الرئيسيةبحث

الكتاب (سيبويه)/الجزء الثاني



☰ جدول المحتويات

باب من الفعل سمي الفعل فيه بأسماء لم تؤخذ من أمثلة الفعل الحادث

وموضعها من الكلام الأمر والنهي فمنها ما يتعدى المأمور إلى مأمور به ومنها ما لا يتعدى المأمور ومنها ما يتعدى المنهي إلى منهي عنه ومنها ما لا يتعدى المنهي. أما ما يتعدى فقولك: رويد زيداً فإنما هو اسم لقولك: أرود زيداً. ومنها هلم زيداً إنما تريد هات زيداً. ومنها قول العرب: حيهل الثريد. وزعم أبو الخطاب أن بعض العرب يقول: حيهل الصلاة فهذا اسم ائت الصلاة أي ائتوا الثريد وأتوا الصلاة. ومنه قوله: تراكها من إبل تراكها فهذا اسم لقوله له: اتركها. وقال: مناعها من إبل مناعها وأما ما لا يتعدى المأمور ولا المنهي إلى مأمور به ولا إلى منهى عنه فنحو قولك: مه مه وصه صه وآه وإيه وما أشبه ذلك. واعلم أن هذه الحروف التي هي أسماء للفعل لا تظهر فيها علامة المضمر وذلك أنها أسماء وليست على الأمثلة التي أخذت من الفعل الحادث فيما مضى وفيما يستقبل وفي يومك ولكن المأمور والمنهي مضمران في النية. وإنما كان من أصل هذا في الأمر والنهي وكانا أولى به لأنهما لا يكونان إلا بفعل فكان الموضع الذي لا يكون إلا فعلاً أغلب عليه. وهي أسماء الفعل وأجريت مجرى ما فيه الألف واللام نحو: النجاء لئلا يخالف لفظ ما بعدها لفظ ما بعد الأمر والنهي. ولم تصرف تصرف المصادر لأنها ليست بمصادر وإنما سمي بها الأمر والنهي فعملت عملهما ولم تجاوز فهي تقوم مقام فعلهما.

باب متصرف رويد

تقول: رويد زيداً وإنما تريد أرود زيداً. قال الهذلي: رويد عليا جد ما ثدى أمهم إلينا ولكن بغضهم متماين وسمعنا من العرب من يقول: والله لو أردت الدراهم لأعطيتك رويد ما الشعر. يريد: أرود الشعر كقول القائل: لو أردت الدراهم لأعطيتك فدع الشعر. فقد تبين لك أن رويد في موضع الفعل. ويكون رويد أيضاً صفةً كقولك: ساروا سيراً رويداً. ويقولون أيضاً: ساروا رويداً فيحذفون السير ويجعلونه حالاً به وصف كلامه واجتزأ بما في صدر حديثه من قول ساروا عن ذكر السير. ومن ذلك قول العرب: ضعه رويداً أي وضعاً رويداً. ومن ذلك قولك للرجل تراه يعالج شيئاً: رويداً إنما تريد: علاجاً رويداً. فهذا على وجه الحال إلا أن يظهر الموصوف فيكون على الحال وعلى غير الحال. واعلم أن رويداً تلحقها الكاف وهي في موضع افعل وذلك كقولك: رويدك زيداً ورويد كم زيداً. وهذه الكاف التي لحقت رويداً إنما لحقت لتبين المخاطب المخصوص لأن رويد تقع للواحد والجميع والذكر والأنثى فإنما أدخل الكاف حين خاف التباس من يعني بمن لا يعنى وإنما حذفها في الأول استغناء بعلم المخاطب أنه لا يعني غيره. فلحاق الكاف كقولك: يا فلان للرجل حتى يقبل عليك. وتركها كقولك للرجل: أنت تفعل إذا كان مقبلاً عليك بوجهه منصتاً لك. فتركت يا فلان حين قلت: أنت تفعل استغناء بإقباله عليك. وقد تقول أيضاً: رويدك لمن لا يخاف أن يلتبس بسواه توكيداً كما تقول للمقبل عليك المنصت لك: أنت تفعل ذاك يا فلان توكيداً. وذا بمنزلة قول العرب: هاء وهاءك وها وهاك وبمنزلة قولك: حيهل وحيهلك وكقولهم: النجاءك. فهذه الكاف لم تجيء علماً للمأمورين والمنبهين المضمرين ولو كانت علماً للمضمرين لكانت خطأ لأن المضمرين ها هنا فاعلون وعلامة المضمرين الفاعلين الواو كقولك: افعلوا. وإنما جاءت هذه الكاف توكيداً وتخصيصاً ولو كانت اسماً لكان النجاءك محالاً لأنه لا يضاف الاسم الذي فيه الألف واللام. وينبغي لمن زعم أنهن أسماء أن يزعم أن كاف ذاك اسم فإذا قال ذلك لم يكن له بد من أن يزعم أنها مجرورة أو منصوبة فإن كانت منصوبةً انبغى له أن يقول: ذاك نفسك زيدٌ إذا أراد الكاف وينبغي له أن يقول: إن كانت مجرورة ذاك نفسك زيدٌ وينبغي له أن يقول: إن تاء أنت اسم وإنما تاء أنت بمنزلة الكاف. ومما يدلك على أنه ليس باسم قول العرب: أرأيتك فلاناً ما حاله فالتاء علامة المضمر المخاطب المرفوع ولو لم تلحق الكاف كنت مستغنياً كاستغنائك حين كان المخاطب مقبلاً عليك عن قولك: يا زيد ولحاق الكاف كقولك: يا زيد لمن لو لم تقل له يا زيد استغنيت. فإنما جاءت الكاف في أرأيت والنداء في هذا الموضع توكيداً. وما يجيء في الكلام توكيداً لو طرح كان مستغنىً عنه كثير. وحدثنا من لا نتهم أنه سمع من العرب من يقول: رويد نفسه جعله مصدراً كقوله: " فضرب الرقاب ". وكقوله: عذير الحي ونظير الكاف في رويد في المعنى لا في اللفظ لك التي تجيء بعد هلم في قولك: هلم لك فالكاف ههنا اسم مجرور باللام والمعنى في التوكيد والاختصاص بمنزلة الكاف التي في رويد وأشباهها كأنه قال: هلم ثم قال: إرادتي بهذا لك فهو بمنزلة سقيا لك. وإن شئت قلت: هلم لي بمنزلة هات لي وهلم ذاك لك بمنزلة أدن ذاك منك. وتقول فيما يكون معطوفاً على الاسم المضمر في النية وما يكون صفة له في النية كما تقول في المظهر. أما المعطوف فكقولك: رويدكم أنتم وعبد الله كأنك قلت: افعلوا أنتم وعبد الله لأن المضمر في النية مرفوع فهو يجري مجرى المضمر الذي يبين علامته في الفعل. فإن قلت: رويدكم وعبد الله فهو أيضاً رفع وفيه قبح لأنك لو قلت: اذهب وعبد الله كان فيه قبح فإذا قلت: اذهب أنت وعبدالله حسن. ومثل ذلك في القرآن: " فاذهب أنت وربك فقاتلا " و " اسكن أنت وزوجك الجنة ". وتقول: رويدكم أنتم أنفسكم فيحسن الكلام كأنك قلت: افعلوا أنتم أنفسكم. فإن قلت: رويدكم أنفسكم رفعت وفيها قبح لأن قولك: افعلوا أنفسكم فيها قبح فإذا قلت: أنتم أنفسكم حسن الكلام. وتقول: رويدكم أجمعون ورويدكم أنتم أجمعون كل حسن لأنه يحسن في المضمر الذي له علامة في الفعل. ألا ترى أنك تقول: قوموا أجمعون وقوموا أنتم أجمعون. وكذلك: رويد إذا لم تلحق فيها الكاف تجري هذا المجرى. وكذلك الحروف التي هي أسماء للفعل جميعاً تجري هذا المجرى لحقتها الكاف أو لم تلحقها إلا أن هلم إذا لحقتها لك فإن شئت حملت أجمعين ونفسك على الكاف المجرورة فتقول: هلم لكم أجمعين وهلم لكم أنفسكم. ولا يجوز أن تعطف على الكاف المجرورة الاسم لأنك لا تعطف المظهر على المضمر المجرور. ألا ترى أنه يجوز لك أن تقول: هذا لك نفسك ولكم أجمعين ولا يجوز أن تقول: هذا لك وأخيك. وإن شئت حملت المعطوف والصفة على المضمر المرفوع في النية فتقول: هلم لك أنت وأخوك وهلم لكم أجمعون. كأنك قلت: تعالوا أنتم أجمعون وتعال أنت وأخوك. فإن لم تلحق لك جرت مجرى رويد.

هذا باب من الفعل سمي الفعل فيه بأسماء مضافة ليست من أمثلة الفعل الحادث

ولكنها بمنزلة الأسماء المفردة التي كانت للفعل نحو رويد وحيهل ومجراهن واحد وموضعهن من الكلام الأمر والنهي إذا كانت للمخاطب المأمور والمنهي. وإنما استوت هي ورويد وما أشبه رويد كما استوى المفرد والمضاف إذا كانا اسمين نحو عبد الله وزيد مجراهما في العربية سواء. ومنها ما يتعدى المأمور إلى مأمور به ومنها ما يتعدى المنهي إلى المنهي عنه ومنها ما لا يتعدى المأمور ولا المنهي. فأما ما يتعدى المأمور إلى مأمور به فهو قولك: عليك زيداً ودونك زيداً وعندك زيداً تأمره به. حدثنا بذلك أبو الخطاب. وأما ما تعدى المنهي إلى منهي عنه فقولك: حذرك زيداً وحذارك زيداً سمعناهما من العرب. وأما ما لا يتعدى المأمور ولا المنهي فقولك: مكانك وبعدك إذا قلت: تأخر أو حذرته شيئاً خلفه. كذلك عندك إذا كنت تحذره من بين يديه شيئاً أو تأمره أن يتقدم. وكذلك فرطك إذا كنت تحذره من بين يديه شيئاً أو تأمره أن يتقدم. ومثلها أمامك إذا كنت تحذره أو تبصره شيئاً. وإليك إذا قلت: تنح. ووراءك إذا قلت: افطن لما خلفك. وحدثنا أبو الخطاب أنه سمع من العرب من يقال له: إليك فيقول: إلى. كأنه قيل له: تنح. فقال: أتنحى. ولا يقال إذا قيل لأحدهم: دونك: دوني ولا علي. هذا النحو إنما سمعناه في هذا الحرف وحده وليس لها قوة الفعل فتقاس. واعلم أن هذه الأسماء المضافة بمنزلة الأسماء المفردة في العطف والصفات وفيما قبح فيها وحسن لأن الفاعل المأمور والفاعل المنهي في هذا الباب مضمران في النية. ولا يجوز أن تقول: رويده زيداً ودونه عمراً وأنت تريد غير المخاطب لأنه ليس بفعل ولا يتصرف تصرفه. وحدثني من سمعه أن يعضهم قال: عليه رجلاً ليسني. وهذا قليل شبهوه بالفعل. وقد يجوز أن تقول: عليكم أنفسكم وأجمعين فتحمله على المضمر المجرور الذي ذكرته للمخاطب كما حملته على لك حين ذكرتها بعد هلم ولم تحمل على المضمر الفاعل في النية ويدلك على أنك إذا قلت: عليك فقد أضمرت فاعلاً في النية وإنما الكاف للمخاطبة قولك: على زيدا وإنما أدخلت الياء على مثل قولك للمأمور: أولني زيداً. فلو قلت: أنت نفسك لم يكن إلا رفعاً ولو قال: أنا نفسي لم يكن إلا جراً. ألا ترى أن الياء والكاف إنما جاءتا لتفصلا بين المأمور والأمر في المخاطبة. وإذا قال: عليك زيداً فكأنه قال له: ائت زيداً. ألا ترى أن للمأمور اسمين: اسماً للمخاطبة مجروراً واسمه الفاعل المضمر في النية كما كان له اسم مضمر في النية حين قلت: على. فإذا قلت: عليك فله اسمان: مجرور ومرفوع. ولا يحسن أن تقول: عليك وأحيك كما لا يحسن أن تقول: هلم لك وأخيك. وكذلك: حذرك يدلك على أن حذرك بمنزلة عليك قولك: تحذيري زيداً إذا أردت حذرني زيداً. فالمصدر وغيره في هذا الباب سواء. ومن جعل رويداً مصدراً قال: رويدك نفسك إذا أراد أن يحمل نفسك على الكاف كما قال: عليك نفسك حين حمل الكلام على الكاف. وهي مثل: حذرك سواء إذا جعلته مصدراً لأن الحذر مصدر وهو مضاف إلى الكاف. فإن حملت نفسك على الكاف جررت وإن حملته على المضمر في النية رفعت. وكذلك: رويدكم إذا أردت الكاف تقول: رويدكم أجمعين. وأما قول العرب: رويدك نفسك فإنهم يجعلون النفس بمنزلة عبد الله إذا أمرت به كأنك قلت: رويدك عبد الله إذا أردت: أرود عبد الله. وأما حيهلك وهاءك وأخواتها فليس فيها إلا ما ذكرنا لأنهن لم يجعلن مصادر. واعلم أن ناساً من العرب يجعلون هلم بمنزلة الأمثلة التي أخذت من الفعل يقولون: هلم وهلمى وهلماً وهلموا. واعلم أنك لا تقول: دوني كما قلت: على لأنه ليس كل فعل يجيء بمنزلة أولني قد تعدى إلى مفعولين فإنما على بمنزلة أولني ودونك بمنزلة خذ. لا تقول: آخذني درهماً ولا خذني درهماً. واعلم أنه لا يجوز لك أن تقول: عليه زيداً تريد به الأمر كما أردت ذلك في الفعل حين قلت: ليضرب زيداً لأن عليه ليس من الفعل وكذلك حذره زيداً قبيحةٌ لأنها ليست من أمثلة الفعل. فإنما جاء تحذيري زيداً لأن المصدر يتصرف مع الفعل فيصير حذرك في موضع احذر وتحذيري في موضع حذرني فالمصدر أبداً في موضع فعله. ودونك لم يؤخذ من فعل ولا عندك ينتهي فيها حيث انتهت العرب. واعلم أنه يقبح: زيداً عليك وزيداً حذرك لأنه ليس من أمثلة الفعل فقبح أن يجري ما ليس من الأمثلة مجراها إلا أن تقول: زيداً فتنصب بإضمارك الفعل ثم تذكر عليك بعد ذلك فليس يقوى هذا قوة الفعل لأنه ليس بفعل ولا يتصرف تصرف الفاعل الذي في معنى يفعل.

هذا باب ما جرى من الأمر والنهي على إضمار الفعل المستعمل إظهاره إذا علمت أن الرجل مستغن عن لفظك بالفعل

وذلك قولك: زيداً وعمراً ورأسه. وذلك أنك رأيت رجلاً يضرب أو يشتم أو يقتل فاكتفيت بما هو فيه من عمله أن تلفظ له بعمله فقلت: زيداً أي أوقع عملك بزيدٍ. أو رأيت رجلاً يقول: أضرب شر الناس فقلت: زيداً. أو رأيت رجلاً يحدث حديثاً فقطعه فقلت: حديثك. أو قدم رجل من سفر فقلت: حديثك. استغنيت عن الفعل بعلمه أنه مستخبرٌ فعلى هذا يجوز هذا وما أشبهه. وأما النهي فإنه التحذير كقولك: الأسد الأسد والجدار الجدار والصبي الصبي وإنما نهيته أن يقرب الجدار المخوف المائل أو يقرب الأسد أو يوطئ الصبي. وإن شاء أظهر في هذه الأشياء ما أضمر من الفعل فقال: اضرب زيداً وأشتم عمراً ولا توطئ الصبي وأحذر الجدار ولا تقرب الأسد. ومنه أيضاً قوله: الطريق الطريق إن شاء قال: خل الطريق أو تنح عن الطريق. قال جرير: خل الطريق لمن يبني المنار به وأبرز ببرزة حيث اضطرك القدر ولا يجوز أن تضمر تنح عن الطريق لأن الجار لا يضمر وذلك أن المجرور داخل في الجار غير منفصل فصار كأنه شيء من الاسم لأنه معاقب للتنوين ولكنك إن أضمرت أضمرت ما هو في معناه مما يصل بغير حرف إضافةٍ كما فعلت فيما مضى. واعلم أنه لا يجوز أن تقول: زيد وأنت تريد أن تقول: ليضرب زيد أو ليضرب زيد إذا كان فاعلاً ولا زيداً وأنت تريد ليضرب عمرو زيداً. ولا يجوز: زيد عمراً إذا كنت لا تخاطب زيداً إذا أردت ليضرب زيدٌ عمراً وأنت تخاطبني فإنما تريد أن أبلغه أنا عنك أنك قد أمرته أن يضرب عمراً وزيد وعمرو غائبان فلا يكون أن تضمر فعل الغائب. وكذلك لا يجوز زيداً وأنت تريد أن أبلغه أنا عنك أن يضرب زيداً لأنك إذا أضمرت فعل الغائب ظن السامع الشاهد إذا قلت: زيداً أنك تأمره هو بزيد فكرهوا الالتباس هنا ككراهيتهم فيما لم يؤخذ من الفعل نحو قولك: عليك أن يقولوا عليه زيداً لئلا يشبه ما لم يؤخذ من أمثلة الفعل بالفعل. وكرهوا هذا في الالتباس وضعف حيث لم يخاطب المأمور كما كره وضعف أن يشبه عليك وهذه حجج سمعت من العرب وممن يوثق به يزعم أنه سمعها من العرب. من ذلك قول العرب في مثل من أمثالهم: " اللهم ضبعاً وذئباً " إذا كان يدعو بذلك على غم رجل. وإذا سألتهم ما يعنون قالوا: اللهم أجمع أو اجعل فيها ضبعاً وذئباً. وكلهم يفسر ما ينوي. وإنما سهل تفسيره عندهم لأن المضمر قد استعمل في هذا الموضع عندهم بإظهار. حدثنا أبو الخطاب أنه سمع بعض العرب وقيل له: لم أفسدتم مكانكم هذا فقال: الصبيان بأبي. كأنه حذر أن يلام فقال: لم الصبيان. وحدثنا من يوثق به أن بعض العرب قيل له: أما بمكان كذا وكذا وجد وهو موضع يمسك الماء. فقال: بلى وجاذاً. أي فأعرف بها وجاذاً. ومن ذلك قول الشاعر وهو المسكين: أخاك أخاك إن من لا أخا له كساع إلى الهيجا بغير سلاح كأنه يريد: الزم أخاك. ومن ذلك قولك: زيداً وعمراً كأنك تريد: اضرب زيداً وعمراً كما قلت: زيداً وعمراً رأيت. ومنه قول العرب: " أمر مبكياتك لا أمر مضحكاتك " و " الظباء على البقر ". يقول: عليك أمر مبكياتك وخل الظباء على البقر.

ما يضمر فيه الفعل المستعمل إظهاره في غير الأمر والنهي

وذلك قولك إذا رأيت رجلاً متوجهاً وجهة الحاج قاصداً في هيئة الحاج فقلت: مكة ورب الكعبة. حيث زكنت أنه يريد مكة كأنك قلت: يريد مكة والله. ويجوز أن تقول: مكة والله على قولك: أراد مكة والله كأنك أخبرت بهذه الصفة عنه أنه كان فيها أمس فقلت: مكة والله أي أراد مكة إذ ذاك. ومن ذلك قوله عز وجل: " بل ملة إبراهيم حنيفاً " أي بل نتبع ملة إبراهيم حنيفاً كأنه قيل لهم: اتبعوا حين قيل لهم: " كونوا هوداً أو نصارى ". أو رأيت رجلاً يسدد سهماً قبل القرطاس فقلت: القرطاس والله أي يصيب القرطاس. وإذا سمعت وقع السهم في القرطاس قلت: القرطاس والله أي أصاب القرطاس. ولو رأيت ناساً ينظرون الهلال وأنت منهم بعيد فكبروا لقلت: الهلال ورب الكعبة أي أبصروا الهلال. أو رأيت ضرباً فقلت على وجه التفاؤل: عبد الله أي يقع بعبد الله أو بعبد الله يكون. ومثل ذلك أن ترىرجلاً يريد أن يوقع فعلاً أو رأيته في حال رجل قد أوقع فعلاً أو أخبرت ومنه أن ترى الرجل أن تخبر عنه أنه قد أتى أمراً قد فعله فتقول: أكل هذا بخلاً أي أتفعل كل هذا بخلاً. وإن شئت رفعته فلم تحمله على الفعل ولكنك تجعله مبتدأ. وإنما أضمرت الفعل ها هنا وأنت مخاطب لأن المخاطب المخبر لست تجعل له فعلاً آخر يعمل في المخبر عنه. وأنت في الأمر للغائب قد جعلت له فعلاً آخر يعمل كأنك قلت: قل له ليضرب زيداً أو قل له: اضرب زيداً أو مره أن يضرب زيداً فضعف عندهم مع ما يدخل من اللبس في أمر واحدٍ أن يضمر فيه فعلان لشيئين.

هذا باب ما يضمر فيه الفعل المستعمل إظهاره بعد حرفٍ

وذلك قولك: " الناس مجزيون بأعمالهم إن خيراً فخيرٌ وإن شراً فشرٌ " و " المرء مقتول بما قتل به إن خنجراً فخنجرٌ وإن سيفاً فسيفٌ ". وإن شئت أظهرت الفعل فقلت: إن كان خنجراً فخنجر وإن كان شراً فشرٌ. ومن العرب من يقول: إن خنجراً فخنجراً وإن خيراً فخيراً وإن شراً فشراً كأنه قال: إن كان الذي عمل خيراً جزى خيراً وإن كان شراً جزي شراً. وإن كان الذي قتل به خنجراً كان الذي يقتل به خنجراً. والرفع أكثر وأحسن في الآخر لأنك إذا أدخلت الفاء في جواب الجزاء استأنفت ما بعدها وحسن أن تقع بعدها الأسماء. وإنما أجازوا النصب حيث كان النصب فيما هو جوابه لأنه يجزم كما يجزم ولأنه لا يستقيم واحد منهما إلا بالآخر فشبهوا الجواب بخبر الابتداء وإن لم يكن مثله في كل حالةٍ كما يشبهون الشيء بالشيء وإن لم يكن مثله ولا قريباً منه. وقد ذكرنا ذلك فيما مضى وسنذكره أيضاً إن شاء الله. وإذا أضمرت فأن تضمر الناصب أحسن لأنك إذا أضمرت الرافع أضمرت له أيضاً خبراً او شيئاً يكون في موضع خبره. فكلما كثر الإضمار كان أضعف. وإن أضمرت الرافع كما أضمرت الناصب فهو عربي حسن وذلك قولك: إن خير فخير وإن خنجر فخنجر كأنه قال: إن كان معه خنجر حيث قتل فالذي يقتل به خنجر وإن كان في أعمالهم خير فالذي يجزون به خير. ويجوز أن تجعل إن كان خير على: إن وقع خير كأنه قال: إن كان خير فالذي يجزون به خير. وزعم يونس أن العرب تنشد هذا البيت لهدبة بن خشرم: فإن تك في أموالنا لا نضق بها ذراعاً وإن صبر فنصبر لصبر والنصب فيه جيد بالغ على التفسير الأول والرفع على قوله: وإن وقع صبر أو إن كان فينا صبر فإنا نصبر. وأما قول الشاعر لنعمان بن المنذر: قد قيل ذلك إن حقاً وإن كذباً فما اعتذارك من شيءٍ إذا قبلا فالنصب فيه على التفسير الأول والرفع يجوز على قوله إن كان فيه حق وإن كان فيه باطل كما جاز ذلك في: إن كان في أعمالهم خير. ويجوز أيضاً على قوله: إن وقع حق وإن وقع كذب. ومن ذلك قوله عز وجل: " وإن كان ذو عسرةٍ فنظرةٌ إلى ميسرةٍ ". ومثل ذلك قول العرب في مثل من أمثالهم: " إن لا حظية فلا ألية " أي إن لا تكن له في الناس حظية فإني غير أليةٍ كأنها قالت في المعنى: إن كنت ممن لا يحظى عنده فإني غير ألية. ولو عنت بالحظية نفسها لم يكن إلا نصباً إذا جعلت الحظية على التفسير الأول. ومثل ذلك: قد مررت برجل إن طويلاً وإن قصيراً وامرر بأيهم أفضل إن زيداً وإن عمراً وقد مررت برجل قبل إن زيداً وإن عمراً لا يكون في هذا إلا النصب لأنه لا يجوز أن تحمل الطويل والقصير على غير الأول ولا زيداً ولا عمراً. وأما إن حق وإن كذب فقد تستطيع أن لا تحمله على الأول فتقول: إن كان فيه حق أو كان فيه كذب أو إن وقع حق أو باطل. ولا يستقيم في ذا أن تريد غير الأول إذا ذكرته ولا تستطيع أن تقول: إن كان فيه طويل أو كان فيه زيد ولا يجوز على إن وقع. وقال ليلى الأخيلية: لا تقربن الدهر آل مطرفٍ إن ظالماً أبداً وإن مظلوما وقال ابن همام السلولي: وأحضرت عذري عليه السهو - د إن عاذرا لي وإن تاركا فنصبه لأنه عني الأمير المخاطب. ولو قال: إن عاذر لي وإن تارك يريد: إن كان لي في الناس عاذر أو غير عاذر جاز. وقال النابغة الذبياني: حدبت على بطون ضنة كلها إن ظالماً فيهم وإن مظلوما ومن ذلك أيضاً قولك: مررت برجل صالحٍ وإن لا صالحاً فطالحٌ. ومن العرب من يقول: إن لا صالحاً فطالحاً كأنه يقول: إن لا يكن صالحاً فقد مررت به أو لقيته طالحاً. وزعم يونس أن من العرب من يقول: إن لا صالحٍ فطالحٍ على: إن لا أكن مررت بصالحٍ فبطالحٍ وهذا قبيح ضعيف لأنك تضمر بعد إن لا فعلاً آخر فيه حذف غير الذي تضمر بعد إن لا في قولك: إن لا يكن صالحاً فطالحٌ. ولا يجوز أن يضمر الجار ولكنهم لما ذكروه في أول كلامهم شبهوه بغيره من الفعل. وكان هذا عندهم أقوى إذا أضمرت رب ونحوها في قولهم: وبلدةٍ ليس بها أنيس ومن ثم قال يونس: امرر على أيهم أفضل إن زيداً وإن عمرو. يعني: إن مررت بزيد أو مررت بعمرو. واعلم أنه لا ينتصب شيء بعد إن ولا يرتفع إلا بفعل لأن إن من الحروف التي يبنى عليها الفعل وهي إن المجازاة وليست من الحروف التي يبتدأ بعدها الأسماء ليبنى عليها الأسماء. فإنما أراد بقوله: إن زيد وإن عمرو إن مررت بزيد أو مررت بعمرو فجرى الكلام على فعل آخر وانجر الاسم بالباء لأنه لا يصل إليه الفعل إلا بالباء كما أنه حين نصبه كان محمولاً على كان أخر لا على الفعل الأول. ومن رأى الجر في هذا قال: مررت برجل إن زيد وإن عمرو يريد: إن كنت مررت بزيدٍ أو كنت مررت بعمرو. ولو قلت: عندنا أيهم أفضل أو عندنا رجل ثم قلت: إن زيداً وإن عمراً كان نصبه على كان وإن رفعته رفعته على كان كأنك قلت: إن كان عندنا زيدٌ أو كان عندنا عمروٌ. ولا يكون رفعه على عندنا من قبل أن عندنا ليس بفعل ولا يجوز بعد إن عندنا أن تبنى الأسماء على الأسماء ولا الأسماء تبنى على عندنا كما لم يجز لك أن تبني بعد إن الأسماء على الأسماء. واعلم أنه لا يجوز لك أن تقول: عبد الله المقتول وأنت تريد: كن عبد الله المقتول لأنه ليس فعلاً يصل من شيء إلى شيء ولأنك لست تشير له إلى أحد. ومن ذلك قول العرب: من بد شولاً فإلى إتلائها نصب لأنه أراد زماناً. والشول لا يكون زماناً ولا مكاناً فيجوز فيها وكقولك: من لد صلاة العصر إلى وقت كذا وكقولك: من لد حائط إلى مكان كذا فلما أراد الزمان حمل الشول على شيء يحسن أن يكون زماناً إذا عمل في الشول ولم يحسن إلا ذا كما لم يحسن ابتداء الأسماء بعد إن حتى أضمرت ما يحسن أن يكون بعدها عاملاً في الأسماء. فكذلك هذا كأنك قلت: من لد أن كانت شولاً فإلى إتلائها. وقد جره قوم على سعة الكلام وجعلوه بمنزلة المصدر حين جعلوه على الحين وإنما يريد حين كذا وكذا وإن لم يكن في قوة المصادر لأنه لا يتصرف تصرفها. واعلم أنه ليس كل حرف يظهر بعده الفعل يحذف فيه الفعل ولكنك تضمر بعد ما أضمرت فيه العرب من الحروف والمواضع وتظهر ما أظهروا وتجري هذه الأشياء التي هي على ما يستخفون بمنزلة ما يحذفون من نفس الكلام ومما هو في الكلام على ما أجروا فليس كل حرف يحذف منه شيء ويثبت فيه نحو: يك ويكن ولم أبل وأبال لم يحملهم ذاك على أن يفعلوه بمثله ولا يحملهم إذا كانوا يثبتون فيقولون: في مر أومر أن يقولوا: في خذ أوخذ وفي كل أوكل. فقف على هذه الأشياء حيث وقفوا ثم فسر. وأما قول الشاعر: لقد كذبتك نفسك فاكذبنها فإن جزعاً وإن إجمال صبر فهذا على إما وليس على إن الجزاء كقولك: إن حقاً وإن كذباً. فهذا على إما محمولٌ. ألا ترى أنك تدخل الفاء ولو كانت على إن الجزاء وقد استقبلت الكلام لاحتجت إلى الجواب. فليس قوله: فإن جزعاً كقوله: إن حقاً وإن كذباً ولكنه على قوله تعالى: " فإما منا بعد وإما فداءً ". ولو قلت: فإن جزعٌ وإن إجمال صبر كان جائزاً كأنك قلت: فإما أمرى جزعٌ وإما إجمال صبرٍ لأنك لو صححتها فقلت: إما جاز ذلك فيها. ولا يجوز طرح ما من إما إلا في الشعر. قال النمر بن تولب: وإنما يريد: وإما من خريف. ومن أجز ذلك في الكلام دخل عليه أن يقول: مررت برجل إن صالحٍ أن طالحٍ يريد إما. وإن أراد إن الجزاء فهو جائزٌ لأنه يضمر فيها الفعل وإما يجري ما بعدها ههنا على الابتداء وعلى الكلام الأول ألا ترى أنك تقول: قد كان ذلك صلاحاً أو فساداً. ولو قلت: قد كان ذلك إن صلاحاً وإن فساداً كان النصب على كان أخرى ويجوز الرفع على ما ذكرنا. ومما ينتصب على إضمار الفعل المستعمل إظهاره قولك: هلا خيراً من ذلك وألا خيراً من ذلك أو غير ذلك. كأنك قلت: ألا تفعل خيراً من ذلك أو ألا تفعل غير ذلك وهلا تأتي خيراً من ذلك. وربما عرضت هذا على نفسك فكنت فيه كالمخاطب كقولك: هلا أفعل وألا أفعل. وإن شئت رفعته فقد سمعنا رفع بعضه من العرب وممن سمعه من العرب. فجاز إضمار ما يرفع كما جاز إضمار ما ينصب. ومن ذلك قولك: أو فرقاً خيراً من حبٍ أي أو أفرقك فرقاً خيراً من حبٍ. وإنما حمله على الفعل لأنه سئل عن فعله فأجابه على الفعل الذي هو عليه. ولو رفع جاز كأنه قال: أو أمري فرق خير من حب. وإنما انتصب هذا النحو على أنه يكون الرجل في فعل فيريد أن ينقله أو ينتقل هو إلى فعل آخر. فمن ثم نصب أو فرقاً لأنه أجاب على أفرقك وترك الحب. ومما ينتصب على إضمار الفعل المستعمل إظهاره قولك: ألا طعام ولو تمراً كأنك قلت: ولو كان تمراً وأتني بدابة ولو حماراً. وإن شئت قلت: ألا طعام ولو تمر كأنك قلت: ولو يكون عندنا تمرٌ ولو سقط إلينا تمرٌ. وأحسن ما يضمر منه أحسنه في الإظهار. ولو قلت: ولو حمارٍ فجررت كان بمنزلة في إن. ومثله قول بعضهم إذا قلت: جئتك بدرهمٍ: فهلا دينارٍ. وهو بمنزلة إن في هذا الموضع يبنى عليها الأفعال والرفع قبيح في: فهلا دينار وفي: ولو حمار لأنك لو لم تحمله على إضمار يكون ففعل المخاطب أولى به. والرفع في هذا وفي: ولو حمارٌ بعيد كأنه يقول: ولو يكون مما يأتيني به حمارٌ. ولو بمنزلة إن لا يكون بعدها إلا الأفعال فإن سقط بعدها اسم ففيه فعل مضمر في هذا الموضع تبنى عليه الأسماء. فلو قلت: ألا ماء ولو بارداً لم يحسنإلا النصب لأن بارداً صفة. ولو قلت: ائتني بباردٍ كان قبيحاً ولو قلت: ائتني بتمرٍ كان حسناً ألا ترى كيف قبح أن يضع الصفة موضع الاسم. ومن ذلك قول العرب: ادفع الشر ولو إصبعاً كأنه قال: ولو دفعته إصبعاً ولو كان إصبعاً. ولا يحسن أن تحمله على ما يرفع لأنك إن لم تحمله على إضمار يكون ففعل المخاطب المذكور أولى وأقرب فالرفع في هذا وفي ائتني بدابة ولو حمار بعيد كأنه يقول: ولو يكون مما تأتيني به حمارٌ ولو يكون مما تدفع به إصبعٌ. ومما ينتصب على إضمار الفعل المستعمل إظهاره أن ترى الرجل قد قدم من سفر فتقول: خير مقدم. أو يقول الرجل: رأيت فيما يرى النائم كذا وكذا فتقول: خيراً وما شر وخيراً لنا وشراً لعدونا. وإن شئت قلت: خير مقدم وخير لنا وشر لعدونا. أما النصب فكأنه بناه على قوله قدمت فقال: قدمت خير مقدم وإن لم يسمع منه هذا اللفظ فإن قدومه ورؤيته إياه بمنزلة قوله: قدمت. وكذلك إن قيل: قدم فلان وكذلك إذا قال: رأيت فيما يرى النائم كذا وكذا فتقول: خيراً لنا وشراً لعدونا. فإذا نصب فعلى الفعل. وأما الرفع فعلى أنه مبتدأ أو مبنيٌ على مبتدأ ولم يرد أن يحمله على الفعل ولكنه قال: هذا خير مقدم وهذا خير لنا وشر لعدونا وهذا خير وما سر. ومن ثم قالوا: مصاحب معان ومبرور مأجور كأنه قال: أنت مصاحب وأنت مبرور. فإذا رفعت هذه الأشياء فالذي في نفسك ما أظهرت وإذا نصبت فالذي في نفسك غير ما وأما قولهم: راشداً مهدياً فإنهم أضمروا اذهب راشداً مهدياً. وإن شئت رفعت كما رفعت مصاحب معان ولكنه كثر النصب في كلامهم لأن راشداً مهدياً بمنزلة ما صار بدلاً من اللفظ بالفعل كأنه لفظ برشدت وهديت. وسترى بيان ذلك إن شاء الله. ومثله: هنيئاً مريئاً. وإن شئت نصبت فقلت: مبروراً مأجوراً ومصاحباً معاناً. حدثنا بذلك عن العرب عيسى ويونس وغيرهما كأنه قال: رجعت مبروراً واذهب مصاحباً. ومما ينتصب أيضاً على إضمار الفعل المستعمل إظهاره قول العرب: حدث فلان بكذا وكذا فتقول: صادقاً والله. أو أنشدك شعراً فتقول: صادقاً والله أي قاله صادقاً. لأنك إذا أنشدك فكأنه قد قال كذا. ومن ذلك أيضاً أن ترى رجلاً قد أوقع أمراً أو تعرض له فتقول: متعرضاً لعنن لم تعنه أي دنا من هذا الأمر متعرضاً لعنن لم يعنه. وترك ذكر الفعل لما يرى من الحال. ومثله: بيع الملطى لا عهد ولا عقد وذلك إن كنت في حال مساومةٍ وحال بيعٍ فتدع أبايعك استغناءً لما فيه من الحال. ومثله: مواعيد عرقوبٍ أخاه بيثرب كأنه قال: واعدتني مواعيد عرقوب أخاه ولكنه ترك واعدتني استغناءً بما هو فيه من ذكر الخلف واكتفاءً بعلم من يعنى بما كان بينهما قبل ذلك. ومن العرب من يقول: متعرض ومنهم من يقول: صادق والله. وكل عربي. ومثله: غضب الخيل على اللجم كأنه قال: غضبت أو رآه غضبان فقال: غضب الخيل فكأنه بمنزلة قوله: غضبت غضب الخيل على اللجم. ومن العرب من يرفع فيقول: غضب الخيل على اللجم فرفعه كما رفع بعضهم: الظباء على البقر. ومثله أن تسمع الرجل ذكر رجلاً فتقول: أهل ذاك وأهله أي ذكرت أهله لأنك في ذكره تحمله على المعنى. وإن شاء رفع على هو. ونصبه وتفسيره تفسير خير مقدم.

هذا باب ما ينتصب على إضمار الفعل المتروك إظهاره استغناءً عنه

وسأمثله لك مظهراً لتعلم ما أرادوا إن شاء الله تعالى.

هذا باب ما جرى منه على الأمر والتحذير

وذلك قولك إذا كنت تحذر: إياك. كأنك قلت: إياك بح وإياك باعد وإياك اتق وما أشبه ذا. ومن ذلك أن تقول: نفسك يا فلان أي اتق نفسك إلا أن هذا لا يجوز فيه إظهار ما أضمرت ولكن ذكرته لأمثل لك ما لا يظهر إضماره. ومن ذلك أيضاً قولك: إياك والأسد وإياي والشر كأنه قال: إياك فاتقين والأسد وكأنه قال: إياي لأتقين والشر. فإياك متقى والأسد والشر متقيان فكلاهما مفعول ومفعول منه. ومثله: إياي وأن يحذف أحدكم الأرنب. ومثله: إياك وإياه وإياي وإياه كأنه قال: إياك باعد وإياه أو نح. وزعم أن بعضهم يقال له: إياك فيقول: إياي كأنه قال: إياي أحفظ وأحذر. وحذفوا الفعل من إياك لكثرة استعمالهم إياه في الكلام فصار بدلاً من الفعل وحذفوا كحذفهم: حينئذٍ الآن فكأنه قال: احذر الأسد ولكن لا بد من الواو لأنه اسم مضموم إلى آخر. ومن ذلك: رأسه والحائط كأنه قال: خل أو دع رأسه والحائط فالرأس مفعول والحائط مفهول معه فانتصبا جميعاً. ومن ذلك قولهم: شأنك والحج كأنه قال: عليك شأنك مع الحج. ومن ذلك: امرأ ونفسه كأنه قال: دع امرأ مع نفسه فصارت الواو في معنى مع كما صارت في معنى مع في قولهم: ما صنعت وأخاك. وإن شئت لم يكن فيه ذلك المعنى فهو عربي جيد كأنه قال: عليك رأسك وعليك الحائط وكأنه قال: دع امرأ ودع نفسه فليس ينقض هذا ما أردت في معنى مع من الحديث. ومثل ذلك: أهلك والليل كأنه قال: بادر أهلك قبل الليل وإنما المعنى أن يحذره أن يدركه الليل. والليل محذر منه كما كان الأسد محتفظاً منه. ومن ذلك قولهم: ماز رأسك والسيف كما تقول: رأسك والحائط وهو يحذره كأنه قال: اتق رأسك والحائط. وإنما حذفوا الفعل في هذه الأشياء حين ثنوا لكثرتها في كلامهم واستغناءً بما يرون من الحال ولما جرى من الذكر وصار المفعول الأول بدلاً من اللفظ بالفعل حين صار عندهم مثل: إياك ولم يكن مثل: إياك لو أفردته لأنه لم يكثر في كلامهم كثرة إياك فشبهت بإياك حيث طال الكلام وكان كثيراً في الكلام. فلو قلت: نفسك أو رأسك أو الجدار كان إظهار الفعل جائزاً نحو قولك: اتق رأسك واحفظ نفسك واتق الجدار. فلما ثنيت صار بمنزلة إياك وإياك بدل من اللفظ بالفعل كما ومما جعل بدلاً من اللفظ بالفعل قولهم: الحذر الحذر والنجاء النجاء وضرباً ضرباً. فإنما انتصب هذا على الزم الحذر وعليك النجاء ولكنهم حذفوا لأنه صار بمنزلة افعل. ودخول الزم وعليك على افعل محال. ومن ثم قالوا وهو لعمرو بن معد يكرب: أريد حباءه ويريد قتلي عذيرك من خليلك من مراد وقال الكميت: نعاء جذاماً غير موت ولا قتل ولكن فراقاً للدعائم والأصل وقال ذو الإصبع العدواني: عذير الحي من عدوا - ن كانوا حية الأرض فلم يجز إظهار الفعل وقبح كما كان ذلك محالاً.

هذا باب ما يكون معطوفاً في هذا الباب على الفاعل المضمر في النية ويكون معطوفاً على المفعول وما يكون صفة المرفوع المضمر في النية ويكون على المفعول

وذلك قولك: إياك أنت نفسك أن تفعل وإياك نفسك أن تفعل. فإن عنيت الفاعل المضمر في النية قلت: إياك أنت نفسك كأنك قلت: إياك نح أنت نفسك وحملته على الاسم المضمر في نح. فإن قلت: إياك نفسك تريد الاسم المضمر الفاعل فهو قبيح وهو على قبحه رفع ويدلك على قبحه أنك لو قلت: اذهب نفسك كان قبيحاً حتى تقول: أنت نفسك. فمن ثم كان نصباً لأنك إذا وصفت بنفسك المضمر المنصوب بغير أنت جاز تقول: رأيتك نفسك ولا تقول: انطلقت نفسك. وإذا عطفت قلت: إياك وزيداً والأسد وكذلك: رأسك ورجليك والضرب. وإنما أمرته أن يتقيهما جميعاً والضرب. وإن حملت الثاني على الاسم المرفوع المضمر فهو قبيح لأنك لو قلت: اذهب وزيد كان قبيحاً حتى تقول: اذهب أنت وزيد. فإن قلت إياك أنت وزيدٌ فأنت بالخيار إن شئت قلت ذاك أنت وزيد جاز فإن قلت: رأيتك قلت ذاك وزيداً فالنصب أحسن لأن المنصوب يعطف على المنصوب المضمر ولا يعطف على المرفوع المضمر إلا في الشعر وذلك قبيح. أنشدنا يونس لجرير: أنشدناه منصوباً وزعم أن العرب كذا تنشده. واعلم أنه لا يجوز أن تقول: إياك زيداً كما أنه لا يجوز أن تقول: رأسك الجدار حتى تقول: من الجدار أو والجدار. وكذلك أن تفعل إذا أردت إياك والفعل. فإذا قلت: إياك أن تفعل تريد إياك أعظ مخافة أن تفعل أومن أجل أن تفعل جاز لأنك لا تريد أن تضمه إلى الاسم الأول كأنك قلت: إياك نح لمكان كذا وكذا. ولو قلت: إياك الأسد تريد من الأسد لم يجز كما جاز في أن إلا أنهم زعموا أن ابن أبي إسحاق أجاز هذا البيت في شعر: إياك إياك المراء فإنه إلى الشر دعاءٌ وللشر جالب كأنه قال: إياك ثم أضمر بعد إياك فعلاً آخر فقال: اتق المراء. وقال الخليل: لو أن رجلاً قال: إياك نفسك لم أعنفه لأن هذه الكاف مجرورة. وحدثني من لا أتهم عن الخليل أنه سمع أعرابياً يقول: إذا بلغ الرجل الستين فإياه وإيا الشواب.

هذا باب يحذف منه الفعل لكثرته في كلامهم حتى صار بمنزلة المثل

وذلك قولك: " هذا ولا زعماتك ". أي: ولا أتوهم زعماتك. ومن ذلك قول الشاعر وهو ذو الرمة وذكر الديار والمنازل: ديار مية إذا مي مساعفة ولا يرى مثلها عجم ولا عرب كأنه قال: أذكر ديار مية. ولكنه لا يذكر أذكر لكثرة ذلك في كلامهم واستعمالهم إياه ولما كان فيه من ذكر الديار قبل ذلك ولم يذكر: ولا أتوهم زعماتك لكثرة استعمالهم إياه ولاستدلاله مما يرى من حاله أنه ينهاه عن زعمه. ومن ذلك قول العرب: " كليهما وتمراً " فذا مثل قد كثر في كلامهم واستعمل وترك ذكر الفعل لما كان قبل ذلك من الكلام كأنه قال: أعطني كليهما وتمراً. ومن ذلك قولهم: " كل شيء ولا هذا " و " كل شيء ولا شتيمة حر " أي ائت كل شيء ولا ترتكب شتيمة حر فحذف لكثرة استعمالهم إياه فأجري مجرى: ولا زعماتك. ومن العرب من يقول: " كلاهما وتمراً " كأنه قال: كلاهما لي ثابتان وزدني تمراً. و " كل شيء ولا شتيمة حر ". كأنه قال: كل شيء أمم ولا شتيمة حر وترك ذكر الفعل بعد لا لما ذكرت لك ولأنه يستدل بقوله: كل شيء أنه ينهاه. ومن العرب من يرفع الديار كأنه يقول: تلك ديار فلانة. اعتاد قلبك من سلمى عوائده وهاج أهواءك المكنونة الطلل ربع قواء أذاع المعصرات به وكل حيران سار ماؤه خضل كأنه قال: وذاك ربع أو هو ربع " رفعه على ذا وما أشبهه سمعناه ممن يرويه عن العرب ". ومثله " لعمر بن أبي ربيعة ": هل تعرف اليوم رسم الدار والطللا كما عرفت بجفن الصيقل الخللا دار لمروة إذ أهلي وأهلهم بالكانسية نرعى اللهو والغزلا فإذا رفعت فالذي في نفسك ما أظهرت وإذا نصبت فالذي في نفسك غير ما أظهرت. ومما ينتصب في هذا الباب على إضمار الفعل المتروك إظهاره: " انتهوا خيراً لكم " و " وراءك أوسع لك " وحسبك خيراً لك إذا كنت تأمر. ومن ذلك قول " الشاعر وهو " ابن أبي ربيعة: فواعديه سرحتي مالك أو الربا بينهما أسهلا وإنما نصبت خيراً لك وأوسع لك لأنك حين قلت: " انته " فأنت تريد أن تخرجه من أمر وتدخله في آخر. وقال الخليل: كأنك تحمله على ذلك المعنى كأنك قلت: انته وادخل فيما هو خير لك فنصبته لأنك قد عرفت أنك إذا قلت له: انته أنك تحمله على أمر آخر فلذلك انتصب وحذفوا الفعل لكثرة استعمالهم إياه في الكلام ولعلم المخاطب أنه محمول على أمر حين قال له: انته فصار بدلاً من قوله: ائت خيراً " لك " وادخل فيما هو خير لك. ونظير ذلك من الكلام قوله: انته يا فلان أمراً قاصداً. فإنما قلت: انته وائت أمراً قاصداً إلا أن هذا يجوز لك فيه إظهار الفعل فإنما ذكرت لك ذا لأمثل لك الأول به لأنه قد كثر في كلامهم حتى صار بمنزلة المثل فحذف كحذفهم: ما أريت كاليوم رجلاً. ومثل ذلك قول القطامي: فكرت تبتغيه فوافقته على دمه ومصرعه السباعا ومثله قوله " وهو ابن الرقيات ": لن تراها ولو تأملت إلا ولها في مفارق الرأس طيبا وإنما نصب هذا لأنه حين قال وافقته " و " قال: لن تراها فقد علم أن الطيب والسباع قد دخلا في الرؤية والموافقة وإنهما قد اشتملا على ما بعدهما في المعنى. ومثل ذلك قول ابن قميئة: تذكر أرضاً بها أهلها أخوالها فيها وأعمامها لأن الأخوال والأعمام قد دخلوا في التذكر. إذا تغنى الحمام الورق هيجني ولو تغربت عنها أم عمار قال الخليل رحمه الله: لما قال هيجني عرف أنه قد كان ثم تذكر لتذكرة الحمام وتهييجه فألقى ذلك الذي قد عرف منه على أم عمار كأنه قال: هيجني فذكرني أم عمار. ومثل ذلك أيضاً قول الخليل رحمه الله وهو قول أبي عمرو: ألا رجل إما زيداً وإما عمراً لأنه حين قال: ألا رجل فهو متمن شيئاً يسأله ويريده فكأنه قال: اللهم اجعله زيداً أو عمراً أو وفق لي زيداً أو عمراً. وإن شاء أظهر فيه وفي جميع هذا الذي مثل به وإن شاء اكتفي فلم يذكر الفعل لأنه قد عرف أنه متمن سائل شيئاً وطالبه. ومثل ذلك قول الشاعر " وهو عبد بني عبس ": قد سالم الحيات منه القدما الأفعوان والشجاع الشجعما وذات قرنين ضموزاً ضرزما فإنما نصب الأفعوان والشجاع لأنه قد علم أن القدم ههنا مسالمة كما أنها مسالمة فحمل الكلام على أنها مسالمة. ومثل هذا البيت إنشاد بعضهم لأوس بن حجر: وإنشاد بعضهم للحارق بن نهيك: ليبك يزيد ضارع لخصومة ومختبط مما تطيح الطوائح لما قال: ليبك يزيد كان فيه معنى ليبك يزيد كما كان في القدم أنها مسالمة كأنه قال: ليبكه ضارع. ومن ذلك قول عبد العزيز " الكلابي ": وجدنا الصالحين لهم جزاء وجنات وعيناً سلسيلا لأن الوجدان مشتمل في المعنى على الجزاء فحمل الآخر على المعنى. ولو نصب الجزاء كما نصب السباع لجاز. وقال: أسقى الإله عدوات الوادي وجوفه كل ملث غادي كل أجش حالك السواد كأنه قال: سقاها كل أجش كما حمل ضارع لخصومة على ليبك يزيد لأنه فيه معنى سقاها كل أجش. ولا يجوز أن تقول: ينتهي خيراً له ولا أأنتهي خيراً لي لأنك إذا نهيت فأنت تزيجه إلا أمر وإذا أخبرت أو استفهمت فأنت لست تريد شيئاً من ذلك إنما تعلم خبراً أو تسترشد مخبراً وليس بمنزلة وافقته على دمه ومصرعه السباعا لأن السباع داخل في معنى وافقته كأنه قال: وافقت السباع على مصرعه " والخير والشر لا يكون محمولاً على ينتهي وشبهه لا تستطيع أن تقول: انتهيت خيراً كما تقول: قد أصبت خيراً ". وقد يجوز أن تقول: ألا رجل إما زيد وإما عمرو كأنه قيل له: من هذا المتمني فقال: زيد أو عمرو. ومثل: ليبك يزيد قراءة بعضهم: " وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم " رفع الشركاء على " مثل " ما رفع عليه ضارع.

هذا باب ما ينتصب على إضمار الفعل المتروك إظهاره في غير الأمر والنهي

وذلك قولك: أخذته بدرهم فصاعدا وأخذته بدرهم فزائداً. حذفوا الفعل لكثرة استعمالهم إياه ولأنهم أمنوا أن يكون على الباء لو قلت: أخذته بصاعد كان قبيحاً لأنه صفة ولا تكون في موضع الاسم كأنه قال: أخذته بدرهم فزاد الثمن صاعداً أو فذهب صاعداً. ولا يجوز أن تقول: وصاعد لأنك لا تريد أن تخبر أن الدرهم مع صاعد ثمن لشيء كقولك: بدرهم وزيادة ولكنك أخبرت بأدنى الثمن فجلته أولاً ثم قروت شيئاً بعد شيء لأثمان شتى. فالواو لم ترد فيها هذا المعنى ولم تلزم الواو الشيئين أن يكون أحدهما بعد الآخر. ألا ترى أنك إذا قلت: مررت بزيد وعمرو لم يكن في هذا دليل أنك مررت بعمرو بعد زيد. وصاعد بدل من زاد ويزيد. وثم بمنزلة الفاء تقول: ثم صاعداً إلا أن الفاء أكثر في كلامهم. ومما ينتصب في غير الأمر والنهي على الفعل المتروك إظهاره قولك: يا عبد الله والنداء كله. وأما يا زيد فله علة ستراها في باب النداء إن شاء الله تعالى حذفوا الفعل لكثرة استعمالهم هذا في الكلام وصار يا بدلا من اللفظ بالفعل كأنه قال: يا أريد عبد الله فحذف أريد وصارت يا بدلاً منها لأنك إذا قلت: يا فلان علم أنك تريده. ومما يدلك على أنه ينتصب على الفعل وأن يا صارت بدلاً من اللفظ بالفعل قول العرب: يا إياك إنما قلت: يا إياك أعنى ولكنهم حذفوا الفعل وصار يا وأيا وأي بدلاً من اللفظ بالفعل. وزعم الخليل رحمه الله أنه سمع بعض العرب يقول: يا أنت. فزعم أنهم جعلوه موضع المفرد. وإن شئت قلت: يا فكان بمنزلة يا زيد ثم تقول: إياك. أي إياك أعني. هذا قول الخليل رحمه الله في الوجهين. ومن ذلك قول العرب: من أنت زيداً فزعم يونس أنه على قوله: من أنت تذكر زيداً ولكنه كثر في كلامهم واستعمل واستغنوا عن إظهاره فإنه قد علم أن زيداً ليس خبراً " ولا مبتدأ " ولا مبنياً على مبتدأ فلا بد من أن يكون على الفعل كأنه قال: من أنت معرفاً ذا الاسم ولم يحمل زيداً على من ولا أنت. ولا يكون من أنت زيداً إلا جواباً كأنه لما قال: أنا زيد قال: فمن أنت ذاكراً زيداً. وبعضهم يرفع وذلك قليل كأنه قال: من أنت كلامك أو ذكرك زيد. وإنما قل الرفع لأن إعمالهم الفعل أحسن من أن يكون خبراً لمصدر ليس له ولكنه يجوز على سعة الكلام وصار كالمثل الجاري حتى إنهم ليسألون الرجل عن غيره فيقولون للمسؤول: من أنت زيداً كأنه يكلم الذي قال: أنا زيد أي أنت عندي بمنزلة الذي قال: أنا زيد فقيل له: من أنت زيداً كما تقول للرجل: " أطري إنك ناعلة واجمعي ". أي أنت عندي بمنزلة التي يقال لها هذا. سمعنا رجلاً منهم يذكر رجلاً فقال لرجل ساكت لم يذكر ذلك الرجل: من أنت فلاناً. ومن ذلك قول العرب: أما أنت منطلقاً انطلقت معك وأما زيد ذاهباً ذهبت معه. وقال الشاعر وهو عباس بن مرداس: أبا خراشة أما أنت ذا نفر فإن قومي لم تأكلهم الضبع فإنما هي " أن " ضمت إليها " ما " وهي ما التوكيد ولزمت كراهية أن يجحفوا بها لتكون عوضاً من ذهاب الفعل كما كانت الهاء والألف عوضاً في الزنادقة واليماني من الياء. ومثل أن في لزوم " ما " قولهم إما لا فألزموها ما عوضاً. وهذا أحرى أن يلزموا فيه إذ كانوا يقولون: آثراً ما فيلزمون ما شبهوها بما يلزم من النونات في لأفعلن واللام في إن كان ليفعل وإن كان ليس مثله وإنما هو شاذ كنحو ما شبه بما ليس مثله فلما كان قبيحاً عندهم أن يذكروا الاسم بعد أن ويبتدئوه بعدها كقبح كي عبد الله يقول ذاك حملوه على الفعل حتى صار كأنهم قالوا: إذ صرت منطلقاً فأنا أنطلق " معك " لأنها في معنى إذ في هذا الموضع وإذ في معناها أيضاً في هذا الموضع إلا أن إذ لا يحذف معها الفعل. و " أما " لا يذكر بعدها الفعل المضمر لأنه من المضمر المتروك إظهاره حتى صار ساقطاً بمنزلة تركهم ذلك في النداء وفي من أنت زيداً. فإن أظهرت الفعل قلت: إما كنت منطلقاً انطلقت إنما تريد: إن كنت منطلقاً انطلقت فحذف الفعل لا يجوز ههنا كما لم يجز ثم إظهاره لأن أما كثرت في كلامهم واستعملت حتى صارت كالمثل المستعمل. وليس كل حرف هكذا كما أنه ليس كل حرف بمنزلة لم أبل ولم يك ولكنهم حذفوا هذا لكثرته وللاستخفاف فكذلك حذفوا الفعل من أما. ومثل ذلك قولهم: إما لا فكأنه يقول: افعل هذا إن كنت لا تفعل غيره ولكنهم حذفوا " ذا " لكثرة استعمالهم إياه وتصرفهم حتى استغنوا عنه بهذا. ومن ذلك قولهم: مرحباً وأهلاً وإن تأتني فأهل الليل والنهار. وزعم الخليل رحمه الله حين مثله أنه بمنزلة رجل رأيته قد سدد سهمه فقلت: القرطاس أي أصبت القرطاس أي أنت عندي ممن سيصيبه. وإن أثبت سهمه قلت: القرطاس أي قد استحق وقوعه بالقرطاس. فإنما رأيت رجلاً قاصداً إلى مكان أو طالباً أمراً فقلت: مرحباً وأهلاً أي أدركت ذلك وأصبت فحذفوا الفعل لكثرة استعمالهم إياه وكأنه صار بدلاً من رحبت بلادك وأهلت كما كان الحذر بدلاً من احذر. ويقول الراد: وبك وأهلاً وسهلاً وبك أهلاً. فإذا قال: وبك وأهلاً فكأنه قد لفظ بمرحباً بك وأهلاً. وإذا قال: وبك أهلاً فهو يقول: ولك الأهل إذا كان عندك الرحب والسعة. فإذا رددت فإنما تقول: أنت عندي ممن يقال له هذا لو جئتني. وإنما جئت ببك لنبين من تعني بعد ما قلت: مرحباً كما قلت: لك بعد سقيا. ومنهم من يرفع فيجعل ما يضمره هو ما أظهر. وقال طفيل الغنوي: وبالسهب ميمون القبة قوله لملتمس المعروف: أهل ومرحب أي هذا أهل ومرحب. وقال أبو الأسود: فاعرف فيما ذكرت لك أن الفعل يجري في الأسماء على ثلاثة مجار: فعل مظهر لا يحسن إضماره وفعل مضمر مستعمل إظهاره وفعل مضمر متروك إظهاره. فأما الفعل الذي لا يحسن إضماره فإنه أن تنتهي إلى رجل لم يكن في ذكر ضرب ولم يخطر بباله فتقول: زيداً. فلا بد له من أن تقول له: اضرب زيداً وتقول له: قد ضربت زيداً. أو يكون موضعاً يقبح أن يعرى من الفعل نحو أن وقد وما أشبه ذلك. وأما الموضع الذي يضمر فيه وإظهاره مستعمل فنحو قولك: زيداً لرجل في ذكر ضرب تريد: اضرب زيداً. وأما الموضع الذي لا يستعمل فيه الفعل المتروك إظهاره فمن الباب الذي ذكر فيه إياك إلى الباب الذي آخره ذكر مرحباً وأهلاً. وسترى ذلك فيما يستقبل إن شاء الله.

باب ما يظهر فيه الفعل وينتصب فيه الاسم لأنه مفعول معه ومفعول به كما انتصب نفسه في قولك: امرأ ونفسه

وذلك قولك: ما صنعت وأباك ولو تركت الناقة وفصيلها لرضعها إنما أردت: ما صنعت مع أبيك ولو تركت الناقة مع فصيلها. فالفصيل مفعول معه والأب كذلك والواو لم تغير المعنى ولكنها تعمل في الاسم ما ومثل ذلك: ما زلت وزيداً " حتى فعل " أي ما زلت بزيد حتى فعل فهو مفعول به. وما زلت أسير والنيل أي مع النيل واستوى الماء والخشبة أي بالخشبة. وجاء البرد والطيالسة أي مع الطيالسة. وقال: فكونوا أنتم وبني أبيكم مكان الكليتين من الطحال وقال: وكان وإياها كحران لم يفق عن الماء إذا لاقاه حتى تقددا ويدلك على أن الاسم ليس على الفعل في صنعت أنك لو قلت: اقعد وأخوك كان قبيحاً حتى تقول: أنت لأنه قبيح أن تعطف على المرفوع المضمر. فإذا قلت: ما صنعت أنت ولو تركت هي فأنت بالخيار إن شئت حملت الآخر على ما حملت عليه الأول وإن شئت حملته على المعنى الأول.

باب معنى الواو فيه كمعناها في الباب الأول إلا أنها تعطف الاسم هنا على ما لا يكون ما بعده إلا رفعاً على كل حال

وذلك قولك: أنت وشأنك وكل رجل وضيعته وما أنت وعبد الله وكيف أنت وقصعة من يا زبرقان أخا بني خلف ما أنت ويب أبيك والفخر وقال جميل: وأنت امرؤ من أهل نجد وأهلنا تهام فما النجدي والمتغور وقال: وكنت هناك أنت كريم قيس فما القيسي بعدك والفخار وإنما فرق بين هذا وبين الباب الأول لأنه اسم والأول فعل فأعمل كأنك قلت في الأول: ما صنعت أخاك وهذا محال ولكن أردت أن أمثل لك. ولو قلت: ما صنعت مع أخيك وما زلت بعبد الله لكان مع أخيك وبعبد الله في موضع نصب. ولو قلت: أنت وشأنك كنت كأنك قلت: أنت وشأنك مقرونان وكل امرئ وضيعته مقرونان لأن الواو في معنى مع عنا يعمل فيما بعدها ما عمل فيما قبلها من الابتداء والمبتدأ. ومثله: أنت أعلم ومالك فإنما أردت: أنت أعلم مع مالك. وأنت أعلم وعبد الله أي أنت علم مع عبد الله. وإن شئت كان على الوجه الآخر كأنك قلت: أنت وعبد الله أعلم من غيركما. فإن قلت: أنت أعلم وعبد الله في الوجه الآخر فإنها أيضاً تعمل فيما بعدها الابتداء كما أعملت في ما صنعت وأخاك " صنعت ". فعلى أي الوجهين وجهته صار على المبتدأ لأن الواو وكذلك: ما أنت وعبد الله وكيف أنت وعبد الله كأنك قلت: ما أنت وما عبد الله وأنت تريد أن تحقر أمره أو ترفع أمره. و " كذلك ": كيف أنت وعبد الله وأنت تريد أن تسأل عن شأنهما لأنك إنما تعطف بالواو إذا أردت معنى مع على كيف وكيف بمنزلة الابتداء كأنك قلت: وكيف عبد الله فعملت كما عمل الابتداء لأنها ليست بفعل ولأن ما بعدها لا يكون إلا رفعاً. يدلك على ذلك قول الشاعر " وهو زياد الأعجم ويقال غيره ": تكلفني سويق الكرم جرم وما جرم وما ذاك السويق ألا ترى أنه يريد معنى مع والاسم يعمل فيه ما. ومثل ذلك قول العرب: إنك ما وخيراً تريد: إنك مع خير. وقال وهو لأبي عنترة العبسي: فمن يك سائلاً عني فإني وجروة لا ترود ولا تعار فهذا كله ينتصب انتصاب إني وزيداً منطلقان ومعناهن مع لأن إني ها هنا بمنزلة الابتداء ليست بفعل ولا اسم بمنزلة الفعل. وكيف أنت وزيد وأنت وشأنك مثالهما واحد لأن الابتداء وكيف وما وأنت يعملن فيما كان معناه مع بالرفع فيحسن ويحمل على " المبتدأ كما يحمل على " الابتداء. ألا ترى أنك تقول: ما أنت وما زيد فيحسن ولو قلت: ما صنعت وما زيد لم يحسن ولم يستقم إذا أردت معنى ما صنعت وزيداً ولم يكن لتعمل ما أنت وكيف أنت عمل صنعت وليستا بفعل ولم نرهم أعملوا شيئاً من هذا كذا. فإذا نصبت فكأنك قلت: ما صنعت زيداً مثل ضربت زيداً ورأيت. ولم نر شيئاً من هذا ليس بفعل فعل به هذا فتجريه مجرى الفعل. وزعموا أن ناساً يقولون: كيف أنت وزيداً وما أنت وزيداً. وهو قليل في كلام العرب ولم يحملوا الكلام على ما ولا كيف ولكنهم حملوه على الفعل على شيء لو ظهر حتى يلفظوا به لم ينقض ما أرادوا من المعنى حين حملوا الكلام على ما وكيف كأنه قال: كيف تكون وقصعة من ثريد وما كنت وزيداً لأن كنت وتكون يقعان ها هنا كثيراً ولا ينقضان ما تريد من معنى الحديث. فمضى صدر الكلام وكأنه قد تكلم بها " وإن كان لم يلفظ بها لوقوعها ههنا كثيراً ". ومن ثم أنشد بعضهم: فما أنا والسير في متلف يبرح بالذكر الضابط لأنهم يقولون: " ما كنت " هنا كثيراً ولا ينقض هذا المعنى. وفي " كيف " معنى يكون فجرى " ما أنت " مجرى " ما كنت " كما أن كيف على معنى يكون. وإذا قال: أنت وشأنك فإنما أجرى كلامه على ما هو فيه الآن لا يريد كان ولا يكون. وإن كان حمله على هذا ودعاه إليه شيء قد كان بلغه فإنما ابتدأ وحمله على ما هو فيه الآن وجرى على ما يبنى على المبتدأ. ولذلك لم يستعملوا ههنا الفعل من كان ويكون لما أرادوا من الإجراء على ما ذكرت لك. وزعم أبو الخطاب أنه سمع بعض العرب الموثوق بهم ينشد " هذا البيت نصباً ": أتوعدني بقومك يا ابن حجل أشابات يخالون العبادا بما جمت من حضن وعمرو وما حضن وعمرو والجيادا وزعموا أنالراعي كان ينشد هذا البيت نصباً: أزمان قومي والجماعة كالذي منع الرحالة أن تميل مميلا كأنه قال: أزمان كان قومي والجماعة فحملوه على كان. أنها تقع في هذا الموضع كثيراً ولا تنقض ما أرادوا من المعنى حين يحملون الكلام على ما يرفع فكأنه إذا قال: أزمان قومي كان معناه: أزمان كانوا قومي والجماعة كالذي وما كان حضن وعمرو والجيادا. ولو لم يقل: أزمان كن قومي لكان معناه إذا قال: أزمان قومي أزمان كان قومي لأنه أمر قد مضى. وأما أنت وشأنك وكل امرئ وضيعته وأنت أعلم وربك وأشبه ذلك فكله رفع لا يكون فيه النصب لأنك إنما تريد أن تخبر بالحال التي فيها المحدث عنه في حال حديثك فقلت: أنت الآن وأما الاستفهام فإنهم أجازوا فيه النصب لأنهم يستعملون الفعل في ذلك الموضع كثيراً يقولون: ما كنت وكيف تكون إذا أرادوا معنى مع ومن ثم قالوا: أزمان قومي والجماعة لأنه موضع يدخل فيه الفعل كثيراً يقولون: أزمان كان وحين كان. وهذا مشبه بقول صرمة الأنصاري: بداء لي أنى لست مدرك ما مضى ولا سابق شيئاً إذا كان جائيا فجعلوا الكلام على شيء يقع هنا كثيراً. ومثله " قول الأخوص ": مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة ولا ناعب إلا ببين غرابها فحملوه على ليسوا بمصلحين ولست بمدرك. ومثله لعامر بن جوين الطائي: فلم أر مثلها خباسة واحد ونهنهت نفسي بعد ما كدت أفعله فحملوه على أن لأن الشعراء قد يستعملون أن ههنا مضطرين كثيراً.

باب منه يضمرون فيه الفعل لقبح الكلام

وذلك قولك: مالك وزيداً وما شأنك وعمراً. فإنما حد الكلام ههنا: ما شأنك وشأن عمرو. فإن حملت الكلام على الكاف المضمرة فهو قبيح وإن حملته على الشأن لم يجز لأن الشأن ليس يلتبس بعبد الله إنما يلتبس به الرجل المضمر في الشأن. فلما كان ذلك قبيحاً حملوه على الفعل فقالوا: ما شأنك وزيداً أي ما شأنك وتناولك زيداً. قال المسكين الدارمي: فما لك والتلدد حول نجد وقد غصت تهامة بالرجال وقال: وما لكم والفرط لا تقربوه وقد خلته أدنى مرد لعاقل ويدلك أيضاً على قبحه إذا حمل على الشأن أنك إذا قلت: ما شأنك وما عبد الله لم يكن كحسن ما جرم وما ذاك السويق لأنك توهم أن الشأن هو الذي يلتبس بزيد " وإنما يلتبس شأن الرجل بشأن زيد ". ومن أراد ذلك فهو ملغز تارك لكلام الناس الذي يسبق إلى أفئدتهم. فإذا أظهر الاسم فقال: ما شأن عبد الله وأخيه يشتمه فليس إلا الجر لأنه قد حسن أن تحمل الكلام على عبد الله لأن المظهر المجرور يحمل عليه المجرور. وسمعنا بعد العرب يقول: ما شأن عبد الله والعبر يشتمها. وسمعنا أيضاً من العرب الموثوق بهم من يقول: ما شأن قيس والبر تسرقه. لما أظهروا الاسم حسن عندهم أن يحملوا عليه فإذا أضمرت فكأنك قلت: ما شأنك وملابسة زيداً أو وملابستك زيداً فكان أن يكون زيد على فعل وتكون الملابسة على الشأن لأن الشأن معه ملابسة له أحسن من أن يجروا المظهر على المضمر. فإن أظهرت " الاسم في الجر " عمل عمل كيف في الرفع. ومن قال: ما أنت وزيداً قال: ما شأن عبد الله وزيداً. كأنه قال: ما كان شأن عبد الله وزيداً وحمله على كان لأن كان تقع ههنا. والرفع أجود وأكثر " في: ما أنت وزيد " والجر في قولك: ما شأن عبد الله وزيد أحسن وأجود كأنه قال: ما شأن عبد الله وشأن زيد ومن نصب في: ما أنت وزيداً أيضاً قال: ما لزيد وأخاه كأنه قال: ما لزيد وأخاه كأنه قال: ما كان شأن زيد وأخاه لأنه يقع في هذا المعنى ههنا فكأنه قد كان تكلم به. ومن ثم قالوا: حسبك وزيداً لما كان فيه معنى كفاك وقبح أن يحملوه على المضمر نووا الفعل كأنه قال: حسبك ويحسب أخاك درهم. وكذلك: كفيك " وقدك وقطك ". وأما ويلاً له وأخاه وويله وأباه فانتصب على معنى الفعل الذي نصبه كأنك قلت: ألزمه الله ويله وأباه فانتصب على معنى الفعل الذي نصبه فلما كان كذلك - وإن كان لا يظهر - حمله على المعنى. وإن قلت: ويل له وأباه نصبت لأن فيه ذلك المعنى كما أن حسبك يرتفع بالابتداء وفيه معنى كفاك. وهو نحو مررت به وأباه وإن كان أقوى لأنك ذكرت الفعل كأنك قلت: ولقيت أباه. وأما هذا لك وأباك فقبيح " أن تنصبالأب " لأنه لم يذكر فعلاً ولا حرفاً في معنى فعل حتى يصير كأنه قد تكلم بالفعل.

باب ما ينصب من المصادر على إضمار الفعل غير المستعمل وإظهاره

وذلك قولك: سقياً ورعياً ونحو قولك: خيبة ودفراً وجدعاً وعقراً وبؤساً وأفة وتفة وبعداً وسحقاً. ومن ذلك قولك: تعساً وتباً وجوعاً " وجوساً ". ونحو قول ابن ميادة: تفاقد قومي إذ يبيعون مهجتي بجارية بهراً لهم بعدها بهرا أي تباً. " وقال: كأنه قال: جهداً أي جهدي ذلك ". وإنما ينتصب هذا وما أشبهه إذا ذكر مذكور فدعوت له أو عليه على إضمار الفعل كأنك قلت: سقاك الله سقياً ورعاك " الله " رعياً وخيبك الله خيبة. فكل هذا وأشباهه على هذا ينتصب. وإنما اختزل الفعل ها هنا لأنهم جعلوه بدلاً من اللفظ بالفعل كما جعل الحذر بدلاً من احذر. وكذلك هذا كأنه بدل من سقاك الله ورعاك " الله " ومن خيبك الله. وما جاء منه لا يظهر له فعل فهو على هذا المثال نصب كأنك جعلت بهراً بدلاً من بهرك الله فهذا تمثيل ولا يتكلم به. ومما يدلك أيضاً على أنه على الفعل نصب أنك لم تذكر شيئاً من هذه المصادر لتبني عليه كلاماً كما يبنى على عبد الله إذا ابتدأته وأنك لم تجعله مبنياً على اسم مضمر في نيتك ولكنه على دعائك له أو عليه. وأما ذكرهم " لك " بعد سقياً فإنما هو ليبينوا المعنى بالدعاء. وربما تركوه استغناء إذا عرف الداعي أنه قد علم من يعني. وربما جاء به على العلم توكيداً فهذا بمنزلة قولك: " بك " بعد قولك: مرحباً يجريان مجرى واحداً فيما وصفت لك. قال أبو زبيد: أقام وأقوى ذات يوم وخيبة لأول من يلقى وشر ميسر وهذا شبيه رفعه ببيت سمعناه ممن يوثق بعربيته يرويه لقومه قال: عذيرك من مولى إذا نمت لم ينم يقول الخنا أو تعتريك زنابره فلم يحمل الكلام على اذعرين ولكنه قال: إنما عذرك إياي من مولى هذا أمره. ومثله قول الشاعر: أهاجيتم حسان عند ذكائه فغي لأولاد الحماس طويل وفيه المعنى الذي يكون في المنصوب كما أن قولك: رحمة الله عليه فيه معنى الدعاء كأنه قال: رحمه الله.

هذا باب ما جرى من الأسماء مجرى المصادر التي يدعى بها

وذلك قولك: ترباً وجندلاً وما أشبه هذا. فإن أدخلت " لك " فقلت: ترباً لك. فإن تفسيراً ههنا كتفسيرها في الباب الأول كأنه قال: ألزمك الله وأطعمك الله ترباً وجندلاً وما أشبه " من الفعل " واختزل الفعل ها هنا لأنهم جعلوه بدلاً من قولك: تربت يداك " وجندلت ". وقد رفعه بعض العرب فجعله مبتدأ مبنياً عليه ما بعده قال الشاعر: لقد ألب الواشون ألباً لبينهم فترب لأفواه الوشاة وجندل وفيه ذلك المعنى الذي في المنصوب كما كان ذلك في الأول. ومن ذلك قول العرب: فاها لفيك وإنما تريد: فا الداهية كأنه قال: ترباً لفيك فصار بدلاً من اللفظ بالفعل وأضمر له كما أضمر للترب والجندل فصار بدلاً من اللفظ بقوله: دهاك الله. وقال أبو سدرة " الهجمي ": تحسب هواس وأقبل أنني بها مفتد من واحد لا أغامره فقلت له: فاها لفيك فإنها قلوص امرئ قاريك ما أنت حاذره ويدلك على أنه يريد به الداهية قوله وهو عامر ابن الأحوص: وداهية من دواهي المنو - ن ترهبها الناس لا فالها فجعل للداهية فما حدثنا بذلك من يوثق به.

وهذا باب من الصفات

وذلك قولك: هنيئاً مرياً " كأنك قلت: ثبت لك هنيئاً مريئاً وهنأه ذلك هنيئاً ". وإنما نصبته لأنه ذكر " لك " خيرا أصابه رجل فقلت: هنيئاً مريئاً كأنك قلت: ثبت ذلك له هنيئاً مريئاً أو هنأه ذلك هنيئاً فاختزل الفعل لأنه صار بدلاً من اللفظ بقولك: هنأك. ويدلك على أنه على إضمار هنأك ذلك هنيئاً قول الشاعر وهو الأخطل: إلى إمام تغادينا فواضله أظفره الله فليهنئ له الظفر كأنه إذا قال: هنيئاً له الظفر فقد قال: ليهنئ له الظفر وإذا قال: ليهنئ له الظفر فقد قال: هنيئاً له الظفر فكل واحد منهما بدل من صاحبه فلذلك اختزلوا الفعل هنا كما اختزلوه في قولهم: الحذر. فالظفر والهنئ عمل فيهما الفعل والظفر بمنزلة الاسم في قوله: هنأه ذلك حين مثل. وكذلك قول الشاعر: هنيئاً لأرباب البيوت بيوتهم وللعزب المسكين ما يتلمس

باب ما جرى من المصادر المضافة مجرى المصادر المفردة المدعو بها

وذلك: ويلك وويحك وويسك وويبك. ولا يجوز: سقيك إنما تجرىي ذا كما أجرت العرب. ومثل ذلك: عددتك وكلتك " ووزنتك " ولا تقول: وهبتك لأنهم لم يعدوه. ولكن: وهبت لك. وهذا حرف لا يتكلم به مفرداً إلا أن يكون على ويلك وهو قولك: ويلك وعولك ولا يجوز: عولك.

هذا باب ما ينتصب على إضمار الفعل المتروك إظهاره من المصادر في غير الدعاء

من ذلك قولك: حمداً وشكراً لا كفراً وعجباً وأفعل ذلك وكرامة ومسرة ونعمة عين وحباً ونعام عين ولا أفعل ذاك ولا كيداً ولا هماً ولأفعلن ذاك ورغماً وهواناً. فإنما ينتصب هذا على إضمار الفعل كأنك قلت: أحمد الله حمداً وأشك الله شكراً وكأنك قلت: أعجب عجباً وأكرمك كرامة وأسرك مسرة ولا أكاد كيداً ولا أهم هماً وأرغمك وإنما اختزل الفعل ههنا لأنهم جعلوا هذا بدلاً من اللفظ بالفعل كما فعلوا ذلك في باب الدعاء. كأن قولك: حمداً في موضع أحمد الله وقولك: عجباً منه في موضع أعجب منه وقوله: ولا كيداً في موضع ولا أكاد ولا أهم. وقد جاء بعض هذا رفعاً يبتدأ ثم يبنى عليه. وزعم يونس أن رؤبة ابن العجاج كان ينشد هذا البيت رفعاً وهو لبعض مذحج " وهو هني ابن أحمر الكناني ": عجب لتلك قضية وإقامتي فيكم على تلك القضية أعجب وسمعنا بعض العرب الموثوق به يقال له: كيف أصبحت فيقول: حمد الله وثناء عليه كأنه يحمله على مضمر في نيته هو المظهر كأنه يقول: أمري " وشأني " حمد الله وثناء عليه. ولو نصب لكان الذي في نفسه الفعل ولم يكن مبتدأ لبيني عليه ولا ليكون مبنياً على شيء هو ما أظهر. وهذا مثل بيت سمعناه من بعض العرب الموثوق به يرويه: فقالت حنان ما أتى بك ههنا أذو نسب أم أنت بالحي عارف لم ترد حن ولكنها قالت: أمرنا حنان أو ما يصيبنا حنان. وفي هذا المعنى كله معنى النصب. ومثله في أنه على الابتداء وليس على فعل قوله عز وجل: " قالوا معذرة إلى ربكم ". لم يريدوا أن يعتذروا اعتذاراً مستأنفاً من أمر ليموا عليه ولكنهم قيل لهم: " لم تعظون " قوماً " قالوا: موعظتنا معذرة إلى ربكم. ولو قال رجل لرجل: معذرة إلى الله وإليك من كذا وكذا يريد اعتذاراً لنصب. ومثل ذلك قول الشاعر: يشكو إلى جملى طول السرى صبر جميل فكلانا مبتلى والنصب أكثر وأجود لأنه يأمره. ومثل الرفع " فصبر جميل والله المستعان " كأنه يقول: الأمر صبر جميل. والذي يرفع عليه حنان وصبر وما أشبه ذلك لا يستعمل إظهاره وترك إظهاره كترك إظهار ما ينصب فيه. ومثله قول بعض العرب: من أنت زيد أي من أنت كلامك زيد فتركوا إظهار الرافع كترك إظهار الناصب ولأن فيه ذلك المعنى وكان بدلاً من اللفظ بالفعل وسترى مثله إن شاء الله.

هذا باب أيضاً من المصادر ينتصب ولكنها مصادر وضعت موضعاً واحداً لا تتصرف في الكلام تصرف ما ذكرنا من المصادر، وتصرفها أنها تقع في موضع الجر والرفع وتدخلها الألف واللام

وذلك قولك: سبحان الله ومعاذ الله وريحانه وعمرك الله إلا فعلت " وقعدك الله إلا فعلت " كأنه حيث قال: سبحان الله قال: تسبيحاً وحيث قال: وريحانه قال: واسترزاقاً لأن معنى الريحان الرزق. فنصب هذا على أسبح الله تسبيحاً واسترزق الله استرزاقاً فهذا بمنزلة سبحان الله وريحانه وخزل الفعل ههنا لأنه بدل من اللفظ بقوله: سبحك واسترزقك. وكأنه حيث قال: معاذ الله قال: عياذاً بالله. وعياذاً انتصب على أعوذ بالله عياذاً ولكنهم لم يظهروا الفعل ههنا كما لم يظهر في الذي قبله. وكأنه حيث قال: عمرك الله وقعدك الله. قال: عمرتك الله بمنزلة نشدتك الله فصارت عمرك الله منصوبة بعمرتك الله كأنك قلت: عمرتك عمراً ونشدتك نشداً ولكنهم خزلوا الفعل لأنهم جعلوه بدلاً من اللفظ به. قال الشاعر: عمرتك الله إذا ما ذكرت لنا هل كنت جارتنا أيام ذي سلم فقعدك الله يجري هذا المجرى وإن لم يكن له فعل. وكأن قوله: عمرك الله وقعدك الله بمنزلة نشدك الله وإن لم يتكلم بنشدك الله ولكن زعم الخليل رحمه الله أن هذا تمثيل يمثل به. قال الشاعر ابن أحمر: عمرتك الله الجليل فإنني ألوي عليك لو أن لبك يهتدي والمصدر النشدان والنشدة. وهذا ذكر معنى " سبحان " وإنما ذكر ليبين لك وجه نصبه وما أشبهه. زعم أبو الخطاب أن سبحان الله كقولك: براءة الله من السوء كأنه يقول: " أبرئ " براءة الله من السوء. وزعم أن مثله قول الشاعر وهو الأعشى: أقول لما جاءني فخره سبحان من علقمة الفاخر أي براءة منه. وأما ترك التنوين في سبحان فإنما ترك صرفه لأنه صار عندهم معرفة وانتصابه كانتصاب الحمد لله. وزعم أبو الخطاب أن مثله قولك للرجل: سلاماً تريد تسلماً منك كما قلت: براءة منك تريد: لا ألتبس بشيء من أمرك. وزعم أن أبا ربيعة كان يقول: إذا لقيت فلاناً فقل " له " سلاماً. فزعم أنه سأله ففسره له بمعنى براءة منك. وزعم أن هذه الآية: " وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما " بمنزلة ذلك لأن الآية فيما زعم مكية ولم يؤمر المسلمون يومئذ أن يسلموا على المشركين ولكنه على قولك: " براءة منكم " وتسلما لا خير بيننا وبينكم ولا شر. وزعم أن قول الشاعر وهو أمية بن أبي الصلت: سلامك ربنا في كل فجر بريئاً ما تغنثك الذموم على قوله: براءتك ربنا من كل سوء. فكل هذا ينتصب انتصاب حمداً وشكراً إلا أن هذا يتصرف وذاك لا يتصرف. ونظير سبحان الله في البناء من المصادر والمجرى لا في المعنى " غفران " لأن بعض العرب يقول: غفرانك لا كفرانك يريد استغفاراً لا كفراً. ومثل هذا قوله جل ثناؤه: " ويقولون حجراً محجوراً أي حراماً محرماً يريدبه البراءة من الأمر ويبعد عن نفسه أمراً فكأنه قال: أحرم ذلك حراماً محرماً. ومثل ذلك أن يقول الرجل للرجل: أتفعل كذا وكذا فيقول: حجراً أي ستراً وبراءة من هذا. فهذا ينتصب على إضمار الفعل ولم يرد أن يجعله مبتدأ خبره بعده ولا مبنياً على اسم مضمر. واعلم أن من العرب من يرفع سلاماً إذا أراد معنى المبارأة كما رفعوا حنان. سمعنا بعض العرب يقول " لرجل ": لا تكونن مني " في شيء " إلا سلام بسلام أي أمري وأمرك المبارأة والمتاركة. وتركوا لفظ ما يرفع كما تركوا فيه لفظ ما ينصب لأن فيه ذلك المعنى ولأنه بمنزلة لفظك بالفعل. وقد جاء سبحان منوناً مفرداً في الشعر قال الشاعر وهو أمية ابن أبي الصلت: سبحانه ثم سبحاناً يعود له وقبلنا سبح الجودي والجمد شبهه بقولهم: حجراً وسلاماً. وأما سبوحاً قدوساً رب الملائكة والروح فليس بمنزلة سبحان الله لأن السبوح والقدوس اسم ولكنه على قوله: أذكر سبوحاً قدوساً. وذاك أنه خطر على باله أو ذكره ذاكر فقال: سبوحاً أي ذكرت سبوحاً كما تقول: أهل ذاك إذا سمعت الرجل ذكر الرجل بثناء أو يذم كأنه قال: ذكرت أهل ذاك لأنه حيث جرى ذكر الرجل " في منطقه " صار عنده بمنزلة قوله: أذكر فلاناً أو ذكرت فلاناً. كما أنه حيث أنشد ثم قال: صادقاً صار الإنشاد عنده بمنزلة قال ثم قال: صادقاً وأهل ذاك فحمله على الفعل متابعاً للقائل والذاكر. فكذلك: سبوحاً قدوساً كأن نفسه " صارت " بمنزلة الرجل الذاكر والمنشد حيث خطر على باله الذكر ثم قال: سبوحاً قدوساً أي ذكرت سبوحاً متابعاً لها فيما ذكرت وخطر على بالها. وخزلوا الفعل لأن هذا الكلام صار عندهم بدلاً من سبحت كما كان مرحباً بدلاً من رحبت بلادك وأهلت. ومن العرب من يرفع فيقول: سبوح قدوس " رب الملائكة والروح " كما قال: أهل ذاك وصادق والله. وكل هذا على ما سمعنا العرب تتكلم به رفعاً ونصباً. ومثل ذلك: خير ما رد في أهل ومال " وخير ما رد في أهل ومال " أجري مجرى خير مقدم وخير مقدم. ومما ينتصب فيه المصدر على إضمار الفعل المتروك إظهاره ولكنه في معنى التعجب قولك: كرماً وصلفاً كأنه قال: ألزمك الله وأدام لك كرماً وألزمت صلفاً ولكنهم خزلوا الفعل ههنا كما خزلوه في الأول لأنه صار بدلاً من قولك: أكرم به وأصلف به كما انتصب مرحباً. وقلت " لك " كما قلت " بك " بعد مرحباً لتبين من تعني فصار بدلاً في اللفظ من رحبت " بلادك. وسمعت أعرابياً وهو أبو مرهب يقول: كرماً وطول أنف أي أكرم بك وأطول بأنفك ".

باب يختار فيه أن تكون المصادر مبتدأة مبنياً عليها ما بعدها وما أشبه المصادر من الأسماء والصفات

وإنما استحبوا الرفع فيه لأنه صار معرفة وهو خبر فقوي في الابتداء بمنزلة عبد الله والرجل الذي تعلم لأن الابتداء إنما هو خبر وأحسنه إذا اجتمع نكرة ومعرفة أن يبتدئ بالأعرف وهو أصل الكلام. ولو قلت: رجل ذاهب لم يحسن حتى تعرفه بشيء فتقول: راكب من بني فلان سائر. وتبيع الدار فتقول: حد منها كذا وحد منها كذا فأصل الابتداء للمعرفة. فلما أدخلت فيه الألف واللام وكان خبراً حسن الابتداء وضعف الابتداء بالنكرة إلا أن يكون فيه معنى المنصوب. وليس كل حرف يصنع به ذاك كما أنه ليس كل حرف يدخل فيه الألف واللام من هذا الباب. لو قلت: السقي لك والرعي لك لم يجز. واعلم أن الحمد لله وإن ابتدأته ففيه معنى المنصوب وهو بدل من اللفظ بقولك: أحمد الله. وأما قوله: شيء ما جاء بك فإنه يحسن وإن لم يكن على فعل مضمر لأن فيه معنى ما جاء بك إلا شيء. ومثله مثل للعرب: " شر أهر ذا ناب ". وقد ابتدئ في الكلام على غير ذا المعنى وعلى غير ما فيه معنى المنصوب وليس بالأصل قالوا في مثل: " أمت في الحجر لا فيك ". ومن العرب من ينصب بالألف واللام من ذلك قولك: الحمد لله فينصبها عامة بني تميم وناس وسمعنا العرب الموثوق بهم يقولون: التراب لك والعجب لك. فتفسير نصب هذا كتفسيره حيث كان نكرة كأنك قلت: حمداً وعجباً ثم جئت بلك لتبين من تعني ولم تجعله مبنياً عليه فتبتدئه.

هذا باب من النكرة يجري مجرى ما فيه الألف واللام من المصادر والأسماء

وذلك قولك: سلام عليك ولبيك وخير بين يديك وويل لك وويح لك وويس لك وويلة لك وعولة لك وخير له وشر له و " لعنة الله على الظالمين ". فهذه الحروف كلها مبتدأ مبني عليها ما بعدها والمعنى فيهن أنك ابتدأ شيئاً قد ثبت عندك ولست في حال حديثك تعمل في إثباتها وتزجيتها وفيها ذلك المعنى كما أن حسبك فيها معنى النهي وكما أن رحمه الله عليه فيه معنى رحمة الله. فهذا المعنى فيها ولم تجعل بمنزلة الحروف التي إذا ذكرته كنت في حال ذكرك إياها تعمل في إثباتها وتزجيتها كما أنهم لم يجعلوا سقياً ورعياً بمنزلة هذه الحروف فإنما تجريها كما أجرت العرب وتضعها في المواضع التي وضعن فيها ولا تدخلن فيها ما لم يدخلوا من الحروف. ألا أترى أنك لو قلت: طعاماً لك وشراباً لك ومالاً لك تريد معنى سقياً أو معنى المرفوع الذي فيه معنى الدعاء لم يجز لأنه لم يستعمل هذا الكلام كما استعمل ما قبله. فهذا يدلك ويبصرك أنه ينبغي لك أن تجري هذا الحروف كما أجرت العرب وأن تعني ما عنوا " بها ". فكما لم يجز أن يكون كل حرف بمنزلة المنصوب الذي أنت في حال ذكرك إياه تعمل في إثباته وتزجيته ولم يجز لك أن تجعل المنصوب بمنزلة المرفوع. إلا أن العرب ربما أجرت الحروف على الوجهين. ومثل الرفع: " طوبى لهم وحسن مآب " يدلك على رفعها رفع حسن مآب. وأما قوله تعالى جده: " ويل يومئذ للمكذبين " و " ويل للمطففين " فإنه لا ينبغي أن تقول إنه دعاء ههنا لأن الكلام بذلك قبيح واللفظ " به " قبيح ولكن العباد إنما كلموا بكلامهم وجاء القرآن على لغتهم وعلى ما يعنون فكأنه والله أعلم قيل لهم: ويل للمطففين وويل " يومئذ " للمكذبين أي هؤلاء ممن وجب هذا القول لهم لأن هذا الكلام إنما يقال لصاحب الشر والهلكلة فقيل: هؤلاء ممن دخل في الشر والهلكة ووجب لهم هذا. ومثل ذلك " قوله تعالى ": " فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى ". فالعلم قد أتى من وراء ما يكون ولكن اذهبا أنتما في رجائكما وطمعكما ومبلغكما من العلم وليس لهما أكثر من ذا ما لم يعلما. وتقول: ويل له ويل طويل فإن شئت جعلته بدلاً من المبتدأ الأول وإن شئت جعلته صفة له وإن شئت قلت: ويل لك ويلاً طويلاً تجعل الويل الآخر غير مبدول ولا موصوف به ولكنك تجعله دائماً أي ثبت لك الويل دائماً. ومن هذا الباب: فداء لك أبي وأمي وحمي لك أبي ووقاء لك أمي. ولا تقول: عولة لك إلا أن يكون قبلها ويلة لك ولا تقول: عول لك حتى تقول: ويل لك لأن ذا يتبع ذا كما أن ينوءك يتبع يسوءك ولا يكون ينوءك مبتدأ. واعلم أن بعض العرب يقول: ويلاً له وويلة له وعولة لك ويجريها مجرى خيبة. من ذلك قول الشاعر وهو جرير: كسا اللؤم تيماً خضرة في جولدها فويلاً لتيم من سرابيلها الخضر ويقول الرجل: يا ويلاه! فيقول الآخر: ويلاً كيلاً! كأنه يقول: لك ما دعوت به ويلاً كيلاً. يدلك على ذلك قولهم إذا قال يا ويلاه: نعم ويلاً كيلاً أي كذلك أمرك أو لك الويل ويلاً كيلاً. وهذا مشبه بقوله: ويل له ويلاً كيلاً. وربما قالوا: يا ويلاً كيلاً وإن شاء جعله على قوله: جدعاً وعقراً. فوضعوا الكلام فيه على غير ما وضعت العرب وذلك قولك: ويح له وتب وتباً لك وويحاً. فجعلوا التب بمنزلة الويح وجعلوا ويح بمنزلة التب فوضعوا كل واحد منهما على غير الموضع الذي وضعته العرب. ولا بد لويح مع قبحها من أن تحمل على تب لأنها إذا ابتدأت لم يجز حتى يبنى عليها كلام وإذا حملتها على النصب كنت تبنيها على شيء مع قبحها. فإذا قلت: ويح له ثم ألحقتها التب فإن النصب فيه أحسن لأن تباً إذا نصبتها فهي مستغنية عن لك فإنما قطعتها من أول الكلام كأنك قلت: وتباً لك فأجريتها على ما أجرتها العرب. فأما النحويون فيجعلونها بمنزلة ويح. ولا تشبهها لأن تباً تستغنى عن لك ولا تستغنى ويح عنها فإذا قلت: تباً له وويح له فالرفع ليس فيه كلام ولا يختلف النحويون في نصب التب إذا قلت: ويح له وتباً له. فهذا يدلك على أن النصب في تب فيما ذكرنا أحسن لأن " له " لم يعمل في التب.

هذا باب ما ينتصب فيه المصدر كان فيه الألف واللام أو لم يكن فيه على إضمار الفعل المتروك إظهاره لأنه يصير في الإخبار

وذلك قولك: ما أنت إلا سيراً وإلا سيراً سيراً وما أنت إلا الضرب الضرب وما أنت إلا قتلا قتلا وما أنت إلا سير البريد " سير البريد ". فكأنه قال في هذا كله: ما أنت إلا تفعل فعلاً وما أنت إلا تفعل الفعل ولكنهم حذفوا الفعل لما ذكرت لك. وصار في الاستفهام والخبر بمنزلته في الأمر والنهي لأن الفعل يقع ههنا كما يقع فيهما وإن كان الأمر والنهي أقوى لأنهما لا يكونان بغير فعل فلم يمتنع المصدر ههنا " أن ينتصب " لأن العمل يقع ههنا مع المصدر في الاستفهام " والخبر كما يقع في الأمر والنهي والآخر غير الأول كما كان ذلك في الأمر والنهي إذا قلت: ضرباً فالضرب غير المأمور ". وتقول: زيد سيراً سيراً وإن زيداً سيراً سيراً وكذلك في ليت ولعل ولكن وكأن وما أشبه ذلك " وكذلك إن قلت: أنت الدهر سيراً سيراً " وكان عبد الله الدهر سيراً سيراً وأنت مذ اليوم سيراً سيراً. واعلم أن السير إذا كنت تخبر عنه في هذا الباب فإنما تخبر بسير متصل بعض ببعض في أي الأحوال كان. وأما قولك: إنما أنت سير فإنما جعلته خبراً لأنت ولم تضمر فعلاً. وسنبين لك وجهه إن شاء الله. ومن ذلك قولك: ما أنت إلا شرب الإبل وما أنت إلا ضرب الناس وما أنت إلا ضرباً الناس. وأما شرب الإبل فلا ينون لأنك لم تشبهه بشرب الإبل وأن الشرب ليس بفعل يقع منك على الإبل. ونظير ما انتصب قول الله عز وجل في كتابه: " فإما منا بعد وإما فداء " إنما انتصب على: فإما تمنون مناً وإما تفادون فداء ولكنهم حذفوا الفعل لما ذكرت لك. ومثله قول " الشاعر وهو " جرير: ألم تعلم مسرحي القوافي فلا عياً بهن ولا اجتلابا كأنه نفى قوله: فعياً بهن واجتلابا أي فأنا أعيا بهن وأجتلبهن اجتلاباً ولكنه نفى هذا حين قال: " فلا ". ومثله قولك: ألم تعلم يا فلان مسيري فإتعاباً وطرداً. فإنما ذكر مسرحه وذكر مسيره وهما عملان فجعل المسير إتعاباً وجعل المسرح لا عي فيه وجعله فعلاً متصلاً إذا سار وإذا سرح. وإن شئت رفعت هذا كله فجعلت الآخر هو الأول فجاز على سعة الكلام. من ذلك قول الخنساء: ترتع ما رتعت حتى إذا ادكرت فإنما هي إقبال وإدبار فجعلها الإقبال والإدبار فجاز على سعة الكلام كقولك: نهارك صائم وليلك قائم. لعمري وما دهري بتأبين هالك ولا جزع مما أصاب فأوجعا جعل دهره الجزع. والنصب جائز على قوله: فلا عياً بهن ولا اجتلابا. وإنما أراد: وما دهري دهر جزع ولكنه جاز على سعة الكلام واستخفوا واختصوا كما فعل ذلك فيما مضى. وأما ما ينتصب في الاستفهام من هذا الباب فقولك: أقياماً يا فلان والناس قعود وأجلوساً والناس يعدون لا يريد أن يخبر أنه يجلس ولا أنه قد جلس وانقضى جلوسه ولكنه يخبر أنه في تلك الحال في جلوس وفي قيام. وقال الراجز وهو العجاج: أطرباً وأنت قنسري وإنما أراد: أتطرب أي أنت في حال طرب ولم يرد أن يخبر عما مضى ولا عما يستقبل. ومن ذلك قول بعض العرب: " أغدة كغدة البعير وموتاً في بيت سلولية " كأنه إنما أراد: أأغد غدة كغدة البعير وأموت موتاً في بيت سلولية. وهو بمنزلة أطرباً وتفسيره كتفسيره. وقال جرير: أعبداً حل في شعبي غريباً ألؤماً لا أبا لك واغتراباً يقول: أتلؤم لؤماً وأتغترب اغترابا وحذف الفعلين في هذا الباب لأنهم جعلوه بدلاً من اللفظ " وأما عبداً فيكون على ضربين: إن شئت على النداء وإن شئت على قوله: أتفتخر عبداً ثم حذف الفعل ". وكذلك إن أخبرت ولم تستفهم تقول: سيراً سيراً عنيت نفسك أو غيرك وذلك أنك رأيت رجلاً في حال سير أو كنت في حال سير أو ذكر رجل يسير أو ذكرت أنت بسير وجرى كلام يحسن بناء هذا عليه كما حسن في الاستفهام. لأنك إنما تقول: أطرباً وأسيراً إذا رأيت ذلك من الحال أو ظننته فيه. وعلى هذا يجري هذا الباب إذا كان خبراً أو استفهاماً إذا رأيت رجلاً في حال سير أو ظننته فيه فأثبت ذلك له. وكذلك " أنت " في الاستفهام إذا قلت: أأنت سيراً. ومعنى هذا الباب أنه فعل متصل في حال ذكرك إياه استفهمت أو أخبرت وأنك في حال ذكرك شيئاً من هذا الباب تعمل في تثبيته لك أو لغيرك. ومثل ما تنصبه في هذا الباب وأنت تعني نفسك قول الشاعر: سماع الله والعلماء أني أعوذ بحقو خالك يا ابن عمرو وذلك أنه جعل نفسه في حال من يسمع فصار بمنزلة من رآه في حال سير فقال: إسماعا الله

هذا باب ما ينتصب من الأسماء التي أخذت من الأفعال انتصاب الفعل استفهمت أو لم تستفهم

وذلك قولك: أقائماً وقد قعد الناس وأقاعداً وقد سار الركب. وكذلك إن أردت هذا المعنى ولم تستفهم تقول: قاعداً علم الله وقد سار الركب وقائماً قد علم الله وقد قعد الناس. وذلك أنه رأى رجلاً في حال قيام أو حال قعود فأراد أن ينبهه فكأنه لفظ بقوله: أتقوم قائماً وأتقعد قاعداً ولكنه حذف استغناء بما يرى من الحال وصار الاسم بدلاً من اللفظ بالفعل فجرى مجرى المصدر في هذا الموضع. ومثل ذلك: عائذاً بالله من شرهاً كأنه رأى شيئاً يتقى فصار عند نفسه في حال استعاذة حتى صار بمنزلة الذي رآه في حال قيام وقعود لأنه يرى نفسه في تلك الحال فقال: عائذاً " بالله " كأنه قال: أعوذ بالله عائذاً بالله ولكنه حذف الفعل لأنه بدل من قوله: أعوذ بالله فصار هذا يجري ها هنا مجرى عياذاً بالله. ومنهم من يقول: عائذ بالله من شر فلان. وإذا ذكرت شيئاً من هذا الباب فالفعل متصل في حال ذكرك وأنت تعمل في تثبيته لك أو لغيرك في حال ذكرك إياه كما كنت في باب حمداً وسقياً وما أشبهه إذا ذكرت شيئاً منه في حال تزجيه وإثبات وأجريت عائذاً " بالله " في الإضمار والبدل مجرى المصدر كما كان هنيئاً بمنزلة المصدر فيما ذكرت لك. وقال الشاعر وهو عبد الله بن الحارث السهمي من أصحاب رسول الله ﷺ: ألحق عذابك بالقوم الذي طغوا وعائذاً بك أن يعلوا فيطغوني فكأنه قال: وعياذاً بك. ومثله قوله: أراك جمعت مسألة وحرصاً وعند الحق زحاراً أنانا كأنه قال: " تزحر " زحيراً و " تئن " أنيناً " ثم وضعه مكان هذا أي أنت عند الحق هكذا ".

هذا باب ما جرى من الأسماء التي لم تؤخذ من الفعل مجرى الأسماء التي أخذت من الفعل

وذلك قولك: أتميمياً مرة وقيسياً أخرى. وإنما هذا أنك رأيت رجلاً في حال تلون وتنقل فقلت: أتميماً مرة وقيسياً أخرى كأنك قلت: أتحول تميمياً مرة وقيسياً أخرى. فأنت في هذه الحال تعمل في تثبين هذا له وهو عندك في تلك الحال في تلوم وتنقل وليس يسأله مسترشداً عن أمر هو جاهل به ليفهمه إياه ويخبره عنه ولكنه وبخه بذلك. وحدثنا بعض العرب أن رجلاً من بني أسد قال يوم جبلة واستقبله بعير أعور فتطير " منه " فقال: يا بني أسد أعور وذا ناب! فلم يرد أن يسترشدهم ليخبروه عن عوره وصحته ولكنه نبههم كأنه قال: أتستقبلون أعور وذا ناب! فالاستقبال في حال تنبيهه إياهم كان واقعاً كما كان التلون والتنقل عندك ثابتين في الحال الأول وأراد أن يثبت لهم الأعور ليحذوره. ومثل ذلك قول الشاعر: أفي السلم أعياراً جفاء وغلظة وفي الحرب أشباه الإماء العوارك أي تنقلون وتلونون مرة كذا ومرة كذا. وقال: أفي الولائم أولاداً لواحدة وفي العيادة أولاداً لعلات وأما قول الشاعر: أعبداً حل في شعبي غريباً فيكون على وجهين: على النداء على أنه رآه في حال افتخار واجتراء فقال: أعبداً أي أتفخر عبداً كما قال: أتميمياً " مرة ". وإن أخبرت في هذا الباب على هذا الحد نصبت أيضاً كما نصب في حال الخبر الاسم الذي أخذ من الفعل وذلك قولك: تميمياً قد علم الله مرة وقيسياً أخرى. فلم ترد أن تخبر القوم بأمر قد جهلوه ولكنك أردت أن تشتمه بذلك فصار بدلاً من اللفظ بقولك: أتتم مرة وتتقيس أخرى وأتمضون وقد استقبلكم هذا وتنقلون وتلونون فصار هذا كهذا كما كان ترباً وجندلاً بدلاً من اللفظ بتربت وجندلت لو تكلم بهما. ولو مثلت ما نصبت عليه الأعيار والأعور في البدل من اللفظ لقلت: أتعيرون مرة وأتعورون إذا أوضحت معناه لأنك إنما تجريه مجرى ما له فعل من لفظه وقد يجرى مجرى الفعل ويعمل عمله ولكنه كان أحسن أن توضحه بما يتكلم به إذا كان لا يغير معنى الحديث. وكذلك هذا النحو ولكنه يترك استغناء بما يحسن من الفعل الذي لا ينقض المعنى. وأما قوله جل وعز: " بلى قادرين " فهو على الفعل الذي أظهر كأنه قال: بلى نجمعها قادرين. حدثنا بذلك يونس. وأما قوله وهو الفرزدق: فإنما أراد: ولا يخرج فيما أستقبل كأنه قال: ولا يخرج خروجاً. ألا تراه ذكر " عاهدت " في البيت الذي قبله فقال: ألم ترني عاهدت ربي وإنني لبين رتاج قائماً ومقام ولو حمله على أنه نفى شيئاً هو فيه ولم يرد أن يحمله على عاهدت جاز. وإلى هذا الوجه كان يذهب عيسى فيما نرى لأنه لم يكن يحمله على عاهدت. فإذا قلت: ما أنت إلا قائم وقاعد وأنت تميمي مرة وقيسي أخرى وإني عائذ بالله ارتفع. ولو قال: هو أعور وذو ناب لرفع. هذا كله ليس فيه إلا الرفع لأنه مبني على الاسم الأول والآخر هو الأول فجرى عليه. وزعم يونس أن من العرب من يقول: عائذ بالله يريد: أنا عائذ بالله كأنه أمر قد وقع بمنزلة الحمد لله وما أشبهه. وزعم الخليل رحمه الله أن رجلاً لو قال: أتميمي يريد: " أنت " ويضمرها لأصاب. وإنما كان النصب ها هنا الوجه لأنه موضع يكون الاسم فيه عاقباً للفظ بالفعل فاختير فيه كما يختار فيما مضى من المصادر التي في غير الأسماء. والرفع جيد لأنه المحدث عنه والمستفهم. ولو قال: أعور وذو ناب كان مصيباً. وزعم يونس أنهم يقولون: عائذ بالله. فإن أظهر هذا المضمر لم يكن إلا الرفع إذ جاز الرفع وأنت تضمر وجاز لك أن تحمل عليه المصدر وهو غيره في قوله: أنت سر سير فلم يجز حيث أظهر الاسم عندهم إلا الرفع كما أنه لو أظهر الفعل الذي هو بدل منه لم يكن إلا نصباً. فكما لم يجز في الإضمار أن تضمر بعد الرفع ناصباً كذلك لم تضمر بعد الإظهار وصار المبتدأ والفعل يعمل كل واحد منهما على " حدة في هذا الباب لا يدخل واحد على " صاحبه.

باب ما يجيء من المصادر مثنى منتصباً على إضمار الفعل المتروك إظهاره

وذلك قولك: حنانيك كأنه قال: تحننا بعد تحنن " كأنه يسترحمه ليرحمه " ولكنهم حذفوا الفعل لأنه صار بدلاً منه. ولا يكون هذا مثنى إلا في حال إضافة كما لم يكن سبحان الله ومعاذ الله إلا مضافاً. فحنانيك لا يتصرف كما لا يتصرف سبحان الله وما أشبه ذلك. قال الشاعر وهو طرفة بن العبد: أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا حنانيك بعض الشر أهون من بعض وزعم الخليل رحمه الله أن معنى التثنية أنه أراد تحننا بعد تحنن كأنه قال: كلما كنت في رحمة وخير منك فلا ينقطعن وليكن موصولاً بآخر من رحمتك. ومثل ذلك: لبيك وسعديك وسمعنا من العرب من يقول: سبحان الله وحنانيه كأنه قال: سبحان الله واسترحاماً كما قال: سبحان الله وريحانه يريد: واسترزاقه. وأما قولك: لبيك وسعديك فانتصب " هذا " كما انتصب سبحان الله وهو أيضاً بمنزلة قولك إذا أخبرت: سمعاً وطاعة. إلا أن لبيك لا يتصرف كما أن سبحان الله وعمرك الله وقعدك الله لا يتصرف. ومن العرب من يقول: سمع وطاعة أي أمرى سمع وطاعة بمنزلة: فقالت حنان ما أتى بك هاهنا وكما قال: سلام. والذي يرتفع عليه حنان وسمع وطاعة غير مستعمل كما أن الذي ينتصب عليه لبيك وسبحان الله غير مستعمل. وإذا قال: سمعاً وطاعة فهو في تزجية السمع والطاعة كما قال: حمداً وشكراً على هذا التفسير. ومثل ذلك: حذاريك كأنه قال: ليكن منك حذر بعد حذر كما أنه أراد بقوله لبيك وسعديك: إجابة بعد إجابة كأنه قال: كلما أجبتك في أمر فأنا في " الأمر " الآخر مجيب وكأن هذه التثنية أشد توكيداً. ومثله إذا أنه قد يكون حالاً وقع عليه الفعل قول الشاعر وهو عبد بني الحسحاس: إذا شق برد شق بالبرد مثله دواليك حتى ليس للبرد لابس أي مداولتك ومداولة " لك ". وإن شاء كان حالاً. ومثله أيضاً: ضرباً هذاذيك وطعناً وخضاً ومعنى " تثنية " دواليك أنه فعل من اثنين لأني إذا داولت فمن كل واحد منا فعل. وكذلك هذاذيك كأنه يقلو: هذا بعد هذ من كل وجه. وإن شاء حمله على أن الفعل وقع هذاً بعد هذا " فنصبه " على الحال. وزعم يونس أن لبيك اسم واحد ولكنه جاء على " هذا " اللفظ في الإضافة كقولك: عليك. وزعم الخليل أنها تثنية بمنزلة حواليك لأنا سمعناهم يقولون: حنان. وبعض العرب يقول: " لب " فيجريه مجرى أمس وغاق ولكن موضعه نصب. وحواليك بمنزلة حنانيك. ولست تحتاج في هذا الباب إلى أن تفرد لأنك إذا أظهرت الاسم تبين أنه ليس بمنزلة عليك وقد قالوا: حوالك " فأفردوا " كما قالوا: حنان. قال الراجز: أهدموا بيتك لا أبا لكا وحسبوا أنك لا أخا لكا وأنا أمشي الدألى حوالكا وقال: دعوت لما نابني مسوراً فلبي فلبي يدي مسور فلو كان بمنزلة على لقال: فلبي يدي مسور لأنك تقول: على زيد وإذا أظهرت الاسم.

باب ذكر معنى لبيك وسعديك

وما اشتقا منه وإنما ذكر ليبين لك وجه نصبه كما ذكر معنى سبحان الله. حدثنا أبو الخطاب أنه يقال للرجل المداوم على الشيء لا يفارقه ولا يقلع عنه: قد ألب فلان على كذا وكذا. ويقال: قد أسعد فلان فلاناً على أمره وساعده فالإلباب والمساعدة دنو ومتابعة: إذا ألب على الشيء فهو لا يفارقه وإذا أسعده فقد تابعه. فكأنه إذا قال الرجل للرجل: يا فلان فقال: لبيك وسعديك فقد قال له: قرباً منك ومتابعة لك. فهذا تمثيل وإن كان لا يستعمل في الكلام كما كان براءة الله تمثيلاً لسبحان الله ولم يستعمل. وكذلك إذا قال: لبيك وسعديك يعني بذلك الله عز وجل فكأنه قال: أي رب لا أنأى عنك في شيء تأمرني به. فإذا فعل ذلك فقد تقرب إلى الله بهواه. وأما قوله: وسعديك فكأنه يقول: أنا متابع أمرك وأولياءك غير مخالف. فإذا فعل ذلك فقد تابع وطاوع وأطاع. وإنما حملنا على تفسير لبيك وسعديك لنوضح به وجه نصبهما لأنهما ليسا بمنزلة سقياً وحمداً وما أشبه هذا. ألا ترى أنك تقول للسائل عن تفسير سقياً وحمداً: إنما هو سقاك الله سقياً وأحمد الله حمداً وتقول: حمداً بدل من أحمد الله وسقياً بدل من سقاك الله. ولا تقدر أن تقول: ألبك لباً وأسعدك سعداً ولا تقول: سعداً بدل من أسعد ولا لباً بدل من ألب. فلما لم يكن ذاك فيه التمس له شيء من غير لفظه معناه كبراءة الله حين ذكرناها لنبين معنى سبحان الله. فالتمست " ذلك " للبيك وسعديك واللفظ الذي اشتقا منه إذ لم يكونا فيه بمنزلة الحمد والسقي في فعلهما ولا يتصرفان تصرفهما. فمعناهما القرب والمتابعة فمثلت بهما النصب في لبيك وسعديك كما مثلت ببراءة النصب في سبحان الله. ومثل ذلك تمثيلك: أفة وتفة إذا سئلت عنهما بقولك: أنتنا لأن معناهما وحدهما واحد مثل تمثيلك بهراً بتباً ودفراً بنتناً. وأما قولهم: سبح ولبى وأفف فإنهما أراد أن يخبرك أنه قد لفظ بسبحان الله وبلبيك وبأف فصار هذا بمنزلة قوله: قد دعدع وقد بأبأ إذا سمعته يلفظ بدع وبقوله: بأبي. ويدلك على ذلك قولهم: هلل إذا قال: لا إله إلا الله. وإنما ذكرت هلل وما أشبهها لتقول قد لفظ بهذا. ولو كان هذا بمنزلة كلمته من الكلام لكان سبحان " الله " ولب وسعد مصادر مستعملة متصرفة في الجر والرفع والنصب والألف واللام ولكن سبحت ولبيت بمنزلة هللت ودعدعت إذا قال: دع ولا إله إلا الله.

باب ما ينتصب فيه المصدر المشبه به على إضمار الفعل المتروك إظهاره

وذلك قولك: مررت به فإذا له صوت صوت حمار ومررت به فإذا له صراخ صراخ الثكلى. " و " قال الشاعر وهو النابغة الذبياني: مقذوفة بدخيس النحض بازلها له صريف صريف القعو بالمسد وقال: لها بعد إسناد الكليم وهدئه ورنة من يبكى إذا كان باكيا فإنما انتصب هذا لأنك مررت به في حال تصويت ولم ترد أن تجعل الآخر صفة للأول ولا بدلاً منه. ولكنك لما قلت: له صوت علم أنه قد كان ثم عمل فصار قولك: له صوت بمنزلة قولك: فإذا هو يصوت فحملت الثاني على المعنى. وهذا شبيه في النصب لا في المعنى بقوله تبارك وتعالى: " وجاعل الليل سكناً والشمس والقمر حسبانا " لأنه حين قال: " جاعل الليل " فقد علم القارئ أنه على معنى جعل " فصار كأنه قال: وجعل الليل سكناً " وحمل الثاني على المعنى. فكذلك " له " صوت فكأنه قال: فإذا هو يصوت " فحمله على المعنى فنصبه كأنه توهم بعد قوله له صوت: يصوت " صوت الحمار أو يبديه أو يخرجه صوت حمار ولكنه حذف هذا لأنه صار " له صوت " بدلاً منه. فإذا قلت: مررت به " فإذا هو " يصوت صوت الحمار فعلى الفعل غير حال. فإن قلت: صوت حمار " فألقيت الألف واللام " فعلى إضمارك فعلاً بعد الفعل المظهر سوى الفعل المظهر وتجعل صوت حمار مثالاً عليه يخرج الصوت أو حالاً كما أردت ذلك حين قلت: فإذا له صوت. وإن شئت أوصلت إليه يصوت فجعلته العامل فيه كقولك: يذهب ذهاباً. ومثل ذلك: مررت به فإذا له دفع دفعك الضعيف. ومثل ذلك أيضاً: مررت به فإذا له دق دقك بالمنحاز حب الفلفل. ويدلك " على أنك " إذا قلت: " فإذا " له صوت صوت حمار فقد أضمرت فعلاً بعد " له صوت " وصوت حمار انتصب على أنه مثال أو حال يخرج عليه الفعل أنك إذا أظهرت الفعل الذي لا يكون المصدر بدلاً منه احتجت إلى فعل آخر تضمره. فمن ذلك قول الشاعر: إذا رأتني سقط أبصارها دأب بكار شايحت بكارها ويكون على غير الحال " وإن شئت بفعل مضمر كأنك قلت: تدأب فيكون أيضاً مفعولاً وحالاً كما يكون غير حال ". فما لا يكون حالاً ويكون على الفعل قول الشاعر وهو رؤبة: لوحها من بعد بدن وسنق تضميرك السابق يطوى للسبق " وإن شئت كان على: أضمرها وإن شئت كان على: لوحها لأن تلويحه تضمير ". ومثله قوله وهو العجاج: ناج طواه الأين مما وجفا طي الليالي زلفاً فزلفا سماوة الهلال حتى احقوقفا وقد يجوز أن تضمر فعلاً آخر كما أضمرت بعد " له صوت " يدلك على ذلك أنك لو أظهرت فعلاً لا يجوز أن يكون المصدر مفعولاً عليه صار بمنزلة: له صوت وذلك قوله وهو أبو كبير ما إن يمس الأرض إلا منكب منه وحرف الساق طي المحمل صار " ما إن يمس الأرض " بمنزلة له طي لأنه إذا ذكر ذا عرف أنه طيان. وقد يدخل في صوت حمار: إنما أنت شرب الإبل " إذا " مثل " بقوله ": إنما أنت شرباً. فما كان معرفة كان مفعولاً ولم يكن حالاً وشركته النكرة. وإن شئت جعلته حالاً عليه وقع الأمر وهو تشبيهه للأول يدلك على ذلك أنك لو أدخلت " مثل " ههنا كان حسناً وكان نصباً فإذا أخرجت " مثل " قام المصدر النكرة مقام مثل لأنه مثله نكرة فدخول مثل يدلك على أنه تشبيه. فإذا قلت: فإذا هو يصوت صوت حمار فإن شئت نصبت على أنه مثال وقع عليه الصوت وإن شئت نصبت على ما فسرنا وكان غير حال وكأن هذا جواب لقوله: على أي حال وكيف ومثله. وكأنه قيل له: كيف وقع الأمر أو جعل المخاطب بمنزلة من قال ذلك فأراد أن يبين كيف وقع الأمر وعلى أي مثال فانتصب وهو موقوع فيه وعليه وعمل فيه ما قبله وهو الفعل. وإذا كان معرفة لم يكن حالاً وكان على فعل مظهر إن جاز أن يعمل فيه أو على مضمر إن لم يجز المظهر كما ينتصب " طي المحمل " على غير " يمس ". وإن شئت قلت: له صوت صوت حمار وله صوت خوار ثور وذلك إذا جعلته صفة وإن كان معرفة لم يجز أن يكون صفة لنكرة كما لا يكون حالاً. وسترى هذا مبيناً في بابه إن شاء الله. وزعم الخليل أنه يجز له صوت صوت الحمار على الصفة لأنه تشبيه فمن ثم جاز أن توصف النكرة به. وزعم الخليل رحمه الله أنه يجوز أن يقول الرجل: هذا رجل أخو زيد إذا أردت أن تشبهه بأخي زيد. وهذا قبيح ضعيف لا يجوز إلا في موضع الاضطرار ولو جاز هذا لقلت: هذا قصير الطويل تريد: مثل الطويل. فلم يجز هذا كما قبح أن تكون " المعرفة " حالاً للنكرة إلا في الشعر. وهو في الصفة أقبح لأنك تنقض ما تكلمت به فلم يجامعه في الحال كما فارقه في الصفة. وسيبين لك في بابه إن شاء الله تعالى.

هذا باب يختار فيه الرفع

وذلك قولك: له علم علم الفقهاء وله رأي رأي الأصلاء. وإنما كان الرفع في هذا الوجه لأن هذه خصال تذكرها في الرجل كالحلم والعلم والفضل ولم ترد أن تخبر بأنك مررت برجل في حال تعلم ولا تفهم ولكنك أردت أن تذكر الرجل بفضل فيه وأن تجعل ذلك خصلة قد استكملها كقولك: له حسب حسب الصالحين لأن هذه الأشياء وما يشبهها صارت تحلية عند الناس وعلامات. وعلى هذا الوجه رفع الصوت. وإن شئت نصبت فقلت: له علم علم الفقهاء كأنك مررت به في حال تعلم وتفقه وكأنه لم يستكمل أن يقال: له عالم. وإنما فرق بين هذا وبين الصوت لأن الصوت علاج وأن العلم صار عندهم بمنزلة اليد والرجل. ويدلك على ذلك قولهم: له شرف وله دين وله فهم. ولو أرادوا أنه يدخل نفسه في الدين ولم يستكمل أن يقال: له دين لقالوا: يتدين وليس بذلك ويتشرف وليس له شرف ويتفهم وليس له فهم. فلما كان هذا اللفظ للذين لم يستكملوا ما كان غير علاج بعد النصب في قولهم: له علم علم الفقهاء. وإذا قال: له علم علم الفقهاء فهو يخبر عما قد استقر فيه قبل رؤيته وقبل سمعه منه أو رآه يتعلم فاستدل بحسن تعلمه على ما عنده من العلم ولم يرد أن يخبر أنه إنما بدأ في علاج العلم في حال ليقه إياه لأن هذا ليس مما يثنى به وإنما الثناء في هذا الموضع أن يخبر بما استقر فيه ولا يخبر أن أمثل شيء كان منه التعلم في حال لقائه.

هذا باب ما يختار فيه الرفع إذا ذكرت المصدر الذي يكون علاجاً

وذلك إذا كان الآخر هو الأول. وذلك نحو قولك: له صوت صوت حسن لأنك إنما أردت الوصف كأنك قلت: له صوت حسن وإنما ذكرت الصوت توكيداً ولم ترد أن تحمله على الفعل لما كان صفة وكان الآخر هو الأول كما قلت: ما أنت إلا قائم وقاعد حملت الآخر على أنت لما كان الآخر هو الأول. ومثل ذلك: له صوت أيما صوت وله صوت مثل صوت الحمار لأن أيا والمثل صفة أبدا. وإذا قلت: أيما صوت فكأنك قلت: له صوت حسن جداً وهذا صوت شبيه بذلك. فأي ومثل هما الأول. فالرفع في هذا أحسن لأنك ذكرت اسماً يحسن أن يكون هذا الكلام منه يحمل عليه كقولك: هذا رجل مثلك وهذا رجل حسن وهذا رجل أيما رجل. وأما: له صوت صوت حمار فقد علمت أن صوت حمار ليس بالصوت الأول وإنما " جاز " رفعه على سعة الكلام كما جاز لك أن تقول: ما أنت إلا سير. فكأن الذين يقولون: صوت حمار اختاروا هذا كما اختاروا: ما أنت إلا سيراً إذ لم يكن الآخر هو الأول فحملوه على فعله كراهة أن يجعلوه من الاسم الذي ليس به كما كرهوا أن يقولوا: ما أنت إلا سير إذا لم يكن الآخر هو الأول. فحملوه على فعله فصار له صوت صوت حمار ينتصب على فعل مضمر كانتصاب " تضميرك السابق " على الفعل المضمر. وإن قلت: له صوت أيما صوت أو مثل صوت الحمار أو له صوت صوتاً حسناً جاز. زعم ذلك الخليل رحمه الله. ويقوي ذلك أن يونس وعيسى جميعاً زعما أن رؤبة كان ينشد هذا البيت نصباً: فيها ازدهاف أيما ازدهاف يحمله على الفعل الذي ينصب صوت حمار لأن ذلك الفعل لو ظهر نصب ما كان صفة وما كان غير صفة لأنه ليس باسم تحمل عليه الصفات. ألا ترى أنه لو قال: مثل تضميرك أو مثل دأب بكار نصب. فلما أضمروه فيما يكون غير الأول أضمروه أيضاً فيما يكون هو الأول كأنه قال: تزدهف أيما ازدهاف ولكنه حذفه لأن له ازدهاف قد صار بدلاً من الفعل.

هذا باب ما الرفع فيه الوجه

وذلك قولك: هذا صوت صوت حمار لأنك لم تذكر فاعلاً ولأن الآخر هو الأول حيث قلت: " هذا ". فالصوت هذا ثم قلت: هو صوت حمار لأنك سمعت نهاقاً. فلا شك في رفعه. وإن شبهت أيضاً فهو رفع لأنك لم تذكر فاعلاً يفعله وإنما ابتدأته كما تبتدئ الأسماء فقلت: هذا ثم بنيت عليه شيئاً هو هو فصار كقوله: هذا رجل رجل حرب. وإذا قلت: له صوت فالذي في اللام هو الفاعل وليس الآخر به فلما بنيت أول الكلام كبناء الأسماء كان آخره أن يجعل كالأسماء أحسن وأجود فصار كقولك: هذا رأس رأس حمار وهذا رجل أخو حرب إذا أردت الشبه. ومن ذلك: عليه نوح نوح الحمام على غير صفة لأن الهاء التي في عليه ليست بفاعل كما أنك إذا قلت: فيها رجل فالهاء ليست بفاعل فعل بالرجل شيئاً فلما جاء على مثال الأسماء كان الرفع الوجه. وإن قلت: لهن نوح نوح الحمام فالنصب لأن الهاء هي الفاعلة. يدلك على " ذلك " أن الرفع في هذا وفي عليه أحسن لأنك إذا قلت: هذا أو عليه فأنت لا تريد أن تقول مررت بهذه الأسماء تفعل فعلاً ولكنك جعلت " عليه " موضعاً للنوح و " هذا " مبنى عليه نفسه. ولو نصبت كان وجهاً لأنه إذا قال: هذا صوت أو هذا نوح أو عليه نوح فقد علم أن مع النوح والصوت فاعلين فحمله على المعنى كما قال: ليبك يزيد ضارع لخصومة ومختبط مما تطيح الطوائح

هذا باب لا يكون فيه إلا الرفع

وذلك قولك: له يد الثور وله رأس رأس الحمار لأن هذا اسم ولا يتوهم على الرجل أنه يصنع يداً ولا رجلاً وليس بفعل.

هذا باب لا يكون فيه إلا الرفع

وذلك قولك: صوته صوت حمار وتلويحه تضميرك السابق ووجدي بها وجد الثكلى لأن هذا ابتداء فالذي يبنى على الابتداء بمنزلة الابتداء. ألا ترى أنك تقول: زيد أخوك فارتفاعه كارتفاع زيد أبدا فلما ابتدأه وكان محتاجاً إلى ما بعده لم يجعل بدلاً من اللفظ بيصوت وصار كالأسماء. قال الشاعر " وهو مزاحم العقيلي ": وجدي بها وجد المضل بعيره بنخلة لم تعطف عليه العواطف وكذلك لو قلت: مررت به فصوته صوت حمار. فإن قال: فإذا صوته يريد الوجه الذي يسكت عليه دخله نصب لأنه يضمر بعد ما يستغنى عنه.

باب ما ينتصب من المصادر لأنه عذر لوقوع الأمر فانتصب لأنه موقوع له ولأنه تفسير لما قبله لم كان وليس بصفة لما قبله ولا منه فانتصب كما انتصب درهم في قولك: عشرون درهماً

وذلك قولك: فعلت ذاك حذار الشر وفعلت ذاك مخافة فلان وادخار فلان. قال الشاعر هو " حاتم " بن عبد الله " الطائي: واغفر عوراء الكريم ادخاره وأعرض عن شتم اللئيم تكرما وقال الآخر وهو النابغة الذبياني: وحلت بيوتي في يفاع ممنع يخال به راعي الحمولة طائرا حذاراً على أن لا تنال مقادتي ولا نسوتي حتى يمتن حرائرا وقال آخر وهو الحارث بن هشام: فصفحت عنهم والأحبة فيهم طمعاً لهم بعقاب يوم مفسد وقال الراجز وهو العجاج: والهول من تهول القبور وفعلت ذاك أجل كذا " وكذا ". فهذا كله ينتصب لأنه مفعول له كأنه قيل له: لم فعلت كذا " وكذا " فقال: لكذا " وكذا " ولكنه لما طرح اللام عمل فيه ما قبله كما عمل في " دأب بكار " ما قبله حين طرح مثل وكان حالاً. وحسن فيه الألف واللام لأنه ليس بحال فيكون في موضع فاعل حالاً. ولا يشبه بما مضى من المصادر في الأمر والنهي ونحوهما لأنه ليس في موضع ابتداء ولا موضعاً يبنى على مبتدأ. فمن خالف باب رحمة الله عليه وسقيا لك وحمدا لك.

باب ما ينتصب من المصادر لأنه حال وقع فيه الأمر فانتصب لأنه موقوع فيه الأمر

وذلك قولك: قتلته صبراً ولقيته فجاءة ومفاجأةً وكفاحاً ومكافحةً ولقيته عياناً وكلمته مشافهةً وأتيته ركضاً وعدواً ومشياً وأخذت ذلك عنه سمعاً وسماعاً. وليس كل مصدر وإن كان في القياس مثل ما مضى من هذا الباب يوضع هذا الموضع لأن المصدر ههنا في موضع فاعل إذا كان حالاً. ألا ترى أنه لا يحسن أتانا سرعةً ولا أتانا رجلةً كما أنه ليس كل واطرد في هذا الباب الذي قبله لأن المصدر هناك ليس في موضع فاعل. ومثل ذلك قول الشاعر وهو زهير بن أبي سلمى: فلأياً بلأي ما حملنا وليدنا على ظهر محبوك ظماء مفاصله كأنه يقول: حملنا " وليدنا " لأياً بلأي كأنه يقول: " حملناه " جهداً بعد جهد. هذا لا يتكلم به ولكنه تمثيل. ومثله قول الراجز: ومنهل وردته التقاطاً " أي فجاءةً ". واعلم أن هذا الباب أتاه النصب كما أتى الباب الأول ولكن هذا جواب لقوله: كيف لقيته كما كان الأول جواباً لقوله: لمه وهذا ما جاء منه في الألف واللام وذلك قولك: أرسلها العراك. قال لبيد بن ربيعة: فأرسلها العراك ولم يذدها ولم يشفق على نغص الدخال وليس كل المصادر في هذا الباب يدخله الألف واللام كما أنه ليس كل مصدر في باب الحمد لله والعجب لك تدخله الألف واللام وإنما شبه بهذا حيث كان مصدراً وكان غير الاسم الأول. وهذا ما جاء منه مضافاً معرفةً وذلك قولك: طلبته جهدك كأنه قال: اجتهاداً. وكذلك طلبته طاقتك. وليس كل مصدر يضاف كما أنه ليس كل مصدر تدخله الألف واللام في هذا الباب. وأما فعلته طاقتي فلا تجعل نكرة كما أن معاذ الله لا تجعل نكرة. ومثل ذلك: فعله رأى عيني وسمع أذني قال ذاك. وإن قلت: سمعاً جاز إذا لم تختص نفسك ولكنه كقولك: أخذته عنه سماعاً.

هذا باب ما جعل من الأسماء مصدراً كالمضاف في الباب الذي يليه

وذلك قولك: مررت به وحده ومررت بهم وحدهم ومررت برجل وحده. ومثل ذلك في لغة أهل الحجاز: مررت بهم ثلاثتهم وأربعتهم وكذلك إلى العشرة. وزعم الخليل رحمه الله أنه إذا نصب ثلاثتهم فكأنه يقول: مررت بهؤلاء فقط لم أجاوز هؤلاء. كما أنه إذا قال: وحده فإنما يريد: مررت به فقط لم أجاوزه. وأما بنو تميم فيجرونه على الاسم الأول: إن كان جراً فجراً وإن كان نصباً فنصباً وإن كان رفعاً فرفعاً. وزعم الخليل أن الذين يجرونه فكأنهم يريدون أن يعموا كقولك: مررت بهم كلهم أي لم أدع منهم أحداً. وزعم الخليل رحمه الله حيث مثل نصب وحده وخمستهم أنه كقولك: أفردتهم إفراداً. فهذا تمثيل ولكنه لم يستعمل في الكلام. ومثل خمستهم قول الشماخ: أتتني سليم قضها بقضيضها تمسح حولي بالبقيع سبالها كأنه قال: انقضاضهم " أي " انقضاضاً. ومررت بهم قضهم بقضيضهم كأنه يقول: مررت بهم انقضاضاً. فهذا تمثيل وإن لم يتكلم به كما كان إفراداً تمثيلاً. وإنما ذكرنا الإفراد في وحده والانقضاض في قضهم لأنه إذا قال: قضهم فهو مشتق من في معنى الانقضاض لأنه كأنه يقول: انقض آخرهم على أولهم. وكذلك وحده إنما هو من معنى التفرد فكذلك أيضاً يكون خمستهم نصباً إذا أردت معنى الانفراد فإن أردت أنك لم تدع منهم أحداً جررت كما كان ذلك في قضهم. وبعض العرب يجعل قضهم بمنزلة كلهم يجريه على الوجوه.

هذا باب ما يجعل من الأسماء مصدراً كالمصدر الذي فيه الألف واللام

نحو العراك وهو قولك: مررت بهم الجماء الغفير والناس فيها الجماء الغفير. فهذا ينتصب كانتصاب العراك. وزعم الخليل رحمه الله أنهم أدخلوا الألف واللام في هذا الحرف وتكلموا به على نية مالا تدخله الألف واللام وهذا جعل كقولك: مررت بهم قاطبة ومررت بهم طراً " أي جميعاً إلا أن هذا نكرة لا يدخله الألف واللام كما أنه ليس كل المصادر بمنزلة العراك كأنه قال: مررت بهم جميعاً. فهذا تمثيل وإن لم يتكلم به. فصار طراً " وقاطبة بمنزلة سبحان " الله " في بابه لأنه لا يتصرف كما أن طراً وقاطبة لا يتصرفان وهما في موضع المصدر ولا يكونان معرفةً ولو كانا صفةً لجريا على الاسم أو بنيا على الابتداء فلم يوجد ذا في الصفة. وقد رأينا المصادر قد صنع ذا بها لأنها لا تصرَّفُ، فشبِّه هذا بها.

باب ما ينتصب أنه حال يقع فيه الأمر وهو اسم

وذلك قولك: مررت بهم جميعاً وعمةً وجماعةً كأنك قلت: مررت بهم قياماً. وإنما فرقنا بين هذا الباب والباب الأول لأن الجميع وعامةً اسمان متصرفان تقول: كيف عامتكم وهؤلاء قوم جميع. فإذا كان الاسم حالاً يكون فيه الأمر لم تدخله الألف واللام ولم يضف. لو قلت: ضربته القائم تريد: قائماً كان قبيحاً ولو قلت: ضربتهم قائميهم تريد: قائمين كان قبيحاً. فلما كان كذلك جعلوا ما أضيف ونصب نحو خمستهم بمنزلة طاقته وجهده " ووحده " وجعلوا الجماء الغفير بمنزلة العراك وجعلوا قاطبة وطرا إذا لم يكونا اسمين بمنزلة الجميع وعامة كقولك: كفاحاً ومكافحة وفجاءة. فجعلت هذه كالمصادر المعروفة البينة كما جعلوا عليك ورويدك كالفعل المتمكن وكما جعلوا سبحان الله ولبيك بمنزلة حمداً وسقياً. فهذا تفسير الخليل رحمه الله وقوله. وزعم يونس أن وحده بمنزلة عنده وأن خمستهم والجماء الغفير وقضهم كقولك: جميعاً وليس مثله لأن الآخر هو الأول عند يونس في المسألة الأولى وفاه إلى في ههنا غير الأول وأما طرا وقاطبة فأشبه بذلك لأنه جيد أن يكون حالاً غير المصدر نكرة والذي نأخذ به الأول. وأما كلهم وجميعهم وأجمعون وعامتهم وأنفسهم فلا يكن أبداً إلا صفة. وتقول: هو نسيج وحده لأنه اسم مضاف إليه بمنزلة نفسه إذا قلت: هذا جحيش وحدة وجعل يونس نصب وحده كأنك قلت: مررت برجل على حياله فطرحت " على " فمن ثم قال: هو مثل عنده. وهو عند الخليل كقولك: مررت به خصوصاً. ومررت بهم خمستهم مثله ومثل قولك: مررت بهم عما. ولا يكون مثل جميعاً لما ذكرت لك وصار وحده بمنزلة خمستهم لأنه مكان قولك: مررت به واحده " فقام وحده مقام واحده ". فإذا قلت: وحده فكأنك قلت هذا.

هذا باب ما ينتصب من المصادر توكيداً لما قبله

وذلك قولك: هذا عبد الله حقا وهذا زيد الحق لا الباطل وهذا زيد غير ما تقول. وزعم الخليل رحمه الله أن قوله: هذا القول لا قولك إنما نصبه كنصب غير ما تقول لأن " لا قولك " في ذلك المعنى. ألا ترى أنك تقول: هذا القول لا ما تقول فهذا في موضع نصب. فإذا قلت: لا قولك فهو في موضع لا ما تقول. ومثل ذلك في الاستفهام: أجدك لا تفعل كذا وكذا كأنه قال: أحقا لا تفعل كذا وكذا وأصله من الجد كأنه قال: أجدا ولكنه لا يتصلاف ولا يفارقه الإضافة كما كان ذلك في لبيك ومعاذ الله. وأما " غير ما تقول " فلا تعرى من أن تكون في هذا الموضع مضافة إلى اسم معروف نحو قولك لأنه لو قال غير قول أولا قولاً لم يكن في هذا بيان لأنه ليس كل قول باطلا وإنما يريد أن يحقق الأول بأمر معروف. ولو قال: هذا الأمر غير قيل باطل كان حسنا لأنه قد وكد أول كلامه بأمر معروف وقد اختصه فصار بمنزلة قولك: لا قولك حين جعله مضافاً لأنك قد اختصصته من جميع القول بإضافتك وأنه يسوغ أن يكون قوله باطلا ولا يسوغ أن يكون جميع الأقوال باطلا. ومن ذلك قولك: قد قعد البتة ولا يستعمل إلا معرفة بالألف واللام كما أن جهدك وأجدك لا يستعملان إلا معرفة بالإضافة. وأما الحق والباطل فيكونان معرفة بالألف واللام ونكرة لأنهما لم ينزلا منزلة ما لم يتمكن من المصادر كسبحان وسعديك ولكنهم أنزلوهما منزلة الظن وكذلك اليقين لأنك تحقق به كما تفعل ذلك بالحق. فأنزل ما ذكرنا غير هذا بمنزلة عمرك الله وقعدك الله.

هذا باب ما يكون المصدر فيه توكيداً لنفسه نصباً

وذلك قولك: له على ألف درهم عرفاً. ومثل ذلك قول الأحوص: إنى لأمنحك الصدود وإننى قسماً إليك مع الصدود لأميل وإنما صار توكيداً لنفسه لأنه حين قال: له على فقد أقر واعترف وحين قال: لأميل علم أنه بعد حلف ولكنه قال: عرفاً وقسماً وتوكيداً كما " أنه إذا " قال: سير عليه فقد علم أنه كان سير ثم قال: سيراً توكيداً. واعلم أنه قد تدخل الألف واللام في التوكيد في هذه المصادر المتمكنة التي تكون بدلاً من اللفظ بالفعل: كدخولها في الأمر والنهي والخبر والاستفهام فأجرها في هذا الباب مجراها هناك. وكذلك الإضافة بمنزلة الألف واللام. فأما المضاف فقول الله تبارك وتعالى: " وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله " وقال الله تبارك وتعالى: " ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم. وعد الله لا يخلف الله وعده ". وقال جل وعز: " الذى أحسن كل شيء خلقه ". وقال جل ثناؤه: " والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم ". ومن ذلك: الله أكبر دعوة الحق. لأنه لما قال جل وعز: " مر السحاب " وقال: " أحسن كل شيء " علم أنه خلق وصنع ولكنه وكد وثبت للعباد. ولما قال: " حرمت عليكم أمهاتكم " حتى انقضى الكلام علم الخاطبون أن هذا مكتوب عليهم مثبت عليهم وقال: كتاب الله توكيدا كما قال: صنع الله وكذلك: وعد الله لأن الكلام الذي قبله وعد وصنع فكأنه قال جل وعز: وعداً وصنعاً وخلقاً وكتاباً. وكذلك: دعوة الحق لآنه قد علم أن قولك: الله أكبر دعاء الحق ولكنه توكيد كأنه قال: دعاء حقا. قال رؤبة: إن نزارا أصبحت نزارا دعوة أبرار دعوا أبرارا لأن قولك: أصبحت نزاراً بمنزلة: هم على دعوة بارة. وقد زعم بعضهم أن كتاب الله " نصب " على قوله: عليكم كتاب الله. وقال: قوم صبغة الله منصوبة على الأمر وقال بعضهم: لا بل توكيدا والصبغة: الدين. وقد يجوز الرفع فيما ذكرنا أجمع على أن يضمر شيئاً هو المظهر كأنك قلت: ذاك وعد الله وصبغة الله أو هو دعوة الحق على هذا ونحوه رفعه. ومن ذلك قوله جل وعز: " كأن لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ " كأنه قال: ذاك بلاغ. واعلم أن هذا الباب أتاه النصب كمنصوب بما قبله من المصادر في أنه ليس بصفة ولا من اسم قبله وإنما ذكرته لتؤكد به ولم تحمله على مضمر يكون ما بعده رفعاً وهو مفعول به. ومثل نصب هذا الباب قول الشاعر وهو الراعى: دأبت إلى أن ينبت الظل بعد ما تقاصر حتى كاد في الآل يمصح وجيف المطايا ثم قلت لصحبتى ولم ينزلوا أبردتم فتروحوا لأنه قد عرف أن قوله " دأبت ": سرت لما ذكر في صدر قصيدته فصار دأبت بمنزلة أوجفت عنده فجعل وجيف المطايا توكيداً لأوجفت الذي هو في ضميره. واعلم أن نصب هذا " الباب " المؤكد به العام منه وما وكد به نفسه ينصب على إضمار فعل غير كلامك الأول لإنه ليس في معنى كيف ولا لم كأنه قال: أحق حقاً فجعله بدلاً كظنا من أظن ولا أقول قولك وأقول غير ما تقول وأتجد جدك وكتب الله تبارك وتعالى كتابه وادعوا دعاء حقا وصبغ الله صبغة ولكن لا يظهر الفعل لأنه صار بدلاً منه بمنزلة سقيا.

باب ما ينتصب من المصادر لأنه حال صار فيه المذكور

وذلك قولك: أما سمنا فسمين وأما علماً فعالم. وزعم الخليل رحمه الله أنه بمنزلة قولك: أنت الرجل علماً وديناً وأنت الرجل فهماً وأدباً أي أنت الرجل في هذه الحال. وعمل فيه ما قبله وما بعده ولم يحسن في هذا الوجه الألف واللام كما لم يحسن فيما كان حالاً وكان في موضع فاعل حالا. وكذلك هذا فانتصب المصدر لأنه حال مصير فيه. ومن ذلك قولك: أما علماً فلا علم له وأما علماً فلا علم عنده وأما علماً فلا علم وتضمر له لأنك إنما تعني رجلاً. وقد يرفع هذا في لغة بني تميم والنصب في لغتها أحسن " لأنهم يتوهمون الحال ". فإن أدخلت الألف واللام رفعوا لأنه يمتنع من أن يكون حالاً. وتقول: أما العلم فعالم بالعلم وأما العلم فعالم بالعلم. فالنصب على أنك لم تجعل العلم الثاني العلم الأول الذي لفظت به قبله كأنك قلت: أما العلم فعالم بالأشياء. وأما الرفع فعلى أنه جعل العلم الآخر هو العلم الأول فصار كقولك: أما العلم فأنا عالم به وأما العلم فما أعلمني به. فإن جعلت الهاء غير العلم الأول نصبت كأنك قلت: أما علماً فما أعلمني بعبد الله. وإذا قلت: أما الضرب فضارب فهذا ينتصب على وجهين: على أن يكون الضرب مفعولا كقولك: أما عبد الله فأنا ضارب ويكون نصباً على قولك: أما علماً فعالم كأنك قلت: أما ضرباً فضارب فيصير كقولك: أما ضربا فذو ضرب. وقد ينصب أهل الحجاز في هذا الباب بالألف واللام لأنهم قد يتوهمون في هذا الباب غير الحال وبنو تميم كأنهم لا يتوهمون غيره فمن ثم لم ينصبوا في الألف واللام وتركوا القبح. فكأن الذي توهم أهل الحجاز الباب الذي ينتصب لأنه موقوع له نحو قولك فعلته مخافة ذلك. وذلك قولهم: أما النبل فنبيل وأما العقل فهو الرجل الكامل كأنه قال: هو الرجل الكامل العقل والرأي أي للعقل والرأي وكأنه أجاب من قال: لمه وعلى هذا الباب فأجر جميع ما أجريته نكرة حالا إذا أدخلت فيه الألف واللام. قال الشاعر: ألا ليت شعرى هل إلى أم معمر ** سبيل فأما الصبر عنها فلا صبرا وأما بنو تميم فيرفعون لما ذكرت لك فيقولون: أما العلم فعالم كأنه قال: فأنا أو فهو عالم به. وكان إضمار هذا أحسن عندهم من أن يدخلوا فيه مالا يجوز كما قال سبحانه: " يوماً لا تجزى نفس " أضمر " فيه " وقال الشاعر " عبد الرحمن بن حسان ": أي فليس لنا منك جود. ومما ينتصب من الصفات حالاً كما انتصب المصدر الذي يوضع موضعه ولا يكون إلا حالاً قوله: أما صديقاً مصافياً فليس بصديق مصاف وأما طاهراً فليس بطاهر وأما عالماً فعالم. فهذا نصب لأنه جعله كائناً في حال علم وخارجا من حال طهور ومصادقة. والرفع لا يجوز هنا لأنك قد أضمرت صاحب الصفة وحيث قلت أما العلم فعالم فلم تضمر مذكورا قبل كلامك وهو العلم فمن ثم حسن في هذا الرفع ولم يجز الرفع في الصفة. ولا يكون في الصفة الألف واللام لأنه ليس بمصدر فيكون جواباً لقوله لمه وإنما المصدر تابع له ووضع في موضعه حالا. واعلم أن ما ينتصب في هذا الباب فالذي بعده أو قبله من الكلام قد عمل فيه كما عمل في الحذر ما قبله إذا قلت: أكرمته حذر أن أعاب وكما عمل في قوله: أتاه مشياً وماشياً.