الرئيسيةبحث

الفرق بين الفرق

الفرق بين الفرق
  ► ☰  

☰ جدول المحتويات

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله فاطر الخلق وموجده ومظهر الحق ومنجده، الذي جعل الحق وزرا لمن اعتقده وعمرا لمن اعتمده، وجعل الباطل مزلا لمن ابتغاه ومذلا لمن اقتضاه. والصلاة والسلام على الصفوة الصافية والقدوة الهادية محمد وآله خيار الورى ومنار الهدى.

سألتم أسعدكم الله مطلوبكم شرح معنى الخبر المأثور عن النبي ﷺ في افتراق الأمة ثلاثا وسبعين فرقة منها واحدة ناجية تصير إلى جنة عالية وبواقيها عادية تصير إلى الهاوية والنار الحامية، وطلبتم الفرق بين الفرقة الناجية التي لا يزل بها القدم ولا تزول عنها النعم وبين فرق الضلال الذين يرون ظلام الظلم نورا واعتقاد الحق ثبورا وسيصلون سعيرا ولا يجدون من الله نصيرا.

فرأيت إسعافكم بمطلوبكم من الواجب في إبانة الدين القويم والصراط المستقيم وتمييزها من الأهواء المنكوسة والآراء المعكوسة ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من يحيا عن بينة فأودعت مطلوبكم مضمون هذا الكتاب وقسمت مضمونه خمسة أبواب هذه ترجمتها:

باب في بيان الحديث المأثور في افتراق الأمة ثلاثا وسبعين فرقة

باب في بيان فرق الأمة على الجملة ومن ليس منها على الجملة

باب في بيان فضائح كل فرقة من فرق الأهواء الضالة

باب في بيان الفرق التي انتسبت إلى الإسلام وليست منها

باب في بيان الفرقة الناجية وتحقيق نجاتها وبيان محاسن دينه

فهذه جملة أبواب هذا الكتاب وسنذكر في كل باب منها مقتضاه على شرطه إن شاء الله تعالى.

الباب الأول في بيان الحديث المأثور في افتراق الأمة

أخبرنا أبو سهل بشر بن أحمد بن بشار الإسفرائيني قال أخبرنا عبد الله بن ناجية قال حدثنا وهب بن بقية عن خالد بن عبد الله عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة وتفرقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة».

أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن علي بن زياد السمذي العدل الثقة قال أخبرنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار قال حدثنا الهيثم بن خارجة قال حدثنا إسماعيل بن عباس عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم عن عبد الله بن يزيد عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: «ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل تفرق بنو إسرائيل على اثنتين وسبعين ملة وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة تزيد عليهم ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة»، قالوا: يا رسول الله من الملة الواحدة التي تنقلب؟ قال: «ما أنا عليه وأصحابي».

أخبرنا القاضي أبو محمد عبد الله بن عمر المالكي قال حدثنا أبي عن أبيه قال حدثنا الوليد بن مسلمة قال حدثنا الأوزاعي قال حدثنا قتادة عن أنس عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقة وإن أمتي ستفترق على ثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة».

قال عبد القاهر: للحديث الوارد في افتراق الأمة أسانيد كثيرة وقد رواه عن النبي ﷺ جماعة من الصحابة كأنس بن مالك وأبي هريرة وأبي الدرداء وجابر وأبي سعيد الخدري وأبي بن كعب وعبد الله بن عمرو بن العاص وأبي إمامة ووائلة بن الأسقع وغيرهم.

وقد روي عن الخلفاء الراشدين أنهم ذكروا افتراق الأمة بعدهم فرقا وذكروا أن الفرقة الناجية منها فرقة واحدة وسائرها على الضلال في الدنيا والبوار في الآخرة.

وروي عن النبي ﷺ ذم القدرية وأنهم مجوس هذه الأمة. وروي عنه ذم المرجئة مع القدرية. وروي عنه أيضا ذم المارقين وهم الخوارج.

وروي عن أعلام الصحابة ذم القدرية والمرجئة والخوارج المارقة. وقد ذكرهم علي رضي الله عنه في خطبته المعروفة بالزهراء وبرئ فيها من أهل النهراوان.

وقد علم كل ذي عقل من أصحاب المقالات المنسوبة إلى أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يرد بالفرق المذمومة التي أهل النار فرق الفقهاء الذين اختلفوا في فروع الفقه مع اتفاقهم على أصول الدين؛ لأن المسلمين فيما اختلفوا فيه من فروع الحلال والحرام على قولين:

أحدهما قول من يرى تصويب المجتهدين كلهم في فروع الفقه وفرق الفقه كلها عندهم مصيبون.

والثاني قول من يرى في كل فرع تصويب واحد من المختلفين فيه وتخطئة الباقين من غير تضليل منه للمخطئ فيه.

وإنما فصل النبي عليه الصلاة والسلام بذكر الفرق المذمومة فرق أصحاب الأهواء الضالة الذين خالفوا الفرقة الناجية في أبواب العدل والتوحيد أو في الوعد والوعيد أو في بابي القدر والاستطاعة أو في تقدير الخير والشر أو في باب الهداية والضلالة أو في باب الإرادة والمشيئة أو في باب الروية والإدراك أو في باب صفات لله عز وجل وأسمائه وأوصافه أو في باب من أبواب التعديل والتجويز أو في باب من أبواب النبوة وشروطها ونحوها من الأبواب التي اتفق عليها أهل السنة والجماعة من فريقي الرأي والحديث على أصل واحد خالفهم فيها أهل الأهواء الضالة من القدرية والخوارج والروافض والنجارية والجهمية والمجسمة والمشبهة ومن جرى من فرق الضلال، فإن المختلفين في العدل والتوحيد والقبور والأسلاف متحدو الروية والصفات والتعديل والتجويز وفي شروط النبوة والإمامة يكفر بعضهم بعضا.

فصح تأويل الحديث المروي في افتراق الأمة ثلاثا وسبعين فرقة إلى هذا النوع من الاختلاف دون الأنواع التي اختلفت فيها أئمة الفقه من فروع الأحكام في أبواب الحلال والحرام أو ليس فيما بينهم تكفير ولا تضليل فيما اختلفوا فيه من أحكام الفروع.

وسنذكر الفرق التي رجع إليهم تأويل الخبر المروي في افتراق الأمة في الباب الذي يلي ما نحن فيه إن شاء الله عز وجل.

الباب الثاني من أبواب هذا الكتاب في كيفية افتراق الأمة ثلاثا وسبعين

وفي ضمنه بيان الفرق الذين يجمعهم اسم ملة الإسلام في الجملة.

ويقع في هذا الباب فصلان:

أحدهما في بيان المعنى الجامع للفرق المختلفة في اسم ملة الإسلام في الجملة والفصل.

الثاني في بيان كيفية اختلاف الأمة وتحصيل عدد فرقها الثلاث وسبعين وسنذكر في كل واحد من هذين الفصلين مقتضاه إن شاء الله عز وجل.

الفصل الأول في بيان المعنى الجامع للفرق المختلفة في اسم ملة الإسلام على الجملة قبل التفصيل

اختلف المنتسبون إلى الإسلام في الذين يدخلون بالاسم العام في ملة الإسلام.

فزعم أبو القاسم الكعبي في مقالاته أن قول القائل أمة الإسلام تقع على كل مقر بنبوة محمد ﷺ وأن كل ما جاء به حق كائنا قوله بعد ذلك ما كان.

وزعم قوم أن أمة الإسلام كل من يرى وجوب الصلاة إلى جهة الكعبة.

وزعمت الكرامية مجسمة خراسان أن أمة الإسلام جامعة لكل من أقر بشهادتي الإسلام لفظا وقالوا كل من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله فهو مؤمن حقا وهو من أهل ملة الإسلام سواء كان مخلصا فيه أو منافقا مضمر الكفر فيه والزندقة. ولهذا زعموا أن المنافقين في عهد رسول الله كانوا مؤمنين حقا وكان إيمانهم كإيمان جبريل وميكائيل والأنبياء والملائكة مع اعتقادهم النفاق وإظهار الشهادتين.

وهذا القول مع قول الكعبي في تفسيراته الإسلام ينتقض بقول العيسوية من يهود أصبهان. فإنهم يقرون بنبوة نبينا محمد ﷺ وبأن كل ما جاء به حق ولكنهم زعموا أنه بعث إلى العرب لا إلى بني إسرائيل وقالوا أيضا محمد رسول الله؛ وما هم معدودين في فرق الإسلام. وقوم من موشكانية اليهود حكوا عن زعيمهم المعروف بشأركان أنه قال إن محمدا رسول الله إلى العرب وإلى سائر الناس ما خلا اليهود وأنه قال إن القرآن حق وكل الأذان والإقامة والصلوات الخمس وصيام شهر رمضان وحج الكعبة كل ذلك حق غير أنه مشروع للمسلمين دون اليهود، وربما فعل ذلك بعض الشأركانية قد أقروا بشهادتي أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأقروا بأن دينه حق، وما هم مع ذلك من أمة الإسلام لقولهم بأن شريعة الإسلام لا تلزمهم.

وأما قول من قال إن اسم ملة الإسلام أمر واقع على كل من يرى وجوب الصلاة إلى الكعبة المنصوبة بمكة، فقد رضي بعض فقهاء الحجاز هذا القول وأنكره أصحاب الرأي لما روي عن أبي حنيفة أن صحح إيمان من أقر بوجوب الصلاة إلى الكعبة وشك في موضعها، وأصحاب الحديث لا يصححون إيمان من شك في موضع الكعبة كما لا يصححون إيمان من شك في وجوب الصلاة إلى الكعبة.

والصحيح عندنا أن أمة الإسلام تجمع المقرين بحدوث العالم وتوحيد صانعه وقدمه وصفاته وعدله وحكمته ونفي التشبيه عنه وبنبوة محمد ﷺ ورسالته إلى الكافة وبتأييد شريعته وبأن كل ما جاء به حق وبأن القرآن منبع أحكام الشريعة وأن الكعبة هي القبلة التي تجب الصلاة إليها. فكل من أقر بذلك كله ولم يشبه ببدعة تؤدي إلى الكفر فهو السني الموحد.

وإن ضم إلى الأقوال بما ذكرناه بدعة شنعاء نظر؛ فإن كان على بدعة الباطنية أو البيانية أو المغيرة أو الخطابية الذين يعتقدون إلهية الأئمة أو إلهية بعض الأئمة أو كان على مذاهب الحلول أو على بعض مذاهب أهل التناسخ أو على مذهب الميمونية من الخوارج الذين أباحوا نكاح بنات البنات وبنات البنين أو على مذهب اليزيدية من الإباضية في قولها بأن شريعة الإسلام تنسخ في آخر ألزمان أو أباح ما نص القرآن على تحريمه أو حرم ما أباحه القرآن نصا لا يحتمل التأويل فليس هو من أمة الإسلام ولا كرامة له.

وإن كانت بدعته من جنس بدع المعتزلة أو الخوارج أو الرافضة الإمامية أو الزيدية أو من بدع البخارية أو الجهمية أو الضرارية أو المجسمة فهو من الأمة في بعض الأحكام وهو جواز دفنه في مقابر المسلمين وفي ألا يمنع حظه من الفيء والغنيمة إن غزا مع المسلمين وفي ألا يمنع من الصلاة في المساجد، وليس من الأمة في أحكام سواها وذلك ألا تجوز الصلاة عليه ولا خلفه ولا تحل ذبيحته ولا نكاحه لامرأة سنية ولا يحل للسني أن يتزوج المرأة منهم إذا كانت على اعتقادهم. وقد قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه للخوارج: علينا ثلاث لا نبدؤكم بقتال ولا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسم الله ولا نمنعكم من الفيء ما دامت أيديكم مع أيدينا. والله أعلم.

الفصل الثاني من هذا الباب في بيان كيفية اختلاف الأمة وتحصيل عدد فرقها الثلاث والسبعين

كان المسلمون عند وفاة رسول الله ﷺ على منهاج واحد في أصول الدين وفروعه، غير من أظهر وفاقا وأضمر نفاقا.

وأول خلاف وقع منهم اختلافهم في موت النبي عليه السلام، فزعم قوم منهم أنه لم يمت وإنما أراد الله تعالى رفعه إليه كما رفع عيسى بن مريم إليه، وزال هذا الخلاف وأقر الجميع بموته حين تلا عليهم أبو بكر الصديق قول الله لرسوله عليه السلام: {إنك ميت وإنهم ميتون} وقال لهم من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ومن كان يعبد رب محمد فإنه حي لا يموت.

ثم اختلفوا بعد ذلك في موضع دفن النبي عليه الصلاة والسلام، فأراد أهل مكة رده إلى مكة لأنها مولده ومبعثه وقبلته وموضع نسله وبها قبر جده إسماعيل عليه السلام، وأراد أهل المدينة دفنه بها لأنها دار هجرته ودار أنصاره، وقال آخرون بنقله إلى أرض القدس ودفنه ببيت المقدس عند قبر جده إبراهيم الخليل عليه السلام. وزال هذا الخلاف بأن روى لهم أبو بكر الصديق عن النبي ﷺ: "إن الأنبياء يدفنون حيث يقبضون" فدفنوه في حجرته بالمدينة.

ثم اختلفوا بعد ذلك في الإمامة وأذعنت الأنصار إلى البيعة لسعد بن عبادة الخزرجي وقالت قريش إن الإمامة لا تكون إلا في قريش ثم أذعنت الأنصار لقريش لما روى لهم قول النبي عليه السلام: «الأئمة من قريش». وهذا الخلاف باق إلى اليوم لأن ضرارا أو الخوارج قالوا بجواز الإمامة في غير قريش.

ثم اختلفوا بعد ذلك في شأن فدك وفي توريث التركات عن الأنبياء عليهم السلام. ثم نفذ في ذلك قضاء أبي بكر بروايته عن النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الأنبياء لا يورثون».

ثم اختلفوا بعد ذلك في مانعي وجوب الزكاة ثم اتفقوا على رأي أبي بكر في وجوب قتالهم.

ثم اشتغلوا بعد ذلك بقتال طليحة حين تنبئ وارتد حتى انهزم إلى الشام ثم رجع في أيام عمر إلى الإسلام وشهد مع سعد بن أبي وقاص حرب القادسية وشهد بعد ذلك حرب نهاوند وقتل بها شهيدا.

ثم اشتغلوا بعد ذلك بقتال مسيلمة الكذاب إلى أن كفى الله تعالى أمره وأمر سجاح المتنبية وأمر الأسود بن زيد العنسى.

ثم اشتغلوا بعد ذلك بقتل سائر المرتدين إلى أن كفى الله تعالى أمرهم.

ثم اشتغلوا بعد ذلك بقتال الروم والعجم. وفتح الله تعالى لهم الفتوح وهم في أثناء ذلك كله على كلمة واحدة في أبواب العدل والتوحيد والوعد والوعيد وفي سائر أصول الدين، وإنما كانوا يختلفون في فروع الفقه كميراث الجد مع الإخوة والأخوات مع الأب والأم أو مع الأب، وكمسائل العدل والكلالة والرد وتعصيب الأخوات من الأب والأم أو من الأب مع البنت أو بنت الابن، وكاختلافهم في جر الولاء وفي مسئلة الحرام ونحوها مما لم يوّرث اختلافهم فيه تضليلا ولا تفسيقا. وكانوا على هذه الجملة في أيام أبي بكر وعمر وست سنين من خلافة عثمان.

ثم اختلفوا بعد ذلك في أمر عثمان لأشياء نقموها منه حتى أقدم لأجلها ظالموه على قتله.

ثم اختلفوا بعد قتله في قاتليه وخاذليه اختلافا باقيا إلى يومنا هذا.

ثم اختلفوا بعد ذلك في شأن علي وأصحاب الجمل وفي شأن معاوية وأهل صفين وفي حكم الحكمين أبي موسى الأشعري وعمرو بن العاص اختلافا باقيا إلى اليوم.

ثم حدث في زمان المتأخرين من الصحابة خلاف القدرية في القدر والاستطاعة من معبد الجهني وغيلان الدمشقي والجعد بن درهم. وتبرأ منهم المتأخرون من الصحابة كعبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله وأبي هريرة وابن عباس وأنس بن مالك وعبد الله بن أبي أوفى وعقبة بن عامر الجهني وأقرانهم، وأوصوا أخلافهم بأن لا يسلموا على القدرية ولا يصلوا على جنائزهم ولا يعودوا مرضاهم.

ثم اختلفت الخوارج بعد ذلك فيما بينها فصارت مقدار عشرين فرقة كل واحدة تكفر سائرها.

ثم حدث في أيام الحسن البصري خلاف واصل بن عطاء الغزال في القدر وفي المنزلة بين المنزلتين، وانضم إليه عمرو بن عبيد بن باب في بدعته، فطردهما الحسن عن مجلسه فاعتزلا عن سارية من سواري مسجد البصرة فقيل لهما ولأتباعهما معتزلة لاعتزالهم قول الأمة في دعواها أن الفاسق من أمة الإسلام لا مؤمن ولا كافر.

وأما الروافض فإن السبئية منهم أظهروا بدعتهم في زمان علي رضي الله عنه فقال بعضهم لعلي أنت الأمة فأحرق علي قوما منهم ونفى ابن سبأ إلى ساباط المدائن. وهذه الفرقة ليست من فرق أمة الإسلام لتسميتهم عليا إلها.

ثم افترقت الرافضة بعد زمان علي رضي الله عنه أربعة أصناف زيدية وإمامية وكيسانية وغلاة. وافترقت الزيدية فرقا والإمامية فرقا والغلاة فرقا؛ كل فرقة منها تكفر سائرها. وجميع فرق الغلاة منهم خارجون عن فرق الإسلام. فأما فرق الزيدية وفرق الإمامية فمعدودون في فرق الأمة.

وافترقت النجارية بناحية الري بعد الزعفراني فرقا يكفر بعضها بعضا.

وظهر خلاف البكرية من بكر من أخت عبد الواحد بن زياد وخلاف الضرارية من ضرار بن عمرو وخلاف الجهمية من جهم بن صفوان. وكان ظهور جهم وبكر وضرار في أيام ظهور واصل بن عطاء في ضلالته.

وظهرت دعوة الباطنية في أيام المأمون من حمران قومط ومن عبد الله بن ميمون القداح. وليست الباطنية من فرق ملة الإسلام بل هي من فرق المجوس على ما نبينه بعد هذا، وظهروا في أيام محمد بن طاهر بن عبد الله بن طاهر بخراسان خلاف الكرامية المجسمة.

فأما الزيدية من الرافضة فمطمعها ثلاث فرق وهي الجارودية والسليمانية وقد يقال الحريرية أيضا والبترية. وهذه الفرق الثلاث يجمعها القول بإمامة زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب في أيام خروجه، وكان ذلك في زمان هشام بن عبد الملك.

والكيسانية منهم فرق كثيرة ترجع عن التحصيل إلى فرقتين إحداهما تزعم أن محمد بن الحنفية حي لم يمت، وهم على انتظاره ويزعمون أنه المهدي المنتظر، والفرقة الثانية منهم مقرون بإماميته في وقته وبموته وينقلون الإمامة بعد موته إلى غيره ويختلفون بعد ذلك في المنقول إليه.

وأما الإمامية المفارقة للزيدية والكسائية والغلاة فإنها خمس عشرة فرقة؛ وهن المحمدية والباقرية والناوسية والشميطية والعمارية والإسماعيلية والمباركية والموسوية والقطعية والاثنى عشرية والهشامية من أتباع هشام بن الحكم أو من أتباع هشام بن سالم الجواليقي والزرارية من أتباع زرارة بن أعين واليونسية من أتباع يونس القمي والشيطانية من أتباع شيطان الطاق والكاملية من أتباع أبي كامل وهو أفحشهم قولا في علي وفي سائر الصحابة رضي الله عنهم.

فهذه عشرون فرقة من فرق الروافض؛ منها ثلاث زيدية وفرقتان من الكيسانية وخمس عشرة فرقة من الإمامية.

فأما غلاتهم الذين قالوا بإلهية الأئمة وأباحوا محرمات الشريعة وأسقطوا وجوب فرائض الشريعة كالبيانية والمغيرية والجناحية والمنصورية والخطابية والحلولية ومن جرى مجراهم فما هم من فرق الإسلام وإن كانوا منتسبين إليه. وسنذكرها في باب مفرد بعد هذا الباب.

وأما الخوارج فإنها لما اختلفت صارت عشرين فرقة وهذه أسماؤها المحكمة الأولى والأزارقة ثم النجدات ثم الصفرية ثم العجاردة.

وقد افترقت العجاردة فيما بينها فرقا كثيرة منها الخازمية والشعيبية والمعلومية والمجهولية والمعبدية والرشيدية والمكرمية والحمزية والإبراهيمية والواقفة.

وافترقت الإباضية منها فرقا حفصية وحارثية ويزيدية وأصحاب طاعة لا يراد الله بها.

واليزيدية منهم أتباع ابن يزيد بن أنيس ليست من فرق الإسلام لقولها بأن شريعة الإسلام تنسخ في آخر ألزمان بنبي يبعث من العجم.

وكذلك في جملة العجاردة فرقة يقال لها الميمونية ليست من فرق الإسلام لأنها أباحت نكاح بنات البنات وبنات البنين كما أباحته المجوس. وسنذكر اليزيدية والميمونية في جملة الذين انتسبوا إلى الإسلام وما هم منهم ولا من فرقهم.

وأما القدرية المعتزلة عن الحق فقد افترقت عشرين فرقة كل فرقة منها تكفر سائرها. وهذه أسماء فرقها واصلية وعمرية والهذيلية والنظامية والاموارية والعمرية والثمامية والجاحظية والخابطية والحمارية والخياطية والسحامية وأصحاب صالح قبة والمويسية والكعبية والجبائية والبهشيمية المنسوبة إلى أبي هاشم بن الجبائي فهي ثنتان وعشرون فرقة ثنتان منها ليستا من فرق الإسلام وهما الخابطية والحمارية وسنذكرهما في الفرق التي انتسبت إلى الإسلام وليست منها.

وأما المرجئة فثلاثة أصناف:

صنف منهم قالوا بالإرجاء في الإيمان وبالقدر على مذاهب القدرية فهم معدودون في القدرية والمرجئة كأبي شمر المرجئ ومحمد بن شبيب البصري والخالدي.

وصنف منهم قالوا بالإرجاء في الإيمان ومالوا إلى قول جهم في الأعمال والأكساب فهم من جملة الجهمية والمرجئة.

وصنف منهم خالصة في الإرجاء من غير قدروهم خمس فرق يونسية وغسانية وثوبانية وتومنية ومريسية.

وأما النجارية فإنها اليوم بالري أكثر من عشر فرق ومرجعها في الأصل إلى ثلاث فرق برغونية زغفرانية ومستدركة.

وأما البكرية والضرارية فكل واحدة منها فرقة واحدة ليس لها تبع كثير والجهمية أيضا فرقة واحدة.

والكرامية بخراسان ثلاث فرق حقاقية وطرايقية وإسحاقية لكن هذه الفرق الثلاث منها لا يكفر بعضها بعضا فعددناها كلها فرقة واحدة.

فهذه الجملة التي ذكرناها تشتمل على ثنتين وسبعين فرقة منها عشرون روافض وعشرون خوارج وعشرون قدرية وعشر مرجئة وثلاث نجارية وبكرية وضرارية وجهمية وكرامية فهذه ثنتان وسبعون فرقة.

فأما الفرقة الثالثة والسبعون فهي أهل السنة والجماعة من فريقي الرأي والحديث دون من يشتري لهو الحديث وفقهاء هذين الفريقين وقراؤهم ومحدثوهم ومتكلمو أهل الحديث منهم كلهم متفقون على مقالة واحدة في توحيد الصانع وصفاته وعدله وحكمته وفي أسمائه وصفاته وفي أبواب النبوة والإمامة وفي أحكام العقبى وفي سائر أصول الدين، وإنما يختلفون في الحلال والحرام من فروع الأحكام، وليس بينهم فيما اختلفوا فيه منها تضليل ولا تفسيق، وهم الفرقة الناجية. ويجمعها الإقرار بتوحيد الصانع وقدمه وقدم صفاته الأزلية وإجازة رؤيته من غير تشبيه ولا تعطيل مع الإقرار بكتب الله ورسله وبتأييد شريعة الإسلام وإباحة ما أباحه القرآن وتحريم ما حرمه القرآن مع قيود ما صح من سنة رسول الله ﷺ واعتقاد الحشر والنشر وسؤال الملكين في القبر والإقرار بالحوض والميزان.

فمن قال بهذه الجهة التي ذكرناها ولم يخلط إيمانه بها بشيء من بدع الخوارج والروافض والقدرية وسائر أهل الأهواء فهو من جملة الفرقة الناجية إن ختم الله له بها. وقد دخل في هذه الجملة جمهور الأمة وسوادها الأعظم من أصحاب مالك والشافعي وأبي حنيفة والأوزاعي والثوري وأهل الظاهر.

فهذا بيان ما أردنا بيانه في هذا الباب ونذكر في الباب الذي يليه تفصيل مقالة كل فرقة من فرق الأهواء الذين ذكرناهم إن شاء الله عز وجل.

الباب الثالث من أبواب هذا الكتاب في بيان تفصيل مقالات فرق الأهواء وبيان فضائح كل فرقة منها على التفصيل

هذا باب يشتمل على فصول ثمانية وهذه ترجمتها:

فصل في بيان مقالات فرق الرفض

فصل في بيان مقالات فرق الخوارج

فصل في بيان مقالات فرق الاعتزال والقدر

فصل في بيان مقالات فرق المرجئة

فصل في بيان مقالات فرق النجارية

فصل في بيان مقالات الضرارية والبكرية والجهمية

فصل في بيان مقالات الكرامية

فصل في بيان مقالات المشبهة الداخلة في غمار الفرق التي ذكرناها

وسنذكر في كل فصل منها مقتضاه على شرطه إن شاء الله عز وجل.

الفصل الأول من فصول هذا الباب في بيان مقالات فرق الرفض

قد ذكرنا قبل هذا أن الزيدية منهم ثلاث فرق والكيسانية منهم فرقتان والإمامية منهم خمس عشرة فرقة. ونبدأ بذكر الزيدية ثم الإمامية ثم الكيسانية على الترتيب إن شاء الله عز وجل.

ذكر الجارودية من الزيدية

أولا أتباع المعروف بأبي الجارود وقد زعموا أن النبي ﷺ نص على إمامة علي بالوصف دون الاسم وزعموا أيضا أن الصحابة كفروا بتركهم بيعة علي وقالوا أيضا إن الحسن بن علي كان هو الإمام بعد على ثم أخوه الحسين كان إماما بعد الحسن.

وافترقت الجارودية في هذا الترتيب فرقتين فرقة قالت إن عليا نص على إمامة ابنه الحسن ثم نص الحسن على إمامة أخيه الحسين بعده ثم صارت الإمامة بعد الحسن والحسين شورى في ولدي الحسن والحسين فمن خرج منهم شاهرا سيفه داعيا إلى دينه وكان عالما ورعا فهو الإمام، وزعمت الفرقة الثانية منهم أن النبي ﷺ هو الذي نص على إمامة الحسن بعد علي وإمامة الحسين بعد الحسن.

ثم افترقت الجارودية بعد هذا في الإمام المنتظر فرقا:

منهم من لم يعين واحدا بالانتظار وقال كل من شهر سيفه ودعا إلى دينه من ولدي الحسن والحسين فهو الإمام.

ومنهم من ينتظر محمد بن عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب ولا يصدق بقتله ولا بموته ويزعم أنه هو المهدي المنتظر الذي يخرج فيملك الأرض وقول هؤلاء فيه كقول المحمدية من الإمامية في انتظارها محمد بن عبد الله بن الحسن بن علي.

ومنهم من ينتظر محمد بن القاسم صاحب الطالقان ولا يصدق بموته.

ومنهم من ينتظر محمد بن عمر الذي خرج بالكوفة ولا يصدق بقتله ولا بموته.

فهذا قول الجارودية. وتكفيرهم واجب لتكفيرهم أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام.

ذكر السليمانية أو الجريرية منهم

هؤلاء أتباع سليمان بن جرير الزيدي الذي قال إن الإمامة شورى ولإنها تنعقد بعقد رجلين من خيار الأمة وأجاز إمامة المفضول وأثبت إمامة أبي بكر وعمر وزعم أن الأمة تركت الأصلح في البيعة لهما لأن عليا كان أولى بالإمامة منهما إلا أن الخطأ في بيعتهما لم يوجب كفرا ولا فسقا، وكفر سليمان بن جرير بالأحداث التي نقمها الناقمون منه. وأهل السنة يكفرون سليمان بن جرير من أجل أنه كفر عثمان رضي الله عنه.

ذكر البترية منهم

هؤلاء أتباع رجلين أحدهما الحسن بن صالح بن حي والأخير كثير المنوا الملقب بالأبتر. وقولهم كقول سليمان بن جرير في هذا الباب غير أنهم توقفوا في عثمان ولم يقدموا على ذمه ولا على مدحه. وهؤلاء أحسن حالا عند أهل السنة من أصحاب سليمان بن جرير. وقد أخرج مسلم بن الحجاج حديث الحسن بن صالح بن حي في مسنده الصحيح، ولم يخرج محمد بن إسماعيل البخاري حديثه في الصحيح ولكنه قال في كتاب التاريخ الكبير: الحسن بن صالح بن حي الكوفي سمع سماك بن حرب ومات سنة سبع وستين ومائة وهو من ثغور همذان وكنيته أبو عبد الله.

قال عبد القاهر: هؤلاء البترية والسليمانية من الزيدية كلهم يكفرون الجارودية من الزيدية لإقرار الجارودية على تكفير أبي بكر وعمر، والجارودية يكفرون السليمانية والبترية لتركهما تكفير أبي بكر وعمر.

وحكى شيخنا أبو الحسن الأشعري في مقالاته عن قوم من الزيدية يقال لهم اليعقوبية أتباع رجل اسمه يعقوب أنهم كانوا يتولون أبا بكر وعمر ولكنهم لا يتبرءون ممن تبرأ منهما.

قال عبد القاهر: اجتمعت الفرق الثلاث الذين ذكرناهم من الزيدية على القول بأن أصحاب الكبائر من الأمة يكونون مخلدين في النار، فهم من هذا الوجه كالخوارج الذين أيأسوا أسراء المذنبين من رحمة الله تعالى {ولا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون} إنما قيل لهذه الفرق الثلاث وأتباعها "زيدية" لقولهم بإمامة زيد بن علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب في وقته وإمامة ابنه يحيى بن زيد بعد زيد، وكان زيد بن علي قد بايعه على إمامته خمسة عشر ألف رجل من أهل الكوفة وخرج بهم على والي العراق وهو يوسف بن عمر الثقفي عامل هشام بن عبد الملك على العراقيين، فلما استمر القتال بينه وبين يوسف بن عمر الثقفي قالوا له: إنا ننصرك على أعدائك بعد أن تخبرنا برأيك في أبي بكر وعمر اللذين ظلما جدك علي بن أبي طالب، فقال زيد: إني لا أقول فيهما إلا خيرا وما سمعت أبي يقول فيهما إلا خيرا وإنما خرجت على بني أمية الذين قاتلوا جدي الحسين وأغاروا على المدينة يوم الحرة ثم رموا بيت الله بحجر المنجنيق والنار، ففارقوه عند ذلك حتى قال لهم: رفضتموني! ومن يومئذ سموا رافضة. وثبت معه نصر بن حريمة العنسي ومعاوية بن إسحاق بن يزيد بن حارثة في مقدار مائتي رجل وقاتلوا جند يوسف بن عمر الثقفي حتى قتلوا عن آخرهم وقتل زيد ثم نبش من قبره وصلب ثم أحرق بعد ذلك. وهرب ابنه يحيى بن يزيد إلى خراسان وخرج بناحية الجوزجاني على نصر بن بشار والي خراسان فبعث نصر بن بشار إليه مسلم بن أحوز المازني في ثلاثة آلاف رجل فقتلوا يحيى بن زيد. ومشهده بجوزجان معروف.

قال عبد القاهر: روافض الكوفة موصوفون بالغدر والبخل وقد سار المثل بهم فيهما حتى قيل أبخل من كوفي وأغدر من كوفي؛ والمشهور من غدرهم ثلاثة أشياء:

أحدها أنهم بعد قتل علي رضي الله عنه بايعوا ابنه الحسن فلما توجه لقتال معاوية غدروا به في ساباط المدائن فطعنه سنان الجعفي في جنبه فصرعه عن فرسه وكان ذلك أحد أسباب مصالحته معاوية.

والثاني أنهم كاتبوا الحسين بن علي رضي الله عنه ودعوه إلى الكوفة لينصروه على يزيد بن معاوية فاغتر بهم وخرج إليهم فلما بلغ كربلاء غدروا به وصاروا مع عبيد الله بن زياد يدا واحدة عليه حتى قتل الحسين وأكثر عشيرته بكربلاء.

والثالث غدرهم يزيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب بعد أن خرجوا معه على يوسف بن عمر ثم نكثوا بيعته وأسلموه عند اشتداد القتال حتى قتل وكان من أمره ما كان.

ذكر الكيسانية من الرافضة

هؤلاء أتباع المختار بن أبي عبيد الثقفي الذي قام بثأر الحسين بن علي بن أبي طالب وقتل أكثر الذين قتلوا حسينا بكربلاء. وكان المختار ويقال له كيسان وقيل إنه أخذ مقالته عن مولى لعلي رضي الله عنه كان اسمه كيسان.

وافترقت الكيسابية فرقا يجمعها شيئان:

أحدهما قولهم بإمامة محمد بن الحنفية وإليه كان يدعو المختار بن أبي عبيد.

والثاني قولهم بجواز البداء على الله عز وجل ولهذه البدعة قال بتكفيرهم كل من لا يجيز البداء على الله سبحانه.

واختلفت الكيسانية في سبب إمامة محمد بن الحنفية. فزعم بعضهم أنه كان إماما بعد أبيه علي بن أبي طالب رضي الله عنه واستدل على ذلك بأن عليا دفع إليه الراية يوم الجمل وقال له:

اطعَنْهُم طعن أبيك تحمد ** لا خير في الحرب إذا لم تزبد

وقال آخرون منهم: إن الإمامة بعد علي كانت لابنه الحسن ثم للحسين بعد الحسن ثم صارت إلى محمد بن الحنفية بعد أخيه الحسين بوصية أخيه الحسين إليه حين هرب من المدينة إلى مكة حين طولب بالبيعة ليزيد بن معاوية.

ثم افترق الذين قالوا بإمامة محمد بن الحنفية.

فزعم قوم منهم يقال لهم الكربية أصحاب أبي كرب الضرير أن محمد بن الحنفية حي لم يمت وأنه في جبل رضوى وعنده عين من الماء وعين من العسل يأخذ منهما رزقه وعن يمينه أسد وعن يساره نمر يحفظانه من أعدائه إلى وقت خروجه وهو المهدي المنتظر.

وذهب الباقون من الكيسانية إلى الإقرار بموت محمد بن الحنفية واختلفوا في الإمام بعده فمنهم من زعم أن الإمامة بعده رجعت إلى ابن أخيه علي بن الحسين زين العابدين ومنهم من قال برجوعها بعده إلى أبي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية.

واختلف هؤلاء في الإمام بعد أبي هاشم فمنهم من نقلها إلى أبي محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بوصية أبي هاشم إليه وهذا قول الروندية ومنهم من زعم أن الإمامة بعد أبي هاشم صارت إلى بيان بن سمعان وزعموا أن روح الله تعالى كانت في أبي هاشم ثم انتقلت منه إلى بيان ومنهم من زعم أن تلك الروح انتقلت من أبي هاشم إلى عبد الله بن عمرو بن حرب وادعت هذه الفرقة إلهية عبد الله بن عمرو بن حرب.

والبيانية والحربية كلتاهما من فرق الغلاة نذكرهما في الباب الذي نذكر فيه فرق الغلاة. وكان كثير الشاعر على مذهب الكيسانية الذين ادعوا حياة محمد بن الحنفية ولم يصدقوا بموته ولذا قال في قصيدة له:

ألا إن الأئمة من قريش ولاة الحق أربعة سواء

علي والثلاثة من بنيه هم الأسباط ليس بهم خفاء

فسبط سبط إيمان وبر وسبط غيّبته كربلاء

وسبط لا يذوق الموت حتى يقود الخيل يقدمها اللواء

تغيب لا يرى فيهم زمانا برضوى عنده عسل وماء

قال عبد القاهر: أجبناه عن أبياته هذه بقولنا:

ولاة الحق أربعة ولكن لثاني اثنين قد سبق العلاء

وفاروق الورى أضحى إماما وذو النونين بعد له الولاء

على بعدهم أضحى إماما بترتيبي لهم نزل القضاء

ومبغض من ذكرناه لعين وفي نار الجحيم له الجزاء

وأهل الرفض قوم كالنصارى حيار بي ما لحيرتهم دواء

وقال كثير أيضا في رفضه:

برئت إلى الإله من ابن أروى ومن دين الخوارج أجمعينا

ومن عمر برئت ومن عتيق غداة دعي أمير المؤمنينا

وقد أجبناه عن هذين البيتين:

برئت من الإله ببغض قوم بهم أحيا الإله المؤمنينا

وما ضر ابن أروى منك بغض وبغض البر دين الكافرينا

أبو بكر به جدلى إمام على زعم الروافض أجمعينا

وفاروق الورى عمر بحق يقال له أمير المؤمنينا

وقال كثير في قصيدة أيضا:

ألا قل للوصي فدتك نفسي أطلت بذلك الجبل المقاما

أضر بمعشر والوك منا وسموك الخليفة والإماما

وعادوا فيك أهل الأرض طرا مقامك عندهم ستين عاما

وما ذاق ابن خولة طعم موت ولا وارت له أرض عظاما

لقد أمسى بمجرى شعب رضوى تراجعه الملائكة الكلاما

وإن له لرزقا من إماما وأشربة يعل بها الطعاما

وقد أجبناه عن هذا الشعر بقولنا:

لقد أفنيت عمرك بانتظار لمن وارى التراب له عظاما

فليس بشعب رضواء إمام تراجعه الملائكة الكلاما

ولا من عنده عسل وماء وأشربة يعل بها الطعاما

وقد ذاق ابن خولة طعم موت كما قد ذاق والده الحماما

ولو خلد أمرؤ لعلو مجد لعاش المصطفى أبدا وداما

وكان الشاعر المعروف بالسيد الحميري أيضا على مذهب الكيسانية الذين ينتظرون محمد بن الحنفية ويزعمون أنه محبوس بجبل رضوى إلى أن يؤذن له بالخروج ولهذا قال في شعر له:

ولكن كل من في الأرض فإن بذا حكم الذي خلق الإماما

وكان أول من قام بدعوة الكيسائية إلى إمامة محمد بن الحنفية المختار بن أبي عبيد الثقفي. وكان السبب في ذلك أن عبيد الله بن زياد لما فرغ من قتل مسلم بن عقيل وفرغ من قتل الحسين بن علي رضي الله عنه رفع إليه أن المختار بن أبي عبيد كان ممن خرج مع مسلم بن عقيل ثم اختفى فأمر باحضاره فلما دخل عليه رماه بعمود كان في يده فشتر عينه وحبسه فتشفع إليه في أمره قوم فأخرجه من الحبس وقال له: قد أجلتك ثلاثة أيام فإن خرجت فيها من الكوفة وإلا ضربت عنقك فخرج المختار هاربا من الكوفة إلى مكة وبايع عبد الله بن الزبير وبقي معه إلى أن قاتل ابن الزبير جند يزيد بن معاوية الذين كانوا تحت راية الحصين بن نمير السكوتي واشتدت نكاية المختار في تلك الحروب على أهل الشام ثم مات يزيد بن معاوية ورجع جند الشام إلى الشام واستقام لابن الزبير ولاية الحجاز واليمن والعراق وفارس ولقي المختار من ابن الزبير جفوة فهرب منه إلى الكوفة وواليها يومئذ عبد الله بن يزيد الأنصاري من قبل عبد الله بن الزبير فلما دخل الكوفة بعث رسله إلى شيعة الكوفة ونواحيها إلى المدائن ودعاهم إلى البيعة له ووعدهم أنه يخرج طالبا بثأر الحسين بن علي رضي الله عنه ودعاهم إلى محمد بن الحنفية وزعم أن ابن الحنفية قد استخلفه وأنه قد أمرهم بطاعته وعزل ابن الزبير في خلال ذلك عبد الله بن يزيد الأنصاري عن الكوفة وولاها عبد الله بن مطيع العدوي واجتمع إلى المختار من بايعه في السر وكانوا زهاء سبعة عشر ألف رجل ودخل في بيعته عبيد الله بن الحر الذي لم يكن في زمانه أشجع منه وإبراهيم بن ملك الأشتر ولم يكن في شيعة الكوفة أجمل منه ولا أكثر منه تبعا فخرج به على والى الكوفة عبد الله بن مبطع وهو يؤمئذ في عشرين ألف ودامت الحرب بينهما أياما ووقعت الهزيمة في آخرها على الزيدية واستولى المختار على الكوفة ونواحيها وقتل كل من كان بالكوفة من الذين قاتلوا الحسين بن علي بكربلاء ثم خطب الناس فقال في خطبته:

الحمد لله الذي وعد وليه النصر وعدوه الخسر وجعلهما فيهما إلى آخر الدهر قضاء مقضيا ووعدا مأتيا، يا أيها الناس قد سمعنا دعوة الداعي وقبلنا قول الداعي فكم من باغ وباغية وقتلى في الواعية، فهلموا عباد الله إلى بيعة الهدى ومجاهدة العدى فإني أنا المسلط على المحلين والطالب بثأر ابن بنت خاتم النبيين.

ثم نزل عن منبره وأنفذ بصاحب شرطته إلى دار عمر بن سعد حتى أخذ رأسه ثم أخذ رأس ابنه جعفر بن عمر وهو ابن أخت المختار وقال ذاك برأس الحسين وهذا برأس ابن الحسين الكبير ثم بعث بإبراهيم بن ملك الأشتر مع ستة آلاف رجل إلى حرب عبيد الله بن زياد وهو يومئذ بالموصل في ثمانين ألف من جند الشام قد ولاه عليهم عبد الملك بن مروان، فلما التقى الجيشان على باب الموصل انهزم جند الشام وقتل منهم سبعون ألفا في المعركة وقتل عبيد الله بن زياد والحصين بن نمير السكوتي وأنفذ إبراهيم بن الأشتر برؤوسهم إلى المختار فلما تمت للمختار ولاية الكوفة والجزيرة والماهين إلى حدود أرمينية تكهّن بعد ذلك وسجع كأسجاع الكهنة وحكي أيضا أنه ادعى نزول الوحي عليه.

فمن أسجاعه قوله: أما والذي أنزل القرآن وبين الفرقان وشرع الأديان وكره العصيان لأقتلن النعاة من أزد عمان ومذحج وهمذان ونهد وخولان وبكر وهزان وثعل ونبهان وعبس وذبيان وقيس وعيلان.

ثم قال: وحق السميع العليم العلي العظيم العزيز الحكيم الرحمن الرحيم لأعركن عرك الاديم أشراف بني تميم.

ثم رفع خبر المختار إلى ابن الحنفية وخاف من جهة الفتنة في الدين فأراد قدوم العراق ليصير إليه الذين اعتقدوا إمامته وسمع المختار ذلك فخاف من قدومه العراق ذهاب رياسته وولايته، فقال لجنده: إنا على بيعة المهدي ولكن للمهدي علامة وهو أن يضرب بالسيف ضربة فإن لم يقطع السيف جلده فهو المهدي وانتهى قوله هذا إلى ابن الحنفية فأقام بمكة خوفا من أن يقتله المختار بالكوفة.

ثم إن المختار خدعته السبئية الغلاة من الرافضة فقالوا له: أنت حجة هذا ألزمان، وحملوه على دعوى النبوة فادعاها عند خواصه وزعم أن الوحي ينزل عليه، وسجع بعد ذلك فقال: أما ومنشئ السحاب الشديد العقاب السريع الحساب الغزير الوهاب القدير الغلاب لأنبشن قبر ابن شهاب المفتري الكذاب المجرم المرتاب ثم ورب العالمين ورب البلد الأمين لأقتلن الشاعر المهين وراجز المارقين وأولياء الكافرين وأعوان الظالمين وإخوان الشياطين الذين اجتمعوا على الأباطيل وتقولوا علي الأقاويل، وليس خطابي إلا لذوي الأخلاق الحميدة والأفعال الشديدة والآراء العتيدة والنفوس السعيدة.

ثم خطب بعد ذلك فقال في خطبته: الحمد لله الذي جعلني بصيرا ونور قلبي تنويرا والله لأحرقن بالمصر دورا ولأنبشن بها قبورا ولأشفين منها صدورا وكفى بالله هاديا ونصيرا.

ثم أقسم فقال: برب الحرم والبيت المحرم والركن المكرم والمسجد المعظم وحق ذي القلم ليرفعن لي علم من هنا إلى أضم ثم إلى أكناف ذي سلم.

ثم قال: أما ورب السماء لينزلن نار من السماء فليحرقن دار أسماء، فانتهى هذا القول إلى أسماء بن خارجة فقال قد سجع بي أبو إسحاق وأنه سيحرق داري وهرب من داره وبعث المختار إلى داره من أحرقها بالليل وأظهر من عنده أن نارا من السماء نزلت فأحرقها.

ثم إن أهل الكوفة خرجوا على المختار لما تكهن واجتمعت السبئية إليه مع عبيد أهل الكوفة لأنه وعدهم أن يعطيهم أموال ساداتهم وقاتل بهم الخارجين عليه فظفر بهم وقتل منهم الكثير وأسر جماعة منهم وكان في الأسراء رجل يقال له سراقة بن مرداس البارقي فقدم إلى المختار وخاف البارقي أن يأمر بقتله فقال للذين أسروه وقدموه إلى المختار: ما أنتم أسرتمونا ولا أنتم هزمتمونا بعدتكم وإنما هزمنا الملائكة الذين رأيناهم على الخيل البلق فوق عسكركم فأعجب المختار قوله هذا فأطلق عنه. فلحق مصعب بن الزبير بالبصرة وكتب منها إلى المختار هذه الأبيات:

ألا أبلغ أبا إسحق أني رأيت البلق دهما مصمتات

أرى عيني ما لم تنظراه كلانا عالم بالترهات

كفرت بوحيكم وجعلت نذرا علي قتالكم حتى الممات

وفي هذا الذي ذكرناه بيان سبب كهانة المختار ودعواه الوحي إليه.

وأما سبب قوله بجواز البداء على الله عز وجل فهو أن إبراهيم بن الأشتر لما بلغه أن المختار تكهن وادعى نزول الوحي إليه قعد عن نصرته واستولى لنفسه على بلاد الجزيرة وعلم مصعب بن الزبير أن إبراهيم بن الأشتر لا ينصر المختار، فطمع عند ذلك في قهر المختار ولحق به عبيد الله بن الحر الجعفي ومحمد بن الأشعث الكندي وأكثر سادات الكوفة غيظا منهم على المختار لاستيلائه على أموالهم وعبيدهم واطمعوا مصعبا في أخذ الكوفة قهرا فخرج مصعب من البصرة في سبعة آلاف رجل من عنده سوى من انضم إليه من سادات الكوفة وجعل على مقدمته المهلب بن أبي صفرة مع أتباعه من الأزد وجعل أعنة الخيل إلى عبيد الله بن معمر التيمي وجعل الأحنف بن قيس على خيل تميم فلما انتهى خبرهم إلى المختار أخرج صاحبه أحمد بن شميط إلى قتال مصعب في ثلاثة آلاف رجل من نخبة عسكره وأخبرهم بأن الظفر يكون لهم وزعم أن الوحي قد نزل عليه بذلك فالتقى الجيشان بالمدائن وانهزم أصحاب المختار وقتل أميرهم ابن شميط وأكثر قواد المختار ورجع فلولهم إلى المختار وقالوا له ألم تعدنا بالنصر على عدونا فقال إن الله تعالى كان قد وعدني ذلك لكنه بدا له. واستدل على الله بقول الله عز وجل: {يمحو الله ما يشاء ويثبت}. فهذا كان سبب قول الكيسانية بالبداء.

ثم إن المختار باشر قتال مصعب بن الزبير بنفسه بالمذار من ناحية الكوفة وقتل في تلك الواقعة محمد بن الأشعث الكندي، قال المختار طابت نفسي بقتله إن لم يكن قد بقي من قتلة الحسين غيره ولا أبالي بالموت بعد هذا. ثم وقعت الهزيمة على المختار وأصحابه فانهزموا إلى دار الإمامة بالكوفة وتحصن فيها مع أربعمائة من أتباعه وحاصرهم مصعب فيها ثلاثة أيام حتى فني طعامهم ثم خرجوا إليه في اليوم الرابع مستقتلين فقتلوا وقتل المختار معهم، قتله أخوان يقال لهما طارف وطريف ابنا عبد الله بن دجاجة من بني حنيفة وقال أعشى همدان في ذلك:

لقد نبئت والأنباء تنمي بما لاقى الكوارث بالمذار

وما إن سرني إهلاك قومي وإن كانوا وحقك في خسار

ولكني سررت بما يلاقي أبو إسحق من خزي وعار

فهذا بيان سبب قول الكيسانية بجواز البداء على الله عز وجل.

واختلفت الكيسانية الذين انتظروا محمد بن الحنفية وزعموا أنه حي محبوس بجبل رضوى إلى أن يؤذن له بالخروج واختلفوا في سبب حبسه هنالك بزعمهم.

فمنهم من قال: لله في أمره سر لا يعلمه إلا هو ولا يُعرف سبب حبسه.

ومنهم من قال إن الله تعالى عاقبه بالحبس لخروجه بعد قتل الحسين بن علي إلى يزيد بن معاوية وطلبه الأمان منه وأخذه عطاء ثم لخروجه في وجه ابن الزبير من مكة إلى عبد الملك بن مروان هاربا من ابن الزبير، وزعموا أن صاحبه عامر بن واثلة الكناني سار بين يديه وقال في ذلك المسير لأتباعه:

يا إخواني يا شيعتي لا تبعدوا ** ووازروا المهدي كيما تهتدوا

محمد الخيرات يا محمد ** أنت الإمام الطاهر المسدد

لا ابن الزبير السامرd الملحد ** ولا الذي نحن إليه نقصد

وقالوا: إنه كان يجب عليه أن يقاتل ابن الزبير ولا يهرب فعصى ربه بتركه قتاله وعصاه بقصده عبدالملك بن مروان وكان قد عصاه قبل ذلك بقصده يزيد بن معاوية ثم إنه رجع من طريقه إلى ابن مروان إلى الطائف ومات بها ابن عباس ودفنه ابن الحنفية بالطائف ثم سار منها إلى الذر فلما بلغ شعب رضوى اختلفوا فيه فزعم المقرون بموته أنه مات فيه وزعم المنتظرون له أن الله حبسه هنالك وغيبه عن عيون الناس عقوبة له على الذنوب التي أضافوها إليه إلى أن يؤذن له بالخروج وهو المهدي المنتظر.

ذكر الإمامية من الرافضة

هؤلاء الإمامية المخالفة للزيدية والكيسانية والغلاة خمس عشرة فرقة كاملية ومحمدية وباقرية وناوسية وشميطية وعمارية وإسماعيلية ومباركية وموسوية وقطيعية واثنى عشرية وهشامية وزرارية ويونسية وشيطانية.

ذكر الكاملية منهم

هؤلاء أتباع رجل من الرافضة كان يعرف بأبي كامل وكان يزعم أن الصحابة كفروا بتركهم بيعة علي وكفر علي بتركه قتالهم وكان يلزمه قتالهم كما لزمه قتال أصحاب صفين. وكان بشار بن برد الشاعر الأعمى على هذا المذهب. وروي أنه قيل له: ما تقول في الصحابة؟ قال: كفروا فقيل له: فما تقول في علي؟ فتمثل بقول الشاعر:

وما شر الثلاثة أم عمرو ** بصاحبك الذي لا تصبحينا

وحكى أصحاب المقالات عن بشار أنه ضم إلى ضلالته في تكفير الصحابة وتكفير علي معهم ضلالتين أخريين: إحداهما قوله برجعة الأموات إلى الدنيا قبل يوم القيامة كما ذهب إليه أصحاب الرجعة من الرافضة. والثانية قوله بتصويب إبليس في تفضيل النار على الأرض. واستدلوا على ذلك بقول بشار في شعر له:

الأرض مظلمة والنار مشرفة والنار معبودة مذ كانت النار

وقد رد عليه صفوان الأنصاري في قصيدته التي قال فيها:

زعمت بأن النار أكرم عنصرا وفي الأرض تحيا في الحجارة والزند

ويخلق في أرحامها وأرومها أعاجيب لا تحصى بخط ولا عقد

وفي القعر من لج البحار منافع من اللؤلؤ المكنون والعنبر الورد

ولا بد من أرض لكل مطير وكل سبوح في العمائر ذي خد

كذلك وما ينساخ في الأرض ماشيا على بطنه يمشى المجانب للقصد

وفي فلك الأجبال فوق مقطم زبرجد أملاك الورى ساعة الحشد

وفي الحرة [الرجلاء كم من] معادن لهن مغارات يتحبس بالنقد

من الذهب الإبريز والفضة التي تروق وتغني ذا القناعة والزهد

وكل فلذ من نحاس وآنك ومن زنبق حي ونوشادر سندي

وفيها روانيخ وشب ومرتب ومزمر قشا غير كاب ولا مكدي

وفيها ضروب القار والزفت والمها وأصناف كبريت مطاولة الوقد

ومن أثمد جوز وكلس وفضة ومن توتيا في معاربها هندي

وكل يواقيت الأنام وحليها من الأرض والاحجار فاخرة المجد

وفيها مقام الحل والركن والصفا ومستلم الحجاج من جنه الخلد

مفاخر للطين الذي كان أصلنا ونحن بنوه غير شك ولا جحد

فذلك تدبير ونفع وحكمة وأوضح برهان على الواحد الفرد

فيا بن حليف الشؤم واللؤم والعمى وابعد خلق الله من طرق الرشد

أتهجو أبا بكر وتخلع بعده عليا وتعزو كل ذاك إلى برد

كأنك غضبان على الدين كله وطالب ذحل لا يبيت على حقد

تواتب أقمارا وأنت مشوه وأقرب خلق الله من نسب القرد

وقد هجا حماد عجرد بشارا وقال في هجائه:

ويا أقبح من قرد إذا ما عمي القرد

وقيل إن بشارا ما جزع من شيء جزعه من هذا البيت وقال: يراني فيصفني ولا أراه فأصفه.

قال عبد القاهر: أكفر هؤلاء الكاملية من وجهين: أحدهما من جهة تكفيرها جميع الصحابة من غير تخصيص. والثاني من جهة تفضيلها النار على الأرض. وقد ذكرنا بعض فضائح بشار بن برد، وقد فعل الله به ما استحقه وذلك أنه هجا المهدي فأمر به حتى غرق في دجلة. ذلك له خزي في الدنيا ولأهل ضلالته في الآخرة عذاب أليم.

ذكر المحمدية

وهؤلاء ينتظرون محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ولا يصدقون بقتله ولا بموته ويزعمون أنه في جبل حاجر من ناحية نجد إلى أن يؤمر بالخروج. وكان المغيرة بن سعيد العجلي في صلاته في التشبيه يقول لأصحابه: إن المهدي المنتظر محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسين بن علي، ويستدل على ذلك بأن اسمه محمد كاسم رسول الله ﷺ واسم أبيه عبد الله كاسم أبي رسول الله ﷺ، وقال في الحديث عن النبي عليه السلام قوله في المهدي: "إن اسمه يوافق اسمي واسم أبيه اسم أبي". فلما أظهر محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسين بن علي دعوته بالمدينة استولى على مكة والمدينة واستولى أخوه إبراهيم بن عبد الله على البصرة واستولى أخوهما الثالث وهو إدريس بن عبد الله على بعض بلاد المغرب، وكان ذلك في زمان الخليفة أبي جعفر المنصور فبعث المنصور إلى حرب محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسين بعيسى بن موسى في جيش كثيف وقاتلوا محمدا بالمدينة وقتلوه في المعركة ثم أنفذ بعيسى بن موسى أيضا إلى حرب إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسين بن علي مع جنده فقتلوا إبراهيم بباب حمرين على ستة عشر فرسخا من الكوفة ومات في تلك الفتنة إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسين بارض المغرب وقيل إنه سم بها ومات عبد الله بن الحسن بن الحسين والد أولئك الاخوة الثلاث في سجن المنصور وقبره بالقادسية. وهو مشهد معروف يزار.

فلما قتل محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسين بالمدينة اختلفت المغيرية فيه فرقتين:

فرقة أقروا بقتله وتبرءوا من المغيرة بن سعيد العجلي وقالوا إنه كذب في قوله إن محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسين هو المهدي الذي ملك الأرض لأنه قتل وما ملك الأرض.

وفرقة منهم ثبتت على موالاة المغيرة بن سعيد العجلي وقالت إنه صدق في قوله إن المهدي محمد بن عبد الله وإنه لم يقتل وإنما غاب عن عيون الناس وهو في جبل حاجر من ناحية نجد مقيم هناك إلى أن يؤمر بالخروج فيخرج ويملك الأرض وتعقد البيعة بمكة بين الركن والمقام ويحيا له من الأموات سبعة عشر رجلا يعطى كل واحد منهم حرفا من حروف الاسم الأعظم فيهزمون الجيوش. وزعم هؤلاء أن الذي قتله جند عيسى بن موسى بالمدينة لم يكن محمد بن عبد الله بن الحسن.

فهذه الطائفة يقال لهم المحمدية لانتظارهم محمد بن عبد الله بن الحسن.

وكان جابر بن يزيد الجعفي على هذا المذهب وكان يقول برجعة الأموات إلى الدنيا قبل القيامة وفي ذلك قال شاعر هذه الفرقة في شعر له:

إلى يوم يؤوب الناس فيه إلى دنياهم قبل الحساب

وقال أصحابنا لهذه الطائفة: إن أجزتم أن يكون المقتول بالمدينة غير محمد بن عبد الله بن الحسن وأجزتم أن يكون المقتول هنا شيطانا تصور للناس في صورة محمد بن عبد الله بن الحسن فأجيزوا بأن يكون المقتولون بكربلاء غير الحسين وأصحابه وإنما كانوا شياطين تصوروا للناس بصور الحسين وأصحابه وانتظروا حسينا كما انتظرتم محمد بن عبد الله بن الحسن أو انتظروا عليا كما انتظرته السبئية منكم الذين زعموا أنه في السحاب والذي قتله عبد الرحمن بن ملجم كان شيطانا تصور للناس بصورة علي. وهذا ما لا انفصال لهم عنه والحمد لله على ذلك.

ذكر الباقرية منهم

هؤلاء قوم ساقوا الإمامة من علي بن أبي طالب رضي الله عنه في أولاده إلى محمد بن علي المعروف بالباقر وقالوا إن عليا نص على إمامة ابنه الحسن ونص الحسن على إمامة أخيه الحسين ونص الحسين على إمامة ابنه علي بن الحسين زين العابدين ونص زين العابدين على إمامة محمد بن علي المعروف بالباقر، وزعموا أنه هو المهدي المنتظر بما روي أن النبي عليه السلام قال لجابر بن عبد الله الأنصاري: إنك تلقاه فأقرئه مني السلام. وكان جابر آخر من مات بالمدينة من الصحابة وكان قد عمي في آخر عمره وكان يمشي في المدينة ويقول: يا باقر يا باقر متى ألقاك، فمر يوما في بعض سكك المدينة، فناولته جارية صبيا كان في حجرها فقال لها: من هذا؟ فقالت: هذا محمد بن علي بن الحسين بن علي، فضمه إلى صدره وقبل رأسه ويديه ثم قال: يا بني، جدك رسول الله يقرئك السلام. ثم قال جابر: قد نعيت إلي نفسي. فمات في تلك الليلة.

وحجتهم في هذا أن رسول الله بعث يقرئ عليه السلام، فدل على أنه المهدي المنتظر.

قلنا: وقد قال رسول الله لعمر وعلي: أقرئا عني أويسا السلام. ولم يوجب ذلك كونه المهدي المنتظر. وقد تواترت الروايات بموت الباقر عليه السلام كما تواترت الرواية بقتل أويس القرني بصفين. ولا يصح انتظار واحد منهما بعد موته.

ذكر الناووسية

وهم أتباع رجل من أهل البصرة كان ينتسب إلى ناووس بها، وهم يسوقون الإمامة إلى جعفر الصادق بنص الباقر عليه، وزعموا أنه لم يمت، وأنه المهدي المنتظر، وزعم قوم أن الذي كان يتبدى للناس لم يكن جعفرا، وإنما تصور للناس في تلك الصورة. وانضم إلى هذه الفرقة قوم من السبئية فزعموا جميعا أن جعفرا كان عالما بجميع معالم الدين من العقليات والشرعيات، فإذا قيل للواحد منهم: ما تقول في القرآن أو في الرؤية أو في غير ذلك من أصول الدين أو في فروعه، يقول: أقول فيها ما كان يقوله جعفر الصادق – يقلدونه.

ذكر الشميطية

وهم منسوبون إلى يحيى بن شميط، وقد ساقوا الإمامة بطريق النص من جعفر إلى ابنه محمد بن جعفر، وأقروا بموت جعفر وزعموا أن جعفرا أوصى بها لابنه محمد، ثم أداروا الإمامة في أولاد محمد بن جعفر، وزعموا أن المنتظر من ولده.

ذكر العمارية

وهم منسوبون إلى زعيم منهم يسمى عمّارا، وهم يسوقون الإمامة إلى جعفر الصادق، ثم زعموا أن الإمام بعده ولده عبد الله، وكان أكبر أولاده، وكان أفطح الرجلين، ولهذا قيل لأتباعه الأفطحية.

ذكر الإسماعيلية

وهؤلاء ساقوا الإمامة إلى جعفر، وزعموا أن الإمام بعده ابنه إسماعيل، وافترق هؤلاء فرقتين:

فرقة منتظرة لإسماعيل بن جعفر، مع اتفاق أصحاب التواريخ على موت إسماعيل في حياة أبيه.

وفرقة قالت: كان الإمام بعد جعفر سبطه محمد بن إسماعيل بن جعفر حيث إن جعفرا نصب ابنه إسماعيل للإمامة بعده فلما مات إسماعيل في حياة أبيه علمنا أنه إنما نصب ابنه إسماعيل للدلالة على إمامة ابنه محمد بن إسماعيل. وإلى هذا القول مالت الإسماعيلية من الباطنية وسنذكرهم في فرق الغلاة بعد هذا.

ذكر الموسوية منهم

هؤلاء الذين ساقوا الإمامة إلى جعفر ثم زعموا أن الإمام بعد جعفر كان ابنه موسى بن جعفر وزعموا أن موسى بن جعفر حي لم يمت وأنه هو المهدي المنتظر وقالوا إنه دخل دار الرشيد ولم يخرج منها، وقد علمنا إمامته وشككنا في موته فلا نحكم في موته إلا بيقين.

فقيل لهذه الفرقة الموسوية: إذا شككتم في حياته وموته فشكوا في إمامته ولا تقطعوا القول بأنه باق وأنه هو المهدي المنتظر، هذا مع علمكم بأن مشهد موسى بن جعفر معروف في الجانب الغربي من بغداد يزار.

ويقال لهذه الفرقة موسوية لانتظارها موسى بن جعفر. ويقال لها الممطورة أيضا لأن يونس بن عبد الرحمن القمي كان من القطيعية وناظر بعض الموسوية فقال في بعض كلامه: أنتم أهون على عيني من الكلاب الممطورة.

ذكر المباركية

هؤلاء يريدون الإمامة في ولد محمد بن إسماعيل بن جعفر كدعوى الباطنية فيه. وقد ذكر أصحاب الأنساب في كتبهم أن محمد بن إسماعيل بن جعفر مات ولم يعقب.

ذكر القطعية منهم

هؤلاء ساقوا الإمامة من جعفر الصادق إلى ابنه موسى وقطعوا بموت موسى وزعموا أن الإمام بعده سبط محمد بن الحسن الذي هو سبط علي بن موسى الرضا. ويقال لهم الاثنا عشرية أيضا لدعواهم أن الإمام المنتظر هو الثاني عشر من نسبه إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه. واختلفوا في سن هذا الثاني عشر عند موت ابنه؛ فمنهم من قال كان ابن أربع سنين ومنهم من قال كان ابن ثماني سنين. واختلفوا في حكمه في ذلك الوقت فمنهم من زعم أنه في ذلك الوقت كان إماما عالما بجميع ما يجب أن يعمله الإمام وكان مفروض الطاعة على الناس، ومنهم من قال كان في ذلك الوقت إماما على معنى أن الإمام لا يكون غيره وكانت الأحكام يومئذ إلى العلماء من أهل مذهبه إلى أوان بلوغه، فلما بلغ تحققت إمامته ووجبت طاعته وهو الآن الإمام الواجب طاعته وإن كان غائبا.

ذكر الهشامية منهم

هؤلاء فرقتان، فرقة تنسب إلى هشام بن الحكم الرافضي والفرقة الثانية تنسب إلى هشام بن سالم الجواليقي. وكلتا الفرقتان قد ضمت إلى حيرتها في الإمامة وضلالتها في التجسيم وبدعتها في التشبيه.

ذكر قول هشام بن الحكم

زعم هشام بن الحكم أن معبوده جسم ذو حد ونهاية وأنه طويل عريض عميق وأن طوله مثل عرضه مثل عمقه، ولم يثبت طولا غير الطويل ولا عرضا غير العريض، وقال ليس ذهابه في جهة الطول أزيد على ذهابه في جهة العرض. وزعم أيضا أنه نور ساطع يتلألأ كالسبيكة الصافية من الفضة وكاللؤلؤة المستديرة من جميع جوانبها وزعم أيضا أنه ذو لون وطعم ورائحة ومجسة وأن لونه هو طعمه وطعمه هو رائحته ورائحته هو مجسته. ولم يثبت لونا وطعما هما نفسه بل زعم أنه هو اللون وهو الطعم، ثم قال قد كان الله ولا مكان ثم خلق المكان بأن تحرك فحدث مكانه بحركته فصار فيه ومكانه هو العرش.

وحكى بعضهم عن هشام أنه قال في معبوده إنه سبعة أشبار بشبر نفسه، كأنه قاسه على الإنسان لأن كل إنسان في الغالب من العادة سبعة أشبار بشبر نفسه.

وذكر أبو الهذيل في بعض كتبه أنه لقي هشام بن الحكم في مكة عند جبل أبي قبيس فسأله أيهما أكبر معبوده أم هذا الجبل قال فأشار إلى أن الجبل يوفي عليه تعالى وأن الجبل أعظم منه.

وحكى ابن الروندي في بعض كتبه عن هشام أنه قال بين الله وبين الأجسام المحسوسة تشابه من بعض الوجوه لولا ذلك ما دلت عليه.

وذكر الجاحظ في بعض كتبه عن هشام أنه قال إن الله عز وجل إنما يعلم ما تحت الثرى بالشعاع المتصل منه والذاهب في عمق الأرض وقالوا لولا مماسة شعاعه لما وراء الأجسام السائرة لما رأى ما وراءها ولا علمها.

وذكر أبو عيسى الوراق في كتابه أن بعض أصحاب هشام أجابه إلى أن الله عز وجل مماس لعرشه لا يفصل عن العرش ولا يفصل العرش عنه.

وقد روي أن هشاما مع ضلالته في التوحيد ضل في صفات الله أيضا فأحال القول بأن الله لم يزل عالما بالأشياء. وزعم أنه علم الأشياء بعد أن لم يكن عالما بها بعلم وأن العلم صفة له ليست هي هو ولا غيره ولا بعضه. قال: ولا يقال لعلمه إنه قديم ولا محدث لأنه صفة. وزعم أن الصفة لا توصف.

وقال أيضا في قدرة الله وسمعه وبصره وحياته وإرادته إنها لا قديمة ولا محدثة لأن الصفة لا توصف وقال فيها إنها هي هو ولا غيره.

وقال أيضا: لو كان لم يزل عالما بالمعلومات لكانت المعلومات أزلية لأنه لا يصح عالم إلا بمعلوم موجود، كأنه أحال تعلق العلم بالمعدوم. وقال أيضا: لو كان عالما بما يفعله عباده قبل وقوع الأفعال منهم لم يصح منه إلا اختيار العباد وتكليفهم.

وكان هشام يقول في القرآن: إنه لا خالق ولا مخلوق ولا يقال إنه غير مخلوق لأنه صفة والصفة لا توصف عنده.

واختلفت الرواية عنه في أفعال العباد فروي عنه أنها مخلوقة لله عز وجل وروي عنه أنها معان وليست بأشياء ولا أجسام لأن الشيء عنده لا يكون إلا جسما.

وكان هشام يجيز على الأنبياء العصيان مع قوله بعصمة الأئمة من الذنوب. وزعم أن نبيه ﷺ عصى ربه عز وجل في أخذ الفدا من أسارى بدر غير أن الله عز وجل عفى عنه، وتأول على ذلك قول الله تعالى: {ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر}. وفرق في ذلك بين النبي والإمام بأن النبي إذا عصى أتاه الوحي بالتنبيه على خطاياه والإمام لا ينزل عليه الوحي فيجب أن يكون معصوما عن المعصية.

وكان هشام على مذهب الإمامية في الإمامة. وأكفره سائر الإمامية بإجازته المعصية على الأنبياء. وكان هشام يقول بنفي نهاية أجزاء الجسم. وعنه أخذ النظام إبطال الجزء الذي لا يتجزئ.

وحكى زرقان عنه في مقالته أنه قال بمداخلة الأجسام بعضها في بعض، كما أجاز النظام تداخل الجسمين اللطيفين في حيز واحد.

وحكى عنه زرقان أنه قال الإنسان شيئان بدن وروح والبدن موات والروح حساسة مدركة فاعلة وهي نور من الأنوار.

وقال هشام في سبيل الزلزلة أن الأرض مركبة من طبائع مختلفة يمسك بعضها بعضا فإذا ضعفت طبيعة منها غلبت الأخرى فكانت الزلزلة فإن ازدادت الطبيعة ضعفا كان الخسف.

وحكى زرقان عنه أنه أجاز المشي على الماء لغير نبي مع قوله بأنه لا يجوز ظهور الأعلام المعجزة على غير نبي.

ذكر هشام بن سالم الجواليقي

هذا الجواليقي مع رفضه على مذهب الإماميه مفرط في التجسيم والتشبيه لأنه زعم أن معبوده على صورة الإنسان ولكنه ليس بلحم ولا دم بل هو نور ساطع بياضا. وزعم أنه ذو حواس خمس كحواس الإنسان وله يد ورجل وعين وأذن وأنف وفم وأنه يسمع بغير ما يبصر به، وكذلك سائر حواسه متغايرة وأن نصفه الأعلى مجوف ونصفه الاسفل مصمت.

وحكى أبو عيسى الوراق أنه زعم أن لمعبوده وفرة سوداء وأنه نور أسود وباقيه نور أبيض.

وحكى شيخنا أبو الحسن الأشعري في مقالاته: أن هشام بن سالم قال في إرادة الله تعالى بمثل قول هشام بن الحكم فيها وهي أن إرادته حركة وهي معنى لا هي الله ولا غيره وإن الله تعالى إذا أراد شيئا تحرك فكان ما أراد.

قال: ووافقهما أبو مالك الحضرمي وعلي بن ميثم وهما من شيوخ الروافض أن إرادة الله تعالى حركة غير أنهما قالا إن إرادة الله تعالى غيره.

وحكى أيضا عن الجواليقي أنه قال في أفعال العباد إنها أجسام لأنه لا شيء في العالم إلا الأجسام. وأجاز أن يفعل العباد الأجسام. وروى مثل هذا القول عن شيطان الطاق أيضا.

ذكر الزرارية منهم

هؤلاء أتباع على زرارة بن أعين وكان على مذهب القحضية القائلين بإمامة عبد الله بن جعفر ثم انتقل إلى مذهب الموسوية. وبدعته المنسوبة إليه قوله بأن الله عز وجل لم يكن حيا ولا قادرا ولا سميعا ولا بصيرا ولا عالما ولا مريدا حتى خلق لنفسه حياة وقدرة وعلما وإرادة وسمعا وبصرا فصار بعد أن خلق لنفسه هذه الصفات حيا قادرا عالما مريدا سميعا بصيرا وعلى منوال هذا الضال نسجت القدرية البصرية بحدوث الله وحدوث كلامه. وعليه نسجت الكرامية قولها بحدوث قول الله وإرادته وإدراكاته.

ذكر اليونسية منهم

هؤلاء أتباع يونس بن عبد الرحمن القمي وكان في الإمامية على مذهب القطيعية الذين قطعوا بموت موسى بن جعفر وهو الذي لقب الواقفة في موت موسى بالكلاب الممطورة. وأفرط يونس هذا في باب التشبيه فزعم أن الله عز وجل يحمله حملة عرشه وهو أقوى منهم كما أن الكرسي يحمله رجلاه وهو أقوى من رجليه واستدل على أنه محمول بقول: {ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية} وقال أصحابنا الآية دلالة على أن العرش هو المحمول دون الرب تعالى.

ذكر الشيطانية منهم

هؤلاء أتباع محمد بن النعمان الرافضي الملقب بشيطان الطاق إلى ابنه موسى وقطع بموت موسى وانتظر بعض أسباطه وشارك هشام بن سالم الجواليقي في دعواهما أن أفعال العباد أجسام وأن العبد يصح أن يفعل الجسم وشارك هشام بن الحكم وتكليفهم. وزعم أيضا أن الله تعالى إنما يعلم الأشياء إذا قدرها وأرادها ولا يكون قبل تقديره الأشياء عالما بها، وإلا ما صح تكليف العباد.

قال عبد القاهر: قد ذكرنا في هذا الفصل فرق الرفض بين الزيدية والكيسانية والإمامية والكيسانية منهم اليوم مغمورون في غمار أخلاط الزيدية والإمامية. وبين الزيدية والإمامية منهم معاداة تورث تضليل بعضهم بعضا. وقال بعض الشعراء الإمامية يهجي الزيدية:

يا أيها الزيدية المهملة ** إمامكم ذا آفة مرسلة

يا ضماث الحق تبا لكم ** غصتم فأخرجتم لنا جندلة

فأجابه شاعر الزيدية:

إمامنا منتصب قائم ** لا كالذي يُطلب بالعربلة

كل إمام لا يرى جهرة ** ليس يساوي عندنا خردلة

قال عبد القاهر: قد أجبنا الفريقين عن شعرهما بقولنا:

يا أيها الرافضة المبطلة ** دعواكُم من أصلها مبطلة

إمامكم إن غاب في ظلمة ** فاستدركوا الغائب بالمشعلة

أو كان مغمورا بأغماركم ** فاستخرجوا المغمور بالغربلة

لكن إمام الحق في قولنا ** من سنة أو آية منزلة

وفيهما للمهتدي مقنع ** كفى بهذين لنا منزلة

الفصل الثاني من فصول هذا الباب في بيان مقالات فرق الخوارج

قد ذكرنا قبل هذا أن الخوارج عشرون فرقة وهذه أسماؤها المحكمة الأولى الأزارقة والنجدات والصفرية ثم العجاردة المفترقة فرقا منها الخازمية والشعيبية والمعلومية والمجهولية وأصحاب طاعة لا يراد الله تعالى بها والصلتية والأخنسية والشيبية والشيبانية والمعبدية والرشيدية والمكرمية والخمرية والشمراخية والإبراهيمية والوافقة والإباضية.

والإباضية منهم افترقت فرقا معظمها فريقان حفصية وحادثية، فأما اليزيدية من الإباضية والميمونية من العجاردة فإنها فرقتنا من غلاة الكفرة الخارجين عن فرق الأمة. وسنذكرهما في باب ذكر فرق الغلاة بعد هذا إن شاء الله عز وجل.

وقد اختلفوا فيما يجمع الخوارج على افتراق مذاهبها فذكر الكعبي في مقالاته أن الذي يجمع الخوارج على افتراق مذاهبها إكفار علي وعثمان والحكمين وأصحاب الجمل وكل من رضي بتحكيم الحكمين والإكفار بارتكاب الذنوب ووجوب الخروج على الإمام الجائر.

وقال شيخنا أبو الحسن: الذي يجمعها إكفار علي وعثمان وأصحاب الجمل والحكمين ومن رضي بالتحكيم وصوب الحكمين أو أحدهما ووجوب الخروج على السلطان الجائر. ولم يرض ما حكاه الكعبي من إجماعهم على تكفير مرتكبي الذنوب.

والصواب ما حكاه شيخنا أبو الحسن عنهم. وقد أخطأ الكعبي في دعواه إجماع الخوارج على تكفير مرتكبي الذنوب منهم وذلك أن النجدات من الخوراج لا يكفرون أصحاب الحدود من موافقتهم.

وقد قال قوم من الخوارج إن التكفير إنما يكون بالذنوب التي ليس فيها وعيد مخصوص فأما الذي فيه حد أو وعيد في القرآن فلا يزاد صاحبه على الاسم الذي ورد فيه، مثل تسميته زانيا وسارقا ونحو ذلك.

وقد قالت النجدات إن صاحب الكبيرة من موافقتهم كافر نعمة وليس فيه كفر دين.

وفي هذا بيان خطإ الكعبي في حكايته عن جميع الخوارج تكفير أصحاب الذنوب كلهم منهم ومن غيرهم.

وإنما الصواب فيما يجمع الخوارج كلها ما حكاه شيخنا الحسن رحمه الله من تكفيرهم عليا وعثمان وأصحاب الجمل والحكمين ومن صوبهما أو صوب أحدهما أو رضي بالتحكيم.

ونذكر الآن تفصيل كل فرقة منهم إن شاء الله عز وجل.

ذكر المحكمة الأولى منهم

يقال للخوارج محكمة وشراة. واختلفوا في أول من تشرّى منهم فقيل عروة بن حدير أخو مرادس الخارجي وقيل أولهم يزيد بن عاصم المحاذي وقيل رجل من ربيعة من بني يشكر كان مع على بصفين فلما رأى اتفاق الفريقين على الحكمين استوى على فرسه وحمل على أصحاب معاوية وقتل منهم رجلا وحمل على أصحاب علي وقتل منهم رجلا ثم نادى بأعلى صوته ألا إني قد خلعت عليا ومعاوية وبرئت من حكمهما ثم قاتل أصحاب علي حتى قتله قوم من همذان.

ثم إن الخوارج بعد رجوع علي من صفين إلى الكوفة انحازوا إلى حروراء وهم يومئذ اثنا عشر ألفا ولذلك سميت الخوارج حرورية وزعيمهم يومئذ عبد الله بن كوا وشبت بن ربعي. وخرج إليهم علي وناظرهم ووضحت حجته عليهم فاستأمن إليه ابن الكوا مع عشرة من الفرسان وانحاز الباقون منهم إلى النهروان وأمروا على أنفسهم رجلين أحدهما عبد الله بن وهب الراسبي والآخر حرقوص بن زهير البجلي العرني المعروف بذى الثدية والتقوا في طريقهم إلى نهروان برجل رأوه يهرب منهم فأحاطوا به وقالوا له: من أنت؟ قال: أنا عبد الله بن حباب بن الأرت، فقالوا له حدثنا حديثا سمعته عن أبيك عن رسول الله ﷺ، فقال: سمعت أبي يقول: قال رسول الله ﷺ: «ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم والقائم خير من الماشي والماشي خير من الساعي» "فمن استطاع أن يكون فيها مقتولا فلا يكونن قاتلا" فشد عليه رجل من الخوارج يقال له مسمع بن قدلي بسيفه فقتله فجرى دمه فوق ماء النهر كالشراك إلى الجانب الآخر، ثم إنهم دخلوا منزله وكان في القرية التي قتلوه على بابها فقتلوا ولده وجاريته أم ولده، ثم عسكروا بنهروان وانتهى خبرهم إلى علي رضي الله عنه فسار إليهم في أربعة آلاف من أصحابه وبين يديه عدي بن حاتم الطائي وهو يقول:

نسير إذا ما كاع قوم وبلدوا ** برايات صدق كالنسور الخوافق

إلى شر قوم من شراة تحزبوا ** وعادوا إله الناس رب المشارق

طغاة عماة مارقين عن الهدى ** وكل يرى في قوله غير صادق

وفينا علي ذو المعالي يقودنا ** إليهم جهارا بالسيوف البوارق

فلما قرب علي منهم أرسل إليهم علي: أن سلموا قاتل عبد الله بن حباب، فأرسلوا إليه: إنا كلنا قتله ولئن ظفرنا بك قتلناك. فأتاهم علي في جيشه وبرزوا إليه بجمعهم فقال لهم قبل القتال: ماذا نقمتم مني؟ فقالوا له: أول ما نقمنا منك أنا قاتلنا بين يديك يوم الجمل فلما انهزم أصحاب الجمل أبحت لنا ما وجدنا في عسكرهم من المال ومنعتنا من سبي نسائهم وذراريهم فكيف استحللت مالهم دون النساء والذرية؟ فقال: إنما أبحت لكم أموالهم بدلا عما كانوا أغاروا عليه من بيت مال البصرة قبل قدومي عليهم، والنساء والذرية لم يقاتلونا وكان لهم حكم الإسلام بحكم دار الإسلام ولم يكن منهم ردة عن الإسلام ولا يجوز استرقاق من لم يكفر، وبعد لو أبحت لكم النساء أيكم يأخذ عائشة في سهمه؟ فخجل القوم من هذا ثم قالوا له: نقمنا عليك محو إمرة أمير المؤمنين على اسمك في الكتاب بينك وبين معاوية لما نازعك معاوية في ذلك، فقال: فعلت مثل ما فعل رسول الله ﷺ يوم الحديبية حين قال له سهيل بن عمرو: لو علمت أنك رسول الله لما نازعتك ولكن اكتب باسمك واسم أبيك فكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله وسهيل بن عمرو. وأخبرني رسول الله ﷺ أن لي منهم يوما مثل ذلك فكانت قصتي في هذا مع الأبناء قصة رسول الله ﷺ مع الآباء، فقالوا له: فلم قلت للحكمين إن كنت أهلا للخلافة فأثبتاني، فإن كنت في شك من خلافتك فغيرك بالشك فيك أولى؟ فقال: إنما أردت بذلك النصفة لمعاوية ولو قلت للحكمين احكما لي بالخلافة لم يرض بذلك معاوية وقد دعا رسول الله ﷺ نصارى نجران إلى المباهلة وقال لهم: {تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين} فأنصفهم بذلك عن نفسه ولو قال ابتهل فاجعل لعنة الله عليكم لم يرض النصارى بذلك لذلك أنصفت أنا معاوية من نفسي ولم أدر غدر عمرو بن العاص، قالوا: فلم حكمت الحكمين في حق كان لك؟ فقال: وجدت رسول الله ﷺ قد حكم سعد بن معاذ في بني قريظة ولو شاء لم يفعل وأقمت أنا أيضا حكما لكن حكم رسول الله ﷺ حكم بالعدل وحكمي خدع حتى كان من الأمر ما كان فهل عندكم شيء سوى هذا؟ فسكت القوم وقال أكثرهم: صدق والله، وقالوا: التوبة واستأمن إليه منهم يومئذ ثمانية آلاف وانفرد منهم أربعة آلاف بقتاله مع عبد الله بن وهب الراسبي وحرقوص بن زهير البجلي وقال علي للذين استأمنوا إليه اعتزلوني في هذا اليوم وقاتل الخوارج بالذين قدموا معه من الكوفة وقال لأصحابه: قاتلوهم فوالذي نفسي بيده لا يقتل منا عشرة ولا ينجو عشرة منهم، فقتل من أصحاب علي يومئذ تسعة وهم دويبية بن وبرة البجلي وسعد بن مجالد السبيعي وعبد الله بن حماد الجهيري ورقانة بن وائل الارجي والفياض بن خليل الأزدي وكبسوم بن سلمة الجهني وعتبة بن عبيد الخلاوني وجميع بن جشم الكندي وحبيب بن عاصم الأودي قتل هؤلاء التسعة تحت راية علي رضي الله عنه فحسب وبرز حرقوص بن زهير إلى علي وقال يا ابن أبي طالب والله لا نريد بقتالك إلا وجه الله والدار الآخرة، وقال له علي: بل مثلكم كما قال الله عز وجل: {هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا}، منهم أنتم ورب الكعبة ثم حمل عليهم في أصحابه وقتل عبد الله بن وهب في المبارزة وصرع ذو الثدية عن فرسه وقتلت الخوارج يومئذ فلم يفلت منهم غير تسعة أنفس صار منهم رجلان إلى سجستان ومن أتباعهما خوارج سجستان ورجلان صارا إلى اليمن ومن أتباعهما إباضية اليمن ورجلان صارا إلى عمان ومن أتباعهما خوارج عمان ورجلان صارا إلى ناحية الجزيرة ومن أتباعهما كان خوارج الجزيرة ورجل منهم صار إلى تل مورون وقال علي لأصحابه يومئذ: اطلبوا ذا الثدية فوجدوه تحت دالية ورأوا تحت يده عند الابط مثل ثدي المراة فقال: صدق الله ورسوله، وأمر فقتل.

فهذه قصة المحكمة الأولى. وكان دينهم إكفار علي وعثمان وأصحاب الجمل ومعاوية وأصحابه والحكمين ومن رضي بالتحكيم وإكفار كل ذي ذنب ومعصية.

ثم خرج على علي بعد ذلك من الخوراج جماعة كانوا على رأي المحكمة الأولى منهم أشرس بن عوف وخرج عليه بالأنبار وغلفة التيمي من تيم عدى خرج عليه بماسيذان والأشهب بن بشر العرني خرج عليه بحر جرايا وسعد بن قفل خرج عليه بالمدائن وأبو مريم السعدي خرج عليه في سواد الكوفة فأخرج علي إلى كل واحد منهم جيشا مع قائد حتى قتلوا أولئك الخوارج ثم قتل علي رضي الله عنه في تلك السنة في شهر رمضان سنة ثماني وثلاثين من الهجرة.

فلما استوت الولاية لمعاوية خرج عليه وعلى من بعده إلى زمان الأزارقة قوم كانوا على رأي المحكمة الأولى. منهم عبد الله بن جوشا الطائي، خرج على معاوية بالنخيلة من سواد الكوفة فأخرج معاوية إليه أهل الكوفة حتى قتلوا أولئك الخوراج.

ثم خرج عليه حوثرة بن وداع الأسدي وكان من المستأمنين إلى علي يوم النهروان في سنة إحدى وأربعين.

ثم خرج فروة بن نوفل الأشجعي والمستورد بن علقمة التميمي على المغيرة بن شعبة وهو يومئذ أمير الكوفة من قبل معاوية فقتلا في حربه.

ثم خرج معاذ بن جرير على المغيرة فقتل في حربه.

ثم خرج زياد بن خراش العجلي على زياد بن أبيه فقتل في حربه.

وخرج قريب بن مرة على عبيد الله بن زياد، وخرج عليه أيضا زحاف بن زحر الطائي واستعرضا الناس في الطريق بالسيف فأخرج بن زياد اليهما بعباد بن الحصين الحيطي في جيش فقتلوا أولئك الخوارج.

فهؤلاء هم الخوارج الذين عاونوا على المحكمة الأولى قبل فتنة الأزارقة والله أعلم.

ذكر الأزارقة منهم

هؤلاء أتباع نافع بن الأزرق الحنفي المكنى بأبي راشد ولم تكن للخوارج قط فرقة أكثر عددا ولا أشد منهم شوكة.

والذي جمعهم من الدين أشياء:

منها قولهم بأن مخالفيهم من هذه الأمة مشركون. وكانت المحكمة الأولى يقولون إنهم كفرة لا مشركون.

ومنها قولهم إن القعدة ممن كان على رأيهم عن الهجرة إليهم مشركون وإن كانوا على رأيهم. وكانت المحكمة الأولى لا يكفرون القعدة عنهم إذا كانوا على رأيهم.

ومنها أنهم أوجبوا امتحان من قصد عسكرهم إذا ادعى أنه منهم بأن يدفع إليه أسير من مخالفيهم وأمروه بقتله فإن قتله صدقوه في دعواه أنه منهم وإن لم يقتله قالوا هذا منافق ومشرك وقتلوه.

ومنها أنهم استباحوا قتل نساء مخالفيهم وقتل أطفالهم وزعموا أن الأطفال مشركون وقطعوا بأن أطفال مخالفيهم مخلدون في النار.

واختلفوا في أول من أحدث ما انفردت الأزارقة به من إكفار القعدة عنهم ومن امتحان من قصد عسكرهم.

فمنهم من زعم أن أول من أحدث ذلك منهم عبد ربه الكبير ومنهم من قال عبد ربه الصغير. ومنهم من قال أول من قال ذلك رجل منهم اسمه عبد الله بن الوضين وخالف نافع بن الأزرق في ذلك واستتابه منه فلما مات ابن الوضين رجع نافع وأتباعه إلى قوله وقالوا كان الصواب معه ولم يكفر نافع نفسه بخلافه إياه حين خالفه وأكفر من يخالفه بعد ذلك ولم يتبرأ من المحكمة الأولى في تركهم إكفار القعدة عنهم وقال إن هذا شيء ما زلنا دونهم وأكفر من يخالفهم بعد ذلك في إكفار القعدة عنهم.

وزعم نافع وأتباعه أن دار مخالفيهم دار كفر ويجوز فيها قتل الأطفال والنساء. وأنكرت الأزارقة الرجم واستحلوا كفر الأمانة التي أمر الله تعالى بأدائها وقالوا إن مخالفينا مشركون فلا يلزمنا إذا أمانتنا إليهم. ولم يقيموا الحد على قاذف الرجل المحصن وأقاموه على قاذف المحصنات من النساء وقطعوا يد السارق في القليل والكثير ولم يعتبروا في السرقة نصابا.

وأكفرتهم الأمة في هذه البدع التي أحدثوها بعد كفرهم الذي شاركوا فيه المحكمة الأولى. فباءوا بكفر على كفر كمن باء بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين.

ثم الأزارقة بعد اجتماعها على البدع التي حكيناها عنهم بايعوا نافع بن الأزرق وسموه أمير المؤمنين وانضم إليهم خوارج عمان واليمان فصاروا أكثر من عشرين ألفا واستولوا على الأهواز وما وراءها من أرض فارس وكرمان وجبوا خراجها وعامل البصرة يومئذ عبد الله بن الحرث الخزاعي من قبل عبد الله بن الزبير فأخرج عبد الله بن الحرث جيشا مع مسلم بن عبس بن كريز بن حبيب بن عبد شمس لحرب الأزارقة فاقتتل الفريقان بدولاب الأهواز فقتل مسلم ابن عبس وأكثر أصحابه فخرج إلى حربهم من البصرة عثمان بن عبيد الله بن معمر التميمي في ألفي فارس فهزمته الأزارقة فخرج إليهم حارثة بن بدر الفداني في ثلاثة آلاف من جند البصرة فهزمتهم الأزارقة. فكتب عبد الله بن الزبير من مكة إلى المهلب بن أبي صفرة وهو يومئذ بخراسان يأمره بحرب الأزارقة وولاه ذلك، فرجع المهلب إلى البصرة وانتخب من جندها عشرة آلاف وانضم إليه قومه من الأزد فصار في عشرين ألفا وخرج وقاتل الأزارقة وهزمهم عن دولاب الأهواز إلى الأهواز ومات نافع بن الأزرق في تلك الهزيمة وبايعت الأزارقة بعده عبيد الله بن مأمون التميمي وقاتلهم المهلب بعد ذلك بالأهواز فقتل عبيد الله بن مأمون في تلك الواقعة وقتل أيضا أخوه عثمان بن مأمون مع ثلثمائة من أشد الأزارقة وانهزم الباقون منهم إلى ايدج وبايعوا قطرى بن الفجاءة وسموه أمير المؤمنين وقاتلهم المهلب بعد ذلك حروبا كانت سجالا وانهزمت الأزارقة في آخرها إلى سابور من أرض فارس وجعلوها دار هجرتهم وثبت المهلب وبنوه وأتباعهم على قتالهم تسع عشرة سنة بعضها في أيام عبد الله بن الزبير وباقيها في زمان خلافة عبد الملك بن مروان وولاية الحجاج على العراق. وقرر الحجاج المهلب على حرب الأزارقة فدامت الحرب في تلك السنين بين المهلب وبين الأزارقة كرا وفرا فيما بين فارس والأهواز إلى أن وقع الخلاف بين الأزارقة ففارق عبد ربه الكبير قطريا وصار إلى وادٍ بجيرفت كرمين في سبعة آلاف رجل وفارقه عبد ربه الصغير في أربعة آلاف وصار إلى ناحية أخرى من كرمان وبقى قطري في بضعة عشر ألف رجل بأرض فارس وقاتله المهلب بها وهزمه إلى أرض كرمان وتبعه وقاتله بأرض كرمان وهزمه منها إلى الري ثم قاتل عبد ربه الكبير فقتله وبعث بابنه يزيد بن المهلب إلى عبد ربه الصغير فأتى عليه وعلى أصحابه وبعث الحجاج سفين بن الأبرد الكلبي في جيش كثيف إلى قطري بعد أن انحاز من الري إلى طبرستان فقتلوه بها وأنفذوا برأسه إلى الحجاج. وكان عبيدة بن هلال اليشكري قد فارق قطريا وانحاز إلى قومس فتبعه سفين بن الأبرد وحاصره في حصن قومس إلى أن قتله وقتل أتباعه وطهر الله بذلك الأرض من الأزارقة والحمد لله على ذلك.

ذكر النجدات منهم

هؤلاء أتباع نجدة بن عامر الحنفي وكان السبب في رياسته وزعامته أن نافع بن الأزرق لما أظهر البراءة من القعدة عنه إن كانوا على رأيه وسماهم مشركين واستحل قتل أطفال مخالفيه ونسائهم وفارقه أبو قديل وعطية الحنفي وراشد الطويل ومقلاص وأيوب الأزرق وجماعة من أتباعهم وذهبوا إلى اليمامة فاستقبلهم نجدة بن عامر في جند من الخوارج يريدون اللحوق بعسكر نافع فأخبروهم بأحداث نافع وردوهم إلى اليمامة وبايعوا بها نجدة بن عامر وأكفروا من قال بإكفار القعدة منهم عن الهجرة إليهم وأكفروا من قال بإمامة نافع وأقاموا على إمامة نجدة إلى أن اختلفوا عليه في أمور نقموها منه فلما اختلفوا عليه صاروا ثلاث فرق:

فرقة صارت مع عطية بن الأسود الحنفي إلى سجستان وتبعهم خوارج سجستان ولهذا قيل لخوارج سجستان في ذلك الوقت عطوية.

وفرقة صارت مع أبي قديل حربا على نجدة وهم الذين قتلوا نجدة.

وفرقة عذروا نجدة في إحداثه وأقاموا على إمامته.

والذي نقمه على نجدة أتباعه أشياء:

منها أنه بعث جيشا في غزو البر وجيشا في غزو البحر ففضل الذين بعثهم في البر على الذين بعثهم في البحر في الرزق والعطا.

ومنها أنه بعث جيشا فأغاروا على مدينة الرسول عليه السلام وأصابوا منها جارية من بنات عثمان بن عفان فكتب إليه عبد الملك في شأنها فاشتراها من الذي كانت في يديه وردها إلى عبد الملك بن مروان فقالوا له: إنك رددت جارية لنا على عدونا.

ومنها أنه عذر أهل الخطأ في الاجتهاد بالجهالات وكان السبب في ذلك أنه بعث ابنه المطرح مع جند من عسكره إلى القطيف فأغاروا عليها وسبوا منها النساء والذرية وقوموا النساء على أنفسهم ونكحوهن قبل إخراج الخمس من الغنيمة وقالوا إن دخلت النساء في قسمنا فهو مرادنا وإن زادت قيمتهن على نصيبنا من الغنيمة غرمنا الزيادة من أموالنا. فلما رجعوا إلى نجدة سألوه عما فعلوا من وطئ النساء ومن أكل طعام الغنيمة قبل إخراج الخمس منها وقبل قسمة أربعة أخماسها بين الغانمين فقال لهم: لم يكن لكم ذلك، فقالوا لم نعلم أن ذلك لا يحل لنا فعذرهم بالجهالة ثم قال إن الدين أمران أحدهما معرفة الله تعالى ومعرفة رسله وتحريم دماء المسلمين وتحريم غصب أموال المسلمين والإقرار بما جاء من عند الله تعالى جملة فهذا واجب معرفته على كل مكلف، وما سواه فالناس معذورون بجهالته حتى يقيم عليه الحجة في الحلال والحرام، فمن استحل باجتهاده شيئا محرما فهو معذور ومن خاف من العذاب على المجتهد المخطئ قبل قيام الحجة عليه فهو كافر.

ومن بدع نجدة أيضا أنه تولى أصحاب الحدود من موافقيه وقال لعل الله يعذبهم بذنوبهم في غير نار جهنم ثم يدخلهم الجنة. وزعم أن النار يدخلها من خالفه في دينه.

ومن ضلالاته أيضا أنه أسقط حد الخمر.

ومنها أيضا أنه قال من نظر نظرة صغيرة أو كذب كذبة صغيرة وأصر عليها فهو مشرك ومن زنى وسرق وشرب الخمر غير مصر عليه فهو مسلم إذا كان من موافقيه على دينه.

فلما أحدث هذا الإحداث وعذر أتباعه بالجهالات استتابه أكثر أتباعه من إحداثه وقالوا له: اخرج إلى المسجد وتب من إحداثك ففعل ذلك.

ثم إن قوما منهم ندموا على استتابته وانضموا إلى العاذرين له وقالوا له: أنت الإمام ولك الاجتهاد ولم يكن لنا أن نستتيبك فتب من توبتك واستتب الذين استتابوك وإلا نابذناك ففعل ذلك. فافترق عليه أصحابه وخلعه أكثرهم وقالوا له: اختر لنا إماما فاختار أبا فديك وصار راشد الطويل مع أبي فديك يدا واحدة. فلما استولى أبو فديك على اليمامة علم أن أصحاب نجدة إذا عادوا من غزواتهم أعادوا نجدة إلى الإمارة فطلب عبده ليقتله فاختفى نجدة في دار بعض عاذريه ينتظر رجوع عساكره الذين كان قد فرقهم في سواحل الشام ونواحي اليمن ونادى منادى أبي فديك من دلنا على نجدة فله عشرة آلاف درهم وأي مملوك دلنا عليه فهو حر. فدلت عليه أمة للذين كان نجدة عندهم فأنفذ أبو فديك راشدا الطويل في عسكر إليه فكسبوه وحملوا رأسه إلى أبي فديك.

فلما قتل نجدة صارت النجدات بعده ثلاث فرق:

فرقة أكفرته وصارت إلى أبي فديك كراشد الطويل وأبي بيهس وأبي الشمراخ وأتباعهم.

وفرقة عذرته فيما فعل وهم النجدات اليوم.

وفرقة من النجدات بعدوا عن اليمامة وكانوا بناحية البصرة شكوا فيما حكى من أحداث نجدة توقفوا في أمره وقالوا لا ندري هل أحدث تلك الأحداث أم لا فلا نبرأ منه إلا باليقين.

وبقي أبو فديك بعد قتل نجدة إلى أن بعث إليه عبد الملك بن مروان يعمر بن عبيد الله بن معمر التيمي في جند فقتلوا أبا فديك وبعثوا برأسه إلى عبد الملك بن مروان. فهذه قصة النجدات.

ذكر الصفرية من الخوارج

هؤلاء أتباع زياد بن الأصفر وقولهم في الجملة كقول الأزارقة في أن أصحاب الذنوب مشركون، غير أن الصفرية لا يرون قتل أطفال مخالفيهم ونسائهم والأزارقة يرون ذلك. وقد زعمت فرقة من الصفرية أن ما كان من الأعمال عليه حد واقع لا يسمى صاحبه إلا بالاسم الموضوع له كزان وسارق وقاذف وقاتل عمد وليس صاحبه كافرا ولا مشركا، وكل ذنب ليس فيه حد كترك الصلاة والصوم فهو كفر وصاحبه كافر، وأن المؤمن المذنب يفقد اسم الإيمان في الوجهين جميعا. وفرقة ثالثة من الصفرية قالت بقول من قال من البيهسية إن صاحب الذنب لا يحكم عليه بالكفر حتى يرفع إلى الوالي فيحده.

فصارت الصفرية على هذا التقدير ثلاث فرق:

فرقة تزعم أن صاحب كل ذنب مشرك كما قالت الأزارقة.

والثانية تزعم أن اسم الكفر واقع على صاحب دين ليس فيه حد، والمحدود في ذنبه خارج عن الإيمان وغير داخل في الكفر.

والثالثة تزعم أن اسم الكفر يقع على صاحب الذنب إذا حده الوالي على ذنبه.

وهذه الفرق الثلاث من الصفرية يخالفون الأزارقة في الأطفال والنساء كما بيناه قبل هذا. وكل الصفرية يقولون بموالاة عبد الله بن وهب الراسبي وحرقوص بن زهير وأتباعهما من المحكمة الأولى ويقولون بإمامة أبي بلال مرداس الخارجي بعدهم وبإمامة عمران بن حطان السدويسي بعد أبي بلال.

فأما أبو بلال مرداس فإنه خرج في أيام يزيد بن معاوية بناحية البصرة على عبيد الله بن زياد فبعث إليه عبيد الله بن زياد بزرعة بن مسلم العامري في ألفي فارس وكان زرعة يميل إلى قول الخوارج فلما اصطف الفريقان للقتال قال زرعة لأبي بلال: أنتم على الحق ولكنا نخاف من ابن زياد أن يسقط عطانا فلا بد لنا من قتالكم، فقال له أبو بلال: وددت لو كنت قبلت فيكم قول أخي عروة فإنه اشار علي بالاستعراض لكم كما استعرض قريب وزحاف الناس في طرقهم بالسيف ولكني خالفتهما وخالفت أخي ثم حمل أبو بلال وأتباعه على زرعة وجنده فهزموهم. ثم إن عبيد الله بن زياد بعث إليه بعباد بن أخضر التميمي فقاتل أبا بلال بنوج وقتله مع أتباعه فلما ورد على ابن زياد خبر قتل أبي بلال قتل من وجدهم بالبصرة من الصفرية وظفر بعروة أخي مرداس فقال له: يا عدو الله أشرت على أخيك مرداس بالاستعراض للناس فقد انتقم الله تعالى للناس منك ومن أخيك ثم أمر به فقطعت يداه ورجلاه وصلبه.

فلما قتل مرداس اتخذت الصفرية عمران بن حطان إماما وهو الذي رثى مرداسا بقصائد يقول في بعضها:

أنكرت بعدك ما قد كنت أعرفه ** ما الناس بعدك يا مرداس بالناس

وكان عمران بن حطان هذا ناسكا شاعرا شديدا في مذهب الصفرية وبلغ من خبثه في غزوة علي رضي الله عنه أنه رثى عبد الرحمن بن ملجم وقال في ضربه عليا:

يا ضربة من منيب ما أراد بها ** إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا

إني لأذكره يوما فأحسبه ** أوفى البرية عند الله ميزانا

قال عبد القاهر: وقد أجبناه عن شعره هذا بقولنا:

يا ضربة من كفور ما استفاد بها ** إلا الجزاء بما يصليه نيرانا

إني لألعنه دينا وألعن من ** يرجو له أبدا عفوا وغفرانا

ذاك الشقي لأشقى الناس كلهم ** أخفهم عند رب الناس ميزانا

ذكر العجاردة من الخوارج

العجاردة كلها أتباع عبد الكريم بن عجرد وكان عبد الكريم من أتباع عطية بن الأسود الحنفي. وقد كانت العجاردة مفترقة عشر فرق يجمعها القول بأن الطفل يدعى إذا بلغ وتجب البراءة منه قبل ذلك حتى يدعى إلى الإسلام أو يصفه هو. وفارقوا الأزارقة في شيء آخر وهو أن الأزارقة استحلت أموال مخالفيهم بكل حال والعجاردة لا يرون أموال مخالفيهم فيئا إلا بعد قتل صاحبه، فكانت العجاردة على هذه الجملة إلى أن افترقت فرقها التي نذكرها بعد هذا.

ذكر الخازمية منهم

هؤلاء أكثر عجاردة سجستان وقد قالوا في باب القدر والاستطاعة والمشيئة بقول أهل السنة أن لا خالق إلا الله ولا يكون إلا ما شاء الله وأن الاستطاعة مع الفعل وأكفروا الميمونية الذين قالوا في باب القدر والاستطاعة بقول القدرية المعتزلة عن الحق.

ثم إن الخازمية خالفوا أكثر الخوارج في الولاية والعداوة وقالوا إنهما صفتان لله تعالى وإن الله عز وجل إنما يتولى العبد على ما هو صائر إليه من الإيمان وإن كان في أكثر عمره كافرا ويرى منه ما يصير إليه من الكفر في آخر عمره وإن كان في أكثر عمره مؤمنا وإن الله تعالى لم يزل محبا لأوليائه ومبغضا لأعدائه. وهذا القول منهم موافقا لقول أهل السنة في الموافاة غير أن أهل السنة ألزموا الخازمية على قولها بالموافاة أن يكون علي وطلحة والزبير وعثمان من أهل الجنة لأنهم من أهل بيعة الرضوان الذين قال الله تعالى فيهم: {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة} وقالوا لهم إذا كان الرضا من الله تعالى عن العبد إنما يكون على علم أنه يموت على الإيمان وجب أن يكون المبايعون تحت الشجرة على هذه الصفة وكان علي وطلحة والزبير منهم وكان عثمان يومئذ أسيرا فبايع له النبي عليه السلام وجعل يده بدلا عن يده. وصح بهذا بطلان قول من أكفر هؤلاء الأربعة.

ذكر الشعيبية منهم

قول هؤلاء في باب القدر والاستطاعة والمشيئة كقول الخازمية وإنما ظهر ذكر الشعيبية حين نازع زعيمهم المعروف بشعيب رجلا من الخوارج اسمه ميمون وكان السبب في ذلك أنه كان لميمون على شعيب مال فتقاضاه فقال له شعيب: أعطيكه إن شاء الله، فقال له ميمون: قد شاء الله ذلك الساعة، فقال شعيب: لو كان قد شاء ذلك لم أستطع إلا أعطيكه، فقال ميمون: قد أمرك الله بذلك وكل ما أمر به فقد شاءه وما لم يشأ لم يأمر به. فافترقت العجاردة عند ذلك فتبع قوم شعيبا وتبع آخرون ميمونا وكتبوا في ذلك إلى عبد الكريم بن عجرد وهو يومئذ في حبس السلطان فكتب في جوابهم إنما نقول ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ولا نلحق بالله سوءا. فوصل الجواب إليهم بعد موت ابن عجرد وادعى ميمون أنه قال بقوله لأنه قال لا نلحق بالله سوءا وقال شعيب: بل قال بقولي لأنه قال نقول ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. ومالت الخازمية وأكثر العجاردة إلى شعيب ومالت الحمزية مع القدرية إلى ميمون.

ثم زادت الميمونية على كفرها في القدر نوعا من المجوسية فأباحوا نكاح بنات البنات وبنات البنين ورأوا قتال السلطان ومن رضي بحكمه فرضا. فأما من أنكره فلا يرون قتله إلا إذا أغار عليهم أو طعن في دينهم أو كان دليلا للسلطان.

وسنذكر الميمونية في جملة فرق الغلاة الخارجين عن الملة في باب بعد هذا إن شاء الله عز وجل.

وقد كان من جملة الميمونة رجل يقال له خلف ثم إنه خالف الميمونية في القدر والاستطاعة والمشيئة وقال في هذه الثلاثة بقول أهل السنة وتبعه على ذلك خوارج كرمان ومكران فيقال لهم الخلفية وهم الذين قاتلوا حمزة بن أكرك الخارجي في أرض كرمان.

ذكر الخلفية منهم

هم أتباع خلف الذي قاتل حمزة الخارجي. والخلفية لا يرون القتال إلا مع إمام منهم وقد كفوا أيديهم عن القتال لفقدهم من يصلح للإمامة منهم وصارت الخلفية إلى قول الأزارقة في شيء واحد وهو دعواهم أن أطفال مخالفيهم في النار.

ذكر المعلومية والمجهولية منهم

هاتان فرقتان من جملة الخازمية ثم إن المعلومية منهما خالفت سلفها في شيئين:

أحدهما دعواها أن من لم يعرف الله تعالى بجميع أسمائه فهو جاهل به والجاهل به كافر.

والثاني أنهم قالوا إن أفعال العباد غير مخلوقة لله تعالى، ولكنهم قالوا في الاستطاعة والمشيئة بقول أهل السنة في أن الاستطاعة مع الفعل وأنه لا يكون إلا ما شاء الله.

وهذه الفرقة تدعي إمامة من كان على دينها وخرج بسيفه على أعدائه من غير براءة فهم عن القعدة عنهم.

وأما المجهولية منهم فقولهم كقول المعلومية غير أنهم قالوا من عرف الله ببعض أسمائه فقد عرفه. وأكفروا المعلومية منهم في هذا الباب.

ذكر الصلتية منهم

هؤلاء منسوبون إلى صلت بن عثمان وقيل صلت بن أبي الصلت وكان من العجاردة غير أنه قال: إذا استجاب لنا الرجل وأسلم توليناه وبرئنا من أطفاله لأنه ليس لهم إسلام حتى يدركوا فيدعون حينئذ إلى الإسلام فيقبلونه. وبإزاء هذه الفرقة فرقة أخرى وهي التاسعة من العجاردة زعموا أنه ليس لأطفال المؤمنين ولا لأطفال المشركين ولاية ولا عداوة حتى يدركوا فيدعوا إلى الإسلام فيقبلوا أو ينكروا.

ذكر الحمزية منهم

هؤلاء أتباع حمزة بن أكرك الذي عاث سجستان وخراسان ومكران وقهستان وكرمان وهزم الجيوش الكثيرة وكان في الأصل من العجاردة الخازمية ثم خالفهم في باب القدر والاستطاعة فقال فيها بقول القدرية فأكفرته الخازمية في ذلك ثم زعم مع ذلك أن أطفال المشركين في النار فأكفرته القدرية في ذلك ثم إنه والى القعدة من الخوراج مع قوله بتكفير من لا يوافقه على قتال مخالفيه من فرق هذه الأمة مع قوله بأنهم مشركون. وكان إذا قاتل قوما وهزمهم أمر بإحراق أموالهم وعقد دوابهم وكان مع ذلك يقتل الأسراء من مخالفيهم. وكان ظهوره في أيام هارون الرشيد في سنة تسع وسبعين ومائة وبقي الناس في فتنته إلى أن مضى صدر من أيام خلافة المأمون. ولما استولى على بعض البلدان جعل قاضيه أبا يحيى يوسف بن بشار وصاحب جيشه رجلا اسمه جيويه بن معبد وصاحب حرسه عمرو بن صاعد، وكان معه جماعة من شعراء الخوارج كطلحة بن فهد وأبي الجلندي وأقرانهم، وبدأ بقتال البيهسية من الخوارج وقتل الكثير منهم فسموه عند ذلك أمير المؤمنين. وقال الشاعر طلحة بن فهد في ذلك:

أمير المؤمنين على رشاد ** وغير هداية نعم الأمير

أمير يفضل الأمراء فضلا ** كما فضل السها القمر المنير

ثم إن حمزة أسرى سرية إلى الخازمية من الخوارج بناحية فلجرد فقتل منهم مقتلة عظيمة ثم قصد بنفسه هراة فمنعه أهلها من دخولها فاستعرض الناس خارج المدينة وقتل منهم الكثير فخرج إليه عمرو بن يزيد الأزدي وهو يومئذ والي هراة مع جنده فدامت الحرب بينهم شهورا وقتل من أرض هراة جماعة وقتل من أصحاب هيصم الشاري وكان داعية حمزة يدعو الناس إلى ضلالته ثم أغار حمزة على كروخ من رستاق هراة وأحرق أموالهم وعقر أشجارهم ثم حارب عمرو بن يزيد الأزدي بقرب بوشبخ وقتل عمر ثم انتصب علي بن عيسى بن هاديان وهو يومئذ والي خراسان لحرب حمزة فانهزم منه إلى أرض سجستان بعد أن قتل من قواده ستون رجلا سوى أتباعه. فلما وصل إلى سجستان منعه أهل زرنخ عن دخول البلد فاستعرض الناس بالسيف في صحراء البلد ثم تنكر لأهل زرنخ بأن ألبس أصحابه السواد يوهمهم أنهم أصحاب السلطان وأنذرهم بذلك منذر فمنعوه من دخول البلدة فعقر نخلهم في سوادهم وقتل المجتازين في صحاريهم ثم قصد نهر شعبة وقتل بها الكثير من الخوارج الخلفية وعقر أشجارهم وأحرق أموالهم وانهزم منه رئيس للخلفية اسمه مسعود بن قيس وعبر في هزيمته واديا وغرق فيه وشك أتباعه في موته وهم ينتظرونه إلى اليوم. ثم رجع حمزة من كرمان وأغار في طريقه على رستاق بست من رساتيق نيسابور وكان بها قوم من الخوارج الثعالبة فقتلهم حمزة ودامت فتنة بخراسان وكرمان وقهستان وسجستان إلى آخر أيام الرشيد وصدر من خلافة المأمون لاشتغال جند أكثر خراسان بقتال رافع بن ليث بن نصر بن سيان على باب سمرقند فلما تمكن المأمون من الخلافة كتب إلى حمزة كتابا استدعاه فيه إلى طاعته فما ازداد إلا عتوا في أمره، فبعث المأمون بطاهر بن الحسين لقتال حمزة فدارت بين طاهر وحمزة حروب قتل فيها من الفريقين مقدار ثلاثين ألفا أكثرهم من أتباع حمزة وانهزم فيها حمزة إلى كرمان وأتى طاهر على القعدة عن حمزة ممن كان على رأيه وظفر بثلثمائة منهم فأمر بشد كل رجل منهم بالحبال بين شجرتين قد جذبت رؤوس بعضها إلى بعض ثم قطع الرجل بين الشجرتين فرجعت كل واحدة من الشجرتين بالنصف من بدن المشدود عليها. ثم إن المأمون استدعى طاهر بن الحسين من خراسان وبعث به إلى منصبه فطمع حمزة في خراسان، فأقبل في جيشه من كرمان فخرج إليه عبد الرحمن النيسابوري في عشرين ألف رجل من غزاة نيسابور ونواحيها فهزموا حمزة بإذن الله وقتلوا الألوف من أصحابه وانفلت منهم حمزة جريحا ومات في هزيمته هذه وأراح الله عز وجل منه ومن أتباعه العباد بعد ذلك. وكانت هذه الواقعة التي هلك بعدها حمزة الخارجي القدري من مفاخر أهل نيسابور والحمد لله على ذلك.

ذكر الثعالبة منهم

هؤلاء أتباع ثعلبة بن مشكان والثعالبة تدعى إمامته بعد عبد الكريم بن عجرد ويزعم أن عبد الكريم بن عجرد كان إماما قيل إن خالفه ثعلبة في حكم الأطفال فلما اختلفا في ذلك كفر بن عجرد وصار ثعلبة إماما والسبب في اختلافهما أن رجلا من العجاردة خطب إلى ثعلبة بنته فقال له بين مهرها فأرسل الخاطب امرأة إلى أم تلك البنت يسألها هل بلغت البنت فإن كانت قد بلغت ووصفت الإسلام على الشرط الذي تعتبره العجاردة لم يبال كم كان مهرها فقالت أمها هي مسلمة في الولاية بلغت أم لم تبلغ فأخبر بذلك عبد الكريم بن عجرد وثعلبة بن مشكان فاختار عبد الكريم البراءة من الأطفال قبل البلوغ وقال ثعلبة نحن على ولايتهم صغارا وكبارا إلى أن يبين لنا منهم إنكار للحق فلما اختلفا في ذلك برئ كل واحد منهما من صاحبه وصار أتباع كل واحد منهما فرقا. وقد ذكرنا فرق العجاردة قبل هذا.

وصارت الثعالبة بعد ذلك ست فرق:

فرقة أقامت على إمامة ثعلبة ولم تقل بإمامة أحد بعده ولم يكترثوا لما ظهر فيهم من خلاف الاخنسية والمعبدية.

ذكر المعبدية منهم

والفرقة الثانية منهم معبدية قالت بإمامة رجل منهم بعد ثعلبة اسمه معبد خالف جمهور الثعالبة في أخذ الزكاة من العبيد العبيد في إعطائهم منها وأكفر من لم يقل بذلك وأكفره سائر الثعالبة في قوله

الأخنسية

والفرقة الثالثة منهم الأخنسية أتباع رجل منهم كان يعرف بالأخنس وكان في بدء أمره على قول الثعالبة في موالاة الأطفال ثم خنس من بينهم فقال يجب علينا أن نتوقف عن جميع من في دار التقية إلا من عرفنا منه إيمانا فنوليه عليه أو كفرا فبرئنا منه. وقالوا بتحريم القتل والاغتيال في السر وأن يبدأ أحد من أهل القبلة بقتال حتى يدعى إلا من عرفوه بعينه وصار له تبع على هذا القول وبرىء من سائر الثعالبة وبرىءمنه سائرهم.

الشيبانية

منهم والفرقة الرابعة من الثعالبة شيبانية هم أتباع شيبان بن سلمة الخارجي الذي خرج في أيام أبي مسلم صاحب دولة بني العباس وأعان أبا مسلم على أعدائه في حروبه وكان مع ذلك يقول بتشبيه الله سبحانه لخلقه فأكفره سائر الثعالبة مع أهل السنة في قوله بالتشبيه وأكفرته الخوارج كلها في معاونته أبا مسلم. والذين أكفروه من الثعالبة يقال لهم زيادية أصحاب زياد بن عبد الرحمن. والشيبانية يزعمون أن شيبان تاب من ذنوبه وقالت الزيادية إن ذنوبه كان منها مظالم العباد التي لا تسقط بالتوبة وأنه أعان أبا مسلم على قتاله مع الثعالبة كما أعانه على قتاله مع بني أمية.

ذكر الرشيدية منهم

والفرقة الخامسة من الثعالبة يقال لهم رُشيدية نسبوا إلى رجل اسمه رشيد وانفردوا بأن قالوا فيما سقي بالعيون والأنهار الجارية نصف العشر وإنما يجب العشر الكامل فيما سقته السماء فحسب وخالفهم زياد بن عبد الرحمن فأوجب فيما سقي بالعيون والأنهار الجارية العشر الكامل.

ذكر المكرمية منهم

والفرقة الثالثة من الثعالبة يقال لهم المكرمية أتباع أبي مكرم، زعموا أن تارك الصلاة كافر لا لأجل ترك الصلاة لكن لجهله بالله عز وجل، وزعموا أن كل ذي ذنب جاهل بالله والجهل بالله كفر وقالوا أيضا بالموافاة في الولاية والعداء.

فهذا بيان فرق الثعالبة وبيان أقوالها.

ذكر الإباضية وفرقها

أجمعت الإباضية على القول بإمامة عبد الله بن إباض وافترقت فيما بينها فرقا يجمعها القول بأن كفار هذه الأمة يعنون بذلك مخالفيهم من هذه الأمة براء من الشرك والإيمان وأنهم ليسوا مؤمنين ولا مشركين ولكنهم كفار وأجازوا شهادتهم وحرموا دماءهم في السر واستحلوها في العلانية وصححوا مناكحنهم والتوارث منهم وزعموا أنهم في ذلك محاربون لله ولرسوله لا يدينون دين الحق وقالوا باستحلال بعض أموالهم دون بعض والذي استحلوه الخيل والسلاح، فأما الذهب والفضة فإنهم يردونهما على أصحابهما عند الغنيمة.

ثم افترقت الإباضية فيما بينهم أربع فرق وهي الحفصية والحارثية واليزيدية وأصحاب طاعة لا يراد الله بها.

واليزيدية منهم غلاة لقولهم بنسخ شريعة الإسلام في آخر ألزمان. وسنذكرهم في باب فرق الغلاة المنتسبين إلى الإسلام بعد هذا.

وإنما نذكر في هذا الباب الحفصية والحارثية وأصحاب طاعة لا يراد الله بها.

ذكر الحفصية منهم

هؤلاء قالوا بإمامة حفص بن أبي المقدام وهو الذي زعم أن بين الشرك والإيمان معرفة الله تعالى وحدها، فمن عرفه ثم كفر بما سواه من رسول أو جنة أو نار أو عمل بجميع المحرمات من قتل النفس واستحلال الزنا وسائر المحرمات فهو كافر بريء من الشرك، ومن جهل بالله تعالى وأنكره فهو مشرك. وتأول هؤلاء في عثمان بن عفان مثل تأول الرافضة في أبي بكر وعمر، وزعموا أن عليا هو الذي أنزل الله تعالى فيه: {ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام}، وأن عبد الرحمن بن ملجم هو الذي أنزل الله فيه {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله}.

ثم قالوا بعد هذا كله إن الإيمان بالكتب والرسل متصل بتوحيد الله عز وجل فمن كفر بذلك فقد أشرك بالله عز وجل وهذا نقيض قولهم إن الفصل بين الشرك والإيمان معرفة الله تعالى وحده وأن من عرفه فقد برئ من الشرك وإن كفر بما سواه من رسول أو جنة أو نار. فصار قولهم في هذا الباب متناقضا.

ذكر الحارثية منهم

هؤلاء أتباع حارث بن مزيد الإباضي وهم الذين قالوا في باب القدر بمثل قول المعتزلة وزعموا أيضا أن الاستطاعة قبل الفعل. وأكفرهم سائر الإباضية في ذلك لأن جمهورهم على قول أهل السنة في أن الله تعالى خالق أعمال العباد وفي أن الاستطاعة مع الفعل.

وزعمت الحارثية أنه لم يكن لهم إمام بعد المحكمة الأولى إلا عبد الله بن إباض وبعده حارث بن مزيد الإباضي

ذكر أصحاب طاعة لا يراد الله بها

زعم هؤلاء أنه يصح وجود طاعات كثيرة ممن لا يريد الله تعالى بها كما قاله أبو الهذيل وأتباعه من القدرية.

وقال أصحابنا إن ذلك لا يصح إلا في طاعة واحدة، وهو النظر الأول فإن صاحبه إذا استدل به كان مطيعا لله تعالى في فعله وإن لم يقصد به التقرب إلى الله تعالى لاستحالة تقربه إليه قبل معرفته فإذا عرف الله تعالى فلا يصح منه بعد معرفته طاعة منه لله تعالى إلا بعد قصده التقرب بها إليه.

وزعمت الإباضية كلها أن دور مخالفيهم من أهل مكة دار توحيد إلا معسكر السلطان فإنه دار بغي عندهم.

واختلفوا في النفاق على ثلاثة أقوال:

فقال فريق منهم إن النفاق براءة من الشرك والإيمان جميعا. واحتجوا بقول الله عز وجل في المنافقين: {مذبذين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا}.

وفرقة منهم قالت كل نفاق شرك لأنه يضاد التوحيد.

وفرقة ثالثة قالت لا نزيل اسم النفاق عن موضعه ولا نسمى بالنفاق غير القوم الذين سماهم الله تعالى منافقين.

ومن قال منهم بأن المنافق ليس بمشرك زعم أن المنافقين على عهد رسول الله ﷺ كانوا موحدين وكانوا أصحاب كبائر فكفروا وإن لم يدخلوا في حد الشرك.

قال عبد القاهر: بعد الجملة التي حكيناها عنهم شذوذ من الأقوال انفردوا بها:

منها أن فريقا منهم زعموا أن لا حجة لله تعالى على الخلائق في التوحيد وغيره إلا بالخبر وما يقوم مقام الخبر من إشارة وإيماء.

ومنها أن قوما منهم قالوا كل من دخل في دين الإسلام وجبت عليه الشرائع والأحكام سمعها أو عرفها أو لم يسمعها ولم يعرفها، وقال سائر الأمة لا يأثم بترك ما لم يقف عليه منها إلا أن ثبتت عليه الحجة فيه.

ومنها أن قوما منهم قالوا بجواز أن يبعث الله تعالى إلى خلقه رسولا بلا دليل يدل على صدقه.

ومنها أن قوما منهم قالوا من ورد عليه الخبر بأن الله تعالى قد حرم الخمر أو أن القبلة قد حولت فعليه أن يعلم أن الذي أخبره به مؤمن أو كافر وعليه أن يعلم ذلك بالخبر وليس عليه أن يعلم أن ذلك عليه بالخبر.

ومنها قول بعضهم ليس على الناس المشي إلى الصلاة ولا الركوب والمسير للحج ولا شيء من الأسباب التي يتوصل بها إلى أداء الواجب وإنما يجب عليهم فعل الطاعات الواجبة بأعيانها دون أسبابها الموصلة إليها.

ومنها قولهم جميعا بوجوب استتابة مخالفيهم في تنزيل أو تأويل فإن تابوا وإلا قتلوا سواء كان ذلك الخلاف فيما يسع جهله أو فيما لا يسع جهله.

وقالوا من زنى أو سرق أقيم عليه الحد ثم استتيب فإن تاب وإلا قتل.

وقالوا إن العالم يفنى كله إذا أفنى الله أهل التكليف ولا يجوز إلا ذلك لأنه إنما خلقه لهم.

وأجازت الإباضية وقوع حكمين مختلفين في شيء واحد من وجهين كمن دخل زرعا بغير إذن مالكه فإن الله قد نهاه عن الخروج منه إذا كان خروجه منه مفسدا للزرع وقد أمره به.

وقالوا لا يتبع المدبر في الحرب إذا كان من أهل القبلة وكان موحدا ولا نقبل منهم امرأة ولا ذرية. وأباحوا قتل المشبهة واتباع مدبرهم وسبي نسائهم وذراريهم وقالوا إن هذا كما فعله أبو بكر بأهل الردة.

وقد كان من الإباضية رجل يعرف بإبراهيم دعا قوما من أهل مذهبه إلى داره وأمر جارية له كانت على مذهبه بشيء فأبطأت عليه فحلف ليبيعنها في الأعراب فقال له رجل منهم اسمه ميمون وليس هو صاحب الميمونية من العجاردة كيف تبيع جارية مؤمنة إلى الكفرة فقال له إبراهيم: إن الله تعالى قد أحل البيع وقد مضى أصحابنا وهم يستحلون ذلك فتبرأ منهم ميمون وتوقف آخرون منهم في ذلك وكتبوا بذلك إلى علمائهم فأجابوهم بأن بيعها حلال وبأنه يستتاب ميمون ويستتاب من توقف في إبراهيم فصاروا في هذا ثلاث فرق إبراهيمية وميمونية واقفة وتبع إبراهيم على إجازة هذا البيع قوم يقال لهم الضحاكية وأجازوا نكاح المسلمة من كفار قومهم في دار التقية فأما في دار حكمهم فلا يستحلون ذلك وقوم منهم توقفوا في هذه المسلمة وفي أمر الزوجة وقالوا إن ماتت لم نصل عليها ولم نأخذ ميراثها لأنا لا ندري ما حالها. وتبع بعد هؤلاء الإبراهيمية قوم يقال لهم البيهسية أصحاب أبي بيهس هيصم بن عامر قالوا إن ميمونا كفر بأن حرم بيع الأمة في دار التقية من كفار قومنا وكفرت الواقفة بأن لم يعرفوا كفر ميمون وصواب إبراهيم وكفر إبراهيم بأن لم يتبرأ من الواقفة. قالوا: وذلك أن الوقوف بما يسع على الأبدان وإنما الوقوف على الحكم بعينه ما لم يوافقه أحد فإذا وافقه أحد من المسلمين لم يسع من حضر ذلك إلا أن يعرف من عرف الحق ودان به ومن أظهر الباطل ودان به.

ثم إن البيهسية قالت: إن من واقع ذنبا لم نشهد عليه بالكفر حتى يرفع إلى الوالي ويحد ولا نسميه قبل الرفع إلى الوالي مؤمنا ولا كافرا. وقال بعض البيهسية فإذا كفر الإمام كفرت الرعية. وقال بعضهم: كل شراب حلال الأصل موضوع عمن سكر منه كل ما كان منه في السكر من ترك الصلاة والشتم لله عز وجل وليس فيه حد ولا كفر ما دام في سكره.

وقال قوم من البيهسية يقال لهم العوفية: السكر كفر إذا كان معه غيره من ترك الصلاة ونحوه.

وافترقت العوفية من البيهسية فرقتين فرقة قالت من رجع عنا من دار هجرته ومن الجهاد إلى حال القعود برئنا منه، وفرقة قالت بل تتولاه لأنه رجع إلى أمر كان مباحا له قبل هجرته إلينا. وكلا الفريقين قال إذا كفر الإمام كفرت الرعية الغائب منهم والشاهد.

وللإباضية والبيهسية بعد هذا مذاهب قد ذكرناها في كتاب الملل والنحل وفيما ذكرنا منه في هذا الكتاب كفاية.

ذكر الشبيبية منهم

هؤلاء يعرفون بالشبيبية لانتسابهم إلى شبيب بن يزيد الشيباني المكنى بأبي الصحارى ويعرفون بالصالحية أيضا لانتسابهم إلى صالح بن مشرح الخارجي.

وكان شبيب بن يزيد الخارجي من أصحاب صالح ثم تولى الأمر بعده على جنده. وكان السبب في ذلك أن صالح بن مشرح التميمي كان مخالفا للأزارقة وقد قال إنه كان صفريا وقيل إنه لم يكن صفريا ولا أزرقيا وكان خروجه على بشر بن مروان في أيام ولايته على العراق من جهة أخيه عبد الملك بن مروان وبعث بشر إليه بالحارث بن عمير وذكر الموايني أن خروج صالح كان على الحجاج بن يوسف وأن الحجاج بعث بالحارث بن عمير إلى قتاله وأن القتال وقع بين الفريقين على باب حصن حلولا وانهزم صالح جريحا فلما أشرف على الموت قال لأصحابه قد استخلفت عليكم شبيبا وأعلم أن فيكم من هو أفقه منه ولكنه رجل شجاع مهيب في عدوكم فليعنه الفقيه منكم بفقهه ثم مات وبايع أتباعه شبيبا إلى أن خالف صالحا في شيء واحد وهو أنه مع أتباعه أجازوا إمامة المرأة منهم إذا قامت بأمورهم وخرجت على مخالفيهم وزعموا أن غزالة أم شبيب كانت الإمام بعد قتل شبيب إلى أن قتلت واستدلوا على ذلك بأن شبيبا لما دخل الكوفة أقام أمه على منبر الكوفة حتى خطبت. وذكر أصحاب التواريخ أن شبيبا في ابتداء أمره قصد الشام ونزل على روح بن زنباع وقال له: سل أمير المؤمنين أن يفرض لي في أهل الشرف فإن لي في بني شيبان تبعا كثيرا فسأل روح بن زنباع عبد الملك بن مروان ذلك فقال هذا رجل لا أعرفه وأخشى أن يكون حروريا فذكر روح لشبيب أن عبد الملك بن مروان ذكر أنه لا يعرفه فقال سيعرفني بعد هذا ورجع إلى بني شيبان وجمع من الخوارج الصالحية مقدار ألف رجل واستولى بهم على ما بين كسكر والمدائن فبعث الحجاج إليه بعبيد بن أبي المخارق المتنبي في ألف فارس فهزمه شبيب فوجه إليه بعبد الرحمن بن محمد بن الأشعث فهزمه شبيب وبعث بعتاب بن ورقاء التميمي فقتله شبيب، وما زال كذلك حتى هزم للحجاج عشرين جيشا في مدة سنتين ثم إنه كبس الكوفة ليلا ومعه ألف من الخوارج ومعه أمه غزالة وامرأته جهزية في مائتين من نساء الخوارج قد اعتقلن الرماح وتقلدن السيوف، فلما كبس الكوفة ليلا قصد المسجد الجامع وقتل حراس المسجد والمعتكفين فيه ونصب أمه غزالة على المنبر حتى خطبت وقال خزيم بن فاتك الأسدي في ذلك:

أقامت غزالة سوق الضرار ** لأهل العراقين حولا قميطا

سمت للعراقين في جيشها ** فلاقى العراقان منها طيطا

وصبر الحجاج لهم في داره لأن جيشه كانوا متفرقين إلى أن اجتمع جنده إليه بعد الصبح وصلى شبيب بأصحابه في المسجد وقرأ في ركعتي الصبح سورتي البقرة وآل عمران ثم وافاه الحجاج في أربعة آلاف من جنده واقتتل الفريقان في سوق الكوفة إلى أن قتل أصحاب شبيب وانهزم شبيب فيمن بقي معه إلى الأنبار. فوجه الحجاج في طلبه جيشا فهزموا شبيبا من الأنبار إلى الأهواز وبعث الحجاج سفين بن الأبرد الكلبي في ثلاثة آلاف لطلب شبيب فنزل سفين على شط الدجيل وركب شبيب جسر الدجيل ليعبر إليه وأمر سفين أصحابه بقطع حبال الجسر فاستدار الجسر وغرق شبيب مع فرسه وهو يقول: {ذلك تقدير العزيز العليم} وبايع أصحاب شبيب في الجانب الآخر من الدجيل غزالة أم شبيب وعقد سفين بن الأبرد الجسر وعبر مع جنده إلى أولئك الخوارج وقتل أكثرهم وقتل غزالة أم شبيب وامرأته جهيزه وأسر الباقين من أتباع شبيب وأمر الغواصين بإخراج شبيب من الماء وأخذ رأسه وأنفذه مع الأسرى إلى الحجاج فلما وقف الأسرى بين يدي الحجاج أمر بقتل رجل منهم فقال له: اسمع مني بيتين أختم بهما عملي، ثم أنشأ يقول:

أبرأ إلى الله من عمرو وشيعته ** ومن علي ومن أصحاب صفين

ومن معاوية الطاغي وشيعته ** لا بارك الله في القوم الملاعين

فأمر بقتله وبقتل جماعة منهم وأطلق الباقين.

قال عبد القاهر: يقال للشبيبة من الخوراج أنكرتم على أم المؤمنين عائشة خروجها إلى البصرة مع جندها الذي كل واحد منهم محرم لها لأنها أم جميع المؤمنين في القرآن، وزعمتم أنها كفرت بذلك، وتلوتم عليها قول الله تعالى: {وقرن في بيوتكن} فهلا تلوتم هذه الآية على غزالة أم شبيب وهلا قلتم بكفرها وكفر من خرجن معها من نساء الخوارج إلى قتال جيوش الحجاج، فإن أجزتم لهن ذلك لأنه كان معهن أزواجهن أو بنوهن وإخوتهن فقد كان مع عائشة أخوها عبد الرحمن وابن اختها عبد الله بن الزبير، وكل واحد منهم محرم لها، وجميع المسلمين بنوها وكل واحد محرم لها، فهلا أجزتم لها ذلك؟ على أن من أجاز منكم إمامة غزالة فإمامتها لائقة به وبدينه. والحمد لله على العصمة من البدعة.

الفصل الثالث من فصول هذا الباب في بيان مقالات فرق الضلال من القدرية المعتزلة عن الحق

قد ذكرنا قبل هذا أن المعتزلة افترقت فيما بينها عشرين فرقة كل فرقة منها تكفر سائرها وهن الواصلية والعمرية والهذيلية والنظامية والأسوارية والمعمرية والإسكافية والجعفرية والبشرية والمرادارية والهشامية والتمامية والجاحظية والخابطية والحمارية والخياطية وأصحاب صالح قبة والمويسية والشحامية والكعبية والجبابية والبهشمية المنسوبة إلى أبي هاشم بن الجبائي. فهذه ثنتان وعشرون فرقة فرقتان منها من جملة فرق الغلاة في الكفر نذكرها في الباب الذي نذكر فيه فرق الغلاة وهما الخابطية والحمارية وعشرون منها قدرية محضة يجمعها كلها في بدعتها أمور:

منها نفيها كلها عن الله عز وجل صفاته الأزلية وقولها بأنه ليس لله عز وجل علم ولا قدرة ولا حياة ولا سمع ولا بصر ولا صفة أزلية وزادوا على هذا بقولهم إن الله تعالى لم يكن له في الأزل اسم ولا صفة.

ومنها قولهم باستحالة رؤية الله عز وجل بالأبصار وزعموا أنه لا يرى نفسه ولا يراه غيره. واختلفوا فيه هل هو راء لغيره أم لا فأجازه قوم منهم وأباه قوم آخرون منهم.

ومنها اتفاقهم على القول بحدوث كلام الله عز وجل وحدوث أمره ونهيه وخبره. وكلهم يزعمون أن كلام الله عز وجل حادث وأكثرهم اليوم يسمون كلامه مخلوقا.

ومنها قولهم جميعا بأن الله تعالى غير خالق لأكساب الناس ولا لشيء من أعمال الحيوانات وقد زعموا أن الناس هم الذين يقدرون أكسابهم وأنه ليس لله عز وجل في أكسابهم ولا في أعمار سائر الحيوانات صنع ولا تقدير. ولأجل هذا القول سماهم المسلمون قدرية.

ومنها اتفاقهم على دعواهم في الفاسق من أمة الإسلام بالمنزلة بين المنزلتين وهي أنه فاسق لا مؤمن ولا كافر. ولأجل هذا سماهم المسلمون معتزلة لاعتزالهم قول الأمة بأسرها.

ومنها قولهم إن كل ما لم يأمر الله تعالى به أو نهى عنه من أعمال العباد لم يشأ الله شيئا منها.

وزعم الكعبي في مقالاته أن المعتزلة اجتمعت على أن الله عز وجل شيء لا كالأشياء وأنه خالق الأجسام والأعراض وأنه خلق كل ما خلقه لا من شيء وعلى أن العباد يفعلون أعمالهم بالقدر التي خلقها الله سبحانه وتعالى فيهم قال وأجمعوا على أنه لا يغفر لمرتكبي الكبائر بلا توبة.

وفي هذا الفصل من كلام الكعبي غلط منه على أصحابه من وجوه:

منها قوله إن المعتزلة اجتمعت على أن الله تعالى شيء لا كالأشياء وليست هذه الخاصية لله تعالى وحده عند جميع المعتزلة فإن الجبائي وابنه أبا هاشم قد قالا إن كل قدرة محدثة شيء لا كالأشياء ولم يخصوا ربهم بهذا المدح.

ومنها حكايته عن جميع المعتزلة قولها بأن الله عز وجل خالق الأجسام والأعراض وقد علم أن الأصم من المعتزلة ينفي الأعراض كلها وأن المعروف منهم بمعمر يزعم أن الله تعالى لم يخلق شيئا من الأعراض وأن ثمامة يزعم أن الأعراض المتولدة لا فاعل لها. فكيف يصح دعواه إجماع المعتزلة على أن الله سبحانه خالق الأجسام والأعراض وفيهم من ينكر وجود الأعراض وفيهم من يثبت الأعراض ويزعم أن الله تعالى لم يخلق شيئا منها وفيهم من يزعم أن المتولدات أعراض لا فاعل لها، والكعبي مع سائر المعتزلة زعموا أن الله تعالى لم يخلق أعمال العباد وهي أعراض عند من أثبت الأعراض. فبان غلط الكعبي في هذا الفصل على أصحابه.

ومنها دعوى إجماع المعتزلة على أن الله خلق ما خلق لا من شيء. وكيف يصح إجماعهم على ذلك، والكعبي مع سائر المعتزلة سوى الصالحي يزعمون أن الحوادث كلها كانت قبل حدوثها أشياء والبصريون منهم يزعمون أن الجواهر والأعراض كانت في حال عدمها جواهر وأعراضا وأشياء، والواجب على هذا الفصل أن يكون الله خلق الشيء لا من شيء وإنما يصح القول بأنه خلق الشيء لا من شيء على أصول أصحابنا الصفاتية الذين أنكروا كون المعدوم شيئا.

وأما دعوى إجماع المعتزلة على أن العباد يفعلون أفاعلهم بالقدر التي خلقها الله تعالى فيهم فغلط منه عليهم لأن معمرا منهم زعم أن القدرة فعل الجسم القادر بها وليست من فعل الله تعالى والأصم منهم ينفي وجود القدرة لأنه ينفي الأعراض كلها.

وكذلك دعوى إجماع المعتزلة على أن الله سبحانه لا يغفر لمرتكبي الكبائر من غير توبة منهم غلط منه عليهم، لأن محمد بن شبيب البصري والصالحي والخالدي هؤلاء الثلاثة من شيوخ المعتزلة وهم واقفية في وعيد مرتكبي الكبائر وقد أجازوا من الله تعالى مغفرة ذنوبهم من غير توبة.

فبان بما ذكرناه غلط الكعبي فيما حكاه عن المعتزلة. وصح أن المعتزلة يجمعها ما حكيناه عنهم مما أجمعوا عليه.

فأما الذي اختلفوا فيه فيما بينهم فعلى ما نذكره في تفصيل فرقهم إن شاء الله عز وجل.

ذكر الواصلية منهم

هؤلاء أتباع واصل بن عطاء الغزال رأس المعتزلة وداعيهم إلى بدعتهم بعد معبد الجهني وغيلان الدمشقي.

وكان واصل من منتابي مجلس الحسن البصري في زمان فتنة الأزارقة وكان الناس يومئذ مختلفين في أصحاب الذنوب من أمة الإسلام على فرق:

فرقة تزعم أن كل مرتكب لذنب صغير أو كبير مشرك بالله، وكان هذا قول الأزارقة من الخوراج. وزعم هؤلاء أن أطفال المشركين مشركون ولذلك استحلوا قتل أطفال مخالفيهم وقتل نسائهم سواء كانوا من أمة الإسلام أو من غيرهم. وكانت الصفرية من الخوارج يقولون في مرتكبي الذنوب بأنهم كفرة مشركون كما قالته الأزارقة غير أنهم خالفوا الأزارقة في الأطفال.

وزعمت النجدات من الخوارج أن صاحب الذنب الذي أجمعت الأمة على تحريمه كافر مشرك وصاحب الذنب الذي اختلفت الأمة فيه حكم على اجتهاد أهل الفقه فيه وعذروا مرتكب ما لا يعلم تحريمه بجهالة تحريمه إلى أن تقوم الحجة عليه فيه.

وكانت الإباضية من الخوارج يقولون إن مرتكب ما فيه الوعيد مع معرفته بالله عز وجل وبما جاء من عنده كافر كفران نعمة وليس بكافر كفر شرك.

وزعم قوم من أهل ذلك العصر أن صاحب الكبيرة من هذه الأمة منافق والمنافق شر من الكافر المظهر لكفره.

وكان علماء التابعين في ذلك العصر مع أكثر الأمة يقولون إن صاحب الكبيرة من أمة الإسلام مؤمن لما فيه من معرفته بالرسل والكتب المنزلة من الله تعالى ولمعرفته بأن كل ما جاء من عند الله حق ولكنه فاسق بكبيرته وفسقه، لا ينفى عنه اسم الإيمان والإسلام.

وعلى هذا القول الخامس مضى سلف الأمة من الصحابة وأعلام التابعين. فلما ظهرت فتنة الأزارقة بالبصرة والأهواز واختلف الناس عند ذلك في أصحاب الذنوب على الوجوه الخمسة التي ذكرناها، خرج واصل بن عطاء عن قول جميع الفرق المتقدمة وزعم أن الفاسق من هذه الأمة لا مؤمن ولا كافر وجعل الفسق منزلة بين منزلتي الكفر والإيمان. فلما سمع الحسن البصري من واصل بدعته هذه التي خالف بها أقوال الفرق قبله طرده عن مجلسه فاعتزل عند سارية من سواري مسجد البصرة وانضم إليه قرينه في الضلالة عمرو بن عبيد بن باب كعبد صريخه أمة. فقال الناس يومئذ فيهما إنهما قد اعتزلا قول الأمة وسمي أتباعهما من يومئذ "معتزلة".

ثم إنهما أظهرا بدعتهما في المنزلة بين المنزلتين وضما إليها دعوة الناس إلى قول القدرية على رأي معبد الجهني فقال الناس يومئذ لواصل إنه مع كفره قدري. وجرى المثل بذلك في كل كافر قدري.

ثم إن واصلا وعمرا وافقا الخوارج في تأييد عقاب صاحب الكبيرة في النار مع قولهما بأنه موحد وليس بمشرك ولا كافر، ولهذا قيل للمعتزلة إنهم مخانيث الخوارج، لأن الخوارج لما رأوا لأهل الذنوب الخلود في النار سموهم كفرة وحاربوهم، والمعتزلة رأت لهم الخلود في النار ولم تجسر على تسميتهم كفرة ولا جسرت على قتال أهل فرقة منهم فضلا عن قتال جمهور مخالفيهم، ولهذا نسب إسحاق بن سويد العدري واصلا وعمرو بن عبيد إلى الخوارج لاتفاقهم على تأييد عقاب أصحاب الذنوب فقال في بعض قصائده:

برئت من الخوارج لست منهم ** من الغزال منهم وابن باب

ومن قوم إذا ذكروا عليا ** يردون السلام على السحاب

ثم إن واصلا فارق السلف ببدعة ثالثة وذلك أنه وجد أهل عصره مختلفين في علي وأصحابه وفي طلحة والزبير وعائشة وسائر أصحاب الجمل فزعمت الخوارج أن طلحة والزبير وعائشة وأتباعهم يوم الجمل كفروا بقتالهم عليا وأن عليا كان على الحق في قتال أصحاب الجمل وفي قتال أصحاب معاوية بصفين إلى وقت التحكيم ثم كفر بالتحكيم. وكان أهل السنة والجماعة يقولون بصحة إسلام الفريقين في حرب الجمل وقالوا إن عليا كان على الحق في قتالهم وأصحاب الجمل كانوا عصاة مخطئين في قتال علي ولم يكن خطؤهم كفرا ولا فسقا يسقط شهادتهم، وأجازوا الحكم بشهادة عدلين من كل فرقة من الفريقين. وخرج واصل عن قول الفريقين وزعم أن فرقة من الفريقين فسقة لا بأعيانهم وأنه لا يعرف الفسقة منهما وأجازوا أن يكون الفسقة من الفريقين عليا وأتباعه كالحسن والحسين وابن عباس وعمار بن ياسر وأبي أيوب الأنصاري وسائر من كان مع علس يوم الجمل وأجاز كون الفسقة من الفريقين عائشة وطلحة والزبير وسائر أصحاب الجمل ثم قال في تحقق شكه في الفريقين لو شهد علي وطلحة أو علي والزبير ورجل من أصحاب علي ورجل من أصحاب الجمل عندي على باقة بقل لم أحكم بشهادتهما لعلمي بأن أحدهما فاسق لا بعينه كما لا أحكم بشهادة المتلاعنين لعلمي بأن أحدهما فاسق لا بعينه ولو شهد رجلان من أحد الفريقين أيهما كان قبلت شهادتهما.

ولقد سخنت عيون الرافضة القائلين بالاعتزال بشك شيخ المعتزلة في عدالة علي وأتباعه ومقالة واصل في الجملة كما قلنا في بعض أشعارنا:

مقالة ما وصلت بواصل ** بل قطع الله به أوصالها

وسنذكر تمام أبيات هذه القصيدة بعد هذا إن شاء الله غز وجل.

ذكر العمرية منهم

هؤلاء أتباع عمرو بن عبيد بن باب مولى بني تميم وكان جده من سبي كامل، وما ظهرت البدع والضلالات في الأديان إلا من أبناء السبايا كما روي في الخبر.

وقد شارك عمرو واصلا في بدعة القدر وفي ضلالة قولهما بالمنزلة بين المنزلتين وفي ردهما شهادة رجلين أحدهما من أصحاب الجمل والآخر من أصحاب علي. وزاد عمرو على واصل في هذه البدعة فقال بفسق كلتا الفرقتين المتقاتلتين يوم الجمل. وذلك أن واصلا إنما رد شهادة رجلين أحدهما من أصحاب الجمل والآخر من أصحاب علي رضي الله عنه وقبل شهادة رجلين كلاهما من أحد الفريقين وزعم عمرو أن شهادتهما مردودة وإن كانا من فريق واحد لأنه قال بفسق الفريقين جميعا.

وقد افترقت القدرية بعد واصل وعمرو في هذه المسألة فقال النظام ومعمر والجاحظ في فريقي يوم الجمل بقول واصل وقال حوشب وهاشم الأوقص نجت القادة وهلكت الأتباع، وقال أهل السنة والجماعة بتصويب علي وأتباعه يوم الجمل وقالوا إن الزبير رجع عن القتال يومئذ تائبا فلما بلغ وادي السباع قتله بها عمرو بن جرموز غرة وبشر علي قاتله بالنار وهمّ طلحة بالرجوع فرماه مروان بن الحكم وكان مع أصحاب الجمل بسهم قتله. وعائشة رضي الله عنها قصدت الإصلاح بين الفريقين فغلبها بنو أزد وبنو ضبة على أمرها حتى كان من الأمر ما كان. ومن قال بتكفير الفريقين أو أحدهما فهو الكافر دونهم. هذا قول أهل السنة فيهم والحمد لله على ذلك.

ذكر الهذيلية منهم

هؤلاء أتباع أبي الهذيل محمد بن الهذيل المعروف بالعلاف. كان مولى لعبد القيس وقد جرى على منهاج أبناء السبايا لظهور أكثر البدع منهم وفضائحه تترى، تكفره فيها سائر فرق الأمة من أصحابه في الاعتزال ومن غيرهم. وللمعروف بالمرداد من المعتزلة كتاب كبير فيه فضائح أبي الهذيل وفي تكفيره بما انفرد به من ضلالاته وللجبائي أيضا كتاب في الرد على أبي الهذيل في المخلوق ويكفره فيه ولجعفر بن حرب أيضا وهو المشهور في زعماء المعتزلة كتاب سماه توبيخ أبي الهذيل وأشار إلى تكفير أبي الهذيل وذكر فيه أن قوله يجر إلى قول الدهرية.

فمن فضائح أبي الهذيل قوله بفناء مقدورات الله عز وجل حتى لا يكون بعد فناء مقدوراته قادرا على شيء ولأجل هذا زعم أن نعيم أهل الجنة وأهل النار يفنيان ويبقى حينئذ أهل الجنة وأهل النار خامدين لا يقدرون على شيء ولا يقدر الله عز وجل في تلك الحال على إحياء ميت ولا على إماتة حي ولا على تحريك ساكن ولا على تسكين متحرك ولا على إحداث شيء ولا على إفناء شيء مع صحة عقول الأحياء في ذلك الوقت.

وقوله في هذا الباب شر من قول من قال بفناء الجنة والنار كما ذهب إليه جهم لأن جهما وإن قال بفنائهما فقد قال بأن الله عز وجل قادر بعد فنائهما على أن يخلق أمثالهما، وأبو الهذيل يزعم أن ربه لا يقدر بعد فناء مقدوراته على شيء.

وقد شنع المعروف منهم بالمرداد على أبي الهذيل في هذه المسألة فقال يلزمه إذا كان ولي الله عز وجل في الجنة قد يناول بإحدى يديه الكاس وبالأخرى بعض التحف ثم حضر وقت السكون الدائم أن يبقى ولي لله عز وجل أبدا على هيئة المصلوب.

وقد اعتذر أبو الحسين الخياط عن أبي الهذيل في هذا الباب باعتذارين:

أحدهما دعواه أن أبا الهذيل أشار إلى أن الله عز وجل عند قرب انتهاء مقدوراته يجمع في أهل الجنة اللذات كلها فيبقون على ذلك في سكون دائم.

واعتذاره الثاني دعواه أن أبا الهذيل أنه كان يقول هذا القول مجادلا به خصومه البحث عن جوابه.

واعتذاره الأول عنه باطل من وجهين:

أحدهما أنه يوجب اجتماع لذتين متضادتين في محل واحد في وقت واحد وذلك محال كاستحالة اجتماع لذة وألم في محل واحد.

والوجه الثاني أن هذه الاعتذار لو صح لوجب أن يكون أهل الجنة بعد فناء مقدورات الله عز وجل أحسن من حالها في حال كونه قادرا.

وأما دعواه أن أبا الهذيل إنما قال بفناء المقدورات مجادلا به معتقدا لذلك، فالفاصل بيننا وبين المعتذر عنه كتب أبو الهذيل، وأشار في كتابه الذي سماه بالحجج إلى ما حكيناه عنه وذكر في كتابه المعروف بكتاب القوالب بابا في الرد على الدهرية وذكر فيه قولهم للموحدين إذا جاز أن يكون بعد كل حركة حركة سواها لا إلى آخر وبعد كل حادث حادث آخر لا إلى غاية فهلا صح قول من زعم أن حركة إلا وقبلها حركة ولا حادث إلا وقبله حادث لا عن أول لا حالت قبله وأجاب عن هذا الإلزام بتسويته بينهما وقال كما أن الحوادث لها ابتداء لم يكن قبلها حادث كذلك لها آخر لا يكون بعده حادث ولأجل هذا قال بفناء مقدورات الله عز وجل وسائر المتكلمين من أصناف فرق الإسلام فرقوا بين الحوادث الماضية والحوادث المستقبلة بفروق واضحة لم يهتد إليها أبو الهذيل فارتكب لأجل جهله بها قوله بفناء المقدورات وقد ذكرنا تلك الفروق الواضحة في باب الدلالة على حدوث العالم في كتبنا المؤلفة في ذلك.

والفضيحة الثانية من فضائح أبي الهذيل قوله بأن أهل الآخرة مضطرون إلى ما يكون منهم وإن أهل الجنة مضطرون إلى أكلهم وشربهم وجماعهم وأن أهل النار مضطرون إلى أقوالهم وليس لأحد في الآخرة من الخلق قدرة على اكتساب فعل ولا على اكتساب قول والله عز وجل خالق أقوالهم وحركاتهم وسائر ما يوصفون به. وكانت القدرية يعيبون جهما في قوله إن العباد في الدنيا مضطرون إلى ما يكون منهم وينكرون على أصحابنا قولهم بأن الله عز وجل خالق أكساب العباد ويقولون لأصحابنا إذا كان هو خالق ظلم العباد وجب أن يكون ظالما وإذا خلق كذب الإنسان وجب أن يكون كاذبا فهلا قالوا لأبي الهذيل إذا قلت إن الله عز وجل يخلق في الآخرة كذب أهل النار في قولهم: {والله ربنا ما كنا مشركين} وجب أن يكون هو الكاذب بهذا القول إن كان الكاذب عندهم من فعل الكذب ولا يتوجه علينا هذا الإلزام لأنا لا نقول إن الكاذب والظالم من خلق الكذب والظلم ولكنا نقول إن الظالم من قام به الظلم والكاذب من قام به الكذب لا من فعله.

وقد اعتذر الخياط عن أبي الهذيل في بدعته هذه بأن قال إن الآخرة دار جزاء وليست بدار تكليف فلو كان أهل الآخرة مكتسبين لأعمالهم لكانوا مكلفين ولوقع ثوابهم وعقابهم في دار سواها فيقال للخياط هل ترضى بهذا الاعتذار من أبي الهذيل أم تسخطه فإن رضيته فقل فيه بمثل قوله وذلك خلاف قولك وإن سخطته فلا معنى لاعتذارك عنه في شيء تكفره.

وقلنا لأبي الهذيل ما تنكر من كون أهل الآخرة مكتسبين لأعمالهم وإن يكونوا فيها مأمورين للشكر لله عز وجل على نعمه ولا يكونوا مأمورين بصلاة ولا زكاة ولا صيام ولا يكونوا منتهين عن المعاصي ويكون ثوابهم على الشكر وترك المعصية دوام النعيم عليهم وما أنكرت عليهم من أنهم يكونون في الآخرة منهيين عن المعاصي ومعصومين منها كما قال أصحابنا مع أكثر الشيعة إن الأنبياء عليهم السلام كانوا في الدنيا منتهين عن المعاصي ومعصومين عنها وكذلك الملائكة منتهون عن المعاصي ومعصومون عنها ولذلك قال الله عز وجل فيهم: {لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون}.

والفضيحة الثالثة من فضائحه قوله بطاعات كثيرة لا يراد الله عز وجل بها كما ذهب إليه قوم من الخوارج الإباضية وقد زعم أن ليس في الأرض صاحب هوى ولا زنديق إلا وهو مطيع لله تعالى في أشباه كثيرة وإن عصاه من جهة كفره. وقال أهل السنة والجماعة إن الطاعة لله عز وجل ممن لا يعرفه إنما تصح في شيء واحد وهو النظر والاستدلال الواجب عليه قبل وصوله إلى معرفة الله فإن يفعل ذلك يكن مطيعا لله تعالى لأنه قد أمره به وإن لم يكن قصد بفعله لذلك النظر الأول التقرب به إلى الله عز وجل ولا تصح منه طاعة لله تعالى سواها إلا إذا قصد بها التقرب بها إليه لأنه يمكنه ذلك إذا توصل بالنظر الأول إلى معرفة الله تعالى ولا يمكنه قبل النظر الأول التقرب به إليه إذا لم يكن عارفا به قبل نظره واستدلاله.

واستدل أبو الهذيل على دعواه صحة وقوع طاعات الله تعالى ممن لا يعرفه بأن قال إن أوامر الله تعالى بازائها زواجره فلو كان من لا يعرفه فعل ترك جميع أوامره وجب أن يكون قد صار إلى جميع زواجره وإن يكون من ترك جميع الطاعات قد صار إلى جميع المعاصي ولو كان كذلك لصار الدهري يهوديا ونصرانيا ومجوسيا وعلى أديان سائر الكفرة وإذا صار المجوسي تاركا لكل كفر سوى المجوسية علمنا أنه عارض بمجوسيته التي قد نهي عنها ومطيع لله عز وجل بترك ما تركه من أنواع الكفر لأنه مأمور بتركها.

فقلت له ليس الأمر في أوامر الله تعالى وزواجره على ما ظننته ولكن لا خصلة من الطاعة إلا ويضادها معاص متضادة ولا خصلة من الإيمان إلا ويضادها خصال متضادة كل نوع منها يضاد النوع الآخر كما يضادها الطاعة وذلك بمنزلة القيام والقعود والاضطجاع والاستلقاء وقد يخرج عن القعود من لا يصير إلى جميع اضداده وإنما يخرج من القعود بنوع واحد من أضداده كذلك يخرج عن كل طاعة لله تعالى بنوع واحد من الكفر المضاد للطاعات كلها لأن ذلك النوع من الكفر يضاد نوعا آخر من الكفر كما يضاد سائر الطاعات. وهذا واضح في نفسه وإن جهله أبو الهذيل.

والفضيحة الرابعة من فضائحه قوله بأن علم الله سبحانه وتعالى هو الله وقدرته هي هو.

ويلزمه على هذا القول أن يكون الله تعالى علما وقدرة، ولو كان هو علما وقدرة لاستحال أن يكون عالما قادرا لأن العلم لا يكون عالما والقدرة لا تكون قادرة. ويلزمه أيضا إذا قال إن علم الله هو الله وقدرته هي هو أن يقول إن علمه هو قدرته ولو كان علمه قدرته لوجب أن يكون كل معلوم له مقدورا له وهذا يوجب أن يكون رأيه مقدورا له لأنه معلوم له وهذا كفر فما يؤدي إليه مثله.

والفضيحة الخامسة تقسيمه كلام الله عز وجل إلى ما يحتاج إلى محل والى ما لا يحتاج إلى محل وقد زعم أن قول الله سبحانه للشيء كن حادث لا في محل وسائر كلامه حادث في جسم من الأجسام وكل كلامه عنده أعراض وقد زعم أن قوله للشيء كن من جنس قول الإنسان كن ففرق بين عرضين من جنس واحد في حاجة أحدهما إلى محل واستغناء الآخر عن المحل. فأما قوله بحدوث إرادة الله سبحانه لا في محل وقد شاركه فيه المعتزلة البصرية مع قولهم بأنها من جنس واحد إرادتنا المفتقرة إلى المحل. ووجود كلمة لا في محل يوجب أن لا يكون بعض المتكلمين بأن يتكلم بها أولى من بعض وليس لأبي الهذيل أن يقول إن فاعلها أولى بأن يتكلم بها من غيره لأنه قد قال بأن الله تعالى يخلق في الآخرة كلام أهل الجنة وكلام أهل النار ولا يكون متكلما بكلامهم فقد أداه قوله بوجود كلمة لا في محل إلى تصحيح كلام لا لمتكلم وهذا محال فما يؤدي إليه مثله.

والفضيحة السادسة من فضائحه قوله إن الحجة من طريق الأخبار فيما غاب عن الحواس من آيات الأنبياء عليهم السلام وفيما سواها لا تثبت بأقل من عشرين نفسا فيهم واحد من أهل الجنة أو أكثر ولم يوجب بأخبار الكفرة والفسقة حجة وإن بلغوا عدد التواتر الذين لا يمكن تواطؤهم على الكذب إذا لم يكن فيهم واحد من أهل الجنة وزعم أن خبر ما دون الأربعة لا يوجب حكما ومن فوق الأربعة إلى العشرين قد يصح وقوع العلم بخبرهم وقد لا يقع العلم بخبرهم وخبر العشرين إذا كان فيهم واحد من أهل الجنة يجب وقوع العلم منه لا محالة. واستدل على أن العشرين حجة بقول الله تعالى {إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين}. وقال لم يبح لهم قتالهم إلا وهم عليهم حجة. وهذا يوجب عليه أن يكون خبر الواحد حجة موجبة للعلم لأن الواحد في ذلك الوقت كان له قتال العشرة من المشركين فيكون جواز قتاله لهم دليلا على كونه حجة عليهم.

قال عبد القاهر: ما أراد أبو الهذيل باعتباره عشرين في الحجة من جهة الخبر إذا كان فيهم واحد من أهل الجنة إلا تعطيل الأخبار الواردة في الأحكام الشرعية عن فوائدها لأنه أراد بقوله: ينبغي أن يكون فيهم واحد من أهل الجنة واحد يكون على بدعته في الاعتزال والقدر وفي فناء مقدورات الله عز وجل، لأن من لم يقل بذلك لا يكون عنده مؤمنا ولا من أهل الجنة، ولم يقل قبل أبي الهذيل أحد على بدعة أبي الهذيل حتى تكون روايته في جملة العشرين على شرطه.

والفضيحة السابعة أنه فرق بين أفعال القلوب وأفعال الجوارح فقال لا يجوز وجود أفعال القلوب من الفاعل مع قدرته عليه ولا مع موته وأجاز وجود أفعال الجوارح من الفاعل منا بعد موته وبعد عدم قدرته أن كان حيا لم يمت وزعم أن الميت والعاجز يجوز أن يكونا فاعلين لأفعال الجوارح بالقدرة التي كانت موجودة قبل الموت والعجز.

وزعم الجبائي وابنه أبو هشام أن أفعال القلوب في هذا الباب كأفعال الجوارح في أنه يصح وجودها بعد فناء القدرة عليها ومع وجود العجز عنها.

وقول الجبائي وابنه في هذا الباب شر من قول أبي الهذيل غير أن أبا الهذيل سبق إلى القول بأجازة كون الميت والعاجز فاعلين لأفعال الجوارح، ونسج الجبائي وابنه على منواله في هذه البدعة وقاسا عليه إجازة كون العاجز فاعلا لأفعال القلوب. ومؤسس البدعة عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير نقصان يدخل في وزن العاملين بها.

الفضيحة الثامنة من فضائحه إنما لما وقف على اختلاف الناس في المعارف هل هي ضرورية أم اكتسابية ترك قول من زعم أنها كلها ضرورية وقول من زعم أنها كلها كسبية وقول من قال إن المعلوم منها بالحواس والبداية ضرورية وما علم منها بالاستدلال اكتسابية واختار لنفسه قولا خارجا عن أقوال السلف فقال: المعارف ضربان أحدهما باضطرار وهو معرفة الله عز وجل ومعرفة الدليل الداعي إلى معرفته وما بعدها من العلوم الواقعة عن الحواس أو القياس فهو علم اختيار واكتساب. ثم إنه بني على ذلك قوله في مهلة المعرفة فخالف فيها سائر الأمة فقال في الطفل إنه لا يلزمه في الحال الثانية من حال معرفته بنفسه أن يأتي بجميع معارف التوحيد والعدل بلا فصل وكذلك عليه أن يأتي مع معرفته بتوحيد الله سبحانه وعدله بمعرفة جميع ما كلفه الله تعالى بفعله حتى إن لم يأت بذلك كله في الحال الثانية من معرفته بنفسه ومات في الحال الثالثة مات كافرا وعدوا لله تعالى مستحقا للخلود في النار، وأما معرفته بما لا يعرف إلا بالسمع من جهة الأخبار فعليه أن يأتي بمعرفة ذلك في الحال الثانية من سماعه للخبر الذي يكون حجة قاطعة للعذر. وكان بشر بن المعتمر يقول عليه أن يأتي بالمعارف العقلية في الحال الثالثة مع معرفته بنفسه لأن الحال الثانية حال نظر وفكر فإن لم يأت بها في الحال الثالثة ومات في الحال الرابعة كان عدوا لله تعالى مستحقا للخلود في النار.

فهذان القدريان اللذان أنكرا على الأزارقة قولهما بأن أطفال مخالفيهم في النار وعلى من زعم أن أطفال المشركين في النار قد زعما أن أطفال المؤمنين إذا ماتوا في الحال الثالثة أو الرابعة من معرفتهم بأنفسهم قبل إتيانهم بالمعارف العقلية كفرة مخلدون في النار من غير كفر اعتقدوه.

الفضيحة التاسعة من فضائحه أنه أجاز حركة الجسم الكثير الأجزاء بحركة تحل في بعض اجزائه ولم يخبر مثل هذا في اللون. وقال سائر المتكلمين إن الجزء الذي قامت به الحركة هو المتحرك بها دون غيره من أجزاء الجملة كما أن الجزء الذي يقوم به السواد هو الأسود به دون غيره من أجزاء الجملة وإن تحركت الجملة كان في كل جزء منها حركة كما لو اسودت الجملة كان في كل جزء منها سواد.

الفضيحة العاشرة من فضائحه قوله بأن الجزء الذي لا يتجزأ لا يصح قيام اللون به إذا كان منفردا ولا تصح رؤيته إذا لم يكن فيه لون. وهذا يوجب عليه أن الله تعالى لو خلق جزءا منفردا لم يكن رائيا له.

والحمد لله الذي انقذ أهل السنة من البدع التي حليناها في هذا الباب من أبي الهذيل.

ذكر النظامية منهم

هؤلاء أتباع أبي إسحاق إبراهيم بن سيار المعروف بالنظام. والمعتزلة يموهون على الأغمار بدينه ويوهمون أنه كان نظاما للكلام المنثور والشعر الموزون وإنما كان ينظم الخرز في سوق البصرة. ولأجل ذلك قيل له النظام وكان في زمان شبابه قد عاشر قوما من الثنوية وقوما من السمتية القائلين بتكافؤ الأدلة وخالط بعد كبره قوما من ملحدة الفلاسفة ثم خالط هشام بن الحكم الرافضي فأخذ عن هشام وعن ملحدة الفلاسفة قوله بإبطال الجزء الذي لا يتجزأ ثم بني عليه قوله بالطفرة التي لم يسبق إليها وهم أحد قبله وأخذ من الثنوية قوله بأن فاعل العدل لا يقدر على فعل الجور والكذب وأخذ من هشام بن الحكم أيضا قوله بأن الألوان والطعوم والروائح والأصوات أجسام وبنى على هذه البدعة قوله بتداخل الأجسام في حيز واحد ودلين مذاهب الثنوية وبدع الفلاسفة وشبه الملحدة في دين الإسلام وأعجب بقول البراهمة بإبطال النبوات ولم يجسر على إظهار هذا القول خوفا من السيف فأنكر إعجاز القران في نظمه وأنكر ما روي في معجزات نبينا من انشقاق القمر وتسبيح الحصا في يده ونبوع الماء من بين أصابعه، ليتوصل بإنكار معجزات نبينا عليه السلام إلى إنكار نبوته. ثم أنه استثقل أحكام شريعة الإسلام في فروعها ولم يجسر على إظهار رفعها فأبطل الطرق الدالة عليها فأنكر لأجل ذلك حجة الإجماع وحجة القياس في الفروع الشرعية وأنكر الحجة من الأخبار التي لا توجب والعلم الضروري. ثم إنه علم إجماع الصحابة على الاجتهاد في الفروع الشرعية فذكرهم بما يقرؤه غدا من صحيفة مخازيه وطعن في فتاوى أعلام الصحابة رضي الله عنهم. وجميع فرق الأمة من فريقي الرأي والحديث مع الخوارج والشيعة والنجارية وأكثر المعتزلة متفقون على تكفير النظام وإنما تبعه في ضلالته شرذمة من القدرية كالأسواري وابن خابط وفضل الحدثي والجاحظ مع مخالفة كل واحد منهم له في بعض ضلالاته وزيادة بعضهم عليه فيها وإعجاب هؤلاء النفر اليسير به كإعجاب الجعل بدحروجته.

وقد قال بتكفيره أكثر شيوخ المعتزلة منهم أبو الهذيل فإنه قال بتكفيره في كتابه المعروف بالرد على النظام وفي كتابه عليه في الأعراض والإنسان والجزء الذي لا يتجزأ.

ومنهم الجبائي كفر النظام في قوله إن المتولدات من أفعال الله بإيجاب الخلقة. والجبائي في هذا الباب هو الكافر دون غيره، غير أنا أردنا أن نذكر تكفير شيوخ المعتزلة بعضها بعضا وكفره الجبائي في إحالته قدرة الله تعالى على الظلم وكفره في قوله بالطبائع. وله في ذلك كتاب عليه وعلى معمر في الطبائع.

ومنهم الإسكافي له كتاب على النظام كفره فيه في أكثر مذاهبه.

ومنهم جعفر بن حرب صنف كتابا في تكفير النظام بإبطاله الجزء الذي لا يتجزأ.

وأما كتب أهل السنة والجماعة في تكفيره فالله يحصيها. ولشيخنا أبي الحسن الأشعري رحمه الله في تكفير النظام ثلاثة كتب وللقلانسي عليه كتب ورسائل.

وللقاضي أبي بكر محمد بن أبي الطيب الأشعري رحمه الله كتاب كبير في بعض أصول النظام. وقد أشار إلى ضلالاته في كتاب إكفار المتأولين.

ونحن نذكر في هذا الكتاب ما هو المشهور من فضائح النظام:

فاولها قوله بأن الله عز وجل لا يقدر أن يفعل بعباده خلاف ما فيه صلاحهم ولا يقدر على أن ينقص من نعيم أهل الجنة ذرة لأن نعيمهم صلاح لهم والنقصان مما فيه الصلاح ظلم عنده ولا يقدر أن يزيد في عذاب أهل النار ذرة ولا على أن ينقص من عذابهم شيئا، وزعم أيضا أن الله تعالى لا يقدر على أن يخرج أحدا من أهل الجنة عنها ولا يقدر على أن يلقي في النار من ليس من أهل النار. وقال: لو وقف طفل على شفير جهنم لم يكن الله قادرا على إلقائه فيها وقدر الطفل على إلقاء نفسه فيها وقدرت الزبانية أيضا على إلقائه فيها. ثم زاد على هذا بأن قال إن الله تعالى لا يقدر على أن يعمي بصيرا أو يزمن صحيحا أو يفقر غنيا إذا علم أن البصر والصحة والغنى أصلح لهم وكذلك لا يقدر على أن يغني فقيرا أو يصحح زمنا إذا علم أن المرض وألزمانة والفقر أصلح لهم. ثم زاد على هذا أن قال إنه لا يقدر على أن يخلق حية أو عقربا أو جسما يعلم أن خلق غيره أصلح من خلقه.

وقد أكفرته البصرية من المعتزلة في هذا القول وقالوا إن القادر على العدل يجب أن يكون قادرا على الظلم والقادر على الصدق يجب أن يكون قادرا على الكذب وإن لم يفعل الظلم والكذب لقبحهما أو غناه عنهما وعلم بغناه عنهما لأن القدرة على الشيء يجب أن يكون قدرة على ضده فإذا قال النظام إن الله تعالى لا يقدر على الظلم والكذب لزمه أن لا يكون قادرا على الصدق والعدل والقول بأنه لا يقدر على العدل كفر فما يؤدي إليه مثله.

وقالوا أيضا لا فرق بين قول النظام إنه يكون من الله تعالى ما لا يقدر على ضده ولا على تركه وبين قول من زعم أنه مطبوع على فعل لا يصح منه خلافه وهذا كفر فما يؤدي إليه مثله.

ومن عجائب النظام في هذه المسألة أنه صنف كتابا على الثنوية وتعجب فيه من قول المانوية بأن النور يأمر أشكاله المختلفة بالظلمة يفعل الخير وهي مما لا تقدر على الشر ولا يصح منها فعل الشرور وتعجب من ذم الثنوية الظلمة على فعل الشر مع قولها بأن الظلمة لا تستطيع فعل الخير ولا تقدر إلا على الشر. فيقال له إذا كان الله عندك مشكورا على فعل العدل والصدق وهو غير قادر على فعل الظلم والكذب فما وجه إنكارك على الثنوية ذم الظلم على الشر وهي عندهم لا تعذر على خلاف ذلك.

الفضيحة الثانية من فضائحه قوله إن الإنسان هو الروح وهو جسم لطيف فداخل لهذا الجسم الكثيف مع قوله بأن الروح هي الحياة المشابكة لهذا الجسد. وقد زعم أنه في الجسد على سبيل المداخلة وأنه جوهر واحد غير مختلف ولا متضاد. وفي قوله هذا فضائح له:

منها أن الإنسان على هذا القول لا يرى على الحقيقة وإنما يرى الجسد الذي فيه الإنسان.

ومنها أنه يوجب أن الصحابة ما رأوا رسول الله ﷺ وإنما رأوا قالبا فيه الرسول.

ومنها يوجب أن لا يكون أحد قد رأى أباه وأمه وإنما رأى قالبيهما.

ومنها أنه إذا قال في الإنسان إنه ليس هو الجسد الظاهر وإنما هو روح مداخل للجسد لزمه أن يقول في الجماد أيضا إنه ليس هو جسده وإنما هو روح في جسده وهو الحياة المشابكة للجسد وكذلك القول في الفرس وسائر البهائم وجميع الطيور والحشرات وأصناف الحيوانات وكذلك القول في الملائكة والجن والانس والشياطين وهذا يوجب أن أحدا ما رأى حمارا ولا فرسا ولا طيرا ولا نوعا من الحيوان ويوجب أيضا أن لا يكون النبي رأى ملكا ويوجب أن الملائكة لا يرى بعضهم بعضا وإنما رأى الراؤون قوالب هذه الأشياء التي ذكرناها.

ومنها أنه إذا قال إن الروح التي في الجسد هي الإنسان وهي الفاعلة دون الجسد الذي هو قالبه لزمه أن يقول إن الروح هي الزانية والسارقة والقاتلة فإذا جلد الجسد وقطعت يده صار المقطوع غير السارق والمجلود غير الزاني وفي هذا غنى ويقول الله عز وجل: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} وقوله: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم} وكفاه بعناد القرآن خزيا.

الفضيحة الثالثة من فضائحه قوله بأن الروح التي هي الإنسان بزعمه مستطيع بنفسه حي بنفسه وإنما يعجز لآفة تدخل عليه والعجز عنده جسم ولا يخلو من أن يقول في العاجز والميت أنهما نفس الإنسان الذي يكون حيا قادرا أو يقول إن الميت العاجز جسده. فإن قال إن الإنسان هو الذي يعجز ويموت أبطل قوله بأن الإنسان حي بنفسه ومستطيع بنفسه لوجود نفسه في حال موته وعجزه ميته أو عاجزه وإن زعم أن الروح هي قوى بنفسه وإن الجسد هو الذي يموت ويعجز غير الذي كان حيا قادرا ويجب على هذا القول إن لا يكون الله تعالى قادرا على إحياء ميت ولا على إماتة حي ولا على إقدار عاجز ولا على تعجيز قادر لأن الحي عنده لا يموت والقوي لا يعجز. وقد وصف الله تعالى نفسه بأنه يحيي الموتى. وإن زعم أن الروح حي قوي بنفسه وإنما تموت وتعجز لأنه تدخل عليه لم ينفصل ممن يزعم أنها ميتة عاجزة بنفسها وإنما تحيى وتقوى بحياة وقدرة تدخلان عليهما.

الفضيحة الرابعة من فضائحه قوله إن الروح جنس واحد وأفعاله جنس واحد وإن الأجسام ضربان حي وميت وإن الحي منها يستحيل أن يصير ميتا والميت يستحيل أن يصير حيا وإنما أخذ هذا القول من الثنوية والبرهانية الذين زعموا أن النور حي خفيف من شأنه الصعود أبدا وإن الظلام موات ثقيل من شأنه التسفل أبدا وإن الثقيل الميت محال أن يصير خفيفا وإن الخفيف الحي محال أن يصير ثقيلا ميتا.

الفضحية الخامسة من فضائحه دعواه أن الحيوان كله جنس واحد لاتفاق حمية منه في تدريك الإدراك. وزعم أن العمل إذا اتفق دل اتفاقه على اتفاق ما ولده وزعم أيضا أن الجنس الواحد لا يكون منه عملان مختلفان كما لا يكون من النار تسخين وتبريد ولا من الثلج تسخين وتبريد. وهذا تحقيق قول الثنوية إن النور يفعل الخير ولا يكون منه الشر والظلام يفعل الشر ولا يكون منه الخير لأن الفاعل الواحد لا يفعل فعلين مختلفين كما لا يقع من النار تسخين وتبريد ولا من الثلج تسخين وتبريد.

ومن العجب أنه صنف كتابا على الثنوية ألزمهم فيه استحالة مزاج النور والظلمة إذا كانا مختلفين في الجنس والعمل وكانت جهات تحركهما مختلفة ثم زعم مع ذلك أن الخفيف والثقيل من الأجسام مع اختلافهما في جنسيهما واختلاف جهتي حركتهما تتداخلان والمداخلة في حيز واحد أعظم من المزاج الذي أنكره على الثنوية.

الفضيحة السادسة من فضائحه قوله بأن النار من شأنها أن تعلو بطباعها على كل شيء وأنها إذا شملت من الشوائب الحابسة لها في هذا العالم ارتفعت حتى تجاوز السماوات والعرش إلا أن يكون من جنسها ما تتصل به فلا تفارقه. وقال في الروح أيضا أنه إذا كان فارق الجسد ارتفع ويستحيل منها غير ذلك. وهذا بعينه قول الثنوية إذ الذي شاب من أجزاء النور بأجزاء الظلمة إذا انفصل منها ارتفع إلى عالم النور فإن كان يثبت فوق السماء نورا تتصل به الأرواح فهو ثنوي وإن كان يثبت فوق الهواء نارا يخلص إليها النيران المرتفعة في الهواء فهو من جملة الطبيعيين الذين زعموا أن مسافة الهواء في الارتفاع عن الأعراض ستة عشر ميلا وفوقها نار متصلة بفلك القمر يلحق بها ما يرتفع من لهب النار فهو إما ثنوي وإما طبيعي يدلس نفسه في غمار المسلمين.

الفضيحة السابعة من فضائحه قوله بأن أفعال الحيوان كلها من جنس واحد وهي كلها حركة وسكون والسكون عنده حركة اعتماد والعلوم والإرادات عنده من جملة الحركات وهي الأعراض والأعراض كلها عنده جنس واحد وهي كلها حركات فأما الألوان والطعوم والأصوات والخواطر فهن عنده أجسام مختلفة به ومتداخلة ونتيجة قوله بأن أفعال الحيوان جنس واحد توجب عليه أن يكون الإيمان مثل الكفر والعلم مثل الجهل والحب مثل البغض وأن يكون فعل النبي عليه السلام بالمؤمنين مثل فعل إبليس بالكافرين وإن يكون دعوة النبي عليه السلام إلى دين الله تعالى مثل دعوة إبليس إلى الضلالة. وقد قال في بعض كتبه أن هذه الأفعال كلها جنس واحد وإنما اختلفت أسماؤها لاختلاف أحكامها وهي في الجنس واحد لأنها كلها أفعال الحيوانات ولا يفعل الحيوان عنده فعلين مختلفين كما لا يكون من النار تبريد وتسخين.

ويلزمه على هذا الأصل أن لا يغضب على من شتمه ولعنه لأن قول القائل لعن الله النظام عند النظام مثل قوله رحمه الله وقوله إنه ولد زنى كقوله إنه ولد حلال. فإن رضي لنفسه بمثل هذا المذهب فهو أهل له ولما يلزمه عليه.

الفضيحة الثامنة من فضائحه قوله بأن الألوان والطعوم والروائح والأصوات والخواطر أجسام وإجازته تداخل الأجسام الكثيرة في حيز واحد. وقد أنكر على هشام بن الحكم قوله بأن العلوم والإرادات والحركات أجسام وقال: لو كانت هذه الثلاثة أجساما لم يجتمع في شيء واحد ولا في حيز واحد. وهو يقول إن اللون والطعم والصوت أجسام متداخلة في حيز واحد وينقض بمذهب اعتلاله على خصمه ومن أجاز مداخلة الأجسام في حيز واحد لزمه إجازة دخول الجمل في سم الخياط.

الفضيحة التاسعة من فضائحه قوله في الأصوات وذلك أنه زعم أنه ليس في الأرض اثنان سمعا صوتا واحدا إلا على معنى أنهما سمعا جنسا واحدا من الصوت كما يأكلان جنسا واحدا من الطعام وإن كان مأكول أحدهما غير مأكول الآخر. وإنما ألجأه إلى هذا القول دعواه أن الصوت لا يسمع إلا بهجومه على الروح من جهة السمع ولا يجوز أن يهجم من قطعه واحدة على سمعين متباينين وشبه ذلك بالماء المصبوب على قوم يصيب كل واحد منهم غير ما يصيب الآخر.

ويلزمه على هذا الأصل أن لا يكون أحد سمع كلمة واحدة من الله تعالى ولا من رسوله لأن مسموع كل واحد من السامعين خير من صوت المتكلم بالكلمة الواحدة والكلمة الواحدة ربما كانت من حرفين وبعض الحرفين لا يكون كلمة عنده وإن زعم أن الصوت لا يكون كلاما مسموعا إلا إذا كان من حروف لزمه أن لا يسمع الجماعة حرفا واحدا لأن الحرف الواحد لا ينقسم حروفا كثيرة على عدد السامعين.

الفضيحة العاشرة من فضائحه قوله بانقسام كل جزء لا إلى نهاية وفي ضمن هذا القول احالة كون الله تعالى محيطا بآخر العالم عالما بها وذلك قول الله تعالى: {وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا}.

ومن عجائبه أنه أنكر على المانوية قولهم بأن الهمامة التي هي روح الظلمة عندهم قطعت بلادها ووافت الفضيحة العليا من العليا حتى شاهدت النور وقال لهم إن كانت بلادها لا تتناهى من جهة السفل فكيف قطعتها الهمامة لأن قطع ما لا نهاية له محال ثم زعم مع ذلك أن الروح إذا فارق البدن قطع العالم إلى فوق مع قوله بأن المقطوع من العالم غير متناهية الأجزاء بل كل قطعة منها غير متناهية الأجزاء فكيف قطعها الروح في وقت متناه. ولأجل هذا الإلزام قال بالطفرة التي لم يسبق إليها من أهل الأهواء غيره.

وأعجب من هذا أنه ألزم الثنوية بتناهي النور والظلمة من كل جهة من الجهات الست من أجل قولهم بتناهي كل واحد منها من جهة ملاقاته للآخر فهل استدل بتناهي كل جسم من جميع جهات أطرافه على تناهي أجزائه في الوسط وإذا كان تناهي الجسم من جهاته الست لا يدل عنده على تناهيه في الوسط لم ينفصل من الثنوية إذا قالوا إن تناهي كل واحد من النور والظلمة من جهة الملاقاة لا يدل على تناهيهما من سائر الجهات.

الفضيحة الحادية عشرة من فضائحه قوله بالطفرة وهي دعواه أن الجسم قد يكون في مكان ثم يصير منه إلى المكان الثالث أو العاشر منه من غير مرور بالأمكنة المتوسطة بينه وبين العاشر ومن غير أن يصير معدوما في الأول ومعادا في العاشر.

ونحن نتحاكم إليه في بطلان هذا القول إن أنصف من نفسه وإن كان التحكيم بعد أبي موسى الأشعري وعمرو بن العاص تضييعا للحزم.

الفضيحة الثانية عشرة من فضائحه هي التي تكاد السماوات يتفطرن منه وهي دعواه أنه لا يعلم بأخبار الله عز وجل ولا بأخبار رسوله عليه السلام ولا بأخبار أهل دينه شيء على الحقيقة ودعواه أن الأجسام والألوان لا يعلمان بالأخبار.

والذي ألجأه إلى هذا القول الشنيع قوله بأن المعلومات ضربان محسوس وغير محسوس والمحسوس منها أجسام ولا يصح العلم بها إلا من جهة الحس والحس عنده لا يقع إلا على جسم واللون والطعم والرائحة والصوت عنده أجسام قال: ولهذا أدركت بالحواس وأما غير المحسوس فضربان قديم وأعراض وليس طريق العلم بهما الخبر وإنما يعلمان بالقياس والنظر دون الحس والخبر.

فقيل له: على هذا الأصل كيف عرفت أن محمدا ﷺ كان في الدنيا وكذلك سائر الأنبياء والملوك وإن كانت الأخبار عندك لا يعلم بها شيء.

فقال إن الذين شاهدوا النبي ﷺ اقتطعوا منه حين رأوه قطعة توزعوها بينهم وصلوها بأرواحهم فلما أخبروا التابعين عن وجوده خرج منهم بعض تلك القطعة فاتصل بأرواح التابعين لاتصال أرواحهم ببعضه وهكذا قصه الناقلون عن التابعين ومن نقلوا عنهم إلى أن وصل إلينا.

فقيل فقد علمت اليهود والنصارى والمجوس والزنادقة أن نبينا عليه السلام كان في الدنيا أفتزعم أن قطعة منه اتصلت بأرواح الكفرة فالتزم ذلك فألزم أن يكون أهل الجنة إذا اطلعوا على أهل النار ورآهم أهل النار وخاطب كل واحد من الفريقين الفريق الآخر أن تنفصل قطعة من أرواح كل واحد منهم فيتصل بأرواح الفريق الآخر فيدخل الجنة قطع كثيرة من أبدان أهل النار وأرواحهم ويدخل النار قطع كثيرة من أبدان أهل الجنة وأرواحهم وكفاه بالتزام هذه البدعة خزيا.

الفضيحة الثالثة عشرة من فضائحه ما حكاه الجاحظ عنه من قوله تتجدد الجواهر والأجسام حالا بعد حال وإن الله تعالى يخلق الدنيا وما فيها في كل حال من غير أن يفنيها ويعيدها.

وذكر أبو الحسين الخياط في كتابه على ابن الراوندي أن الجاحظ غلط في حكاية هذا القول على النظام.

فيقال له إن صدق الجاحظ عليه في هذه الحكاية: فاحكم بحبل النظام وحمقه وإلحاده فيه؛ وإن كذب عليه: فاحكم بمجون الجاحظ وسفهه وهو شيخ المعتزلة وفيلسوفها. ونحن لا ننكر كذب المعتزلة على أسلافها إذا كانوا كاذبين على ربهم ونبيهم.

الفضيحة الرابعة عشر من فضائحه قوله بأن الله تعالى خلق الناس والبهائم وسائر الحيوان وأصناف النبات والجواهر المعدنية كلها في وقت واحد وإن خلق آدم عليه السلام لم يتقدم على خلق أولاده ولا تقدم خلق الأمهات على خلق الأولاد. وزعم أن الله تعالى خلق ذلك أجمع في وقت واحد غير أن أكثر بعض الأشياء في بعض فالتقدم والتأخر إنما يقع في ظهورها من أماكنها. وفي هذا تكذيب منه لما اجتمع عليه من سلف الأمة مع أهل الكتاب من اليهود والنصارى والسامرة من أن الله تعالى خلق اللوح والقلم قبل خلق السموات والأرض وإنما اختلفت المسلمون في السماء والأرض أيتهما خلقت أولا فخالف النظام المسلمين وأهل الكتاب في ذلك وخالف فيه أكثر المعتزلة لأن المعتزلة البصرية زعمت أن الله تعالى خلق إرادته قبل مرادته وأقر سائرهم بخلق بعض أجسام العالم قبل بعض وزعم أبو الهذيل أنه خلق قوله للشيء كن لا في محل قبل أن خلق الأجسام والأعراض. وقول النظام بالظهور والكمون في الأجسام وتداخلها شر من قول الدهرية الذين زعموا أن الأعراض كلها كامنة في الأجسام وإنما يتعين الوصف على الأجسام بظهور بعض الأعراض وكمون بعضها وفي كل واحد من المذهبين تطريق الدهرية إلى إنكار حدوث الأجسام والأعراض بدعواهم وجود جميعها في كل حال على شرط كمون بعضها وظهور بعضها من غير حدوث شيء منها في حال الظهور وهذا إلحاد وكفر وما يؤدي إلى الضلالة فهو مثلها.

الفضيحة الخامسة عشرة من فضائحه قوله إن نظم القرآن وحسن تأليف كلماته ليس بمعجزة للنبي عليه السلام ولا دلالة على صدقه في دعواه النبوة، وإنما وجه الدلالة منه على صدقه ما فيه من الإخبار عن الغيوب فأما نظم القرآن وحسن تأليف آياته فإن العباد قادرون على مثله وعلى ما هو أحسن منه في النظم والتأليف.

وفي هذا عناد منه لقول الله تعالى: {لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا}. ولم يكن غرض منكر إعجاز القرآن إلا إنكار نبوة من تحدى العرب بأن يعارضوه بمثله.

الفضيحة السادسة عشرة من فضائحه قوله بأن الخبر المتواتر مع خروج ناقليه عند سامع الخبر عن الحصر ومع اختلاف همم الناقلين واختلاف دواعيهم يجوز أن يقع كذب هذا مع قوله بأن من أخبار الآحاد ما يوجب العلم الضروري. وقد كفره أصحابنا مع موافقيه في الاعتزال في هذا المذهب الذي صار إليه.

الفضيحة السابعة عشرة من فضائحه تجويزه إجماع الأمة في كل عصر وفي جميع الاعصار على الخطأ من جهة الرأي والاستدلال.

ويلزمه على هذا الأصل أن لا يثق بشيء مما اجتمعت الأمة عليه لجواز خطئهم فيه عنده. وإذا كانت أحكام الشريعة منها ما أخذه المسلمون عن خبر متواتر ومنها ما أخذوه عن أخبار الاحاد ومنها ما أجمعوا عليه وأخذوه عن اجتهاد وقياس؛ وكان النظام واقعا لحجة التواتر ولحجة الإجماع وأبطل القياس وخبر الواحد إذا لم يوجد العلم الضروري فكأنه أراد إبطال أحكام فروع الشريعة لإبطاله طرقها.

والفضيحة الثامنة عشرة دعواه في باب الوعيد أن من غصب أو سرق مائة وتسعة وتسعين درهما لم يفسق بذلك حتى يكون ما سرقه أو غصبه وخان فيه مائتي درهم فصاعدا.

فإن كان قد بنى هذا القول على ما يقطع فيه اليد في السرقة فما جعل أحد نصاب القطع في السرقة مائتي درهم بل قال قوم في نصاب القطع إنه ربع دينار أو قيمته وبه قال الشافعي وأصحابه وقال مالك بربع دينار أو ثلاثة دراهم وقال أبو حنيفة بوجوب القطع في عشرة دراهم فصاعدا واعتبره قوم بأربعين درهما أو قيمتها وأوجبت الإباضية القطع في قليل السرقة وكثيرها وما اعتبر أحد نصاب القطع بمائتي درهم ولو كان التفسيق معتبرا بنصاب القطع لما فسق الغاصب لألوف دنانير لأنه لا قطع على الغاصب المجاهر ولوجب أن لا يفسق من سرق الالوف من غير حرز أو من الابن لأنه لا قطع في هذين الوجهين. وإن كان إنما بنى تحديد المائتين في الفسق على أن المائتين نصاب للزكاة لزمه تفسيق من سرق أربعين شاة بوجوب الزكاة فيها وإن كانت قيمتها دون مائتي درهم. وإذا لم يكن للقياس في تحديده محال ولم يدل عليه نص من القرآن والسنة الصحيحة لم يكن مأخوذا إلا من وسوسة شيطانه الذي دعاه إلى ضلالته.

الفضيحة التاسعة عشرة من فضائحه قوله في الإيمان إنه اجتناب الكبيرة فحسب.

ونتيجة هذا القول إن الأقوال والأفعال ليس شيء منها إيمانا والصلاة عنده أفعالها ليست بإيمان ولا من الإيمان وإنما الإيمان فيها ترك الكبائر فيها.

وكان يقول مع هذا إن الفعل والترك كلاهما طاعة والناس قبله فريقان فريق قالوا إن الصلاة كلها من الإيمان وفريق قالوا ليس شيء من الصلاة إيمانا. وقد فارق هو الفريقين فزعم أن الصلاة ليست من الإيمان وترك الكبائر فيها من الإيمان

الفضيحة العشرون من فضائحه قوله في باب المعاد بأن العقارب والحيات والخنافس والذباب والذبان والجعلان والكلاب والخنازير وسائر السباع والحشرات تحشر إلى الجنة وزعم أن كل من وكل ما تفضل الله عليه بالجنة لا يكون لبعضهم على بعض درجة في التفضيل وزعم أنه ليس لإبراهيم بن رسول الله في الجنة تفضيل درجة على درجات أطفال المؤمنين ولا لأطفال المؤمنين فيها تفضيل بدرجة أو نعمة أو مرتبة على الحيات والعقارب والخنافس لأنه لا عمل لهم كما لا عمل لها فحجر على رب العالمين أن يتفضل على أولاد الأنبياء بزيادة نعمة لا يتفضل بمثلها على الحشرات، ثم لم يرض بهذا الحجر حتى زعم أنه لا يقدر على ذلك وزعم أيضا أنه لا يتفضل على الأنبياء عليهم السلام إلا بمثل ما يتفضل به على البهائم لأن باب الفضل عنده لا يختلف فيه العالمون وغيرهم وإنما يختلفون في الثواب والجزاء لاختلاف مراتبهم في الأعمال.

وينبغي للنظام على قول هذا الأصل أن لا يغضب على من قال له حشرك الله مع الكلاب والخنازير والحيات والعقارب إلى مأواها. ونحن ندعو له بهذا الدعاء رضي به لنفسه.

الفضيحة الحادية والعشرون من فضائحه أنه لما ابتدع ضلالاته في العلوم العقلية أدخل في أبواب الفقه أيضا ضلالات له لم يسبق إليها.

منها قوله إن الطلاق لا ينفع بشيء من الكنايات كقول الرجل لأمرأته أنت خلية أو برية أو حبلك على غاربك أو الحقي بأهلك أو اغتدى أو نحوها من كنايات الطلاق عند الفقهاء سواء نوى بها الطلاق أو لم ينوه.

وقد أجمع فقهاء الأمة على وقوع الطلاق بها إذا قارنتها نية الطلاق وقد قال فقهاء العراق إن كنايات الطلاق في حال الغضب كصريح الطلاق في وقوع الطلاق بهما من غير نية.

ومنها قوله في الظهار إن من ظاهر من أمرأته بذكر البطن أو الفرج لم يكن مظاهرا. وهذا فيه خلاف قول الأمة بأسرها.

والشأن في أنه كان يقول بتفسيق أبي موسى الأشعري في حكمه ثم اختار قوله في أن النوم لا ينقض الطهارة إذا لم يكن معها حدث على قول الجمهور الأعظم بأن النوم مضطجعا ينقض الوضوء وإنما اختلفوا في النوم قاعدا وراكعا وساجدا وسامح فيه أبو حنفية وأوجبه أكثر أصحاب الشافعي من طريق القياس.

ومنها أنه زعم أن من ترك صلاة مفروضة عمدا لم يصح قضاؤه لها ولم يجب عليه قضاؤها. وهذا عند سائر الأمة كفر ككفر من زعم أن الصلوات الخمس غير مفروضة. وفي فقهاء الأمة من قال فيمن فاتته صلاة مفروضة إنه يلزمه قضاء صلوات يوم وليلة وقال سعيد بن المسيب من ترك صلاة مفروضة حتى فات وقتها قضى ألف صلاة. وقد بلغ من تعظيم شأن الصلاة أن بعض الفقهاء أفتى بكفر من ينكرها عامدا وإن لم يستحل تركها كما ذهب إليه أحمد بن حنبل وقال الشافعي بوجوب قتل تاركها عمدا وإن لم يحكم بكفره إذا تركها كسلا لا استحلالا، وقال أبو حنيفة بحبس تارك الصلاة وتعذيبه إلى أن يصلي. وخلاف النظام للأمة في وجوب قضاء المتروكة من فرائض الصلاة بمنزلة خلاف الزنادقة في وجوب الصلاة ولا اعتبار بالخلافين.

ثم إن النظام مع ضلالاته التي حكيناها عنه طعن في أخبار الصحابة والتابعين من أجل فتاويهم بالاجتهاد. فذكر الجاحظ عنه في كتاب المعارف وفي كتابه المعروف بالفتيا أنه عاب أصحاب الحديث ورواياتهم أحاديث أبي هريرة وزعم أن أبا هريرة كان أكذب الناس وطعن في الفاروق عمر رضى عنه وزعم أنه شك يوم الحديبية في دينه وشك يوم وفاة النبي ﷺ وأنه كان فيمن نفر بالنبي عليه الصلاة والسلام ليلة العقبة وأنه ضرب فاطمة ومنع ميراث العترة، وأنكر عليه تغريب نصر بن الحجاج من المدينة إلى البصرة وزعم أنه أبدع صلاة التراويح ونهى عن متعة الحج وحرم نكاح الموالي للعربيات.

وعاب عثمان بإيوائه الحكم بن العاص إلى المدينة واستعماله الوليد بن عقبة على الكوفة حتى صلى بالناس وهو سكران. وعابه بأن أعان سعيد بن العاص بأربعين ألف درهم على نكاح عقده وزعم أنه استأثر بالحمى.

ثم ذكر عليا رضي الله عنه وزعم أنه سئل عن بقرة قتلت حمارا فقال أقول فيها برأيي. ثم قال بجهله: من هو حتى يقضي برأيه؟

وعاب ابن مسعود في قوله في حديث تزويج بروع بنت واشق: أقول فيها برأيي فإن كان صوابا فمن الله عز وجل وإن كان خطأ فمني. وكذبه في روايته عن النبي عليه السلام أنه قال: «السعيد من سعد في بطن أمه والشقي من شقي في بطن أمه» وكذبه أيضا في روايته انشقاق القمر وفي رواية الجن ليلة الجن.

فهذا قوله في أخيار الصحابة وفي أهل بيعة الرضوان الذين أنزل الله تعالى فيهم: {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة}. ومن غضب على من رضي الله عنه فهو المغضوب عليه دونه.

ثم إنه قال في كتابه إن الذين حكموا بالرأي من الصحابة إما أن يكونوا قد ظنوا أن ذلك جائر لهم وجهلوا تحريم الحكم بالرأي في الفتيا عليهم وإما أرادوا أن يذكروا بالخلاف وأن يكونوا رؤساء في المذاهب فاختاروا لذلك القول بالرأي فنسبهم إلى إبثار الهوى على الدين وما للصحابة رضي الله عنهم عند هذا الملحد الفرى ذنب غير أنهم كانوا موحدين لا يقولون بكفر القدرية الذين ادعوا مع الله خالقين كثيرين.

وإنما أنكر على ابن مسعود روايته أن «السعيد من سعد في بطن أمه والشقي من شقي في بطن أمه» لأن هذا خلاف قول القدرية في دعواها من السعادة والشقاوة ليستا من قضاء الله عز وجل وقدره.

وأما إنكاره انشقاق القمر فإنما كره منه ثبوت معجزة لنبينا عليه عليه السلام كما أنكر معجزته في نظم القرآن، فإن كان أحال انشقاق القمر مع ذكر الله عز وجل ذلك في القرآن مع قوله من طريق العقل فقد زعم أن جامع أجزاء القمر لا يقدر على تفريقها وإن أجاز انشقاق القمر في القدرة والإمكان فما الذي أوجب كذب ابن مسعود في روايته انشقاق القمر مع ذكر الله عز وجل ذلك في القرآن مع قوله: {اقتربت الساعة وانشق القمر وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر} فقول النظام بانشقاق القمر لم يكن أصلا شر من قول المشركين الذين قالوا لما رأوا انشقاقه زعموا أن ذلك واقع بسحر، ومنكر وجود المعجزة شر ممن تأولها على غير وجهها.

وأما إنكاره رؤية الجن أصلا لزمه أن لا يرى بعض الجن بعضا وإن أجاز رؤيتهم فما الذي أوجب تكذيب ابن مسعود في دعواه رؤيتهم.

ثم إن النظام مع ما حكيناه من ضلالاته كان أفسق خلق الله عز وجل وأجرأهم على الذنوب العظام وعلى إدمان شرب المسكر. وقد ذكر عبد الله بن مسلم بن قتيبة رحمه الله في كتاب مختلف الحديث أن النظام كان يغدو على مسكر ويروح على مسكر، وأنشد قوله في الخمر:

ما زلت آخذ روح الزق في لطف ** وأستبيح دما من غير مذبوح

حتى انتشيت ولي روحان في بدن ** والزق مطرح جسم بلا روح

ومثله في طعنه على أخبار الصحابة مع بدعته في أقواله وضلالته في أفعاله كما قيل في الأمثال السائرة إن من كان في دينه دميما وفي أصله لئيما لم يترك لنفسه عارا يهيما إلا نحله كريما واستباح به حريما، وهل يضر السحاب نباح الكلاب؟ وكما لا يضر السحاب نباح الكلاب كذلك لا يضر الأبرار ذم الأشرار. وما مثله في طعنه على أخيار الصحابة مع بدعته وضلالته إلا كما قال حسان بن ثابت:

ما أبالي أنبّ بالحزن تيسٌ ** أم لحاني بظهر غيب لئيم

وقال غيره:

ما ضرّ تغلب وائلٍ أهجوتها ** أم بلتَ حيث تناطح البحران

ذكر الأسوارية منهم

وهم أتباع علي الأسواري، وكان من أتباع أبي الهذيل، ثم انتقل إلى مذهب النظام، وزاد عليه في الضلالة بأن قال: إن ما علم الله أن لا يكون لم يكن مقدورا لله تعالى، وهذا القول منه يوجب أن تكون قدرة الله متناهية، ومن كان قدرته متناهية كان ذاته متناهية، والقول به كفر من قائله.

ذكر المعمرية منهم

وهم أتباع معمر بن عبّاد السلميّ، وكان رأسا للملحدة وذنَبا للقدرية. وفضائحه على الأعداد كثيرة الأمداد.

منها أنه كان يقول: إن الله تعالى لم يخلق شيئا من الأعراض من لون أو طعم، أو رائحة أو حياة أو موت أو سمع أو بصر، وإنه لم يخلق شيئا من صفات الأجسام. وهذا خلاف قوله تعالى: {قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ}، وخلاف قوله تعالى في صفة نفسه: {لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرض يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.

وكان يزعم أن الله إنما خلق الأجسام، ثم إن الأجسام أحدثت الأعراض باعتبار أن كل ما سبق من حياة وموت وسمع وبصر ولون وطعم ورائحة ما هو إلا عرض في الجسم من فعل الجسم بطبعه والأصوات عنده فعل الأجسام المصوبة بطباعها وفناء الجسم عنده فعل الجسم بطبعه وصلاح الزروع وفسادها من فعل الزروع عنده وزعم أيضا أن فناء كل فإن فعل له بطبعه وزعم أن ليس لله تعالى في الأعراض صنع ولا تقدير

وفي قوله إن الله تعالى لم يخلق حياة ولا موتا تكذيب منه لوصف الله سبحانه نفسه بأن يحيي ويميت. وكيف يحيي ويميت من لا يخلق حياة ولا موتا.

الفضيحة الثانية من فضائحه أنه لما زعم أن الله تعالى لم يخلق شيئا من الأعراض وأنكر مع ذلك صفات لله تعالى الأزلية كما أنكرها سائر المعتزلة لزمه على هذه البدعة أن لا يكون لله تعالى كلام إذ لم يمكنه أن يقول إن كلامه صفة له أزلية كما قال أهل السنة والجماعة لأنه لا يثبت لله تعالى صفة أزلية ولم يمكنه أن يقول إن كلامه فعله كما قاله سائر المعتزلة لأن الله سبحانه عنده لم يفعل شيئا من الأعراض والقرآن عنده فعل الجسم الذي حل الكلام فيه وليس هو فعلا لله تعالى ولا صفة له فليس يصح على أصله أن يكون له كلام على معنى الصفة ولا على معنى الفعل وإذا لم يكن له كلام لم يكن له أمر ونهى وتكليف وهذا يؤدي إلى رفع التكليف والى رفع أحكام الشريعة وما أراد غيره لأنه قال بما يؤدي إليه.

الفضيحة الثالثة من فضائحه دعواه أن كل نوع من الأعراض الموجودة في الأجسام لا نهاية لعدده وذلك أنه قال إذا كان المتحرك متحركا بحركة قامت به فتلك الحركة اختصت بمحله لمعنى سواها وذلك المعنى أيضا يختص بمحله لمعنى سواه وكذلك القول في اختصاص كل معنى بمحله لمعنى سواه لا إلى نهاية وكذلك اللون والطعم والرائحة وكل عرض يختص بمحله لمعنى سواه وذلك المعنى أيضا يختص بمحله لمعنى سواه لا إلى نهاية.

وحكى الكعبي عنه في مقالاته أن الحركة عنده إنما خالفت السكون لمعنى سواها وكذلك السكون خالف الحركة لمعنى سواه وإن هذين المعنيين مختلفان لمعنيين غيرهما ثم هذا القياس معتبر عنده لا إلى نهاية.

وفي هذا القول إلحاد من وجهين:

أحدهما قوله بحوادث لا نهاية لها وهذا يوجب وجود حوادث لا يحصيها الله تعالى وذلك عناد لقول الله تعالى: {وأحصى كل شيء عددا}.

والثاني إن قوله بحدوث أعراض لا نهاية لها يؤديه إلى القول بأن الجسم أقدر من الله لأن الله عنده أنه ما خلق غير الأجسام وهي محصورة عندنا وعنده والجسم إذا فعل عرضا فقد فعل عرضا فقد فعل معه مالا نهاية له من الأعراض ومن خلق ما لا نهاية له ينبغى أن يكون أقدر مما لا يخلق إلا متناهيا في العدد.

وقد اعتذر الكعبي عنه في مقالاته بأن قال إن معمرا كان يقول إن الإنسان لا فعل له غير الإرادة وسائر الأعراض أفعال الأجسام بالطباع.

فإن صحت هذه الرواية عنه لزمه أن يكون الطبع الذي نسب إليه فعل الأعراض أقوى من الله عز وجل لأن أفعال الله أجسام محصورة وأفعال الطباع أصناف من الأعراض كل صنف منها غير محصور العدد وعلى أن قول معمر بأعراض لا نهاية لها تطريق لأصحاب الظهور والكمون على المسلمين في حدوث الأعراض وذلك أن المسلمين استدلوا على حدوث الأعراض في الأجسام بتعاقب المتضادات منها على الأجسام وأنكر أصحاب الكمون والظهور حدوث الأعراض وزعموا أنها كلها موجودة في الأجسام فإذا ظهر في الجسم بعض الأعراض كمن فيه ضده وإذا كمن فيه العرض ظهر ضده فقال لهم المقصدون لو كمن العرض تارة وظهر تارة لكان ظهوره بعد الكمون وكمونه بعد الظهور لمعنى سواه وإلا افتقر ذلك المعنى في ظهوره وكمونه إلى معنى سواه لا إلى نهاية وإذا بطل اجتماع ما لا نهاية له من الأعراض في الجسم الواحد صح تعاقبها على الجسم من جهة حدوثها فيه لا من جهة الكمون والظهور وإذا قال معمر يجوز اجتماع مالا نهاية له من الأعراض في الجسم لم يصح له دفع أصحاب الكمون والظهور عن دعواهم وجود أعراض لا نهاية لها من اجناس الكمون والظهور في محل واحد وسوق هذا الأصل يؤدي إلى القول بقدم الأعراض وذلك كفر فما يؤدي إليه مثله.

الفضيحة الرابعة من فضائحه قوله في الإنسان إنه شيء غير هذا الجسد المحسوس وهو حي عالم قادر مختار وليس هو متحركا ولا ساكنا ولا متلونا ولا يرى ولا يلمس ولا يحل موضعا دون موضع ولا يحويه مكان دون مكان.

فإذا قيل له أتقول إن الإنسان في هذا الجسد أم في السماء أم في الأرض أم في الجنة أم في النار؟ قال: لا أطلق شيئا من ذلك ولكني أقول إنه في الجسد مدبر وفي الجنة منعم أو في النار معذب وليس هو في شيء من هذه الأشياء حالا ولا متمكنا لأنه ليس بطويل ولا عريض ولا عميق ولا ذي وزن. فوصف الإنسان بما يوصف به الإله سبحانه لأنه وصفه بأنه حي عالم قادر حكيم وهذه الأوصاف واجبة لله تعالى ثم نزه الإنسان عن أن يكون متحركا أو ساكنا أو حارا أو باردا أو رطبا أو يابسا أو ذا لون أو وزن أو طعم أو رائحة والله سبحانه منزه عن هذه الأوصاف وكما زعم أن الإنسان في الجسد مدبر له لا على معنى الحلول والتمكن فيه كذلك الإله عنده في كل مكان على معنى أن مدبر له عالم بما يجرى فيه لا على معنى الحلول والتمكن فيه فكأنه أراد أن يعبد الإنسان لوصفه إياه بما يوصف الإله به فلم يحسن على إظهار القول بذلك فقال بما يؤدي إليه. ثم إن هذا القول يوجب عليه أن لا يرى إنسان إنسانا ويوجب أن لا يكون الصحابة رأوا رسول الله ﷺ وكفاه بذلك خزيا.

الفضيحة الخامسة من فضائحه قوله بأن الله لا يجوز أن يقول فيه إنه قديم مع وصفه إياه بأنه موجود أزلي.

الفضيحة السادسة من فضائحه امتناعه عن القول بأن الله تعالى يعلم نفسه لا من شرط المعلوم عنده أن يكون غير العالم به وهذا يبطل عليه بذكر الذاكر نفسه لأنه إذا جاز أن يذكر الذاكر نفسه جاز أن يعلم العالم نفسه. وقد افتخر الكعبي في مقالاته بأن معمرا من شيوخه في الاعتزال ومن افتخر بمثله وهبناه منه وتمثلنا بقول الشاعر:

هل مشتر والسعيد بايعه ** هل بائع والسعيد من وهبا

ذكر البشرية منهم

هؤلاء أتباع بشر بن المعتمر وقال أخوانه من القدرية بتكفيره في أمور هو فيها مصيب عند القدرية.

فمما كفرته القدرية فيه قوله بأن الله تعالى قادر على لطف لو فعله بالكافر لآمن طوعا.

وكفروه أيضا في قوله بأن الله تعالى لو خلق العقلاء ابتداء في الجنة وتفضل عليهم بذلك لكان ذلك أصلح لهم.

وكفروه أيضا بقوله إن الله لو علم من عبد أنه لو أبقاه لآمن كان إبقاؤه إياه أصلح له من أن يميته كافرا.

وكفروه أيضا بقوله إن الله تعالى لم يزل مريدا.

وفي قوله إن الله تعالى إذا علم حدوث شيء من أفعال العباد ولم يمنع منه فقد أراد حدوثه.

والحق في هذه المسائل الخمس التي كفرت المعتزلة البصرية فيها بشرا مع بشر، والمكفرون له فيها هم الكفرة. ونحن نكفر بشرا في أمور سواها كل واحد منها بدعة شنعاء.

أولها قول بشر بأن الله تعالى ما والى مؤمنا في حال إيمانه ولا عادى كافرا في حال كفره.

ويجب تكفيره في هذا على قول جميع الأمة. أما على قول أصحابنا فلأنا نقول إن الله تعالى لم يزل مواليا لمن علم أنه يكون وليا له إذا وجد ومعاديا لمن علم إذا وجد كفر ومات على كفره يكون معاديا له قبل كفره وفي حال كفره وبعد موته وأما على أصول المعتزلة غير بشر فلأنهم قالوا إن الله لم يكن مواليا لأحد قبل وجود الطاعة منه فكان في حال وجود طاعته مواليا له وكان معاديا للكافر في حال وجود الكفر منه فإن ارتد المؤمن صار الله تعالى معاديا له بعد أن كان مواليا له عندهم.

وزعم بشر أن الله تعالى لا يكون مواليا للمطيع في حال وجود طاعته ولا معاديا للكافر في حال وجود كفره وإنما يوالي المطيع في الحالة الثانية من وجود طاعته ويعادي الكافر في الحالة الثانية من وجود كفره واستدل على ذلك بأن قال لو جاز أن يوالي المطيع في حال طاعته وجاز أن يعادي الكافر في حال وجود كفره لجاز أن يثيب المطيع في حال طاعته ويعاقب الكافر في حال كفره فقال أصحابنا لو فعل ذلك لجاز فقال لو جاز ذلك لجاز أن يمسخ الكافر في حال كفره فقلنا له لو فعل ذلك لجاز.

الفضيحة الثانية من فضائح بشر إفراطه بالقول في التولد حتى زعم أنه يصح من الإنسان أن يفعل الألوان والطعوم والروائح والرؤية والسمع وسائر الإدراكات على سبيل التولد إذا فعل أسبابها وكذلك قوله في الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة.

وقد كفره أصحابنا وسائر المعتزلة في دعواه أن الإنسان قد يخترع الألوان والطعوم والروائح والإدراكات.

الفضيحة الثالثة من فضائحه قوله بأن الله تعالى قد يغفر للإنسان ذنوبه ثم يعود فيما غفر له فيعذبه عليه إذا عاد إلى معصيته فسئل على هذا عن كافر تاب عن كفره ثم شرب الخمر بعد توبته عن كفره من غير استحلال منه للخمر وغامضه الموت قبل توبته عن شرب الخمر هل يعذبه الله تعالى في القيمة على الكفر الذي قد تاب منه فقال نعم فقيل له يجب على هذا أن يكون عذاب من هو على ملة الإسلام مثل عذاب الكافر فالتزم ذلك.

الفضيحة الرابعة من فضائحه قوله بأن الله تعالى يقدر على أن يعذب الطفل ظالما له في تعذيبه إياه فإنه لو فعل ذلك لكان الطفل بالغا عاقلا مستحقا للعذاب.

وهذا في التقدير كأنه يقول إن الله تعالى قادر على أن يظلم ولو ظلم لكان بذلك الظلم عادلا. وأول هذا الكلام ينقض آخره. وأصحابنا يقولون إن الله تعالى قادر على تعذيب الطفل ولو فعل ذلك كان عدلا منه فلا يناقض قولهم في هذا الباب. وقول بشر فيه متناقض.

الفضيحة الخامسة من فضائحه قوله بأن الحركة تحصل وليس بالجسم في المكان الأول ولا في المكان الثاني ولكن الجسم يتحرك به من الأول إلى الثاني.

وهذا قول غير معقول في نفسه واختلف المتكلمون قبله في الحركة هل هو معنى أم لا فنفاها بقاة الأعراض واختلف الذين أثبتوا الأعراض في وقت وجود الحركة فمنهم من زعم أنها توجد في الجسم وهو في المكان الأولى فينتقل بها عن الأول إلى الثاني وبه قال النظام وأبو شمر الممرجئ ومنهم من قال إن الحركة تحصل في الجسم وهو في المكان الثاني لأنها أول كون في المكان الثاني وهذا قول أبي الهذيل والجبائي وابنه أبي هاشم وبه قال شيخنا أبو الحسن الأشعري رحمه الله: ومنهم من قال إن الحركة كونان في مكانين أحدهما يوجد في المتحرك وهو في المكان الأول والثاني يوجد فيه وهو في المكان الثاني وهذا قول الراوندي وبه قال شيخنا أبو العباس القلانسي وقد خرج قول بشر بن المعتمر عن هذه الأقوال بدعواه أن الحركة تحصل وليس الجسم في المكان الأول ولا في الثاني مع علمنا بأنه لا واسطة بين حالى كونه في المكان الأول وكونه في المكان الثاني وقوله هذا غير معقول له فكيف يكون معقولا لغيره؟.

ذكر الهشامية منهم

هؤلاء أتباع هشام بن عمرو القوطي وفضائحه بعد ضلالته بالقدر تترى.

منها أنه حرم على الناس أن يقولوا حسبنا الله ونعم الوكيل من جهة تسميته بالوكيل وقد نطق القرآن بهذا الاسم لله تعالى وذكر ذلك في السنة الواردة في تسعة وتسعين اسما من الله تعالى. فإذا لم يجز إطلاق هذا الاسم على الله تعالى مع نزول القرآن به ومع ورود السنة الصحيحة به فأي اسم بعده يطلق عليه.

وقد كان أصحابنا يتعجبون من المعتزلة البصرية في إطلاقها على الله عز وجل من الأسماء ما لم يذكر في القرآن والسنة إذا دل عليه القياس وزاد هذا التعجب بمنع القوطي عن إطلاق الله تعالى بما قد نطق به القرآن والسنة.

واعتذر الخياط عن القوطي بأن قال إن هشاما كان يقول حسبنا الله ونعم المتوكل بدلا من الوكيل وزعم أن وكيلا يقتضي موكلا فوقه وهذا من علامات جهل هشام والمعتذر عنه بمعاني الأسماء في اللغة. وذلك أن الوكيل في اللغة بمعنى الكافي لأنه يكفي موكله أمر ما وكله فيه، وهذا معنى قولهم حسبنا الله ونعم الوكيل ومعنى حسبنا كافينا وواجب أن يكون ما بعد نعم موافقا لما قبله كقول القائل الله رازقنا ونعم الرازق ولا يقال الله رازقنا ونعم الغافر ولأن الله تعالى قال: {ومن يتوكل على الله فهو حسبه} أى كافيه. وقد يكون الوكيل أيضا بمعنى الحفيظ ومنه قوله تعالى: {قل لست عليكم بوكيل} أي حفيظ ويقال في نقيض الحفيظ رجل وكل ووكل اي بليد والوكال البلادة وإذا كان الوكيل بمعنى الحفيظ وكان الله عز وجل كافيا وحفيظا لم يكن للمنع من إطلاق الوكيل في أسمائه معنى.

والعجب من هشام في أنه أجاز أن يكتب لله عز وجل هذا الاسم وأن يقرأ به القرآن ولم يجز أن يدعى به في غير قراءة القرآن.

الفضيحة الثانية من فضائح القوطي امتناعه من إطلاق كثير مما نطق به القرآن فمنع الناس من أن يقولوا أن الله تعالى عز وجل ألف بين قلوب المؤمنين وأضل الفاسقين وهذا عناد منه لقول الله عز وجل {وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم} ولقوله تعالى {ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء} وقوله {وما يضل به إلا الفاسقين}. ومنع أن يقول في القرآن أنه عمى على الكافرين.

ووافقه صاحبه عباد بن سليمان العمري في هذه الضلالة فمنع الناس أن يقولوا إن الله تعالى خلق الكافر لأن الكافر اسم لشيئين إنسان وكفره وهو غير خالق لكفره عنده ويلزمه على هذا القياس أن لا يقول إن الله تعالى خلق المؤمن لأن المؤمن اسم لشيئين إنسان وإيمان والله عنده غير خالق لإيمانه ويلزمه على قياس هذا الأصل أن لا يقول إن أحدا قتل كافرا أو ضربه لأن الكافر اسم للإنسان وكفره والكفر لا يكون مقتولا ولا مضروبا.

ومنع عباد من أن يقال إن الله تعالى ثالث كل اثنين ورابع كل ثلاثة، وهذا عناد منه لقول الله عز وجل: {ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم}.

وكان يمنع أن يقال إن الله عز وجل أملى للكافرين وفي هذا عناد منه لقوله عز وجل {إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين}. فإن كان عباد قد أخذ هذه الضلالة عن أستاذه هشام فالعصا من العصية ولن تلد الحية إلا الحية وإن انفرد بها دونه فقد قاس التلميذ ما منع من إطلافه على ما منع أستاذه من إطلاق اسم الوكيل والكفيل على الله تعالى.

الفضيحة الثالثة من فضائح القوطي قوله بأن الأعراض لا يدل شيء منها على الله تعالى وكذلك قال صاحبه عباد وزعما أن فلق البحر وقلب العصا حية وانشقاق القمر ونجى السحر والمشى على الماء لا يدل شيء من ذلك على صدق الرسول في دعواه الرسالة.

وزعم القوطي أن الدليل على الله تعالى يجب أن يكون محسوسا والأجسام محسوسة فهى الأدلة على الله تعالى وهي أعراض معلوم بدلائل نظرية فلو دلت على الله تعالى لاحتاج كل دليل منها إلى دليل سواه لا إلى نهاية.

فقيل له يلزمك على هذا الاستدلال أن تقول إن الأعراض لا تدل على شيء من الأشياء ولا على حكم من الأحكام لأنها لو دلت على شيء أو على حكم لاحتاجت في دلالتها على مدلولها إلى دلالة على صحة دلالتها عليه واحتاج كل دليل إلى دليل لا إلى نهاية.

فإن صار إلى أن الأعراض لا تدل على شيء ولا على حكم صار إلى إبطال دلالة كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ على الحلال والحرام والوعد والوعيد.

على أن من الأعراض ما يعلم وجوده بالضرورة كالألوان والطعوم والروائح والحركة والسكون فيلزمه أن تكون هذه الأعراض المعلومة بالضرورة دلالة على الله سبحانه لأنها محسوسة كما دلت الأجسام عليه لأنها محسوسة فإن قال إن الأعراض غير محسوسة لأن نفاة الأعراض قد أنكروا وجودها قيل فالنجارية والضرارية قد أنكروا وجود جسم لا يكون عرضا لدعواهم أن الأجسام أعراض مجتمعة فيجب على قياس قولك أن لا تكون الأجسام معلومة بالضرورة وأن لا تدل عليه سبحانه.

الفضيحة الرابعة من فضائح القوطي قوله بالمقطوع والموصول وذلك قوله لو أن رجلا أسبغ الوضوء وافتتح الصلاة متقربا بها إلى الله سبحانه عازما على إتمامها ثم قرأ فركع فسجد مخلصا لله تعالى في ذلك كله غير أنه قطعها في آخرها أن أول صلاته وآخرها معصية قد نهاه الله تعالى عنها وحرمها عليه وليس له سبيل قبل دخوله فيها إلى العلم بأنها معصية فيجتنبها.

واجتمعت الأمة قبله على أن ما مضى منها كانت طاعة لله تعالى وإن لم تكن صلاة كاملة كما لو مات فيها كان الماضي منها طاعة وإن لم تكن صلاة كاملة.

الفضيحة الخامسة من فضائحه إنكاره حصار عثمان وقتله بالغلبة والقهر وزعم أن شرذمة قليلة قتلوه غرة من غير حصار مشهور. ومنكر حصار عثمان مع تواتر الأخبار به كمنكر وقعتي بدر وأحد مع تواتر الأخبار بهما وكمنكر المعجزات التي تواترت الأخبار بها.

الفضيحة السادسة من فضائحه قوله في باب الأمة إن الأمة إذا اجتمعت كلمتها وتركت الظلم والفساد احتاجت إلى إمام بسوسها وإذا عصت وفجرت وقتلت إمامها لم تعقد الإمامة لأحد في تلك الحال.

وإنما أراد الطعن في إمامة علي لأنها عقدت له في حال الفتنة وبعد قتل إمام قبله. وهذا قريب من قول الأصم منهم إن الإمامة لا تنعقد إلا بإجماع عليه. وإنما قصد بهذا الطعن في إمامة علي رضي الله عنه لأن الأمة لم تجتمع عليه لثبوت أهل الشام على خلافه إلى أن مات فأنكر إمامة علي مع قوله بإمامة معاوية لاجتماع الناس عليه بعد قتل علي رضي الله عنه.

وقرت عيون الرافضة المائلين إلى الاعتزال بطعن شيوخ المعتزلة في إمامة علي، وبعد شك زعيمهم واصل في شهادة علي وأصحابه.

الفضيحة السابعة من فضائح القوطي قوله بتكفير من قال إن الجنة والنار مخلوقتان. وأخلافه من المعتزلة شكوا في وجودها اليوم ولم يقولوا بتكفير من قال إنهما مخلوقتان. والمثبتون لخلقهما يكفرون من أنكرهما ويقسمون بالله تعالى أن من أنكرهما لا يدخل الجنة ولا ينجو من النار.

الفضيحة الثامنة من فضائحه إنكاره افتضاض الأبكار في الجنة. ومن أنكر ذلك يحرم ذلك بل يحرم عليه دخول الجنة فضلا عن افتضاض الأبكار فيها.

وكان القوطي مع ضلالاته التي حكيناها عنه يرى قتل مخالفيه في السر غيلة وإن كانوا من أهل ملة الإسلام.

فماذا على أهل السنة إذا قالوا في هذا القوطي وأتباعه إن دماءهم وأموالهم حلال للمسلمين وفيه الخمس وليس على قاتل الواحد منهم قود ولا دية ولا كفارة بل لقاتله عند الله تعالى القربى والزلفى. والحمد لله على ذلك.

ذكر المردادية منهم

هؤلاء أتباع عيسى بن صبيح المعروف بأبي موسى المردار وكان يقال له راهب المعتزلة وهذا اللقب لائق به أن كان المراد به مأخوذا من رهبانية النصارى ولقبه بالمردار لائق به أيضا وهو في الجملة كما قيل:

وقل ما أبصرت عيناك من رجل إلا ومعناه إن فكرت في لقبه

وكان هذا المردار يزعم أن الناس قادرون على أن يأتوا بمثل هذا القرآن وبما هو أفصح منه كما قاله النظام.

وفي هذا عناد منهما لقول الله عز وجل: {قل لئن اجتمعت الانس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا}.

وكان المردار مع ضلالته يقول بتكفير من لابس السلطان ويزعم أنه لا يرث ولا يورث.

وكان أسلافه من المعتزلة يقولون فيمن لابس السلطان من موافقيهم في القدر والاعتزال إنه فاسق لا مؤمن ولا كافر وافتى المردار بأنه كافر.

والعجب من سلطان زمانه كيف ترك قتله مع تكفيره إياه وتكفير من خالطه.

وكان يزعم أيضا أن الله قادر على أن يظلم ويكذب ولو فعل مقدوره من الظلم والكذب لكان إلها ظالما كاذبا.

وحكى أبو زفر عن المردار أنه أجاز وقوع فعل واحد من فاعلين مخلوقين على سبيل التولد مع إنكاره على أهل السنة ما أجازوه من وقوع فعل من فاعلين أحدهما خالق والآخر مكتسب.

وزعم المردار أيضا أن من أجاز رؤية الله تعالى بالأبصار بلا كيف فهو كافر والشاك في كفره كافر وكذلك الشاك في الشاك لا إلى نهاية. والباقون من المعتزلة إنما قالوا بتكفير من أجاز الرؤية على جهة المقابلة أو على اتصال شعاع بصر الرائي بالمرئي. والذين أثبتوا الرؤية مجمعون على تكفير المردار وتكفير الشاك في كفره. وقد حكت المعتزلة عن المردار أنه لما حضرته الوفاة أوصى أن يتصدق بماله ولا يدفع شيء منه إلى ورثته.

وقد اعتذر أبو الحسين الخياط عن ذلك بأن قال كان في ماله شبه وكان للمساكين فيه حق. وقد وصفه في هذا الاعتذار بأنه كان غاصبا وخائنا للمساكين والغاصب عند المعتزلة فاسق مخلد في النار. وقد أكفره سائر المعتزلة في قوله بتولد فعل واحد من فاعلين. وقد أكفر هو أبا الهذيل في قوله بفناء مقدورات الله عز وجل وصنف فيه كتابا، وأكفر أستاذه بشر بن المعتمر في قوله بتوليد الألوان والطعوم والروائح والإدراكات، وأكفر النظام في قوله بأن المتولدات من فعل الله وقال: يلزمه أن يكون قول النصارى المسيح ابن الله من فعل الله.

فهذا راهب المعتزلة قد قال بتكفير شيوخه وقال شيوخه بتكفيره. وكلا الفريقين محق في تكفير صاحبه.

ذكر الجعفرية منهم

هؤلاء أتباع جعفر ابن أحدهما جعفر ابن حرب والآخر جعفر بن مبشر وكلاهما للضلالة رأس وللجهالة أساس.

أما جعفر بن مبشر فإنه زعم أن في فساق هذه الأمة من هو شر من اليهود والنصارى والمجوس والزنادقة؛ هذا مع قوله بأن الفاسق موحد وليس بمؤمن ولا كافر. فجعل الموحد الذي ليس بكافر شرا من الثنوي الكافر.

وأقل ما نقابل به على هذا القول أن نقول له إنك عندنا شر من كل كافر على جديد الأرض.

وزعم أيضا أن إجماع الصحابة على ضرب شارب الخمر الحد وقع خطأ لأنهم أجمعوا عليه برأيهم. فشارك ببدعته هذه نجدات الخوارج في إنكارها حد الخمر. وقد أجمع فقهاء الأمة على تكفير من أنكر حد الخمر النيء وإنما اختلفوا في حد شارب النبيذ إذا لم يسكر منه؛ فأما إذا سكر منه فعليه الحد عند فريقي الرأي والحديث على رغم من أنكر ذلك.

وزعم ابن مبشر أيضا أن من سرق حبة أو ما دونها فهو فاسق مخلد في النار، وخالف بذلك أسلافه الذين قالوا بغفران الصغائر عند اجتناب الكبائر.

وزعم أيضا أن تأييد المذنبين في النار من موجبات العقول، وخالف بذلك أسلافه الذين قالوا إن ذلك معلوم بالشرع دون العقل.

وزعم أيضا أن رجلا لو بعث إلى امرأة يخطبها ليتزوجها وجاءته المرأة فوثب عليها فوطئها من غير عقد أنه لا حد عليها لأنها جاءته على سبيل النكاح وأوجب الحد على الرجل لأنه قصد الزنى. ولم يعلم هذا الجاهل أن المطاوعة للزاني زانية إذا لم تكن مكرهة، وإنما اختلف الفقهاء فيمن أكره امرأة على الزنى فمنهم من أوجب للمرأة مهرا وأوجب على الرجل حدا وبه قال الشافعي وفقهاء الحجاز، ومنهم من أسقط الحد على الرجل لأجل وجوب المهر عليه. ولم يقل أحد من سلف الأمة بسقوط الحد عن المطاوعة للزاني كما قاله ابن مبشر، وكفاه بخلاف الإجماع خزيا.

وأما جعفر بن حرب فإنه جرى على ضلالات أستاذه المردار وزاد عليه قوله بأن بعض الجملة غير الجملة وهذا يوجب عليه أن تكون الجملة غير نفسها إذ كان كل بعض منها غيرها.

وكان يزعم أن الممنوع من العقل قادر على العقل وليس يقدر على شيء. وهكذا حكى عنه الشعبي في مقالاته. ويلزمه على هذا الأصل أن يجيز كون العالم بشيء ليس غير عالم به.

قال عبد القاهر: لابن حرب كتاب في بيان ضلالاته وقد نقضنا عليه وسمينا نقضنا عليه بكتاب الحرب على ابن حرب، وفيه نقض أصوله وفصوله بحمد الله ومنه.

ذكر الإسكافية منهم

هؤلاء أتباع محمد بن عبد الله الإسكافي وكان قد أخذ ضلالته في القدر عن جعفر بن حرب ثم خالفه في بعض فروعه وزعم أن الله تعالى يوصف بالقدرة على ظلم الأطفال والمجانين ولا يوصف بالقدرة على ظلم العقلاء فخرج عن قول النظام بأنه لا يقدر على الظلم والكذب وخرج عن قول من قال من أسلافه أنه يقدر على الظلم والكذب ولكنه لا يفعلهما لعلمه بقبحهما وغناه عنهما وجعل بين القولين منزلة فزعم أنه إنما يقدر على ظلم من لا عقل له ولا يقدر على ظلم العقلاء وأكفره أسلافه في ذلك وأكفرهم هو في خلافه.

ومن تدقيقه في ضلالته قوله بأنه يجوز أن يقال إن الله يكلم العباد ولا يجوز أن يقال إنه يتكلم وسماه مكلما ولم يسمه متكلما وزعم أن متكلما يوهم أن الكلام قام به ومكلم لا يوهم ذلك كما أن متحركا يقتضي قيام الحركة به ومتكلما يقتضي قيام الكلام به فصحيح عندنا وكلام الله تعالى عندنا قائم به وأما أسلافه من القدرية فإنهم يقولون له أن اعتلالك هذا يوجب عليك أن يكون المتكلم من بدن الإنسان لسانه فحسب لأن الكلام عندك يحل فيه بل يوجب عليك احالة اجراء اسم المتكلم على شيء لأن الكلام عندك وعند سائر المعتزلة له حروف ولا يصح أن يكون حرف واحد كلاما ومحل كل حرف من حروف الكلام غير محل الحرف الآخر فيعنى على اعتلالك أن لا يكون الإنسان متكلما ولا جزء منه على قود اعتلالك أن الله تعالى لم يكن متكلما لأن الكلام لا يقوم به عندك.

وقد فخم بعض المعتزلة من الإسكافي بأن زعم أن محمد بن الحسن رآه ماشيا فنزل عن فرسه. وهذا كذب من قائله لأن الإسكافي لم يكن في زمان محمد بن الحسن ومات محمد بن الحسن بالري في خلافة هرون الرشيد ولم يدرك الإسكافي زمان الرشيد، ولو أدرك زمان محمد لم يكن محمد ينزل لمثله عن فرسه مع تكفيره إياه. وقد روى هشام بن عبيد الله الرازي عن محمد بن الحسن أن من صلى خلف المعتزلى يعيد صلاته وروى هشام أيضا عن يحيى ابن اكثم عن أبي يوسف أنه سئل عن المعتزلة فقال: هم الزنادقة. وقد أشار الشافعي في كتاب القياس إلى رجوعه عن قبول شهادة المعتزلة وأهل الأهواء. وبه قال مالك وفقهاء المدينة. فكيف يصح من أئمة الإسلام اكرام القدرية بالنزول لهم مع قولهم بتكفيرهم؟

ذكر الثمامية منهم

هؤلاء أتباع ثمامة بن أشرس النميري من مواليهم وكان زعيم القدرية في زمان المأمون والمعتصم والواثق وقيل إنه هو الذي أغوى المأمون بأن دعاه إلى الاعتزال.

وانفرد عن سائر أسلاف المعتزلة ببدعتين أكفرته الأمة كلها فيها:

إحداهما أنه لما شاركه أصحاب المعارف في دعواهم أن المعارف ضرورية زعم أن من لم يضطره الله تعالى إلى معرفته لم يكن مأمورا بالمعرفة ولا منهيا عن الكفر وكان مخلوقا للسحرة والاعتبارية فحسب كسائر الحيوانات التي ليست بمكلفة. وزعم لأجل ذلك أن عوام الدهرية والنصارى والزنادقة يصيرون في الآخرة ترابا. وزعم أن الآخرة إنما هي دار ثواب أو عقاب وليس فيها لمن مات طفلا ولا لمن يعرف الله تعالى بالضرورة طاعة يستحقون بها ثوابا ولا معصية يستحقون عليها عقابا فيصيرون حينئذ ترابا إذ لم يكن لهم حظ في ثواب ولا عقاب.

والبدعة الثانية من بدع ثمامة قوله بأن الأفعال المتولدة أفعال لا فاعل لها. وهذه الضلالة تجر إلى إنكار صانع العالم لأنه لو صح وجود فعل بلا فاعل لصح وجود كل فعل بلا فاعل ولم يكن حينئذ من الأفعال دلالة على فاعلها ولا كان في حدوث العالم دلالة على صانعه، كما لو أجاز إنسان وجود كتابة لا من كاتب ووجود منسوخ ومبني لا من بان أو ناسخ.

ويقال له إذا كان كلام الإنسان عندك متولدا ولا فاعل له عندك فلم تلوم الإنسان على كذبه وعلى كلمة الكفر وهو عندك غير فاعل للكذب ولا لكلمة الكفر؟

ومن فضائح ثمامة أيضا أنه كان يقول في دار الإسلام أنها دار شرك وكان يحرم السبي لأن المسبي عنده ما عصى ربه إذا لم يعرفه وإنما العاصي عنده من عرف ربه بالضرورة ثم جحده أو عصاه.

وفي هذا إقرار منه على نفسه بأنه ولد زنى لأنه كان من الموالي وكانت أمه مسبية ووطء من لا يجوز سبيها على حكم السبي الحرام زنى والمولود منه ولد زنى. فبدعة ثمامة على هذا التقدير لائقة بنسبه.

وقد حكى أصحاب التواريخ عن سخافة ثمامة ومجونه أمورا عجيبة:

منها ما ذكره عبد الله بن مسلم عن قتيبة في كتاب مختلف الحديث ذكر فيه أن ثمامة بن أشرس رأى الناس يوم جمعة يتعادون إلى المسجد الجامع لخوفهم فوت الصلاة فقال لرفيق له: انظر إلى هؤلاء الحمير والبقر، ثم قال: ماذا صنع ذاك العربي بالناس؟ يعنى رسول الله ﷺ.

وحكى الجاحظ في كتاب المضاحك أن المأمون ركب يوما فرأى ثمامة سكران قد وقع في الطين فقال له ثمامة قال أي والله قال ألا تستحي قال لا والله قال عليك لعنة الله قال تترى ثم تترى.

وذكر الجاحظ أيضا أن غلام ثمامة قال يوما لثمامة قم صل فتغافل فقال له: قد ضاق الوقت فقم وصل واسترح، فقال: أنا مستريح إن تركتني.

وذكر صاحب تاريخ المراوزة أن ثمامة بن أشرس سعى إلى الواثق بأحمد بن نصر المروزي وذكر له أن يكفر من ينكر رؤية الله تعالى ومن يقول يخلق القرآن فاعتصم من بدعة القدرية فقتله ثم ندم على قتله وعاتب ثمامة وابن داوود وابن الزيات في ذلك وكانوا قد أشاروا عليه بقتله فقال له ابن الزيات وإن لم يكن قتله صوابا فقتلني الله تعالى بين الماء والنار وقال ابن أبي دواد حبسني الله تعالى في جلدي إن لم يكن قتله صوابا وقال ثمامة سلط الله تعالى علي السيوف إن لم تكن أنت مصيبا في قتله. فاستجاب الله تعالى دعاء كل واحد منهم في نفسه، أما ابن الزيات فإنه قتل في الحمام وسقط في أثوابه فمات بين الماء والنار، وأما ابن أبي دواد فإن المتوكل رحمة الله حبسه فأصابه في حبسه الفالج فبقي في جلده محبوسا بالفالج إلى أن مات، وأما ثمامة فإنه خرج إلى مكة فرآه الخزاعيون بين الصفا والمروه فنادى رجل منهم فقال: يا آل خزاعة هذا الذي سعى بصاحبكم أحمد بن فهر وسعى في دمه فاجتمع عليه بنو خزاعة بسيوفهم حتى قتلوه ثم أخرجوا جيفته من الحرم فأكلته السباع خارجا من الحرم فكان كما قال الله تعالى: {فذاقت وبال أمرها وكان عاقبة أمرها خسرا}.

ذكر الجاحظية منهم

هؤلاء أتباع عمرو بن يحيى الجاحظ وهم الذين اغتروا بحسن بذله. هكذا الجاحظ في كتبه التي لها ترجمة تروق بلا معنى واسم يهول. ولو عرفوا جهالاته في ضلالاته لاستغفروا لله تعالى من تسميتهم إياه إنسانا فضلا عن أن ينسبوا إليه إحسانا.

فمن ضلالاته المنسوبة إليه ما حكاه الكعبي عنه في مقالاته مع افتخاره به من قوله إن المعارف كلها طباع وهي مع ذلك فعل للعباد وليست باختيار لهم.

قالوا: ووافق ثمامة في أن لا فعل للعباد إلا الإرادة وإن سائر الأفعال تنسب إلى العباد على معنى أنها وقعت منهم طباعا وأنها وجبت بإرادتهم.

قال وزعم أيضا أنه لا يجوز أن يبلغ أحد فلا يعرف الله تعالى، والكفار عنده من معاند ومن عارف قد استغرقه حبه لمذهبه فهو لا يشكر بما عنده من المعرفة بخالقه وبصدق رسله.

فإن صدق الكعبي على الجاحظ في أن لا فعل للإنسان إلا الإرادة لزمه أن لا يكون الإنسان مصليا ولا صائما ولا حاجا ولا زانيا ولا سارقا ولا قاذفا ولا قاتلا لأنه لم يفعل عنده صلاة ولا صوما ولا حجا ولا زنى ولا سرقة ولا قتلا ولا قذفا لأن هذه الأفعال عنده غير الإرادة.

وإذا كانت هذه الأفعال التي ذكرناها عنده طباعا لا كسبا لزمه أن لا يكون للإنسان عليها ثواب ولا عقاب لأن الإنسان لا يثاب ولا يعاقب على ما لا يكون كسبا له كما لا يثاب ولا يعاقب على لونه وتركيب بدنه إذا لم يكن ذلك من كسبه.

ومن فضائح الجاحظ أيضا قوله باستحالة عدم الأجسام بعد حدوثها وهذا يوجب القول بأن الله سبحانه وتعالى يقدر على خلق شيء ولا يقدر على افنائه وأنه لا يصح بقاؤه بعد أن خلق الخلق منفردا كما كان منفردا قبل أن خلق الخلق.

ونحن وإن قلنا إن الله لا يفني الجنة ونعيمها والنار وعذابها ولسنا نجعل ذلك بأن الله عز وجل قادر على إفناء ذلك كله وإنما نقول بدوام الجنة والنار بطريق الخبر.

ومن فضائح الجاحظ أيضا قوله بأن الله لا يدخل النار أحدا وإنما النار تجذب أهلها إلى نفسها بطبعها ثم تمسكهم في نفسها على الخلود.

ويلزمه على هذا القول أن يقول في الجنة إنها تجذب أهلها إلى نفسها بطبعها وإن الله لا يدخل أحدا الجنة فإن قال بذلك قطع الرغبة إلى الله في الثواب وأبطل فائدة الدعاء وإن قال ان الله تعالى هو يدخل أهل الجنة الجنة لزمه القول بأن يدخل النار أهلها.

وقد افتخر الكعبي بالجاحظ وزعم أنه من شيوخ المعتزلة وافتخر بتصانيفه الكثيرة وزعم أنه كناني من بني كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر.

فيقال له: إن كان كنانيا كما زعمت فلم صنفت كتاب مفاخر القحطانية على الكنانية وسائر العدنانية، وإن كان عربيا فلم صنف كتاب فضل الموالي على العرب وقد ذكر في كتابه المسمى بمفاخر قحطان على عدنان أشعارا كثيرة من هجاء القحطانية للعدنانية ومن رضي بهجو آبائه كمن هجا أباه وقد أحسن جحظة في هجاء ابن بسام الذي هجا أباه فقال:

من كان يهجو أباه فهجوه قد كفاه لو أنه من أبيه ما كان يهجو أباه

وأما كتبه المزخرفة فأصناف منها كتابة في حيل اللصوص وقد علم بها الفسقة وجوه السرقة، ومنها كتابه في عشر الصناعات وقد أفسد به على التجار سلعهم ومنها كتابه في النواميس وهو ذريعة للمحتالين يجتلبون بها ودائع الناس وأموالهم ومنها كتابه في الفتيا وهو مشحون بطعن أستاذه النظام على أعلام الصحابة ومنها كتبه في القحاب والكلاب واللاطة وفي حيل المكدين. ومعاني هذه الكتب لائقة به وبصفته وأسرته ومنها كتاب طبائع الحيوان وقد سلخ فيه معاني كتاب الحيوان لأرسطاطاليس وضم إليه ما ذكره المدائني من حكم العرب وأشعارها في منافع الحيوان ثم إنه شحن الكتاب بمناظرة بين الكلب والديك، والاشتغال بمثل هذه المناظرة يضيع الوقت بالغث. ومن افتخر بالجاحظ سلمناه إليه.

وقول أهل السنة في الجاحظ كقول الشاعر فيه:

لو يمسخ الخنزير مسخا ثانيا ** ما كان إلا دون قبح الجاحظ

رجل يتوب عن الجحيم بنفسه ** وهو القذى في كل طرف لاحظ

ذكر الشحامية منهم

هؤلاء أتباع أبي يعقوب الشحام وكان أستاذ الجبائي وضلالاته كضلالات الجبائي غير أنه أجاز كون مقدور واحد لقادرين وامتنع الجبائي وابنه من ذلك وقد ظن بعض أن الاغبياء قول الشحام كقول الصفاتية في مقدور لقادرين وبين القولين فرق واضح وذلك أن الشحام أجاز كون مقدور واحد لقادرين يصح أن يحدثه كل واحد منهما على البدل وكذلك حكاه الكعبي في كتاب عيون المسائل على أبي الهذيل والصفاتية لا يثبتون خالقين وإنما يجيزون كون مقدور واحد لقادرين أحدهما خالقه والآخر مكتسب له وليس الخالق مكتسبا ولا المكتسب خالقا وفي هذا بيان الفرق بين الفرقين على اختلاف الطريقين.

ذكر الخياطية منهم

هؤلاء أتباع أبي الحسين الخياط الذي كان أستاذ الكعبي في ضلالته وشارك الخياط سائر القدرية في أكثر ضلالاتها وانفرد عنهم بقول من لم يسبق إليه في المعدوم وذلك أن المعتزلة اختلفوا في تسمية المعدوم شيئا منهم من قال لا يصح أن يكون المعدوم معلوما ومذكورا ولا يصح كونه شيئا ولا ذاتا ولا جوهرا ولا عرضا وهذا اختيار الصالحي منهم وهو موافق لأهل السنة في المنع في تسمية المعدوم شيئا وزعم آخرون من المعتزلة أن المعدوم شيء ومعلوم ومذكور وليس بجوهر ولا عرض وهذا اختيار الكعبي منهم وزعم الجبائي ابنه أبو هاشم أن كل وصف يستحقه الحادث لنفسه أو لجنسه فإن الوصف ثابت له في حال عدمه وزعم أن الجوهر كان في حال عدمه جوهرا وكان العرض في حال عدمه عرضا وكان السواد سوادا والبياض بياضا في حال عدمهما وامتنع هؤلاء كلهم عن تسمية المعدوم جسما من قبل أن الجسم عندهم مركب وفيه تأليف وطول وعرض وعمق ولا يجوز وصف معدوم بما يوجب قيام معنى به.

وفارق الخياط في هذا الباب جميع المعتزلة وسائر فرق الأمة فزعم أن الجسم في حال عدمه يكون جسما لأنه يجوز أن يكون في حال حدوثه جسما ولم يجز أن يكون المعدوم متحركا لأن الجسم في حال حدوثه لا يصح أن يكون متحركا عنده فقال كل وصف يجوز ثبوته في حال الحدوث فهو ثابت له في حال عدمه.

ويلزمه على هذا الاعتلال أن يكون الإنسان قبل حدوثه إنسانا لأن الله تعالى لو أحدثه على صورة الإنسان بكمالها من غير نقل له في الأصلاب والأرحام ومن غير تغيير له من صورة إلى صورة أخرى يصح ذلك.

وكان هؤلاء الخياطية يقال لهم لمعدومية لافراطهم بوصفهم المعدوم بأكثر أوصاف الموجودات وهذا اللقب لائق بهم.

وقد نقض الجبائي على الخياط قوله بأن الجسم جسم قبل حدوثه في كتاب مفرد وذكر أن قوله بذلك يؤديه إلى القول بقدم الأجسام.

وهذا الإلزام متوجه على الخياط ويتوجه مثله على الجبائي وابنه في قولهما بأن الجواهر والأعراض كانت في حال العدم أعراضا وجواهر فإذا قالوا لم تزل أعيانا وجواهر وأعراضا ولم يكن حدوثها لمعنى سوى أعيانها فقد لزمهم القول بوجودها في الأزل وصاروا في تحقيق معنى قول الذين قالوا بقدم الجواهر والأعراض.

وكان الخياطي مع ضلالته في القدر وفي المعدومات منكر الحجة في أخبار الآحاد. وما أراد بإنكاره إلا إنكار أكثر أحكام الشريعة فإن أكثر فروض الفقه مبنية على أخبار من أخبار الآحاد.

وللكعبي عليه كتاب في حجة أخبار الاحاد وقد ضلل فيه من أنكر الحجة فيها وقلنا للكعبي يكفيك من الخزي والعار انتسابك إلى أستاذ تقر بضلالته.

ذكر الكعبية منهم

هؤلاء أتباع أبي القاسم عبد الله بن أحمد بن محمود البلخي المعروف بالكعبي. وكان حاطب ليل يدعي في أنواع العلوم على الخصوص والعموم ولم يحظ في شيء منها بأسراره ولم يحط بظاهره فضلا عن باطنه وخالف البصريين من المعتزلة في أحوال كثيرة منها أن البصريين منهم أقروا بأن الله تعالى يرى خلقه من الأجسام والألوان وأنكروا أن يرى نفسه كما أنكروا أن يراه غيره وزعم الكعبي أن الله تعالى لا يرى نفسه ولا غيره إلا على معنى علمه بنفسه وبغيره، وتبع النظام في قوله إن الله تعالى لا يرى شيئا في الحقيقة.

ومنها أن البصريين منهم مع أصحابنا في أن الله عز وجل سامع للكلام والأصوات على الحقيقة لا على معنى أنه عالم بهما وزعم الكعبي والبغداديون من المعتزلة أن الله تعالى لا يسمع شيئا على معنى الإدراك المسمى بالسمع وتأولوا وصفه بالسميع البصير على معنى أنه عليم بالمسموعات التي يسمعها غيره والمرئيات التي يراها غيره.

ومنها أن البصريين منهم مع أصحابنا في أن الله عز وجل مريد على الحقيقة غير أن أصحابنا قالوا إنه لم يزل مريدا بإرادة أزلية وزعم البصريون من المعتزلة أنه يريد بإرادة حادثة لا في محل وخرج الكعبي والنظام وأتباعهما عن هذين القولين وزعموا أنه ليست لله تعالى إرادة على الحقيقة وزعموا أنه إذا قيل إن الله عز وجل أراد شيئا من فعله فمعناه أنه فعله وإذا قيل إنه أراد من عنده فعلا فمعناه أنه أمره به وقالوا إن وصفه بالإرادة في الوجهين جميعا مجاز كما أن وصف الجدار بالإرادة في قول الله تعالى: {جدارا يريد أن ينقض فأقامه قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا} مجاز وقد أكفرهم البصريون مع أصحابنا في نفيهم إرادة الله عز وجل.

ومنها أن الكعبي زعم أن المقتول ليس بميت وعاند قول الله تعالى: {كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور} وسائر الأمة مجمعون على أن كل مقتول ميت وإن صح ميت غير مقتول.

ومنها أن الكعبي على قول من أوجب على الله تعالى فعل الأصلح في باب التكليف.

ومنها أن البصريين مع أصحابنا في أن الاستطاعة معنى غير صحة البدن والسلامة من الآفات. وزعم الكعبي أنها ليست غير الصحة والسلامة.

والبصريون من المعتزلة يكفرون البغداديين منهم والبغداديون يكفرون البصريين. وكلا الفريقين صادق في تكفير الفريق الآخر كما بيناه في كتاب فضائح القدرية.

ذكر الجبائية منهم

هؤلاء أتباع أبي على الجبائي الذي أهوى أهل خوزستان وكانت المعتزلة البصرية في زمانه على مذهبه ثم انتقلوا بعده إلى مذهب ابنه أبي هاشم.

فمن ضلالات الجبائي أنه سمى الله عز وجل مطيعا لعبده إذا فعل مرادا لعبد وكان سبب ذلك أنه قال يوما لشيخنا أبي الحسن الأشعري رحمه الله ما معنى الطاعة عندك فقال: موافقة الأمر وسأله عن قوله فيها فقال الجبائي: حقيقة الطاعة عندي موافقة الإرادة وكل من فعل مراد غيره فقد أطاعه فقال شيخنا أبو الحسن رحمه الله: يلزمك على هذا الأصل أن يكون الله تعالى مطيعا لعبده إذا فعل مراده فألزم ذلك، فقال له شيخنا رحمه الله: خالفت إجماع المسلمين وكفرت برب العالمين ولو جاز أن يكون الله تعالى مطيعا لعبده لجاز أن يكون خاضعا له، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

ثم إن الجبائي زعم أن أسماء الله تعالى جارية على القياس وأجاز اشتقاق اسم له من كل فعل فعله وألزمه شيخنا أبو الحسن رحمه الله أن يسميه بمحبل النساء لأنه خالق الحبل فيهن فالتزم ذلك، فقال له: بدعتك هذه أشنع من ضلالة النصارى في تسمية الله أبا لعيسى مع امتناعهم من القول بأنه محبل مريم.

ومن ضلالات الجبائي أيضا أنه أجاز وجود عرض واحد في أمكنة كثيرة وفي أكثر من ألف ألف مكان وذلك أنه أجاز وجود كلام واحد في ألف ألف محل. وزعم أن الكلام المكتوب في محل إذا كتب لي غيره كان موجودا في المحلين من غير انتقال منه غير المكان الأول إلى الثاني ومن غير حدوث في الثاني وكذلك إن كتبت في ألف مكان أو ألف ألف. وزعم هو وابنه أبو هاشم أن الله تعالى إذا أراد أن يفني العالم خلق عرضا لا في محل أفنى به جميع الأجسام والجواهر ولا يصح في قدرة الله تعالى أن يفني بعض الجواهر مع بقاء بعضها وقد خلقها تفاريق ولا يقدر على إفنائها تفاريق.

وقد حكي أن شيخنا أبا الحسن رحمه الله قال للجبائي: إذا زعمت أن الله تعالى قد شاكل ما أمر به فما تقول في رجل له على غيره حق يماطله فيه فقال له والله لأعطينك حقك غدا إن شاء الله ثم لم يعطه حقه في غده فقال يحنث في يمينه لأن الله تعالى قد شاء أن يعطيه حقه فيه فقال له خالفت إجماع المسلمين قبلك لأنهم اتفقوا قبلك على أن من قرن يمينه بمشيئة الله عز وجل لم يحنث إذا لم يقر به.

ذكر البهشمية

هؤلاء أتباع أبي هاشم والجبائي وأكثر معتزلة عصرنا على مذهبه لدعوة ابن عباد وزير آل بويه إليه ويقال لهم الدمية لقولهم باستحقاق الدم واالعقاب لا على فعل وقد شاركوا المعتزلة في أكثر ضلالاتها وانفردوا عنهم بفضائح لم يسبقوا إليها.

منها قولهم باستحقاق الذم والعقاب لا على فعل وذلك أنهم زعموا أن القادر منها يجوز أن يخلو من الفعل والشرك مع ارتفاع الموانع من الفعل. والذي ألجأهم إلى ذلك أن أصحابنا قالوا للمعتزلة إذا أجزتم تقدم الاستطاعة على الفعل لزمتكم التسوية بين الوقتين والأوقات الكثيرة في تقدمها عليه فكانوا يختلفون في الجواب عن هذا الإلزام فمنهم من كان يوجب وقوع الفعل أو ضده بالاستطاعة في الحال الثانية من حال حدوث الاستطاعة إلى وقت حدوث الفعل ويوجب وقوع الفعل أو ضده عند عدم الموانع ويزعم مع ذلك أن القدرة لا تكون قدرته عليه في حال حدوثه ومنهم من أجاز عدم القدرة مثل حدوث الفعل ومع حدوث العجز الذي هو ضد القدرة التي قد عدمت بعد وجودها. ورأى أبو هاشم بن الجبائي توجه إلزام أصحابنا عليهم في التسوية بين الوقتين والأوقات الكثيرة في جواز تقدم الاستطاعة على الفعل أن جاز تقدمها عليه ولم يجد للمعتزلة عنه انفصالا صحيحا فالتزم التسوية وأجاز بقاء المستطيع أبدا مع بقاء قدرته وتوفر الآية وارتفاع الموانع عنه عاليها من الفعل والترك فقيل له على هذا الأصل أرأيت لو كان هذا القادر مكلفا ومات قبل أن يفعل بقدرته طاعة له معصية ماذا يكون حاله فقال يستحق الذم والعقاب الدائم لا على فعل ولكن من أجل أنه لم يفعل ما أمر به مع قدرته عليه وتوفر الآية فيه وارتفاع الموانع منه فقيل له كيف استحق العقاب بأن لم يفعل ما أمر به وإن لم يفعل ما نهي عنه دون أن يستحق الثواب بأن لم يفعل ما نهي عنه وإن لم يفعل ما أمر به.

وكان أسلافه من المعتزلة يكفرون من يقول إن الله تعالى يعذب العاصي على اكتساب معصية لم يخترعها العاصي وقالوا الآن إن تكفير أبي هاشم في قوله بعقاب من ليس فيه معصية لا من فعله ولا من فعل غيره أولى.

والثاني أنه سمى من لم يفعل ما أمر به عاصيا وإن لم يفعل معصية ولم يوقع اسم المطيع إلا على من فعل طاعة ولو صح عارض بلا معصية لصح مطيع بلا طاعة أو لصح كافر بلا كفر.

ثم إنه مع هذه البدع الشنعاء زعم أن هذا المكلف لو تغير تغيرا قبيحا لا يستحق بذلك قسطين من العذاب أحدهما للقبيح الذي فعله والثاني لأنه لم يفعل الحسن الذي أمر به ولو تغير تغيرا حسنا وفعل مثل أفعال الأنبياء وكان الله تعالى قد أمره بشيء فلم يفعل ولا فعل ضده لصار مخلدا.

وسائر المعتزلة يكفرونه في هذه المواضيع الثلاثة:

أحدها استحقاق العقاب لا على فعل.

والثاني استحقاق قسطين من العذاب إذا تغير تغيرا قبيحا.

والثالث في قوله إنه لو تغير تغيرا حسنا وأطاع بمثل طاعة الأنبياء عليهم السلام ولم يفعل شيئا واحدا مما أمره الله تعالى به ولا ضده لا يستحق الخلود في النار.

وألزمه أصحابنا في الحدود مثل قوله في القسطين حتى يكون عليه حدان حد الزنى الذي قد فعله والثاني لأنه لم يفعل ما وجب عليه من ترك الزنى وكذلك القول في حدود القذف والقصاص وشرب الخمر وألزموه إيجاب كفارتين على المفطر في شهر رمضان إحداهما لفطرة الموجب للكفارة والثانية بأن لم يفعل ما وجب عليه من الصوم والكف عن الفطر.

فلما رأى ابن الجبائي توجه هذا الإلزام عليه في بدعته هذه ارتكب ما هو أشنع منها فرارا من إيجاب حدين وكفارتين في فعل واحد فقال إنما نهى عن الزنى والشرب والقذف فأما ترك هذه الأفعال فغير واجب عليه.

وألزموه أيضا القول بثلاثه أقساط وأكثر لا إلى نهاية لأنه أثبت قسطين فيما هو متولد عنده قسطا لأنه لم يفعله وقسطا لأنه لم يفعل سببه وقد وجدنا من المسببات ما يتولد عنده من أسباب كثيرة يتقدمه كاصابة الهدف بالسهم فإنها يتولد عنده من حركات كثيرة يفعلها الرمي في السهم وكل حركة منها سبب لما يليها إلى الإصابة ولو كانت مائة حركة فالمائة منها سبب الإصابة فيبقى على أصله إذا أمره الله تعالى بالإصابة فلم يفعلها أن يستحق مائة قسط وقسطا آخر الواحد منها أن لم يفعل الإصابة والمائة لأنه لم يفعل تلك الحركات.

ومن أصله أيضا أنه إذا كان مأمورا بالكلام فلم يفعله استحق عليه قسطين قسطا لأنه لم يفعل الكلام وقسطا لأنه لم يفعل سببه ولو أنه فعل ضد سبب الكلام لا يستحق قسطين وقام هذا عنده مقام السبب الذي لم يفعله فقلنا له هل استحق ثلاثة اقساط قسطا لأنه لم يفعل الكلام وقسطا لأنه لم يفعل سببه وقسطا لأنه ضد سبب الكلام.

وقد حكى بعض أصحابنا عنه أنه لم يكن يثبت القسطين إلا في ترك سبب الكلام وحده وقد نص في كتاب استحقاق الذمة على خلافه وقال فيه كل ما له ترك مخصوص فحكمه حكم سبب الكلام وما ليس له ترك مخصوص فحكمه حكم ترك العطية الواجبة كالزكاة والكفارة وقضاء الدين ورد المظالم وأراد بهذا أن الزكاة والكفارة وما اشبههما لا تقع بجارحة مخصوصة ولا له ترك واحد مخصوص بل لو صلى أو حج أو فعل غير ذلك كان جميعه تركا للزكاة والكلام سبب تركه مخصوص فكان تركه قبيحا فإذا ترك سبب الكلام استحق لأجله قسطا وليس للعطية ترك قبيح فلم يستحق عليه قسطا آخر أكثر من أن يستحق الذم لأنه لم يود.

فيقال له: إن لم يكن ترك الصلاة والزكاة قبيحا وجب أن يكون حسنا وهذا خروج عن الدين، فما يؤدي إليه مثله.

ومن مناقضاته في هذا الباب أنه سمى من لم يفعل ما وجب عليه ظالما وإن لم يوجد منه ظلم وكذلك سماه كافرا وفاسقا وتوقف في تسميته إياه عاصيا فأجاز أن يخلد الله في النار عبدا لم يستحق اسم عاص وتسميته إياه فاسقا وكافرا يوجب عليه تسميته بالعاصي وامتناعه من هذه التسمية يمنعه من تسميته فاسقا وكافرا.

ومن مناقضاته فيه أيضا ما خالف فيه الإجماع بفرقة بين الجزاء والثواب حتى أنه قال يجوز أن يكون في الجنة ثواب كثير لا يكون جزاء ويكون في النار عقاب كثير لا يكون جزاء وإنما امتنع من تسميته جزاء لأن الجزاء لا يكون إلا على فعل وعنده أنه قد يكون عقاب لا على فعل وقيل له إذا لم يكن جزاء إلا على فعل ما تنكر أنه لا ثواب ولا عقاب إلا على فعل.

والفضيحة الثانية من فضائح أبي هاشم قوله باستحقاق الذم والشكر على فعل الغير فزعم أن زيدا لو أمر عمرا بأن يعطي غيره فأعطاه استحق الشكر على فعل الغير من قابض العطية على العطية التي هي فعل غيره وكذلك لو أمره بمعصية ففعلها لا يستحق الذم على نفس المعصية التي هي فعل غيره. وليس قوله في هذه كقول سائر فرق الأمة أنه يستحق الشكر أو الذم على أمره إباه به لا على الفعل المأمور به الذي هو فعل غيره وهذا المبتدع يوجب له شكرين أو ذمين أحدهما على الأمر الذي هو فعله والآخر على المأمور به الذي هو فعل غيره، وكيف يصح هذا القول على مذهبه مع إنكاره على أصحاب الكسب قولهم بأن الله تعالى يخلق أكساب عباده ثم يثيبهم أو يعاقبهم عليها ويقال له ما أنكرت على هذا الأصل الذي هو فعل غيره انفردت به من قول الأزارقة إن الله تعالى يعذب طفل المشرك على فعل أبيه وقيل إذا أجزت ذلك فأجز أن يستحق العبد الشكر والثواب على فعل فعله الله تعالى عند فعل العبد مثل أن يسقي أو يطعم من قد أشرف على الهلاك فيعيش ويحيى فيستحق الشكر والثواب على نفس الحياة والشبع والري الذي هو من فعل الله تعالى.

الفضيحة الثالثة من فضائحه قوله في التوبة لأنها لا تصح مع ذنب مع الإصرار على قبيح آخر يعلمه قبيحا أو يعتقده قبيحا وإن كان حسنا وزعم أيضا أن التوبة من الفضائح لا تصح مع الإصرار على منع حبة تجب عليه وعول فيه على دعواه في الشاهد أن من قتل ابنا لغيره وزنى بحرمته يحسن منه قبوله توبة من أحد الذنبين مع إصراره على الآخر وهذه دعوى غير مسلمة له في الشاهد بل يحسن في الشاهد قبوله التوبة من ذنب مع العقاب على الآخر كالإمام يعقه ابنه ويسرق أموال الناس ويزنى بجواريه ثم يعتذر إلى أبيه في العقوق فيقبل توبته في العقوق عقوقه وفيما خانه فيه من ماله ويقطع يده في مال غيره ويجلده في الزنى.

ومما عول عليه في هذا الباب قوله أنما وجب عليه ترك القبيح لقبحه فإذا اصر على قبح آخر لم يكن تاركا للقبح المتروك من أجل قبحه.

وقلنا له: ما تنكر أن يكون وجوب ترك القبيح لإزالة عقابه عن نفسه فيصح خلاصه من عقاب ما تاب عنه وإن عوقب على مال يتب عنه؟

وقلنا له: أكثر ما في هذا الباب أن يكون التائب عن بعض ذنوبه قد ناقض وتاب عن ذنبه لقبحه وأصر على قبيح آخر، فلم لا تصح توبته من الذي تاب منه، كما أن الخارجي وغيره ممن يعتقد اعتقادات فاسدة وعنده أنها حسنة يصح عندك من التوبة عن قبائح يعلم قبحها مع إصراره على قبائح قد اعتقد حسنها ويلزمك على أصلك هذا إذا قلت أنه مأمور باجتناب كل ما اعتقده قبيحا أن تقول في الواحد منا إذا اعتقد قبح مذاهب أبي هاشم وزنى وسرق أن لا يصح توبته إلا بترك جميع ما اعتقده قبيحا فيكون مأمورا باجتناب الزنى والسرقة وباجتناب مذاهب أبي هاشم كلها لاعتقاده قبحها.

وقد سأله أصحابنا عن يهودي أسلم وتاب عن جميع القبائح غير أنه أصر على منع حبة فضة من مستحقها عليه من غير استحلالها ولا جحود لها هل صحت توبته من الكفر فإن قال نعم، نقض اعتلاله، وإن قال لا، عاند إجماع الأمة.

ومن قوله إنه لم يصح إسلامه وإنه كافر على يهوديته التي كانت قبل توبته ثم إنه لم تجر عليه أحكام اليهود فزعم أنه غير تائب من اليهودية بل هو مصر عليها وهو مع ذلك ليس يهوديا.

وهذه مناقضة بينة وقيل له إن كان مصرا على يهوديته فأبح ذبيحته وخذ الجزية منه. وذلك خلاف قول الأمة.

والفضيحة الرابعة من فضائحه قوله في التوبة أيضا إنها لا تصح عن الذنب بعد العجز عن مثله. فلا يصح عنده توبة من خرس لسانه عن الكذب ولا توبة من جب ذكره عن الزنى.

وهذا خلاف قول جميع الأمة قبله وقيل له: أرأيت لو اعتقد أنه لو كان له لسان وذكر لكذب وزنى كان ذلك من معصيته فإذا قال نعم قيل فكذلك إذا اعتقد أنه لو كان له آلة الكذب والزنى لم يعص الله تعالى بهما وجب أن يكون ذلك من طاعة وتوبة.

وكان أبو هاشم مع ‘فراطه في الوعيد أفسق أهل زمانه وكان مصرا على شرب الخمر وقيل إنه مات في سكره حتى قال فيه بعض المرجئة:

يعيب القول بالإرجاء حتى ** يرى بعض الرجاء من الجرائر

وأعظم من ذوي الإرجاء جرما ** وعيدي كذا أصر على الكبائر

والفضيحة الخامسة من فضائحه قوله في الإرادة المشروطة وأصلها عنده قوله بأنه لا يجوز أن يكون شيء واحد مرادا من وجه مكروها من وجه آخر والذي ألجأه إلى ذلك أن تكلم على من قال بالجهات في الكسب والخلق فقال لا تخلو الوجهة التي هي الكسب من أن تكون موجودة أو معدومة فإن كان ذلك الوجه معدوما كان فيه إثبات شيء واحد موجودا ومعدوما وإن كان موجودا لم يخل من أن يكون مخلوقا أم لا، فإن كان مخلوقا ثبت أنه مخلوق من كل وجه وإن لم يكن مخلوقا صار العقل قديما من وجه خلقا من وجه آخر وهذا محال فألزم على هذا كون الشيء مرادا من وجه مكروها من وجه آخر.

وقيل له: إن الإرادة عندك لا تتعلق بالشيء إلا على وجهة الحدوث وكذلك الكراهة فإذا كان مرادا من جهة مكروها من جهة أخرى وجب أن يكون المريد قد أراد ما أراد وكره ما أراد. وهذا متناقض فقال لا يكون المريد للشيء مريدا له إلا من جميع وجوهه حتى لا يجوز أن يكرهه من وجه فألزم عليه المعلوم والمجهول إذ لا ينكر كون شيء واحد معلوما من وجه مجهولا من وجه آخر.

ولما ارتكب قوله بأن الشيء الواحد لا يكون مرادا من جهة مكروها من جهة أخرى حلت على نفسه مسائل فيها هدم أصول المعتزلة وقد ارتكب أكثرها.

منها أنه يلزمه أن يكون من القبائح العظام ما لم يكرهه الله تعالى ومن الحسن الجميل ما لم يرده. وذلك أنه إذا كان السجود لله تعالى عبادة له والسجود للصنم يكون عبادة الصنم، مع أن السجود للصنم قبيح عظيم. وكذلك إذا أراد أن يكون القول بأن محمدا رسول الله إخبارا عن محمد بن عبد الله وجب أن لا يكرهه أن يكون إخبارا عن محمد آخر مع كون ذلك كفرا ولزمه إذا كره الله تعالى أن يكون السجود عبادة للصنم أن لا يريد كونه عبادة لله تعالى مع كونه عبادة لله طاعة حسنة. وركب هذا كله وذكر في جامعه الكبير أن السجود للصنم لم يكرهه الله تعالى وأبى أن يكون الشيء الواحد مرادا مكروها من وجهين مختلفين وقال فيه أما أبو علي يعني أباه فإنه يجيز ذلك وهو عندي غير مستمر على الأصول لأن الإرادة لا تتناول الشيء إلا على طريق الحدوث عندنا وعنده فلو أراد حدوثه وكره لوجب أن يكون قد كره ما أراد اللهم إلا أن يكون له حدوثان.

وهذا الذي عول عليه على أصلنا باطل لأن الإرادة عندنا قد تتعلق بالمراد على وجه الحدوث وعلى غير وجه الحدوث وليس يلزم أباه ما ألزمه، وله عن إلزامه جواب وقلب.

أما الجواب فإن أباه لم يرد بقوله إن الإرادة تتعلق بالشيء على وجه الحدوث ما ذهب إليه أبو هاشم، وإنما أراد بذلك أنها تتعلق به في حال حدوثه بحدوثه أو بصفة يكون عليها في حال الحدوث مثل أن يريد حدوثه ويريد كونه طاعة لله تعالى وهي صفة عليها يكون في حال الحدوث وهذا كقولهم إن الأمر والخبر لا يكونان أمرا وخبرا إلا بالإرادة إما إرادةالمأمور به على أصل أبي هاشم وغيره أو إرادة كونه أمرا وخبرا كما قاله ابن الاخشيد منهم لأن الله تعالى قد قال: {وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن} وقد أراد حدوث كلامه وأراد الأيمان منهم وليس قولهم فليؤمن مع ذلك أمرا بل هو تهديد لأنه لم يرد كون هذا القول أمرا وكذلك الخبر لا يكون خبرا عندهم وحتى يريد كونه خبرا عن زيد دون عمرو مع أن هذا السبب بإرادة لحدوث الشيء وبان بهذا أن كراهة الله تعالى أن يكون السجود عبادة للصنم غير إرادته لحدوثه فلم يلزم ما ذكره أبو هاشم من كونه مرادا من الوجه الذي كرهه.

ووجه القلب عليه أن يقال إن الله تعالى قد نهى عن السجود للصنم وقد نص عليه وقد ثبت من أصل المعتزلة أن الله تعالى لا يأمر إلا بحدوث الشيء ولا ينهى إلا عن حدوثه وقد ثبت أنه أمر بالسجود عبادة له فيلزمه أن يكون قد نهى عنه من الوجه الذي أمر به لأنه لا ينهى إلا عن إحداث الشيء وليس للسجود إلا حدوث واحد ولو كان له حدوثان لزمه أن يكون محدثا من وجه غير محدث من وجه آخر فلزمه في الأمر والنهى ما ألزم إياه والتجار في الإرادة والكراهة.

والفضيحة السادسة من فضائحه قوله بالأحوال التي كفره فيها مشاركوه في الاعتزال فضلا عن سائر الفرق والذي ألجأه إليها سؤال أصحابنا قدماء المعتزلة عن العالم منا هل فارق الجاهل بما علمه لنفسه أو لعلة وأبطلوا مفارقته إياه لنفسه مع كونهما من جنس واحد وبطل أن تكون مفارقته إياه لا لنفسه ولا لعلة لأنه لا يكون حينئذ بمفارقته له أولى من آخر سواه فثبت أنه إنما فارقه في كونه عالما لمعنى ما ووجب أيضا أن يكون لله تعالى في مفارقة الجاهل معنى أو صفة بها فارقه فزعم أنه إنما فارقه لحال كان عليها فأثبت الحال في ثلاثة مواضع أحدها الموصوف الذي يكون موصوفا لنفسه فاستحق ذلك الوصف لحال كان عليها والثاني الموصوف بالشيء لمعنى صار مختصا بذلك المعنى لحال والثالث ما يستحقه لا لنفسه ولا لمعنى فيختص بذلك الوصف دون غيره عنده لحال وأحوجه إلى هذا سؤال معمر في المعاني لما قال إن علم زيد اختص به دون عمر ولنفسه أو لمعنى أو لا لنفسه أو لا لمعنى فإن كان لنفسه وجب أن يكون لجميع العلوم به اختصاص لكونها علوما وإن كان لمعنى صح قول معمر في تعلق كل معنى بمعنى لا إلى نهاية وإن كان لا لنفسه ولا لمعنى لم يكن اختصاصه به أولى من اختصاصه بغيره وقال أبو هاشم إنما اختص به لحال.

وقال أصحابنا إن علم زيد اختص به لعينه لا لكونه علما ولا لكون زيد كما تقول إن السواد سواد لعينه لا لأن له نفسا وعينا.

ثم قالوا لأبي هاشم هل تعلم الأحوال أو لا تعلمها فقال لا من قبل أنه لو قال إنها معلومة لزمه إثباتها أشياء إذ لا يعلم عنده إلا ما يكون شيئا ثم إن لم يقل بأنها أحوال متغايرة لأن التغاير إنما يقع بين الأشياء والذوات ثم إنه لا يقول في الأحوال أنها موجودة ولا أنها معدومة ولا أنها قديمة ولا محدثة ولا معلومة ولا مجهولة ولا يقول إنها مذكورة مع ذكره لها بقوله إنها غير مذكورة وهذا متناقض.

وزعم أيضا أن العالم له في كل معلوم حال لا يقال فيها أنها حالة مع المعلوم الآخر. ولأجل هذا زعم أن أحوال الباري عز وجل في معلوماته لا نهاية لها وكذلك أحواله في مقدوراته لا نهاية لها كما أن مقدوراته لا نهاية لها.

وقال له أصحابنا: ما أنكرت أن يكون لمعلوم واحد أحوال بلا نهاية لصحة تعلق المعلوم بكل عالم يوجد لا إلى نهاية وقالوا له هل أحوال الباري من عمل غيره أم هي هو فأجاب بأنها لا هي هو ولا غيره فقالوا له فلم أنكرت على الصفاتية قولهم في صفات الله عز وجل في الأزل أنها لا هي ولا غيره.

والفضيحة السابعة من فضائحه قوله بنفي جملة من الأعراض التي أثبتها أكثر مثبتي الأعراض كالبقاء والإدراك والكدرة والألم والشك وقد زعم أن الألم الذي يلحق الإنسان عند المصيبة والألم الذي يجده عند شرب الدواء الكريه ليس بمعنى أكثر من إدراك ما ينفر عنه الطبع والإدراك ليس بمعنى عنده ومثله إدراك جواهر أهل النار وكذلك اللذات عنده ليست بمعنى ولا هي أكثر من إدراك المشتهى والإدراك ليس بمعنى وقال في الألم الذي يحدث عند الوباء إنه معنى كالألم عند الضرب واستدل على ذلك بأنه واقع تحت الحسن وهذا من عجائبه لأن ألم الضرب بالخشب والألم بسعوط الخردل والتلدع بالنار وشرب الصبر سواء في الحسن ويلزمه إذا نفى كون الملذة معنى ألا يزيد لذات أهل الثواب في الجنة على لذات الأطفال التي نالوها بالفضل لاستحالة أن يكون لا شيء أكثر من لا شيء وقد قال إن اللذة في نفسها نفع وحسن فأثبت نفعا وحسنا ليس بشيء وقال كل ألم ضرر وجاء من هذا أن الضرر ما ليس شيء عنده.

والفضيحة الثامنة من فضائحه قوله في باب الفناء إن الله تعالى لا يقدر على أن يفني من العالم ذرة مع بقاء السماوات والأرض وبناه على أصله في دعواه أن الأجسام لا تفنى إلا بفناء يخلقه الله تعالى لا في محل يكون ضدا لجميع الأجسام لأنه لا يختص ببعض الجواهر دون بعض إذ ليس هو قائما بشيء منها فإذا كان ضدا لها نفاها كلها وحسبه من الفضيحة في هذا قوله بأن الله يقدر على إفناء جملة لا يقدر على إفناء بعضها.

والفضيحة التاسعة قوله بأن الطهارة غير واجبة والذي ألجأه إلى ذلك أن سأل نفسه عن الطهارة بماء مغصوب على قوله وقول أبيه بأن الصلاة في الأرض المغصوبة فاسدة وأجاب بأن الطهارة بالماء المغصوب صحيحة وفرق بينها وبين الصلاة في الدار المغصوبة بأن قال إن الطهارة غير واجبة وإنما أمر الله تعالى العبد بأن يصلي إذا كان متطهرا ثم استدل على أن الطهارة غير واجبة بأن غيره لو طهره مع كونه صحيحا أجزأه ثم إنه طرد هذا الاعتلال في الحج فزعم أن الوقوف والطوف والسعي غير واجب في الحج لأن ذلك كله مجزئه إذا أتى به راكبا ولزمه على هذا الأصل ألا تكون الزكاة واجبة ولا الكفارة والنذور وقضاء الديون لأن وكيله ينوب عنه فيها وفي هذا رفع أحكام الشريعة.

وبان بما ذكرناه في هذا الفصل تكفير زعماء المعتزلة بعضها لبعض. وأكثرهم يكفرون أتباعهم المقلدين لهم ومثلهم في ذلك كما قاله الله تعالى: {فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون} وأما مثل أتباعهم معهم فقول الله تعالى: {إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا}.

ومن مكابرات زعمائهم مكابرة النظام في الطفرة وقوله بأن الجسم يصير من المكان الأول إلى الثالث أو العاشر من غير ضرورة بالوسط ومكابرة أصحاب التوالد منهم في دعواهم أن الموتى يقتلون الأحياء على الحقيقة ومكابرة جمهورهم في دعواهم أن الذي يقدر على أن يرتفع من الأرض شبرا قادر على أن يرتفع فوق السماوات السبع وأن المقيد المغلول يداه قادر على صعوده إلى السماء وإن البقة الصغيرة تقدر على شرب القران بملئه وبما هو أضخم منه.

وزعم المعروف منهم بقاسم الدمشقي أن حروف الصدق هي حروف الكذب وأن الحروف التي في قول القائل لا إله إلا الله هي التي في قول من يقول المسيح إله وإن الحروف التي في القرآن هي التي في كتاب زردشت المجوس بأعيانها لا على معنى أنها مثلها. ومن لم يعد هذه الوجوه مكابرات للعقول لم يكن له أن يعد إنكار السوفسطائية للمحسوسات مكابرة.

وقد حكى أصحاب المقالات أن سبعة من زعماء القدرية اجتمعوا في مجلس وتكلموا في قدرة الله تعالى على الظلم والكذب وافترقوا عن تكفير كل واحد منهم لسائرهم. وذلك أن قائلا منهم قال للنظام في ذلك المجلس: هل يقدر الله تعالى على ما وقع منه لكان جورا وكذبا منه فقال لو قدر عليه لم ندر لعله قد جار أو كذب فيما مضى أو يجوز ويكذب في المستقبل أو جار في بعض أطراف الأرض ولم يكن لنا من جوره وكذبه أمان إلا من جهة حسن الظن به قال: ما دليل يؤمننا من وقوع ذلك منه فلا سبيل إليه فقال له علي الأسواري: يلزمك على هذا الاعتلال أن لا يكون قادرا على ما علم أنه لا يفعله أو أخبر بأنه لا يفعله لأنه لو قدر على ذلك لم يأمن وقوعه منه فيما مضى أو في المستقبل فقال النظام هذا الإلزام فما قولك فيه فقال أنا أسوي بينهما وأقول إنه لا يقدر على ما علم أن لا يفعله أو أخبر بأنه لا يفعله كما أقول أنا وأنت إنه لا يقدر على الظلم والكذب فقال النظام للأسواري قولك إلحاد وكفر وقال أبو الهذيل للأسواري ما تقول في فرعون ومن علم الله تعالى منهم أنهم لا يؤمنون هل كانوا قادرين على الإيمان أم لا فإن زعمت أنهم لم يقدروا عليه فقد كلفهم الله تعالى ما لم يطيقوه وهذا عندك كفر وإن قلت إنهم كانوا قادرين عليه فما يؤمنك من أن يكون قد وقع من بعضهم ما علم الله تعالى أن لا يقع أو أخبر بأنه لا يقع منه على قول اعتلالك واعتلال النظام إنكار كما أنكر قدرة الله تعالى على الظلم والكذب فقال لأبي الهذيل هذا الإلزام لنا فما جوابك عنه فقال أنا أقول إن الله تعالى قادر على أن يظلم ويكذب وعلى أن يفعل ما علم أنه لا يفعله فقالا له أرأيت لو فعل الظلم والكذب كيف يكون مكنون حال الدلائل التي دلت على أن الله تعالى لا يظلم ولا يكذب فقال هذا محال فقالا له كيف يكون المحال مقدورا لله تعالى ولم أحلت وقوع ذلك منه مع كونه مقدورا له فقال لأنه لا يقع إلا عن آفة تدخل عليه ومحال دخول الافات على الله تعالى فقالا له ومحال أيضا أن يكون قادرا على ما يقع منه إلا عن آفة تدخل عليه فبهت الثلاثة فقال لهم بشر: كل ما أنتم فيه تخليط فقال له أبو الهذيل: فما تقول أنت تزعم أن الله تعالى يقدر أن يعذب الطفل أم تقول هذا يقول هذا يعني النظام فقال أقول بأنه قادر على ذلك فقال أرأيت لو فعل ما قدر عليه من تعذيب الطفل ظالما له في تعذيبه لكان الطفل بالغا عاقلا عاصيا مستحقا للعقاب الذي أوقعه الله تعالى به وكانت الدلائل بحالها في دلالتها على عدله فقال له أبو الهذيل سخنت عينك كيف تكون عبادة لا تفعل ما تقدر عليه من الظلم فقال له المردار انك قد أنكرت على أستاذي فكرا وقد غلط الأستاذ فقال له بشر فكيف تقول قال أقول إن الله تعالى قادر على الظلم والكذب ولو فعل ذلك لكان إلها ظالما كاذبا فقال له بشر فهل كان مستحقا للعبادة أم لا فإن استحقها فالعبادة شكر للمعبود وإذا ظلم استحق الذم لا الشكر وإن لم يستحق العبادة فكيف يكون ربا لا يستحق العبادة فقال لهم الأشج: أنا أقول إنه قادر على أن يظلم ويكذب ولو ظلم وكذب لكان عادلا كما أنه قادر على أن يفعل ما علم أنه لا يفعله علم لو فعله كان عالما بأن يفعله فقال له الإسكافي كيف ينقلب الجور عدلا فقال كيف تقول أنت فقال أقول لو فعل الجور والكذب ما كان الفعل موجودا وكان ذلك واقعا لمجنون أو منقوص فقال له جعفر بن حرب كأنك تقول إن الله تعالى إنما يقدر على ظلم المجانين ولا يقدر على ظلم العقلاء فافترق القوم يومئذ عن انقطاع كل واحد منهم ولما انتهت نوبة الاعتزال إلى الجبائي وابنه أمسكا عن الجواب في هذه المسألة بنصح.

وقد ذكر بعض أصحاب أبي هاشم في كتابه هذه المسألة فقال: من قال لنا أيصح وقوع ما يقدر الله تعالى عليه من الظلم والكذب قلنا له يصح ذلك لأنه لو لم يصح وقوعه منه ما كان قادرا عليه لأن القدرة على المحال محال فإن قال أفيجوز وقوعه منه قلنا لا يجوز وقوعه منه لقبحه وغناه عنه وعلمه بغناه عنه فإن قال أخبرونا لو وقع مقدوره من الظلم والكذب كيف كان يكون حاله في نفسه هل كان يدل وقوع الظلم منه على جهله أو حاجته قلنا محال ذلك لأنا قد علمناه عالما غنيا فإن قال فلو وقع منه الظلم والكذب هل كان يجوز أن يقال إن ذلك لا يدل على جهله وحاجته قلنا لا يوصف بذلك لأنا قد عرفنا دلالة الظلم على جهل فاعله أو حاجته فإن قال فكأنكم لا تجيبون عن سؤال من سألكم عن دلالة وقوع الظلم والكذب ممن على جهل وحاجة بإثبات ولا نفي قلنا كذلك نقول.

فهؤلاء زعماء قدرية عصرنا قد أقروا بعجزهم وعجز أسلافهم عن الجواب في هذه المسألة ولو وفقوا للصواب فيها لرجعوا إلى قول أصحابنا بأن الله قادر على كل مقدور وإن كل مقدور له لو وقع منه لم يكن ظلما منه ولو أحالوا الكذب عليه كما أحاله أصحابنا لتخلصوا عن الإلزام الذي توجه عليهم في هذه المسألة.

وكان الجبائي يعتذر في امتناعه عن الجواب في هذه المسألة بنعم أو لا بأن يقول مثال هذا أن قائلا لو قال أخبروني عن النبي لو فعل الكذب لكان يدل على أنه ليس بنبي أو لا يدل على ذلك وزعم أن الجواب في ذلك مستحيل وهذا ظن منه على أصله فأما على أصل أهل السنة فإن النبي كان معصوما عن الكذب والظلم ولم يكن قادرا عليهما والمعتزلة غير النظام والأسواري قد وصفوا الله تعالى بالقدرة على الظلم والكذب فلزمهم الجواب عن سؤال من سألهم عن وقوع مقدوره منهما هل يدل على الجهل والحاجة أو لا يدل على ذلك بنعم أو لا، وأيهما أجابوا به نقضوا به أصولهم.

والحمد لله الذي أنقذنا من ضلالتهم المؤدية إلى مناقضاتهم.

الفصل الرابع من فصول هذا الباب في بيان الفرق المرجئة وتفصيل مذاهبهم

والمرجئة ثلاثة أصناف:

صنف منهم قالوا بالإرجاء في الإيمان وما يقدر على مذاهب القدرية المعتزلة كغيلان وأبي شمر ومحمد بن أبي شبيب البصري وهؤلاء داخلون في مضمون الخبر الوارد في لعن القدرية والمرجئة يستحقون اللعنة من وجهين وصنف منهم قالوا بالإرجاء بالإيمان وبالخبر في الأعمال على مذهب جهم ابن صفوان فهم إذا من جملة الجهمية والصنف الثالث منهم خارجون عن الخبر والقدرية وهم فيما بينهم خمس فرق اليونسية والغسانية والثوبانية والتومنية والمريسية وإنما سموا مرجئة لأنهم أخروا العمل عن الإيمان والإرجاء بمعنى التأخير يقال ارجيت وارجائه إذا اخرته وروى عن النبي ﷺ أنه قال: "لعنت المرجئة على لسان سبعين نبيا" قيل: من المرجئة يا رسول الله؟ قال: "الذين يقولون الإيمان كلام" يعني الذين زعموا أن الإيمان هو إقرار وحده دون غيره. والفرق الخمس التي ذكرناها من المرجئة تضل كل فرقة منها اختها ويضللها سائر الفرق وسنذكرها على التفصيل إن شاء الله عز وجل.

ذكر اليونسية منهم

هؤلاء أتباع يونس بن عون الذي زعم أن الإيمان في القلب واللسان وأنه هو المعرفة بالله تعالى والمحبة والخضوع له بالقلب والإقرار باللسان أنه واحد ليس كمثله شيء مالم تقم حجة الرسل عليهم السلام فإن قامت عليهم حجتهم بالتصديق لهم ومعرفة ما جاء من عندهم في الجملة من الإيمان وليست معرفة تفصيل ما جاء من عندهم أيمانا ولا من جملته وزعم هؤلاء أن كل خصلة من خصال الإيمان ليست بأيمان ولا بعض إيمان ومجموعها إيمان.

ذكر الغسانية منهم

هؤلاء أتباع غسان المرجئ الذي زعم أن الإيمان هو الإقرار أو المحبة لله تعالى وتعظيمه وترك الاستكبار عليه وقال إنه يزيد ولا ينقص وفارق اليونسية بأن سمى كل خصلة من الأيمان بعض الأيمان وزعم غسان هذا في كتابه أن قوله في هذا الكتاب كقول أبي حنيفة فيه وهذا غلط منه عليه لأن أبا حنيفة قال إن الإيمان هو المعرفة والإقرار بالله تعالى وبرسله وبما جاء من الله تعالى ورسله في الجملة دون التفصيل وأنه لا يزيد ولا ينقص ولا يتفاضل الناس فيه وغسان قد قال بأنه يزيد ولا ينقص.

ذكر التومنية منهم

هؤلاء أتباع أبي معاذ التومني الذي زعم أن الإيمان ما عصم من الكفر وهو اسم لخصال من تركها أو ترك خصلة منها كفر ومجموع تلك الخصال إيمان ولا يقال للخصلة منها أيمان ولا بعض أيمان. وقال كل ما لم تجتمع الأمة على كفره بتركه من الفرائض فهو من شرع الأيمان وليس بأيمان. وزعم أن تارك الفريضة التي ليست بأيمان يقال له فسق ولا يقال له فاسق على الإطلاق إذا لم يتركها جاحدا. وزعم أيضا أن من لطم نبيا أو قتله كفر لا من أجل لطمه وقتله لكن من أجل عداوته وبغضه له واستخفاقه بحقه

ذكر الثوبانية منهم

هؤلاء أتباع أبي ثوبان المرجئ الذي زعم أن الإيمان هو الإقرار والمعرفة بالله وبرسله وبكل ما يجب في العقل فعله وما جاز في العقل أن لا يفعل فليست المعرفة من الإيمان.

وفارقوا اليونسية والغسانية بإيجابهم في العقل شيئا قبل ورود الشرع بوجوبه.

ذكر المريسية منهم

هؤلاء مرجئة بغداد من أتباع بشر المريسي وكان في الفقه على رأي أبي يوسف القاضي غير أنه لما أظهر قوله بخلق القرآن هجره أبو يوسف وضللته الصفاتية في ذلك ولما وافقوا الصفاتية في القول بأن الله تعالى خالق أكساب العباد وفي أن الاستطاعة مع الفعل أكفرته المعتزلة في ذلك فصار مهجور الصفاتية والمعتزلة معا. وكان يقول في الإيمان أنه هو التصديق بالقلب واللسان جميعا كما قال ابن الراوندي في أن الكفر هو الجحد والإنكار. وزعما أن السجود للصنم ليس بكفر ولكنه دلالة على الكفر.

فهؤلاء الفرق الخمس هم المرجئة الخارجة عن الخبر والقدر.

وأما المرجئة القدرية كأبي شمر وابن شبيب وغيلان وصالح قبة فقد اختلفوا في الإيمان.

فقال أبو شمر: الإيمان هو المعرفة والإقرار بالله تعالى وبما جاء من عنده مما اجتمعت عليه الأمة كالصلاة والزكاة والصيام والحج وتحريم الميتة والدم ولحم الخنزير ووطء المحارم ونحو ذلك وما عرف بالعقل من عدل الإيمان وتوحيد ونفى التشبيه عند وأراد بالعقل قوله بالقدر وأراد بالتوحيد نفيه عن الله تعالى صفاته الأزلية.

قال: كل ذلك إيمان والشاك فيه كافر والشاك في الشاك أيضا كافر ثم كذلك أبدا وزعم أن هذه المعرفة لا تكون إيمانا إلا مع الإقرار.

وكان أبو شمر مع بدعته هذه لا يقول لمن فسق من موافقيه في القدر إنه فاسق مطلقا ولكنه كان يقول إنه فاسق في كذا.

وهذه الفرقة عند أهل السنة والجماعة أكفر أصناف المرجئة لأنها جمعت بين ضلالتي القدر والإرجاء. والعدل الذي أشار إليه أبو شمر شرك على الحقيقة لأنه أراد به إثبات خالقين كبيرين غير الله تعالى وتوحيده الذي أشار إليه تعطيل لأنه أراد به نفي علم الله تعالى وقدرته ورؤيته وسائر صفاته الأزلية. وقوله في مخالفيه إنهم كفرة وإن الشاك في كفرهم كافر مقابل بقول أهل السنة فيه إنه كافر وإن الشاك في كفره كافر.

وكان غيلان القدري يجمع بين القدر والإرجاء ويزعم أن الإيمان هو المعرفة الثانية بالله تعالى والمحبة والخضوع والإقرار بما جاء به الرسول وبما جاء من الله تعالى.

وزعم أن المعرفة الأولى اضطرار وليس بإيمان.

وحكى زرقان في مقالاته عن غيلان أن الإيمان هو الإقرار باللسان وإن المعرفة بالله تعالى ضرورية فعل الله تعالى وليست من الإيمان.

وزعم غيلان أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص ولا يتفاضل الناس فيه وزعم محمد بن شبيب أن الإيمان هو الإقرار بالله والمعرفة برسله وبجميع ما جاء من عند الله تعالى مما نص عليه المسلمون من الصلاة والزكاة والصيام والحج وكل ما لم يختلفوا فيه.

وقال إن الإيمان يتبعض ويتفاضل الناس فيه والخصلة الواحدة من الإيمان قد تكون بعض الإيمان وتاركها يكفر بترك بعض الإيمان ولا يكون مؤمنا بإصابة كله.

وزعم الصالحي أن الإيمان هو المعرفة بالله تعالى فقط والكفر هو الجهل به فقط وأن قول القائل إن الله تعالى ثالث ثلاثة ليس بكفر لكنه لا يظهر إلا من كافر ومن جحد الرسل لا يكون مؤمنا لا من أجل أن ذلك محال لكن الرسول قال: "من لا يؤمن بي فليس مؤمنا بالله تعالى".

وزعم أن الصلاة والزكاة والصيام والحج طاعات وليست بعبادة لله تعالى وأن لا عبادة له إلا الإيمان به وهو معرفته والإيمان عنده خصلة واحدة لا تزيد ولا تنقص، وكذلك الكفر خصلة واحدة.

فهذه أقوال المرجئة في الإيمان الذي تأخيرهم الأعمال عن الإيمان سموا مرجئة.

الفصل الخامس في ذكر مقالات الفرق النجارية

هؤلاء أتباع الحسين بن محمد النجار، وقد وافقوا أصحابنا في أصول ووافقوا القدرية في أصول وانفردوا بأصول لهم.

فالذي وافقوا فيه أصحابنا قولهم معنا بأن الله تعالى خالق أكساب العباد وأن الاستطاعة مع الفعل وأنه لا يحدث في العالم إلا ما يريده الله تعالى.

ووافقونا أيضا في أبواب الوعيد وجواز المغفرة لأهل الذنوب وفي أكثر أبواب التعديل والتحوبر.

وأما الذي وافقوا فيه القدرية فنفي علم الله تعالى وقدرته وحياته وسائر صفاته الأزلية وإحالة رؤيته بالأبصار والقول بحدوث كلام الله تعالى.

وأكفرتهم القدرية فيما وافقوا فيه أصحابنا؛ وأكفرهم أصحابنا فيما وافقوا فيه القدرية.

والذي يجمع النجارية في الإيمان قولهم بأن الإيمان هو المعرفة بالله تعالى وبرسله وفرائضه التي أجمع عليها المسلمون والخضوع له والإقرار باللسان فمن جهل شيئا من ذلك بعد قيام الحجة به عليه أو عرفه ولم يقر به فقد كفر.

وقالوا كل خصلة من خصال الإيمان طاعة وليست بإيمان ومجموعها إيمان وليست خصلة منها عند الانفراد إيمانا ولا طاعة.

وقالوا إن الإيمان يزيد ولا ينقص.

وزعم النجار أن الجسم أعراض مجتمعة وهي الأعراض التي لا ينفك الجسم عنها كاللون والطعم والرائحة وسائر ما لا يخلو الجسم منه ومن ضده، فأما الذي يخلو الجسم منه ومن ضده كالعلم والجهل ونحوهما فليس شيء منها بعضا للجسم.

وزعم أيضا أن كلام الله تعالى عرض إذا قرئ وجسم إذا كتب وأنه لو كتب بالدم صار ذلك الدم المقطع قطيع حروف الكلام كلاما لله تعالى بعد أن لم يكن كلاما حين كان دما مسفوحا.

فهذه أصول النجارية. وافترقوا بعد هذا فيما بينهم في العبادة عن خلق القرآن وفي حكم أقوال مخالفيهم فرقا كبيرة كل فرقة منها تكفر سائرها. والمشهورون منها ثلاث فرق وهي البرغوثية والزعفرانية والمستدركة من الزعفرانية.

ذكر البرغوثية منهم

هؤلاء أتباع محمد بن عيسى الملقب ببرغوث وكان على مذهب النجار في أكثر مذاهبه وخالفه في تسمية المكتسب فاعلا فامتنع منه وأطلقه النجار وخالفه في تسمية المكتسب فاعلا فامتنع منه وأطلقه النجار وخالفه أيضا في المتوالدات فزعم أنها فعل لله تعالى بايجاب الطبع على معنى أن الله تعالى طبع الحجر طبعا يذهب إذا وقع وطبع الحيوان طبعا يألم إذا ضرب وقال النجار في المتولدات بمثل قول أصحابنا فيها إنها من فعل الله تعالى باختيار لا من طبع الجسم الذي سموه مولدا.

ذكر الزعفرانية منهم

هؤلاء أتباع الزعفراني الذي كان بالري وكان يناقض بآخر كلامه أوله فيقول إن كلام الله تعالى غيره وكل ما هو غير الله تعالى مخلوق ثم يقول مع ذلك الكلب خير ممن يقول كلام الله مخلوق.

وذكر بعض أصحاب التواريخ أن هذا الزعفراني أراد أن يشهر نفسه في الآفاق فأكترى رجلا على أن يخرج إلى مكة ويسبه ويلعنه في مواسم مكة ليشتهر ذكره عند حجيج الآفاق وقد بلغ حمق أتباعه بالري أن قوما منهم لا يأكلون العنجد حرمة للزعفراني ويزعمون أنه كان يحب ذلك وقالوا لا نأكل محبوبه.

ذكر المستدركة منهم

هؤلاء قوم من النجارية يزعمون أنهم استدركوا ما خفي على أسلافهم لأن أسلافهم منعوا إطلاق القول بأن القرآن مخلوق وزعمت المستدركة أنه مخلوق ثم افترقوا فيما بينهم فرقتين:

فرقة زعمت أن النبي ﷺ قد قال: "إن كلام الله مخلوق على ترتيب هذه الحروف" ولكنه اعتقد ذلك بهذه اللفظة على ترتيب حروفها، ومن لم يقل إن النبي عليه السلام قال ذلك على ترتيب هذه الحروف فهو كافر.

وقالت الفرقة الثانية منهم إن النبي عليه السلام لم يقل كلام الله مخلوق على ترتيب هذه الحروف ولكنه اعتقد ذلك ودل عليه ومن زعم أنه قال إن كلام الله مخلوق بهذه اللفظة فهو كافر.

ومن هؤلاء المستدركة قوم بالري يزعمون أن أقوال مخالفيهم كلها كذب حتى لو قال الواحد منهم في الشمس إنها شمس لكان كاذبا فيه.

قال عبد القاهر: ناظرت بعض هذه الطائفة بالري فقلت له أخبرني عن قولي لك أنت إنسان عاقل مولود من نكاح لا من سفاح هل أكون صادقا فيه فقال: أنت كاذب في هذا القول فقلت له: أنت صادق في هذا الجواب. فسكت خجلا والحمد لله على ذلك.

الفصل السادس من فصول هذا الباب في ذكر الجهمية والبكرية والضرارية وبيان مذاهبها

الجهمية

أتباع جهم بن صفوان الذي قال بالإجبار والاضطرار إلى الأعمال وأنكر الاستطاعات كلها وزعم أن الجنة والنار تبيدان وتفنيان وزعم أيضا أن الإيمان هو المعرفة بالله تعالى فقط وأن الكفر هو الجهل به فقط وقال لا فعل ولا عمل لأحد غير الله تعالى وإنما تنسب الأعمال إلى المخلوقين على المجاز كما يقال زالت الشمس ودارت الرحى من غير أن يكونا فاعلين أو مستطيعين لما وصفتا به. وزعم أيضا أن علم الله تعالى حادث وامتنع من وصف الله تعالى بأنه شيء أو حي أو عالم أو مريد وقال لا أصفه يجوز إطلاقه على غيره كشيء موجود وحي وعالم ومريد ونحو ذلك ووصفه بأنه قادر وموجود وفاعل وخالق ومحيي ومميت لأن هذه الأوصاف مختصة به وحده وقال بحدوث كلام الله تعالى كما قالته القدرية ولم يسم الله تعالى متكلما به.

وأكفره أصحابنا في جميع ضلالاته وأكفرته القدرية في قوله بأن الله تعالى خالق أعمال العباد. فاتفق أصناف الأمة على تكفيره.

وكان جهم مع ضلالاته التي ذكرناها يحمل السلاح ويقاتل السلطان. وخرج مع شريح بن الحرث على نصر بن يسار وقتله سلم بن أحوز المازني في آخر زمان بني مروان. وأتباعه اليوم بنهوند وخرج إليهم في زماننا إسماعيل بن إبراهيم بن كبوس الشيرازي الديلي فدعاهم إلى مذهب شيخنا أبي الحسن الأشعري فأجابه قوم منهم وصاروا مع أهل السنة يدا واحدة والحمد له على ذلك.

وأما البكرية، فأتباع بكر بن أخت عبد الواحد بن زيد. وكان يوافق النظام في دعواه أن الإنسان هو الروح دون الجسد الذي فيه الروح ويوافق أصحابنا في إبطال القول بالتولد وفي أن الله تعالى هو المخترع الألم عند الضرب وأجاز وقوع الضرب من غير حدوث ألم وقطع بعدها كما أجاز ذلك أصحابنا.

وانفرد بضلالات أكفرته الأمة فيها.

منها قوله بأن الله تعالى يرى في القيامة في صورة يخلقها وأن يكلم عباده من تلك الصورة.

ومنها قوله في الكبائر الواقعة من أهل القبلة أنها نفاق وإن صاحب الكبيرة منافق وعابد للشيطان وإن كان من أهل الصلاة وزعم أيضا أنه مع كونه منافقا مكذب لله تعالى جاحد له وإن يكون في الدرك الاسفل من النار مخلدا فيها وأنه مع ذلك مسلم ومؤمن ثم أنه طرد قوله في هذه البدعة فقال في علي وطلحة والزبير إن ذنوبهم كانت كفرا وشركا غير أنهم كانوا مغفورا لهم لما روي في الخبر: «إن الله تعالى اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم».

ومن ضلالاته أيضا ما عاند فيه العقلاء فزعم أن الأطفال في المهد لا يألمون وإن قطعوا أو حرقوا وأجاز أن يكونوا في وقت الضرب والقطع والإحراق متلذذين مع ظهور البكاء والصياح منهم.

ومنها أنه أبدع في الفقه تحريم أكل الثوم والبصل وأوجب الوضوء من قرقرة البطن. ولا اعتبار عند أهل السنة بخلاف أهل الأهواء في الفقه.

وأما الضرارية، فهم أتباع ضرار بن عمرو الذي وافق أصحابنا في أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى وأكساب للعباد وفي إبطال القول بالتولد ووافق المعتزلة في أن الاستطاعة قبل الفعل وزاد عليهم بقوله إنها قبل الفعل ومع الفعل وبعد الفعل وأنها بعض المستطيع ووافق النجار في دعواهما أن الجسم أعراض مجتمعة من لون وطعم ورائحة ونحوها من الأعراض التي لا يخلو الجسم منها.

وانفرد بأشياء منكرة:

منها قوله بأن الله تعالى يرى في القيامة بحاسة سادسة يرى بها المؤمنون ماهية الإله وقال لله تعالى ماهية لا يعرفها غيره يراها المؤمنون بحاسة سادسة. وتبعه على هذا القول حفص القرد.

وإنه أنكر حرف ابن مسعود وحرف أبي بن كعب وشهد بأن الله تعالى لم ينزلهما فنسب هذين الإمامين من الصحابة إلى الضلالة في مصحفيهما.

ومنها أنه شك في جميع عامة المسلمين وقال لا أدري لعل سرائر العامة كلها شرك وكفر.

ومنها قوله إن معنى قولنا أن الله تعالى عالم حي هو أنه ليس بجاهل ولا ميت وكذلك قياسه في سائر أوصاف الله تعالى من غير إثبات معنى أو فائدة سوى نفي الوصف بنقيض تلك الأوصاف عنه.

الفصل السابع من هذا الباب في ذكر مقالات الكرامية وبيان أوصافها

الكرامية بخراسان ثلاثة أصناف: حقاقية وطرائقية وإسحاقية. وهذه الفرق الثلاث لا يكفر بعضها بعضا وإن أكفرها سائر الفرق. فلهذا عددناها فرقة واحدة.

وزعيمها المعروف محمد بن كرام كان مطرودا من سجستان إلى غرجستان وكان أتباعه في وقته أوغاد شورمين وأفشين. وورد نيسابور في زمان ولاية محمد بن طاهر بن عبد الله بن طاهر وتبعه على بدعته من أهل سواد نيسابور شرذمة من أكرة القرى والدّهم.

وضلالات أتباعه اليوم متنوعة أنواعا لا نعدها أرباعا ولا أسباعا لكنا نزيد على الآلاف آلافا ونذكر منها المشهور الذي هو بالقبح مذكور.

فمنها أن ابن كرام دعا أتباعه إلى تجسيم معبوده وزعم أنه جسم له حد ونهاية من تحته والجهة التي منها يلاقي عرشه وهذا شبيه بقول الثنوية إن معبودهم الذي سموه نورا يتناهى من الجهة التي يلاقي الكلام وإن لم يتناه من خمس جهات. وقد وصف ابن كرام معبوده في بعض كتبه بأنه جوهر كما زعمت النصارى أن الله تعالى جوهر وذلك أنه قال في خطبة كتابه المعروف بكتاب عذاب القبر إن الله تعالى إحدى الذات إحدى الجواهر وأتباعه اليوم لا يبوحون بإطلاق لفظ الجوهر على الله تعالى عند العامة خوفا من الشناعة عند الإشاعة وإطلاقهم عليه اسم الجسم اشنع من اسم الجوهر وامتناعهم من تسميته جوهرا مع قولهم بأنه جسم كامتناع تسمية شيطان الطاق الرافض من تسميته الإله جسما مع قوله بأنه على صورة الإنسان وليس على الخذلان في سواء الاختيار قياس.

وقد ذكر ابن كرام في كتابه أن الله تعالى مماس لعرشه وإن العرش مكان له وأبدل أصحابه لفظ الماسة بلفظ الملاقاة منه للعرش وقالوا لا يصح وجود جسم بينه وبين العرش إلا بأن يحيط العرش إلى أسفل وهذا معنى المماسة التي امتنعوا من لفظها.

واختلف أصحابه في معنى الاستواء المذكور في قوله: {الرحمن على العرش استوى}.

فمنهم من زعم أن كل العرش مكان له وأنه لو خلق بإزاء العرش عروشا موازية لعرشه لصارت العروش كلها مكانا له لأنه أكبر منها كلها. وهذا القول يوجب عليهم أن يكون عرشه اليوم كبعضه في عرضه.

ومنهم من قال إنه لا يزيد على عرشه في جهة المماسة ولا يفضل منه شيء على العرش. وهذا يقتضي أن يكون عرضه كعرض العرش.

وكان من الكرامية بنيسابور رجل يعرف بإبراهيم بن مهاجر ينصر هذا القول ويناظر عليه.

وزعم ابن كرام وأتباعه أن معبودهم محل للحوادث وزعموا أن أقواله وإرادته وإدراكاته للمرئيات وإدراكاته للمسموعات وملاقاته للصحيفة العليا من العالم أعراض حادثة فيه وهو محل لتلك الحوادث الحادثة فيه، وسموا قوله للشيء كن خلقا للمخلوق وإحداثا للمحدث وإعلاما للذي يعدم بعد وجوده ومنعوا من وصف الأعراض الحادثة فيه بأنها مخلوقة أو مفعولة أو محدثة.

وزعموا أيضا أنه لا يحدث في العالم جسم ولا عرض إلا بعد حدوث أعراض كثيرة في ذات معبودهم منها إرادة لحدوث ذلك الحادث ومنها قوله لذلك الحادث كن على الوجه الذي علم حدوثه عليه وذلك القول في نفسه حروف كثيرة كل حرف منها عرض حادث فيه ومنها رؤية تحدث فيه يرى بها ذلك الحادث ولو لم يحدث فيه الرؤية لم ير ذلك الحادث ومنها استماعه لذلك الحادث أن كان مسموعا.

وزعموا أيضا أنه لا يعدم من العالم شيء من الأعراض إلا بعد حدوث أعراض كثيرة في معبودهم منها إرادة لعدمه ومنها قوله لما يريد عدمه كن معدوما أو افن وهذا القول في نفسه حروف كل حرف منها عرض حادث فيه فصارت الحوادث الحادثة في ذات الإله عندهم أضعاف أضعاف الحوادث من أجسام العالم وأعراضها.

واختلفت الكرامية في جواز العدم في تلك الحوادث الحادثة في ذات الإله بزعمهم فأجاز بعضهم عدمها وأجاز عدمها أكثرهم وأجمع الفريقان منهم على أن ذات الإله لا يخلو في المستقبل عن حلول الحوادث فيه وإن كان قد خلا منها في الأزل وهذا نظير قول أصحاب الهيولى إن الهيولى كانت في الأزل جوهرا خاليا من الأعراض ثم حدثت الأعراض فيها وهي لا تخلو منها في المستقبل.

واختلفت الكرامية في جواز العدم على أجسام العالم فأحال ذلك أكثرهم وضاهوا بذلك من زعم من الدهرية والفلاسفة أن الفلك والكواكب طبيعة خامسة لا تقبل الفساد والفناء.

وكان الناس يتعجبون من قول المعتزلة البصرية إن الله تعالى يقدر على إفناء الأجسام كلها دفعة واحدة ولا يقدر على إفناء بعضها مع بقاء بعض منها وزال هذا التعجب بقول من زعم من الكرامية أنه لا يقدر على إعدام جسم بحال.

وأعجب من هذا كله أن ابن كرام وصف معبوده بالثقل وذلك أنه قال في كتاب عذاب القبر في تفسير قول الله عز وجل: {إذا السماء انفطرت} إنها انفطرت من ثقل الرحمن عليها.

ثم إن ابن كرام وأكثر أتباعه زعموا أن الله تعالى لم يزل موصوفا بأسمائه المشتقة من أفعاله عند أهل اللغة مع استحالة وجود الأفعال في الأزل فزعموا أنه لم يزل خالقا رازقا منعما من غير وجود خلق ورزق ونعمة منه وزعموا أنه لم يزل خالقا بخالقية فيه ورازقا برازقية فيه وقالوا إن خالقيته قدرته على الخلق ورازقيته قدرته على الرزق والقدرة قديمة والخلق والرزق حادثان فيه بقدرته وقالوا بالخلق يصير المخلوق من العالم مخلوقا وبذلك الرزق الحادث فيه يصير المرزوق مرزوقا.

وأعجب من هذا فرقهم بين المتكلم والقائل وبين الكلام والقول وذلك أنهم قالوا إن الله تعالى لم يزل متكلما قائلا ثم فرقوا بين الاسمين في المعنى فقالوا إنه لم يزل متكلما بكلام هو قدرته على القول ولم يزل قائلا بقائلية لا يقول والقائلية قدرته على القول وقوله حروف حادثة فيه فقول الله تعالى عندهم حادث فيه وكلامه قديم.

قال عبد القاهر: ناظرت بعضهم في هذه المسألة فقلت له إذا زعمت أن الكلام هو القدرة على القول والساكت عندك قادر على القول في حال سكوته لزمك على هذا القول إن يكون الساكت متكلما فالتزم ذلك.

ومن تدقيق الكرامية في هذا الباب قولهم إنا نقول إن الله تعالى لم يزل خالقا رازقا على الإطلاق ولا نقول بالاضافة أن لم يزل خالقا للمخلوقين ورازقا للمرزوقين وإنما نذكر هذه الاضافة عند وجود المخلوقين والمرزوقين. وقالوا على هذا القياس إن الله تعالى لم يزل معبودا ولم يكن في الأزل معبود العابدين وإنما صار معبود العابدين عند وجود العابدين ووجود عبادتهم له.

ثم إن ابن كرام ذكر في كتابه المعروف بعذاب القبر بابا له ترجمة عجيبة فقال باب في كيفوفية الله عز وجل ولا يدري العاقل مماذا يتعجب أعن جسارته على إطلاق لفظ الكيفية في صفات الله تعالى أم من قبح عبارته عن الكيفية بالكيفوفية. وله من جنس هذه العبارة أشكال. منها قوله في باب الرد على أصحاب الحديث في الإيمان فإن قالوا صحوفيتهم الإيمان قول وعمل قيل لهم كذا وكذا. وقد عبر عن مكان معبوده في بعض كتبه بالحيثوثية. وهذه العبارات السخيفة لائقة بمذهبه السخيف.

ثم إنه مع أصحابه تكلموا في مقدورات الله تعالى فزعموا أنه لا يقدر إلا على الحوادث التي تحدث في ذاته من إرادته وأقواله وإدراكاته وملاقاته لما يلاقيه فأما المخلوقات من أجسام العالم وأعراضها فليس شيء منها مقدورا لله تعالى ولم يكن الله تعالى قادرا على شيء منها مع كونها مخلوقة وإنما خلق كل مخلوق من العالم بقوله كن لا بقدرته.

وهذه بدعة لم يسبقوا إليها. لأن الناس قبلهم اختلفوا في مقدورات الله تعالى على مذاهب أهل السنة والجماعة كل مخلوق كان مقدورا لله تعالى قبل حدوثه وهو محدث جميع الحوادث بقدرته، وزعم معمر أن الأجسام كلها كانت مقدورة له قبل أن خلقها وليست الأعراض مخلوقة له ولا مقدورة له وقال أكثر المعتزلة أن الأجسام والألوان والطعوم والروائح وسائر أجناس الأعراض كانت مقدورة لله تعالى وإنما امتنعوا من وصفه بالقدرة على مقدورات غيره وقالت الجهمية الحوادث كلها مقدورة لله تعالى ولا قادر ولا فاعل غيره وما قال أحد قبل الكرامية باختصاص قدرة الإله بحوادث تحدث في ذاته بزعمهم تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا.

ثم أنهم تكلموا في باب التعديل والتحوير بعجائب.

منها قولهم يجب أن يكون أول شيء خلقه الله تعالى جسما حيا يصح منه الاعتبار وزعموا أنه لو بدأ بخلق الجمادات لم يكن حكيما وزادوا في هذه البدعة على القدرية في قولها لا بد من أن يكون في الخلق من يصح منه الاعتبار وليس بواجب أن يكون أول الخلق حيا يصح منه الاعتبار.

وقد ردوا ببدعتهم هذه الأخبار الصحيحة في أن أول شيء خلقه تعالى اللوح والقلم ثم أجرى القلم على اللوح بما هو كائن إلى يوم القيامة.

وقالوا لو خلق الله تعالى الخلق وكان في معلومه أنه لا يؤمن به أحد منهم لكان خلقه إياهم عبثا وإنما حسن منه خلق جميعهم لعلمه بإيمان بعضهم.

وقال أهل السنة لو خلق الكفرة دون المؤمنين أو خلق المؤمنين دون الكفرة جاز ولم يقدح ذلك في حكمته.

وزعمت الكرامية أنه لا يجوز في حكمة الله تعالى احترام الطفل الذي يعلم أنه إن ابقاه إلى زمان بلوغه آمن ولا احترام الكافر الذي لو ابقاه إلى مدة آمن إلا أن يكون في احترامه إياه قبل وقت إيمانه صلاح لغيره.

ويلزمهم على هذا القول أن يكون الله تعالى إنما احترام إبراهيم بن النبي قبل بلوغه لأنه علم أنه لو أبقاه لم يؤمن وفي هذا قدح منهم في كل من مات من ذراري الأنبياء طفلا.

ومن جهالاتهم في باب النبوة والرسالة قولهم بأن النبوة والرسالة صفتان حالتان في النبي والرسول سوى الوحي إليه وسوى معجزاته وسوى عصمته عن المعصية وزعموا أن من فعل فيه تلك الصفة وجب على الله تعالى إرساله وفرقوا بين الرسول والمرسل بأن الرسول من قامت به تلك الصفة والمرسل هو المأمور بأداء الرسالة.

ثم أنهم خاضوا في باب عصمة الأنبياء عليهم السلام فقالوا كل ذنب أسقط العدالة أو أوجب حدا منهم معصومون منه غير معصومين مما دون ذلك وقال بعضهم لا يجوز الخطأ عليهم في التبليغ وأجاز ذلك بعضهم وزعم أن النبي عليه السلام أخطأ في تبليغ قوله: {ومناة الثالثة الأخرى} حتى قال بعده "تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتها ترتجى". وقال أهل السنة إن تلك الكلمة كانت من تلاوة الشيطان ألقاها في خلال تلاوة النبي. وقد قال شيخنا أبو الحسن الأشعري في بعض كتبه إن الأنبياء بعد النبوة معصومون من الكبائر والصغائر.

وزعمت الكرامية أيضا أن النبي إذا ظهرت دعوته فمن سمعها منه أو بلغه خبره لزمه تصديقه والإقرار به من غير توقف على معرفة دليله. وقد سرقوا هذه البدعة من إباضية الخوارج الذين قالوا إن قول النبي عليه السلام أنا نبي فنفسه حجة لا يحتاج معها إلى برهان.

وزعمت الكرامية أيضا أن من لم تبلغه دعوة الرسل لزمه أن يعتقد موجبات العقول وأن يعتقد أن الله تعالى أرسل رسلا إلى خلقه.

وقد سبقهم أكثر القدرية إلى القول بوجوب اعتقاد موجبات العقول ولم يقل أحد قبلهم بوجوب اعتقاد وجود الرسل قبل ورود الخبر عنهم بوجودهم.

وزعمت الكرامية أيضا أن الله تعالى لو اقتصر على رسول واحد من أول زمان التكليف إلى القيامة وأدام شريعة الرسول الأول لم يكن حكيما.

وقال أهل السنة لو فعل ذلك جاز لما قد جاز منه لأمة شريعة خاتم النبيين إلى القيامة.

ثم إن ابن كرام خاض في باب الإمامة فأجاز كون إمامين في وقت واحد مع وقوع الجدال وتعاطى القتال ومع الاختلاف في الأحكام واشار في بعض كتبه إلى أن عليا ومعاوية كانا إمامين في وقت واحد ووجب على أتباع كل واحد منهما طاعة صاحبه وإن كان أحدهما عادلا والآخر باغيا وقال أتباعه إن عليا كان إماما على وفق السنة وكان معاوية إماما على خلاف السنة وكانت طاعة كل واحد منهما واجبة على أتباعه. فيا عجبا من طاعة واجبة على خلاف السنة.

ثم إن الكرامية خاضوا في باب الإيمان فزعموا أنه إقرار فرد على الابتداء وإن تكريره لا يكون إيمانا إلا من المرتد إذا أقر به بقدرته وزعموا أيضا أنه هو الإقرار السابق في الذر الأول في طلب النبي عليه السلام وهو قولهم بلى وزعموا أن ذلك القول باق أبدا لا يدون إلا بالردة وزعموا أيضا أن المقر بالشهادتين مؤمن حقا وإن اعتقد الكفر بالرسالة وزعموا أيضا أن المنافقين الذين انزل الله تعالى في تكفيرهم آيات كثيرة كانوا مؤمنين حقا وأن إيمانهم كان كإيمان الأنبياء والملائكة وقالوا في أهل الأهواء من مخالفيهم ومخالفى أهل السنة أن عذابهم في الآخرة غير مؤبد وأهل الأهواء يرون خلود الكرامية في النار.

ثم إن ابن كرام أبدع في الفقه حماقات لم يسبق إليها.

منها قوله في صلاة المسافر أن يكفيه تكبيرتان من غير ركوع ولا سجود ولا قيام ولا قعود ولا تشهد ولا سلام.

ومنها قوله بصحة الصلاة في ثوب كله نجس وعلى أرض نجسة ومع نجاسة ظاهر البدن. وإنما أوجب الطهارة عن الأحداث دون الأنجاس.

ومنها قوله بأن غسل الميت والصلاة عليه سنتان غير مفروضتين وإنما الواجب كفنه ودفنه.

ومنها قوله بصحة الصلاة المفروضة والصوم المفروض والحج المفروض بلا نية. وزعم أن نية الإسلام في الابتداء كافية عن نية كل فريضة من فرائض الإسلام.

وكان في عصرنا شيخ للكرامية يعرف بإبراهيم بن مهاجر اخترع ضلالة لم يسبق إليها، فزعم أن أسماء الله عز وجل كلها أعراض فيه وكذلك اسم كل مسمى عرض فيه فزعم أن الله تعالى عرض حال في جسم قديم والرحمن عرض آخر والرحيم عرض ثالث والخالق عرض رابع وكذلك كل اسم لله تعالى عرض غير الآخر فالله تعالى عنده غير الرحمن والرحمن غير الرحيم والخالق غير الرازق وزعم أيضا أن الزاني عرض في الجسم الذي يضاف إليه الزنى والسارق عرض في الذي يضاف إليه السرقة وليس الجسم زانيا ولا سارقا فالمجلود والمقطوع عنده غير الزاني والسارق وزعم أيضا أن الحركة والمتحرك عرضان في الجسم وكذلك السواد والأسود عرضان في الجسم وكذلك العلم والعالم والقدرة والقادر والحي والحياة كل ذلك أعراض غير الأجسام فالعلم عنده لا يقوم بالعالم وإنما يقوم بمحل العالم والحركة لا تقوم بالمتحرك وإنما تقوم بمحل المتحرك.

قال عبد القاهر: ناظرت ابن مهاجر هذا في مجلس ناصر الدولة أبي الحسن محمد بن إبراهيم بن سيمجور صاحب جيش السامانية في سنة سبعين وثلثمائة في هذه المسألة ألزمته فيها أن يكون المحدود في الزنى غير الزاني والمقطوع في السرقة غير السارق فالتزم ذلك فألزمته أن يكون معبوده عرضا لأن المعبود عنده اسم وأسماء الله تعالى عنده أعراض حالة في جسم قديم فقال المعبود عرض في جسم القديم وأنا اعبد الجسم دون العرض فقلت له أنت إذن لا تعبد الله عز وجل لأن الله تعالى عندك عرض وقد زعمت أنك تعبد الجسم دن العرض.

وفضائح الكرامية على الأعداد كثيرة الإمداد وفيما ذكرنا منها في هذا الفصل كفاية والله أعلم.

الفصل الثامن في بيان مذاهب المشبهة من أصناف شتى

اعلموا أسعدكم الله أن المشبهة صنفان صنف شبهوا ذات الباري بذات غيره وصنف آخرون شبهوا صفاته بصفات غيره. وكل صنف من هذين الصنفين مفترقون على أصناف شتى.

والمشبهة الذين ضلوا في تشبيه ذاته بغيره أصناف مختلفة. وأول ظهور التشبيه صادر عن أصناف من الروافض الغلاة.

فمنهم السبئية الذين سموا عليا إلها وشبهوه بذات الإله ولما أحرق قوما منهم قالوا له الآن علمنا أنك إله لأن النار لا يعذب بها إلا الله.

ومنهم البيانية أتباع بيان بن سمعان الذي زعم أن معبوده إنسان من ثور على صورة الإنسان في أعضائه وأنه يفنى كله إلا وجهه.

ومنهم المغيرية أتباع المغيرة بن سعيد العجلي الذي زعم أن معبوده ذو أعضاء وأن أعضاءه على صور حروف الهجاء.

ومنهم المنصورية أتباع أبي منصور العجلي الذي شبه نفسه بربه وزعم أنه صعد إلى السماء وزعم أيضا أن الله مسح يده على رأسه وقال له يا نبي بلغ عنى.

ومنهم الخطابية الذين قالوا بإلاهية الأئمة وبإلاهية أبي الخطاب الأسدي.

ومنهم الذين قالوا بإلاهية عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر.

ومنهم الحلولية الذين قالوا بحلول الله في أشخاص الأئمة وعبدوا الأئمة لأجل ذلك.

ومنهم الحلولية الحكمانية المنسوبة إلى أبي حكمان الدمشقي الذي زعم أن الإله يحل في كل صورة حسنة وكان يسجد لكل صورة حسنة.

ومنهم المقنعية المبيضة بما وراء نهر جيحون في دعواهم أن المقنع كان إلها وأنه مصور في كل زمان بصورة مخصوصة.

ومنهم العذاقرة الذين قالوا بإلاهية ابن أبي العذاقر المقتول ببغداد.

وهذه الأصناف الذين ذكرناهم في هذا الفصل كلهم خارجون عن دين الإسلام وإن انتسبوا في الظاهر إليه.

وسنذكر تفصيل مقالة كل صنف منهم في الباب الرابع من أبواب هذا الكتاب إذا انتهينا إليه إن شاء الله عز وجل.

وبعد هذا فرق من المشبهة عدهم المتكلمون في فرق الملة لإقرارهم بلزوم أحكام القرآن وإقرارهم بوجوب أركان شريعة الإسلام من الصلاة والزكاة والصيام والحج عليهم وإقرارهم بتحريم المحرمات عليهم وإن ضلوا وكفروا في بعض الأصول العقلية.

ومن هذا الصنف هشامية منتسبة إلى هشام بن الحكم الرافضي الذي شبه معبوده بالإنسان وزعم لأجل ذلك أنه سبعة أشبار بشبر نفسه وأنه جسم ذو حد ونهاية وأنه طويل عريض عميق وذو لون وطعم ورائحة. وقد روي عنه أن معبوده كسكيبة الفضة وكاللؤلؤة المستديرة وروى عنه أنه أشار إلى أن جبل أبي قبيس أعظم منه وروى عنه أنه زعم أن الشعاع من معبوده متصل بما يراه. ومقالته في هذا التشبيه على التفصيل الذي ذكرناه في تفصيل أقوال الإمامية قبل هذا.

ومنهم الهشامية المنسوبة إلى هشام بن سالم الجواليقي الذي زعم أن معبوده على صورة الإنسان وإن نصفه الأعلى مجوف ونصفه الاسفل مصمت وأن له شعرة سوداء وقلبا تنبع منه الحكمة.

ومنهم اليونسية المنسوبة إلى يونس بن عبد الرحمن القمي الذي زعم أن الله تعالى يحمله حملة عرشه وإن كان هو أقوى منهم كما أن الكركي تحمله رجلاه وهو أقوى من رجليه.

ومنهم المشبهة المنسوبة إلى داوود الجواري الذي وصف معبوده بجميع أعضاء الإنسان إلا الفرج واللحية.

ومنهم الإبراهيمية المنسوبة إلى إبراهيم بن أبي يحيى الأسلمي وكان من جملة رواة الأخبار غير أنه ضل في التشبيه نسب إلى الكذب في كثير من رواياته.

ومنهم الخابطية من القدرية وهم منسوبون إلى أحمد بن خابط. [1] وكان من المعتزلة المنتسبة إلى النظام ثم أنه شبه عيسى بن مريم بربه وزعم أنه الإله الثاني وأنه هو الذي يحاسب الخلق في القيامة.

ومنهم الكرامية في دعواها أن الله تعالى جسم له حد ونهاية وأنه محل الحوادث وأنه مماس لعرشه. وقد بينا تفصيل مقالاتهم قبل هذا بما فيه كفاية فهؤلاء مشبهة لله تعالى بخلقه في ذاته.

فأما المشبهة لصفاته بصفات المخلوقين فأصناف:

منهم الذين شبهوا إرادة الله تعالى بإرادة خلقه وهذا قول المعتزلة البصرية الذين زعموا أن الله تعالى عز وجل يريد مراده بإرادة حادثة وزعموا أن إرادته من جنس أرادتنا ثم ناقضوا هذه الدعوى بأن قالوا يجوز حدوث إرادة الله عز وجل لا في محل ولا يصح حدوث إرادتنا إلا في محل وهذا ينقض قولهم إن إرادته من جنس أرادتنا لأن الشيئين إذا كانا متماثلين ومن جنس واحد جاز على كل واحد منهما ما يجوز على الآخر واستحال في كل واحد منهما ما يستحيل على الآخر.

وزادت الكرامية على المعتزلة البصرية في تشبيه إرادة الله تعالى بأرادات عباده وزعموا أن إرادته من جنس أرادتنا وأنها حادثة فيه كما تحدث أرادتنا فينا وزعموا لأجل ذلك أن الله تعالى محل للحوادث تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

ومنهم الذين شبهوا كلام الله عز وجل بكلام خلقه فزعموا أن كلام الله تعالى أصوات وحروف من جنس الأصوات والحروف المنسوبة إلى العباد وقالوا بحدوث كلامه وأحال جمهورهم سوى الجبائي بقاء كلام الله تعالى وقال النظام منهم ليس في نظم كلام الله سبحانه إعجاز كما ليس في نظم كلام العباد إعجاز وزعم أكثر المعتزلة أن الزنج والترك والخزر قادرون على الإتيان بمثل نظم القرآن وبما هو أفصح منه وإنما عدموا العلم بتأليف نظمه وذلك العلم مما يصح أن يكون مقدورا لهم. وشاركت الكرامية المعتزلة في دعواها حدوث قول الله عز وجل مع فرقها بين القول والكلام في دعواها أن قول الله سبحانه من جنس أصوات العباد وحروفهم وإن كلامه قدرته على أحداث القول وزادت على المعتزلة قولها بحدوث قول الله عز وجل في ذاته بناء على أصلهم في جواز كون الإله محلا للحوادث.

ومنهم الزرارية أتباع زرارة بن أعين الرافضي في دعواها حدوث جميع صفات الله عز وجل وأنها من جنس صفاتنا وزعموا أن الله تعالى لم يكن في الأزل حيا ولا عالما ولا قادرا ولا مريدا ولا سميعا ولا بصيرا وإنما استحق هذه الأوصاف حين أحدث لنفسه حياة وقدرة وعلما وإرادة وسمعا وبصرا كما أن الواحد منا يصير حيا قادرا سميعا بصيرا مريدا عند حدوث الحياة والقدرة والإرادة والعلم والسمع والبصر فيه.

ومنهم الذين قالوا من الروافض بأن الله تعالى لا يعلم الشيء حتى يكون فأوجبوا حدوث علمه كما يجب حدوث علم العالم منا.

وهذا باب أن أطلناه طال ونشر الأذيال. وقد بينا تفصيل أقوال المعتزلة والمشبهة وأقوال سائر الأهواء في كتابنا المعروف بكتاب الملل والنحل. وفيما ذكرنا منها في هذا الباب كفاية والله أعلم.

الباب الرابع من أبواب هذا الكتاب في بيان الفرق التي انتسبت إلى الإسلام وليست منه

الكلام في هذا الباب يدور على اختلاف المتكلمين فيمن يعد من أمة الإسلام وملته. وقد ذكرنا قبل هذا أن بعض الناس زعم أن اسم ملة الإسلام واقع على كل مقر بنبوة محمد ﷺ وأن كل ما جاء به حق كائنا قوله بعد ذلك ما كان. وهذا اختبار الكعبي في مقالته. وزعمت الكرامية أن اسم أمة الإسلام واقع على كل من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله سواء أخلص في ذلك واعتقد خلافه. وهذان الفريقان يلزمهما إدخال العيسوية من اليهود والشاذكانية منهم في ملة الإسلام لأنهم يقولون لا إله إلا الله محمد رسول الله ويزعمون أن محمدا كان مبعوثا إلى العرب وقد أقروا بأن ما جاء به حق.

وقال بعض فقهاء أهل الحديث: اسم أمة الإسلام واقع على كل من اعتقد وجوب الصلوات الخمس إلى الكعبة. وهذا غير صحيح لأن أكثر المرتدين الذين ارتدوا بإسقاط الزكاة في عهد الصحابة كانوا يرون وجوب الصلاة إلى الكعبة وإنما ارتدوا بإسقاط وجوب الزكاة وهم المرتدون من بني كندة وتميم.

فأما المرتدون من بني حنيفة وبني أسعد فإنهم كفروا من وجهين: أحدهما إسقاط وجوب الزكاة والثاني دعواهم نبوة مسيلمة وطليحة. وأسقط بنو حنيفة وجوب صلاة الصبح وصلاة المغرب فازدادوا كفرا على كفر.

والصحيح عندنا أن اسم ملة الإسلام واقع على كل من أقر بحدوث العالم وتوحيد صانعه وقدمه وأنه عادل حكيم مع نفي التشبيه والتعطيل عنه، وأقر مع ذلك بنبوة جميع أنبيائه وبصحة نبوة محمد ﷺ ورسالته إلى الكافة وبتأييد شريعته وبأن كل ما جاء به حق وبأن القرآن منبع أحكام شريعته وبوجوب الصلوات الخمس إلى الكعبة وبوجوب الزكاة وصوم رمضان وحج البيت على الجملة. فكل من أقر بذلك فهو داخل في أهل ملة الإسلام وينظر فيه بعد ذلك فإن لم يخلط إيمانه ببدعة شنعاء تؤدي إلى الكفر فهو الموحد السني. وإن ضم إلى ذلك بدعة شنعاء نظر. فإن كان على بدعة الباطنية أو البيانية أو المغيرية أو المنصورية أو الجناحية أو السبئية أو الخطابية من الرافضة أو كان على دين الحلولية أو على دين أصحاب التناسخ أو على دين الميمونية أو اليزيدية من الخوارج أو على دين الخابطية أو الحمارية من القدرية أو كان ممن يحرم شيئا مما نص القرآن على إباحته باسمه أو أباح ما حرم القرآن باسمه فليس هو من جملة أمة الإسلام. وإن كانت بدعته من جنس بدع الرافضة الزيدية أو الرافضة الإمامية أو من جنس بدع أكثر الخوارج أو من جنس بدع المعتزلة أو من جنس بدع النجارية أو الجهمية أو الضرارية أو المجسمة من الأمة كان من جملة أمة الإسلام في بعض الأحكام وهو أن يدفن في مقابر المسلمين ويدفع إليه سهمه من الغنيمة إن غزا مع المسلمين ولا يمنع من دخول مساجد المسلمين ومن الصلاة فيها؛ ويخرج في بعض الأحكام عن حكم أمة الإسلام وذلك أنه لا تجوز الصلاة عليه ولا الصلاة على خلفه ولا تحل ذبيحته ولا تحل المرأة منهم للسني ولا يصح نكاح السنية من أحد منهم.

والفرق المنتسبة إلى الإسلام في الظاهر مع خروجها عن جملة الأمة عشرون فرقة هذه ترجمتها:

سبئية وبيانية وحربية ومغيرية ومنصورية وجناحية وخطابية وغرابية ومفوضية وحلولية وأصحاب التناسخ وخابطية وحمادية ومقنعية ورزامية ويزيدية وميمونية وباطنية وحلاجية وعذاقرية وأصحاب إباحة. ربما انشعبت الفرقة الواحدة من هذه الفرق أصنافا كثيرة نذكرها على التفصيل في فصول مهدية إن شاء الله عز وجل.

الفصل الأول من فصول هذا الباب في ذكر قول السبئية وبيان خروجها عن ملة الإسلام

السبئية أتباع عبد الله بن سبأ الذي غلا في علي رضي الله عنه وزعم أنه كان نبيا ثم غلا فيه حتى زعم أنه إله ودعا إلى ذلك قوما من غواة الكوفة ورفع خبرهم إلى علي رضي الله عنه فأمر بإحراق قوم منهم في حفرتين حتى قال بعض الشعراء في ذلك:

لترم بي الحوادث حيث شاءت ** إذا لم ترم بي في الحفرتين

ثم إن عليا رضي الله عنه خاف من إحراق الباقين منهم شماتة أهل الشام وخاف اختلاف أصحابه عليه، فنفى ابن سبأ إلى ساباط المدائن. فلما قتل علي رضي الله عنه زعم ابن سبأ أن المقتول لم يكن عليا وإنما كان شيطانا تصور للناس في صورة علي وأن عليا صعد إلى السماء كما صعد إليها عيسى بن مريم عليه السلام وقال كما كذبت اليهود النصارى في دعواها قتل عيسى كذلك كذبت النواصب والخوارج في دعواها قتل علي وإنما رأت اليهود والنصارى شخصا مصلوبا شبهوه بعيسى كذلك القائلون بقتل علي رأوا قتيلا يشبه عليا فظنوا أنه علي وعلي قد صعد إلى السماء وأنه سينزل إلى الدنيا وينتقم من أعدائه.

وزعم بعض السبئية أن عليا في السحاب وأن الرعد صوته والبرق صوته ومن سمع من هؤلاء صوت الرعد قال: عليك السلام يا أمير المؤمنين.

وقد روي عن عامر بن شراحبيل الشعبي أن ابن سبأ قيل له إن عليا قد قتل فقال إن جئتمونا بدماغه في صرة لم نصدق بموته لا يموت حتى ينزل من السماء ويملك الأرض بحذافيرها.

وهذه الطائفة تزعم أن المهدي المنتظر إنما هو على دون غيره وفي هذه الطائفة قال إسحاق بن سويد العدوي قصيدته برىء فيها من الخوارج والروافض والقدرية منها هذه الأبيات:

برئت من الخوارج لست منهم ** من الغزال منهم وابن باب

ومن قوم إذا ذكروا عليا ** يردون السلام على السحاب

ولكني أحب بكل قلبي ** وأعلم أن ذاك من الصواب

رسول الله والصديق حبا ** به أرجو غدا حسن الثواب

وقد ذكر الشعبي أن عبد الله بن السوداء كان يعين السبئية على قولها. وكان ابن السوداء في الأصل يهوديا من أهل الحيرة فأظهر الإسلام وأراد أن يكون له عند أهل الكوفة سوق ورياسة فذكر لهم أنه وجد في التوراة أن لكل نبي وصيا وأن عليا وصي محمد ﷺ وأنه خير الأوصياء كما أن محمدا خير الأنبياء. فلما سمع ذلك منه شيعة علي قالوا لعلي: إنه من محبيك، فرفع على قدره وأجلسه تحت درجة منبره ثم بلغه عنه غلوه فيه فهم بقتله فنهاه ابن عباس عن ذلك وقال له: إن قتلته اختلف عليك أصحابك وأنت عازم على العود إلى قتال أهل الشام وتحتاج إلى مداراة أصحابك، فلما خشي من قتله ومن قتل ابن سبأ الفتنة التي خافها ابن عباس نفاهما إلى المدائن، فافتتن بهما الرعاع بعد قتل علي رضي الله عنه وقال لهم ابن السوداء: والله لينبعن لعلي في مسجد الكوفة عينان تفيض إحداهما عسلا والأخرى سمنا ويغترف منهما شيعته.

وقال المحققون من أهل السنة: إن ابن السوداء كان على هوى دين اليهود وأراد أن يفسد على المسلمين دينهم بتأويلاته في علي وأولاده لكي يعتقدوا فيه ما اعتقدت النصارى في عيسى عليه السلام فانتسب إلى الرافضة السبئية حين وجدهم أعرف أهل الأهواء في الكفر ودلس ضلالته في تأويلاته.

قال عبد القاهر: كيف يكون من فرق الإسلام قوم يزعمون أن عليا كان آلها أو نبيا؟ ولئن جاز إدخال هؤلاء في جملة فرق الإسلام جاز إدخال الذين ادعوا نبوة مسيلمة الكذاب في فرق الإسلام.

قلنا للسبئية: إن كان مقتول عبد الرحمن بن ملجم شيطانا تصور للناس في صورة علي فلم لعنتم ابن ملجم وهلا مدحتموه فإن قاتل الشيطان محمود على فعله غير مذموم به. وقلنا لهم: كيف يصح دعواكم أن الرعد صوت علي والبرق صوته وقد كان صوت الرعد مسموعا والبرق محسوسا في زمن الفلاسفة قبل زمان الإسلام، ولهذا ذكروا الرعد والبرق في كتبهم واختلفوا في علتهما. ويقال لابن السوداء: ليس علي عندك وعند الذين تميل إليهم من اليهود أعظم رتبة من موسى وهارون ويوشع بن نون وقد صح موت هؤلاء الثلاثة ولم ينبع لهم من الأرض عسل ولا سمن بحال نبوع الماء العذب من الحجر الصلد لموسى وقومه في التيه، فما الذي عصم عليا من الموت وقد مات ابنه الحسين وأصحابه بكربلاء عطشا ولم ينبع لهم ماء فضلا عن عسل وسمن.

الفصل الثاني من فصول هذا الباب في ذكر البيانية من الغلاة وبيان خروجها عن فرق الإسلام

هؤلاء أتباع بيان بن سمعان التميمي. وهم الذين زعموا أن الإمامة صارت من محمد بن الحنفية إلى ابنه أبي هاشم عبد الله بن محمد ثم صارت من أبي هاشم إلى بيان بن سمعان بوصيته اليه.

واختلف هؤلاء في بيان زعيمهم. فمنهم من زعم أنه كان نبيا وأنه نسخ بعض شريعة محمد ﷺ. ومنهم من زعم أنه كان إلها وذكر هؤلاء أن بيانا قال لهم إن روح الإله تناسخت في الأنبياء والأئمة حتى صارت إلى أبي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية ثم انتقلت إليه منه يعني نفسه؛ فادعى لنفسه الربوبية على مذهب الحلولية وزعم أيضا أنه هو المذكور في القرآن في قوله: {هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين} وقال: أنا البيان وأنا الهدى والموعظة. وكان يزعم أنه يعرف الاسم الأعظم وأنه يهزم به العساكر وأنه يدعو به الزهرة فتجيبه.

ثم إنه زعم أن الإله الأزلي رجل من نور وأنه يفنى كله غير وجهه. وتأول على زعم قوله {كل شيء هالك إلا وجهه} وقوله {كل من عليها فان ويبقى وجه ربك}.

ورفع خبر بيان هذا إلى خالد بن عبد الله القشري في زمان ولايته في العراق فاحتال على بيان حتى ظفر به وصلبه وقال له: إن كنت تهزم الجيوش بالاسم الذي تعرفه فاهزم به أعواني عنك.

وهذه الفرقة خارجة عن جميع فرق الإسلام لدعواها إلاهية زعيمها بيان، كما خرج عابدو الاصنام عن فرق الإسلام. ومن زعم منهم أن بيانا كان نبيا فهو كمن زعم أن مسيلمة كان نبيا وكلا الفريقين خارجان عن فرق الإسلام.

ويقال للبيانية: إذا جاز فناء بعض الإله فما المانع من فناء وجهه فأما قوله {كل شيء هالك إلا وجهه} فمعناه راجع إلى بطلان كل عمل لم يقصد به وجه الله عز وجل. وقوله {ويبقى} معناه ويبقى ربك لأنه قال بعده {ذو الجلال والاكرام} بالرفع على البدل من الوجه، ولو كان الوجه مضافا إلى الرب لقال ذي الجلال بخفض ذي لأن نعت المخفوض يكون مخفوضا. وهذا واضح في نفسه والحمد لله.

الفصل الثالث في ذكر المغيرية من الغلاة وبيان خروجها عن جملة فرق الإسلام

هؤلاء أتباع المغيرة بن سعيد العجلي. وكان يظهر في بدء أمره مولاة الإمامية ويزعم أن الإمامة بعد على والحسن والحسين إلى سبطه محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسين بن الحسن بن علي وزعم أنه هو المهدي المنتظر واستدل على ذلك بالخبر الذي ذكر أن اسم المهدي يوافق اسم النبي ﷺ واسم أبيه يوافق اسم أبي النبي عليه السلام. وقتله الرافضة على دعوته إياهم إلى انتظار محمد بن عبد الله بن الحسين بن الحسن بن علي.

ثم إنه أظهر لهم بعد رياسته عليهم أنواعا من الكفر الصريح.

منها دعواه النبوة ودعواه علمه بالاسم الأعظم وزعم أنه يحيي به الموتى ويهزم به الجيوش. ومنها إفراطه في التشبيه وذلك أنه زعم أن معبوده رجل من نور على رأسه تاج من نور وله أعضاء وقلب ينبع منه الحكمة. وزعم أيضا أن أعضاءه على صور حروف الهجاء وأن الالف منها مثال قدميه والعين على صورة عينه وشبه الهاء بالفرج.

ومنها أنه تكلم في بدء الخلق فزعم أن الله تعالى لما أراد أن يخلق العالم تكلم باسمه الأعظم فطار ذلك الاسم ووقع تاجا على رأسه وتأول على ذلك قوله: {سبح اسم ربك الاعلى} وزعم أن الاسم الاعلى إنما هو ذلك التاج ثم أنه بعد وقوع التاج على رأسه كتب بإصبعه على كفه أعمال عباده ثم نظر فيها فغضب من معاصيهم فعرق فاجتمع من عرقه بحران أحدهما مظلم مالح والآخر عذب نير ثم اطلع في البحر فأبصر ظله فذهب ليأخذه فطار فانتزع عيني ظله فخلق منهما الشمس والقمر وأفنى باقي ظله وقال لا ينبغي أن يكون معي إله غيري ثم خلق الخلق من البحرين فخلق الشيعة من البحر العذب النير فهم المؤمنون وخلق الكفرة وهم أعداء الشيعة من البحر المظلم المالح.

وزعم أيضا أن الله تعالى خلق الناس قبل أجسادهم فكان أول ما خلق فيها ظل محمد، قال: فذلك قوله {قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين} قال: ثم أرسل ظل محمد إلى أظلال الناس ثم عرض على السماوات والجبال أن يمنعن علي بن أبي طالب من ظالميه فأبين ذلك فعرض ذلك على الناس فأمر عمر أبا بكر أن يتحمل نصره عليا ومنعه من أعدائه وأن يغدر به في الدنيا وضمن له أن يعينه على القدرية على شرط أن يجعل له الخلافة بعده ففعل أبو بكر ذلك، قال: فذلك تأويل قوله {إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها واشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا}. فزعم أن الظلوم الجهول أبو بكر وتأول في عمر قول الله تعالى: {كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك} والشيطان عنده عمر.

وكان المغيرة مع ضلالاته التي حكيناها عنه يأمر أصحابه بانتظار محمد بن عبد الله بن الحسين بن الحسن بن علي.

وسمع خالد بن عبد الله القشري يخبره وضلالاته فطلبه. فلما قتل المغيرة بقي أتباعه على انتظار محمد بن عبد الله بن الحسين بن الحسن. فلما أظهر محمد هذا دعوته بالمدينة بعث إليها أبو جعفر المنصور بصاحب جيشه عيسى بن موسى مع جيش كثيف فقتلوا محمدا بعد غلبته على مكة والمدينة، وكان أخوه إبراهيم بن عبد الله قد غلب على أرض المغرب. فأما محمد بن عبد الله بن الحسن فقتل بالمدينة في الحرب، وأما إبراهيم بن عبد الله بن الحسن فإنه غرّه يسيرٌ من الرجال وأتباعه من المعتزلة، وضمنوا له النصرة على جند المنصور، فلما التقى الجمعان بباخَمْرَى -وهي على ستة عشر فرسخا من الكوفة- قتل إبراهيم وانهزمت المعتزلة عنه ولحقه شؤمهم، وتولى قتالهم من أصحاب المنصور عيسى بن موسى وسلم ابن قتيبة، وأما أخوه الرئيس فإنه مات بأرض المغرب وقيل إنه سم. وذكر بعض أصحاب التواريخ أن سليمان بن جرير الزيدي سمه ثم هرب إلى العراق فلما قتل محمد بن عبد الله بن الحسين بن الحسن اختلف المغيرية في المغيرة فهربت منه فرقة منهم ولعنوه وقالوا إنه كذب في دعواه أن محمد بن عبد الله بن الحسن هو المهدي الذي يملك الأرض لأنه قتل ولم يملك الأرض ولا عشرها، وفرقة ثبتت على موالاة المغيرة وقالت إنه صدق في أن محمد بن عبد الله بن الحسن هو المهدي المنتظر وأنه لم يقتل بل هو في جبل من جبال حاجز مقيم إلى أن يؤمر بالخروج فإذا خرج عقدت له البيعة بمكة بين الركن والمقام ويحيى له سبعة عشر رجلا يعطي كل رجل منهم حرفا واحدا من حروف الاسم الأعظم فيهزمون الجيوش ويملكون الأرض. وزعم هؤلاء أن الذي قتله جند المنصور بالمدينة إنما كان شيطانا تمثل للناس بصورة محمد بن عبد الله بن الحسين بن الحسن. وهؤلاء يقال لهم المحمدية من الرافضة لانتظارهم محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن.

وكان جابر الجعفي على هذا المذهب وادعى وصية المغيرة بن سعيد إليه بذلك. فلما مات جابر ادعى بكر الأعور الهجري القتات وصية جابر إليه وزعم أنه لا يموت وأكل بذلك أموال المغيرية على وجه السخرية منهم فلما مات بكر علموا أنه كان كاذبا في دعواه فلعنوه.

قال عبد القاهر: كيف يعد في فرق الإسلام قوم شبهوا معبودهم بحروف الهجاء وادعوا نبوة زعيمهم؟ لو كان هؤلاء من الأمة لصح قول من يزعم أن القائلين بنبوة مسيلمة وطلحة كانوا من الأمة.

ويقال للمغيرية: إن أنكرتم قتل محمد بن عبد الله بن الحسين بن الحسن بن علي وزعمتم أن المقتول كان شيطانا تصور في صورته فبم تنفصلون ممن يزعم أن الحسين بن علي وأصحابه لم يقتلوا بكربلاء بل غابوا وقتل شياطين تصوروا بصورتهم فانتظروا حسينا فإنه اعلى رتبة من ابن أخيه محمد بن عبد الله بن الحسين بن الحسن وانتظروا عليا ولا تصدقوا بقتله كما انتظرته السبئية فإن عليا أجل من بنيه. وهذا ما لا انفصال لهم عنه.

الفصل الرابع من هذا الباب في ذكر الحربية وبيان خروجهم عن فرق الأمة

هؤلاء أتباع عبد الله بن عمر بن حرب الكندي. وكان على دين البيانية في دعواها أن روح الإله تناسخت في الأنبياء والأئمة إلى أن انتهت إلى أبي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية. ثم زعمت الحربية أن تلك الروح انتقلت من عبد الله بن محمد بن الحنفية إلى عبد الله بن عمرو بن حرب وادعت الحربية في زعيمها عبد الله بن عمرو بن حرب مثل دعوى البيانية في بيان بن سمعان. وكلتا الفرقتين كافرة بربها وليست من فرق الإسلام كما أن سائر الحلولية خارجة عن فرق الإسلام.

الفصل الخامس من هذا الباب في ذكر المنصورية وبيان خروجها عن جملة فرق الإسلام

هؤلاء أتباع أبي منصور العجلي الذي زعم أن الإمامة دارت في أولاد علي حتى انتهت إلى أبي جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي المعروف بالباقر. وادعى هذا العجلي أنه خليفة الباقر ثم ألحد في دعواه فزعم أنه عرج به إلى السماء وأن الله تعالى مسح بيده على رأسه وقال له: يا بني بلغ عني، ثم أنزله إلى الأرض. وزعم أنه الكسف الساقط من السماء المذكور في قوله: {وإن يروا كسفا من السماء ساقطا يقولوا سحاب مركوم}.

وكفرت هذه الطائفة بالقيامة والجنة والنار. وتأولوا الجنة على نعيم الدنيا، والنار على محن الناس في الدنيا. واستحلوا مع هذه الضلالة خنق مخالفيهم.

واستمرت فتنتهم على عادتهم إلى أن وقف يوسف بن عمر الثقفي وأتى العراق في زمانه على عورات المنصورية فاخذ أبا منصور العجلي وصلبه.

وهذه الفرقة أيضا غير معدودة في فرق الإسلام لكفرها بالقيامة والجنة والنار.

الفصل السادس من هذا الباب في ذكر الجناحية من الغلاة وبيان خروجها عن فرق الإسلام

هؤلاء أتباع عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب. وكان سبب اتباعهم له أن المغيرية الذين تبرءوا من المغيرة بن سعيد بعد قتل محمد بن عبد الله بن الحسين بن الحسن بن علي خرجوا من الكوفة إلى المدينة يطلبون إماما فلقيهم عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر فدعاهم إلى نفسه وزعم أنه هو الإمام بعد علي وأولاده من صلبه، فبايعوه على إمامته ورجعوا إلى الكوفة. وحكوا لأتباعهم أن عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر زعم أنه رب وأن روح الإله كانت في آدم ثم في شيث ثم دارت في الأنبياء والأئمة إلى أن انتهت في علي، ثم دارت في أولاده الثلاثة، ثم صارت إلى عبد الله بن معاوية. وزعموا أنه قال لهم إن العلم ينبت في قلبه كما تنبت الكمأة والعشب.

وكفرت هذه الطائفة بالجنة والنار. واستحلوا الخمر والميتة والزنى واللواط وسائر المحرمات. وأسقطوا وجوب العبادات، وتأولوا العبادات على أنها كنايات عمن تجب موالاتهم من أهل بيت علي. وقالوا في المحرمات المذكورة في القرآن إنها كنايات عن قوم يجب بغضهم، كأبي بكر وعمر وطلحة والزبير وعائشة.

وقد ذكر ابن قتيبة في كتاب المعارف أن عبد الله بن معاوية هذا ظهر بناحيتي فارس وأصفهان في جنده؛ فبعث أبو مسلم الخراساني إليه جيشا كثيفا فقتلوه. وأنكر أتباعه قتله وزعموا أنه حي.

ويقال لهذه الطائفة: إن لم يكن لنا جنة ولا نار ولا ثواب ولا عقاب فليس على مخالفيكم خوف من قتلكم وسبي نسائكم.

الفصل السابع من هذه الباب في ذكر الخطابية أتباع أبي الخطاب الأسدي

وهم يقولون إن الإمامة كانت في أولاد علي، إلى أن انتهت إلى جعفر الصادق، ويزعمون أن الأئمة كانوا آلهة.

وكان أبو الخطاب يزعم أولا أن الأئمة أنبياء، ثم زعم أنهم آلهة، وأن أولاد الحسن والحسين كانوا أبناء الله وأحباؤه. وكان يقول إن جعفرا إله. فلما بلغ ذلك جعفرا لعنه وطرده.

وكان أبو الخطاب بعد ذلك يدعي الإلهية لنفسه. وزعم أتباعه أن جعفرا إله، غير أن أبا الخطاب أفضل منه وأفضل من علي.

والخطابية يرون شهادة الزور لموافقيهم على مخالفيهم.

ثم إن أبا الخطاب نصب خيمة في كناسة الكوفة ودعا فيها أتباعه إلى عبادة جعفر. ثم خرج أبو الخطاب على والي الكوفة في أيام المنصور، فبعث إليه المنصور بعيسى بن موسى في جيش كثيف، فأسروه فصلب في كناسة الكوفة.

وأتباعه كانوا يقولون: ينبغي أن يكون في كل وقت إمام ناطق وآخر ساكت، والأئمة يكونون آلهة ويعرفون الغيب. ويقولون إن عليا كان في وقت النبي صامتا وكان النبي ﷺ ناطقا، ثم صار علي بعده ناطقا. وهكذا يقولون في الأئمة، إلى أن انتهى الأمر إلى جعفر، وكان أبو الخطاب في وقته إماما صامتا، وصار بعده ناطقا.

وأتباع أبي الخطاب افترقوا بعد صلبه خمس فرق، كلهم يزعمون أن الأئمة آلهة وأنهم يعلمون الغيب وما هو كائن قبل أن يكون. وكلهم كفار مارقون من دين الإسلام.

فالفرقة الأولى منهم: المعمرية، وهم يقولون إن الإمام بعد أبي الخطاب رجل اسمه معمر. وكانوا يعبدونه كما يعبدون أبا الخطاب، وكانوا يزعمون أن الدنيا لا تفنى وأن الجنة هي التي تصيب الناس من خير ونعمة وعافية، وأن النار هي التي تصيب الناس من شر ومشقة وبلية. واستحلوا المحرمات ودانوا بترك الفرائض. وكانوا ينكرون القيامة ويقولون بتناسخ الأرواح.

الفرقة الثانية البزيغية، وهم أتباع بزيع، وكان يزعم أن جعفرا كان إلها، ولم يكن جعفر ذلك الذي يراه الناس، بل كان يظهر للناس بتلك الصورة، وزعموا أيضا أن كل مؤمن يوحى إليه، وتأولوا على ذلك قول الله تعالى: {وما كان لنفس أن تموت إلا باذن الله} أي بوحى منه إليه واستدلوا أيضا بقوله: {وإذ أوحيت إلى الحواريين} وادعوا في أنفسهم أنهم هم الحواريون. وذكروا قول الله تعالى: {وأوحى ربك إلى النحل} وقالوا إذا جاز الوحي إلى النحل فالوحي إلينا أولى بالجواز. وزعموا أيضا أن فيهم من هو أفضل من جبريل وميكائيل ومحمد. وزعموا أيضا أنهم لا يموتون وأن الواحد منهم إذا بلغ النهاية في دينه رفع إلى الملكوت. وزعموا أنهم يرون المرفوعين منهم غدوة وعشية.

والفرقة الثالثة منهم عجرية أتباع عمير بن بيان العجلي قالوا بتكذيب الذين قالوا منهم إنهم لا يموتون وقالوا إنا نموت ولكن لا يزال خلف منا في الأرض أئمة أنبياء. وعبدوا جعفرا وسموه ربا.

والفرقة الرابعة منهم مفضلية لانتسابهم إلى رجل كان يقال له مفضل الصيرفي. قالوا بإلاهية جعفر دون نبوته وتبرءوا من أبي الخطاب لبراءة جعفر منه.

والفرقة الخامسة منهم خطابية مطلقة ثبتت على موالاة أبي الخطاب في دعاويه كلها وأنكرت إمامة من بعده.

قال عبد القاهر: إن الباطنية والمنصورية والجناحية والخطابية قد أكفروا أبا بكر وعمر وعثمان وأكثر الصحابة بإخراجهم عليا من الإمامة في عصرهم؛ وهم قد أخرجوا الإمامة عن أولاد علي في أعصار زعمائهم. فيقال لهم: إذا كان علي في وقته أولى بالإمامة من سائر الصحابة فهلا كان أولاده أولى بها من زعمائهم في أعصارهم؟ وليس العجب من هؤلاء الضالين، وإنما العجب من علوية قبلوا هؤلاء مع استبدادهم دونهم بالإمامة.

الفصل الثامن من هذا الباب في ذكر الغرابية والمفوضية والذمية وبيان خروجهم عن فرق الأمة

الغرابية قوم زعموا أن الله عز وجل أرسل جبريل عليه السلام إلى علي فغلط في طريقه فذهب إلى محمد لأنه كان يشبهه وقالوا كان أشبه به من الغراب بالغراب والذباب بالذباب. وزعموا أن عليا كان الرسول وأولاده بعده هم الرسل. وهذه الفرقة تقول لأتباعها: العنوا صاحب الريش يعنون جبريل عليه السلام. وكفر هذه الفرقة أكثر من كفر اليهود الذين قالوا لرسول الله ﷺ: من يأتيك بالوحي من الله تعالى؟ فقال: جبريل، فقالوا: إنا لا نحب جبريل لأنه ينزل بالعذاب، وقالوا: لو أتاك بالوحي ميكائيل الذي لا ينزل إلا بالرحمة لآمنا بك. فاليهود مع كفرهم بالنبي ﷺ ومع عداوتهم لجبريل عليه السلام لا يلعنون جبريل وإنما يزعمون أنه من ملائكة العذاب دون الرحمة. والغرابية من الرافضة يلعنون جبريل ومحمدا عليهما السلام وقد قال الله تعالى: {من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكائيل فإن الله عدو للكافرين}. في هذا تحقيق اسم الكافر لمبغض بعض الملائكة. ولا يجوز إدخال من سماهم الله كافرين في جملة فرق المسلمين.

وأما المفوضة من الرافضة فقوم زعموا أن الله تعالى خلق محمدا ثم فوض إليه تدبير العالم وتدبيره فهو الذي خلق العالم دون الله تعالى ثم فوض محمد تدبير العالم إلى علي بن أبي طالب فهو المدبر الثالث. وهذه الفرقة شر من المجوس الذين زعموا أن الإله خلق الشيطان ثم إن الشيطان خلق الشرور؛ وشر من النصارى الذين سموا عيسى عليه السلام مدبرا ثانيا. فمن عد مفوضة الرافضة من فرق الإسلام فهو بمنزلة من عد المجوس والنصارى من فرق الإسلام.

وأما الذمية منهم فقوم زعموا أن عليا هو الله؛ وشتموا محمدا، وزعموا أن عليا بعثه ليثني عنه فادعى الأمر لنفسه. وهذه خارجة عن فرق الإسلام لكفرها بنبوة محمد من الله تعالى.

الفصل التاسع من هذا الباب في ذكر الشريعية والنميرية من الرافضة

الشريعية أتباع رجل كان يعرف بالشريعي وهو الذي زعم أن الله تعالى حل في خمسة أشخاص وهم النبي وعلي وفاطمة والحسن والحسين وزعموا أن هؤلاء الخمسة آلهة ولها أضداد خمسة. واختلفوا في اضدادها فمنهم من زعم أنها محمودة لأنه لا يعرف فضل الأشخاص التي فيها الإله إلا بأضدادها ومنهم من زعم أن الأضداد مذمومة. وحكي عن الشريعي أنه ادعى يوما أن الإله حل فيه. وكان بعده من أتباعه رجل يعرف بالنميري حكي عنه أنه ادعى في نفسه أن الله تعالى حل فيه.


فهذه ثماني فرق من الروافض الغلاة خارجة عن جميع فرق الإسلام لإثباتهم إلها غير الله.

ومن أعجب الأشياء أن الخطابية زعمت أن جعفر الصادق قد أودعهم جلدا فيه علم كل ما يحتاجون إليه من الغيب وسموا ذلك الجلد جفرا وزعموا أنه لا يقرأ ما فيه إلا من كان منهم. وقد ذكر ذلك هارون بن سعد العجلي في شعره فقال:

ألم تر أن الرافضين تفرقوا ** وكلهم من جعفر قال منكرا

فطائفة قالوا إله ومنهم ** طوائف سمته النبي المطهرا

ومن عجب لم أقضه جلد جعفر ** برئت إلى الرحمن ممن يجفعرا

فإن كان يرضَى ما يقولون جعفر ** فإني إلى ربي أفارق جعفرا

برئت إلى الرحمن من كل رافض ** يصير بباب الكفر في الدين أعورا

إذا كف أهل الحق عن بدعة مضوا ** عليها وإن يمضوا إلى الحق قصرا

ولو قيل إن الفيل ضب لصدقوا ** ولو قيل زنجي تحول أحمرا

واخلف من يوم البعير فإنه ** إذا هو للإقبال وجه أدبرا

فقبح أقوام رموه بعزبة كما قال في عيسى الفِرى من تنصرا

الفصل العاشر من هذا الباب في ذكر أصناف الحلولية وبيان خروجها عن فرق الإسلام

الحلولية في الجملة عشر فرق كلها كانت في دولة الإسلام وغرض جميعها القصد إلى إفساد القول بتوحيد الصانع. وتفصيل فرقها في الأكثر يرجع إلى غلاة الروافض. وذلك أن السبئية والبيانية والجناحية والخطابية والنميرية منهم بأجمعها حلولية وظهر بعدهم المقنعية بما وراء نهر جيحون وظهر قوم بمرق يقال لهم رزامية وقوم يقال لهم بركوكية وظهر بعدهم قوم من الحلولية يقال لهم حلمانية وقوم يقال لهم حلاجية ينسبون إلى الحسين بن منصور المعروف بالحلاج وقوم يقال لهم العذاقرة ينسبون إلى ابن أبي العذاقري وتبع هؤلاء الحلولية قوم من الخرمية شاركوهم في استباحة المحرمات وإسقاط المفروضات. ونحن نذكر تفصيلهم على الاختصار.

أما السبئية فإنما دخلت في جملة الحلولية لقولها بأن عليا صار إلها بحلول روح الإله فيه.

وكذلك البيانية زعمت أن روح الإله دارت في الأنبياء والأئمة حتى انتهت إلى علي ثم دارت إلى محمد بن الحنفية ثم صارت إلى ابنه أبي هاشم ثم حلت بعده في بيان بن سمعان، وادعوا بذلك إلاهية بيان بن سمعان.

وكذلك الجناحية منهم حلولية لدعواها أن روح الإله دارت في علي وأولاده ثم صارت إلى عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر. فكفرت بدعواها حلول روح الإله في زعيمها، وكفرت مع ذلك بالقيامة والجنة والنار.

والخطابية كلها حلولية لدعواها حلول روح الإله في جعفر الصادق وبعده في أبي الخطاب الأسدي. فهذه الطائفة كافرة من هذه الجهة ومن جهة دعواها أن الحسن والحسين وأولادهما أبناء الله وأحباؤه. ومن ادعى منهم في نفسه أنه من أبناء الله فهو أكفر من سائر الخطابية.

والشريعية والنميرية منهم حلولية لدعواها أن روح الإله حلت في خمسة أشخاص النبي وعلي وفاطمة والحسن والحسين لدعواها أن هؤلاء الأشخاص الخمسة آلهة.

وأما الرزامية فقوم بمرو أفرطوا في موالاة أبي مسلم صاحب دولة بني العباس وساقوا الإمامة من أبي هاشم إليه ثم ساقوها من محمد بن علي إلى أخيه عبد الله بن علي السفاح، ثم زعموا أن الإمامة بعد السفاح صارت إلى أبي مسلم واقروا مع ذلك بقتل أبي مسلم وموته إلا فرقة منهم يقال لهم أبو مسلمية أفرطوا في أبي مسلم غاية الإفراط وزعموا أنه صار إلها بحلول روح الإله فيه وزعموا أن أبا مسلم خير من جبريل وميكائيل وسائر الملائكة وزعموا أيضا أن أبا مسلم حي لم يمت وهم على انتظاره. وهؤلاء بمرو وهرات يعرفون بالبركوكية. فإذا سئل هؤلاء عن الذي قتله المنصور قالوا كان شيطانا تصور للناس في صورة أبي مسلم.

وأما المقنعية فهم المبيضة بماء وراء نهر جيحون وكان زعيمهم المعروف بالمقنع رجلا أعور فصاروا بمرو من أهل قرية يقال لهم "كازه كيمن دات"، وكان قد عرف شيئا من الهندسة والحيل والنيرنجات وكان على دين الرزامية بمرو ثم ادعى لنفسه الإلهية واحتجب عن الناس ببرقع من حرير. واغتر به أهل جبل ابلاق وقوم من الصعد. ودامت فتنه على المسلمين مقدار أربع عشرة سنة وعاونه كفرة الأتراك الخلجية على المسلمين للغارة عليهم وهزموا عساكر كثيرة من عساكر المسلمين في أيام المهدي بن المنصور.

وكان المقنع قد أباح لأتباعه المحرمات وحرم عليهم القول بالتحريم، وأسقط عنهم الصلاة والصيام وسائر العبادات وزعم لأتباعه أنه هو الإله وأنه كان قد تصور مرة في صورة آدم ثم تصور في وقت آخر بصورة نوح وفي وقت آخر بصورة إبراهيم ثم تردد في صور الأنبياء إلى محمد ثم تصور بعده في صورة علي وانتقل بعد ذلك في صور أولاده ثم تصور بعد ذلك في صورة أبي مسلم ثم إنه زعم أنه في زمانه الذي كان فيه قد تصور بصورة هشام بن حكيم وكان اسمه هشام بن حكيم. [2] وقال إني إنما أنتقل في الصور لأن عبادي لا يطيقون رؤيتي في صورتي التي أنا عليها ومن رآني احترق بنوري.

وكان له حصن عظيم وثيق بناحية كثير ويحشب في جبل يقال له سيام. وكان عرض جدار سورها أكثر من مائة آجرة دونها خندق كبير. وكان معه أهل الصعد والأتراك الخلجية. وجهز المهدي إليهم صاحب جيشه معاذ بن مسلم في سبعين ألف من المقاتلة واتبعهم لسعيد بن عمرو الحرش. ثم أفرد سعيدا بالقتال وبتدبير الحرب فقاتله سنين واتخذ سعيد من الحديد والخشب مائتي سلم ليضعها على عرض خندق المقنع ليعبر عليها رجاله واستدعى من مولتان الهند عشرة آلاف جلد جاموس وحشاها رملا وكبس بها خندق المقنع وقاتل جند المقنع من وراء خندقه فاستأمن منهم إليه ثلاثون ألفا وقتل الباقون منهم وأحرق المقنع نفسه في تنور في حصنه قد أذاب فيه النحاس مع السكر حتى ذاب فيه. وافتتن به أصحابه بعد ذلك لما لم يجدوا له جثة ولا رمادا وزعموا أنه صعد إلى السماء.

وأتباعه اليوم في جبال ابلاق اكره أهلها، ولهم في كل قرية من قراهم مسجد لا يصلون فيه ولكن يكترون مؤذنا يؤذن فيه. وهم يستحلون الميتة والخنزير وكل واحد منهم يستمتع بامرأة غيره. وإن ظفروا بمسلم لم يره المؤذن الذي في مسجدهم قتلوه وأخفوه. غير أنهم مقهورون بعامة المسلمين في ناحيتهم والحمد لله على ذلك.

وأما الحلمانية من الحلولية فهم المنسوبون إلى أبي حلمان الدمشقي. وكان أصله من فارس ومنشؤه حلب وأظهر بدعته بدمشق فنسب لذلك إليها. وكان كفره من وجهين: أحدهما أنه كان يقول بحلول الإله في الأشخاص الحسنة وكان مع أصحابه إذا رأوا صورة حسنة سجدوا لها يوهمون أن الإله قد حل فيها. والوجه الثاني من كفره قوله بالإباحة ودعواه أن من عرف الإله على الوصف الذي يعتقده هو زال عنه الحظر والتحريم واستباح كل ما يستلذه ويشتهيه.

قال عبد القاهر: رأيت بعض هؤلاء الحلمانية يستدل على جواز حلول الإله في الأجساد بقول الله تعالى للملائكة في آدم {فإذا سويته ونفخت فيه من روحى فقعوا له ساجدين} وكان يزعم أن الإله إنما أمر الملائكة بالسجود لآدم لأنه كان قد حل في آدم وإنما حله لأنه خلقه في أحسن تقويم ولهذا قال: {ولقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم} فقلت له: أخبرني عن الآية التي استدللت بها في أمر الله الملائكة بالسجود لآدم عليه السلام والآية الناطقة بأن الإنسان مخلوق في أحسن تقويم هل أريد بهما جميع الناس على العموم أم أريد بهما إنسان بعينه؟ فقال: ما الذي يلزمني على كل واحد من القولين إن قلت به؟ فقلت: إن قلت إن المراد بهما كل الناس على العموم لزمك أن تسجد لكل إنسان وإن كان قبيح الصورة لدعواك أن الإله حل في جميع الناس، وإن قلت إن المراد به إنسان بعينه وهو آدم عليه السلام دون غيره فلم تسجد لغيره من أصحاب الصور الحسنة ولم تسجد للفرس الرابع والشجرة المثمرة وذوات الصور الحسنة من الطيور والبهائم وربما كان لهب النار في صورة رائعة، فإن استجزت السجود له فقد جمعت بين ضلالة الحلولية وضلالة عابدي النار وإذا لم تسجد للنار ولا للماء ولا للهواء ولا للسماء مع حسن صور هذه الأشياء في بعض الأحوال فلا تسجد للأشخاص الحسنة الصور. وقلت له أيضا: إن الصور الحسنة في العالم كثيرة وليس بعضها بحلول الإله فيه أولى من بعض، وإن زعمت أن الإله حال في جميع الصور الحسنة فهل ذلك الحلول على طريق قيام العرض بالجسم أو على طريق كون الجسم في الجسم به ويستحيل حلول عرض واحد في محال كثيرة ويستحيل كون شيء واحد في أمكنة كثيرة وإذا استحال هذا استحال ما يؤدي إليه.

وأما الحلاجية فمنسوبون إلى أبي المغيث الحسين بن منصور المعروف بالحلاج. وكان من أرض فارس من مدينة يقال لها البيضاء وكان في بدء أمره مشغولا بكلام الصوفية وكانت عباراته حينئذ من الجنس الذي تسميه الصوفية الشطح وهو الذي يحتمل معنيين أحدهما حسن محمود والآخر قبح مذموم وكان يدعي أنواع العلوم على الخصوص والعموم وافتتن به قوم من أهل بغداد وقوم من أهل طالقان خراسان.

وقد اختلف فيه المتكلمون والفقهاء والصوفية. فأما المتكلمون فأكثرهم على تكفيره وعلى أنه كان على مذاهب الحلولية. وقبله قوم من متكلمي السالمية بالبصرة ونسبوه إلى حقائق معاني الصوفية. وكان القاضي أبو بكر محمد بن الطيب الأشعري رحمه الله نسبه إلى معاطاة الحيل والمخاريق وذكر في كتابه الذي أبان فيه عجز المعتزلة عن تصحيح دلائل النبوة على أصولهم مخاريق الحلاج ووجوه حيله.

واختلف الفقهاء أيضا في شأن الحلاج فتوقف فيه أبو العباس بن سريح لما استفتي في دمه وأفتى أبو بكر بن داود بجواز قتله.

واختلف فيه مشايخ الصوفية فتبرئ منه عمرو بن عثمان المكي وأبو يعقوب الأقطع وجماعة منهم. وقال عمرو بن عثمان: كنت أماشيه يوما فقرأت شيئا من القرآن فقال: يمكنني أن اقول مثل هذا.

وروي أن الحلاج مر يوما على الجنيد فقال له: أنا الحق، فقال الجنيد: أنت بالحق أية خشبة تفسد. فتحقق فيه ما قال الجنيد لأنه صلب بعد ذلك. وقبله جماعة من الصوفية منهم أبو العباس بن عطاء ببغداد وأبو عبد الله بن خفيف بفارس وأبو القاسم النصرابادي بنيسابور وفارس الدينوري بناحيته.

والذين نسبوه إلى الكفر والى دين الحلولية حكوا عليه أنه قال: من هذب نفسه في الطاعة وصبر على اللذات والشهوات ارتقى إلى مقام المقربين ثم لا يزال يصفو ويرتقي في درجات المصافات حتى يصفو عن البشرية فإذا لم يبق فيه من البشرية حظ حل فيه روح الإله الذي حل في عيسى بن مريم ولم يرد حينئذ شيئا إلا كان كما أراد وكان جميع فعله فعل الله تعالى. وزعموا أن الحلاج ادعى لنفسه هذه الرتبة.

وذكر أنه ظفروا بكتب له إلى أتباع عنوانها من الهو هو رب الأرباب المتصور في كل صورة إلى عبده فلان فظفروا بكتب أتباعه إليه وفيها: "يا ذات اللذات ومنتهى غاية الشهوات نشهد أنك المتصور في كل زمان بصورة وفي زماننا هذا بصورة الحسين بن منصور ونحن نستجير لك ونرجو رحمتك يا علام الغيوب".

وذكروا أنه استمال ببغداد جماعة من حاشية الخليفة ومن حرمه حتى خاف الخليفة وهو جعفر المقتدر بالله معرة فتنته فحبسه واستفتى الفقهاء في دمه واستروح إلى فتوى أبي بكر بن داود بإباحة دمه فقدم إلى حامد بن العباس بضربه ألف صوت وبقطع يديه ورجليه وصلبه بعد ذلك عند جسر بغداد ففعل به ذلك يوم الثلاثاء لست بقين من ذي القعدة سنة تسع وثلثمائة. ثم أنزل من جذعه الذي صلب عليه بعد ثلاث وأحرق وطرح رماده في الدجلة.

وزعم بعض المنسوبين إليه أنه حي لم يقتل وإنما قتل من ألقي عليه شبهه.

والذين تولوه من الصوفية وزعموا أنه كشف له أحوال من الكرامة فأظهرها للناس فعوقب بتسليط منكري الكرامات عليه لتبقى حاله على التلبيس.

وزعم هؤلاء أن حقيقة التصوف حال ظاهرها تلبيس وباطنها تقديس. واستدلوا على تقديس باطن الحلاج بما روي أنه قال عند قطع يديه ورجليه: حسب الواحد إفراد الواحد وبأنه سئل يوما عن ذنبه فأنشأ يقول:

ثلاثة أحرف لا عجم فيها ** ومعجومان وانقطع الكلام

وأشار بذلك إلى التوحيد.

وأما العذاقرة فقوم ببغداد أتباع رجل ظهر ببغداد في أيام الراضي بن المقتدر في سنة اثنتين وعشرين وثلثمائة وكان معروفا بابن أبي العذاقر واسمه محمد بن علي السلمقاني. وادعى حلول روح الإله فيه وسمى نفسه روح القدس ووضع لأتباعه كتابا سماه بالحاسة السادسة وصرح فيه برفع الشريعة وأباح اللواط وزعم أنه إيلاج الفاضل نوره في المفضول وأباح أتباعه له حرمهم طمعا في إيلاجه نوره فيهن. وظفر الراضي بالله به وبجماعة من أتباعه منهم الحسين بن القاسم بن عبيد الله بن سليمان بن وهب وأبو عمران إبراهيم بن محمد بن أحمد بن المنجم، ووجد كتبهما إليه يخاطبانه فيها بالرب والمولى ويصفانه بالقدرة على ما يشاء وأقروا بذلك بحضرة الفقهاء ومنهم أبو العباس أحمد بن عمر بن سريج وأبو الفرح المالكي وجماعة من الأئمة فاعترفوا بذلك وأمر المعروف منهم بالحسين بن القسم بن عبيد الله بالبراءة من ابن أبي العذاقر بأن يصفعه ففعل ذلك وأظهر التوبة وأفتى ابن سريج بجواز قبول توبته على مذهب الشافعي رحمه الله وأفتى المالكيون برد توبة الزنديق بعد العثور عليه فأمر الراضي بحبسه إلى أن ينظر في أمره وأمر بقتل ابن أبي العذاقر وصاحبه أبي عون فقال له ابن أبي العذاقر أمهلني ثلاثة أيام لينزل فيها براءتي من السماء أو نقمة على أعدائي وأشار الفقهاء على الراضي بتعجيل قتلهما فصلبهما ثم أحرقهما بعد ذلك وطرح رمادهما في الدجلة.

الفصل الحادي عشر من فصول هذا الباب في ذكر أصحاب الإباحة من الخرمية وبيان خروجهم عن جملة فرق الإسلام

فهؤلاء صنفان:

صنف منهم كانوا قبل دولة الإسلام كالمزدكية الذين استباحوا المحرمات وزعموا أن الناس شركاء في الأموال والنساء. ودامت فتنة هؤلاء إلى أن قتلهم أنوشروان في زمانه.

والصنف الثاني خرمدينية ظهروا في دولة الإسلام. وهم فريقان بابكية وما زيارية وكلتاهما معروفة بالمحمرة.

فالبابكية منهم أتباع بابك الخزي الذي ظهر في جبل اليدين بناحية أذربيجان وكثر بها أتباعه واستباحوا المحرمات وقتلوا الكثير من المسلمين. وجهز إليه خلفاء بني العباس جيوشا كثيرة مع الفشين الحاجب ومحمد بن يوسف التعري وأبي دلف العجلي وأقرانهم. وبقيت العساكر في وجهه مقدار عشرين سنة إلى أن أخذ بابك وأخوه إسحاق بن إبراهيم وصلبا بعين من رأى في أيام المعتصم. واتهم الفشين الحاجب بممالأة بابك في حربه وقتل لأجل ذلك.

وأما المازبارية منهم فهم أتباع مازيار الذي أظهر دين المحمرة بجرجان.

وللبابكية في جبلهم ليلة عيد لهم يجتمعون فيها على الخمر والزمر وتختلط فيها رجالهم ونساؤهم فإذا أطفئت سرجهم ونيرانهم افتض فيها الرجال والنساء على تقدير من عزبز.

والبابكية ينسبون أصل دينهم إلى أمير كان لهم في الجاهلية اسمه شروين ويزعمون أن أباه كان من الزنج وأمه بعض بنات ملوك الفرس ويزعمون أن شروين كان أفضل من محمد ومن سائر الأنبياء. وقد بنوا في جبلهم مساجد للمسلمين يؤذن فيها المسلمون وهم يعلمون أولادهم القرآن، لكنهم لا يصلون في السر ولا يصومون في شهر رمضان ولا يرون جهاد الكفرة.

وكانت فتنة مازيار قد عظمت في ناحيته إلى أن أخذ في أيام المعتصم أيضا وصلب بسر من رأى بحذاء بابك الخزي.

وأتباع مازيار اليوم في جبلهم أكَرَة من يليهم من سواد جرجان يظهرون الإسلام ويضمرون خلافه. والله المستعان على أهل الزيغ والطغيان.

الفصل الثاني عشر من فصول هذا الباب في ذكر أصحاب التناسخ من أهل الأهواء وبيان خروجهم عن فرق الإسلام

القائلون بالتناسخ أصناف:

صنف من الفلاسفة وصنف من السمنية وهذان الصنفان كانا قبل دولة الإسلام.

وصنفان آخران ظهرا في دولة الإسلام أحدهما من جملة القدرية والآخر من جملة الرافضة الغالية.

فأصحاب التناسخ من السمنية قالوا بقدم العالم وقالوا أيضا بإبطال النظر والاستدلال وزعموا أنه لا معلوم إلا من جهة الحواس الخمس وأنكر أكثرهم المعاد والبعث بعد الموت. وقال فريق منهم بتناسخ الأرواح في الصور المختلفة وأجازوا أن ينقل روح الإنسان إلى كلب وروح الكلب إلى إنسان. وقد حكى اقلوطرخس مثل هذا القول عن بعض الفلاسفة، وزعموا أن من أذنب في قالب ناله العقاب على ذلك الذنب في قالب آخر وكذلك القول في الثواب عندهم. ومن أعجب الأشياء دعوى السمنية في التناسخ الذي لا يعلم بالحواس مع قولهم إنه لا معلوم إلا من جهة الحواس.

وقد ذهبت المانوية أيضا إلى التناسخ وذلك أن ماني قال في بعض كتبه إن الأرواح التي تفارق الأجسام نوعان أرواح الصديقين وأرواح أهل الضلالة، فأرواح الصديقين إذا فارقت أجسادها سرت في عمود الصبح إلى النور الذي فوق الفلك فبقيت في ذلك العالم على السرور الدائم، وأرواح أهل الضلال إذا فارقت الأجساد وأرادت اللحوق بالنور الأعلى ردت منعكسة إلى السفل فتتناسخ في أجسام الحيوانات إلى أن تصفو من شوائب الظلمة ثم تلتحق بالنور العاي.

وذكر أصحاب المقالات عن سقراط وأفلاطن وأتباعهما من الفلاسفة أنهم قالوا بتناسخ الأرواح على تفصيل قد حكيناه عنهم في كتاب الملل والنحل.

وقال بعض اليهود بالتناسخ وزعم أنه وجد في كتاب دانيال أن الله تعالى مسخ بختنصر في سبع صور من صور البهائم والسباع وعذبه فيها كلها ثم بعثه في آخرها موحدا.

وأما أهل التناسخ في دولة الإسلام فإن البيانية والجناحية والخطابية والراوندية من الروافض الحلولية كلها قالت بتناسخ روح الإله في الأئمة بزعمهم.

وأول من قال بهذه الضلالة السبئية من الرافضة لدعواهم أن عليا صار إلها حين حل روح الإله فيه. وزعمت البيانية منهم أن روح الإله دارت في الأنبياء ثم في الأئمة إلى أن صارت في بيان بن سمعان. وادعت الجناحية منهم مثل ذلك في عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر. وكذلك دعوى الخطابية في ابن الخطاب. وكذلك دعوى قوم من الراوندية في أبي مسلم صاحب دولة بني العباس.

فهؤلاء يقولون بتناسخ روح الإله دون أرواح الناس، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

وأما أهل التناسخ من القدرية فجماعة منهم أحمد بن خابط وكان معتزليا منتسبا إلى النظام. وكان على بدعته في الطفرة وفي نفي الجزء الذي يتجزأ وفي نفي قدرة الله تعالى على الزيادة في نعيم أهل الجنة أو في عذاب أهل النار. وزاد على النظام في ضلالته في التناسخ.

ومنهم أحمد بن أيوب بن يانوش وكان تلميذ أحمد بن خابط في التناسخ لكنهما اختلفا بعد في كيفية التناسخ.

ومنهم محمد بن أحمد القطحي وافتخر بأنه كان منهم في التناسخ والاعتزال.

ومنهم عبد الكريم بن أبي العوجاء وكان خال معن بن زائدة وجمع بين أربعة أنواع من الضلالة أحدها أنه كان يرى في السردين المانوية من الثنوية والثاني قوله بالتناسخ والثلث ميله إلى الرافضة في الإمامة والرابع قوله بالقدر في أبواب التعديل والتحوير. وكان وضع أحاديث كثيرة بأسانيد يغتر بها من لا معرفة له بالجرح والتعديل، وتلك الأحاديث التي وضعها كلها ضلالات في التشبيه والتعطيل وفي بعضها تغيير أحكام الشريعة. وهو الذي أفسد على الرافضة صوم رمضان بالهلال وردهم عن اعتبار الأهلة بحساب وضعه لهم ونسب ذلك الحساب إلى جعفر الصادق. ورفع خبر هذا الضال إلى أبي جعفر بن محمد بن سليمان عامل المنصور على الكوفة فأمر بقتله فقال: لن يقتلوني لقد وضعت أربعة ألف حديث أحللت بها الحرام وحرمت بها الحلال وفطرت الرافضة في يوم من أيام صومهم وصومتهم في يوم من أيام فطرهم.

وتفصيل قول هؤلاء في التناسخ أن أحمد بن خابط زعم أن الله تعالى أبدع خلقة أصحابه سالمين عقلاء بالغين في دار سوى الدنيا التي هم فيها اليوم وأكمل عقولهم وخلق فيهم معرفته والعلم به وأسبغ عليهم نعمه. وزعم أن الإنسان المأمور المنهي المنعم عليه هو الروح التي في الجسم وأن الأجسام قوالب للأرواح. وزعم أن الروح هي الحي القادر العالم وأن الحيوان كله جنس واحد. وزعم أيضا أن جميع أنواع الحيوان محتمل للتكليف، وكان قد توجه الأمر والنهي عليهم على اختلاف صورهم ولغاتهم وقال إن الله تعالى لما كلفهم في الدار التي خلقهم فيها شكره على ما أنعم به عليهم أطاعه بعضهم في جميع ما أمرهم به وعصاه بعضهم في جميع ما أمرهم به فمن أطاعه في جميع ما أمره به أقره في دار النعيم التي ابتدأه فيها ومن عصاه في جميع ما أمره به أخرجه من دار النعيم إلى دار العذاب الدائم وهي النار، ومن أطاعه في بعض ما أمره به وعصاه في بعض ما أمره به أخرجه إلى الدنيا وألبسه بعض هذه الأجسام التي هي القوالب الكثيفة وابتلاه بالبأساء والضراء والشدة والرجاء واللذات والآلام في صور مختلفة من صور الناس والطيور والبهائم والسباع والحشرات وغيرها على مقادير ذنوبهم ومعاصيهم في الدار الأولى التي خلقهم فيها، فمن كانت معاصيه في تلك الدار أقل وطاعاته أكثر كانت صورته في الدنيا أحسن، ومن كانت طاعاته في تلك الدار أقل ومعاصيه أكثر صار قالبه في الدنيا أقبح. ثم زعم أن الروح لا يزال في هذه الدنيا يتكرر في قوالب وصور مختلفة ما دامت طاعاته مشوبة بذنوبه وعلى قدر طاعاته وذنوبه يكون منازل قوالبه في الإنسانية والبيهمية ثم لا يزال من الله تعالى رسول إلى كل نوع من الحيوان وتكليف للحيوان أبدا إلى أن يتمحض عمل الحيوان طاعات فيرد إلى دار النعيم الدائم وهي الدار التي خلق فيها أو يمحض عمله معاصي فينقل إلى النار الدائم عذابها. فهذا قول ابن خابط في تناسخ الأرواح.

وقال أحمد بن أيوب بن بانوش: إن الله تعالى خلق الخلق كله دفعة واحدة. وحكى عنه بعض أصحابه أن الله تعالى خلق أولا الأجزاء المقدرة التي كل واحد منها جزء لا يتجزأ وزعم أن تلك الأجزاء كانت أحياء عاقلة وأن الله تعالى كان قد سوى بينهم في جميع أمورهم إذ لم يستحق واحد منهم تفضيلا على غيره ولا كان من أحد منهم جناية يؤخر لأجلها عن غيره، قال ثم إنه خيرهم بين أن يمتحنهم بعد إسباغ النعمة عليهم بالطاعات ليستحقوا بها الثواب عليها لأن منزلة الاستحقاق أشرف من منزلة التفضيل وبين أن يتركهم في تلك الدار تفضلا عليه بها فاختار بعضهم المحبة وأباها بعضهم فمن أباها تركه في الدار الأولى على حاله فيها ومن اختار الامتحان امتحنه في الدنيا ولما امتحن الذين اختاروا الامتحان عصاه بعضهم وأطاعه بعضهم فمن عصاه حطه إلى رتبة هي دون المنزلة التي خلقوا فيها ومن أطاعه رفعه إلى رتبة أعلى من المنزلة التي خلق عليها ثم كررهم في الأشخاص والقوالب إلى أن صار قوم منهم أناسا وآخرون صاروا بهائم أو سباعا بذنوبهم ومن صار منهم إلى البهيمية ارتفع عنه التكليف. وكان يخالف ابن خابط في تكليف البهائم ثم قال في البهائم إنها لا تزال تتردد في الصور القبيحة وتلقى المكاره من الذبح والتسخير إلى أن تستوفي ما تستحق من العقاب بذنوبها ثم تعاد إلى الحالة الأولى ثم يخبرهم الله تعالى تخييرا ثانيا في الامتحان فإن اختاروه أعاد تكليفهم على الحال التي وصنفاها وإن امتنعوا منه تركوا على حالهم غير مكلفين. وزعم أن من المكلفين من يعمل الطاعات حتى يستحق أن يكون نبيا أو ملكا فيفعل الله تعالى ذلك به.

وزعم القحطي منهم أن الله تعالى لم يعرض عليهم في أول أمرهم التكليف بل هم سألوه الرفع عن درجاتهم والتفاضل بينهم فأخبرهم بأنهم لا يصفون بذلك إلا بعد التكليف والامتحان وأنهم وإن كلفوا فعصوا استحقوا العقاب فابوا الامتحان قال فذلك قوله {إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فابين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا}.

وزعم أبو مسلم الحراني أن الله تعالى خلق الأرواح وكلف منها من علم أنه يطيعه دون من يعصيه وإن العصاة إنما عصوه ابتداء فعوقبوا بالنسخ والمسخ في الأجساد المختلفة على مقادير ذنوبهم.

فهذا تفصيل قول أصحاب التناسخ. وقد نقضنا عللهم في كتاب الملل والنحل بما فيه.

الفصل الثالث عشر من فصول هذا الباب في بيان ضلالات الخابطية من القدرية وبيان خروجهم عن فرق الأمة

هؤلاء أتباع أحمد بن خابط القدري وكان من أصحاب النظام في الاعتزال وقد ذكرنا قوله في التناسخ قبل هذا ونذكر في هذا الفصل ضلالاته في توحيد الصانع.

وذلك أن ابن خابط وفضلا الحدثي زعما أن للخلق ربين وخالقين أحدهما قديم وهو الله سبحانه والآخر مخلوق وهو عيسى بن مريم وزعما أن المسيح ابن الله على معنى النبي دون الولادة وزعما أيضا أن المسيح هو الذي يحاسب الخلق في الآخرة وهو الذي عناه الله بقوله: {وجاء ربك والملك صفا صفا} وهو الذي يأتي {في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر وإلى الله ترجع الأمور} وهو الذي خلق آدم على صورة نفسه، وذلك تأويل ما روي أن الله تعالى خلق إلها على صورته وزعم أنه هو الذي عناه النبي ﷺ بقوله: «ترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر» وهو الذي عناه بقول: "إن الله تعالى خلق العقل فقال له أقبل فأقبل وقال له أدبر فأدبر فقال ما خلقت خلقا أكرم منك وبك أعطي وبك آخذ". وقالا إن المسيح تدرّع جسدا وكان قبل التدرع عقلا.

قال عبد القاهر: قد شارك هذان الكافران الثنوية والمجوس في دعوى خالقين، وقولهم شر من قولهم لأن الثنوية والمجوس أضافوا اختراع جميع الخيرات إلى الله تعالى وإنما أضافوا فعل الشرور إلى الظلمة وإلى الشيطان، وأضاف ابن خابط وفضل الحدثي فعل الخيرات كلها إلى عيسى بن مريم وأضافا إليه محاسبة الخلق في الآخرة. والعجب في قولهما إن عيسى خلق جده آدم عليه السلام فيا عجبا من فرع يخلق أصله. ومن عد هذين الضالين من فرق الإسلام كمن عد النصارى من فرق الإسلام.

الفصل الرابع عشر من فصول هذا الباب في ذكر الحمارية من القدرية وبيان خروجهم عن فرق الأمة

هؤلاء قوم من معتزلة عسكر مكرم اختاروا من بدع أصناف القدرية ضلالات مخصوصة.

فأخذوا من ابن خابط قوله بتناسخ الأرواح في الأجساد والقوالب.

وأخذوا من عباد بن سليمان الضميري قوله بأن الذين مسخهم الله قردة وخنازير كانوا بعد المسخ ناسا وكانوا معتقدين للكفر بعد المسخ.

وأخذوا من جعد بن درهم الذي ضحى به خالد بن عبد الله القسري قوله بأن النظر الذي يوجب المعرفة تكون تلك المعرفة فعلا لا فاعل لها.

ثم زعموا بعد ذلك أن الخمر ليست من فعل الله تعالى وإنما هي من فعل الخمار لأن الله تعالى لا يفعل ما يكون سبب المعصية.

وزعموا أن الإنسان قد يخلق أنواعا من الحيوانات كاللحم إذا دفنه الإنسان أو يضعه في الشمس فيدود، زعموا أن تلك الديدان من خلق الإنسان، وكذلك العقارب التي تظهر من التبن تحت الآجر زعموا أنها من اختراع من جمع بين الآجر والتبن.

وهؤلاء شر من المجوس الذين أضافوا اختراع الحيات والحشرات والسموم إلى الشيطان. ومن عدهم من فرق الأمة كمن عد المجوس من فرق الأمة

الفصل الخامس عشر من فصول هذا الباب في ذكر اليزيدية من الخوارج وبيان خروجهم عن فرق الإسلام

هؤلاء أتباع يزيد بن أبي أنيسة الخارجي. وكان من البصرة ثم انتقل إلى نون من أرض فارس وكان على رأي الإباضية من الخوارج ثم أنه خرج عن قول جميع الأمة لدعواه أن الله عز وجل يبعث رسولا من العجم وينزل عليه كتابا من السماء وينسخ بشرعه شريعة محمد ﷺ. وزعم أن أتباع ذلك النبي المنتظر هم الصابئون المذكورون في القرآن، فأما المسمون بالصابئة من أهل واسط وحران فما هم الصابئون المذكورون في القرآن. وكان مع هذه الضلالة يتولى من شهد لمحمد ﷺ بالنبوة من أهل الكتاب وإن لم يدخل في دينه وسماهم بذلك مؤمنين. وعلى هذا القول يجب أن يكون العيسوية والرعيانية من اليهود مؤمنين لأنهم أقروا بنبوة محمد عليه السلام ولم يدخلوا في دينه. وليس بجائز أن يعد في فرق الإسلام من يعد اليهود من المسلمين وكيف يعد من فرق الإسلام من يقول بنسخ شريعة الإسلام.

الفصل السادس عشر من فصول هذا الباب في ذكر الميمونية من الخوارج وبيان خروجهم عن فرق الإسلام

هؤلاء أتباع رجل من الخوارج الشخرية كان اسمه ميمونا وكان على مذهب العجاردة من الخوارج ثم إنه خالف العجاردة في الإرادة والقدر والاستطاعة وقال في هذه الأبواب الثلاثة بقول القدرية المعتزلة عن الحق وزعم مع ذلك أن أطفال المشركين في الجنة.

ولو بقي ميمون هذا على البدع التي حكيناها عنه ولم يزد عليها ضلالة سواها لنسبناه إلى الخوارج لقوله بتكفير علي وطلحة والزبير وعائشة وعثمان، وقوله بتكفير أصحاب الذنوب، وإلى القدرية لقوله في باب الإرادة والقدر والاستطاعة بأقوال القدرية فيها. ولكنه زاد على القدرية وعلى الخوارج بضلالة اشتقها من دين المجوس، وذلك أنه أباح نكاح بنات الأولاد من الأجداد وبنات أولاد الإخوة والأخوات، وقال إنما ذكر الله تعالى في تحريم النساء بالنسب الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخوات، ولم يذكر بنات البنات ولا بنات البنين ولا بنات أولاد الإخوة ولا بنات أولاد الأخوات. فإن طرد قياسه في أمهات الأمهات وأمهات الآباء والأجداد انمحض في المجوسية، وإن لم يجر نكاح الجدات وقاس الجدات على الأمهات لزمه قياس بنات الأولاد على بنات الصلب، وإن لم يطرد قياسه في هذا الباب نقض اعتلاله.

وحكى الكرابيسي عن الميمونية من الخوارج أنهم أنكروا أن تكون سورة يوسف من القرآن. ومنكر بعض القرآن كمنكر كله.

ومن استحل بعض ذوات المحارم في حكم المجوس؛ ولا يكون المجوسي معدودا في فرق الإسلام.

الفصل السابع عشر من فصول هذا الباب في ذكر الباطنية وبيان خروجهم عن جميع فرق الإسلام

اعلموا أسعدكم الله ضرر الباطنية على فرق المسلمين أعظم من ضرر اليهود والنصارى والمجوس عليهم، بل أعظم من مضرة الدهرية وسائر أصناف الكفرة عليهم، بل أعظم من ضرر الدجال الذي يظهر في آخر الزمان؛ لأن الذين ضلوا عن الدين بدعوة الباطنية من وقت ظهور دعوتهم إلى يومنا أكثر من الذين يضلون بالدجال في وقت ظهوره، لأن فتنة الدجال لا تزيد مدتها على أربعين يوما وفضائح الباطنية أكثر من عدد الرمل والقطر.

وقد حكى أصحاب المقالات أن الذين أسسوا دعوة الباطنية جماعة. منهم ميمون بن ديصان المعروف بالقداح، وكان مولى لجعفر بن محمد الصادق وكان من الأهواز. ومنهم محمد بن الحسين الملقب بذيذان وميمون بن ديصان في سجن والي العراق أسسوا في ذلك السجن مذاهب الباطنية ثم ظهرت دعوتهم بعد خلاصهم من السجن من جهة المعروف بذيذان وابتدأ بالدعوة من ناحية فدخل في دينه جماعة من أكراد الجبل مع أهل الجبل المعروف بالبدين. ثم رحل ميمون بن ديصان إلى ناحية المغرب وانتسب في تلك الناحية إلى عقيل بن أبي طالب وزعم أنه من نسله فلما دخل في دعوته قوم من غلاة الرفض والحلولية منهم ادعى أنه من ولد محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق، فقبل الأغبياء ذلك منه على أصحاب الانتساب بأن محمد بن إسماعيل بن جعفر مات ولم يعقب عند علماء الأنساب.

ثم ظهر في دعوته إلى دين الباطنية رجل يقال له حمدان قرمط لقب بذلك لقرمطة في خطه أو في خطوه، وكان في ابتداء أمره أكارا من أكرة سواد الكوفة وإليه تنسب القرامطة.

ثم ظهر بعده في الدعوة إلى البدعة أبو سعيد الجنابي وكان من مستجيبة حمدان وتغلب على ناحية البحرين ودخل في دعوته بنو سنير.

ثم لما تمادت الأيام بهم ظهر المعروف منهم بسعيد بن الحسين بن أحمد بن عبد الله بن ميمون بن ديصان القداح؛ فغير اسم نفسه ونسبه وقال لأتباعه: أنا عبيد الله بن الحسن بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق. ثم ظهرت فتنته بالمغرب. وأولاده اليوم مستولون على أعمال مصر.

وظهر منهم المعروف بابن زكرويه بن مهرويه الدنداني. وكان من تلامذة حمدان قرمط. وظهر مأمون أخو حمدان قرمط بأرض فارس. وقرامطة فارس يقال لهم المأمونية لأجل ذلك.

ودخل أرض الديلم رجل من الباطنية يعرف بأبي حاتم فاستجاب له جماعة من الديلم منهم أسفار بن شرويه.

وظهر بنيسابور داعية لهم يعرف بالشعراني فقتل بها في ولاية أبي بكر بن محتاج عليها. وكان الشعراني قد دعا الحسين بن علي المرورزي قام بدعوته بعده محمد بن أحمد النسفي داعية أهل ما وراء النهر وأبو يعقوب السجزي المعروف ببندانه. وصنف النسفي لهم كتاب المحصول وصنف لهم أبو يعقوب كتاب أساس الدعوة وكتاب تأويل الشرائع وكتاب كشف الأسرار. وقتل النسفي والمعروف ببندانه على ضلالتهما.

وذكر أصحاب التواريخ أن دعوة الباطنية ظهرت أولا في زمان المأمون وانتشرت في زمان المعتصم وذكروا أنه دخل في دعوتهم الأفشين صاحب جيش المعتصم وكان مراهنا لبابك الخرمي وكان الخرمي مستعصيا بناحية البدين وكان أهل جبله خرمية على طريقة المزدكية، فصارت الخرمية مع الباطنية يدا واحدة واجتمع مع بابك من أهل البدين وممن انضم إليهم من الديلم مقدار ثلثمائة ألف رجل وأخرج الخليفة لقتالهم الأفشين فظنه ناصحا للمسلمين وكان في سره مع بابك، وتوانى في القتال معه ودله على عورات عساكر المسلمين وقتل الكثير منهم ثم لحقت الأمداد بالأفشين ولحق به محمد بن يوسف الثغري وأبو دلف القسم بن عيسى العجلي ولحق به بعد ذلك قواد عبد الله بن طاهر واشتدت شوكة البابكية والقرامطة على عسكر المسلمين حتى بنوا لأنفسهم البلدة المعروفة ببيرزند خوفا من بيان البابكية ودامت الحرب بين الفريقين سنين كثيرة إلى أن أظفر الله المسلمين بالبابكية فأسر بابك وصلب بسر من رأى سنة ثلاث وعشرين ومائتين، ثم أخذ أخوه إسحاق وصلب ببغداد مع المازيار صاحب المحمرة بطبرستان وجرجان. ولما قتل بابك ظهر للخليفة غدر الأفشين وخيانته للمسلمين في حروبه مع بابك فأمر بقتله وصلبه فصلب لذلك.

وذكر أصحاب التواريخ أن الذين وضعوا أساس دين الباطنية كانوا من أولاد المجوس وكانوا مائلين إلى دين أسلافهم ولم يجسروا على إظهاره خوفا من سيوف المسلمين، فوضع الأغمار منهم أساسا من قبلها منهم صار في الباطن إلى تفصيل أديان المجوس وتأولوا آيات القرآن وسنن النبي عليه السلام على موافقة أساسهم. وبيان ذلك أن الثنوية زعمت أن النور والظلمة صانعان قديمان والنور منهما فاعل الخيرات والمنافع والظلام فاعل الشرور والمضار وأن الأجسام ممتزجة من النور والظلمة وكل واحد منهما مشتمل على أربع طبائع وهي الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة والأصلان الأولان مع الطبائع الأربع مدبرات هذا العالم؛ وشاركهم المجوس في اعتقاد صانعين غير أنهم زعموا أن أحد الصانعين قديم وهو الإله الفاعل للخيرات والآخر شيطان محدث فاعل للشرور. وذكر زعماء الباطنية في كتبهم أن الإله خلق النفس فالإله هو الأول والنفس هو الثاني وهما مدبرا هذا العالم وسموهما الأول والثاني وربما سموهما العقل والنفس ثم قالوا إنهما يدبران هذا العالم بتدبير الكواكب السبعة والطبائع الأول وقولهم إن الأول والثاني يدبران العالم هو بعينه قول المجوس بإضافة الحوادث صانعين أحدهما قديم والآخر محدث، إلا أن الباطنية عبرت عن الصانعين بالأول والثاني وعبر المجوس عنهما بيزدان وأهرمن. فهذا هو الذي يدور في قلوب الباطنية ووضعوا أساسا يؤدي إليه.

ولم يمكنهم إظهار عبادة النيران فاحتالوا بأن قالوا للمسلمين ينبغى أن تجمر المساجد كلها وأن تكون في كل مسجد مجمرة يوضع عليها الند والعود في كل حال. وكانت البرامكة قد زينوا للرشيد أن يتخذ في جوف الكعبة مجمرة يتبخر عليها العود أبدا. فعلم الرشيد أنهم أرادوا من ذلك عبادة النار في الكعبة وأن تصير الكعبة بيت نار فكان ذلك أحد أسباب قبض الرشيد على البرامكة.

ثم إن الباطنية لما تأولت أصول الدي على الشرك احتالت أيضا لتأويل أحكام الشريعة على وجوه تؤدي إلى رفع الشريعة أو إلى مثل أحكام المجوس. والذي يدل على أن هذا مرادهم بتأويل الشريعة أنهم قد أباحوا لأتباعهم نكاح البنات والأخوات وأباحوا شرب الخمر وجميع اللذات.

ويؤكد ذلك أن الغلام الذي ظهر منهم بالبحرين والأحساء بعد سليمان بن الحسين القرمطي سن لأتباعه اللواط وأوجب قتل الغلام الذي يمتنع على من يريد الفجور به وأمر بقطع يد من أطفأ نارا بيده وبقطع لسان من أطفأها بنفخة. وهذا الغلام هو المعروف بابن أبي زكريا الطامي وكان ظهوره في سنة تسع عشرة وثلثمائة وطالت فتنته إلى أن سلط الله تعالى عليه من ذبحه على فراشه.

ويؤكد ما قلناه من ميل الباطنية إلى دين المجوس أنا لا نجد على ظهر الأرض مجوسيا إلا وهو مُوادٌّ لهم منتظر لظهورهم على الديار يظنون أن الملك يعود إليهم. بذلك وربما استدل أغمارهم على ذلك بما يرويه المجوس عن زرادشت أنه قال لكشتاسف أن الملك يزول عن الفرس إلى الروم واليونانية ثم يعود إلى الفرس ثم يزول عن الفرس إلى العرب ثم يعود إلى الفرس. وساعده جاماسب المنجم على ذلك وزعم أن الملك يعود إلى العجم لتمام ألف وخمسمائة سنة من وقت ظهور زرادشت.

وكان في الباطنية رجل يعرف بأبي عبد الله العردي يدعي علم النحوم ويتعصب للمجوس. وصنف كتابا وذكر فيه أن القرن الثامن عشر من مولد محمد يوافق الألف العاشر وهو نوبة المشتري والقوس وقال عند ذلك يخرج إنسان يعيد الدولة المجوسية ويستولي على الأرض كلها. وزعم أنه يملك مدة سبع قرانات وقالوا قد تحقق حكم زرادشت وجاماسب في زوال ملك العجم إلى الروم واليونانية في أيام الاسكندر ثم عاد إلى العجم بعد ثلثمائة سنة ثم زال بعد ذلك ملك العجم إلى العرب وسيعود إلى العجم لتمام المدة التي ذكرها جاماسب. وقد وافق الوقت الذي ذكروه أيام المكتفى والمقتدر وأخلف موعدهم وما رجع الملك فيه إلى المجوس وكانت القرامطة قبل هذا الميقات يتواعدون فيما بينهم ظهور المنتظر في القران السابع في المثلثة النارية.

وخرج منهم سليمان بن الحسين من الأحساء على هذه الدعوى، وتعرض للحجيج وأسرف في القتل منهم؛ ثم دخل مكة وقتل من كان في الطواف وأغار على أستار الكعبة وطرح القتلى في بئر زمزم وكسر عساكر كثيرة من عساكر المسلمين وانهزم في بعض حروبه إلى هجر. فكتب للمسلمين قصيدته يقول فيها:

أغرّكم منى رجوعي إلى هجر ** وعما قليل سوف يأتيكم الخبر

إذا طلع المريخ في أرض بابل ** وقارنه النجمات فالحذر الحذر

ألست أنا المذكور في الكتب كلها ** ألست أنا المبعوث في سورة الزمر

سأملك أهل الأرض شرقا ومغربا ** إلى قيروان الروم والترك والخزر

وأراد بالنجمين زحل والمشتري. وقد وجد هذا القران في سني ظهوره، ولم يملك من الأرض شيئا غير بلدته التي خرج منها، وطمع في أن يملك سبع قرانات وما ملك سبع سنين؛ بل قتل بهيت، رمته امرأة من سطحها بلبنة على رأسه فدمغته. وقتيل النساء أخس قتيل وأهون فقيد.

وفي آخر سنة ألف ومائتين وأربعين للاسكندر تم من تاريخ زرادشت ألف وخمسائة سنة وما عاد فيها ملك الأرض إلى المجوس؛ بل اتسع بعدها نطاق الإسلام في الأرض وفتح الله تعالى للمسلمين بعدها بلاد بلا ساغون وأرض التيب وأكثر نواحي الصين، ثم فتح لهم بعدها جميع أرض الهند من لمفات إلى قنوج، وصارت أرض الهند إلى سيتر سيقا بحرها من رقعة الإسلام في أيام أمين الدولة أمين الملة محمود بن سبكتين رحمه الله. وفي هذا رغم أنوف الباطنية والمجوس الجاماسبية الذين حكموا بعود الملك إليهم فذاقوا وبال أمرهم وكان عاقبة أمانيهم بوارا لهم بحمد الله ومنه.

ثم إن الباطنية خرج منهم عبيد الله بن الحسن بناحية القيروان وخدع قوما من كتامة وقوما من المصامدة وشرذمة من أغتام بربر بحبل ونيرنجات أظهرها لهم كرؤية الخيالات بالليل من خلف الرداء والآزار وظن الأغمار أنها معجزة له فتبعوه لأجلها على بدعته. فاستولى بهم على بلاد المغرب ثم خرج المعروف منهم بأبي سعيد الحسين بن بهرام على أهل الأحساء والقطيف والبحرين فأتى بأتباعه على أعدائه وسبى نساءهم وذراريهم وأحرق المصاحف والمساجد ثم استولى على هجر وقتل رجالها واستعبد ذراريهم ونساءهم. ثم ظهر المعروف منهم بالصناديقي باليمن وقتل الكثير من أهلها حتى قتل الأطفال والنساء وانضم إليه المعروف منهم بابن الفضل في أتباعه. ثم إن الله تعالى سلط عليهما وعلى أتباعهما الأكلة والطاعون فماتوا بهما.

ثم خرج بالشام حفيد لميمون بن ديصان يقال له أبو القاسم بن مهرويه وقالا لمن تبعهما هذا وقت ملكنا وكان ذلك سنة تسع وثمانين ومائتين فقصدهم سبك صاحب المعتضد فقتلوا سبكا في الحرب ودخلوا مدينة الرصافة وأحرقوا مسجدها الجامع وقصدوا بعد ذلك دمشق فاستقبلهم الحمامي غلام بن طيون وهزمهم إلى الرقة فخرج إليهم محمد بن سليمان كاتب المكتفي في جند من أجناد المكتفي فهزمهم وقتل منهم الألوف فانهزم الحسن بن زكريا بن مهرويه إلى الرملة فقبض عليه والي الرملة فبعث به وبجماعة من أتباعه إلى المكتفي فقتلهم ببغداد في الشارع بأشد عذاب.

ثم انقطعت بقتلهم شوكة القرامطة إلى سنة عشر وثلثمائة.

وظهر بعدها فتنة سليمان بن الحسن في سنة إحدى عشرة وثلثمائة فإنه كبس فيها البصرة وقتل أميرها سبكا المقلجي ونقل أموال البصرة إلى البحرين.

وفي سنة اثنتي عشرة وثلثمائة وقع على الحجيج في نهب لعشر بقين من المحرم وقتل أكثر الحجيج وسبى الحرم والذراري ثم دخل الكوفة في سنة ثلاث عشرة وثلثمائة فقتل الناس وانتهب الأموال.

وفي سنة خمس عشرة وثلثمائة حارب ابن أبي الساج وأسره وهزم أصحابه.

وفي سنة سبع عشرة وثلثمائة دخل مكة وقتل من وجده في الطواف. وقيل إنه قتل بها ثلاثة آلاف وأخرج منها سبعمائة بكر واقتلع الحجر الأسود وحمله إلى البحرين ثم ردفها إلى الكوفة. ورُد بعد ذلك من الكوفة إلى مكة على يد أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن يحيى مزكي نيسابور في سنة تسع وعشرين وثلثمائة.

وقصد سليمان بن الحسن بغداد في سنة ثماني عشرة وثلثمائة فلما ورد هيت رمته امرأة من سطحها بلبنة فقتلته. وانقطعت بعد ذلك شوكة القرامطة وصاروا بعد قتل سليمان بن الحسن متصدين للحجيج من الكوفة والبصرة إلى مكة حفاة ليضمن لهم مال إلى أن غلبهم الأصغر العقيلي على بعض ديارهم.

وكانت ولاية مصر وأعمالها للإخشدية، وانضم بعضهم إلى ابن عبيد الله الباطني الذي كان قد استولى على قيروان ودخلوا مصر في سنة ثلاث وستين وثلثمائة وابتنوا بها مدينة سموها القاهرة يسكنها أهل بدعته. وأهل مصر ثابتون على السنة إلى يومنا وإن أطاعوا صاحب القاهرة في أداء خراجهم إليه.

وكان أبو شجاع فناخسرو بن بويه قد تأهب لقصد مصر وانتزاعها من أيدي الباطنية وكتب على أعلامه بالسواد بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد خاتم النبيين الطائع لله أمير المؤمنين ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين. وقال قصيدة أولها:

أما ترى الأقدار لي طوائعا ** قواضيا لي بالعيان كالخبر

ويشهد الأنام لي بأني ** ذاك الذي يرجى وذاك المنتظر

لنصرة الإسلام والداعي إلى ** خليفة الله الإمام المفتخر

فلما خرج مضاربه للخروج إلى مصر غامضه الأجل فمضى لسبيله فلما قضى فناخسرو نحبه طمع زعيم مصر في ملوك نواحي الشرق فكاتبهم يدعوهم إلى البيعة له فأجاب قابوس بن وشمكين عن كتابه بقوله: إني لا أذكرك إلا على المستراح وأجابه ناصر الدولة أبو الحسن محمد بن إبراهيم بن سيمجور بأن كتب على ظهر كتابه إليه: {قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون} إلى آخر السورة. وأجابه نوح بن منصور والي خراسان بقتل دعاته إلى بدعته. ودخل في دعوته بعض ولاة الجرجانية من أرض خوارزم فكان دخوله في دينه شؤما عليه في ذهاب ملكه وقتله أصحابه. ثم استولى يمين الدولة وأمين الملة محمود بن سبكتكين على أرضهم وقتل من كان بها من دعاة الباطنية، وكان أبو علي بن سيمجور قد وافقهم في السر فذاق وبال أمره في ذلك وقبض عليه والي خراسان نوح بن منصور وبعث به إلى سبكتكين فقتل بناحية غزنة.

وكان أبو القاسم الحسن بن علي الملقب بدانشمند داعية أبي علي بن سيمجور إلى مذهب الباطنية وظفر به بكتوزون صاحب جيش السامانية بنيسابور فقتله ودفن في مكان لا يعرف.

وكان أميرك الطوسي والي ناحية التاروذية قد دخل في دعوة الباطنية فأسر وحمل إلى غزته وقتل بها في الليلة التي قتل فيها أبو علي بن سيمجور.

وكان أهل مولتان من أرض الهند داخلين في دعوة الباطنية فقصدهم محمود رحمه الله في عسكره وقتل منهم الألوف وقطع أيدي ألف منهم وباد بذلك نصراء الباطنية من تلك الباطنية. ومن هذا بيان شؤم الباطنية على منتحليها فليعتبر بذلك المعتبرون.


وقد اختلف المتكلمون في بيان أغراض الباطنية في دعوتها إلى بدعتها.

فذهب أكثرهم إلى أن غرض الباطنية الدعوة إلى دين المجوس بالتأويلات التي يتأولون عليها القرآن والسنة. واستدلوا على ذلك بأن زعيمهم الأول ميمون بن ديصان كان مجوسيا من سبي الأهواز، ودعا ابنه عبد الله بن ميمون الناس إلى دين أبيه واستدلوا أيضا بأن داعيهم المعروف بالبزدي قال في كتابه المعروف بالمحصول إن المبدع الأول أبدع النفس ثم إن الأول والثاني مدبر العالم بتدبير الكواكب السبعة والطبائع الأربع. وهذا في التحقيق معنى قول المجوس إن أليزدان خلق أهرمن وأنه مع أهرمن مدبران للعالم غير أن أليزدان فاعل الخيرات وأهرمن فاعل الشرور.

ومنهم من نسب الباطنية إلى الصابئين الذين هم بحران واستدل على ذلك بأن حمدان قرمط داعية الباطنية بعد ميمون بن ديصان كان من الصابئة الحرانية، واستدل أيضا بأن صابئة حران يكتمون أديانهم ولا يظهرونها إلا لمن كان منهم والباطنية أيضا لا يظهرون دينهم إلا لمن كان منهم بعد إحلافهم إياه على أن لا يذكر أسرارهم لغيرهم.

قال عبد القاهر: الذي يصح عندي من دين الباطنية أنهم دهرية زنادقة يقولون بقدم العالم وينكرون الرسل والشرائع كلها لميلها إلى استباحة كل ما يميل إليه الطبع.

والدليل على أنهم كما ذكرناه ما قرأته في كتابهم المترجم بالسياسة والبلاغ الاكيد والناموس الأعظم وهي رسالة عبيد الله بن الحسن القيرواني إلى سليمان بن الحسن بن سعيد الجناني أوصاه فيها بأن قال له: ادع الناس بأن تتقرب إليهم بما يميلون إليه وأوهم كل واحد منهم بأنك منهم، فمن آنست منه رشدا فاكشف له الغطاء، وإذا ظفرت بالفلسفي فاحتفظ به فعلى الفلاسفة معولنا وإنا وإياهم مجمعون على أن نواميس الأنبياء وعلى القول بقدم العالم لو ما يخالفنا فيه بعضهم من أن للعالم مدبرا لا يعرفه.

وذكر في هذا الكتاب إبطال القول بالمعاد والعقاب. وذكر فيها أن الجنة نعيم الدنيا وأن العذاب إنما هو اشتغال أصحاب الشرائع بالصلاة والحج والجهاد.

وقال أيضا في هذه الرسالة إن أهل الشرائع يعبدون إلها لا يعرفونه ولا يحصلون منه إلا على اسم بلا جسم.

وقال فيها أيضا: أكرم الدهرية فإنهم منا ونحن منهم. وفي هذا تحقيق نسبة الباطنية إلى الدهرية. والذي يؤكد هذا أن المجوس يدعون نبوة زرادشت ونزول الوحي عليه من الله تعالى، والصائبين يدعون نبوة هرمس وواليس ودوروتيوس وأفلاطن وجماعة من الفلاسفة، وسائر أصحاب الشرائع كل صنف منهم مقرون بنزول الوحي من السماء على الذين أقروا بنبوتهم ويقولون إن ذلك الوحي شامل للأمر والنهي والخبر عن عاقبة بعد الموت وعن ثواب وعقاب وجنة ونار يكون فيها الجزاء عن الأعمال السالفة، والباطنية يرفضون المعجزات وينكرون نزول الملائكة من السماء بالوحي والأمر والنهي بل ينكرون أن يكون في السماء ملك وإنما يتأولون الملائكة على دعائهم إلى بدعتهم ويتأولون الشياطين على مخالفيهم والأبالسة على مخالفيهم. ويزعمون أن الأنبياء قوم أحبوا الزعامة فساسوا العامة بالنواميس والحيل طلبا للزعامة بدعوى النبوة والإمامة، وكل واحد منهم صاحب دور مسبع إذا انقضى دوره سبعة تبعهم في دور آخر. وإذا ذكروا النبي والوحي قالوا إن النبي هو الناطق والوحي أساسه الفاتق وإلى الفاتق تأويل نطق الناطق على ما تراه يميل إليه هواه فمن صار إلى تأويله الباطن فهو من الملائكة البررة ومن عمل بالظاهر فهو من الشياطين الكفرة.

ثم تأولوا لكل ركن من أركان الشريعة تأويلا يورث تضليلا، فزعموا أن معنى الصلاة موالاة إمامهم والحج زيارته وإدمان خدمته والمراد بالصوم الإمساك عن إفشاء سر الإمام دون الإمساك عن الطعام، والزنى عندهم إفشاء سرهم بغير عهد وميثاق.

وزعموا أن من عرف معنى العبادة سقط عنه فرضها. وتأولوا في ذلك قوله {واعبد ربك حتى يأتيك اليقين} وحملوا اليقين على معرفة التأويل.

وقد قال القيرواني في رسالته إلى سليمان بن الحسن إنى اوصيك بتشكيك الناس في القرآن والتوراة والزبور والإنجيل وبدعوتهم إلى إبطال الشرائع والى إبطال المعاد والنشور من القبور وإبطال الملائكة في السماء وإبطال الجن في الأرض وأوصيك بأن تدعوهم إلى القول بأنه قد كان قبل آدم بشر كثير فإن ذلك عون لك على القول بقدم العالم.

وفي هذا تحقيق دعوانا على الباطنية أنهم دهرية يقولون بقدم العالم ويجحدون الصانع. ويدل على دعوانا عليهم القول بإبطال الشرائع أن القيرواني قال أيضا في رسالته إلى سليمان بن الحسن: وينبغي أن تحيط علما بمخاريق الأنبياء ومناقضاتهم في أقوالهم كعيسى بن مريم قال لليهود: لا أرفع شريعة موسى، ثم رفعها بتحريم الأحد بدلا من السبت وأباح العمل في السبت وأبدل قبلة موسى بخلاف جهتها، ولهذا قتلته البلاد لما اختلفت كلمته.

ثم قال له: ولا تكن كصاحب الأمة المنكوسة حين سألوه عن الروح فقال الروح من أمر ربي لما لم يحضره جواب المسألة. ولا تكن كموسى في دعواه التي لم يكن له عليها برهان سوى المخرقة بحسن الحيلة والشعبذة، ولما لم يجد المحق في زمانه عنده برهانا قال له: لئن اتخذت إلها غيري، وقال لقومه: أنا ربكم الأعلى، لأنه كان صاحب الزمان في وقته.

ثم قال في آخر رسالته: وما العجب من شيء كالعجب من رجل يدعي العقل ثم يكون له أخت أو بنت حسناء وليست له زوجة في حسنها فيحرمها على نفسه وينكحها من أجنبي؛ ولو عقل الجاهل لعلم أنه أحق بأخته وبنته من الأجنبي، ما وجه ذلك إلا أن صاحبهم حرم عليهم الطيبات وخوّفهم بغائب لا يعقل وهو الإله الذي يزعمونه وأخبرهم بكون ما لا يرونه أبدا من البعث من القبور والحساب والجنة والنار حتى استعبدهم بذلك عاجلا وجعلهم له في حياته ولذريته بعد وفاته خولا، واستباح بذلك بقوله: {لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى} فكان أمره معهم نقدا وأمرهم معه نسيئة، وقد استعجل منهم بدل أرواحهم وأموالهم على انتظار موعد لا يكون، وهل الجنة إلا هذه الدنيا ونعيمها، وهل النار وعذابها إلا ما فيه أصحاب الشرائع من التعب والنصب في الصلاة والصيام والجهاد والحج.

ثم قال لسليمان بن الحسن في هذه الرسالة: وأنت وإخوانك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس، وفي هذه الدنيا ورثتم نعيمها ولذاتها المحرمة على الجاهلين المتمسكين بشرائع أصحاب النواميس، فهنيئا لكم ما نلتم من الراحة عن أمرهم.

وفي هذا الذي ذكرناه دلالة على أن غرض الباطنية القول بمذاهب الدهرية واستباحة المحرمات وترك العبادات.

ثم إن الباطنية لهم في اصطياد الأغنام ودعوتهم إلى بدعتهم حيل على مراتب سموها التفرس والتأنيس والتشكيك والتعليق والربط والتدليس والتأسيس والمواثيق بالأيمان والعهود وآخرها الخلع والسلخ.

فأما التفرس فإنهم قالوا من شرط الداعي إلى بدعتهم أن يكون قويا على التلبيس وعارفا بوجوه تأويل الظواهر ليردها إلى الباطن ويكون مع ذلك مخبرا بين من يجوز من يطمع فيه وفي إغوائه وبين من لا مطمع فيه. ولهذا قالوا في وصاياهم للدعاة إلى بدعتهم: لا تتكلموا في بيت فيه سراج؛ يعنون بالسراج من يعرف علم الكلام ووجوه النظر والمقاييس. وقالوا أيضا لدعاتهم: لا تطرحوا بذركم في أرض سبخة؛ وأرادوا بذلك منع دعاتهم عن إظهار بدعتهم عند من لا يؤثر فيهم بدعتهم كما لا يؤثر البذر في الأرض السبخة شيئا. وسموا قلوب أتباعهم الأغنام أرضا زاكية لأنها تقبل بدعتهم، وهذا المثل بالعكس أولى وذلك أن القلوب الزاكية هي القابلة للدين القويم والصراط المستقيم وهي التي لا تصدأ بشبه أهل الضلال كالذهب الإبريز الذي لا يصدأ في الماء ولا يبلى في التراب ولا ينقص في النار، والأرض السبخة كقلوب الباطنية وسائر الزنادقة الذين لا يزجرهم عقل ولا يردعهم شرع، منهم أرجاس أنجاس أموات غير أحياء {إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا} قد قسم لهم الحظ من الرزق من قسم رزق الخنازير في مراعيها وأباح طعمه العنب في براريها {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون}.

وقالوا أيضا: من شرط الداعي إلى مذهبهم أن يكون عارفا بالوجوه التي تدعى بها الأصناف؛ فليست دعوة الأصناف من وجه واحد بل لكل صنف من الناس وجهه يدعى منه إلى مذهب الباطن.

فمن رآه الداعي مائلا إلى العبادات حمله على الزهد والعبادة، ثم سأله عن معاني العبادات وعلل الفرائض وشككه فيها.

ومن رآه ذا مجون وخلاعة قال له: العبادة بَلَه وحماقة، وإنما الفطنة في نيل اللذات. وتمثل له بقول الشاعر:

من راقب الناس مات همّا ** وفاز باللذة الجسور

ومن رآه شاكا في دينه أو في المعاد والثواب والعقاب صرح له بنفي ذلك وحمله على استباحة المحرمات واستروح معه إلى قول الشاعر الماجن:

أأترك لذة الصهباء صرفا ** لما وعدوه من لحم وخمر

حياة ثم موت ثم نشر ** حديث خرافة يا أم عمرو

ومن رآه من غلاة الرافضة كالسبئية والبيانية والمغيرية والمنصورية والخطابية لم يحتج معه إلى تأويل الآيات والأخبار لأنهم يتأولونها معهم على وفق ضلالتهم.

ومن رآه من الرافضة زيديا أو إماميا مائلا إلى الطعن في أخبار الصحابة دخل عليه من جهة شتم الصحابة وزين له بغض بني تيم لأن أبا بكر منهم وبغض بني عدي لأن عمر بن الخطاب كان منهم وحثه على بغض بني أمية لأنه كان منهم عثمان ومعاوية؛ وربما استروح الباطني في عصرنا هذا إلى قول إسماعيل بن عباد:

دخول النار في حب الوصي ** وفي تفضيل أولاد النبي

أحب إلي من جنات عدن ** أخلدها بتيم أو عَدِي

قال عبد القاهر: قد أجبنا هذا القائل بقولنا فيه:

أتطمع في دخول جنات عدن ** وأنت عدو تيم أو عدي

وهم تركوك أشقى من ثمود ** وهم تركوك أفضح من دَعي

وفي نار الجحيم غدا ستصلى ** إذا عاداك صدّيق النبي

ومن رآه الداعي مائلا إلى أبي بكر وعمر مدحهما عنده وقال: لهما حظ في تأويل الشرعية، ولهذا استصحب النبي أبا بكر إلى الغار ثم إلى المدينة وأفضى إليه في الغار تأويل شريعته، فإذا سأله الموالي لأبى بكر وعمر عن التأويل المذكور لأبي بكر وعمر أخذ عليه العهود والمواثيق في كتمان ما يظهره له ثم ذكر له على التدريج بعض التأويلات، فإن قبلها منه أظهر له الباقي وإن لم يقبل منه التأويل الأول ربطه في الباقي وكتمه عنه، وشك الغر من أجل ذلك في أركان الشريعة.

والذين يروج عليهم مذهب الباطنية أصناف:

أحدها العامة الذين قلّت بصائرهم بأصول العلم والنظر كالنبط والأكراد وأولاد المجوس.

والصنف الثاني الشعوبية الذين يرون تفضيل العجم على العرب ويتمنون عود الملك إلى العجم.

والصنف الثالث أغتام بني ربيعة من أجل غيظهم على مضر لخروج النبي منهم. ولهذا قال عبد الله بن خازم السلمي في خطبته بخراسان: إن ربيعة لم تزل غضابا على الله مذ بعث نبيه من مضر. ومن أجل حسد ربيعة لمضر بايعت بنو حنيفة مسيلمة الكذاب طمعا في أن يكون في بني ربيعة نبي كما كان من بني مضر نبي؛ فإذا استأنس الأعجمي الغر أو الربعي الحاسد المبغض يقول الباطني له: قومك أحق بالملك من مضر، فيسأله عن السبب في عود الملك إلى قومه، فإذا سأله عن ذلك قال له إن الشريعة المضرية لها نهاية وقد دنا انقضاؤها وبعد انقضائها يعود الملك إليكم؛ ثم ذكر له تأويل إنكار شريعة الإسلام على التدريج؛ فإذا قبل ذلك منه صار ملحدا خرسا واستثقل العبادات واستطاب استحلال المحرمات. فهذا بيان درجة التفرس منهم.

ودرجة التأنيس قربية من درجة التفرس عندهم وهي تزيين ما عليه الإنسان من مذهبه في عينه ثم سؤاله بعد ذلك عن تأويل ما هو عليه وتشكيكه إياه في أصول دينه. فإذا سأله المدعو عن ذلك قال: علم ذلك عند الإمام، ووصل بذلك منه إلى درجة التشكيك حتى صار المدعو إلى اعتقاد أن المراد بالظواهر والسنن غير مقتضاها في اللغة، وهان عليه بذلك ارتكاب المحظورات وترك العبادات.

والربط عندهم تعليق نفس المدعو بطلب تأويل أركان الشريعة، فإما أن يقبل منهم تأويلها على وجه يؤول إلى رفعها وإما أن يبقى على الشك والحيرة فيها.

ودرجة التدليس منهم قولهم للغر الجاهل بأصول النظر والاستدلال: إن الظواهر عذاب وباطنها فيه الرحمة، وذكر له قوله في القرآن: {فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب} فإذا سألهم الغر عن تأويل باطن الباب قالوا: جرت سنة الله تعالى في أخذ العهد والميثاق على رسله ولذلك قال: {واذا أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا} وذكروا له قوله: {ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون} فإذا حلف الغر لهم بالأيمان المغلظة وبالطلاق والعتق وتسبيل الأموال فقد ربطوه بها وذكروا له من تأويل الظواهر ما يؤدي إلى رفعها بزعمهم؛ فإن قبل الأحمق ذلك منهم دخل في دين الزنادقة باطلا واستتر بالإسلام ظاهرا؛ وإن نفر الحالف عن اعتقاد تأويلات الباطنية الزنادقة كتمها عليهم لأنه قد حلف لهم على كتمان ما أظهروه لهم من أسرارهم. وإذا قبلها منهم فقد حلفوه وسلخوه عن دين الإسلام وقالوا له حينئذ: إن الظاهر كالقشر والباطن كاللب واللب خير من القشر.

قال عبد القاهر: حكى له بعض من كان دخل في دعوة الباطنية ثم وفقه الله تعالى لرشده وهداه إلى حل إيمانهم أنهم لما وثقوا منه بأيمانه قالوا له: إن المسمين بالأنبياء كنوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد وكل من ادعى النبوة كانوا أصحاب نواميس ومخاريق أحبوا الزعامة على العامة فخدعوهم بنيرنجات واستعبدوهم بشرائعهم.

قال هذا الحاكي لي: ثم ناقض الذي كشف لي هذا السر بأن قال له: ينبغي أن تعلم أن محمد بن إسماعيل بن جعفر هو الذي نادى موسى بن عمران من الشجرة فقال له: {إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالوادي المقدس طوى} قال: فقلت: سخنت عينك تدعوني إلى الكفر برب قديم الخالق للعالم ثم تدعوني مع ذلك إلى الإقرار بربوبية إنسان مخلوق، وتزعم أنه كان قبل ولادته إلها مرسلا لموسى فإن كان موسى عندك رازقا، فالذي زعمت أنه أرسله أكذب؟ فقال لي: إنك لا تفلح أبدا؛ وندم على إفشاء إسراره إلي، وتبت من بدعتهم.

فهذا بيان وجه حيلهم على أتباعهم.

وأما أيمانهم فإن داعيهم يقول للحالف: جعلت على نفسك عهد الله وميثاقه وذمته وذمة رسله وما أخذ الله تعالى من النبيين من عهد وميثاق أنك تستر ما تسمعه مني وما تعلمه من أمري ومن أمر الإمام الذي هو صاحب زمانك وأمر أشياعه وأتباعه في هذا البلد وفي سائر البلدان وأمر المطيعين له من الذكور والاناث فلا تظهر من ذلك قليلا ولا كثيرا ولا تظهر شيئا يدل عليه من كتابة أو إشارة إلا ما أذن لك فيه الإمام صاحب ألزمان أو أذن لك في إظهاره المأذون له في دعوته فتعمل في ذلك حينئذ بمقدار ما يؤذن لك فيه وقد جعلت على نفسك الوفاء بذلك وألزمته نفسك في حالتي الرضا والغضب والرغبة والرهبة؟ قال: نعم. فإذا قال نعم قال له: وجعلت على نفسك أن تمنعني وجميع من أسميه لك مما تمنع منه نفسك بعهد الله تعالى وميثاقه عليك وذمته وذمة رسله وتنصحهم نصحا ظاهرا وباطنا وألا تخون الإمام وأولياءه وأهل دعوته في أنفسهم ولا في أموالهم وأنك لا تتأول في هذه الأيمان تأويلا ولا تعتقد ما يحلها وأنك إن فعلت شيئا من ذلك فأنت بريء من الله ورسله وملائكته ومن جميع ما أنزل الله تعالى من كتبه وأنك أن خالفت في شيء مما ذكرناه لك فلله عليك أن تحج إلى بيته مائة حجة ماشيا نذرا واجبا وكل ما تملكه في الوقت الذي أنت فيه صدقة على الفقراء والمساكين وكل مملوك يكون في ملكك يوم تخالف فيه أو بعده يكون حرا وكل امرأة لك الآن أو يوم مخالفتك أو تتزوجها بعد ذلك تكون طالقا منك ثلاث طلقات والله تعالى الشاهد على نيتك وعقد ضميرك فيما حلفت به؟ فإذا قال نعم قال له: كفى بالله شهيدا بيننا وبينك. فإذا حلف الغر بهذه الأيمان ظن أنه لا يمكن حلها. ولن يعلم الغر أنه ليس لأيمانهم عندهم مقدار ولا حرمة وأنهم لا يرون فيها ولا في حلها إثما ولا كفارة ولا عارا ولا عقابا في الآخرة. وكيف يكون لليمين بالله وبكتبه ورسله عندهم حرمة وهم لا يقرون بإله قديم بل يقرون بحدوث العالم ولا يثبتون كتابا منزلا من السماء ولا رسولا ينزل عليه الوحي من السماء؟ وكيف يكون لأيمان المسلمين عندهم حرمة ومن دينهم أن الله الرحمن الرحيم إنما هو زعيمهم الذي يدعو إليه، ومن مال منهم إلى دين المجوس زعم أن الإله نور بإزائه شيطان قد غلبه ونازعه في ملكه. وكيف يكون لنذر الحج والعمرة عندهم مقدار وهم لا يرون للكعبة مقدارا ويسخرون بمن يحج ويعتمر. وكيف يكون للطلاق عندهم حرمة وهم يستحلون كل امرأة من غير عقد.

فهذا بيان حكم الأيمان عندهم.

فأما حكم الأيمان عند المسلمين فإنا نقول: كل يمين يحلف بها الحالف ابتداء بطوع نفسه فهو على نيته. وكل يمين يحلف بها عند قاض أو سلطان يحلفه ينظر فيها فإن كانت يمينا في دعوى لمدع شيئا على الحالف المنكر وكان المدعي ظالما للمدعى عليه فيمن الحالف على نيته وإن كان المدعي محقا والمنكر ظالما للمدعي فيمين المنكر على نية القاضي أو السلطان الذي أحلفه ويكون الحالف خائنا في يمينه.

وإذا صحت هذه المقدمة فالباحث عن دين الباطنية إذا قصد إظهار بدعتهم للناس أو أراد النقض عليهم معذور في يمينه وتكون يمينه على نيته. فإذا استثنى بقلبه مشيئة الله تعالى فيها لم ينعقد عليه أيمانه ولم يحنث فيها بإظهاره أسرار الباطنية للناس ولم تطلق نساؤه ولا تعتق مماليكه ولا تلزمه صدقة بذلك. وليس زعيم الباطنية عند المسلمين إماما ومن أظهر سره لم يظهر سر إمام وإنما أظهر سر كافر زنديق. وقد جاء في ذكر الحديث المأثور: "اذكروا الفاسق بما فيه يحذره الناس".

فهذا بيان حيلتهم على الأغمار بالأيمان.

فأما احتيالهم على الأغمار بالتشكيك، فمن جهة أنهم يسألونهم عن مسائل من أحكام الشريعة يوهمونهم فيها خلاف معانيها الظاهرة وربما سألوهم عن مسائل في المحسوسات يوهمون أن فيها علوما لا يحيط بها إلا زعيمهم. فمن مسائلهم قول الداعي منهم للغر: لم صار للإنسان أذنان ولسان واحد، ولم صار للرجل ذكر واحد وخصيتان، ولم صارت الأعصاب متصلة بالدماغ والأوراد متصلة بالكبد والشرايين متصلة بالقلب، ولم صار الإنسان مخصوصا بنبات الشعر على جفنيه الأعلى والأسفل وسائر الحيوان ينبت الشعر على جفنه الأعلى دون الأسفل، ولم صار ثدي الإنسان على صدره وثدي البهائم على بطونها، ولماذا لم يكن للفرس غدد ولا كرش ولا كعب، وما الفرق بين الحيوان الذي يبيض والذي يلد ولا يبيض، وبماذا يميز بين السمكة النهرية والسمكة البحرية. ونحو هذا كثير يوهمون أن العلم بذلك عند زعيمهم.

ومن مسائلهم في القرآن سؤالهم عن معاني حروف الهجاء في أوائل السور كقوله {الم} و{حم} و{طس} و{يس} و{طه} و{كهيعص}. وربما قالوا: ما معنى كل حرف من حروف الهجاء ولم صارت حروف الهجاء تسعة وعشرين حرفا ولم عجم بعضها بالنقط وخلا بعض من النقط ولم جاز وصل بعضها بما بعدها بحرف. وربما قالوا للغر ما معنى قوله: {ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية} ولم جعل الله تعالى أبواب الجنة ثمانية وأبواب النار سبعة؟ وما معنى قوله: {عليها تسعة عشر} ومافائدة هذا العدد؟ وربما سألوا عن آيات أوهموا فيها التناقض وزعموا أنه لا يعرف تأويلها إلا زعيمهم، كقوله: {فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان} مع قوله في موضع آخر: {فوربك لنسألنهم أجمعين}.

ومنها مسائلهم في أحكام الفقه كقولهم لم صارت صلاة الصبح ركعتين والظهر أربعا والمغرب ثلاثا ولم صار في كل ركعة ركوع واحد وسجدتان ولم كان الوضوء على أربعة أعضاء والتيمم على عضوين ولم وجب الغسل من المني وهو عند أكثر المسلمين طاهر ولم يجب الغسل من البول مع نجاسته عند الجميع ولم أعادت الحائض ما تركت من الصيام ولم تعد ما تركت من الصلاة ولم كانت العقوبة في السرقة بقطع اليد وفي الزنى بالجلد وهلا قطع الفرج الذي به زنى في الزنى كما قطعت اليد التي بها سرق في السرقة.

فإذا سمع الغر منهم هذه الأسئلة ورجع إليهم في تأويلها قالوا له علمها عند إمامنا وعند المأذون له في كشف أسرارنا. فإذا تقرر عند الغر أن إمامهم أو ما دونه هو العالم بتأويله اعتقد أن المراد بظواهر القرآن والسنة غير ظاهرها فأخرجوه بهذه الحيلة عن العمل بأحكام الشريعة. فإذا اعتاد ترك العبادة واستحل المحرمات كشفوا له القناع وقالوا له: لو كان لنا إله قديم غني عن كل شيء لم يكن له فائدة في ركوع العباد وسجودهم ولا في طوافهم حول بيت من حجر ولا في سعي بين جبلين؛ فإذا قبل منهم ذلك فقد انسلخ عن توحيد ربه وصار جاحدا له زنديقا.

قال عبد القاهر: والكلام عليهم في مسائلهم التي يسألون عنها عند قصدهم إلى تشكيك الأغمار في أصول الدين من وجهين:

أحدهما أن يقال لهم: إنكم لا تخلون من أحد أمرين؛ أما أن تقروا بحدوث العالم وتثبتوا له صانعا قديما عالما حكيما يكون له تكليف عباده ما شاء كيف شاء وإما أن تنكروا ذلك وتقولوا بقدم العالم ونفي الصانع. فإن اعتقدتم قدم العالم ونفي الصانع فلا معنى لقولكم: لم فرض الله كذا ولم حرم كذا ولم خلق كذا ولم جعل كذا على مقدار كذا إذا لم تقروا باله فرض شيئا أو حرمه أو خلق شيئا أو قدره؛ ويصير الكلام بيننا وبينكم كالكلام بيننا وبين الدهرية في حدوث العالم. وإن أقررتم بحدوث العالم وتوحيد صانعه وأجزتم له تكليف عباده ما شاء من الأعمال كان جواز ذلك جوابا لكم عن قولكم لم فرض ولم حرم كذا، لإقراركم بجواز ذلك منه إن أقررتم به ويجواز تكليفه. وكذلك سؤالهم عن خاصية المحسوسات يبطل إن أقروا بصانع أحدثها. وإن أنكروا الصانع فلا معنى لقولهم لم خلق الله ذلك مع إنكارهم أن يكون لذلك صانع قديم.

والوجه الثاني من الكلام عليهم فيما سألوا عنه من عجائب خلق الحيوان أن يقال لهم: كيف يكون زعماء الباطنية مخصوصين بمعرفة علل ذلك وقد ذكرته الأطباء والفلاسفة في كتبهم وصنف أرسطاطاليس في طبائع الحيوان كتابا، وما ذكرت الفلاسفة من هذا النوع شيئا إلا مسروقا من حكماء العرب الذين كانوا قبل زمان الفلاسفة من العرب القحطانية والجرهمية والطسمية وسائر الأصناف الحميرية، وقد ذكرت العرب في أشعارها وأمثالها جميع طبائع الحيوان ولم يكن في زمانها باطني ولا زعيم للباطنية وإنما أخذ أرسطاطاليس الفرق بين ما يلد وما يبيض من قول العرب في أمثالها: كل شرقاء ولود وكل صكاء بيوض، ولهذا كان الخفاش من الطير ولودا لا يبوضا لأن لها أذنا شرقاء وكل ذات أذن صكاء بيوض كالحية والضب والطيور البائضة.

وذكر أبو عبيدة معمر بن المثنى وعبد الملك بن قريب الأصمعي أن العرب قالت بتجريبها في الجاهلية إن كل حيوان لعينيه أهداب على الجفن الأعلى دون الاسفل إلا الإنسان فإن أهدابه على الجفن الأعلى والأسفل، وقالوا: كل حيوان ألقي في الماء يسبح فيه إلا الإنسان والقرد والفرس الأعسر فإنه يغرق فيه إلا أن يتعلم الإنسان السباحة. وقالوا في الإنسان إنه إذا قطع رأسه وألقي في الماء انتصب قائما في وسط الماء، وقالوا كل طائر كفه في رجليه وكف الإنسان والقرد في اليد وكل ذي أربع ركبته في يده وركبتا الإنسان في رجليه وقالوا ليس للفرس غدد ولا كرش ولا طحال ولا كعب وليس للبعير مرارة وليس للظليم مخ وكذلك طير الماء وحيتان البحر ليس لها ألسن ولا أدمغة وقد يكون حوت النهر ذا لسان ودماغ. وقالوا إن السموك كلها لا رئة لها كذلك ولا تتنفس. وقالت العرب من تجاربها إن الضأن تضع في السنة مرة وتفرد ولا تتئم والماعز تضع في السنة مرتين وتضع الواحدة والاثنتين والثلاثة، والعدد والنماء والبركة في الضأن أكثر منها في الماعز. وقالوا أيضا إذا رعت الضأن نبتا وفصيلا نبت، ولا ينبت ما يأكله الماعز؛ لأن الضأن تقرضه بأسنانها والماعز تقلعه من أصله. وقالوا إن الماعز إذا حملت أنزلت اللبن أول الحمل إلى الضرع، والضأن لا تنزل اللبن إلا عند الولادة. وقالوا إن أصوات الذكور من كل جنس أجهر من أصوات الاناث إلا المعزى فإن أصوات إناثها أجهر من أصوات ذكورها.

ومن أمثال العرب في الحيوان قولهم: كل ثور أفطس وكل بعير أعلم وكل ذي ناب أفرج. وقالوا بالتجربة إن الاسد لا يأكل شيئا حامضا ولا يدنو من النار ولا يدنو من الحامض. وقالوا إن حمل الكلب ستون يوما فإن وضعت حملها لأقل من ذلك لم تكد أولادها تعيش وقالوا إن إناث الكلاب يحضن لسبعة أشهر ثم إن الكلبة تحيض في كل سبعة أيام وعلامة حيضها ورم أثغارها. وقالوا في الكلب ‘نه لا يلقى من أسنانه شيئا إلا الثامن. وقالوا في الذئب إنه ينام باجدى عينيه ويحترس بالأخرى ولذلك قال فيه حميد بن ثور:

ينام بإحدى مقلتيه ويتقي ** بأخرى المنايا فهو يقظان نائم

والأرنب تنام مفتوحة العينين. وقالوا ليس في الحيوان ما لسانه مقلوب إلا الفيل وليس في ذوات الأربع ما ثديه على صدره إلا الفيل وقالوا إن الفيل تضع لسبع سنين والحمار لسنة والبقرة في ذلك كالمرأة. وقالوا في قضيب الأرنب والثعلب إنه عظم. وقالوا كل ذي رجلين إذا انكسرت إحداهما قام على الأخرى وعرج إلا الظليم فإنه إذا انكسرت إحدى رجليه جثم في مكانه. ولهذا قال الشاعر في نفسه وأخيه:

فإني وإياه كرجلي نعامة ** على ما بنا من ذي غنى وذي فقر

يريد لا غنى لأحدهما عن صاحبه. وقالوا في النعامة إنها تبيض من ثلاثين بيضة إلى أربعين لكنها تخرج ثلاثين منها تحضن عليها كخيط ممدود على الاستواء وربما تركت بيضها وحضنت بيض غيرها. ولهذا قال فيها ابن هرمة:

كتاركة بيضها بالعرا ** وملبسة بيض أخرى جناحا

وقالوا في الفرج والفروج إنهما يخلقان من البياض والصفرة غذاؤهما. وقالوا في القطا إنها لا تضع إلا فردا وفي العقاب إنها تضع ثلاث بيضات فتخرج بيضتين وتطرح واحدة فيخرجها الطير المعروف بكاسي العظام. ولهذا قيل في المثل أبر من كاسي العظام. وقالوا في الضب إنها تضع سبعين بيضة ولكنها تأكل ما خرج من الحسولة عن البيض إلا الحسل الذي يعدو ويهرب منها. ولهذا قالوا في المثل: أعق من ضب. والضب لا يرد الماء ولهذا قالوا في المثل أروى من ضب. وقالوا في الضب إنه ذو ذكرين وللأنثى من الضباب فرجان من قبل. وقالوا في الحية لها لسانان ولسانها أسود على اختلاف ألوان قشرها والحيات كلها تكره ريح السذاب والبنفسج وتعجب بريح التفاح والبطيخ والجرو والخرذل واللبن والخمر. وقالوا في الضفادع إنها لا تصيح إلا وفي افواهها الماء ولا تصيح في دجلة بحال وإن صاحت في الفرات وسائر الأنهار. وقال الشاعر في الضفدع:

يدخل في الأشداق ما ينقفه ** حتى ينق والنقيق يلفته

يعنى أن نقيقها يدل عليها الحية فتصيدها فتأكلها. وقالوا إن الضفادع لا عظام لها. وقالوا في الجعل إنه إذا دفن في الورد سكن كالميت فإذا أعيد إلى الروث تحرك.

فهذا وما جرى مجراه من خواص الحيوانات وغيرها قد عرفته العرب في جاهليتها بالتجارب من غير رجوع منها إلى زعماء الباطنية؛ بل عرفوها قبل وجود الباطنية في الدنيا بأحقاب كثيرة. وفي هذا بيان كذب الباطنية في دعواها أن زعماءها مخصصون بمعرفة أسرار الأشياء وخواصها. وقد بينا خروجهم عن جميع فرق الإسلام بما فيه كفاية والحمد لله على ذلك.

الباب الخامس من أبواب هذا الكتاب في بيان أوصاف الفرقة الناجية وتحقيق النجاة لها وبيان محاسنها

هذا باب يشتمل على فصول هذه ترجمتها:

فصل في بيان أصناف فرق السنة والجماعة

فصل في بيان تحقيق النجاة لأهل السنة والجماعة

فصل في بيان الأصول التي اجتمع عليها أهل السنة والجماعة

فصل في بيان قول أهل السنة في السلف الصالح من الأمة

فصل في بيان عصمة أهل السنة عن تكفير بعضهم بعضا

فصل في بيان فضائل أهل السنة وأنواع علومهم وذكر أئمتهم

فصل في بيان آثار أهل السنة في الدين والدنيا وذكر مفاخرهم فيهما

فهذه فصول هذا الباب، وسنذكر في كل منها مقتضاه بعون الله وتوفيقه.

الفصل الأول من فصول هذا الباب في بيان أصناف أهل السنة والجماعة

اعلموا أسعدكم الله أن أهل السنة والجماعة ثمانية أصناف من الناس:

صنف منهم أحاطوا علما بأبواب التوحيد والنبوة وأحكام الوعد والوعيد والثواب والعقاب وشروط الاجتهاد والإمامة والزعامة، وسلكوا في هذا النوع من العلم طرق الصفاتية من المتكلمين الذين تبرءوا من التشبيه والتعطيل، ومن بدع الرافضة والخوارج والجهية والنجارية وسائر أهل الأهواء الضالة.

والصنف الثاني منهم: أئمة الفقه من فريقي الرأي والحديث، من الذين اعتقدوا في أصول الدين مذاهب الصفاتية في الله وفي صفاته الأزلية، وتبرءوا من القدر والاعتزال، وأثبتوا رؤية الله تعالى بالأبصار من غير تشبيه ولا تعطيل، وأثبتوا الحشر من القبور، مع إثبات السؤال في القبر، مع إثبات الحوض والصراط والشفاعة وغفران الذنوب التي دون الشرك.

وقالوا بدوام نعيم الجنة على أهلها، ودوام عذاب النار على الكفرة.

وقالوا بإمامة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي.

وأحسنوا الثناء على السلف الصالح من الأمة، ورأوا وجوب الجمعة خلف الأئمة الذين تبرءوا من أهل الأهواء الضالة. وروأوا وجوب استنباط أحكام الشريعة من القرآن والسنة ومن إجماع الصحابة. ورأوا جواز المسح على الخفين ووقوع الطلاق الثلاث. ورأوا تحريم المتعة. ورأوا وجوب طاعة السلطان فيما ليس بمعصية.

ويدخل في هذه الجماعة أصحاب مالك والشافعي والأوزاعي والثوري وأبو حنيفة وابن أبي ليلى وأصحاب أبي ثور وأصحاب أحمد بن حنبل وأهل الظاهر وسائر الفقهاء الذين اعتقدوا في الأبواب العقلية أصول الصفاتية ولم يخلطوا فقهه بشيء من بدع أهل الأهواء الضالة.

والصنف الثالث منهم هم الذين أحاطوا علما بطرق الأخبار والسنن المأثورة عن النبي عليه السلام، وميزوا بين الصحيح والسقيم منها وعرفوا أسباب الجرح والتعديل، ولم يخلطوا علمهم بذلك بشيء من بدع أهل الأهواء الضالة.

والصنف الرابع منهم قوم أحاطوا علما بأكثر أبواب الادب والنحو والتصريف وجروا على سمت أئمة اللغة كالخليل وأبي عمرو بن العلاء وسيبويه والفراء والأخفش والأصمعي والمازني وأبي عبيد وسائر أئمة النحو من الكوفيين والبصريين الذين لم يخلطوا علمهم بذلك بشيء من بدع القدرية أو الرافضة أو الخوارج. ومن مال منهم إلى شيء من الأهواء الضالة لم يكن من أهل السنة ولا كان قوله حجة في اللغة والنحو.

والصنف الخامس منهم هم الذين أحاطوا علما بوجوه قراءات القرآن وبوجوه تفسير آيات القرآن وتأويلها على وفق مذاهب أهل السنة دون تأويلات أهل الأهواء الضالة.

والصنف السادس منهم الزهاد الصوفية الذين أبصروا فأقصروا واختبروا فاعتبروا ورضوا بالمقدور وقنعوا بالميسور وعلموا أن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك مسئول عن الخير والشر ومحاسب على مثاقيل الذر، فأعدوا خير الاعتداد ليوم المعاد، وجرى كلامهم في طريقي العبارة والإشارة على سمت أهل الحديث دون من يشتري لهو الحديث لا يعملون الخير رياء ولا يتركونه حياء. دينهم التوحيد ونفي التشبيه ومذهبهم التفويض إلى الله تعالى والتوكل عليه والتسليم لأمره والقناعة بما رزقوا والإعراض عن الاعتراض عليه {ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم}.

السابع منهم قوم مرابطون في ثغور المسلمين في وجوه الكفرة يجاهدون أعداء المسلمين ويحمون حمى المسلمين ويذبون عن حريمهم وديارهم ويظهرون في ثغورهم مذاهب أهل السنة والجماعة. وهم الذين انزل الله تعالى فيهم قوله {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} زادهم الله تعالى توفيقا بفضله ومنه.

والصنف الثامن منهم عامة البلدان التي غلب فيها شعائر أهل السنة دون عامة البقاع التي ظهر فيها شعار أهل الأهواء الضالة.

وإنما أردنا بهذه الصنف من العامة عامة اعتقدوا تصويب علماء السنة والجماعة في أبواب العدل والتوحيد والوعد والوعيد ورجعوا إليهم في معالم دينهم وقلدوهم في فروع الحلال والحرام ولم يعتقدوا شيئا من بدع أهل الأهواء الضالة. وهؤلاء هم الذين سمتهم الصوفية حشو الجنة.

فهؤلاء أصناف أهل السنة والجماعة ومجموعهم أصحاب الدين القويم والصراط المستقيم ثبتهم الله تعالى بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة إنه بالإجابة جدير وعليها قدير.

الفصل الثاني من فصول هذا الباب في بيان تحقيق النجاة لأهل السنة والجماعة

قد ذكرنا في الباب الأول من هذا الكتاب أن النبي ﷺ لما ذكر افتراق أمته بعده ثلاثا وسبعين فرقة وأخبر أن فرقة واحدة منها ناجية سئل عن الفرقة الناجية وعن صفتها فأشار إلى الذين هم على ما عليه هو وأصحابه. ولسنا نجد اليوم من فرق الأمة من هم على موافقة الصحابة رضي الله عنهم غير أهل السنة والجماعة من فقهاء الأمة ومتكلميهم الصفاتية؛ دون الرافضة والقدرية والخوارج والجهمية والنجارية والمشبهة والغلاة والحلولية.

أما القدرية فكيف يكونون موافقيه للصحابة وقد طعن زعيمهم النظام في أكثر الصحابة وأسقط عدالة ابن مسعود ونسبه إلى الضلال من أجل روايته عن النبي ﷺ: «إن السعيد من سعد في بطن أمه والشقي من شقي في بطن أمه» وروايته انشقاق القمر. وما ذاك منه إلا لإنكاره معجزات النبي عليه السلام. وطعن في فتاوى عمر رضي الله عنه من أجل أنه حد في الخمر ثمانين ونفى نصر بن الحجاج إلى البصرة حين خاف فتنة نساء المدينة به، وما هذا منه إلا لقلة غيرته على الحرم. وطعن في فتاوى علي رضي الله عنه لقوله في أمهات الأولاد: ثم رأيت أنهن يبعن، وقال: من هو حتى يحكم برأيه. وثلب عثمان رضي الله عنه لقوله في الخرقاء بقسم المال بين الجد والأم والأخت ثلاثا بالسوية. ونسب أبا هريرة إلى الكذب من أجل أن الكثير من رواياته على خلاف مذاهب القدرية. وطعن في فتاوى كل من أفتى من الصحابة بالاجتهاد وقال إن ذلك منهم إنما كان لأجل أمرين إما لجهلهم بأن ذلك لا يحل لهم وإما لأنهم أرادوا أن يكونوا زعماء وأرباب مذاهب تنسب إليهم؛ فنسب أخيار الصحابة إلى الجهل أو النفاق. والجاهل بأحكام الدين عنده كافر والمتعمد للخلاف بلا حجة عنده منافق كافر أو فاسق فاجر وكلاهما من أهل النار على الخلود. فأوجب بزعمه على أعلام الصحابة الخلود في النار التي هو بها أولى. ثم إنه أبطل إجماع الصحابة ولم ير حجة وأجاز اجتماع الأمة على الضلالة. فكيف يكون على سمت الصحابة مقتديا بهم من يرى مخالفة جميعهم واجبا إذا كان رأيه خلاف رأيهم.

وكان زعيمهم واصل بن عطاء الغزال يشك في عدالة علي وابنيه وابن عباس وطلحة والزبير وعائشة وكل من شهد حرب الجمل من الفريقين. ولذلك قال: لو شهد عندي علي وطلحة على باقة بقل لم أحكم بشهادتهما لعلمي بأن أحدهما فاسق ولا أعرفه بعينه. فجائز على أصله أن يكون علي وأتباعه فاسقين مخلدين في النار وجائز أن يكون الفريق الآخر الذين كانوا أصحاب الجمل في النار خالدين. فشك في عدالة علي وطلحة والزبير مع شهادة النبي عليه الصلاة والسلام لهؤلاء الثلاثة بالجنة ومع دخولهم في بيعة الرضوان وفي جملة الذين قال الله تعالى فيهم: {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا}.

وكان عمرو بن عبيد يقول بقول واصل في فريقي الجمل وزاد عليه القول بالقطع على فسق كل فرقة من الفرقتين. وذلك أن واصلا إنما قطع بفسق أحد الفريقين ولم يحكم بشهادة رجلين أحدهما من أصحاب علي والآخر من أصحاب الجمل، وقبل شهادة رجلين من أصحاب علي وشهادة رجلين من أصحاب الجمل. وقال عمرو بن عبيد: لا أقبل شهادة الجماعة منهم سواء كانوا من أحد الفريقين وكان بعضهم من حزب علي وبعضهم من حزب الجمل. فاعتقد فسق الفريقين جميعا. وواجب على أصله أن يكون علي وابناه وابن عباس وعمار وأبو أيوب الأنصاري وخزيمة بن ثابت الأنصاري الذي جعل رسول الله ﷺ شهادته بمنزلة شهادة رجلين عدلين وسائر أصحاب علي مع طلحة والزبير وعائشة وسائر أصحاب الجمل فاسقين مخلدين في النار وفيهم من الصحابة ألوف. وقد كان مع علي خمسة وعشرون بدريا وأكثر أصحاب أحد وستمائة من الأنصار وجماعة من المهاجرين الأولين. وقد كان أبو الهذيل والجاحظ وأكثر القدرية في هذا الباب على رأي واصل بن عطاء فيهم. فكيف يكون مقتديا بالصحابة من يفسق أكثرهم ويراهم من أهل النار. ومن لا يرى شهادتهم مقبولة كيف يقبل روايتهم. ومن رد رواياتهم ورد شهاداتهم خرج عن سمتهم ومتابعتهم. وإنما يقتدي بهم من يعمل برواياتهم ويقبل شهاداتهم كدأب أهل السنة والجماعة في ذلك.

وأما الخوارج فقد أكفروا عليا وابنيه وابن عباس وأبا أيوب الأنصاري وأكفروا أيضا عثمان وعائشة وطلحة والزبير وأكفروا كل من لم يفارق عليا ومعاوية بعد التحكيم وأكفروا كل ذي ذنب من الأمة. ولا يكون على سمت الصحابة من يقول بتكفير أكثرها.

وأما الغلاة من الروافض كالسبئية والبيانية والمغيرية والمنصورية والجناحية والخطابية وسائر الحلولية فقد بينا خروجهم عن فرق الإسلام وبينا أنهم في عداد عبدة الاصنام أو في عداد الحلولية من النصارى. وليس لعبدة الاصنام ولا للنصارى وسائر الكفرة بالصحابة أسوة ولا قدوة.

وأما الزيدية منهم فالجارودية منهم يكفرون أبا بكر وعمر وعثمان وأكثر الصحابة. ولا يقتدي بهم من يكفر أكثرهم.

والسليمانية والبترية من الزيدية يكفرون عثمان أو يتوقفون فيه ويفسقون ناصريه ويكفرون أكثر أصحاب الجمل.

وأما الإمامية منهم فقد زعم أكثرهم أن الصحابة ارتدت بعد النبي ﷺ سوى علي وابنيه ومقدار ثلاثة عشر منهم. وزعمت الكاملية منهم أن عليا أيضا ارتد وكفر بتركه قتالهم. فكيف يكون على سمت الصحابة من يقول بتكفيرهم.

ثم نقول: كيف يكون الرافضة والخوارج والقدرية والجهمية والنجارية والبكرية والضرارية موافقين للصحابة وهم بأجمعهم لا يقبلون شيئا مما روي عن الصحابة في أحكام الشريعة لامتناعهم من قبول روايات الحديث والسير والمغازي من أجل تكفيرهم لأصحاب الحديث الذين هم نقلة الأخبار والآثار ورواه التواريخ والسير، ومن أجل تكفيرهم فقهاء الأمة الذين ضبطوا آثار الصحابة وقاسوا فروعهم على فتاوى الصحابة.

ولم يكن بحمد الله ومنّه في الخوارج ولا في الروافض ولا في الجهمية ولا في القدرية ولا في المجسمة ولا في سائر أهل الأهواء الضالة قط إمام في الفقه ولا إمام في رواية الحديث ولا إمام في اللغة والنحو ولا موثوق به في نقل المغازي والسير والتواريخ ولا إمام في الوعظ والتذكير ولا إمام في التأويل والتفسير؛ وإنما كان أئمة هذه العلوم على الخصوص والعموم من أهل السنة والجماعة. وأهل الأهواء الضالة إذا ردوا الروايات الواردة عن الصحابة في أحكامهم وسيرهم لم يصح اقتداؤهم بهم متى لم يشاهدوهم ولم يقبلوا رواية أهل الرواية عنهم.

وبان من هذا أن المقتدين بالصحابة من يعمل بما قد صح بالرواية الصحيحة في أحكامهم وسيرهم، وذلك سنة أهل السنة دون ذوي السنة. وصح بصحة ما ذكرناه تحقيق نجاتهم كحكم النبي ﷺ بنجاة المقتدين بأصحابه والحمد لله على ذلك.

الفصل الثالث من فصول هذا الباب في بيان الأصول التي اجتمعت عليها أهل السنة

قد اتفق جمهور أهل السنة والجماعة على أصول من أركان الدين. كل ركن منها يجب على كل عاقل بالغ معرفة حقيقته. ولكل ركن منها شعب وفي شعبها مسائل اتفق أهل السنة فيها على قول واحد وضللوا من خالفهم فيها.

وأول الأركان التي رأوها من أصول الدين إثبات الحقائق والعلوم على الخصوص والعموم.

والركن الثاني هو العلم بحدوث العالم في أقسامه من أعراضه وأجسامه.

والركن الثالث في معرفة صانع العالم وصفات ذاته.

والركن الرابع في معرفة صفاته الأزلية.

والركن الخامس في معرفة أسمائه وأوصافه.

والركن السادس في معرفة عدله وحكمته.

والركن السابع في معرفة رسله وأنبيائه.

والركن الثامن في معرفة معجزات الأنبياء وكرامات الأولياء.

والركن التاسع في معرفة ما أجمعت الأمة عليه من أركان شريعة الإسلام.

والركن العاشر في معرفة أحكام الأمر والنهى والتكليف.

والركن الحادي عشر في معرفة فناء العباد وأحكامهم في المعاد.

والركن الثاني عشر في معرفة الخلافة والإمامة وشروط الزعامة.

والركن الثالث عشر كذا في أحكام الإيمان والإسلام في الجملة.

والركن الرابع عشر في معرفة أحكام الأولياء ومراتب الأئمة الاتقياء.

والركن الخامس عشر في معرفة أحكام الأعداء من الكفرة وأهل الأهواء.

فهذه أصول اتفق أهل السنة على قواعدها وضللوا من خالفهم فيها. وفي كل ركن منها مسائل أصول ومسائل فروع، وهم يجمعون على أصولها وربما اختلفوا في بعض فروعها اختلافا لا يوجب تضليلا ولا تفسيقا.

فأما الركن الأول في إثبات الحقائق والعلوم، فقد أجمعوا على إثبات العلوم معاني قائمة بالعلماء وقالوا بتضليل نفاة العلم وسائر الأعراض وبتجهيل السوفسطائية الذين ينفون العلم وينفون حقائق الأشياء كلها وعدوهم معاندين لما قد علموه بالضرورة وكذلك السوفسطائية الذين شكوا في وجود الحقائق وكذلك الذين قالوا منهم بأن حقائق الأشياء تابعة للاعتقاد وصححوا جميع الاعتقادات مع تضادها وتنافيها. وهذه الفرق الثلاث كلها كفرة معاندة لموجبات العقول الضرورية.

وقال أهل السنة إن علوم الناس وعلوم سائر الحيوانات ثلاثة أنواع علم بديهي وعلم حسي وعلم استدلالي وقالوا من جحد العلوم البديهية أو العلوم الحسية الواقعة من جهة الحواس الخمس فهو معاند ومن أنكر العلوم النظرية الواقعة عن النظر والاستدلال نظر فيه فإن كان من السمنية المنكرة للنظر في العلوم العقلية فهو كافر ملحد وحكمه حكم الدهرية لقوله معهم بقدم العالم وإنكار الصانع مع زيادته عليهم القول بإبطال الأديان كلها وإن كان ممن يقول بالنظر في العقليات وينكر القياس في فروع الأحكام الشرعية كأهل الظاهر لم يكفر بإنكار القياس الشرعي.

وقالوا بأن الحواس التي يدرك بها المحسوسات خمس وهي حاسة البصر لإدراك المرئيات وحاسة السمع لإدراك المسموعات وحاسة الذوق لإدراك الطعوم وحاسة الشم لإدراك الروائح وحاسة اللمس لإدراك الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة واللين والخشونة بها. وقالوا إن الإدراكات الواقعة من جهة هذه الحواس معاني قائمة بالآلات التي تسمى حواس. وضللوا أبا هاشم بن الجبائي في قوله إن الإدراك ليس بمعنى ولا عرض ولا شيء سوى المدرك.

وقالوا إن الخبر المتواتر طريق العلم الضروري بصحة ما تواتر عنه الخبر إذا كان المخبر عنه مما يشاهد ويدرك بالحس والضرورة كالعلم بصحة وجود ما تواتر الخبر فيه من البلدان التي لم يدخلها السامع المخبر عنها أو كعلمنا بوجود الأنبياء والملوك الذين كانوا قبلنا. فأما صحة دعاوى الأنبياء في النبوة فمعلوم لنا بالحجج النظرية.

وأكفروا من أنكر من السمنية وقوع العلم من جهة التواتر.

وقالوا إن الأخبار التي يلزمنا العمل بها ثلاثة أنواع تواتر وآحاد ومتوسط بينهما مستفيض.

فالخبر المتواتر الذي يستحيل التواطؤ على وضعه يوجب العلم الضروري بصحة مخبره. وبهذا النوع من الأخبار علمنا البلدان التي لم ندخلها وبها عرفنا الملوك والأنبياء والقرون الذين كانوا قبلنا، وبه يعرف الإنسان والديه اللذين هو منسوب اليهما.

وأما أخبار الآحاد فمتى صح إسنادها وكانت متونها غير مستحيلة في العقل كانت موجبة للعمل بها دون العلم وكانت بمنزلة شهادة العدول عند الحاكم في أنه يلزمه الحكم بها في الظاهر وإن لم يعلم صدقهم في الشهادة. وبهذا النوع من الخبر أثبت الفقهاء أكثر فروع الأحكام الشرعية في العبادات والمعاملات وسائر أبواب الحلال والحرام وضللوا من أسقط وجوب العمل بأخبار الآحاد في الجملة من الرافضة والخوارج وسائر أهل الأهواء.

وأما الخبر المستفيض المتوسط بين التواتر والآحاد فإنه يشارك التواتر في إيجابه للعلم والعمل ويفارقه من حيث أن العلم الواقع عنه يكون علما مكتسبا نظريا والعلم الواقع عن التواتر يكون ضروريا غير مكتسب. وهذا النوع من الخبر على أقسام:

منها أخبار الأنبياء في أنفسهم وكذلك خبر من أخبر النبي عن صدقه يكون العلم لصدقه مكتسبا.

ومنها الخبر المنتشر من بعض الناس إذا أخبر به بحضرة قوم لا يصح منهم التواطؤ على الكذب وادعى عليهم وقوع ما أخبر عنه بحضرتهم فإذا لم ينكر عليه أحد منهم علمنا صدقه فيه. وبهذا النوع من الأخبار علمنا معجزة نبينا ﷺ في انشقاق القمر وتسبيح الحصا في يده وحنين الجذع إليه لما فارقه وإشباعه الخلق الكثير من الطعام اليسير ونحو ذلك من معجزاته، غير القرآن المعجز نظمه فإن ثبوت القرآن وظهوره عليه وعجز العرب والعجم عن المعارضة بمثله معلوم بالتواتر الموجب للعلم الضروري.

ومنها أخبار مستفيضة بين أئمة الحديث والفقه وهم مجمعون على صحتها كالأخبار في الشفاعة والحساب والحوض والصراط والميزان وعذاب القبر وسؤال الملكين في القبر. وكذلك الأخبار المستفيضة في كثير من أحكام الفقه كنصب الزكاة وحد الخمر في الجملة والأخبار في المسح على الخفين وفي الرجم وما أشبه ذلك مما أجمع الفقهاء على قبول الأخبار فيها وعلى العمل بمضمونها. وضللوا من خالف فيها من أهل الأهواء كتضليل الخوارج في إنكارها الرجم وتضليل من أنكر من النجدات حد الخمر وتضليل من أنكر المسح على الخفين وتكفير من أنكر الرؤية والحوض والشفاعة وعذاب القبر. وكذلك ضللوا الخوارج الذين قطعوا يد السارق في القليل والكثير من الحرز وغير الحرز، كردهم الأخبار الصحاح في اعتبار النصاب والحرز في القطع. وكما ضللوا من رد الخبر المستفيض ضللوا من ثبت على حكم خبر اتفق الفقهاء من فريقي الرأي والحديث على نسخه كتضليل الرافضة في المتعة التي قد نسخت إباحتها.

واتفق أهل السنة على أن الله تعالى كلف العباد معرفته وأمرهم بها وأنه أمرهم بمعرفة رسوله وكتابه والعمل بما يدل عليه الكتاب والسنة. وأكفروا من زعم من القدرية والرافضة أن الله تعالى ما كلف أحدا معرفته كما ذهب إليه ثمامة والجاحظ وطائفة من الرافضة.

واتفقوا على أن كل علم كسبي نظري يجوز أن يجعلنا الله تعالى مضطرين إلى العلم بمعلومه. وأكفروا من زعم من المعتزلة أن المعرفة بالله عز وجل في الآخرة مكتسبة من غير اضطرار إلى معرفته.

واتفقوا على أن أصول أحكام الشريعة القرآن والسنة وإجماع السلف. وأكفروا من زعم من الرافضة أن لا حجة اليوم في القرآن والسنة لدعواه فيها أن الصحابة غيروا بعض القرآن وحرفوا بعضه. وأكفروا الخوارج الذين ردوا جميع السنن التي رواها نقلة الأخبار لقولهم بتكفير ناقليها. وأكفروا النظام في إنكاره حجة الإجماع وحجة التواتر وقوله بجواز اجتماع الأمة على الضلالة وجواز تواطؤ أهل التواتر على وضع الكذب.

فهذا بيان ما اتفق عليه أهل السنة من مسائل الركن الأول.

وأما الركن الثاني وهو الكلام في حدوث العالم، فقد أجمعوا على أن العالم كل شيء هو غير الله عز وجل وعلى أن كل ما هو غير الله تعالى وغير صفاته الأزلية مخلوق مصنوع وعلى أن صانعه ليس بمخلوق ولا مصنوع ولا هو من جنس العالم ولا من جنس شيء من أجزاء العالم وأجمعوا على أن أجزاء العالم قسمان جواهر وأعراض خلاف قول نفاة الأعراض في نفيها الأعراض وأجمعوا على أن كل جوهر جزء لا يتجزأ. وأكفروا النظام والفلاسفة الذين قالوا بانقسام كل جزء إلى أجزاء بلا نهاية لأن هذا يقتضي إلا تكون أجزاؤها محصورة عند الله تعالى وفي هذا رد قوله: {وأحصى كل شيء عددا} وقالوا بإثبات الملائكة والجن والشياطين في أجناس حيوانات العالم. وأكفروا من أنكرهم من الفلاسفة والباطنية وقالوا بتجانس الجواهر والأجسام وقالوا إن اختلافها في الصور والألوان والطعوم والروائح إنما هو لاختلاف الأعراض القائمة بها. وضللوا من قال باختلاف الأجسام لاختلاف الطبائع وضللوا أيضا من قال من الفلاسفة بخمس طبائع وزعم أن الفلك طبيعة خامسة لا تقبل الكون والفساد كما ذهب إليه ارسطاطاليس. وضللوا من قال من الثنوية إن الأجسام نوعان نور وظلمة، وإن الخير من النور والشر من الظلمة، وإن فاعل الخير والصدق لا يفعل الشر والكذب، وفاعل الشر والكذب لا يفعل الخير والصدق.

وسألناهم عن رجل قال: أنا شر وظلمة، من القائل لهذا القول؟ فإن قالوا هو النور فقد كذب وإن قالوا هو الظلمة فقد صدق وفي هذا بطلان قولهم إن النور لا يكذب والظلام لا يصدق. وهذا ألزم لهم على أصولهم فأما نحن فإنا لا نثبت النور والظلمة فاعلين قديمين بل نقول إنهما مخلوقان لا فعل لهما.

واتفق أهل السنة على اختلاف أجناس الأعراض وأكفروا النظام في قوله إن الأعراض كلها جنس واحد وأنها كلها حركات لأن هذا يوجب عليه أن يكون الإيمان من جنس الكفر والعلم من جنس الجهل والقول من جنس السكوت وأن يكون فعل النبي من جنس فعل الشيطان الرجيم. وينبغي له على هذا الأصل إلا يغضب على من لعنه وشتمه، لأن قول القائل لعن الله النظام عنده من جنس قوله رحمه الله.

واتفقوا على حدوث الأعراض في الأجسام وأكفروا من زعم من الدهرية أنها كامنة في الأجسام وأنما يظهر بعضها عند كمون ضده في محله.

واتفقوا على أن كل عرض حادث في محل وإن العرض لا يقوم بنفسه. وأكفروا من قال من المعتزلة البصرية بحدوث إرادة الله سبحانه لا في محل وبحدوث فناء الأجسام لا في محل. وأكفروا أبا الهذيل في قوله إن قول الله عز وجل للشيء كن عرض حادث لا في محل.

واتفقوا على أن الأجسام لا تخلوا ولم تخل قط من الأعراض المتعاقبة عليها. وأكفروا من قال من أصحاب الهيولى أن الهيولى كانت في الأزل خالية من الأعراض ثم حدثت فيها الأعراض حتى صارت على صورة العالم. وهذا القول غاية في الاستحالة لأن حلول العرض في الجوهر يغير صفته ولا يزيد في عدده، فلو كان هيولى العالم جوهرا واحدا لم يصر جواهر كثيرة بحلول الأعراض فيها.

وأجمعوا على وقوف الأرض وسكونها وإن حركتها إنما تكون بعارض يعرض لها من زلزلة ونحوها خلاف قول من زعم من الدهرية أن الأرض تهوي أبدا، ولو كانت كذلك لوجب ألا يلحق الحجر الذي نلقيه من أيدينا الأرض أبدا لأن الخفيف لا يلحق ما هو أثقل منه في انحداره.

وأجمعوا على أن الأرض متناهية الأطراف من الجهات كلها. وكذلك السماء متناهية الأقطار من الجهات الست. خلاف قول من زعم من الدهرية إنه لا نهاية للارض من أسفل ولا عن اليمين واليسار ولا من خلف ولا من أمام وإنما نهايتها من الجهة التي تلاقي الهواء من فوقها وزعموا أن السماء أيضا متناهية من تحتها ولا نهاية لها من خمس جهات سوى جهة السفل. وبطلان قولهم ظاهر من جهة عود الشمس إلى مشرقها كل يوم وقطعها جرم السماء وما فوق الأرض في يوم وليلة، ولا يصح قطع ما لا نهاية لها من المسافة في الأمكنة في زمان متناه.

وأجمعوا على أن السماوات سبع سماوات طباق، خلاف قول من زعم من الفلاسفة والمنجمين أنها تسع. وأجمعوا أنها ليست بكرية تدور حول الأرض خلاف قول من زعم أنها كرات بعضها في جوف بعض وأن الأرض في وسطها كمركز الكرة في جوفها. ومن قال بهذا لم يثبت فوق السماوات عرشا ولا ملائكة ولا شيئا مما يثبته الموجودون فوق السماوات.

وأجمعوا أيضا على جواز الفناء على العالم كله من طريق القدر والإمكان وإنما قالوا بتأبيد الجنة ونعيمها وتأبيد جهنم وعذابها من طريق الشرع. وأجازوا أيضا فناء بعض الأجسام دون بعض. وأكفروا أبا الهذيل بقوله بانقطاع نعيم الجنة وعذاب النار وأكفروا من قال من الجهمية بفناء الجنة والنار وأكفروا الجبائي وابنه أبي هاشم في قولهما إن الله لا يقدر على إفناء بعض الأجسام مع إبقاء بعضها وإنما يقدر على إفناء جميعها بفناء يخلقه لا في محل.

وقالوا في الركن الثالث وهو الكلام في صانع العالم وصفاته الذاتية التي استحقها لذاته إن الحوادث كلها لا بد لها من محدث صانع. وأكفروا ثمامة وأتباعه من القدرية في قولهم إن الأفعال المتولدة لا فاعل لها.

وقالوا إن صانع العالم خالق الأجسام والأعراض. وأكفروا معمرا وأتباعه من القدرية في قولهم إن الله تعالى لم يخلق شيئا من الأعراض وإنما خلق الأجسام وإن الأجسام هي الخالقة للأعراض في أنفسها.

وقالوا إن الحوادث قبل حدوثها لم تكن أشياء ولا أعيانا ولا جواهر ولا أعراضا، خلاف قول القدرية في دعواها أن المعدومات في حال عدمها أشياء. وقد زعم البصريون منهم أن الجواهر والأعراض كانت قبل حدوثها جواهر وأعراضا. وقول هؤلاء يؤدي إلى القول بقدم العالم والقول الذي يؤدي إلى الكفر كفر في نفسه.

وقالوا إن صانع العالم قديم لم يزل موجودا، خلاف قول المجوس في قولهم بصانعين أحدهما شيطان محدث، وخلاف قول الغلاة من الروافض الذين قالوا في علي جوهر مخلوق محدث بأنه صار إلها صانعا بحلول روح الإله فيه، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا.

وقالوا بنفي النهاية والحد عن صانع العالم، خلاف قول هشام بن الحكم الرافضي في دعواه أن معبوده سبعة أشبار بشبر نفسه، وخلاف قول من زعم من الكرامية أنه ذو نهاية من الجهة التي يلاقى منها العرش ولا نهاية له من خمس جهات سواها.

وأجمعوا على إحالة وصفه بالصورة والأعضاء خلاف قول من زعم من غلاة الروافض ومن أتباع داوود الحوالي إنه على صورة الإنسان. وقد زعم هشام بن سالم الجواليقي وأتباعه من الرافضة أن معبودهم على صورة الإنسان وعلى رأسه وفرة سوداء وهو نور أسود وأن نصفه الأعلى مجوف ونصفه الأسفل مصمت، وخلاف قول المغيرية من الرافضة في دعواهم أن أعضاء معبودهم على صورة حروف الهجاء، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

وأجمعوا على أنه لا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان، خلاف قول من زعم من الشهامية والكرامية أنه مماس لعرشه. وقد قال أمير المؤمنين علي رضي الله عنه: إن الله تعالى خلق العرش إظهارا لقدرته لا مكانا لذاته، وقال أيضا: قد كان ولا مكان وهو الآن على ما كان.

وأجمعوا على نفي الآفات والغموم والآلام واللذات عنه، وعلى نفي الحركة والسكون عنه، خلاف قول الهشامية من الرافضة في قولها بجواز الحركة عليه وفي دعواهم أن مكانه حدوث من حركته، وخلاف قول من أجاز عليه التعب والراحة والغم والسرور والملالة كما حكي عن أبي شعيب الناسك، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

وأجمعوا على أن الله تعالى غني عن خلقه لا يجتلب بخلقه إلى نفسه نفعا ولا يدفع بهم عن نفسه ضررا. وهذا خلاف قول المجوس في دعواهم أن الله إنما خلق الملائكة ليدفع بهم عن نفسه أذى الشيطان وأذى اعوانه.

وأجمعوا على أن صانع العالم واحد، خلاف قول الثنوية بصانعين قديمين أحدهما نور والآخر ظلمة، وخلاف قول المجوس بصانعين أحدهما إله قديم اسمه عندهم يزدان والآخر شيطان رجيم اسمه أهرمن، وخلاف قول المفوضة من غلاة الروافض في أن الله تعالى فوّض تدبير العالم إلى علي فهو الخالق الثاني، وخلاف قول الخابطية من القدرية أتباع أحمد بن خابط في قولهم إن الله تعالى فوض تدبير العالم إلى عيسى بن مريم وأنه هو الخالق الثاني. وقد استقصينا وجوه دلائل الموحدين على توحيد الصانع في كتاب الملل والنحل.

وقالوا في الركن الرابع، وهو الكلام في الصفات القائمة بالله عز وجل: إن علم الله تعالى وقدرته وحياته وإرادته وسمعه وبصره وكلامه صفات له أزلية ونعوت له أبدية.

وقد نفت المعتزلة عنه جميع الصفات الأزلية وقالوا ليس له قدرة ولا علم ولا حياة ولا رؤية ولا إدراك للمسموعات، وأثبتوا له كلاما محدثا، ونفى البغداديون عنه الإرادة وأثبت البصريون منهم له إرادة حادثة لا في محل.

وقلنا لهم: في نفي الصفة نفي الموصوف كما أن في نفي الفعل نفي الفاعل وفي نفي الكلام نفي المتكلم.

وأجمع أهل السنة على أن قدرة الله تعالى على المقدورات كلها قدرة واحدة يقدر بها على جميع القدورات على طريق الاختراع دون الاكتساب، خلاف قول الكرامية في دعواها أن الله تعالى إنما يقدر بقدرته على الحوادث التي تحدث في ذاته فأما الحوادث الموجودة في العالم فإنما خلقها الله تعالى بأقواله لا بقدرته، وخلاف قول البصريين من القدرية في دعواها أن الله سبحانه لا يقدر على مقدورات عباده ولا على مقدورات سائر الحيوانات.

وأجمع أهل السنة على أن مقدورات الله تعالى لا تفنى، خلاف قول أبي الهذيل وأتباعه من القدر في دعواه أن قدرة الله تعالى تنتهي إلى حال تفنى بمقدوراته فيها ولا يقدر بعدها على شيء ولا يملك حينئذ لأحد على ضر ولا نفع، وزعم أن أهل الجنة وأهل النار في تلك الحال يبقون جمودا في سكون ذاتهم، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا.

وقد زعم الأسواري وأتباعه من المعتزلة أن الله تعالى إنما يقدر على أن يفعل ما قد علم أنه يفعل، فأما ما علم أنه لا يفعله أو أخبر عن نفسه بأنه لا يفعله فإنه لا يقدر على فعله، تعالى الله عن قوله علوا كبيرا.

وأجمع أهل السنة على أن علم الله تعالى واحد يعلم به جميع المعلومات على تفصيلها من غير حس ولا بديهة ولا استدلال عليه. وزعم معمر وأتباعه من القدرية أن الله تعالى لا يقال إنه عالم بنفسه ومن العجائب عالم بغيره ولا يكون عالما بنفسه.

وزعم قوم من الرافضة أن الله تعالى لا يعلم الشيء قبل كونه.

وزعم زرارة بن أعين وأتباعه من الرافضة أن علم الله تعالى وقدرته وحياته وسائر صفاته حوادث وأنه لم يكن حيا ولا قادرا ولا عالما حتى خلق لنفسه حياة وقدرة وعلما وإرادة وسمعا وبصرا.

وأجمعوا على أن سمعه وبصره محيطان بجميع المسموعات والمرئيات وأن الله تعالى لم يزل رائيا لنفسه وسامعا لكلام نفسه. وهذا خلاف قول القدرية البغدادية في دعواهم أن الله تعالى ليس براء ولا سامع على الحقيقة وإنما يقال يرى ويسمع على معنى أنه يعلم المرئي والمسموع، وخلاف قول المعتزلة في دعواها أن الله تعالى يرى غيره ولا يرى نفسه، وخلاف قول الجبائي في فرقه بين السميع والسامع وبين البصير والمبصر حتى قال إنه كان في الأزل سميعا بصيرا ولم يكن في الأزل سامعا ولا مبصرا. وهذا الفرق يمكن عكسه عليه فلا يجد من لزوم عكسه انفصالا.

وأجمع أهل السنة على أن الله تعالى يكون مرئيا للمؤمنين في الآخرة وقالوا بجواز رؤيته في كل حال ولكل حي من طريق العقل ووجوب رؤيته للمؤمنين خاصة في الآخرة من طريق الخبر. وهذا خلاف قول من أحال رؤيته من القدرية والجهمية، وخلاف قول من زعم أنه يرى في الآخرة بحاسة سادسة كما ذهب إليه ضرار بن عمرو، وخلاف قول من زعم أن الكفرة أيضا يرونه كما قاله ابن سالم البصري. وقد استقصينا مسائل الرؤية في كتاب مفرد.

وأجمع أهل السنة على أن إرادة الله تعالى مشيئته واختياره وعلى أن إرادته للشيء كراهة لعدمه كما قالوا إن أمره بالشيء نهي عن تركه. وقالوا أيضا إن إرادته نافذة في جميع مراداته على حسب علمه بها فما علم كونه منها أراد كونه في الوقت الذي علم أنه يكون فيه وما علم أنه لا يكون أراد ألا يكون. وقالوا إنه لا يحدث في العالم شيء إلا بإرادته؛ ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. وزعمت القدرية البصرية أن الله تعالى قد شاء ما لم يكن وقد كان ما لم يشأ. وهذا القول يؤدي إلى أن يكون مقهورا مكرها على حدوث ما كره حدوثه، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

وأجمع أهل السنة على أن حياة الإله سبحانه بلا روح ولا اغتذاء وأن الأرواح كلها مخلوقة، خلاف قول النصارى في دعواها قدم أب وابن وروح.

وأجمعوا على أن الحياة شرط في العلم والقدرة والإرادة والرؤية والسمع وأن من ليس بحي لا يصح أن يكون عالما قادرا مريدا سامعا مبصرا، خلاف قول الصالحي وأتباعه من القدرية في دعواهم جواز وجود العلم والقدرة والرؤية والإرادة في الميت.

وأجمعوا على أن كلام الله عز وجل صفة له أزلية وأنه غير مخلوق ولا محدث ولا حادث، خلاف قول القدرية في دعواهم أن الله تعالى خلق كلامه في جسم من الأجسام، وخلاف قول الكرامية في دعواهم أن أقواله حادثة في ذاته، وخلاف قول أبي الهذيل أن قوله للشيء كن لا في محل وسائر كلامه محدث في أجسام.

وقلنا: لا يجوز حدوث كلامه فيه لأنه ليس بمحل للحوادث ولا في غيره لأنه يوجب أن يكون غيره به متكلما آمرا ناهيا ولا في غير محل لأن الصفة لا تقوم بنفسها. فبطل حدوث كلامه وصح أن صفته له أزلية.

وقالوا في الركن الخامس وهو الكلام في أسماء الله تعالى وأوصافه إن مأخذ أسماء الله تعالى التوقيف عليها إما بالقرآن وإما بالسنة الصحيحة وإما بإجماع الأمة عليه، ولا يجوز إطلاق اسم عليه من طريق القياس. وهذا خلاف قول المعتزلة البصرية في إجازتها إطلاق الأسماء عليه بالقياس. وقد أفرط الجبائي في هذا الباب حتى سمى الله مطيعا لعبده إذا أعطاه مراده، وسماه محبلا للنساء إذا خلق فيهن الحبل؛ وضللته الأمة في هذه الجسارة التي تورثه الخسارة.

فقال أهل السنة: قد جاءت السنة الصحيحة بأن لله تعالى تسعة وتسعين اسما وأن من أحصاها دخل الجنة. ولم يرد باحصائها ذكر عددها والعبارة عنها، فإن الكافر قد يذكرها حاكيا لها ولا يكون من أهل الجنة وإنما أراد باحصائها العلم بها واعتقاد معانيها، من قولهم فلان ذو حصاة وإحصاء، إذا كان ذا علم وعقل.

وقالوا إن أسماء الله تعالى على ثلاثة أقسام:

قسم منها يدل على ذاته كالواحد والغني والأول والآخر والجليل والجميل وسائر ما استحقه من الأوصاف لنفسه.

وقسم منها يفيد صفاته الأزلية القائمة بذاته كالحي والقادر والعالم والمريد والسميع والبصير وسائر الأوصاف المشتقة من صفاته القائمة بذاته. وهذا القسم من أسمائه مع القسم الذي قبله لم يزل الله تعالى بهما موصوفا وكلاهما من أوصافه الأزلية.

وقسم منها مشتق من أفعاله كالخالق والرازق والعادل ونحو ذلك وكل اسم اشتق من فعله لم يكن موصوفا به قبل وجود أفعاله. وقد يكون من أسمائه ما يحتمل معنيين أحدهما صفة أزلية والآخر فعل له كالحكيم إن أخذناه من الحكمة التي هي العلم كان من أسمائه الأزلية وإن أخذناه من أحكام أفعاله وإتقانها كان مشتقا من فعله ولم يكن من أوصافه الأزلية.

وقالوا في الركن السادس وهو الكلام في عدل الإله سبحانه وحكمته إن الله سبحانه خالق الأجسام والأعراض خيرها وشرها وإنه خالق أكساب العباد ولا خالق غير الله.

وهذا خلاف قول من زعم من القدرية أن الله تعالى لم يخلق شيئا من أكساب العباد. وخلاف قول الجهمية أن العباد غير مكتسبين ولا قادرين على أكسابهم, فمن زعم أن العباد خالقون لأكسابهم فهو قدري مشرك بربه لدعواه أن العباد يخلقون مثل خلق الله من الأعراض التي هي الحركات والسكون في العلوم والإرادات ولأقوال والأصوات. وقد قال الله عز وجل في ذم أصحاب هذا القول {أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار} ومن زعم أن العبد لا استطاعة له على الكسب وليس هو معامل ولا مكتسب فهو جبري. والعدل خارج عن الخبر والقدر. ومن قال إن العبد مكتسب لعمله والله سبحانه خالق لكسبه فهو سني عدلي منزه عن الجبر والقدر.

وأجمع أهل السنة على إبطال قول أصحاب التولد في دعواهم أن الإنسان قد يفعل في نفسه شيئا يتولد منه فعل في غيره، خلاف قول أكثر القدرية بأن الإنسان قد يفعل في غيره أفعالا تتولد عن أسباب يفعلها في نفسه، وخلاف قول من زعم من القدرية أن المتولدات أفعال لا فاعل لها كما ذهب إليه ثمامة.

وأجمعوا على أن الإنسان يصح منه اكتساب الحركة والسكون والإرادة والقول والعلم والفكر وما يجري مجرى هذه الأعراض التي ذكرناها وعلى أنه لا يصح منه اكتساب الألوان والطعوم والروائح والإدراكات، خلاف قول بشر بن المعتمر وأتباعه من المعتزلة في دعواهم أن الإنسان قد يفعل الألوان والطعوم والروائح على سبيل التولد، وزعموا أيضا أنه يصح منه فعل الرؤية في العين وفعل إدراك المسموع في محل السمع. وأفحش من هذا قول معمر القدري بأن الله تعالى لم يخلق شيئا من الأعراض وإن الأعراض كلها من أفعال الأجسام، وكفاه بهذه الضلالة خزيا.

وقال أهل السنة إن الهداية من الله تعالى على وجهين:

أحدهما من جهة إبانة الحق والدعاء إليه ونصب الأدلة عليه. وعلى هذا الوجه يصح إضافة الهداية إلى الرسل والى كل داع إلى دين الله عز وجل لأنهم يرشدون أهل التكليف إلى الله تعالى. وهذا تأويل قول الله عز وجل في رسوله ﷺ: {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم} أي تدعو إليه.

والوجه الثاني من هداية الله سبحانه لعباده خلق الاهتداء في قلوبهم كما ذكره في قوله: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا} وهذا النوع من الهداية لا يقدر عليه إلا الله تعالى.

والهداية الأولى من الله تعالى شاملة لجميع المكلفين. والهداية الثانية من خاصته للمهتدين. وفي تحقيق ذلك نزل قول الله تعالى {والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم}.

والإضلال من الله تعالى عند أهل السنة على معنى خلق الضلال في قلوب أهل الضلال كقوله: {ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا}.

وقالوا: من أضله الله فبعدله ومن هداه فبفضله. وهذا خلاف قول القدرية في دعواها أن الهداية من الله تعالى على معنى الارشاد والدعاء إلى الحق، وليس إليه من هداية القلوب شيء. وزعموا أن الإضلال منه على وجهين أحدهما التسمية بأن يسمي الضلال ضلالا والثاني على معنى جزاء أهل الضلال على ضلالتهم. ولو صح ما قالوا لوجب أن يقال إنه أضل الكافرين لأنه سماهم ضالين ولوجب أن يقال إن إبليس أضل الأنبياء المؤمنين لأنه سماهم ضالين ولزمهم أن يكون من أقام الحدود على الزناة والسارقين والمرتدين مضلا لهم لأنه قد جازاهم على ضلالتهم. وهذا فاسد فما يؤدي إليه مثله.

وقال أهل السنة في الآجال إن كل من مات حتف أنفه أو قتل فإنما مات بأجله الذي جعله الله أجلا لعمره، والله تعالى قادر على إبقائه والزيادة في عمره لكنه متى لم يبقه إلى مدة لم تكن المدة التي لم يبقه إليها أجلا له، وهذا كما أن المراة التي يتزوجها من قبل موته لم تكن امرأة له، وإن كان الله سبحانه قادرا على أن يزوجها من قبل موته. وهذا خلاف قول من زعم من القدرية أن المقتول مقطوع عليه أجله، وخلاف قول من زعم منهم أن المقتول ليس بميت، وجحد فائدة قول الله تعالى {كل نفس ذائقة الموت} وهذه بدعة ذهب إليها الكعبي وكفى بها خزيا.

وقال أهل السنة في الأرزاق بما هي عليه الآن وإن كل من أكل شيئا أو شربه فإنما تناول رزقه حلالا كان أو حراما. خلاف قول من زعم من القدرية أن الإنسان قد يأكل رزق غيره.

وقالوا في ابتداء التكليف إن الله تعالى لو لم يكلف عباده شيئا كان عدلا منه. خلاف قول من زعم من القدرية أنه لو لم يكلفهم لم يكن حكيما.

وقالوا لو زاد في تكليف العباد على ما كلفهم أو نقص بعض ما كلفهم كان جائزا. خلاف قول من أبي ذلك من القدرية.

وكذلك لو لم يخلق الخلق لم يلزمه بذلك خروج عن الحكمة وكان السابق حينئذ في علمه أنه لا يخلق.

وقالوا لو خلق الله تعالى الجمادات دون الأحياء جاز ذلك منه. خلاف قول من قال من القدرية أنه لو لم يخلق الاحياء لم يكن حكيما.

وقالوا لو خلق الله تعالى عباده كلهم في الجنة لكان ذلك فضلا منه. خلاف قول من زعم من القدرية أنه لو فعل ذلك لم يكن حكيما، وهذا حجر منهم على الله سبحانه، ونحن لا نرى الحجر عليه بل نقول له الأمر والنهي وله القضاء يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.

وقال في الركن السابع: المفروض في النبوة والرسالة إثبات الرسل من الله تعالى إلى خلقه. خلاف قول البراهمة المنكرين لهم مع قولهم بتوحيد الصانع.

وقالوا في الفرق بين الرسول والنبي إن كل من نزل عليه الوحي من الله تعالى على لسان ملك من الملائكة وكان مؤيدا بنوع من الكرامات الناقضة للعادات فهو نبي؛ ومن حصلت له هذه الصفة وخص أيضا بشرع جديد أو بفسخ بعض أحكام شريعة كانت قبله فهو رسول.

وقالوا إن الأنبياء كثير والرسل منهم ثلثمائة وثلاثة عشر وأول الرسل أبو جميع البشر وهو آدم عليه السلام وآخرهم محمد ﷺ. خلاف قول المجوس في دعواهم أبو جميع البشر كيكومرت الملقب بكلشاه. وخلاف قولهم إن آخر الرسل زرادشت. وخلاف قول من زعم من الخرمية أن الرسل تترى لا آخر لهم.

وقالوا بنبوة موسى في زمانه. خلاف قول منكريه من البراهمة والمانوية الذين أنكروه، مع إقرار المانوية بعيسى عليه السلام.

وقالوا بنبوة عيسى عليه السلام، خلاف قول منكريه من اليهود والبراهمة.

وأنكروا قتل عيسى وأثبتوا رفعه إلى السماء وقالوا إنه ينزل إلى الأرض بعد خروج الدجال فيقتل الدجال ويقتل الخنزير ويريق الخمور ويستقبل في صلاته الكعبة ويؤيد شريعة محمد ﷺ ويحيي ما أحياه القرآن ويميت ما أماته القرآن.

وقالوا بتكفير كل متنبئ سواء كان قبل الإسلام كزرادشت ويوراسف وماني وديصان ومزفيور ومزدك أو بعده كمسيلمة وسجاح والأسود بن يزيد العنسي وسائر من كان بعدهم من المتنبئين.

وقالوا بتكفير من ادعى للأنبياء الإلهية أو ادعى للأئمة بنبوة أو إلاهية، كالسبئية والبيانية والمغيرية والمنصورية والخطابية ومن جرى مجراهم.

وقالوا بتفضيل الأنبياء على الملائكة، خلاف قول الحسين بن الفضل مع أكثر القدرية بتفضيل الملائكة على الأنبياء.

وقالوا بتفضيل الأنبياء على الأولياء من أمم الأنبياء، خلاف قول من زعم أن في الأولياء من هو أفضل من الأنبياء.

وقالوا بعصمة الأنبياء عن الذنوب، وتأولوا ما روي عنهم من زلاتهم على أنها كانت قبل النبوة، خلاف قول من أجاز عليهم الصغائر، وخلاف قول الهشامية من الروافض الذين أجازوا عليهم الذنوب مع قولهم بعصمة الإمام من الذنوب.

وقالوا في الركن الثامن المضاف إلى المعجزات والكرامات إن المعجزة أمر يظهر بخلاف العادة على يدي مدعي النبوة مع تحديه قومه بها ومع عجز قومه عن معارضته بمثلها على وجه يدل على صدقه في زمان التكليف.

وقالوا لا بد للنبي من معجزة واحدة تدل على صدقه فإذا ظهرت عليه معجزة واحدة تدل على صدقه وعجزوا عن معارضته بمثلها فقد لزمتهم الحجة في وجوب تصديقه ووجوب طاعته، فإن طالبوه بمعجزة سواها فالأمر إلى الله عز وجل إن شاء أيده بها وإن شاء عاقب المطالبين له بها لتركهم الإيمان بمن قد ظهرت دلالة صدقه. وهذا خلاف قول من زعم من القدرية أن النبي عليه السلام لا يحتاج إلى معجزة أكثر من استقامة شريعته كما ذهب إليه ثمامة.

وقالوا الصادق في دعوى النبوة يجوز ظهور معجزة التصديق عليه، ولا يجوز ظهور معجزة التصديق على المتنبئ في دعوى النبوة ويجوز أن يظهر عليه معجزة تدل على كذبه كنطق شجرة أو عضو من أعضائه بتكذيبه.

وقالوا يجوز ظهور الكرامات على الأولياء وجعلوها دلالة على الصدق في أحوالهم كما كانت معجزات الأنبياء دلالة على صدقهم في دعاويهم.

وقالوا على صاحب المعجزة إظهارها والتحدي بها، وصاحب الكرامات لا يتحدى بها غيره وربما كتمها. وصاحب المعجزة مأمون العاقبة وصاحب الكرامة لا يأمن تغيير عاقبته كما تغيرت عاقبة بلعم بن باعورا بعد ظهور كراماته. وأنكرت القدرية كرامات الأولياء لأنهم لم يجدوا من فرقهم ذا كرامة.

وقالوا بإعجاز القرآن في نظمه. خلاف قول من زعم من القدرية أن لا إعجاز في نظم القرآن كما ذهب إليه النظام.

وقالوا في معجزات محمد ﷺ بانشقاق القمر وتسبيح الحصا في يده ونبوع الماء من بين أصابعه وإشباعه الخلق الكثير من الطعام اليسير ونحو ذلك. وقد خالف النظام وأتباعه من القدرية ذلك.

وقالوا في الركن التاسع المضاف إلى أركان شريعة الإسلام إن الإسلام مبني على خمسة أركان شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت الحرام.

وقالوا من أسقط وجوب ركن من هذه الأركان الخمسة أو تأولها على معنى موالاة قوم كما تأولوا عليها المنصورية والجناحية من غلاة الرافضة فهو كافر.

وقالوا في الصلوات المفروصة إنها خمس وأكفروا من أسقط وجوب بعضها. وكان مسيلمة الكذاب قد أسقط وجوب صلاتي الصبح والمغرب وجعل سقوطها مهرا لامرأته سجاح المتنبية فكفر وألحد.

وقالوا بوجوب عقد صلاة الجمعة. وأكفروا من الخوارج والروافض من قال لا جمعة اليوم حتى يظهر إمامهم الذي ينتظرونه.

وقالوا بوجوب زكاة الأعيان في الذهب والورق والإبل والبقر والغنم إذا كانت هذه الأصناف الثلاثة من النعم سائمة، وأوجبوها في الحبوب المقتاتة التي يزرعها الناس ويتخذونها قوتا وأوجبوها في ثمار النخيل والأعناب. فمن قال لا زكاة في هذه الأشياء التي ذكرناها كفر، ومن أثبت زكاتها في الجملة وكان خلافه في نصبها على ما اختلف فيه فقهاء الأمة لم يكفر.

وقالوا بوجوب صوم رمضان وحرموا الفطر فيه إلا بعذر صغر أو جنون أو مرض أو سفر أو نحو ذلك من الأعذار.

وقالوا باعتبار شهر الصيام من رؤية هلال رمضان أو بكمال شعبان ثلاثين يوما. ولم يفطروا في آخره إلا برؤية هلال شوال أو بكمال أيام رمضان ثلاثين يوما. وضللوا من صام من الروافض قبل الهلال بيوم وأفطر قبل الفطر بيوم.

وقالوا بوجوب الحج في العمرة مرة واحدة على من استطاع إليه سبيلا. وأكفروا من أسقط وجوبها من الباطنية. ولم يكفروا من أسقط وجوب العمرة لاختلاف الأمة في وجوبها.

وقالوا من شرط صحة الصلوات الطهارة وستر العورة ودخول الوقت واستقبال القبلة على حسب الإمكان. ومن أسقط اعتبار هذه الشروط أو اعتبار شيء منها مع الإمكان كفر.

وقالوا بوجوب الجهاد مع الأعداء للإسلام حتى يسلموا أو يؤدي الجزية منهم من يجوز قبول الجزية منه.

وقالوا بجواز البيع وتحريم الربا. وضللوا من أباح الربا في الجملة.

وقالوا بأن الفروج لا تستباح إلا بنكاح صحيح أو ملك يمين. وأكفروا المعبضية والمحمرة والخرمية الذين أباحوا الزنى. وأكفروا أيضا من تأول المحرمات على قوم زعم أن موالاتهم حرام.

وقالوا بوجوب إقامة حد الزنى والسرقة والخمر والقذف. وأكفروا من أسقط حد الخمر والرجم من الخوارج.

وقالوا: أصول أحكام الشريعة الكتاب والسنة وإجماع السلف. وأكفروا من لم ير إجماع الصحابة حجة. وأكفروا الخوارج في ردهم حجج الإجماع والسنن. وأكفروا من قال من الروافض لا حجة في شيء من ذلك وإنما الحجة في قول الإمام الذي ينتظرونه؛ وهؤلاء اليوم حيارى في التيه وكفاهم بذلك خزيا.

وقالوا في الركن العاشر المضاف إلى الأمر والنهي إن أفعال المكلفين خمسة أقسام واجب ومحظور ومسنون ومكروه ومباح.

فالواجب ما أمر الله تعالى به على وجه اللزوم؛ وتاركه مستحق للعقاب على تركه.

والمحظور ما نهى الله عنه؛ وفاعله يستحق العقاب على فعله.

والمسنون ما يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه.

والمكروه ما يثاب تاركه ولا يعاقب فاعله.

والمباح ما ليس في فعله ثواب ولا عقاب وليس في تركه ثواب ولا عقاب.

وهذا كله في أفعال المكلفين. فأما أفعال البهائم والمجانين والأطفال فإنها لا توصف بالإباحة والوجوب والحظر بحال.

وقالوا إن كل ما وجب على المكلف من معرفة أو قول أو فعل فإنما وجب عليه بأمر الله تعالى إياه به، وكل ما حرم عليه فعله فبنهي الله تعالى إياه عنه، ولو لم يرد الأمر والنهي من الله تعالى على عباده لم يجب عليهم شيء ولم يحرم عليهم شيء.

وهذا خلاف قول من زعم من البراهمة والقدرية أن التكليف يتوجه على العاقل بخاطرين بقلبه. أحدهما من قبل الله سبحانه يدعوه به إلى النظر والاستدلال. والآخر من قبل الشيطان يدعوه به إلى العصيان وينهاه به عن طاعة الخاطر الأول.

وهذا يوجب عليهم أن يكون ذلك الشيطان مكلفا بخاطرين أحدهما من قبل الله تعالى والآخر من قبل شيطان آخر، ثم يكون القول في الشيطان الآخر كالقول في الأول حتى يتسلسل ذلك بشياطين لا إلى نهاية. وهذا محال وما يؤدي إلى المحال محال.

وقالوا في الركن الحادي عشر المضاف إلى فناء العباد وأحكامهم في المعاد: إن الله سبحانه قادر على إفناء جميع العالم جملة وعلى إفناء بعض الأجسام مع بقاء بعضها. خلاف قول من زعم من القدرية البصرية أنه يقدر على إفناء كل الأجسام بفناء يخلقه لا في محل، ولا يقدر على إفناء بعض الأجسام مع بقاء بعضها.

وقالوا إن الله عز وجل يعيد في الآخرة الناس وسائر الحيوانات التي ماتت في الدنيا، خلاف قول من زعم أنه إنما يعيد الناس دون الاحياء الباقين.

وقالوا بخلق الجنة والنار، خلاف قول من زعم أنهما غير مخلوقتين.

وقالوا بدوام نعيم الجنة على أهلها ودوام عذاب النار على المشركين والمنافقين. خلاف قول من زعم أنهما يفنيان كما زعم جهم، وخلاف قول أبي الهذيل القدري بفناء مقدورات الله تعالى فيهما وفي غيرهما.

وقالوا بأن الخلود في النار لا يكون إلا للكفرة. خلاف قول القدرية والخوارج بتخليد كل من دخل النار فيها.

وقالوا بأن القدرية والخوارج يخلدون في النار ولا يخرجون منها. وكيف يغفر الله تعالى لمن يقول ليس لله أن يغفر ويخرج من النار من دخلها.

وقالوا بإثبات السؤال في القبر وبعذاب القبر لأهل العذاب، وقطعوا بأن المنكرين لعذاب القبر يعذبون في القبر.

وقالوا بالحوض والصراط والميزان، ومن أنكر ذلك حرم الشرب من الحوض ودحضت قدمه من الصراط إلى نار جهنم.

وقالوا بإثبات الشفاعة من النبي ﷺ ومن صلحاء أمته للمذنبين من المسلمين ولمن كان في قلبه ذرة من الإيمان، والمنكرون للشفاعة يحرمون الشفاعة.

وقالوا في الركن الثاني عشر المضاف إلى الخلافة والإمامة: إن الإمامة فرض واجب على الأمة لأجل إقامة الإمام ينصب لهم القضاة والأمناء ويضبط ثغورهم ويغزي جيوشهم ويقسم الفيء بينهم وينتصف لمظلومهم من ظالمهم.

وقالوا إن طريق عقد الإمامة للإمام في هذه الأمة الاختيار بالاجتهاد.

وقالوا ليس من النبي ﷺ نص على إمامة واحد بعينه، خلاف قول من زعم من الرافضة أنه نص على إمامة علي رضي الله عنه نصا مقطوعا بصحته، ولو كان كما قالوه لنقل ذلك نقل مثله. ولا ينفصل من ادعى ذلك في علي مع عدم التواتر في نقله ممن ادعى مثله في أبي بكر أو غيره مع عدم النقل فيه.

وقالوا من شرط الإمامة النسب من قريش وهم بنو النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. خلاف قول من زعم من الضرارية أن الإمامة تصلح في جميع أصناف العرب وفي الموالي والعجم. وخلاف قول الخوارج بإمامة زعمائهم الذين كانوا من ربيعة وغيرهم كنافع بن الأزرق الحنفي ونجدة بن عامر الحنفي وعبد الله بن وهب الراسي وحرفوص بن زهير النجلي وشبيب بن يزيد الشيباني وأمثالهم، عنادا منهم لقول النبي ﷺ: «الأئمة من قريش».

وقالوا من شرط الإمام العلم والعدالة والسياسة. وأوجبوا من العلم له مقدار ما يصير به من أهل الاجتهاد في الأحكام الشرعية. وأوجبوا من عدالته أن يكون ممن يجوز حكم الحاكم بشهادته، وذلك بأن يكون عدلا في دينه مصلحا لماله وحاله غير مرتكب لكبيرة ولا مصر على صغيرة ولا تاركا للمروءة في جل أسبابه. وليس من شرطه العصمة من الذنوب كلها، خلاف قول من زعم من الإمامية أن الإمام يكون معصوما من الذنوب كلها، وقد أجازوا له في حال التقية أن يقول لست بإمام وهو إمام وقد أباحوا له الكذب في هذا مع قولهم بعصمته من الكذب.

وقالوا إن الإمامة تنعقد بمن يعقدها لمن يصلح للإمامة إذا كان العاقد من أهل الاجتهاد والعدالة.

وقالوا لا تصح الإمامة إلا لواحد في جميع أرض الإسلام إلا أن يكون بين الصقعين حاجز من بحر أو عدو لا يطاق ولم يقدر أهل كل واحد من الصقعين على نصرة أهل الصقع الآخر، فحينئذ يجوز لأهل صقع عقد الإمامة لواحد يصلح لها منهم.

وقالوا بإمامة أبي بكر الصديق بعد النبي ﷺ، خلاف قول من أثبتها لعلي وحده من الرافضة، وخلاف قول الراوندية الذين أثبتوا إمامة العباس بعده.

وقالوا بتفضيل أبي بكر وعمر على من بعدهما. وإنما اختلفوا في التفاضل بين علي وعثمان رضي الله عنهما.

وقالوا بموالاة عثمان وتبرءوا ممن أكفره.

وقالوا بإمامة علي في وقته. وقالوا بتصويب علي في حروبه بالبصرة وبصفين وبنهروان.

وقالوا بأن طلحة والزبير تابا ورجعا عن قتال علي، لكن الزبير قتله عمرو بن حرمون بوادى السباع بعد منصرفه من الحرب وطلحة لما همّ بالانصراف رماه مروان بن الحكم وكان مع أصحاب الجمل بسهم فقتله.

وقالوا إن عائشة رضي الله عنها قصدت الإصلاح بعد الفريقين فغلبها بنو ضبة والأزد على رأيها وقاتلوا عليا دون إذنها حتى كان من الأمر ما كان.

وقالوا في صفين إن الصواب كان مع علي رضي الله عنه وإن معاوية وأصحابه بغوا عليه بتأويل أخطئوا فيه، ولم يكفروا بخطئهم.

وقالوا إن عليا أصاب في التحكيم، غير أن الحكمين أخطآ في خلع علي من غير سبب أوجب خلعه وخدع أحد الحكمين الآخر.

وقالوا بمروق أهل النهروان عن الدين لأن النبي ﷺ سماهم مارقين، لأنهم أكفروا عليا وعثمان وعائشة وابن عباس وطلحة والزبير وسائر من تبع عليا بعد التحكيم وأكفروا كل ذنب من المسلمين. ومن أكفر المسلمين وأكفر أخيار الصحابة فهو الكافر منهم.

وقالوا في الركن الثالث عشر المضاف إلى الإيمان والإسلام: إن أصل الإيمان المعرفة والتصديق بالقلب وإنما اختلفوا في تسمية الإقرار وطاعات الأعضاء الظاهرة إيمانا مع اتفاقهم على وجوب جميع الطاعات المفروضة وعلى استحباب النوافل المشروعة. خلاف قول الكرامية الذين زعموا أن الإيمان هو الإقرار الفرد سواء كان معه اخلاص أو نفاق، وخلاف قول من زعم من القدرية والخوارج أن اسم المؤمن يزول عن مرتكبي الذنوب.

وقالوا إن اسم الإيمان لا يزول بذنب دون الكفر، ومن كان ذنبه دون الكفر فهو مؤمن وإن فسق بمعصيته.

وقالوا لا يحل قتل أمرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث من ردة أو زنى بعد إحصان أو قصاص بمقتول هو كفؤه. وهذا خلاف قول الخوارج في إباحة قتل كل عاص لله تعالى. ولو كان المذنبون كلهم كفرة لكانوا مرتدين عن الإسلام؛ ولو كانوا كذلك لكان الواجب قتلهم دون إقامة الحدود عليهم، ولم يكن لوجوب قطع يد السارق وجلد القاذف ورجم الزاني المحصن فائدة لأن المرتد ليس له حد إلا القتل.

وقالوا في الركن الرابع عشر المضاف إلى الأولياء والأئمة: إن الملائكة معصومون عن الذنوب لقول الله تعالى فيهم {لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون مايؤمرون}.

وقال أكثرهم بفضل الأنبياء على الملائكة. خلاف قول من فضل الملائكة على الأنبياء والتزم من أجل ذلك فضل الزبانية على أولى العزم من الرسل.

وقالوا بفضل الأنبياء على الأولياء من الأمم. خلاف قول من فضل بعض الأولياء على بعض الأنبياء من الكرامية.

واختلف أهل السنة في إمامة المفضول، فأباها شيخنا أبو الحسن الأشعري وأجازها القلانسي.

وقالوا بموالاة العشرة من أصحاب النبي عليه السلام وقطعوا بأنهم من أهل الجنة. وهم الخلفاء الأربعة وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وعبد الرحمن وأبو عبيدة بن الجراح.

وقالوا بموالاة كل من شهد بدرا مع النبي عليه السلام، وقطعوا بأنهم من أهل الجنة، وكذلك القول فيمن شهد معه أحدا إلا رجلا اسمه قزمان فإنه قتل بأحد جماعة من المشركين وقتل نفسه وكان ينسب إلى النفاق. وكذلك كل من شهد بيعة الرضوان بالحديبية من أهل الجنة.

وقالوا قد صح الخبر بأن سبعين ألفا من هذه الأمة يدخلون الجنة بلا حساب وإن كل واحد منهم يشفع في سبعين ألفا، وقد دخل في هذه الجملة عكاشة بن محصن.

وقالوا بموالاة كل من مات على دين الإسلام ولم يكن قبل موته على بدعة من ضلالات أهل الأهواء الضالة.

وقالوا في الركن الخامس عشر المضاف إلى أحكام أعداء الدين: إن أعداء دين الإسلام صنفان صنف كانوا قبل ظهور دولة الإسلام وصنف ظهروا في دولة الإسلام وتستروا بالإسلام في الظاهر وكادوا المسلمين وابتغوا غوائلهم.

فالذين كانوا قبل الإسلام أصناف تختلف فيهم الأوصاف.

منهم عبدة الأصنام والأوثان.

ومنهم عبدة إنسان مخصوص، كالذين عبدوا جمشيذ والذين عبدوا نمروذ بن كنعان والذين عبدوا فرعون ومن جرى مجراهم.

ومنهم الذين عبدوا كل ما استحسنوا من الصور على مذاهب الحلولية في دعواها حلول روح الإله بزعمهم في الصور الحسنة.

ومنهم الذين عبدوا الشمس أو القمر أو الكواكب جملة أو بعض الكواكب خصوصا.

ومنهم الذين عبدوا الملائكة وسموها بنات الله وفيهم نزل قول الله تعالى: {إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الأنثى}.

ومنهم من عبد شيطانا مريدا. ومنهم قوم عبدوا البقر. ومنهم الذين عبدوا النيران.

وحكم جميع عبدة الأصنام والناس والملائكة والنجوم والنيران تحريم ذبائحهم ونكاح نسائهم على المسلمين.

واختلفوا في قبول الجزية منهم. فقال الشافعي: لا تقبل منهم الجزية وإنما يجوز قبولها من أهل الكتاب أو ممن له شبهة كتاب. وقال مالك وأبو حنيفة بجواز قبولها منهم، غير أن مالكا استثنى القرشي منهم واستثنى أبو حنيفة العربي منهم.

ومن أصناف الكفرة قبل الإسلام السوفسطائية المنكرة للحقائق، ومنهم السمنية القائلون بقدم العالم مع إنكارهم للنظر والاستدلال ودعواهم أنه لا يعلم شيء إلا من طرق الحواس الخمس. ومنهم الدهرية القائلون بقدم العالم، ومنهم القائلون بقدم هيولى العالم مع إقرارهم بحدوث الأعراض منها. ومنهم الفلاسفة الذين قالوا بقدم العالم وأنكروا الصانع وبه قال منهم بيثاغورس وقاوذروس. ومنهم الفلاسفة الذين أقروا بصانع قديم ولكنهم زعموا أن صنعه قديم معه وقالوا بقدم الصانع والمصنوع كما ذهب إليه ابن قلس. ومنهم الفلاسفة الذين قالوا بقدم الطبائع الأربع والعناصر الأربعة التي هي الأرض والماء والنار والهواء. ومنهم الذين قالوا بقدم هذه الأربعة وقدم الأفلاك والكواكب معها وزعم أن الفلك طبيعة خامسة وأنها لا تقبل الكون والفساد لا في الجملة ولا في التفصيل.

وقد أجمع المسلمون على أن هؤلاء الأصناف الذين ذكرناهم لا يحل للمسلمين أكل ذبائحهم ولا نكاح نسائهم. واختلفوا في قبول الجزية منهم فمن قبلها من أهل الاوثان قبلها منهم ومن لم يقبلها من أهل الاوثان لم يقبلها منهم، وبه قال الشافعي وأصحابه.

وقالوا في المجوس إنهم أربع فرق زروانية ومسخية وخرمدينية وبهافريدية. وذبائح جميعهم حرام وكذلك نكاح نسائهم حرام. وقد أجمع الشافعي ومالك وأبو حنيفة والأوزاعي والثوري على جواز قبول الجزية من الروزانية والمسخية منهم. وإنما اختلفوا في مقدار دياتهم فقال الشافعي دية المجوسي خمس دية اليهودي والنصراني ودية اليهودي والنصراني ثلث دية المسلم؛ فدية المجوسى إذا خمس دية المسلم. وقال أبو حنيفة: دية المجوسي واليهودي والنصراني كدية المسلم.

وأما المزدكية من المجوس فلا يجوز قبول الجزية منهم لأنهم فارقوا دين المجوس الأصلية باستباحة المحرمات كلها وبقولهم إن الناس كلهم شركاء في الأموال والنساء وفي سائر اللذات.

وكذلك البهافريدية لا يجوز قبول الجزية منهم وإن كانوا أحسن قولا من المجوس الأصلية لأن دينهم ظهر من زعيمهم بهافريد في دولة الإسلام. وكل كفر ظهر بعد دولة الإسلام فلا يجوز أخذ الجزية من أهله.

واختلف الفقهاء في الصابئين من الكفرة فقال أكثرهم إن حكمهم في الذبيحة والنكاح والجزية كحكم النصارى في جواز ذلك كله ومنهم من قال إن من قال من الصابئين بقدم الهيولى فحكمه كحكم أصحاب الهيولى كما ذكرناه قبل هذا ومن قال منهم بحدوث العالم وكان الخلاف معه في صفات الصانع فحكمة حكم النصارى وبه نقول.

وأجمع أصحاب الشافعي على أن البراهمة الذين ينكرون جميع الأنبياء والرسل لا تحل ذبائحهم ولا نكاح نسائهم وإن وافقوا المسلمين في حدوث العالم وتوحيد صانعه. والخلاف في قبول الجزية منهم كالاختلاف في قبولها من أهل الاوثان.

وأجمع فقهاء الإسلام على استباحة ذبائح اليهود والسامرة والنصارى وعلى جواز نكاح نسائهم وعلى جواز قبول الجزية منهم.

وإنما اختلفوا في مقدار الجزية. فقال الشافعي إن بذل كل حالم منهم دينار واحدا حقن دمه. وقال أبو حنيفة: على الموسر منهم ثمانية وأربعون درهما وعلى المتوسط أربعة وعشرون وعلى الفقير اثنا عشر.

واختلفوا في حدودهم. فقال الشافعي إنها كحدود المسلمين ويرجم الزاني منهم إذا كان محصنا. وقال أبو حنيفة: لا رجم عليهم.

واختلفوا في ديانهم فقال الشافعي: دية الرجل منهم ثلث دية المسلم ودية المرأة منهم ثلث دية المرأة المسلمة. وقال مالك: دية الكتابي نصف دية المسلم. وقال أبو حنيفة: كدية المسلم سواء.

واختلفوا في جريان القصاص بينهم. فقال الشافعي: لا يقتل مؤمن بكافر بحال. وقال أبو حنيفة: يقتل المسلم بالذمي ولا يقتل المستأمن.

واختلفوا أيضا في وجوب الجزية على الشيخ الفاني منهم. فأوجبها الشافعي ولم يوجبها أبو حنيفة إلا على من كان منهم ذا تدبير في الحروب.

واختلفوا في الثنوية من المانوية والديصانية والمرقيونية الذين قالوا بقدم النور والظلمة وزعموا أن العالم مركب منهما وأن الخير والنفع من النور وأن الشر والضرر من الظلام. فزعم بعض الفقهاء أن حكمهم كالمجوس وأباح أخذ الجزية منهم مع تحريم ذبائحهم ونسائهم. والصحيح عندنا أن حكمهم في النكاح والذبيحة والجزية كحكم عبدة الاصنام والأوثان وقد بينا ذلك قبل هذا.

وأما الكفرة الذين ظهروا في دولة الإسلام واستتروا بظاهر الإسلام واغتالوا المسلمين في السر كالغلاة من الرافضة السبئية والبيانية والمغيرية والمنصورية والجناحية والخطابية وسائر الحلولية والباطنية والمقنعية والمبيضة بما وراء نهر جيحون والمحمرة بأذربيجان ومحمرة طبرستان والذين قالوا بتناسخ الأرواح من أتباع ابن أبي العوجاء ومن قال بقول أحمد بن خابط من المعتزلة ومن قال بقول اليزيدية من الخوارج الذين زعموا أن شريعة الإسلام تنسخ بشرع نبي من العجم ومن قال بقول الميمونية من الخوارج الذين أباحوا نكاح بنات البنين وبنات البنات ومن قال بمذاهب العزاقرة من أهل بغداد وقال بقول الحلاجية الغلاة في مذهب الحلولية أو قال بقول البركوكية أو الرزامية المفرطة في أبي مسلم صاحب دولة بني العباس أو قال بقول الكاملية الذين أكفروا الصحابة بتركها بيعة علي وأكفروا عليا بتركه قتالهم؛ فإن حكم هذه الطوائف التي ذكرناها حكم المرتدين عن الدين ولا تحل ذبائحهم ولا يحل نكاح المرأة منهم ولا يجوز تقريرهم في دار الإسلام بالجزية، بل يجب استتابتهم فإن تابوا وإلا وجب قتلهم واستغنام أموالهم.

واختلفوا في استرقاق نسائهم وذراريهم. فأباح ذلك أبو حنيفة وطائفة من أصحاب الشافعي منهم أبو إسحاق المروزي صاحب الشرح وأباح بعضهم. ومن أباح ذلك استدل بأن خالد بن الوليد لما قاتل بني حنيفة وفرغ من قتل مسيلمة الكذاب صالح بني حنيفة على الصفراء والبيضاء وعلى ربع السبي من النساء والذرية وأنفذهم إلى المدينة، وكان منهم خولة أم محمد بن الحنيفة.

وأما أهل الأهواء من الجارودية والهشامية والنجارية والجهمية والإمامية الذين أكفروا أخيار الصحابة والقدرية المعتزلة عن الحق والبكرية المنسوبة إلى بكر ابن أخت عبد الواحد والضرارية والمشبهة كلها والخوارج فإنا نكفرهم كما يكفرون أهل السنة ولا تجوز الصلاة عليهم عندنا ولا الصلاة خلفهم.

واختلف أصحابنا في التوارث منهم فقال بعضهم نرثهم ولا يرثوننا. وبناه على قول معاذ بن جبل إن المسلم يرث من الكافر والكافر لا يرث من المسلم. والصحيح عندنا أن أموالهم فيء لا توارث بينهم وبين السني. وقد روي أن شيخنا أبا عبد الله الحرث بن أسد المحاسبي لم يأخذ من ميراث أبيه شيئا لأن أباه كان قدريا.

وقد أشار الشافعي إلى بطلان صلاة من صلى خلف من يقول بخلق القرآن ونفى الرؤية.

وروى هشام بن عبد الله الرازي عن محمد بن الحسن أنه قال فيمن صلى خلف من يقول بخلق القرآن أنه يعيد الصلاة.

وروى يحيى بن أكثم أن أبا يوسف سئل عن المعتزلة فقال: هم الزنادقة.

وأشار الشافعي في كتاب الشهادات إلى جواز شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية الذين أجازوا شهادة الزور لموافقيهم على مخالفيهم. وأشار في كتاب القياس إلى رجوعه عن قبول شهادة المعتزلة وسائر أهل الأهواء.

ورد مالك شهادة أهل الأهواء. وفي رواية أشهب عن ابن القسم والحرث بن مسكين عن مالك أنه قال في المعتزلة: زنادقة لا يستتابون بل يقتلون.

وأما المعاملة معهم بالبيع والشراء فحكم ذلك عند أهل السنة كحكم عقود المفاوضة بين المسلمين الذين في أطراف الثغور وبين أهل الحرب وإن كان قتلهم مباحا. ولا يجوز أن يبيع المسلم منهم مصحفا ولا عبدا مسلما في الصحيح من مذهب الشافعي.

واختلف أصحاب الشافعي في حكم القدرية المعتزلة عن الحق. فمنهم من قال حكمهم حكم المجوس لقول النبي عليه السلام في القدرية إنهم «مجوس هذه الأمة». فعلى هذا القول يجوز أخذ الجزية منهم. ومنهم من قال حكمهم حكم المرتدين، وعلى هذا لا تؤخذ منهم الجزية بل يستتابون فإن تابوا وإلا وجب على المسلمين قتلهم.

وقد استقصينا بيان أحكام أهل الأهواء في كتاب الملل والنحل. وذكرنا في هذا الكتاب طرفا من أحكامهم عند أهل السنة وفيه كفاية والله أعلم.

الفصل الرابع من فصول هذا الباب قولنا في السلف الصالح من الأمة

أجمع أهل السنة على إيمان المهاجرين والأنصار من الصحابة. هذا خلاف قول من زعم من الرافضة أن الصحابة كفرت بتركها بيعة علي، وخلاف قول الكاملية في تكفير علي بتركه قتالهم.

وأجمع أهل السنة على أن الذين ارتدوا بعد وفاة النبي ﷺ من كندة وحنيفة وفزارة وبني أسد وبني قشير وبني بكر بن وائل لم يكونوا من الأنصار ولا من المهاجرين قبل فتح مكة. وإنما أطلق الشرع اسم المهاجرين على من هاجر إلى النبي ﷺ قبل فتح مكة، وأولئك بحمد الله ومنه درجوا على الدين القويم والصراط المستقيم.

وأجمع أهل السنة على أن من شهد مع رسول الله ﷺ بدرا من أهل الجنة. وكذلك كل من شهد معه بيعة الرضوان بالحديبية.

وقالوا بما ورد به الخبر بأن سبيعن ألفا من أمة الإسلام يدخلون الجنة بلا حساب منهم عكاشة بن محصن، وأن كل واحد منهم يشفع في سبعين ألفا.

وقالوا بموالاة أقوام وردت الأخبار بأنهم من أهل الجنة وأن لهم الشفاعة في جماعة من الأمة منهم أويس القرني، والخبر فيهم مشهور.

وقالوا بتكفير كل من أكفر واحد من العشرة الذين شهد لهم النبي ﷺ بالجنة.

وقالوا بموالاة جميع أزواج رسول الله ﷺ وأكفروا من أكفرهن أو أكفر بعضهن.

وقالوا بموالاة الحسن والحسين والمشهورين من أسباط رسول الله عليه الصلاة والسلام كالحسن بن الحسن وعبد الله بن الحسن وعلي بن الحسين زين العابدين ومحمد بن علي بن الحسين المعروف بالباقر -وهو الذي بلغه جابر بن عبد الله الأنصاري سلام رسول الله ﷺ عليه- وجعفر بن محمد المعروف بالصادق وموسى بن جعفر وعلي بن موسى الرضا. وكذلك قولهم في سائر أولاد علي من صلبه كالعباس وعمر ومحمد بن الحنفية وسائر من درج على سنن آبائه الطاهرين دون من مال منهم إلى اعتزال أو رفض ودون من انتسب إليهم وأسرف في عداوته وظلمه كالبرقعي الذي عدا على أهل البصرة ظلما وعدوانا. وأكثر النسابين على أنه كان دعيا فيهم ولم يكن منهم.

وقالوا بموالاة أعلام التابعين للصحابة بإحسان. وهم الذين قال الله تعالى فيهم: {يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم}.

وقالوا ذلك في كل من أظهر أصول أهل السنة.

وإنما تبرءوا من أهل الملل الخارجة عن الإسلام ومن أهل الأهواء الضالة مع انتسابها إلى الإسلام كالقدرية والمرجئة والرافضة والخوارج والجهمية والنجارية والمجسمة. وقد تقدم بيان تفصيل هذه الجملة في الفصل الذي قبل هذا الفصل بما فيه كفاية.

الفصل الخامس من فصول هذا الباب في بيان عصمة الله أهل السنة عن تكفير بعضهم بعضا

أهل السنة لا يكفر بعضهم بعضا، وليس بينهم خلاف يوجب التبري والتكفير. فهم إذن أهل الجماعة القائمون بالحق، والله تعالى يحفظ الحق وأهله، فلا يقعون في تنابذ وتناقض. وليس فريق من فرق المخالفين إلا وفيهم تكفير بعضهم لبعض، وتبرئ بعضهم من بعض، كالخوارج والروافض والقدرية، حتى اجتمع سبعة منهم في مجلس واحد فافترقوا عن تكفير بعضهم بعضا، وكانوا بمنزلة اليهود والنصارى حين كفر بعضهم بعضا، حتى قالت اليهود: {لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ}، وقال الله سبحانه وتعالى: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا}.

وقد عصم الله أهل السنة من أن يقولوا في أسلاف هذه الأمة منكرا أو يطعنوا فيهم طعنا. فلا يقولون في المهاجرين والأنصار وأعلام الدين ولا في أهل بدر وأحد وأهل بيعة الرضوان إلا أحسن المقال، ولا في جميع من شهد لهم النبي ﷺ بالجنة ولا أزواج النبي ﷺ وأصحابه وأولاده وأحفاده، مثل الحسن والحسين والمشاهير من ذرياتهم مثل عبد الله بن الحسن وعلي بن الحسين ومحمد بن علي وجعفر بن محمد وموسى بن جعفر، وعلي بن موسى الرضا عليهم السلام ومن جرى منهم على السداد من غير تبديل ولا تغيير، ولا في الخلفاء الراشدين. ولم يستجيزوا أن يطعنوا في واحد منهم. وكذلك في أعلام التابعين وأتباع التابعين الذين صانهم الله تعالى عن التلوث بالبدع وإظهار شيء من المنكرات.

ولا يحكمون في عوامّ المسلمين إلا بظاهر إيمانهم. ولا يقولون بتكفير واحد منهم إلا أن يتبين منه ما يوجب تكفيره. ويصدقون بقول النبي ﷺ: «يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا بغير حساب هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون» أخرجه البخاري. وقد ورد أنه يشفع كل واحد منهم في عدد ربيعة ومضر.

ويوجبون على أنفسهم الدعاء لمن سلف من هذه الأمة، كما أمر الله تعالى في كتابه حيث قال: {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ}.

الفصل السادس من فصول هذا الباب في بيان فضائل أهل السنة وأنواع علومهم وأئمتهم

اعلم أنه لا خصلة من الخصال التي تعدّ في المفاخر لأهل الإسلام من المعارف والعلوم وأنواع الإجتهادات، إلا ولأهل السنة والجماعة في ميدانها القدح المعلى والسهم الأوفر. فدونك أئمة أصول الدين وعلماء الكلام من أهل السنة.

فأول متكلميهم من الصحابة علي بن أبي طالب كرم الله وجهه حيث ناظر الخوارج في مسائل الوعد والوعيد، وناظر القدرية في المشيئة والاستطاعة والقدر. ثم عبد الله بن عمر رضي الله عنهما حيث تبرأ من معبد الجهني في نفيه القدر.

وأول متكلمي أهل السنة من التابعين عمر بن عبد العزيز، وله رسالة بليغة في الردّ على القدرية. ثم زيد بن علي زين العابدين، وله كتاب في الردّ على القدرية. ثم الحسن البصري، ورسالته إلى عمر بن عبد العزيز في ذم القدرية معروفة. ثم الشعبي، وكان أشد الناس على القدرية. ثم الزهري، وهو الذي أفتى عبد الملك بن مروان بدماء القدرية.

ومن بعد هذه الطبقة جعفر بن محمد الصادق، وله كتاب الرد على القدرية وكتاب الرد على الخوارج ورسالة في الرد على الغلاة من الروافض.

وأول متكلميهم من الفقهاء وأرباب المذاهب أبو حنيفة والشافعي. فإن أبا حنيفة له كتاب في الرد على القدرية سماه كتاب الفقه الأكبر، وله رسالة أملاها في نصرة قول أهل السنة إن الاستطاعة مع الفعل، ولكنه قال إنها تصلح للضدين، وعلى هذا قوم من أصحابنا. وللشافعي كتابان في الكلام، أحدهما في تصحيح النبوة والرد على الجهمية، والثاني في الرد على أهل الأهواء.

فأما المريسي من أصحاب أبي حنيفة فإنما وافق المعتزلة في خلق القرآن وأكفرهم في خلق الأفعال.

ثم من بعد الشافعي تلامذته الجامعون بين علم الفقه والكلام، وكان أبو العباس بن سُريج أبرع الجماعة في هذه العلوم، وله نقض كتاب الجاروف على القائلين بتكافؤ الأدلة.

ثم من بعده الإمام أبو الحسن الأشعري الذي صار شَجًى في حلوق القدرية. ومن تلامذته المشهورين أبو الحسن الباهلي وأبو عبد الله بن مجاهد، وهما اللذان أثمرا تلامذتهم إلى اليوم شموس الزمان وأئمة العصر، كأبي بكر محمد بن الطيب الباقلاني وأبي إسحاق إبراهيم بن محمد الإسفرايني وابن فورك.

وقبل هذه الطبقة أبو على الثقفي، وفي زمانه كان إمام السنة أبو العباس القلانسي الذي زادت تصانيفه في الكلام على مائة وخمسين كتابا. وقد أدركنا منهم في عصرنا ابن مجاهد وابن الطيب وابن فورك وإبراهيم بن محمد، رضي الله عن الجميع، وهم القادة السادة في هذا العلم.

وأما أئمة الفقه في عهد الصحابة والتابعين ومن بعدهم فقد ملأوا العالم علما، وليس بينهم إلا من يناصر السنة والجماعة، وهم أشهر من نار على علَم، ففي سرد أسمائهم طول.

وأما أئمة الحديث والإسناد فهم سائرون على هذا المهيع الرشيد، لا يوصم أحد منهم ببدعة. وفي طبقاتهم كتب خاصة تغني عن ذكر أسمائهم هنا، وآثارهم الخالدة لم تزل بأيدي حملة العلم مدى الدهر.

وكذلك أئمة الإرشاد والتصوف كانوا على توالي القرون على هذا المنهج السديد في المعتقد.

وكذلك جمهرة أهل النحو واللغة والأدب كانوا على معتقد أهل السنة. فمن الكوفيين المفضل الضبي وابن الأعرابي والرؤاسي والكسائي والفراء وأبو عبيد قاسم بن سلام وعلي بن المبارك اللحياني وأبو عمرو الشيباني وإبراهيم الحربي وثعلب وابن الأنباري وابن مقسم وأحمد بن فارس، كانوا كلهم من أهل السنة. ومن البصريين أبو الأسود الدؤلي ويحيى بن معمر وعيسى بن عمر الثقفي وعبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي، وبعدهم أبو عمرو بن العلاء الذي قال له عمرو بن عبيد القدري: وقد ورد من الله تعالى الوعد والوعيد، والله تعالى يصدق وعده ووعيده، فأراد بهذا الكلام أن ينصر بدعته التي ابتدعها في أن العصاة من المؤمنين خالدون مخلدون في النار، فقال أبو عمرو بن العلاء: فأين أنت من قول العرب: إن الكريم إذا أوعد عفا، وإذا وعد وفى، وافتخار قائلهم بالعفو عند الوعيد حيث قال:

وإني إذا أوعدته أو وعدته ** لمخلف إيعادي ومنجز موعدي

فعده من الكرم لا من الخلق المذموم، وكذا الخليل بن أحمد وخلف الأحمر ويونس بن حبيب وسيبويه والأخفش والأصمعي وأبي زيد الأنصاري والزجاج والمازني والمبرد وأبي حاتم السجستاني وابن دريد والأزهري. وغيرهم من أئمة الأدب، لم يكن بينهم أحد إلا وله إنكار على أهل البدعة شديد، وبُعْد عن بدعهم بعيد؛ ولم يكن في مشاهيرهم من تدنّس بشيء من بدع الروافض والخوارج والقدرية.

وكذلك أئمة القراء وحملة التفسير بالرواية من عهد الصحابة إلى عهد محمد بن جرير الطبري وأقرانه ومن بعدهم كانوا كلهم من أهل السنة. وكذلك المفسرون بالدراية إلا بعض أفراد من أهل البدعة.

وكذلك مشاهير علماء المغازي والسير والتواريخ ونقد الأخبار وحملة الرواية من أهل السنة والجماعة.

فيظهر بذلك أن جماع الفضل في العلوم في أهل السنة والجماعة. حشرنا الله سبحانه في زمرتهم.

الفصل السابع من فصول هذا الباب في بيان آثار أهل السنة في الدين والدنيا وذكر مفاخرهم فيهما

ألممنا ببعض آثار أهل السنة في شتى العلوم بحيث يظهر من ذلك أنهم لا يُلحقون في هذا المضمار، ومؤلفاتهم في الدين والدنيا فخر خالد مدى الدهر للأمة المحمدية. وأما آثارهم العمرانية في بلاد الإسلام فمشهورة ماثلة أمام الباحثين خالدة في بطون التواريخ؛ بحيث لا يلحقهم في ذلك لاحق، كالمساجد والمدارس والقصور والرباطات والمصانع والمستشفيات وسائر المباني المؤسسة في بلاد السنة. وليس لسوى أهل السنة عمل يذكر في ذلك.

وقد بني الوليد بن عبد الملك المسجد النبوي ومسجد دمشق على أبدع نظام، وكان سنيا. وبنى أخوه مسلمة المسجد بقسطنطينية، وكان سنيا. وكل ما في الحرمين وسائر الحواضر من شواهق الآثار فمن عمل أهل السنة.

وأما سعي بعض العبيديين في عمارات فشيء لا يذكر أمام أعمال ملوك السنة على اختلاف الدول، على أنه لا موقع لما كانوا يبنونه مع سوء اعتقادهم، كما قال الله تعالى: {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أنفسهِمْ بِالْكُفْر}، ولا يتسع المقام لسرد ما لأهل السنة من الآثار الفاخرة في الدين والدنيا.

وفي هذه الإلمامة كفاية في استذكار مآثر أهل السنة التي لا آخر لها في ناحيتي الدين والدنيا. ولله الحمد وله الفضل. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.

هامش

  1. في الأصل: الحائطية، وابن حائط
  2. سماه ابن خلكان: "عطاء بن حكيم"