الرئيسيةبحث

الزهد والورع والعبادة/3



الفصل الرابع معنى حق اليقين وعين اليقين وعلم اليقين

سئل شيخ الاسلام أبو العباس أحمد بن تيمية رحمه الله عن قوله تعالى حق اليقين وعين اليقين و علم اليقين فما معنى كل مقام منها وأي مقال أعلى فأجاب الحمد لله رب العالمين للناس في هذه الأسماء مقالات معروفة منها أن يقال علم اليقين ما علمه بالسماع والخبر والقياس والنظر وعين اليقين ما شاهده وعاينه بالبصر وحق اليقين ما باشره ووجده وذاقه وعرفه بالاعتبار فالأولى مثل من أخبر أن هناك عسلا وصدق المخبر أو رأى آثار العسل فاستدل على وجوده والثاني مثل من رأى العسل وشاهده وعاينه وهذا أعلى كما قال النبي ﷺ ليس المخبر كالمعاين

والثالث مثل من ذاق العسل ووجد طعمه وحلاوته ومعلوم أن هذا أعلى مما قبله ولهذا يشير أهل المعرفة الى ما عندهم من الذوب والوجد كما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الايمان من كان الله ورسوله أحب اليه مما سواهما ومن كان يحب المرء لا يحبه الا لله ومن كان يكره أن يرجع الى الكفر بعد اذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار وقال ﷺ ذاق طعم الايمان من رضي بالله ربا وبالاسلام دينا وبمحمد رسولا فالناس فيما يجده أهل الايمان ويذوقونه من حلاوة الايمان وطعمه على ثلاث درجات درجات أهل الايمان الأولى من علم ذلك مثل من يخبره به شيخ له يصدقه أو يبلغه ما أخبر به العارفون عن أنفسهم أو يجد من آثار أحوالهم ما يدل على ذلك والثانية من يشاهد ذلك وعاينه مثل أن يعاين من أحوال أهل المعرفة والصدق واليقين ما يعرف به مواجيدهم وأذواقهم وان كان هذا في الحقيقة لم يشاهد ما ذاقوه ووجدوه ولكن شاهد ما دل عليه لكن هو أبلغ من المخبر والمستدل بآثارهم

والثالثة أن يحصل له من الذوق والوجه في نفسه ما كان سمعه كما قال بعض الشيوخ لقد كنت في حال أقول فيها ان كان أهل الجنة في الجنة في مثل هذا الحال انهم لفي عيش طيب وقال آخر انه ليمر على القلب أوقات يرقص منها طربا وقال الآخر لأهل الليل في ليلهم ألذ من أهل اللهو في لهوهم درجات الناس في الايمان بالآخرة والناس فيما أخبروا به من أمر الآخرة على ثلاث درجات احداها العلم بذلك لما أخبرتهم الرسل وما قام من الأدلة على وجود ذلك الثانية اذا عاينوا ما وعدوا به من الثواب والعقاب والجنة والنار والثالثة اذا باشروا ذلك فدخل أهل الجنة الجنة وذاقوا ما كانوا يوعدون ودخل أهل النار النار وذاقوا ما كانوا يوعدون فالناس فيما يوجد في القلوب وفيما يوجد خارج القلوب على هذه الدرجات الثلاث درجات الناس فيما يخبروا بن من أمور الدنيا وكذلك في أمور الدنيا فان من أخبر بالعشق أو النكاح ولم يره ولم يذقه كان له علم به فان شاهده ولم يذقه كان له معاينة له فإن ذاقه بنفسه كان له ذوق وخبرة به ومن لم يذق الشيء لم يعرف حقيقته فان العبارة انما تفيد التمثيل والتقريب وأما معرفة الحقيقة فلا تحصل بمجرد العبارة الا لمن يكون قد ذاق ذلك الشيء المعبر عنه وعرفه وخبره ولهذا يسمون أهل المعرفة لأنهم عرفوا بالخبرة والذوق ما يعلمه غيرهم بالخبر والنظر وفي الحديث الصحيح أن هرقل ملك الروم سأل أبا سفيان بن حرب فيما سأله عنه من أمور النبي ﷺ قال فهل يرجع أحد منهم دينه سخطة له بعد أن يدخل فيه قال لا قال وكذلك الايمان اذا خالطت بشاشته القلب لا يسخطه أحد القلب بين زيادة الايمان وزيادة المحبة فالايمان اذا باشر القلب وخالطته بشاشته لا يسخطه القلب بل يحبه ويرضاه فإن له من الحلاوة في القلب واللذة والسرور والبهجة ما لا يمكن التعبير عنه لمن لم يذقه والناس متفاوتون في ذوقه والفرح والسرور الذي في القلب له من البشاشة ما هو بحسبه واذا خالطت القلب لم يسخطه قال تعالى قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون وقال تعالى والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل اليك ومن الأحزاب من ينكر بعضه وقال تعالى وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه ايمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم ايمانا وهم يستبشرون فأخبر سبحانه أنهم يستبشرون بما أنزل من القرآن والاستبشار هو الفرح والسرو وذلك لما يجدونه في قلوبهم من الحلاوة واللذه والبهجة بما أنزل الله واللذة أبدا تتبع المحبة فمن أحب شيئا ونال ما أحبه وجد اللذة به فالذوق هو ادراك المحبوب اللذة الظاهرة كالأكل مثلا حال الانسان فيها أنه يشتهي الطعام ويحبه ثم يذوقه ويتناوله فيجد حينئذ لذته وحلاوته وكذلك النكاح وأمثال ذلك

وليس للخلق محبة أعظم ولا أكمل ولا أتم من محبة المؤمنين لربهم وليس في الوجود ما يستحق أن يحب لذاته من كل وجه الا الله تعالى وكل ما يحب سواه فمحبته تبع لحبه فإن الرسول عليه الصلاة و السلام انما يحب لأجل الله ويطاع لأجل الله ويتبع لأجل الله كما قال تعالى قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله وفي الحديث أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه وأحبوني لحب الله وأحبوا أهل بيتي لحبي وقال تعالى قل ان كان آباؤكم الى قوله أحب اليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين وقال النبي ﷺ لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب اليه من ولده ووالده والناس أجمعين وفي حديث الترمذي وغيره من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الايمان وقال تعالى ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله فالذين آمنوا أشد حبا لله من كل محب لمحبوبه وقد بسطنا الكلام على هذا في مواضع متعددة والمقصود هنا أن أهل الايمان يجدون بسبب محبتهم لله ولرسوله من حلاوة الايمان ما يناسب هذه المحبة ولهذا علق النبي ﷺ ما يجدونه بالمحبة فقال ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الايمان أن يكون الله ورسوله أحب اليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه الا لله وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار ومن ذلك ما يجدونه من ثمرة التوحيد والاخلاص والتوكل والدعاء لله وحده فإن الناس في هذا الباب على ثلاث درجات درجات الناس فيا يجدونه من ثمرة التوحيد منهم من علم ذلك سماعا واستدلالا ومنهم من شاهد وعاين ما يحصل لهم ومنهم من وجد حقيقة الاخلاص والتوكل على الله والالتجاء اليه والاستعانة به وقطع التعلق بما سواه وجرب من نفسه أنه اذا تعلق بالمخلوقين ورجاهم وطمع فيهم أن يجلبوا له منفعة أو يدفعوا عنه مضرة فإنه يخذل من جهتهم ولا يحصل مقصوده بل قد يبذل لهم من الخدمة والأموال وغير ذلك ما يرجو أن ينفعوه وقت حاجته اليهم فلا ينفعونه اما لعجزهم واما لانصارف قلوبهم عنه واذا توجه الى الله بصدق الافتقار اليه واستغاث به مخلصا له الدين أجاب دعاءه وأزال ضرره وفتح له أبواب الرحمة فمثل هذا قد ذاق من حقيقة التوكل والدعاء لله ما لم يدق غيره وكذلك من ذاق طعم إخلاص لله وارادة وجهه دون ما سواه يجد من الأحوال والنتائج والفوائد ما لا يجده من لم يكن كذلك بل من اتبع هواه في مثل طلب الرئاسة والعلو وتعلقه بالصور الجميلة أو جمعه للمال يجد في أثناء ذلك من الهموم والغموم والأحزان والآلام وضيف الصدر ما لا يعبر عنه وربما لا يطاوعه قلبه على ترك الهوى ولا يحصل له ما يسره بل هو في خوف وحزن دائما ان كان طالبا لما يهواه فهو قبل ادراكه حزين متألم حيث لم يحصل فإذا أدركه كان خائفا من زواله وفراقه وأولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون فإذا ذاق هذا أو غيره حلاوة الاخلاص لله والعبادة وحلاوة ذكره ومناجاته وفهم كتابه وأسلم وجهه لله وهو محسن بحيث يكون عمله صالحا ويكون لوجه الله خالصا فإنه يجد من السرور واللذة والفرح ما هو أعظم مما يجده الداعي المتوكل الذي نال بدعائه وتوكله ما ينفعه من الدنيا أو اندفع عنه ما يضره فإن حلاوة ذلك هي بحسب ما حصل له من المنفعة أو اندفع عنه من المضرة ولا أنفع للقلب من التوحيد واخلاص الدين لله ولا أضر عليه من الاشراك فإذا وجد حقيقة الاخلاص التي هي حقيقةاياك نعبدمع حقيقة التوكل التي هي حقيقة اياك نستعين كان هذا فوق ما يجده كل أحد لم يجد مثل هذا والله أعلم

الفصل الخامس الوصية الصغرى سؤال أبي القاسم المغربي

يتفضل الشيخ الامام بقية السلف وقدوة الخلف أعلم من لقيت ببلاد المشرق والمغرب تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية بأن يوصيني بما يكون فيه صلاح ديني ودنياي ويرشدني الى كتاب يكون عليه اعتمادي في علم الحديث وكذلك في غيره من العلوم الشرعية وينبهني على أفضل الأعمال الصالحة بعد الواجبات ويبين لي أرجح المكاسب كل ذلك على قصد الايماء والاختصار والله تعالى يحفظه والسلام الكريم عليه ورحمة الله وبركاته فأجاب الحمد لله رب العالمين وصية الله في كتابنه أما الوصية فما أعلم وصية أنفع من وصية الله ورسوله لمن عقلها واتبعها قال تعالى ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله وصية النبي ﷺ لمعاذ ووصى النبي ﷺ معاذا لما بعثه الى اليمن فقال يا معاذ اتق الله حيثما كنت واتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن وكان معاذ رضي الله عنه من النبي ﷺ بمنزلة عليه فإنه قال له يا معاذ والله اني لأحبك وكان يردفه وراءه وروى فيه أنه أعلم الأمة بالحلال والحرام وأنه يحشر أمام العلماء برتوة أي بخطوة ومن فضله أنه بعثه النبي ﷺ مبلغا عنه داعيا ومفقها ومفتيا وحاكما الى أهل اليمن وكان يشبهه بإبراهيم الخليل عليه السلام وإبراهيم امام الناس وكان ابن مسعود رضي الله عنه يقول ان معاذا كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين تشبيها له بإبراهيم

شرح وصية الرسول

ثم انه ﷺ وصاه هذه الوصية فعلم أنها جامعة وهي كذلك لمن عقلها مع أنها تفسير الوصية القرآنية أما بيان جمعها فلأن العبد عليه حقان حق لله عز و جل وحق لعباده ثم الحق الذي عليه لا بد أن يخل ببعضه أحيانا اما بترك مأمور به أو فعل منهي عنه فقال النبي ﷺ اتق الله حيثما كنت وهذه كلمة جامعة وفي قوله حيثما كنت تحقيق لحاجته الى التقوى في السر والعلانية ثم قال واتبع السيئة الحسنة تمحها فإن الطبيب متى تناول المريض شيئا هو الذي مضرا أمره بما يصلحه والذنب للعبد كأنه أمر حتم فالكيس هو الذي لا يزال يأتي من الحسنات بما يمحو السيئات وإنما قدم في لفظ الحديث السيئة وإن كانت مفعولة لأن المقصود هنا محوها لا فعل الحسنة فصار كقوله في بول الأعربي صبوا عليه ذنوبا من ماء الأشياء التي تزول بموجبها الذنوب وينبغي أن تكون الحسنات من جنس السيئات فإنه أبلغ في المحو والذنوب يزول موجبها بأشياء أحدها التوبة

والثاني الاستغفار من غير توبة فإن الله تعالى قد يغفر له اجابة لدعائه وان لم يتب فاذا اجتمعت التوبة والاستغفار فهو الكمال الثالث الأعمال الصالحة المكفرة اما الكفارات المقدرة كما يكفر المجامع في رمضان والمظاهر والمرتكب لبعض محظورات الحج أو تارك بعض واجباته أو قاتل الصيد بالكفارات المقدرة وهي أربعة أجناس هدي وعتق وصدقة وصيام وإما الكفارات المطلقة كما قال حذيفة لعمر فتنة الرجل في أهله وماله وولده يكقرها الصلاة والصيام والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقد دل على ذلك القرآن والأحاديث الصحاح في التكفير بالصلوات الخمس والجمعة والصيام والحج وسائر الأعمال التي يقال فيها من قال كذا وعمل كذا غفر له أو غفر له ما تقدم من ذنبه وهي كثيرة لمن تلقاها من السنن خصوصا ما صنف من السنن خصوصا ما صنف في فضائل الأعمال العناية بمزيلات الذنوب واعلم أن العناية بهذا من أشد ما بالانسان الحاجة اليه فإن الانسان من حين يبلغ خصوصا في هذه الأزمنة ونحوها من أزمنة الفترات التي تشبه الجاهلية من بعض الوجوه فان الانسان الذي ينشأ بين أهل علم ودين قد يتطلخ من أمور الجاهلية بعدة أشياء فكيف بغير هذا وفي الصحيحين عن النبي ﷺ من حديث أبي سعيد رضي الله عنه لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه قالوا يا رسول الله اليهود والنصارى قال فمن هذا خبر تصديقه في قوله تعالى فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا ولهذا شواهد في الصحاح والحسان وهذا أمر قد يسري في المنتسبين الى الدين من الخاصة كما قال غير واحد من السلف منهم ابن عيينة فإن كثيرا من أحوال اليهود قد ابتلى به بعض المنتسبين الى العلم وكثيرا من أحوال النصارى قد ابتلي به بعض المنتسبين الى الدين كما يبصر ذلك من فهم دين الاسلام الذي بعث الله به محمدا ﷺ ثم نزله على أحوال الناس واذا كان الأمر كذلك فمن شرح الله صدره للاسلام فهو على نور من ربه وكان ميتا فأحياه الله وجعل له نورا يمشي به في الناس لا بد أن يلاحظ أحوال الجاهلية وطريق الأمتين المغضوب عليهم والضالين من اليهود والنصارى فيرى أن قد ابتلي ببعض ذلك فأنفع ما للخاصة والعامة العلم بما يخلص النفوس من هذه الورطات وهو اتباع السيئات الحسنات والحسنات ما ندب الله اليه على لسان خاتم النبيين من الأعمال والأخلاق والصفات المصائب المكفرة للذنوب ومما يزيل موجب الذنوب المصائب المكفرة وهي كل ما يؤلم من هم أو حزن أو أذى في مال أو عرض أو جسد أو غير ذلك لكن ليس هذا من فعل العبد فلما قضى بهاتين الكلمتين حق الله من عمل الصالح واصلاح الفاسد قال وخالق الناس بخلق حسن هو حق الناس

جماع الخلق الحسن مع الناس

وجماع الخلق الحسن مع الناس أن تصل من قطعك بالسلام والاكرام والدعاء له والاستغفار والثناء عليه والزيارة له وتعطي من حرمك من التعليم والمنفعة والمال وتعفو عمن ظلمك في دم أو مال أو عرض وبعض هذا واجب وبعضه مستحق معنى الخلق العظيم وأما الخلق العظيم الذي وصف الله به محمدا ﷺ فهو الدين الجامع لجميع ما أمر الله به مطلقا هكذا قال مجاهد وغيره وهو تأويل القرآن كما قالت عائشة رضي الله عنها كان خلقه القرآن وحقيقته المبادرة الى امتثال ما يحبه الله تعالى بطيب نفس وانشراح صدر اسم التقوى وما يجمعه وأما بيان أن هذا كله في وصية الله فهو أن اسم تقوى الله يجمع فعل كل ما أمر الله به ايجابا واستحبابا وما نهى عنه تحريما وتنزيها وهذا يجمع حقوق الله وحقوق العباد لكن لما كان تارة يعني بالتقوى خشية العذاب المقتضية للانكفاف عن المحارم جاء مفسرا في حديث معاذ وكذلك في حديث أبي هريرة رضي الله عنهما الذي رواه الترمذي وصححه قيل يا رسول الله ما أكثر ما يدخل الناس الجنة قال تقوى الله وحسن الخلق قيل وما أكثر ما يدخل الناس النار قال الأجوفان الفم والفرج وفي الصحيح عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله ﷺ أكمل المؤمنين اسيمانا أحسنهم خلقا فجعل كمال الايمان في كمال حسن الخلق ومعلوم أن الايمان كله تقوى الله شمول التقوى وتفصيل أصول التقوى وفروعها لا يحتمله هذا الموضع فإنها الدين كله لكن ينبوع الخير وأصله اخلاص العبد لربه عبادة واستعانة كما في قوله اياك نعبد واياك نستعين وفي قوله فاعبده وتوكل عليه وفي قوله عليه توكلت واليه أنيب وفي قوله فابتغو عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له بحيث يقطع العبد تعلق قلبه من المخلوقين انتفاعا بهم عملا لأجلهم ويجعل همته ربه تعالى وذلك

بملازمة الدعاء له في كل مطلوب من فاقة وحاجة ومخافة وغير ذلك والعمل لله بكل محبوب ومن أحكم هذا فلا يمكن أن يوصف ما يعقبه ذلك أفضل الأعمال بعد الفرائض وأما ما سألت عنه من أفضل الأعمال بعد الفرائض فإنه يختلف باختلاف الناس فيما يقدرون عليه وما يناسب أوقاتهم فلا يمكن فيه جواب جامع مفصل لكل أحد لكن مما هو كالاجماع بين العلماء بالله وأمره أن ملازمة ذكر الله دائما هو أفضل ما شغل العبد به نفس في الجملة وعلى ذلك دل حديث أبي هريرة الذي رواه مسلم سبق المفردون قالوا يا رسول الله ومن المفردون قال الذاكرون الله كثيرا والذاكرات وفيما رواه أبو داود عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنه قال ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من اعطاء الذهب الورق ومن أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم قالوا بلى يا رسول الله قال ذكر الله والدلائل القرآنية والايمانية بصرا وخبرا ونظرا على ذلك كثيرة وأقل ذلك أن يلازم العبد الأذكار المأثورة عن معلم الخير وامام المتقين ﷺ كالأذكار المؤقتة في أول النهار وآخره وعند أخذ المضجع وعند الاستيقاظ من المنام وأدبار الصلوات والأذكار المقيدة مثل ما يقال عند الأكل والشرب واللباس والجماع ودخول المنزل والمسجد والخلاء والخروج من ذلك وعند المطر والرعد الى غير ذلك وقد صنفت له الكتب المسماة بعمل اليوم والليلة أفضل الذكر ثم ملازمة الذكر مطلقا وأفضله لا اله الا الله وقد تعرض أحوال يكون بقية الذكر مثل سبحان الله والحمد لله والله أكبر ولا حول ولا قوة الا بالله أفضل منه ثم يعلم أن كل ما تكلم به اللسان وتصوره القلب مما يقرب الى الله من تعلم علم وتعليمه وأمر بمعروف ونهي عن منكر فهو من ذكر الله ولهذا من اشتغل بطلب العلم النافع بعد أداء الفرائض أو جلس مجلسا يتفقه أو يفقه فيه الفقه الذي سماه الله ورسوله فقها فهذا أيضا من أفضل ذكر الله وعلى ذلك اذا تدبرت لم تجد بين الأولين في كلماتهم في أفضل الأعمال كبير اختلاف وما اشتبه أمره على العبد فعليه بالاستخارة المشروعة فما ندم من استخار الله تعالى وليكثر من ذلك ومن الدعاء فإنه مفتاح كل خير ولا يعجل فيقول قد دعوت لم يستجب لي وليتحر الأوقات الفاضلة كآخر الليل وأدبار الصلوات وعند الأذان ووقت نزول المطر ونحو ذلك أرجح المكاسب وأما أرجح المكاسب فالتوكل على الله والثقة بكفايته وحسن الظن به وذلك أنه ينبغي للمهتم بأمر الرزق أن يلجأ فيه الى الله ويدعوه كما قال سبحانه فيما يأثر عنه نبيه كلكم جائع الا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم يا عبادي كلكم عار الا من كسوته فاستكسوني أكسكم وفيما رواه الترمذي عن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله ﷺ ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى شسع نعلمه اذا انقطع فإنه ان لم ييسره لم يتيسر وقد قال الله تعالى في كتابه وأسألوا الله من فضله وقال سبحانه فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله وهذا وإن كان في الجمعه فمعناه قائم في جميع الصلوات ولهذا والله أعلم أمر النبي ﷺ الذي يدخل المسجد أن يقول اللهم افتح لي أبواب رحمتك وإذا خرج أن يقول اللهم اني أسألك من فضلك وقد قال الخليل ﷺ فابتغوا عند الله الزرق واعبدوه واشكروا له وهذا أمر والأمر يقتضي الايجاب فالاستعانة بالله واللجوء اليه في أمر الرزق وغيره أصل عظيم ثم ينبغي له أن يأخذ المال بسخاوة نفس ليبارك له فيه ولا يأخذه بإشراف وهلع بل يكون المال عنده بمنزلة الخلاء الذي يحتاج اليه من غير أن يكون له في القلب مكانة والسعي فيه اذا سعى كاصلاح الخلاء وفي الحديث المرفوع الذي رواه الترمذي وغيره من أصبح والدنيا أكبر همه شتت الله عليه شمله وفرق عليه ضيعته ولم يأته من الدنيا الا ماكتب له ومن أصبح والأخرة أكبر همه جمع الله عليه شمله وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي راغمة وقال بعض السلف أنت محتاج الى الدنيا وأنت الى نصيبك من الآخرة أحوج فإن بدأت بنصيبك من الآخرة مر على نصيبك من الدنيا فانتظمه انتظاما قال الله تعالى وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون ان الله وهو الرزاق ذو القوة المتين

فأما تعيين مكسب على مكسب من صناعة أو تجارة أو بناية أو حراثة أو غير ذلك فهذا يختلف باختلاف الناس ولا أعلم في ذلك شيئا عاما لكن اذا عن للانسان جهة فليستخر الله تعالى فيها الاستخارة المتلقاة عن معلم الخير ﷺ فإن فيها من البركة ما لا يحاط به ثم ما تيسر له فلا يتكلف غيره الا أن يكون منه كراهة شرعية الكتب التي يعتمد عليها في العلوم وأما ما تعتمد عليه من الكتب في العلوم فهذا باب واسع وهو أيضا يختلف باختلاف نشء الانسان في البلاد فقد يتيسر له في بعض البلاد من العلم أو من طريقة ومذهبه فيه ما لا يتيسر له في بلد آخر لكن جماع الخير أن يستعين بالله سبحانه في تلقي العلم الموروث عن النبي ﷺ فإنه هو الذي يستحق أن يسمى علما وما سواه اما أن يكون علما فلا يكون نافعا وإما أن لا يكون علما وان سمي به ولئن كان علما نافعا فلا بد أن يكون في ميراث محمد ﷺ ما يغني عنه مما هو مثله وخير منه ولتكن همته فهم مقاصد الرسول في أمره ونهيه وسائر كلامه فاذا اطمأن قلبه أن هذا هو مراد الرسول فلا يعدل عنه فيما بينه وبين الله تعالى ولا مع الناس اذا أمكنه ذلك وليجتهد أن يعتصم في كل باب من أبواب العلم بأصل مأثور عن النبي ﷺ واذا اشتبه عليه مما قد اختلف فيه الناس فليدع بما رواه مسلم في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله ﷺ كان يقول اذا قام يصلي من الليل اللهم رب جبريل وميكائيل واسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بي عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق باذنك انك نهدي من تشاء الى صراط مستقيم فإن الله تعالى قد قال فيما رواه عنه رسوله يا عبادي كلكم ضال الا من هديته فاستهدوني أهدكم وأما وصف الكتب والمصنفين فقد سمع منا في أثناء المذاكرة ما يسره الله سبحانه وما في الكتب المصنفة المبوبة كتاب أنفع من صحيح محمد بن اسماعيل البخاري لكن هو وحده لا يقوم بأصول العلم ولا يقول بتمام المقصود للمتبحر في أبواب العلم اذ لا بد من معرفة أحاديث أخر وكلام أهل الفقه وأهل العلم في الأمور التي يختص بعلمها بعض العلماء وقد أوعبت الأمة في كل فن من فنون العلم ايعابا فمن نور الله قلبه هداه بما يبلغه من ذلك ومن أعماه لم تزده كثرة الكتب الا حيرة وضلالا كما قال النبي ﷺ لأبي لبيد الأنصاري أو ليست التوراة والأنجيل عند اليهود والنصارى فماذا تغني عنهم

فنسأل الله العظيم أن يرزقنا الهدى والسداد ويلهمنا رشدنا ويقينا شر أنفسنا وأن لا يزيغ قلوبنا بعد اذ هدانا ويهب لنا من لدنه رحمة انه هو الوهاب والحمد لله رب العالمين وصلواته على أشرف المرسلين

الفصل السادس الصبر الجميل والصفح الجميل والهجر الجميل

وأقسام التقوى والصبر وسئل الشيخ الامام العالم العامل الحبر الكامل شيخ الاسلام ومفتي الأنام تقي الدين ابن تيمية أيده الله وزاده من فضله العظيم عن الصبر الجميل و الصفح الجميل والهجر الجميل وما أقسام التقوى والصبر الذي عليه الناس فأجاب رحمه الله الحمد لله أما بعد فإن الله أمر نبيه بالهجر الجميل والصفر الجميل والصبر الجميل فالهجر الجميل هجر بلا أذى والصفح الجميل صفح بلا عتاب والصبر الجميل صبر بلا شكوى قال يعقوب عليه الصلاة و السلام انما أشكو بثي وحزني الى الله مع قوله فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون فالشكوى الى الله لا تنافي الصبر الجميل ويروى عن موسى عليه الصلاة و السلام أنه كان يقول اللهم لك الحمد واليك المستكى وأنت المستعان وبك المستغاث وعليك التكلان ومن دعاء النبي ﷺ اللهم اليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس أنت رب المستضعفين وأنت ربي الله الى من تكلني الى بعيد يتجهمني أم الى عدو ملكته أمري ان لم يكن بك غضب علي فلا أبالي غير أن عافيتك هي أوسع لي أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن ينزل بي سخطك أو يحل علي غضبك لك العتبى حتى ترضى وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقرأ في صلاة الفجر انما أشكو بثي وحزني الى الله ويبكي حتى يسمع نشيجه من آخر الصفوف بخلاف الشكوى الى المخلوق قرىء على الامام أحمد في مرض موته أن طاووسا كره أنين المريض وقال انه شكوى فما أن حتى مات وذلك أن المشتكي طالب بلسان الحال اما ازالة ما يضره أو حصول ما ينفعه والعبد مأمور أن يسأل ربه دون خلقه كما قال تعالى فإذا فرغت فانصب والى ربك فارغب وقال ﷺ لابن عباس اذا سألت فاسأل الله واذا استغنت فاستعن بالله ولا بد للانسان من شيئين طاعته بفعل المأمور وترك المحظور وصبره على ما يصيبه من القضاء المقدور فالأول هو التقوى والثاني هو الصبر قال تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا الى قوله وان تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا ان الله بما يعملون محيظ وقال تعالى بلى ان تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين وقال تعالى لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وان تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور وقد قال يوسف أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا انه من يتق ويصبر فإن الله لايضيع أجر المحسنين وصية الشيخ عبد القادر ولهذا كان الشيخ عبد القادر ونحوه من المشائح المستقيمين يوصون في عامة كلامهم بهذين الأصلين المسارعة الى فعل المأمور والتقاعد عن فعل المحظور والصبر والرضا بالأمر المقدور وذلك أن هذا الموضوع غلط فيه كثير من العامة بل ومن السالكين فمنهم من يشهد القدر فقط ويشهد الحقيقة الكونية دون الدينية فيرى أن الله خالق كل شيء وربه ولا يفرق بين ما يحبه الله ويرضاه وبين ما يسخطه ويبغضه وان قدره وقضاه ولا يميز بين توحيد الألوهية وبين توحيد الربوبية فيشهد الجمع الذي يشترك فيه جميع المخلوقات سعيدها وشقيها مشهد الجمع الذي يشترك فيه المؤمن والكافر والبر والفاجر والنبي الصادق والمتنبيء الكاذب وأهل الجنة وأهل النار وأولياء الله وأعداؤه والملائكة المقربون والمردة الشياطين أفهام خاطئة في القضاء والقدر فإن هؤلاء كلهم يشتركون في هذا الجمع وهذه الحقيقة الكونية وهو أن الله ربهم وخالقهم ومليكهم لا رب لهم غيره ولا يشهد الفرق الذي فرق الله به بين أوليائه وأعدائه وبين المؤمنينوالكافرين والأبرار والفجار وأهل الجنة والنار وهو توحيد الألوهية وهو عبادته وحده لا شريك له وطاعته وطاعة رسوله وفعل ما يحبه ويرضاه وهو ما أمر الله به ورسوله أمر ايجاب أو أمر استحباب وترك ما نهىالله عنه ورسوله وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجهاد الكفار والمنافقين بالقلب واليد واللسان فمن لم يشهد هذه الحقيقة الدينية الفارقة بين هؤلاء وهؤلاء ويكون مع أهل الحقيقة الدينية والا فهو من جنس المشركين وهو شر من اليهود والنصارى اقرار المشركين بالحقيقة الكونية فإن المشركين يقرون بالحقيقة الكونية اذ هم يقرون بأن الله رب كل شيء كما قال تعالى ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله وقال تعالى قل لمن الأرض ومن فيها ان كنتم تعلمون سيقولون لله قل أفلا تذكرون قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم سيقولون لله قل أفلا تتقون قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه ان كنتم تعلمون سيقولون لله قل فأنى تسحرون ولهذا قال سبحانه وما يؤمن أكثرهم بالله الا وهم مشركون قال بعض السلف تسألهم من خلق السموات والأرض فيقولون الله وهم مع هذا يعبدون غيره فمن أقر بالقضاء والقدر دون الأمر والنهي الشرعيين فهو أكفر من اليهود والنصارى فإن أولئك يقرون بالملائكة والرسل الذي جاءوا بالأمر والنهي الشرعيين لكن آمنوا ببعض وكفروا ببعض كما قال تعالى ان الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك هم الكافرون حقا وأما الذي يشهد الحقيقة الكونية وتوحيد الربوبية الشامل للخليقة ويقر أن العباد كلهم تحت القضاء والقدر ويسلك هذه الحقيقة فلا يفرق بين المؤمنين والمتقين الذين أطاعوا أمر الله الذي بعث به رسله وبين من عصى الله ورسوله من الكفار والفجار فهؤلاء أكفر من اليهود والنصارى لكن من الناس من قد لمحوا الفرق في بعض الأمور دون بعض بحيث يفرق بين المؤمن والكافر ولا يفرق بين البر والفاجر أو يفرق بين بعض الأبرار وبين بعض الفجار ولا يفرق بين آخرين اتباعا لظنه وما يهواه فيكون ناقص الايمان بحسب ما سوى بين الأبرار والفجار ويكون معه من الايمان بدين الله تعالى الفرق بحسب ما فرق به بين أوليائه وأعدائه ومن أقر بالأمر والنهي الدينيين دون القضاء والقدر كان من القدرية كالمعتزلة وغيرهم الذين هم مجوس هذه الأمة فهؤلاء يشبهون المجوس وولئك يشبهون المشركين الذين هم شر من المجوس

ومن أقر بهما وجعل الرب متناقضا فهو من أتباع ابليس الذي اعترض على الرب سبحانه وخاصمه كما نقل ذلك عنه فهذا التقسيم في القول والاعتقاد أقسام الناس في العبادة وكذلك هم في الأحوال والأفعال فالصواب منها حالة المؤمن الذي يتقي الله فيفعل المأمور ويترك المحظور ويصبر على ما يصيبه من المقدور فهو عند الأمر والنهي والدين والشريعة ويستعين بالله على ذلك كما قال تعالى اياك نعبد واياك نستعين واذا أذنب استغفر وتاب لا يحتج بالقدر على ما يفعله من السيئات ولا يرى للمخلوق حجة على رب الكائنات بل يؤمن بالقدر ولا يحتج به كما في الحديث الصيحيح الذي فيه سيد الاستغفار أن يقول العبد اللهم أنت ربي لا اله الا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب الا أنت فيقر بنعمة الله عليه في الحسنات ويعلم أنه هو هداه ويسره لليسرى ويقر بذنوبه من السيئات ويتوب منها كما قال بعضهم أطعتك بفضلك والمنة لك وعصيتك بعلمك والحجة لك فأسألك بوجوب حجتك علي وانقطاع حجتي الا غفرت لي وفي الحديث الصحيح الالهي يا عبادي انما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم اياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن الا نفسه وهذا له تحقيق مبسوط في غير هذا الموضع وآخرون قد يشهدون الأمر فقط فتجدهم يجتهدون في الطاعة حسب الاستطاعة لكن ليس عندهم من مشاهدة القدر ما يوجب لهم حقيقة الاستعانة والتوكل والصبر وآخرون يشهدون القدر فقط فيكون عندهم من الاستعانة والتوكل والصبر ما ليس عند أولئك لكنهم لا يلتزمون أمر الله ورسوله واتباع شريعته وملازمة ما جاء به الكتاب والسنة من الدين فهؤلاء يستعينون الله ولا يعبدونه والذين من قبلهم يريدون أن يعبدوه ولا يستعينوه والمؤمن يعبده ويستعينة والقسم الرابع شر الأقسام وهو من لا يعبده ولا يستعينة فلا هو مع الشريعة الأمرية ولا مع القدر الكوني وانقسامهم الى هذه الأقسام هو فيما يكون قبل وقوع المقدور من توكل واستعانة ونحو ذلك وما يكون بعده من صبر ورضا ونحو ذلك فهم في التقوى وهي طاعة الأمر الديني والصبر على ما يقدر عليه من القدر الكوني أربعة أقسام أقسام الناس في التقوى والصبر أحدها أهل التقوى والصبر وهم الذين أنعم الله عليهم من أهل السعادة في الدنيا والآخرة والثاني الذين لهم نوع من التقوى بلا صبر مثل الذين يمتثلون ما عليهم من الصلاة ونحوها ويتركون المحرمات لكن اذا أصيب أحدهم في بدنه بمرض ونحوه أو في ماله أو في عرضه أو ابتلي بعدو يخيفه عظم جزعه وظهر هلعه والثالث قوم لهم نوع من الصبر بلا تقوى مثل الفجار الذين يصبرون على ما يصبيهم في مثل أهوائهم كاللصوص والقطاع الذين يصبرون على الآلام في مثل ما يطلبونه من الغصب وأخذ الحرام والكتاب وأهل الديوان الذين يصبرون على ذلك في طلب ما يحصل لهم من الأموال بالخيانة وغيرها وكذلك طلاب الرئاسة والعلو على غيرهم يصبرون من ذلك على أنواع من الأذى التي لا يصبر عليها أكثر الناس وكذلك أهل المحبة للصور المحرمة من أهل العشق وغيرهم يصبرون في مثل ما يهوونه من المحرمات على أنواع من الأذى والآلام وهؤلاء هم الذين يريدون علوا في الأرض أو فسادا من طلاب الرئاسة والعلو على الخلق ومن طلاب الأموال بالبغي والعدوان والاستمتاع بالصور المحرمة نظرا أو مباشرة وغير ذلك يصبرون على أنواع من المكروهات ولكن ليس لهم تقوى فيما تركوه من المأمور وفعلوه من المحظور وكذلك قد يصبر الرجل على ما يصيبه من المصائب كالمرض والفقر وغير ذلك ولا يكون فيه تقوى اذا قدر وأما القسم الرابع فهو شر الأقسام لا يتقون اذا قدروا ولا يصبرون اذا ابتلوا بل هم كما قال الله تعالى ان الانسان خلق هلوعا واذا مسه الشر جزوعا واذا مسه الخير منوعا فهؤلاء تجدهم من أظلم الناس وأجبرهم اذا قدروا ومن أذل الناس وأجزعهم اذا قهروا ان قهرتهم ذلوا لك ونافقوك وحابوك واسترحموك ودخلوا فيما يدفعون به عن أنفسهم من أنواع الكذب والذل وتعظيم المسؤول وان فهروك كانوا من أظلم الناس وأقساهم قلبا وأقلهم رحمة واحسانا وعفوا كما قد جربه المسلمون في كل من كان عن حقائق الايمان أبعد مثل التتار الذين قاتلهم المسلمون ومن يشبههم في كثير من أمورهم وان كان متظاهرا بلباس جند المسلمين وعلمائهم وزهادهم وتجارهم وصناعهم قالاعتبار بالحقائق فإن الله لا ينظر الى صوركم ولا الى أموالكم وإنما ينظر الى ينظر الى قلوبكم وأعمالكم فمن كان قلبه وعمله من جنس قلوب التتار وأعمالهم كان شبيها لهم من هذا الوجه وكان ما معه من الإسلام أو ما يظهره منه بمنزلة ما معهم من الإسلام وما يظهرونه منه بل يوجد في غير التتار المقاتلين من المظهرين للإسلام من هو أعظم ردة وأولي بالأخلاق الجاهلية وأبعد عن الأخلاق الإسلامية من التتار وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه كان يقول في خطبته خير الكلام كلام الله وخير الهدى هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل مبدعة صلالة وإذا كان خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد فكل من كان الى ذلك أقرب وهو به أشبه كان الى الكمال أقرب وهو به أحق ومن كان عن ذلك أبعد وشبهه به أضعف كان عن الكمال أبعد وبالباطل أحق والكامل هو من كان لله أطوع وعلى ما يصيبه أصبر فكلما كان أتبع لما يأمر الله به ورسوله وأعظم موافقة لله فيما يحبه ويرضاه وصبرا على ما قدره وقضاه كان أكمل وأفضل وكل من نقص عن هذين كان فيه من النقص بحسب ذلك

الصبر والتقوى في الكتاب والسنة

وقد ذكر الله الصبر والتقوى جميعا في غير موضع من كتابه وبين أنه ينصر العبد على عدوه من الكفار المحاربين المعاندين والمنافقين وعلى من ظلمه من المسلمين ولصاحبه تكون العاقبة قال الله تعالى بلى ان تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين وقال الله تعالى لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وان تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور وقال تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات ان كنتم تعقلون ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله واذا لقوكم قالوا آمنا واذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم ان الله عليم بذات الصدور ان تمسسكم حسنة تسؤهم وان تصبكم سيئة يفرحوا بها وان تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا ان الله بما يعملون محيط وقال اخوة يوسف له أانك لأنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا انه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين وقد قرن الصبر بالأعمال الصالحة عموما وخصوصا فقال تعالى واتبع ما يوحى اليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين

وفي اتباع ما أوحي اليه التقوى كلها تصديقا لخبر الله وطاعة لأمره وقال تعالى وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل ان الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين وقال تعالى فاصبر ان وعد الله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي والأبكار وقال تعالى فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آناء الليل وقال تعالى واستعينوا بالصبر والصلاة وانها لكبيرة الا على الخاشيعن وقال تعالى استعينوا بالصبر والصلاة ان الله مع الصابرين فهذه مواضع قرن فيها الصلاة والصبر وقرن بين الرحمة والصبر في مثل قوله تعالى وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة وفي الرحمة الاحسان الى الخلق بالزكاة وغيرها فإن القسمة أيضا رباعية اذ من الناس من يصبر ولا يرحم كأهل القوة والقسوة ومنهم من يرحم ولا يصبر كأهل الضعف واللين مثل كثير من النساء ومن يشبههن ومنهم من لا يصبر ولا يرحم كأهل القسوة والهلع والمحمود هو الذي يصبر ويرحم كما قال الفقهاء في المتولي ينبغي أن يكون قويا من غير عنف لينا من غير ضعف فبصبره يقوى وبلينه يرحم وبالصبر ينصر العبد فإن النصر مع الصبر وبالرحمة يرحمه الله تعالى كما قال النبي ﷺ انما يرحم الله من عباده الرحماء وقال من لا يرحم لا يرحم وقال لا تنزع الرحمة الا من شقي وقال الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء والله أعلم انتهى

الفصل السابع تفسير كلام القشيري في الرضا

معنى الرضا وسئل شيخ الاسلام رحمه الله تعالى عما ذكر الأستاذ القشيري في باب الرضا عن الشيخ أبي سليمان أنه قال الرضا أن لا يسأل الله الجنة ولا يستعيذ من النار فهل هذا الكلام صحيح فأجاب الحمد لله رب العالمين الكلام على هذا القول من وجهين أحدهما من جهة ثبوته عن الشيخ والثاني من جهة صحته في نفسه وفساده أما المقام الأول فينبغي أن يعلم أن الأستاذ أبا القاسم لم يذكر هذا عن الشيخ أبي سليمان باسناد وانما ذكره مرسلا عنه وما يذكره أبو القاسم في رسالته عن النبي صلىالله عليه والصحابة والتابعين والمشائخ وغيرهم تارة يذكره باسناد وتاره يذكره مرسلا وكثيرا ما يقول وقيل كذا ثم الذي يذكره باسناد تارة يكون اسناده صحيحا وتارة يكون ضعيفا بل موضوعا وما يذكره مرسلا ومحذوف القائل أولى وهذا كما يوجد ذلك في مصنفات الفقهاء فإن فيها من الأحاديث والآثار ما هو صحيح ومنها ما هو ضعيف ومنها ما هو موضوع حال أحاديث كتب الرقائق فالموجود في كتب الرقائق والتصوف من الآثار المنقولة فيها الصحيح وفيها الضعيف وفيها الموضوع وهذا الأمر متفق عليه بين جميع المسلمين لا يتنازعون أن هذه الكتب فيها هذا وفيها هذا بل نفس الكتب المصنفة في التفسير فيها هذا وهذا مع أن أهل الحديث أقرب الى معرفة المنقولات وفي كتبهم هذا وهذا فكيف غيرهم والمصنفون قد يكونون أئمة في الفقه أو التصوف أو الحديث ويروون هذا تارة لأنهم لم يعلموا أنه كذب وهو الغالب على أهل الدين فإنهم لا يحتجون بما يعلمون أنه كذب وتارة يذكرونه وان علموا أنه كذب اذ قصدهم رواية ما روي في ذلك الباب ورواية الأحاديث المذكوبة مع بيان كونها كذبا جائزا وأما روايتها مع الامساك عن ذلك رواية عمل فإنه حرام عند العلماء كما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال من حدث عني حديثا وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين وقد فعل كثير من العلماء متأولين أنهم لم يكذبوا وانما نقلوا ما رواه غيرهم وهذا يسهل اذا رووه لتعريف أنه روي لا لأجل العمل به ولا الاعتماد عليه

رأي ابن تيمية في رسالة القشيري

والمقصود هنا أن ما يوجد في الرسالة وأمثالها من كتب الفقهاء والصوفية وأهل الحديث من المنقولات عن النبي ﷺ وغيره من السلف فيه الصحيح والضعيف والموضوع فالصحيح الذي قامت الدلالة على صدقة والموضوع الذي قامت الدلالة على كذبة والضعيف الذي رواه من لم يعلم صدقة اما لسوء حفظه واما لاتهامه ولكن يمكن أن يكون صادقا فيه فإن الفاسق قد يصدق والغالط قد يحفظ وغالب أبواب الرسالة فيها الأقسام الثلاثة ومن ذلك باب الرضا فإنه ذكر عن النبي ﷺ أنه قال ذاق طعم الايمان من رضي بالله ربا وبالاسلام دينا وبمحمد ﷺ نبيا وهذا الحديث رواه مسلم في صحيحه وان كان الأستاذ لم يذكر أن مسلما رواه لكنه رواه باسناد صحيح وذكر في أول هذا الباب حديثا ضعيفا بل موضوعا وهو حديث جابر الطويل الذي رواه من حديث الفضل بن عيسى الرقاشي عن محمد بن المنكدر عن جابر فهو وان كان أول حديث ذكره في الباب فإن أحاديث الفضل بن عيسى من أوهى الأحاديث وأسقطها ولا نزاع بين الأئمة أنه لا يعتمد عليها ولا يحتج بها فإن الضعف ظاهر عليها وان كان هو لا يتعمد الكذب فإن كثيرا من الفقهاء لا يحتج بحديثهم لسوء الحفظ لا لاعتماد الكذب وهذا الرقاشي اتفقوا على ضعفه كما يعرف ذلك أئمة هذا الشأن حتى قال أيوب السختياني لو ولد أخرس لكان خيرا له وقال سفيان بن عيينة لا شيء وقال الامام أحمد والنسائي هو ضعيف وقال يحيى بن معين رجل سوء وقال أبوحاتم وأبو زرعة منكر الحديث وكذلك ما ذكره من الآثار فإنه قد ذكر آثارا حسنة بأسانيد حسنة مثل ما رواه عن الشيخ أبي سليمان الداراني أنه قال اذا سلا العبد عن الشهوات فهو راض فإن هذا رواه عن شيخه أبي عبد الرحمن السلمي باسناده والشيخ أبو عبد الرحمن كانت له عناية بجمع كلام هؤلاء المشائخ وحكاياتهم وصنف في الأسماء كتاب طبقات الصوفية وكتاب زهاد السلف وغير ذلك وصنف في الأبواب كتاب مقامات الأولياء و غير ذلك ومصنفاته تشتمل على الأقسام الثلاثة وذكر عن الشيخ أبي عبد الرحمن أنه قال سمعت النصر آبادي يقول من أراد أن يبلغ محل الرضا فيلزم ما جعل الله رضاه فيه فإن هذا الكلام في غاية الحسن فإنه من لزم ما يرضي الله من امتثال أوامره واجتناب نواهيه لا سيما اذا قام بواجبها ومستحبها فإن الله يرضى عنه كما أن من لزم محبوبات الحق أحبه الله كما قال في الحديث الصيحيح الذي في البخاري من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة وما تقرب الي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب الي بالنوافل حتى أحبه فاذا أحببته الحديث وذلك أن الرضا نوعان نوعا الرضا أحدهما الرضا بفعل ما أمر به وترك ما نهى عنه ويتناول ما أباحه الله من غير تعهد الى المحظور كما قال والله ورسوله أحق أن يرضوه وقال تعالى ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله انا الى الله راغبون وهذا الرضا واجب ولهذا ذم من تركه بقوله ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وان لم يعطوا منها اذا هم يسخطون ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله والنوع الثاني الرضا بالمصائب كالفقر والمرض والذل فهذا الرضا مستحب في أحد قولي العلماء وليس بواجب وقد قيل أنه واجب والصحيح أن الواجب هو الصبر كما قال الحسن الرضا غريزة ولكن الصبر معول المؤمن وقد روي في حديث ابن عباس أن النبي ﷺ قال ان استطعت أن تعمل بالرضا مع اليقين فالفعل فإن لم تستطع فان في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا وأما الرضا بالكفر والفسوق والعصيان فالذي عليه أئمة الدين أنه لا يرضى بذلك فإن الله لا يرضاه كما قال ولا يرضى لعباده الكفروقال والله لا يحب الفساد وقال تعالى فإن ترضوا عنهم فان الله لا يرضى عن القوم الفاسقين وقال تعالى فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاما عظيما وقال ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم وقال تعالى وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها هي حسبهم وقال تعالى لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون وقال تعالى فلما آسفونا انتقمنا منهمفاذا كان الله سبحانه لا يرضى لهم ما عملوه بل يسخطه ذلك وهو يسخط عليهم ويغضب عليهم فكيف يشرع للمؤمن أن يرضى ذلك وأن يسخط ويغضب لما يسخط الله ويغضبه