التطويل المتعب القليل الفائدة.

فصل: إضافة كل للمخاطبين

واعلم أن كلًا من ألفاظ الغيبة فإذا أضفته إلى المخاطبين جاز لك أن تعيد المضمر عليه بلفظ الغيبة مراعاة للفظه وأن تعيده بلفظ الخطاب مراعاة لمعناه، فتقول: كلكم فعلتم، وكلكم فعلوا. فإن قلت: أنتم كلكم فعلتم وأنتم كلكم بينكم درهم، فإن جعلت أنتم مبتدأ وكلكم تأكيد. قلت: أنتم كلكم فعلتم وبينكم درهم لتطابق المبتدأ، وإن جعلت كلكم مبتدأ ثانيًا جاز لك وجهان. أحدهما: أن تقول فعلوا وببنهم درهم مراعاة للفظ كل. وإن تقول فعلتم وبينكم درهم عملًا على المعنى، لأن كلًا في المعنى للمخاطبين.

فائدة: كلا وكلتا بين الكوفيين والبصريين

اختلف الكوفيون والبصريون في كلا وكلتا فذهب البصريون إلى أنها اسم مفرد دال على الاثنين. فيجوز عود الضمير إليه باعتبار لفظه وهو الأكثر، ويجوز عوده باعتبار معناه وهو الأقل وألفها لام الفعل ليست ألف تثنية عندهم.

ولهم حجج؛ منها أنها في الأحوال الثلاثة مع الظاهر على صورة واحدة، والمثنى ليس كذلك، وأما انقلابها ياء مع الضمير فلا يدل على أنها ألف تثنية، كألف على وإلى ولدي هذا قول الخليل وسيبويه، واحتجوا أيضا بقولهم كلاهما ذاهب دون ذاهبان. وسيبويه لم يحتج بهذه الجملة لما تقدم من إنك إذا أضفت لفظ كل أفردت خبره مع كونه دالًا على الجمع حملًا على المعنى، لأن قولك: كلكم راع بمنزلة كل واحد منكم راع. فكذا قولك: كلا كما قائم أي كل واحد منكما قائم.

فإن قيل: بل أفرد الخبر عن كل وكلا، لأنهما اسمان مفردان.

قيل: هذا يبطل بتوكيد الجمع والتثنية بهما، وكما لا ينعت الجمع والمثنى بالواحد، فكذلك لا يؤكد به بطريق الأولى، لأن التوكيد تكرار للمؤكد بعينه بخلاف النعت فإنه عينه بوجه.

والمعول عليه لمن نصر مذهب سيبويه على الحجة الأولى على ما فيها وعلى معارضتها بتوكيد الاثنين. وكلا والمثنى لا يؤكد بالمفرد كما قررناه.

فإن قيل: الجواب عن هذا أن كلا اسم للمثنى فحسن التوكيد به، وحصلت المطابقة باعتبار مدلوله وهو المقصود من الكلام، فلا يضر إفراد اللفظ.

قيل: هذا يمكن في الجمع أن يكون لفظه واحدًا ومعناه جمعًا نحو كل وأسماء الجموع كرهط وقوم، لأن الجموع قد اختلفت صورها أشد اختلاف فمذكر ومؤنث مسلم ومكسر على اختلاف ضروبه، وما لفظه على لفظ واحده كما تقدم بيانه، فليس ببدع أن يكون صورة اللفظ مفردًا ومعناه جمعًا. وأما التثنية فلم تختلف قط. بل لزمت طريقة واحدة أي وقعت فبعيد جدًا. بل ممتنع أن يكون منها اسم مفرد معناه مثنى، وليس معكم إلا القياس على الجمع. وقد وضح الفرق بينهما، فتعين أن تكون كلا لفظًا مثنى ينقلب ألفه ياء مع المضمر دون المظهر، لأنك إذا أضفته إلى ظاهر استغنيت عن قلب ألفه ياء بانقلابها في المضاف إليه لتنزله منزلة الجزئية لدلالة اللفظ على مدلول واحد، لأن كلًا هو نفس ما يضاف إليه، بخلاف قولك: ثوبا الرجلين وفرسا الزيدين. فلو قلت: مررت بكلى الرجلين، جمعت بين علامتي تثنية فيما هو كالكلمة الواحدة، لأنهما لا ينفصلان أبدًا، ولا تنفك كلا هذه عن الإضافة بحال. ألا ترى كيف رفضوا ضربت رأسي الزيدين. وقالوا: رؤوسهما لما رأوا المضاف والمضاف إليه كاسم واحد هذا مع أن الرؤوس تنفصل عن الإضافة كثيرًا. وكذلك القلوب من قوله: { صغت قلوبكما } [361] فإذا كانوا قد رفضوا علامة التثنية هناك مع أن الإضافة عارضة فما ظنك بهذا الموضع الذي لا تفارقه الإضافة، ولا تنفك عنه. فهذا الذي حملهم على أن ألزموها الألف على كل حال وكان هذا أحسن من إلزام طيء وخثعم وبني الحرث وغيرهم المثنى للألف في كل حال نحو الزيدان والعمران. فإذا أضافوه إلى الضمير قلبوا ألفه في النصب والجر، لأن المضاف إليه ليس فيه علامة إعراب، ولا يثنى بالباء، ولكنه أبدًا بالألف. فقد زالت العلة التي رفضوها في الظاهر وهذا القول هو الصحيح إن شاء الله كما ترى. وإن كان سيبويه المعظم المقدم في الصناعة، فمأخوذ من قوله ومتروك.

ومما يدل على صحة هذا القول أن كلًا يفهم من لفظه ما يفهم من لفظ كل، وهو موافق له في فاء الفعل وعينه. وأما اللام فمحذوفة كما حذفت في كثير من الأسماء. فمن ادعى أن لام الفعل واو وإنه من غير لفظ كل، فليس دلبل يعضده، ولا اشتقاق يشهد له.

فإن قيل: فلم رجع الضمير إليها بلفظ الافراد إذا كانت مثناة؟

قيل: لما تقدم من رجوع الضمير على كل، لذلك إيذانًا بأن الخبر عن كل واحد واحد. فكأنك قلت: كل واحد من الرجلين قام وفيه نكتة بديعة. وهي أن عود الضمير بلفظ الافراد أحسن، لأنه يتضمن صدور الفعل عن كل واحد منفردًا به ومشاركًا للآخر.

فإن قيل: فلم كسرت الكاف من كلا وهي من كل مضمومة؟

قيل: هذا لا يلزمهم، لأنهم لم يقولوا إنها لفظة كل بعينها ولهم أن يقولوا: كسرت تنبيهًا على معنى الاثنين كما يبتدأ لفظ الاثنين بالكسر، ولهذا كسروا العين من عشرين إشعارًا بتثنية عشر.

ومما يدل على صحة هذا القول أيضا أن كلتا بمنزلة قولك ثنتا، ولا خلاف أن ألف ثنتا ألف تثنية، فكذلك ألف كلتا. ومن ادعى أن الأصل فيها كلواهما فقد ادعى ما تستبعده العقول ولا يقوم عليه برهان.

ومما يدل أيضا على صحته أنك تقول في التوكيد مررت بإخوتك ثلاثتهم وأربعتهم فتؤكد بالعدد فاقتضى القياس أن تقول أيضا في التثنية كذلك مررت بأخويك اثنيهما. فاستغنوا عنه بكليهما لأنه في معناه. وإذا كان كذلك فهو مثنى مثله.

فإن قيل فإنك تقول كلا أخويك جاء، ولا تقول: اثنا أخويك جاء فدل على أنه ليس في معناه.

قيل العدد الذي يؤكد به، إنما يكون تأكيدًا مؤخرًا تابعًا لما قبله، فأما إذا قدم لم يجز ذلك لأنه في معنى الوصف. والوصف لا يقدم على الموصوف، فلا تقول ثلاثة أخوتك جاؤوني وهذا بخلاف كل وكلا وكلتا، لأن فيهما معنى الإحاطة فصارت كالحرف الداخل لمعنى فيما بعذه فحسن تقديمهما في حال الإخبار عنها، وتأخيرهما في حال التوكيد فهذا في هذا المذهب كما ترى.

فائدة: تأكيد المفرد بأجمع

لا يؤكد بأجمع المفرد مما يعقل ولا ما حقيقته لا تتبعض. وهذا إنما يؤكد به ما يتبعض كجماعة من يعقل فجرى مجرى كل.

فإن قيل: فقد تقول: رأيت زيدًا أجمع إذا رأيته بارزًا من طاقة ونحوه.

قيل: ليس هذا توكيدًا في الحقيقة لزيد، لأنك لا تريد حقيقته وذاته، وإنما تريد به ما تدرك العين منه.

وأجمع هذه اسم معرفة بالإضافة، وإن لم يكن مضافًا في اللفظ، لأن معنى قبضت المال أجمع أي كله، فلما كان مضافًا في المعنى تعرف وأكد به المعرفة، وإنما استغنوا عن التصريح بلفظ المضاف إليه معه ولم يستغن عن لفظ المضاف مع كل إذا قلت: قبضت المال كله لأن كلًا تكون توكيد وغير توكيد، وتتقدم في أول الكلام. نحو كلكم ذاهب فصار بمنزلة نفسه وعينه، لأن كل واحد منهما يكون توكيدًا وغير توكيد. فإذا أكدته لم يكن بد من إضافته إلى ضمير المؤكد حتى يعلم أنه توكيد. وليس كذلك أجمع لأنه لا يجيء إلا تابعًا لما قبله. فاكتفى بالاسم الظاهر المؤكد واستغنى به عن التصريح بضميره، كما فعل بسحر حين أردته ليوم بعينه فإنه عرف بمعنى الإضافة واستغني عن التصريح بالمضاف إليه اتكالًا عن ذكر اليوم قبله.

فإن قيل: ولم لم تقدم أجمع كما قدم كل؟

قيل الجواب: إن فيه معنى الصفة، لأنه مشتق من جمعت فلم يكن يقع تابعًا بخلاف كل.

ومن أحكامه أنه لا يثنى ولا يجمع على لفظه. أما امتناع تثنيته، فلأنه وضع لتأكيد جملة تتبعض فلو ثنيته لم يكن في قولك أجمعا توكيد لمعنى التثنية كما في كليهما، لأن التوكيد تكرار المعنى المذكور، إذا قلت درهمان أفدت أنهما اثنان فإذا قلت: كلاهما كأنك قلت: اثناهما ولا يستقيم ذلك في أجمعان لأنه بمنزلة من يقول: أجمع وأجمع كالزيدان بمنزلة زيد وزيد فلم يفدك أجمعان تكرار معنى التثنية، وإنما أفادك تثنية واحدة بخلاف كلاهما فإنه ليس بمنزلة قولك: كل وكل، وكذلك أثناهما المستغنى عنه بكليهما لا يقال فيها اثن واثن. فإنما هي تثنية لا تنحل ولا تنفرد فلم يصلح لتأكيد معنى التثنية غيرها. فلا ينبغي أن يؤكد معنى التثنية والجمع إلا بما لا واحد له من لفظه كيلا يكون بمنزلة الأسماء المفردة المعطوف بعضها على بعض بالواو وهذه علة امتناع الجمع فيه لأنك لو جمعته كان جمعًا لواحد من لفظه ولا يؤكد معنى الجمع إلا بجمع لا ينحل إلى الواحد.

فإن قيل: هذا ينتقض بأجمعين وأكتعين فإن واحده أجمع وأكتع؟

قيل: سيأتي جوابه وإن شئت قلت إن أجمع في معنى كل وكل لا يثنى ولا يجمع إنما يثنى ويجمع الضمير الذي يضاف إليه كل.

وأما قولهم في تأنيثه جمعاء فلأنه أقرب إلى باب أحمر، وحمراء من باب أفضل وفضلى. فلذلك لم يقولوا: في تأنيثه جمعى ككبرى. ودليل ذلك أنه ل يدخله الألف واللام، ولا يضاف صريحًا فكان أقرب إلى باب أفعل وفعلي. وإن خالفه في غير هذا.

وأما أجمعون أكتعون فليس بجمع لأجمع وأكتع ولا واحد له من لفظه، وإنما هو لفظ وضع لتأكيد الجمع بوزن الاسمين بمنزلة اثينون تصغير الاثنان فإنه جمع مسلم، ولا واحد له من لفظه، والدليل على ذلك أنه لو كان واحد أجمعين أجمع لما قالوا في المؤنث: جمعاء، لأن فعل بفتح العين لا يكون واحده فعلًا. وجمعاء التي هي مؤنث أجمع، لو جمعت لقيل: جمعاوات، أو جمع بوزن حمر. وأما فعل بوزن كبر فجمع لفعلى، وإنما جاء أجمعون على وزن أكرمون وأرذلون، لأن فيه طرفًا من معنى التفضيل كما في الأكرمين والأرذلين، وذلك أن الجموع تختلف مقاديرها، فإذا كثر العدد احتيج إلى كثرة التوكيد حرصًا على التحقيق ورفعًا للمجاز. فإذا قلت: جاء القوم كلهم وكان العدد كثيرًا توهم إنه قد شذ منهم البعض فاحتيج إلى توكيد أبلغ من الأول. فقالوا: أجمعون، أكتعون فمن حيث كان أبلغ من التوكيد الذي قبله دخله معنى التفضيل، ومن حيث دخله معنى التفضيل جمع جمع السلامة كما يجمع أفعل الذي فيه ذلك المعنى جمع السلامة كأفضلون ويجمع مؤنثه على فعل كما يجمع مؤنث ما فيه من التفضيل.

وأما أجمع الذي هو توكيد الاسم الواحد فليس فيه من معنى التفضيل شيء وكان كباب أحمر، ولذلك استغنى أن يقال: كلاهما أجمعان كما يقال كلهم أجمعون، لأن التثنية أدنى من أن يحتاج إلى توكيدها إلى هذا المعنى. فثبت أن أجمعون لا واحد له من لفظه لأنه توكيد لجمع من يعقل، وأنت لا تقول فيمن يعقل جاءني زيد أجمع. فكيف يكون جاءني الزيدون أجمعون جمعًا له وهو غير مستعمل في الإفراد.

وسر هذا ما تقدم وهو أنهم لا يؤكدون مع الجمع والتثنية إلا بلفظ لا واحد له ليكون توكيدًا على الحقيقة، لأن كل جمع ينحل لفظه إلى الواحد فهو عارض في معنى الجمع فكيف يؤكد به معنى الجمع والتوكيد تحقيق وتثبيت ورفع للبس والإبهام فوجب أن يكون مما يثبت لفظًا ومعنى.

وأما حذف التنوين من جمع فكحذفه من سحر، لأنه مضاف في المعنى.

فإن قيل: ونون الجمع محذوفة في الإضافة أيضا فهلا حذفت من أجمعين، لأنه مضاف في المعنى.

قيل: الإضافة المعنوية لا تقوى على حذف النون المتحركة التي هي كالعرض من الحركة والتنوين. ألا ترى أن نون الجمع تثبت مع الألف واللام وفي الوقف والتنوين بخلاف ذلك. فقويت الإضافة المعنوية على حذفه، ولم تقو على حذف النون إلا الإضافة اللفظية.

فإن قيل: ولم كانت الإضافة اللفظية أقوى من المعنوية، والعامل اللفظي أقوى من المعنوي.

قيل: اللفظي لا يكون إلا متضمنًا لمعناه، فإذا اجتمعا معًا كان أقوى من المعخى المفرد عن اللفظ فوجب أن تكون أضعف. وهذا ظاهر لمن عدل وأنصف.

هامش

  1. [البقرة: 185]
  2. [البروج: 9]
  3. [الطلاق: 1]
  4. [المجادلة: 2]
  5. [المجادلة: 2]
  6. [المجادلة: 3]
  7. [المجادلة: 2]
  8. [المجادلة: 1]
  9. [يوسف: 4]
  10. [الواقعة: 74]
  11. [الأعلى: 1]
  12. [الحديد؛ الحشر؛ الصف: 1]
  13. [النحل: 49]
  14. [الأعراف: 206]
  15. [طه: 5]
  16. [الرحمن: 2]
  17. [الملك: 20]
  18. [الأحزاب: 43]
  19. [التوبة: 117]
  20. [البقرة: 157]
  21. [البلد: 14]
  22. [البقرة: 177، التوبة: 18]
  23. [البقرة: 6]
  24. [الأعراف: 193]
  25. [القيامة: 1]
  26. [الطور: 23]
  27. [البقرة: 187]
  28. في النتائج: ابنات.
  29. [النحل: 1]
  30. [ق: 2]
  31. [المائدة: 116]
  32. [يوسف: 26 - 27]
  33. [البقرة: 23]
  34. [البقرة: 24]
  35. [الشورى: 48]
  36. [الإسراء: 67]
  37. [فصلت: 51]
  38. [الإسراء: 83]
  39. [فصلت: 51]
  40. [النساء: 176]
  41. [الأعراف: 160]
  42. [الأنعام: 118]
  43. [الأنعام: 118]
  44. [المؤمنون: 16]
  45. [الزخرف: 81]
  46. [الأنبياء: 22]
  47. [الإسراء: 42]
  48. [الأنبياء: 34]
  49. [آل عمران: 144]
  50. [الأعراف: 160]
  51. [الأنعام: 118]
  52. [آل عمران: 118]
  53. [لقمان: 27]
  54. مفقود
  55. [الإسراء: 100]
  56. [النساء: 64]
  57. [النساء: 66]
  58. [لقمان: 27]
  59. [الأنبياء: 22]
  60. [لقمان: 27]
  61. [البقرة: 38]
  62. [هود: 34]
  63. [الأحزاب: 50]
  64. [النحل: 78]
  65. [الزمر: 6]
  66. الصحيحة 1076
  67. [المجادلة: 7]
  68. [البقرة: 222]
  69. [الجاثية: 7]
  70. [المطففين: 12]
  71. [الحج: 27]
  72. [المائدة: 6]
  73. [الصافات: 158]
  74. [الرحمن: 56]
  75. [الرحمن: 39]
  76. [الجن: 5]
  77. [يونس: 61]
  78. [يونس: 61]
  79. [الرحمن: 68]
  80. [البقرة: 98]
  81. [آل عمران: 43]
  82. [الحج: 26]
  83. [آل عمران: 75]
  84. [الحجر: 26]
  85. [الرحمن: 56]
  86. [الجن: 1]
  87. [الجن: 5]
  88. [البقرة: 222]
  89. [الجاثية: 7]
  90. [المزمل: 20، المجادلة: 13]
  91. [الإسراء: 36]
  92. [طه: 46]
  93. [الإسراء: 36]
  94. [غافر: 56]
  95. [النساء: 134]
  96. [النساء: 69]
  97. [البقرة: 209]
  98. [النساء: 134]
  99. [طه: 46]
  100. [يونس: 61]
  101. [سبأ: 3]
  102. [الزمر: 68]
  103. [سبأ: 37]
  104. [الأنفال: 28]
  105. [المنافقون: 9]
  106. [التوبة: 24]
  107. [آل عمران: 14]
  108. [النحل: 6]
  109. [التوبة: 111]
  110. [الصف: 11]
  111. [التوبة: 25]
  112. [التوبة: 111]
  113. [سبأ: 1]
  114. [سبأ: 2]
  115. [غافر: 7]
  116. [النساء: 12]
  117. [غافر: 7]
  118. [آل عمران: 43]
  119. [الحج: 77]
  120. [الحج: 126]
  121. [الأنعام: 27، 30]
  122. [القصص: 63]
  123. [غافر: 49]
  124. [القصص: 15]
  125. [النساء: 57، 122]
  126. [النساء: 56]
  127. [هود: 77]
  128. [يوسف: 96]
  129. [النمل: 8]
  130. [الرحمن: 7 - 8]
  131. التصويب من المصادر.
  132. [الجمعة: 7]
  133. [الجمعة: 6]
  134. [البقرة: 95]
  135. [البقرة: 94]
  136. [الأعراف: 143]
  137. [الزخرف: 77]
  138. [الأعراف: 143]
  139. [الزخرف: 77]
  140. [البقرة: 95]
  141. الأصل: لن، والتصويب من نتائج الفكر.
  142. [الزخرف: 39]
  143. [الزخرف: 39]
  144. [البقرة: 165]
  145. [الأنفال: 33]
  146. [الأنفال: 33]
  147. [هود: 117]
  148. [القصص: 59]
  149. [القصص: 8]
  150. [البلد: 11]
  151. [القيامة: 1]
  152. [البقرة: 233]
  153. [البقرة: 238]
  154. [الفتح: 27]
  155. [إبراهيم: 7]
  156. [الإسراء: 86]
  157. [الإسراء: 88]
  158. [فاطر: 41]
  159. من النتائح؛ فالأصل: سماوات.
  160. [الطلاق: 12]
  161. [الملك: 16]
  162. [الملك: 17]
  163. [يونس: 61]
  164. [سبأ: 3]
  165. [الأنعام: 3]
  166. الطبري
  167. [الأنعام: 3]
  168. تفسير القرطبي ومجموع الفتاوى.
  169. [الذاريات: 23]
  170. [التغابن: 1، الجمعة: 1]
  171. [الأنبياء: 19]
  172. [الإسراء: 44]
  173. [الذاريات: 22]
  174. [النمل: 65]
  175. [يونس: 31]
  176. [سبأ: 24]
  177. [يونس: 41]
  178. [الروم: 48]
  179. [سبأ: 24]
  180. [الذاريات: 41]
  181. [يونس: 22]
  182. [الأنعام: 1]
  183. [الأنعام: 153]
  184. [النحل: 48]
  185. [الحجر: 41]
  186. [النحل: 9]
  187. مفقود
  188. [البقرة: 257]
  189. [النحل: 48]
  190. [الواقعة: 41]
  191. [ق: 17]
  192. [الأعراف: 17]
  193. [المائدة: 6]
  194. [المعارج: 40]
  195. [الرحمن: 13]
  196. [المزمل: 9]
  197. [المعارج: 41]
  198. [الصافات: 5]
  199. [هود: 67]
  200. [هود: 66]
  201. [الأعراف: 78]
  202. [الشعراء: 189]
  203. [هود: 94]
  204. [النحل: 36]
  205. [الأعراف: 30]
  206. [النحل: 36]
  207. عجزه: (هم القوم كل القوم يا أم خالد)
  208. [ص: 75]
  209. [الشمس: 5]
  210. [ص: 75]
  211. [الشمس: 5]
  212. الأصل: يستحقه، والمثبت من النتائج.
  213. [التوبة: 67]
  214. [البقرة: 194]
  215. [يونس: 31]
  216. [يونس: 31]
  217. [النمل: 63]
  218. [النمل: 62]
  219. [النمل: 64]
  220. [النساء: 3]
  221. [التحريم: 7]
  222. [الجمعة: 6]
  223. [مريم: 29]
  224. [الكهف: 16]
  225. [الزمر: 3]
  226. أبو داود والترمذي.
  227. [الزخرف: 26]
  228. [الكهف: 16]
  229. [البقرة: 61]
  230. [التوبة: 77]
  231. [آل عمران: 79]
  232. [الأنعام: 93]
  233. [النور: 41]
  234. [آل عمران: 163]
  235. [الصافات: 96]
  236. [الصافات: 95]
  237. [الحجر: 2]
  238. [فاطر: 28]
  239. [التوبة: 117]
  240. [البقرة: 151]
  241. [البقرة: 198]
  242. [القصص: 77]
  243. [الصافات: 96]
  244. [الصافات: 95]
  245. [النحل: 17]
  246. [النحل: 20]
  247. [لقمان: 11]
  248. [النحل: 20]
  249. [الصافات: 96]
  250. [الأعراف: 194]
  251. [يس: 22]
  252. [الصافات: 96]
  253. [التوبة: 77]
  254. [غافر 75]
  255. [الصافات 95]
  256. [الصافات 96]
  257. [الأعراف 194]
  258. [يس 41 - 42]
  259. [يس 43]
  260. [النحل 81]
  261. [النحل: 80]
  262. [مريم: 69]
  263. [الأنعام: 159]
  264. [سبأ: 54]
  265. [الأنعام: 93]
  266. [الزمر: 3]
  267. [الشعراء: 227]
  268. [القارعة: 1، 2]
  269. [الحاقة: 1، 2]
  270. [البروج: 15]
  271. [البقرة: 155]
  272. [ق: 38]
  273. [يونس: 62]
  274. [الأنعام: 103]
  275. [المجادلة: 1]
  276. [المرسلات: 23]
  277. [الأعراف: 180]
  278. [الاعراف: 180]
  279. [الكهف: 27]
  280. [المائدة: 64]
  281. [يوسف: 76]
  282. [الصافات: 113]
  283. الأصل: احتمل، والمثبت من النتائج.
  284. [ق: 16]
  285. [ق: 18]
  286. [الأعلى: 2 - 4]
  287. [الزخرف: 10 - 12]
  288. [الحشر: 24]
  289. [غافر: 3]
  290. [النمل: 78]
  291. [آل عمران: 4]
  292. [الأعلى: 2، 3]
  293. [الزخرف: 10، 11، 12]
  294. [غافر: 3]
  295. [غافر: 2]
  296. [السجدة: 13]
  297. [النحل: 102]
  298. [فصلت: 42]
  299. [فصلت: 12]
  300. [غافر: 3]
  301. [القيامة: 9]
  302. [الأعراف: 4]
  303. [يونس: 24]
  304. [النحل: 98]
  305. [الصافات: 47]
  306. [البقرة: 74]
  307. [البقرة: 19]
  308. [البقرة: 6]
  309. [النازعات: 27]
  310. [الدخان: 37]
  311. [الطور: 39]
  312. [الزخرف: 16]
  313. [الطور: 38]
  314. [الصافات: 156]
  315. [الطور: 35]
  316. [الكهف: 9]
  317. [الطور: 30]
  318. [البقرة: 214، آل عمران: 142]
  319. [الزخرف: 52]
  320. [المؤمنون: 69]
  321. [الطور: 39]
  322. [الزخرف: 52]
  323. [الروم: 35]
  324. [الكهف: 9]
  325. [النمل: 20]
  326. [الزخرف: 52]
  327. [البقرة: 214]
  328. [آل عمران: 142]
  329. [الجاثية: 21]
  330. [البقرة: 34]
  331. [البقرة: 49]
  332. [البقرة: 50]
  333. [يوسف: 15]
  334. [الزمر: 73]
  335. [التوبة: 92]
  336. [يونس: 2]
  337. [الفرقان: 69]
  338. [الأعراف: 57]
  339. [الأعراف: 57]
  340. [النحل: 69]
  341. [النحل: 67]
  342. [الأنبياء: 33]
  343. [الأنبياء: 93]
  344. [الأنفال: 54]
  345. [الرحمن: 26]
  346. [البقرة: 116]
  347. [مريم: 93]
  348. [الإسراء: 84]
  349. [ق: 14]
  350. [البقرة: 285]
  351. [النساء: 95]
  352. [الأنبياء: 93]
  353. [البقرة: 116]
  354. [الرحمن: 26]
  355. [الأنبباء: 33]
  356. [ص: 12]
  357. [ق: 14]
  358. [مريم: 95]
  359. [الحديد: 10]
  360. [يونس: 50]
  361. [التحريم: 4]