الرئيسيةبحث

إقامة الدليل على إبطال التحليل/18


مسألة: في واقف وقف رباطا على الصوفية، وكان هذا الرباط قديما جاريا على قاعدة الصوفية في الربط: من الطعام، والاجتماع بعد العصر فقط ؟ فتولى نظره شخص، فاجتهد في تبطيل قاعدته، وشرط على من به شروطا ليست في الرباط أصلا، ثم إنهم يصلون الصلوات الخمس في هذا الرباط، ويقرءون بعد الصبح قريبا من ثلاثة أجزاء، حتى أن أحدهم إذا غاب عن صلاة أو قراءة كتب عليه غيبة، مع أن هذا الرباط لم يعرف له كتاب وقف ; ولا شرط، فهل يجوز إحداث هذه الشروط عليهم ؟ أم لا ؟ وهل يأثم من أحدثها أم لا ؟ وهل يحل للناظر الآن أن يكتب عليهم غيبة أم لا ؟ وهل يجب إبطال هذه الشروط أم لا ؟ وهل يثاب ولي الأمر إذا أبطلها، أم لا ؟ وإذا كانت هذه الشروط قد شرطها الواقف: هل يجب الوفاء بها أم لا ؟ وما الصور في الذي يستحق ذلك ؟ وهل إذا كان في الجماعة من هو مشتغل بالعلوم الشرعية يكون أولى ممن هو مترسم برسم ظاهر لا علم عنده ؟ ومن لم يكن متأدبا بالآداب الشرعية، هل يجوز له تناول شيء من ذلك، أم لا ؟ وإذا كان فيهم من هو مشتغل بالعلم الشريف، وله من الدنيا ما لا يقوم ببعض كفايته، هل يكون أولى ممن ليس متأدبا بالآداب الشرعية، ولا عنده شيء من العلم ؟ أفتونا مأجورين، وبينوا لنا ذلك بيانا شافيا، بالدليل من الكتاب والسنة رضي الله عنكم، الجواب: رحمه الله: لا يجوز للناظر إحداث هذه الشروط ولا غيرها، فإن الناظر إنما هو منفذ لما شرطه الواقف، ليس له أن يبتدئ شروطا لم يوجبها الواقف، ولا أوجبها الشارع، ويأثم من أحدثها فإنه منع المستحقين حقهم حتى يعملوا أعمالا لا تجب، ولا يحل أن يكتب على من أخل بذلك غيبة ; بل يجب إبطال هذه الشروط، ويثاب الساعي في إبطالها مبتغيا بذلك وجه الله تعالى، وأما الصوفي الذي يدخل في الوقف على الصوفية ; فيعتبر له ثلاثة شروط: أحدها: أن يكون عدلا في دينه يؤدي الفرائض ويجتنب المحارم، الثاني: أن يكون ملازما لغالب الآداب الشرعية، في غالب الأوقات وإن لم تكن واجبة، مثل آداب الأكل والشرب واللباس والنوم والسفر والركوب والصحبة والعشرة والمعاملة مع الخلق ; إلى غير ذلك من الآداب الشريفة، قولا وفعلا، ولا يلتفت إلى ما أحدثه بعض المتصوفة من الآداب التي لا أصل لها في الدين ; من التزام شكل مخصوص في اللبسة ونحوها مما لا يحتسب في الشريعة، فإن مبنى الآداب على اتباع السنة، ولا يلتفت أيضا إلى ما يهدره بعض المتفقهة من الآداب المشروعة، يعتقد - لقلة علمه - أن ذلك ليس من آداب الشريعة ; لكونه ليس فيما بلغه من العلم أو طالعه من كتبه ; بل العبرة في الآداب بما جاءت به الشريعة: قولا وفعلا وتركا ; كما أن العبرة في الفرائض والمحارم بذلك أيضا، والشرط الثالث في الصوفي: قناعته بالكفاف من الرزق، بحيث لا يمسك من الدنيا ما يفضل عن حاجته ; فمن كان جامعا لفضول المال لم يكن من الصوفية الذين يقصد إجراء الأرزاق عليهم ; وإن كان قد يفسح لهم في مجرد السكنى في الربط ونحوها، فمن حمل هذه الخصال الثلاث كان من الصوفية المقصودين بالربط والوقف عليها، وما فوق هؤلاء من أرباب المقامات العلية والأحوال الزكية، وذوي الحقائق الدينية، والمنح الربانية: فيدخلون في العموم ; لكن لا يختص الوقف بهم لقلة هؤلاء ; ولعسر تمييز الأحوال الباطنة على غالب الخلق ; فلا يمكن ربط استحقاق الدنيا بذلك ; ولأن مثل هؤلاء قد لا ينزل الربط إلا نادرا، وما دون هذه الصفات من المقتصرين على مجرد رسم في لبسة أو مشية ونحو ذلك: لا يستحقون الوقف ; ولا يدخلون في مسمى الصوفية، لا سيما إن كان ذلك محدثا لا أصل له في السنة ; فإن بذل المال على مثل هذه الرسوم فيه نوع من التلاعب بالدين ; وأكل لأموال الناس بالباطل ; وصدود عن سبيل الله، ومن كان من الصوفية المذكورين المستحقين فيه قدر زائد، مثل اجتهاد في نوافل العبادات ; أو سعي في تصحيح أحوال القلب ; أو طلب شيء من الأعيان ; أو علم الكفاية، فهو أولى من غيره، ومن لم يكن متأدبا بالآداب الشرعية ; فلا يستحق شيئا ألبتة ; وطالب العلم الذي ليس له تمام الكفاية: أولى ممن ليس فيه الآداب الشرعية ; ولا علم عنده ; بل مثل هذا لا يستحق شيئا .

-مسألة: عن الروح المؤمنة أن الملائكة تتلقاها وتصعد بها من سماء إلى السماء التي فيها الله، وعن الشيخ عبد القادر أنه أفضل المشايخ، والإمام أحمد أنه أفضل الأئمة فهل هذا صحيح أم لا ؟ الجواب: أما ترجيح بعض الأئمة والمشايخ على بعض، مثل من يرجح إمامه الذي تفقه على مذهبه، أو يرجح شيخه الذي اقتدى به على غيره، كمن يرجح الشيخ عبد القادر، أو الشيخ أبا مدين، أو أحمد، أو غيرهم، فهذا الباب أكثر الناس يتكلمون فيه بالظن وما تهوى الأنفس، فإنهم لا يعلمون حقيقة مراتب الأئمة والمشايخ، ولا يقصدون اتباع الحق المطلق، بل كل إنسان تهوى نفسه أن يرجح متبوعه، فيرجحه بظن يظنه وإن لم يكن معه برهان على ذلك، وقد يفضي ذلك إلى تحاجهم وتقاتلهم وتفرقهم، وهذا مما حرمه الله ورسوله كما قال الله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم يوم تبيض وجوه وتسود وجوه }، قال ابن عباس: تبيض وجوه أهل السنة والجماعة وتسود وجوه أهل البدعة والفرقة، فما دخل في هذا الباب مما نهى الله عنه ورسوله من التعصب والتفرق والاختلاف التكلم بغير علم، فإنه يجب النهي عنه، فليس لأحد أن يدخل فيما نهى الله عنه ورسوله، وأما من ترجح عنده فضل إمام على إمام، أو شيخ على شيخ، بحسب اجتهاده، كما تنازع المسلمون أيما أفضل الترجيع في الأذان أو تركه، وإفراد الإقامة أو إثناؤها وصلاة الفجر بغلس أو الإسفار بها، والقنوت في الفجر أو تركه، والجهر بالتسمية أو المخافتة بها، أو ترك قراءتها، ونحو ذلك، فهذه مسائل الاجتهاد التي تنازع فيها السلف والأئمة، فكل منهم أقر الآخر على اجتهاده من كان فيها أصاب الحق فله أجران، ومن كان قد اجتهد فأخطأ فله أجر، وخطؤه مغفور له، فمن ترجح عنده تقليد الشافعي لم ينكر على من ترجح عنده تقليد مالك، ومن ترجح عنده تقليد أحمد لم ينكر على من ترجح عنده تقليد الشافعي، ونحو ذلك، ولا أحد في الإسلام يجيب المسلمين كلهم بجواب عام أن فلانا أفضل من فلان فيقبل منه هذا الجواب، لأنه من المعلوم أن كل طائفة ترجح متبوعها، فلا تقبل جواب من يجيب بما يخالفها فيه، كما أن من يرجح قولا أو عملا لا يقبل قول من يفتي بخلاف ذلك، لكن إن كان الرجل مقلدا لمن يترجح عنده أنه أولى بالحق، وإن كان مجتهدا اجتهد واتبع ما يترجح عنده أنه الحق ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها، وقد قال تعالى: { فاتقوا الله ما استطعتم }، لكن عليه أن لا يتبع هواه ولا يتكلم بغير علم، قال تعالى: { ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم }، وقال تعالى: { يجادلونك في الحق بعد ما تبين }، وما من إمام إلا له مسائل يترجح فيها قوله على قول غيره، ولا يعرف هذا التفاضل إلا من خاض في تفاصيل العلم .

وهؤلاء الدهرية ينكرون أيضا حقيقة تكليمه لموسى، ويقولون إنما هو فيض فاض عليه من العقل الفعال، وهكذا يقولون في الوحي إلى جميع الأنبياء، وحقيقة قولهم: إن القرآن قول البشر، لكنه صدر عن نفس صافية شريفة، وإذا كان المعتزلة خيرا من هؤلاء، وقد كفر السلف من يقول بقولهم، فكيف هؤلاء ؟ وكلام السلف والأمة في مثل هؤلاء لا يحصى، قال حرب بن إسماعيل الكرماني: سمعت إسحاق بن راهويه يقول: ليس بين أهل العلم اختلاف أن القرآن كلام الله وليس بمخلوق، وكيف يكون شيء من الرب عز ذكره مخلوقا، ولو كان كما قالوا لزمهم أن يقولوا علم الله وقدرته ومشيئته مخلوقة، فإن قالوا ذلك لزمهم أن يقولوا كان الله تبارك اسمه ولا علم ولا قدرة ولا مشيئة، وهو الكفر المحض الواضح، لم يزل الله عالما متكلما له المشيئة والقدرة في خلقه، والقرآن كلام الله وليس بمخلوق، فمن زعم أنه مخلوق فهو كافر، وقال وكيع بن الجراح: من زعم أن القرآن مخلوق فقد زعم أن شيئا من الله مخلوق، فقيل له من أين قلت هذا ؟ قال: لأن الله يقول: { ولكن حق القول مني } ولا يكون من الله شيء مخلوق، وهذا القول قاله غير واحد من السلف، وقال أحمد بن حنبل: كلام الله من الله، ليس ببائن منه، وهذا معنى قول السلف: القرآن كلام الله منه بدأ ومنه خرج وإليه يعود، كما في الحديث الذي رواه أحمد وغيره عن جبير بن نفير قال: قال رسول الله ﷺ: { إنكم لن ترجعوا إلى الله بشيء أفضل مما خرج منه }، يعني القرآن، وقد روي أيضا عن أبي أمامة مرفوعا، وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه لأصحاب مسيلمة الكذاب لما سمع قرآن مسيلمة: " ويحكم أين يذهب بعقولكم، إن هذا كلام لم يخرج من آن "، أي من رب، وليس معنى قول السلف والأئمة إنه منه خرج ومنه بدأ: أنه فارق ذاته وحل بغيره، فإن كلام المخلوق إذا تكلم به لا يفارق ذاته ويحل بغيره، فكيف يكون كلام الله قال تعالى: { كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا } فقد أخبر أن الكلمة تخرج من أفواههم، ومع هذا فلم تفارق ذاتهم، وأيضا فالصفة لا تفارق الموصوف وتحل بغيره، لا صفة الخالق ولا صفة المخلوق، والناس إذا سمعوا كلام النبي ﷺ ثم بلغوه عنه، كان الكلام الذي بلغوه كلام رسول الله ﷺ وقد بلغوه بحركاتهم وأصواتهم، فالقرآن أولى بذلك فالكلام كلام الباري، والصوت صوت القارئ، قال تعالى: { وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله }، وقال ﷺ: { زينوا القرآن بأصواتكم }، ولكن مقصود السلف الرد على هؤلاء الجهمية، فإنهم زعموا أن القرآن خلقه الله في غيره فيكون قد ابتدأ وخرج من ذلك المحل الذي خلق فيه لا من الله، كما يقولون كلامه لموسى خرج من الشجرة، فبين السلف والأئمة أن القرآن من الله بدأ وخرج، وذكروا قوله: { ولكن حق القول مني }، فأخبر أن القول منه لا من غيره من المخلوقات، " ومن " هي لابتداء الغاية، فإن كان المجرور بها عينا يقوم بنفسه لم يكن صفة لله كقوله: { وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه }، وقوله في المسيح روح منه، وكذلك ما يقوم بالأعيان كقوله: { وما بكم من نعمة فمن الله }، وأما إذا كان المجرور بها صفة ولم يذكر لها محل كان صفة لله كقوله: { ولكن حق القول مني }، ولذلك قد أخبر في غير موضع من القرآن نزل منه، وأنه نزل به جبريل منه، رد على هذا المبتدع المفتري وأمثاله ممن يقول إنه لم ينزل منه، قال تعالى: { أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي

أنزل إليكم الكتاب مفصلا والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق }، وقال تعالى: { قل نزله روح القدس من ربك بالحق }، وروح القدس هو جبريل، كما قال في الآية الأخرى: { نزل به الروح الأمين على قلبك } وقال: { من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله }، وقال هنا: { نزله روح القدس من ربك }، فبين أن جبريل نزله من الله لا من هواه ولا من لوح ولا من غير ذلك، وكذلك سائر آيات القرآن كقوله: { تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم }، وقوله: { حم، تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم }، وقوله: { حم، تنزيل من الرحمن الرحيم }، وقوله: { الم، تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين } وقوله: { يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك }، فقد بين في غير موضع أنه منزل من الله، فمن قال إنه منزل من بعض المخلوقات كاللوح أو الهواء فهو مفتر على الله، مكذب لكتاب الله، متبع لغير سبيل المؤمنين، ألا ترى أن الله فرق بين ما نزله منه، وما نزله من بعض المخلوقات كالمطر بأنه قال: { أنزل من السماء ماء }، فذكر المطر في غير موضع وأخبر أنه نزله من السماء، والقرآن أخبر أنه منزل منه، وأخبر بتنزيل مطلق في مثل قوله: { وأنزلنا الحديد } لأن الحديد ينزل من رءوس الجبال لا ينزل من السماء، وكذلك أنزل الحيوان، فإن الذكر ينزل الماء في الإناث، فلم يقل فيه من السماء، ولو كان جبريل أخذ القرآن من اللوح المحفوظ لكان اليهود أكرم على الله من أمة محمد، لأنه قد ثبت بالنقل الصحيح أن الله كتب لموسى التوراة وأنزلها مكتوبة، فيكون بنو إسرائيل قد قرءوا الألواح التي كتبها الله، وأما المسلمون فأخذوه عن محمد، ومحمد أخذه عن جبريل عن اللوح، ، فيكون بنو إسرائيل بمنزلة جبريل، وتكون منزلة بني إسرائيل أرفع من منزلة محمد ﷺ على قول هؤلاء الجهمية، والله سبحانه جعل من فضائل أمة محمد ﷺ أنه أنزل عليهم كتابا لا يغسله الماء، وأنه أنزله عليه تلاوة لا كتابة، وفرقه عليهم لأجل ذلك فقال: { وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا } وقال تعالى: { وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا }، ثم إن كان جبريل لم يسمعه من الله، وإنما وجده مكتوبا، كانت العبارة عبارة جبريل، وكان القرآن كلام جبريل، ترجم به عن الله، كما يترجم عن الأخرس الذي كتب كلاما ولم يقدر أن يتكلم به، وهذا خلاف دين المسلمين، وإن احتج محتج بقوله: { إنه لقول رسول كريم، ذي قوة عند ذي العرش مكين } ) قيل له: فقد قال في الآية الأخرى: { إنه لقول رسول كريم، وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون، ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون }، فالرسول في هذه الآية جبريل، والرسول في الآية الأخرى محمد، فلو أريد به أن الرسول أحدث عبارته لتناقض الخبران، فعلم أنه أضافه إليه إضافة تبليغ لا إضافة إحداث، ولهذا قال: { لقول رسول }، ولم يقل ملك ولا نبي، ولا ريب أن الرسول بلغه، كما قال: { يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك }، فكان النبي ﷺ يعرض نفسه على الناس في الموسم ويقول: { ألا رجل يحملني إلى قومه لأبلغ كلام ربي، فإن قريشا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي }، ولما أنزل الله: { الم، غلبت الروم } ) خرج أبو بكر الصديق فقرأها على الناس، فقالوا: هذا كلامك أم كلام صاحبك ؟ فقال: ليس بكلامي ولا كلام صاحبي، ولكنه كلام الله، وإن احتج بقوله: { ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث }، قيل له: هذه الآية حجة عليك، فإنه لما قال: { ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث } علم أن الذكر منه محدث، ومنه ما ليس بمحدث ; لأن النكرة إذا وصفت ميزتها بين الموصوف وغيره، كما لو قال: ما يأتيني من رجل مسلم إلا أكرمته، وما آكل إلا طعاما حلالا ونحو ذلك، ويعلم أن المحدث في الآية ليس هو المخلوق الذي يقوله الجهمي، ولكنه الذي أنزل جديدا، فإن الله كان ينزل القرآن شيئا بعد شيء، فالمنزل أولا هو قديم بالنسبة إلى المنزل آخرا، وكل ما تقدم على غيره فهو قديم في لغة العرب، كما قال: { كالعرجون القديم } وقال: { تالله إنك لفي ضلالك القديم }، وقال: { وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم }، وقال: ( { أفرأيتم ما كنتم تعبدون، أنتم وآباؤكم الأقدمون } وكذلك قوله: { جعلناه قرآنا عربيا } لم يقل ( جعلناه ) فقط حتى يظن أنه بمعنى خلقناه ولكن قال: { جعلناه قرآنا عربيا }، أي صيرناه عربيا، لأنه قد كان قادرا على أن ينزله عجميا وينزله عربيا، فلما أنزله عربيا، كان قد جعله عربيا دون عجمي، وهذه المسألة من أصول أهل الإيمان والسنة التي فارقوا بها الجهمية من المعتزلة والفلاسفة ونحوهم، والكلام عليها مبسوط في غير هذا الموضع، والله أعلم .

مسألة: في رجل قال: إن الله لم يكلم موسى تكليما، وإنما خلق الكلام والصوت في الشجرة، وموسى عليه السلام سمع من الشجرة، لا من الله، وإن الله عز وجل لم يكلم جبريل بالقرآن، وإنما أخذه من اللوح المحفوظ، فهل هو على الصواب أم لا ؟ الجواب: الحمد لله، ليس هذا الصواب، بل هو ضال مفتر كاذب باتفاق الأمة وأئمتها، بل هو كافر يجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وإذا قال: لا أكذب بلفظ القرآن وهو قوله: { وكلم الله موسى تكليما } بل أقر بأن هذا اللفظ حق، لكن أنفي معناه وحقيقته، فإن هؤلاء هم الجهمية الذين اتفق السلف والأئمة على أنهم من شر أهل الأهواء والبدع، حتى أخرجهم كثير من الأئمة عن الاثنين وسبعين فرقة، وأول من قال هذه المقالة في الإسلام كان يقال له: جعد بن درهم، فضحى به خالد بن عبد الله القسري يوم أضحى، فإنه خطب الناس فقال في خطبته: ضحوا أيها الناس يقبل الله ضحاياكم، فإني مضح بالجعد بن درهم، إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا، ولم يكلم موسى تكليما، تعالى الله عما يقول الجعد علوا كبيرا ثم نزل فذبحه وكان ذلك في زمن التابعين، فشكروا ذلك، وأخذ هذه المقالة عنه الجهم بن صفوان وقتله بخراسان سلمة بن أحوز، وإليه نسبت هذه المقالة التي تسمى مقالة الجهمية، وهي نفي صفات الله تعالى، فإنهم يقولون: إن الله لا يرى في الآخرة، ولا يكلم عباده وإنه ليس له علم، ولا حياة ولا قدرة ونحو ذلك من الصفات ويقولون القرآن مخلوق، ووافق الجهم على ذلك المعتزلة أصحاب عمرو بن عبيد، وضموا إليها أخرى في القدر وغيره لكن عند المعتزلة أنهم يقولون إن الله كلم موسى حقيقة، وتكلم حقيقة، لكن حقيقة ذلك عندهم أنه خلق كلاما في غيره: إما في شجرة وإما في هواء وإما في غير ذلك من غير أن يقوم بذات الله عندهم كلام، ولا علم، ولا قدرة، ولا رحمة ولا مشيئة ولا حياة، ولا شيء من الصفات، والجهمية تارة يبوحون بحقيقة القول فتقول إن الله لم يكلم موسى ولا يتكلم، وتارة لا يظهرون هذا اللفظ، لما فيه من الشناعة المخالفة لدين الإسلام واليهود والنصارى، فيقرون باللفظ، ولكن يقولون بأنه خلق في غيره كلاما، وأئمة الدين كلهم متفقون على ما جاء به الكتاب والسنة واتفق عليه سلف الأمة من أن الله كلم موسى تكليما ; وأن القرآن كلام الله غير مخلوق وأن المؤمنين يرون ربهم في الآخرة كما تواترت به الأحاديث عن النبي ﷺ وأن لله علما وقدرة ونحو ذلك ونصوص الأئمة في ذلك مشهورة متواترة، حتى إن أبا القاسم الطبري الحافظ لما ذكر في كتابه في شرح أصول السنة مقالات السلف والأئمة في الأصول، ذكر من قال القرآن كلام الله غير مخلوق، وقال هؤلاء، خمسمائة وخمسون نفسا أو أكثر من التابعين والأئمة المرضيين سوى الصحابة على اختلاف الأعصار ومضي السنين والأعوام، وفيهم نحو من مائة إمام ممن أخذ الناس بقولهم، وتذهبوا بمذاهبهم، ولو اشتغلت بنقل قول أهل الحديث لبلغت أسماؤهم ألوفا، لكني اختصرت فنقلت عن هؤلاء عصرا بعد عصر، لا ينكر عليهم منكر، ومن أنكر قولهم استتابوه أو أمروا بقتله أو نفيه أو حبسه، قال: ولا خلاف بين الأمة أن أول من قال القرآن مخلوق: جعد بن درهم في سنة نيف وعشرين ومائة ثم جهم بن صفوان، فأما جعد فقتله خالد بن عبد الله القسري، وأما جهم فقتل بمرو في خلافة هشام بن عبد الملك، وروي بإسناده عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه من وجهين أنهم قالوا له يوم صفين حكمت رجلين، فقال: ما حكمت مخلوقا، ما حكمت إلا القرآن، وعن عكرمة قال: كان ابن عباس في جنازة، فلما وضع الميت في لحده قام رجل وقال: اللهم رب القرآن اغفر لي، فوثب إليه ابن عباس فقال: مه القرآن منه، وعن عبد الله بن مسعود قال: من حلف بالقرآن فعليه بكل آية يمين، وهذا ثابت عن ابن مسعود، وعن سفيان بن عيينة قال سمعت عمرو بن دينار يقول: أدركت مشايخنا والناس منذ سبعين سنة يقولون: القرآن كلام الله منه بدأ وإليه يعود، وفي لفظ يقولون: القرآن كلام الله غير مخلوق، وقال حرب الكرماني: حدثنا إسحاق بن إبراهيم يعني ابن راهويه، عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار قال: أدركت الناس منذ سبعين سنة، أدركت أصحاب النبي ﷺ فمن دونهم يقولون: الله الخالق، وما سواه مخلوق، إلا القرآن، فإنه كلام الله، منه خرج وإليه يعود، وهذا قد رواه عن ابن عيينة إسحاق، وإسحاق إما أن يكون قد سمعه منه أو من بعض أصحابه عنه، وعن جعفر بن محمد وهو مشهور عنه أنهم سألوه عن القرآن أخالق هو أم مخلوق فقال: ليس بخالق ولا مخلوق، ولكنه كلام الله، وهكذا روي عن الحسن البصري وأيوب السختياني، وسليمان التيمي وخلق من التابعين، وعن مالك بن أنس والليث بن سعد وسفيان الثوري وابن أبي ليلى وأبي حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأمثال هؤلاء من الأئمة، وكلام هؤلاء الأئمة وأتباعهم في كثير مشهور، بل اشتهر عن أئمة السلف تكفير من قال القرآن مخلوق، وأنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، كما ذكروا ذلك عن مالك بن أنس وغيره، ولذلك قال الشافعي لحفص الفرد، وكان من أصحاب ضرار بن عمرو ممن يقول القرآن مخلوق، فلما ناظر الشافعي وقال له القرآن مخلوق، قال له الشافعي كفرت بالله العظيم، ذكره ابن أبي حاتم في الرد على الجهمية، قال: كان في كتاب عن الربيع بن سليمان قال حضرت الشافعي أو حدثني أبو شعيب إلا أني أعلم حضر عبد الله بن عبد الحكم ويوسف بن عمرو بن يزيد، فسأل حفص: عبد الله قال: ما تقول في القرآن ؟ فأبى أن يجيبه، فسأل، يوسف بن عمرو فلم يجبه، وكلاهما أشار إلى الشافعي فسأل الشافعي، فاحتج عليه وطالت فيه المناظرة، فقال الشافعي بالحجة، بأن القرآن كلام الله غير مخلوق، وكفر حفصا الفرد، قال الربيع: فلقيت حفصا في المسجد بعد هذا فقال : أراد الشافعي قتلي، وأما مالك بن أنس فنقل عنه من غير وجه الرد على من يقول القرآن مخلوق، واستتابه، وهذا المشهور عنه متفق عليه بين أصحابه، وأما أبو حنيفة وأصحابه فقد ذكر أبو جعفر الطحاوي في الاعتقاد الذي قال في أوله " ذكر بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة " على مذهب فقهاء الملة أبي حنيفة بن ثابت الكوفي وأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري وأبي عبد الله محمد بن الحسن الشيباني، قال فيه: وإن القرآن كلام الله منه بدأ بلا كيفية قولا، وأنزله على نبيه وحيا، وصدقه المؤمنون على ذلك حقا، وأيقنوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة، ليس بمخلوق ككلام البرية، فمن سمعه فزعم أنه كلام البشر فقد كفر، وقد ذمه الله وعابه وأوعده عذابه، وتواعده حيث قال: سأصليه سقر، فلما أوعد الله سقر لمن قال { إن هذا إلا قول البشر } علمنا أنه قول خالق البشر ولا يشبه قول البشر، وأما أحمد بن حنبل فكلامه في مثل هذا مشهور متواتر، وهو الذي اشتهر بمحنة هؤلاء الجهمية، فإنهم أظهروا القول بإنكار صفات الله تعالى وحقائق أسمائه، وأن القرآن مخلوق حتى صار حقيقة قولهم تعطيل الخالق سبحانه وتعالى، ودعوا الناس إلى ذلك، وعاقبوا لمن لم يجبهم إما بالقتل، وإما بقطع الرزق، وإما بالعزل عن الولاية، وإما بالحبس أو الضرب، وكفروا من خالفهم، فثبت الله تعالى الإمام أحمد حتى أظهر الله به باطلهم، ونصر أهل الإيمان والسنة عليهم، وأذلهم بعد العز، وأخملهم بعد الشهرة، واشتهر عند خواص الأمة وعوامها أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وإطلاق القول بأن من قال إنه مخلوق فقد كفر، وأما إطلاق القول بأن الله لم يكلم موسى، فهذه مناقضة لنص القرآن، فهو أعظم من القول بأن القرآن مخلوق، وهذا بلا ريب يستتاب ; فإن تاب وإلا قتل فإنه أنكر نص القرآن ; وبذلك أفتى الأئمة والسلف في مثله ; والذي يقول القرآن مخلوق ; هو في المعنى موافق له فلذلك كفره السلف، قال البخاري في كتاب " خلق الأفعال " قال سفيان الثوري: من قال القرآن مخلوق فهو كافر قال: وقال عبد الله بن المبارك من قال { إنني أنا الله لا إله إلا أنا } مخلوق فهو كافر، ولا ينبغي لمخلوق أن يقول ذلك، قال: وقال ابن المبارك: لا تقول كما قالت الجهمية إنه في الأرض هاهنا بل على العرش استوى، وقيل له: كيف نعرف ربنا ؟ قال: فوق سمواته على عرشه، بائن من خلقه، وقال: من قال لا إله إلا الله مخلوق فهو كافر، وإنا لنحكي كلام اليهود والنصارى ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية قال: وقال علي بن عاصم: أما الذين قالوا: إن لله ولدا أكفر من الذين قالوا: إن الله لا يتكلم، قال البخاري: وكان إسماعيل بن أبي إدريس يسميهم زنادقة العراق، وقيل له: سمعت أحدا يقول: القرآن مخلوق ؟ فقال: هؤلاء الزنادقة، قال: وقال أبو الوليد: سمعت يحيى بن سعيد وذكر له أن قوما يقولون القرآن مخلوق، فقال: كيف يصنعون بقل هو الله أحد ؟ كيف يصنعون بقوله: { إنني أنا الله لا إله إلا أنا } قال: وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: نظرت في كلام اليهود والنصارى والمجوس، فما رأيت قوما أضل في كفرهم منهم، وإني لأستجهل من لا يكفرهم، إلا من لا يعرف كفرهم، قال: وقال سليمان بن داود الهاشمي: من قال القرآن مخلوق فهو كافر، وإن كان القرآن مخلوقا كما زعموا فلم صار فرعون أولى بأن يخلد في النار إذ قال: { أنا ربكم الأعلى } وزعموا أن هذا مخلوق، والذي قال: { إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني } هذا أيضا قد ادعى ما ادعى فرعون فلم صار فرعون أولى أن يخلد في النار من هذا، وكلاهما عنده مخلوق، فأخبر بذلك أبو عبيد فاستحسنه وأعجبه، ومعنى كلام هؤلاء السلف رضي الله عنهم أن من قال: إن كلام الله مخلوق، خلقه في الشجرة أو غيرها كما قال هذا الجهمي المعتزلي المسئول عنه كان حقيقة قوله: إن الشجرة هي التي قالت لموسى: { إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني } ومن قال: إن مخلوقا قال ذلك، فهذا المخلوق عنده كفرعون الذي قال: { أنا ربكم الأعلى } كلاهما مخلوق وكلاهما قال ذلك، فإن كان قول فرعون كفرا فقول هؤلاء أيضا كفر، ولا ريب أن قول هؤلاء يئول إلى قول فرعون وإن كانوا لا يفهمون ذلك، فإن فرعون كذب موسى فيما أخبر به من أن ربه هو الأعلى، وأنه كلمه، كما قال تعالى: { وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب، أسباب السموات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا } وهو قد كذب موسى في أن الله كلمه، ولكن هؤلاء يقولون إذا خلق كلاما في غيره صار هو المتكلم به، وذلك باطل وضلال من وجوه كثيرة: أحدها: أن الله سبحانه أنطق الأشياء نطقا معتادا ونطقا خارجا عن المعتاد، قال تعالى: { اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون } وقال تعالى : (حتى إذا ما جاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون، وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء } وقال تعالى: { يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون } وقد قال تعالى: { إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق }، وقد ثبت أن الحصى كان يسبح في يد النبي ﷺ وأن الحجر كان يسلم عليه، وأمثال ذلك من إنطاق الجمادات، فلو كان إذا خلق كلاما في غيره كان هو المتكلم به، فإن هذا كله كلام الله تعالى، ويكون قد كلم من سمع هذا الكلام، كما كلم موسى بن عمران، بل قد ثبت أن الله خالق أفعال العباد، فكل ناطق فالله خالق نطقه وكلامه، فلو كان متكلما بما خلفه من الكلام لكان كل كلام في الوجود كلامه، حتى كلام إبليس والكفار وغيرهم، وهذا يقوله غلاة الجهمية كابن عربي وأمثاله يقولون: وكل كلام في الوجود كلامه سواء علينا نثره ونظامه وهكذا أشباه هؤلاء من غلاة المشبهة الذين يقولون إن كلام الآدميين غير مخلوق، فإن كل واحد من الطائفتين يجعلون كلام المخلوق بمنزلة كلام الخالق، فأولئك يجعلون الجميع مخلوقا، وأن الجميع كلام الله، وهؤلاء يجعلون الجميع كلام الله، وهو غير مخلوق، ولهذا كان قد حصل اتصال بين شيخ الجهمية الحلولية، وشيخ المشبهة الحلولية، وبسبب هذه البدع وأمثالها من النكرات المخالفة لدين الإسلام، سلط الله أعداء الدين، فإن الله يقول: { ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز، الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور }، وأي معروف أعظم من الإيمان بالله وأسمائه وآياته ؟ وأي منكر أعظم من الإلحاد في أسمائه وآياته ؟ الوجه الثاني: أن يقال لهؤلاء الضالين: ما خلقه الله في غيره من الكلام وسائر الصفات، فإنما يعود حكمه على ذلك المحل، لا على غيره، فإذا خلق الله في بعض الأجسام حركة أو طعما أو لونا أو ريحا، كان ذلك الجسم هو المتحرك المتلون المتروح المطعوم، وإذا خلق بمحل حياة أو علما أو قدرة أو إرادة أو كلاما، كان ذلك المحل هو الحي العالم القادر المريد المتكلم، فإذا خلق كلاما في الشجرة أو في غيرها من الأجسام ; كان ذلك الجسم هو المتكلم بذلك الكلام، كما لو خلق فيه إرادة وحياة أو علما، ولا يكون الله هو المتكلم به ; كما أنه إذا خلق فيه حياة أو قدرة أو سمعا أو بصرا فإن ذلك المحل هو الحي به والقادر به والسميع به ; والبصير به ; فكما أنه سبحانه لا يجوز أن يكون متصفا بما خلقه من الصفات المشروطة بالحياة وغير المشروطة بالحياة، فلا يكون هو المتحرك بما خلقه في غيره من الحركات ولا المصوت بما خلقه في غيره من الأصوات، ولا سمعه ولا بصره وقدرته ما خلقه في غيره من السمع والبصر والقدرة، فكذلك لا يكون كلامه ما خلقه ما في غيره من الكلام، ولا يكون متكلما بذلك الكلام، الوجه الثالث: أن الاسم المشتق من معنى لا يتحقق بدون ذلك المعنى، فإن اسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة وأفعال التفضيل يمنع ثبوت معناها دون ثبوت معنى المصدر التي هي مشتقة منه، والناس متفقون على أنه لا يكون متحرك ولا متكلم إلا بحركة وكلام، فلا يكون مريد إلا بإرادة، وكذلك لا يكون عالم إلا بعلم، ولا قادر إلا بقدرة، ونحو ذلك، ثم هذه الأشياء المشتقة من المصدر إنما يسمى بها من قام به مسمى المصدر، فإنه يسمى بالحي من قامت به الحياة، وبالمتحرك من قامت به الحركة، وبالعالم من قام به العلم، وبالقادر من قامت به القدرة، فأما من لم يقم به مسمى المصدر فيمتنع أن يسمى باسم الفاعل ونحوه من الصفات، وهذا معلوم بالاعتبار في جميع النظائر، وذلك أن اسم الفاعل ونحوه من المشتقات هو مركب يدل على الذات وعلى الصفة، والمركب يمتنع تحققه بدون تحقق مفرداته، وهذا كما أنه ثابت في الأسماء المشتقة، فكذلك في الأفعال، مثل تكلم وكلم ويتكلم ويكلم، وعلم ويعلم، وسمع ويسمع، ورأى ويرى، ونحو ذلك سواء قيل إن الفعل مشتق من المصدر أو المصدر مشتق من الفعل، لا نزاع بين الناس أن فاعل الفعل هو فاعل المصدر، فإذا قيل كلم وعلم أو تكلم أو تعلم، ففاعل التكليم والتعليم هو المكلم والمعلم، وكذلك التعلم والتكلم، والفاعل هو الذي قام به المصدر الذي هو التكليم والتعليم، والتكلم والتعلم، فإذا قيل تكلم فلان، أو كلم فلان فلانا ففلان هو المتكلم والمكلم، فقوله تعالى: { وكلم الله موسى تكليما }، وقوله: { تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات } وقوله: { ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه } يقتضي أن الله هو المكلم، فكما يمتنع أن يقال: هو متكلم بكلام قائم بغيره، يمتنع أن يقال كلم بكلام قائم بغيره فهذه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه يلزم الجهمية على قولهم أن يكون كل كلام خلقه الله كلاما له، إذ لا معنى لكون القرآن كلام الله إلا كونه خلقه، وكل من فعل كلاما ولو في غيره كان متكلما به عندهم، وليس للكلام عندهم مدلول يقوم بذات الرب تعالى لو كان مدلول قائم يدل لكونه خلق صوتا في محل، والدليل يجب طرده، فيجب أن يكون كل صوت بخلقه له لذلك، وهم يجوزون أن يكون الصوت المخلوق على جميع الصفات، فلا يبقى فرق بين الصوت الذي هو كلام الله على قولهم، والصوت الذي ليس هو بكلام، الثاني: أن الصفة إذا قامت بمحل كالعلم والقدرة والكلام والحركة عاد حكمه إلى ذلك المحل، ولا يعود حكمه إلى غيره، الثالث: أن مشتق المصدر منه اسم الفاعل والصفة المشبهة به ونحو ذلك، ولا يشتق ذلك لغيره، وهذا كله ظاهر بين، وهو ما يبين قول السلف والأئمة إن من قال: إن الله خلق كلاما في غيره، لزمه أن يكون حكم التكلم عائدا إلى ذلك المحل لا إلى الله، الرابع: أن الله وكد تكليم موسى بالمصدر فقال: ( تكليما ) قال غير واحد من العلماء: التوكيد بالمصدر ينفي المجاز، لئلا يظن أنه أرسل غيره، ممن لم يكلمه، وقال: { وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا } الآية فكان تكليم موسى من وراء حجاب وقال: { يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي } وقال: ( { إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده } إلى قوله: { وكلم الله موسى تكليما }، والوحي هو ما نزله على قلوب الأنبياء بلا واسطة، فلو كان تكليمه لموسى إنما هو صوت خلقه في الهواء لكان وحي الأنبياء أفضل منه، لأن أولئك عرفوا المعنى المقصود بلا واسطة، وموسى إنما عرفه بواسطة، ولهذا كان غلاة الجهمية من الاتحادية ونحوهم يدعون أن ما يحصل لهم من الإلهام أفضل مما حصل لموسى بن عمران، وهذا من أعظم الكفر باتفاق المسلمين، ولما فهم السلف حقيقة مذهب هؤلاء، وأنه يقتضي تعطيل الرسالة، فإن الرسل إنما بعثوا ليبلغوا كلام الله، بل يقتضي تعطيل التوحيد، فإن من لا يتكلم ولا يقوم به علم ولا حياة هو كالموات، بل من لا يقوم به الصفات فهو عدم محض، إذ ذات لا صفة لها إنما يمكن تقديرها في الذهن لا في الخارج كتقدير وجود مطلق لا يتعين ولا يتخصص . فكان قول هؤلاء مضاهيا لقول المتفلسفة الدهرية الذين يجعلون وجود الرب وجودا مطلقا بشرط الإطلاق لا صفة له، وقد علم أن المطلق بشرط الإطلاق لا يوجد إلا في الذهن . وأما النوع الثالث: مما قد يسمى فناء: فهو أن يشهد أن لا موجود إلا الله، وأن وجود الخالق هو وجود المخلوق، فلا فرق بين الرب والعبد فهذا فناء أهل الضلال والإلحاد الواقعين في الحلول والاتحاد، والمشايخ المستقيمون إذا قال أحدهم: ما أرى غير الله، أو لا أنظر إلى غير الله، ونحو ذلك فمرادهم بذلك ما أرى ربا غيره، ولا خالقا غيره ولا مدبرا غيره، ولا إلها غيره ولا أنظر إلى غيره محبة له أو خوفا منه أو رجاء له، فإن العين تنظر إلى ما يتعلق به القلب، فمن أحب شيئا أو رجاه أو خافه التفت إليه، وإذا لم يكن في القلب محبة له ولا رجاء له ولا خوف منه ولا بغض له ولا غير ذلك من تعلق القلب له لم يقصد القلب أن يلتفت إليه ولا أن ينظر إليه ولا أن يراه وإن رآه اتفاقا رؤية مجردة كان كما لو رأى حائطا ونحوه مما ليس في قلبه تعلق به، والمشايخ الصالحون - رضي الله عنهم - يذكرون شيئا من تجريد التوحيد وتحقيق إخلاص الدين كله بحيث لا يكون العبد ملتفتا إلى غير الله ولا ناظرا إلى ما سواه: لا حبا له، ولا خوفا منه، ولا رجاء له بل يكون القلب فارغا من المخلوقات خاليا منها لا ينظر إليها إلا بنور الله، فبالحق يسمع وبالحق يبصر وبالحق يبطش وبالحق يمشي، فيحب منها ما يحبه الله، ويبغض منها ما يبغضه الله، ويوالي منها ما والاه الله، ويعادي منها ما عاداه الله، ويخاف الله فيها ولا يخافها في الله، ويرجو الله فيها ولا يرجوها في الله، فهذا هو القلب السليم الحنيف الموحد المسلم المؤمن العارف المحقق الموحد بمعرفة الأنبياء والمرسلين، وبحقيقتهم وتوحيدهم، وأما النوع الثالث: وهو الفناء في الموجود: فهو تحقيق آل فرعون ومعرفتهم وتوحيدهم كالقرامطة وأمثالهم، وهذا النوع الذي عليه اتباع الأنبياء هو " الفناء المحمود " الذي يكون صاحبه به ممن أثنى الله عليهم من أوليائه المتقين، وحزبه المفلحين، وجنده الغالبين، وليس مراد المشايخ والصالحين بهذا القول أن الذي أراه بعيني من المخلوقات هو رب الأرض والسموات، فإن هذا لا يقوله إلا من هو في غاية الضلال والفساد ؟ إما فساد العقل ; وإما فساد الاعتقاد، فهو متردد بين الجنون والإلحاد. وكل المشايخ الذين يقتدى بهم في الدين متفقون على ما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها من أن الخالق سبحانه مباين للمخلوقات، وليس في مخلوقاته شيء من ذاته ولا في ذاته شيء من مخلوقاته، وأنه يجب إفراد القديم عن الحادث ; وتمييز الخالق عن المخلوق، وهذا في كلامهم أكثر من أن يمكن ذكره هنا، وهم قد تكلموا على ما يعرض للقلوب من الأمراض والشبهات ; وأن بعض الناس قد يشهد وجود المخلوقات فيظنه خالق الأرض والسموات لعدم التمييز والفرقان في قلبه: بمنزلة من رأى شعاع الشمس فظن أن ذلك هو الشمس التي في السماء، وهم قد يتكلمون في " الفرق والجمع " ويدخل في ذلك من العبارات المتلفة نظير ما دخل في الفناء فإن العبد إذا شهد التفرقة والكثرة في المخلوقات يبقى قلبه متعلقا بها، متشتتا ناظرا إليها متعلقا بها: إما محبة وإما خوفا وإما رجاء ; فإذا انتقل إلى الجمع اجتمع قلبه على توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له فالتفت قلبه إلى الله بعد التفاته إلى المخلوقين فصارت محبته لربه وخوفه من ربه ورجاؤه لربه واستعانته بربه، وهو في هذا الحال قد لا يسع قلبه النظر إلى المخلوق ليفرق بين الخالق والمخلوق، فقد يكون مجتمعا على الحق معرضا عن الخلق نظرا وقصدا وهو نظير النوع الثاني من الفناء، ولكن بعد ذلك، " الفرق الثاني " وهو: أن يشهد أن المخلوقات قائمة بالله مدبرة بأمره ويشهد كثرتها معدومة بوحدانية الله سبحانه وتعالى وأنه سبحانه رب المصنوعات وإلهها وخالقها ومالكها فيكون مع اجتماع قلبه على الله - إخلاصا له ومحبة وخوفا ورجاء واستعانة وتوكلا على الله وموالاة فيه ومعاداة فيه وأمثال ذلك - ناظرا إلى الفرق بين الخالق والمخلوق مميزا بين هذا وهذا يشهد تفرق المخلوقات وكثرتها مع شهادته أن الله رب كل شيء ومليكه، وخالقه، وأنه هو الله لا إله إلا هو وهذا هو الشهود الصحيح المستقيم وذلك واجب في علم القلب وشهادته وذكره ومعرفته: في حال القلب وعبادته وقصده وإرادته ومحبته وموالاته وطاعته، وذلك تحقيق " شهادة أن لا إله إلا الله " فإنه ينفي عن قلبه ألوهية ما سوى الحق ويثبت في قلبه ألوهية الحق فيكون نافيا لألوهية كل شيء من المخلوقات مثبتا لألوهية رب العالمين رب الأرض والسموات، وذلك يتضمن اجتماع القلب على الله وعلى مفارقة ما سواه، فيكون مفرقا: في علمه وقصده في شهادته وإرادته في معرفته ومحبته بين الخالق والمخلوق، بحيث يكون عالما بالله تعالى ذاكرا له عارفا به، وهو مع ذلك عالم بمباينته لخلقه وانفراده عنهم وتوحده دونهم، ويكون محبا لله معظما له عابدا له راجيا له خائفا منه مواليا فيه معاديا فيه مستعينا به متوكلا عليه، ممتنعا عن عبادة غيره والتوكل عليه والاستعانة به والخوف منه والرجاء له والموالاة فيه والمعاداة فيه والطاعة لأمره وأمثال ذلك مما هو من خصائص إلهية الله سبحانه وتعالى، وإقراره بألوهية الله تعالى دون ما سواه يتضمن إقراره بربوبيته، وهو أنه رب كل شيء ومليكه وخالقه ومدبره، فحينئذ يكون موحدا لله، ويبين ذلك أن أفضل الذكر " لا إله إلا الله " كما رواه الترمذي، وابن أبي الدنيا وغيرهما مرفوعا إلى النبي ﷺ قال: { أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله } وفي الموطإ وغيره عن طلحة بن عبد الله بن كثير أن النبي ﷺ قال: { أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير }، ومن زعم أن هذا ذكر العامة، وأن ذكر الخاصة هو الاسم المفرد، وذكر خاصة الخاصة هو الاسم المضمر، فهم ضالون غالطون، واحتجاج بعضهم على ذلك بقوله: { قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون } من أبين غلط هؤلاء، فإن الاسم هو مذكور في الأمر بجواب الاستفهام، وهو قوله: { قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس } إلى قوله: { قل الله } أي الله الذي أنزل الكتاب الذي جاء به موسى، فالاسم مبتدأ وخبره قد دل عليه الاستفهام، كما في نظائر ذلك تقول: من جاره فيقول زيد وأما الاسم المفرد مظهرا أو مضمرا فليس بكلام تام، ولا جملة مفيدة ولا يتعلق به إيمان ولا كفر ولا أمر ولا نهي، ولم يذكر ذلك أحد من سلف الأمة، ولا شرع ذلك رسول الله، ولا يعطي القلب بنفسه معرفة مفيدة ولا حالا نافعا، وإنما يعطيه تصورا مطلقا لا يحكم عليه بنفي ولا إثبات، فإن لم يقترن به من معرفة القلب وحاله ما يفيد بنفسه، وإلا لم يكن فيه فائدة، والشريعة إنما تشرع من الأذكار ما يفيد بنفسه لا ما تكون الفائدة حاصلة بغيره، وقد وقع بعض من واظب على هذا الذكر في فنون من الإلحاد وأنواع من الاتحاد كما قد بسط في غير هذا الموضع وما يذكر عن بعض الشيوخ من أنه قال: أخاف أن أموت بين النفي والإثبات، حال لا يقتدى فيها بصاحبها، فإن في ذلك من الغلط ما لا خفاء به ; إذ لو مات العبد في هذه الحال لم يمت إلا على ما قصده ونواه، إذ الأعمال بالنيات، وقد ثبت أن النبي ﷺ { أمر بتلقين الميت لا إله إلا الله، وقال: من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة } ولو كان ما ذكره محذورا لم يلقن الميت كلمة يخاف أن يموت في أثنائها موتا غير محمود بل كان يلقن ما اختاره من ذكر الاسم المفرد، والذكر بالاسم المضمر المفرد أبعد عن السنة، وأدخل في البدعة وأقرب إلى إضلال الشيطان، فإن من قال: يا هو يا هو، أو: هو هو، ونحو ذلك لم يكن الضمير عائدا إلا إلى ما يصوره قلبه، والقلب قد يهتدي وقد يضل، وقد صنف صاحب الفصوص كتابا سماه " كتاب الهو " وزعم بعضهم أن قوله: { وما يعلم تأويله إلا الله } معناه وما يعلم تأويل هذا الاسم الذي هو " الهو "، وقيل هذا وإن كان مما اتفق المسلمون بل العقلاء على أنه من أبين الباطل، فقد يظن ذلك من يظنه من هؤلاء، حتى قلت مرة لبعض من قال شيئا من ذلك لو كان هذا كما قلته لكتبت ( وما يعلم تأويل هو) منفصلة، ثم كثيرا ما يذكر بعض الشيوخ أنه يحتج على قول القائل: " الله " بقوله: { قل الله ثم ذرهم } ويظن أن الله أمر نبيه بأن يقول الاسم المفرد، وهذا غلط باتفاق أهل العلم، فإن قوله: { قل الله } معناه الله الذي أنزل الكتاب الذي جاء به موسى، وهو جواب لقوله: { قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم قل الله } أي الله الذي أنزل الكتاب الذي جاء به موسى، رد بذلك قول من قال: ما أنزل الله على بشر من شيء، فقال: { من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى } ثم قال: { قل الله } أنزله { ثم ذرهم } هؤلاء المكذبين { في خوضهم يلعبون }، ومما يبين ما تقدم: ما ذكره سيبويه وغيره من أئمة النحو أن العرب يحكون بالقول ما كان كلاما، لا يحكون به ما كان قولا، فالقول لا يحكى به إلا كلام تام، أو جملة اسمية أو فعلية، ولهذا يكسرون إن إذا جاءت بعد القول، فالقول لا يحكى به اسم، والله تعالى لا يأمر أحدا بذكر اسم مفرد، ولا شرع للمسلمين اسما مفردا مجردا، والاسم المجرد لا يفيد الإيمان باتفاق أهل الإسلام، ولا يؤمر به في شيء من العبادات، ولا في شيء من المخاطبات، ونظير من اقتصر على الاسم المفرد ما يذكر أن بعض الأعراب مر بمؤذن يقول: " أشهد أن محمدا رسول الله " بالنصب فقال: ماذا يقول هذا ؟ هذا الاسم فأين الخبر عنه الذي يتم به الكلام ؟ وما في القرآن من قوله: { واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا } وقوله: { سبح اسم ربك الأعلى } وقوله: { قد أفلح من تزكى، وذكر اسم ربه فصلى } وقوله: { فسبح باسم ربك العظيم } ونحو ذلك لا يقتضي ذكره مفردا بل في السنن { أنه لما نزل قوله: { فسبح باسم ربك العظيم } قال اجعلوها في ركوعكم ولما نزل قوله: { سبح اسم ربك الأعلى } قال اجعلوها في سجودكم } فشرع لهم أن يقولوا في الركوع سبحان ربي العظيم، وفي السجود سبحان ربي الأعلى، وفي الصحيح: { أنه كان يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم، وفي سجوده: سبحان ربي الأعلى } وهذا هو معنى قوله: { اجعلوها في ركوعكم وسجودكم } باتفاق المسلمين، فتسبيح اسم ربه الأعلى وذكر اسم ربه ونحو ذلك هو بالكلام التام المفيد، كما في الصحيح عنه ﷺ أنه قال: { أفضل الكلام بعد القرآن أربع - وهن من القرآن - سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر }، وفي الصحيح: عنه ﷺ أنه قال: { كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم }، وفي الصحيحين: عنه ﷺ أنه قال: { من قال في يومه مائة مرة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، كتب الله له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به، إلا رجل قال مثل ما قال أو زاد عليه }، { ومن قال في يومه مائة مرة: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم، حطت عنه خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر }، وفي الموطإ وغيره: عن النبي ﷺ أنه قال: { أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير }، وفي سنن ابن ماجه وغيره عنه ﷺ أنه قال: { أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله }، ومثل هذه الأحاديث كثيرة في أنواع ما يقال من الذكر والدعاء، وكذلك ما في القرآن من قوله تعالى: ( ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه )

وقوله: { فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه } إنما هو قوله: بسم الله، وهذا جملة تامة إما اسمية على أظهر قولي النحاة ; أو فعلية ; والتقدير ذبحي باسم الله، أو اذبح باسم الله، وكذلك قول القارئ فتقديره: قراءتي بسم الله ; أو اقرأ بسم الله، ومن الناس من يضمر في مثل هذا ابتدائي بسم الله ; أو ابتدأت بسم الله، والأول أحسن ; لأن الفعل كله مفعول بسم الله، ليس مجرد ابتدائه كما أظهر المضمر في قوله: { اقرأ باسم ربك الذي خلق } وفي قوله: { بسم الله مجراها ومرساها }، وفي قول النبي ﷺ: { من كان ذبح قبل الصلاة فليذبح مكانها أخرى، ومن لم يكن ذبح فليذبح بسم الله }، ومن هذا الباب قول النبي ﷺ في الحديث الصحيح لربيبه عمر بن أبي سلمة: { سم الله وكل بيمينك ; وكل مما يليك } فالمراد أن يقول بسم الله، ليس المراد أن يذكر الاسم مجردا، وكذلك قوله في الحديث الصحيح لعدي بن حاتم { إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل } وكذلك قوله ﷺ { إذا دخل الرجل منزله فذكر اسم الله عند دخوله ; وعند خروجه، وعند طعامه، قال الشيطان لا مبيت لكم ولا عشاء } وأمثال ذلك كثير، وكذلك ما شرع للمسلمين في صلاتهم وآذانهم وحجهم وأعيادهم من ذكر الله تعالى إنما هو بالجملة التامة كقول المؤذن: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله ; أشهد أن محمدا رسول الله، وقول المصلي: الله أكبر، سبحان ربي العظيم، سبحان ربي الأعلى، سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، التحيات لله، وقول الملبي: لبيك اللهم لبيك، وأمثال ذلك، فجميع ما شرعه الله من الذكر إنما هو كلام تام لا اسم مفرد لا مظهر ولا مضمر، وهذا هو الذي يسمى في اللغة كلمة، كقوله: { كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن ; سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم } وقوله: { أفضل كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل } ومنه قوله تعالى: { كبرت كلمة تخرج من أفواههم } الآية وقوله: { وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا } وأمثال ذلك مما استعمل فيه لفظ الكلمة في الكتاب والسنة، بل وسائر كلام العرب فإنما يراد به الجملة التامة، كما كانوا يستعملون الحرف في الاسم، فيقولون: هذا حرف غريب أي لفظ الاسم غريب، وقسم سيبويه الكلام إلى اسم وفعل وحرف جاء لمعنى، ليس باسم وفعل، وكل من هذه الأقسام يسمى حرفا لكن خاصة الثالث أنه حرف جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل ; وسمي حروف الهجاء باسم الحرف وهي أسماء، ولفظ الحرف يتناول هذه الأسماء وغيرها ; كما قال النبي ﷺ: { من قرأ القرآن فأعربه فله بكل حرف عشر حسنات: أما إني لا أقول: { الم } حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف } وقد سأل الخليل أصحابه عن النطق بحرف الزاي من زيد فقالوا: زاي، فقال: جئتم بالاسم، وإنما الحرف " ز "، ثم إن النحاة اصطلحوا على أن هذا المسمى في اللغة بالحرف يسمى كلمة، وأن لفظ الحرف يخص لما جاء لمعنى، ليس باسم ولا فعل، كحروف الجر ونحوها، وأما ألفاظ حروف الهجاء فيعبر تارة بالحرف عن نفس الحرف من اللفظ، وتارة باسم ذلك الحرف، ولما غلب هذا الاصطلاح صار يتوهم من اعتاده أنه هكذا في لغة العرب، ومنهم من يجعل لفظ الكلمة في اللغة لفظا مشتركا بين الاسم مثلا وبين الجملة، ولا يعرف في صريح اللغة من لفظ الكلمة إلا الجملة التامة، والمقصود هنا أن المشروع في ذكر الله سبحانه هو ذكره " بجملة تامة " وهو المسمى بالكلام، والواحد منه بالكلمة، وهو الذي ينفع القلوب، ويحصل به الثواب والأجر، والقرب إلى الله ومعرفته ومحبته وخشيته، وغير ذلك من المطالب العالية والمقاصد السامية، وأما الاقتصار على " الاسم المفرد " مظهرا أو مضمرا فلا أصل له، فضلا عن أن يكون من ذكر الخاصة والعارفين، بل هو وسيلة إلى أنواع من البدع والضلالات وذريعة إلى تصورات أحوال فاسدة من أحوال أهل الإلحاد، وأهل الاتحاد، كما قد بسط الكلام عليه في غير هذا الموضع، وجماع الدين " أصلان " أن لا نعبد إلا الله، ولا نعبده إلا بما شرع، لا نعبده بالبدع، كما قال تعالى: { فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا }، وذلك تحقيق " الشهادتين ": شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمدا رسول الله، ففي الأولى أن لا نعبد إلا إياه، وفي الثانية أن محمدا هو رسوله المبلغ عنه، فعلينا أن نصدق خبره ونطيع أمره، وقد بين لنا ما نعبد الله به، ونهانا عن محدثات الأمور، وأخبر أنها ضلالة، قال تعالى: { بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون }، كما أنا مأمورون أن لا نخاف إلا الله ولا نتوكل إلا على الله، ولا نرغب إلا إلى الله، ولا نستعين إلا بالله: وأن لا تكون عبادتنا إلا لله، فكذلك نحن مأمورون أن نتبع الرسول ونطيعه ونتأسى به، فالحلال ما حلله والحرام ما حرمه، والدين ما شرعه، قال تعالى: { ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون } فجعل الإيتاء لله والرسول، كما قال: { وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا } وجعل التوكل على الله وحده بقوله: { وقالوا حسبنا الله } ولم يقل ورسوله، كما قال في الآية الأخرى: { الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل } ومثله قوله: { يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين } أي حسبك وحسب المؤمنين كما قال: { أليس الله بكاف عبده }، ثم قال: { سيؤتينا الله من فضله ورسوله } فجعل الإيتاء لله والرسول، وقدم ذكر الفضل ; لأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم، وله الفضل على رسوله وعلى المؤمنين، وقال: { إنا إلى الله راغبون } فجعل الرغبة إلى الله وحده كما في قوله { فإذا فرغت فانصب، وإلى ربك فارغب } وقال النبي ﷺ لابن عباس: { إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله }، والقرآن يدل على مثل هذا في غير موضع، فجعل العبادة والخشية والتقوى لله، وجعل الطاعة والمحبة لله ورسوله، كما في قول نوح عليه السلام: { أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون } وقوله: { ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون } وأمثال ذلك فالرسل أمروا بعبادته وحده والرغبة إليه والتوكل عليه، والطاعة لهم، فأضل الشيطان النصارى وأشباههم فأشركوا بالله وعصوا الرسول فاتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم، فجعلوا يرغبون إليهم ويتوكلون عليهم ويسألونهم، مع معصيتهم لأمرهم ومخالفاتهم لسنتهم، وهدى الله المؤمنين المخلصين لله أهل الصراط المستقيم، الذين عرفوا الحق واتبعوه فلم يكونوا من المغضوب عليهم ولا الضالين، فأخلصوا دينهم لله، وأسلموا وجوههم لله، وأنابوا إلى ربهم، وأحبوه ورجوه وخافوه وسألوه ورغبوا إليه وفوضوا أمورهم إليه وتوكلوا عليه، وأطاعوا رسله وعزروهم ووقروهم وأحبوهم ووالوهم واتبعوهم، واقتفوا آثارهم واهتدوا بمنارهم، وذلك هو دين الإسلام الذي بعث الله به الأولين والآخرين من الرسل وهو الدين الذي لا يقبل الله من أحد دينا إلا إياه، وهو حقيقة العبادة لرب العالمين، فنسأل الله العظيم أن يثبتنا عليه، ويكمله لنا ويميتنا عليه وسائر إخواننا المسلمين والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم .

وإذا تبين قول الجمهور الذين يثبتون التحليل والتحريم باطنا لا ظاهرا أو ظاهرا لا باطنا وظاهرا أو باطنا، فخذ في النظر الثاني وهو أن هذه المنكوحة أو المبيع الذي هو حرام في الباطن، أو انعقد بسبب تحريمه في الباطن والمشتري والمستنكح لم يعلما ذلك فإن هذا وطئ المرأة أو أكل هذا الطعام لم يعاقبا على ذلك، وهل يقال هو مباح ظاهرا أو يقال ليس بمباح بل هو عفو عفا الله عنه هذا قد تنازع فيه من أثبت التحريم الباطن ومن نفاه، وإن كانوا يطلقون تارة عليه أنه حلال في الظاهر ومباح، فإنهم يتنازعون هل الحل هنا بمعنى أن الله أذن فيه كما أذن في لحوم الأنعام أو أن الله عفا عنه كما عفا عما لم ينطق بتحريمه ولا تحليله، وكما عفا عن فعل الصبي والمجنون وعن فعل من لم تبلغه الرسالة، وإنما يقع النزاع في النوع مطلقا وهو أن يقال ما لم يظهر تحريمه إن تعين عمل واحد قد ظهر أنه كان حراما في الباطن فأما ما قام دليل حله ولم يعلم خلافه فلا نقول إلا أنه حلال، ثم إن لم يكن كذلك فحكم قولنا حكم فعلنا فمن قال بالأول قال ; لأن الله نصب دليل الحل وهو العقد وكلام البائع والزوجة الذي سوغ الشارع تصديقهما .

وخطأ الدليل لا يلزم المستدل إذا كان الشارع قد أذن له في اتباعه، والتحقيق أن يقال هذا مما عفا الله عنه فلم يؤاخذ فيه ; لأنه من الخطإ الذي عفا الله عنه، وهكذا يقال في كل من استحل شيئا لم يعلم الله حرمه، وذلك ; لأن هذا لما لم يعلم السبب الموجب للتحريم كان بمنزلة من لم يبلغه خطاب الشارع، كلاهما عادم للعلم بما يدل له على التحريم، ومثل هذا قد عفا الله عنه، إلا أن الله أباح له إباحة شرعية بمعنى أنه أذن له في ذلك، نعم، قد يفرق بين ما استبيح بأمارة شرعية فاختلفت، وبين ما فعل لعدم العلم بالتحريم الشرعي، كما فرق قوم من الفقهاء من أصحابنا وغيرهم في قتل من لم تبلغه الدعوة من المتمسكين بشريعة منسوخة، فأوجبوا ديته وغير المتمسكين فلم يوجبوا ديته .

وكذلك مسألة اشتباه الواجب بغيره كمن نسي إحدى صلاتين لا يعلم عينها، فإن الفقهاء من أصحابنا وغيرهم يطلقون أنه يحرم عليه العينان، وتجب عليه الصلاتان، ومنهم من يقول المحرم أحدهما وإن وجب الكف عنهما والواجب أحدهما وإن كان عليه فعلهما، ثم من الأولين من أصحابنا وغيرهم من ينكر هذا القول ويقول انتفاء التحريم ملزوم انتفاء الحرج والحرج هنا حاصل في كل منهما فكيف يكون الوجوب والتحريم منتفيان ؟ وهذا الإنكار مستقيم ممن ينكر الوجوب والتحريم في الباطن دون الظاهر كما ذهبت إليه النافية للحكم الباطن الجاعلة حكم الله تعالى في حق كل مجتهد ما اقتضاه اجتهاده وأنه يتبع الاعتقاد ويكون من موجباته ومقتضياته، وهذا أصل فاسد مخالف لما كان عليه القرون الماضية الفاضلة وتابعوهم، وأما من أقر بالإيجاب والتحريم الباطنين فمعنى قول من قال الحرام أحدهما والواجب أحدهما يعني به الحرام في نفس الأمر أحدهما والواجب في نفس الأمر أحدهما، كما إذا اشتبه الطاهر بالنجس فإن النجس في نفس الأمر أحدهما وكما أن الميت في نفس الأمر أحدهما والأخت في نفس الأمر أحدهما والآخر إنما حرم ظاهرا فقط، نعم يبالغ هذا القائل فيقول لا أصف المشتبهة بتحريم ألبتة وإن أوجبت الإمساك عنها كما لا أصفها بنجاسة ولا بنوة ولا موت، فهنا ثلاث منازل طرفان ووسط، إما أن يقال هما جميعا حرامان مطلقا واجبان مطلقا، أو يقال ليس الواجب والمحرم إلا أحدهما، أو يقال الواجب والمحرم باطنا وظاهرا أحدهما والآخر محرم أو واجب ظاهرا لا باطنا، على أنه والله أعلم من وصف بالتحريم إحداهما فقط مطلقا مع إيجابه الكف عنهما أقرب ممن أنكر عليه وأنكر على من خص بالتحريم إحداهما، وذلك أنه لو تناولهما معا لم يعاقب عقوبة من فعل محرمين بل من فعل محرما واحدا، وكذلك من لم يفعل الصلاة المشتبهة إنما يعاقب على ترك صلاة واحدة، والمسألة وإن كان قد يظن أنها مستمدة من مسألة ما لا يتم الواجب إلا به هل يوصف بالوجوب فنفي الوجوب عن إحداهما هنا ليس كنفي الوجوب عن الزيادة ; لأن سبب الوجوب هنا عدم علمه وسببه هناك عجزه وعدم العلم إنما يؤثر في الأحكام ظاهرا لا باطنا عند عامة الناس، بخلاف العجز فإنه يؤثر فيها باطنا وظاهرا، ومن استقرأ أحكام الشريعة استبان له هذا، وحقيقة الأمر أن المتناول لأحدهما يعاقب على المخاطرة والعمل بالجهل بالمقتضي للعقوبة به معنى فيه لا معنى في المحل بخلاف المتناول للميتة فإنه يعاقب لمعنى في الميتة وليست العقوبة والأحكام على ذلك الجنس مثل هذا، فإنه لو خاطر ووطئ من لا يظنها زوجته وكانت إياها لم يحد وإن أثم، وكذلك من شرب ما يعتقده خمرا فلم يكنه لم يحد وإن كان آثما، وكذلك من حكم بجهل فصادف الحق هل يبتدئ الحكم في تلك القضية أو ينفذ حكمه ؟ للأصحاب فيه وجهان مع الاتفاق على تأثيمه، ومن باع واشترى قابضا مقبضا لا يعلم أنه مالك ولا وكيل ثم تبين أنه وارث أو وكيل هل يصح تصرفه ؟ على وجهين مع كونه كان آثما ولو فعله الوكيل بعد العزل قبل أن يعلم به لم يأثم، وفي صحة التصرف روايتان وقولان مشهوران للناس، وكذا على قياس هذا لو عقد على المشتبهة ثم تبين أنها الأجنبية أو المذكى هل يصح العقد على الوجهين إذ الجهل بالمحلية كالجهل بالأهلية، فإن قلت: أنتم تختارون فيما كان محرما ولم يعلم المكلف تحريمه أنه عفو في حقه لا مباح ظاهرا ولا باطنا فكيف تقولون فيمن اعتقد تحريمه ولم يكن حراما أنه حرام ظاهرا أو حرام مطلقا ؟، قلت: لأن ما حرمه الله تحريما مطلقا لا يباح إلا إذا وجد سبب حله، وجهل المكلف لا يكون سببا للحل بل غايته أنه سبب للعذر، وأما ما أحله الله حلا مطلقا فقد تعرض له أسباب تحريمه، وجهل المكلف قد يكون سببا للتحريم فإنه مناسب له من جهة أن عدم العلم بانتقاء الضرر الذي انعقد بسببه أو خيف وجوده مناسب للمنع من الإقدام شرعا وعقلا وعرفا، فإن المريض يمنع ما يخاف ضرره، ومن جهة أن الجهل وصف نقص فترتب التحريم عليه ملائم، أما ترتب الحل عليه فغير ملائم ألا ترى أن المعصية تكون سببا لشرع التحريم كما دل عليه قوله { فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم } ويكون سببا للابتلاء بوجود المحرم والحاجة إليه كما دل عليه قصة أصحاب السبت، ولا تكون المعصية سببا للحل مع أني قد بينت أني إذا قلت حرمنا عليك فمعناه حرم عليك المخاطرة والإقدام بلا علم، لا أن نفس العين محرمة في الحقيقة، كما لو اشتبه على المريض الداء بالدواء فإن أهله يمنعونه منهما لا لأنهما داءان مضران بل لما في المخاطرة من مفسدة مواقعة الضرر، وهذا الوصف يشمل العينين جميعا بحيث لو خاطر وتناول إحداهما فكانت هي الحرمة لكان عليه عقوبة المخاطرة وعقوبة آكل الميتة ولو خاطر فصادفت مخاطرته المباحة لما كان عليه إلا عقوبة المخاطرة فقط، لكن قد يقال إذا صادف الميتة فإن حرمة المخاطرة خشية أن يقع في الميتة فإذا صادف الميتة فهو المحذور فلا يبقى للمخاطرة حكم إذ لا حكم للخوف بعد حصول المخوف، ويمكن أن يقال بل هما ذنبان لهما مفسدتان فإن المخاطرة تفتح جنسين من الشر لا تختص هذه القضية وبالجملة فإنما يحسن إطلاق الإنكار بأن المحرم أحدهما ممن يقول لكل مجتهد نصيب بناء على ما قدمته من الشبهة الضعيفة التي تنحل بفهم ما ذكرناه وغيره من جهة أنه ليس يعتقد في الباطن حكما غير الظاهر، ولكن من وافقه في هذا الإنكار من الموحدين للصواب من أصحابنا وغيرهم لم يهتدوا لباطن مأخذه الذي يبطل حقيقة قولهم، وإنما أنكروا كون المحرمة واحدة باطنا وظاهرا، فهذا قريب ; لأنها محرمة من وجهين ولا يتسع هذا المقام لأكثر من هذا وتلخيص الفرق بين من يقول إن التحريم ليس ثابتا لا باطنا ولا ظاهرا وبين من يثبته باطنا وأن أولئك الأقلين يقولون: البلاغ شرط في التحريم الذي هو سبب الذم والعقاب وغيرهما من الأمور .

فعدمه ينفي نفس التحريم والأكثرين يقولون البلاغ شرط في موجب التحريم ومقتضاه لا في نفسه فعدمه ينفي أثره لا عينه، ويسمى نظير الأول مانع السبب، ونظير الثاني مانع الحكم بمنزلة السهم المفرق تارة ينكر في نفسه وتارة لا يصادف غرضا يخرقه أو يكون الغرض مصفحا بحديد .

قال وحدثنا سفيان حدثنا عمرو عن عكرمة عن أبي هريرة بهذا قال سفيان قال عمرو سمعت عكرمة حدثنا أبو هريرة قال علي قلت لسفيان قال سمعت عكرمة قال سمعت أبا هريرة قال نعم قلت لسفيان إن إنسانا روى عن عمرو عن عكرمة عن أبي هريرة يرفعه أنه قرأ فزع قال سفيان هكذا قرأ عمرو فلا أدري سمعه هكذا أم لا قال سفيان وهي قراءاتنا، وما ذكره أحمد من الفترة وتكلمه بالوحي بعدها قاله طوائف من السلف كما ذكره عبد الرزاق في تفسيره أنبأنا معمر عن قتادة والكلبي في قوله { حتى إذا فزع عن قلوبهم } قالا لما كانت الفترة بين عيسى ومحمد فنزل الوحي قال قتادة نزل مثل صوت الحديد على الصخر فأفزع الملائكة ذلك فقال حتى إذا فزع عن قلوبهم يقول إذا خلى عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير وهذه الآية وما فيها من الأحاديث المتعددة في الصحاح والسنن والمساند والآثار المأثورة عن السلف في تفسيرها فيها أصول من أصول الإيمان يبين بها ضلال من خالف ذلك من المتفلسفة الصابئة والجهمية ونحو هؤلاء ففيها ما دل عليه القرآن من أن الملائكة لا يشفعون إلا بعد أن يأذن الله لهم فضلا عن أن يتصرفوا ابتداء، كما قال تعالى: { من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه }، وقال سبحانه: { وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون } وقال: { وكم من ملك في السموات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى } وقال: { يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا }، فأخبر سبحانه أنهم لا يسبقونه بالقول ولا يعملون إلا بأمره وأنهم لا يتكلمون بالشفاعة إلا بعد أن يأذن الله لهم وأنهم مع ذلك لا يعلمون ما قال حتى إذا فزع عن قلوبهم أي خلي عن قلوبهم فأزيل الفزع كما يقال قردت البعير إذا أزلت قراده وتحرب وتحرج وتأثم وتحنث إذا أزال عن نفسه الحرب والإثم والحرج والحنث فإذا أزيل الفزع عن قلوبهم قالوا حينئذ ماذا قال ربكم قالوا الحق وفي كل ذلك تكذيب للمتفلسفة من الصائبة ونحوهم ومن أتباعهم من أصناف المتكلمة والمتصوفة والمتعففة الذين خلطوا الحنيفية بالصابئة فيما يزعمونه من تعظيم العقول أو النفوس التي يزعمون أنها هي الملائكة وأنها متولدة عن الله لازمة لذاته وهي المدبرة للعالم بطريق التولد والتعليل لا بأمر من الله وإذن يكون إذا شاء بل يجعلون الذي يسمونه العقل الفعال هو المدبر لهذا العالم من غير أن يحدث الله نفسه شيئا أصلا وهذا عبد هؤلاء الملائكة والكواكب وعظموا ذلك جدا وهذه النصوص المتواترة تكذبهم وتبين بعدهم عن الحق بمراتب متعددة خمسة وأكثر، فإن المرتبة الأولى: أن الملائكة هل تتصرف وتتكلم كما يفعل ذلك سائر الأحياء بغير إذن من الله وأمر وقول وإن كان الله خالق أفعالهم كما هو خالق أفعال الحيوان كله فإن الحيوان من الجن والإنس والبهائم وإن كان الله خالق أفعالهم فإن أفعالهم قد تكون معصية وقد تكون غير مأمور بها ولا منهي عنها بل يتصرفون بموجب إرادتهم وإن كانت مخلوقة والملائكة ليسوا كذلك بل لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون فلا يفعلون ما يكون من جنس المباحات والمنهيات بل لا يفعلون إلا ما هو من الطاعات، والمرتبة الثانية: أنهم لا يشفعون إلا لمن ارتضى فلا يشفعون عنده لمن لا يحب الشفاعة له كما قد يفعله بعض من يدعو الله بما لا يحبه، والمرتبة الثالثة :

أنهم أيضا لا يبتدئون بالشفاعة فلا يشفعون إلا بعد أن يأذن لهم في الشفاعة، والمرتبة الرابعة: أنهم لا يستأذنون في أن يشفعوا إذ هم لا يسبقونه بالقول بل هو يأذن لهم في الشفاعة ابتداء فيأمرهم بها فيفعلونها عبادة لله وطاعة، والمرتبة الخامسة: أنهم يسجدون إذا سمعوا كلامه وأمره وإذنه ولم يطيقوا فهمه ابتداء بل خضعت وفزعت وضربت بأجنحتها وضعفت وسجدت فإذا فزع عن قلوبهم فجلى عنهم الفزع قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير فهذه حالهم عند تكلمه بالوحي أما وحي كلامه الذي يبعث به رسله كما أنزل القرآن وأما أمره الذي، يقضي به من أمر يكونه فذلك حاصل في أمر التشريع وأمر التكوين ولهذا قال سبحانه وتعالى: { ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم } وحتى حرف غاية يكون ما بعدها داخلا فيما قبلها ليست بمنزلة إلى التي قد يكون ما بعدها خارجا عما قبلها كما في قوله: { ثم أتموا الصيام إلى الليل } وهي سواء كانت حرف عطف أو حرف جر تتضمن ذلك وما بعدها يكون النهاية التي ينبه بها على ما قبلها فتقول قدم الحجاج حتى المشاة فقدوم المشاة تنبيه على قدوم الركاب وتقول أكلت السمكة حتى رأسها فأكل رأسها تنبيه على غيره فإن أكل رءوس السمك قد يبقى في العادة وهذه الآية أخبر فيها سبحانه أنه ليس لغيره ملك ولا شرك في الملك ولا معاونة له ولا شفاعة إلا بعد إذنه فقال تعالى: { قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له }، ثم قال: { حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم } والضمير في قوله ( عن قلوبهم ) يعود إلى ما دل عليه وله من أذن له فإن الملائكة يدخلون في قوله { من أذن له } ودل عليه قوله { قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون }، فإن الملائكة تدخل في ذلك فسلبهم الملك والشركة والمعاونة والشفاعة إلا بإذنه ثم بين ذلك حتى أنه إذا تكلم لا يثبتون لكلامه ولا يستقرون بل يفزعون ولا يفهمون ثم إذا أزيل عنهم الفزع يقولون ماذا قال ربكم قالوا الحق وذلك أن ما بعد حتى هنا جملة تامة وهو قوله { إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم } والعامل في إذا هو قوله قالوا ماذا وإذا ظرف لما يستقبل من الزمان متضمن معنى الشرط أي لما زال الفزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم والغاية بعد حتى يكون مفردا كما تقدم ويكون جملة ومنه قوله: { ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون حتى إذا جاءنا قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين }، وقوله تعالى: { هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم } فأخبر عن ضلال أولئك إلى تلك الغاية وعن تسيير هؤلاء إلى هذه الغاية وكذلك قوله: { قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار كلما دخلت أمة لعنت أختها حتى إذا اداركوا فيها جميعا } الآية، وكذلك قوله: { فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة }، وكذلك قوله: { وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى أفلم يسيروا في الأرض } إلى قوله: { للذين اتقوا أفلا تعقلون } { حتى إذا استيأس الرسل } . قيل تقول في الجواب عن هذا وهو، الوجه السابع عشر: إن هذا يهدم عليهم إثبات العلم بصدق الكلام النفساني القائم بذات الله، وإذا فسد ذلك لم ينفعهم إثبات الكلام له يجوز أن يكون صدقا أو كذبا بل لم ينفعهم إثبات كلام لم يعلموا وجوده إلا وهو كذب فإنهم لم يثبتوا الخبر النفساني إلا بتقدير الخبر الكذب، فهم لم يعلموا وجود خبر نفساني إلا ما كان كذبا، فإن أثبتوا لله ذلك كان كفرا باطلا خلاف مقصودهم وخلاف إجماع الخلائق إذ أحد لا يثبت لله كلاما لازما لذاته هو كذب، وإن لم يثبتوا ذلك لم يكن لهم طريق إلى إثبات الخبر النفساني بحال، لأنا حينئذ لم نعلم وجود معنى نفساني صدقا غير العلم ونحوه لا شاهدا ولا غائبا فإن خبر الله لا ينفعك عن العلم، وإذا امتنع إثبات ما ادعوه من الخبر امتنع حينئذ وصفه بكونه صدقا، فإن ثبوت الصفة بدون الموصوف محال، فعلم أن الطريقة التي سلكوها في إثبات صدق الخبر يبطل عليهم إثبات أصل الخبر النفساني، فلا يثبت حينئذ لا خبر نفساني ولا صدقه، والطريقة التي سلكوها في إثبات الكلام النفساني إنما يثبت بها لو قدر صحتها خبر هو كذب، وذلك ممتنع في حقه، فعلم أنهم مع التناقض لم يثبتوا لا الكلام النفساني ولا صدقه فلم يثبتوا واحدا من المتناقضين، فإن قيل: كيف يخلو الأمر عن النقيضين ويمكن رفعهما جميعا، قيل: هذا لا يمكن في الحقائق الثابتة ولكن يمكن في المقدرات الممتنعة، فإن من فرض تقديرا ممتنعا لزمه اجتماع النقيضين وانتفاؤهما وذلك محال لأنه لازم للمحال الذي قدره وهذا دليل آخر وهو، الوجه الثامن عشر: وهو أنهم أثبتوا للخبر معنى ليس هو العلم وبابه فهذا إثبات أمر ممتنع، وإذا كان ممتنعا من صفة بأنه صدق أو كذب ممتنع أيضا لا حقيقة له فقولهم بعد هذا العلم يستلزم الصدق منه وينافي الكذب، وإن كان يناقض قولهم العلم لا يستلزم الصدق ولا ينافي الكذب، فهذان النقيضان كلاهما منتف لأن كلاهما إنما يلزم على تقدير ثبوت معنى للخبر ليس هو العلم وبابه، فإذا كان ذلك تقديرا باطلا ممتنعا كان ما يلزمه من نفي أو إثبات قد يكون باطلا إذ حاصله لزوم اجتماع النقيضين ولزم الخلو عن النقيضين على هذا التقدير، وهذه اللوازم تدل على فساد الملزوم الذي هو معنى للخبر ليس هو العلم ونحوه، ولهذا يجعل فساد اللوازم دليلا على فساد الملزوم، وإذا أريد تحرير الدليل بهذا الوجه قيل لو كان للخبر معنى ليس هو العلم ونحوه فإما أن يكون العلم مستلزما لصدقه أو لا يكون، فإن كان مستلزما لصدقه لم يعلم حينئذ أنه غير العلم إذ لا دليل على ذلك إلا إمكان تقدير الكذب مع العلم فإذا كان العلم مستلزما للصدق النفساني منافيا للكذب النفساني كان هذا التقدير ممتنعا فلا يعلم حينئذ ثبوت معنى للخبر غير العلم لا في حق الخالق ولا في حق العباد، فيكون قائل ذلك قائلا بلا علم ولا دليل أصلا في باب كلام الله وخبره وهذا محرم بالاتفاق، وهذا بعينه يبطل ببطلان قولهم، أي أنهم قالوا بلا حجة أصلا، وإن لم يكن العلم مستلزما للصدق النفساني ولا منافيا للكذب النفساني لم يكن لهم طريق إلى إثبات كلام نفساني هو صدق، لأن العلم لا يستلزمه ولا ينافي ضده، فلا يستدل عليه بالعلم وسائر ما يذكر غير العلم، فيدل على أن الله صادق في الجملة وأن الكذب ممتنع عليه وهذا مما لا نزاع بين الناس فيه، ولكنهم لا يمكنهم إثبات كلام نفساني هو صدق وقيام دليل على أن الله صادق كقيام دليل على أن الله متكلم، وهذا لا ينفعهم في إثبات الكلام النفساني، الذي ادعوه منفردين به فكذلك هذا لا ينفعهم في إثبات معنى الخبر النفساني الصادق الذي انفردوا بإثباته من بين فرق الأمة وابتدعوه وفارقوا به جماعة المسلمين كما أقروا هم بهذا الشذوذ والانفراد كما ذكره في المحصول، الوجه التاسع عشر: وهو متضمن للجواب عما ذكرناه من السؤال عن أن المتناقضين لا يعين الصادق وهو أن نقول لا ريب أن قولهم إن العلم ينافي الكذب النفساني هو الصواب دون قولهم أنه قد يجامع الكذب النفساني، وإن لم يكن العلم مستلزما لخبر نفساني صدق وهذا أمر يجده المرء من نفسه ويعلمه بالضرورة أن ما علمه لا يمكن أن يقوم بنفسه خبر ينافي ذلك، بل لو كلف ذلك كلف الجمع بين النقيضين، ولهذا لم يتنازع الناس في أنه يمتنع تكليف الإنسان أن يعتقد خلاف ما يعلمه ولو كان في الإمكان خبر نفساني ينافي العلم لأمكن أن يطلب ذلك من الإنسان، فإنه يمكن أن يطلب منه كل ما يقدر عليه سواء قيل إن ذلك جائز في الشريعة أو لم يمكن كما أن طلب الكذب ممكن والتكليف به ممكن، وأما طلب كذب نفساني يخالف العلم فهذا مما لا يمكن طلبه والتكليف به إذ هو أمر لا حقيقة له فتبين أن قولهم أن الجحد إنما يتصور من العلم بالشيء في العبارة باللسان دون القلب، وصاحب الجحد وإن جحده باللسان هو معترف بالقلب فلا يصح الجحد منه بالقلب، هو أصدق من قولهم العالم بالشيء قد يقوم بقلبه كذب نفساني ينافي علمه وإذا كان كذلك بطل ما احتجوا به على إثبات الخبر النفساني الذي ادعوه وراء العلم وهو المقصود، الوجه العشرون: أن يقال لا ريب أن الإنسان قد يخبر بما لا يعلمه ولا يظنه وبما يعلم أو يظن خلافه ولا ريب أن هذا الخبر له معنى يقوم بنفسه وراء العلم ولهذا يمكن تقدير هذا المعنى قبل تقدير العبارة عنه فضلا عن وجود التعبير عنه فإن من يريد أن يخبر بخلاف علمه ويعتقد ذلك يقدره ويصوره في نفسه قبل التعبير عنه، ويدل على ذلك أن الكذب لفظ له معنى كما أن الصدق لفظ له معنى ولو كان لفظا لا معنى له في النفس لكان بمنزلة الأصوات والألفاظ المهملة وليس الأمر كذلك لكن يقال هذا لا يخرجه عن أن يكون من جنس الاعتقاد الذي يكون من جنس العلم والجهل المركب فإن المعتقد للشيء بخلاف ما هو به لا ريب أنه ليس بعالم به وإن اعتقد أنه عالم به فالكذب من هذا الجنس، لكن الكذب يعلم صاحبه أنه باطل والجهل المركب لا يعلم صاحبه أنه باطل، ومعلوم أن الاعتقادات في كونها حقا أو باطلا أو معلومة أو مجهولة لا يخرج عن الاشتراك في مسمى الاعتقاد والخبر النفساني كما لا تخرج العبارة عنها بكونها حقا أو باطلا أو معلومة أو مجهولة عن أن تكون لفظا وعبارة وكلاما فإذا كانت العبارات على اختلاف أنواعها يجمعها النطق اللساني فالمعنى الذي هو الاعتقاد على اختلاف أنواعه يجمعه النطق النفساني والخبر النفساني وهذا كما أن الإرادة أو الطلب سواء كانت إرادة شر أو كان صاحبها عالما بحقيقة مراده وعاقبته أو كان جاهلا بعاقبته فإن ذلك لا يخرجها عن الاشتراك في مسمى الإرادة أو الطلب، الوجه الحادي والعشرون: أنه تعالى قال: { فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون } فنفى عنهم التكذيب وأثبت الجحود ومعلوم أن التكذيب باللسان لم يكن منتفيا عنهم فعلم أنه نفى عنهم تكذيب القلب ولو كان المكذب الجاحد علمه يقوم بقلبه خبر نفساني لكانوا مكذبين بقلوبهم فلما نفى عنهم تكذيب القلوب علم أن الجحود الذي هو ضرب من الكذب والتكذيب بالحق المعلوم ليس هو كذبا في النفس ولا تكذيبا فيها وذلك يوجب أن العالم بالشيء لا يكذب به ولا يخير في نفسه بخلاف علمه فإن قيل العالم بالشيء العارف به قد يؤمن بذلك وقد يكفر كما قال الله تعالى: { وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا } وذلك مثل المعاندين من المشركين وأهل الكتاب وليس كفرهم لمجرد لفظهم فإنهم أيضا قد يقولون بألسنتهم ما يعلمونه ولا يكونون مؤمنين مثل ما كان يقوله أبو طالب من الإخبار بأن محمدا رسول الله ومثل إخبار كثير من اليهود والنصارى بعضهم لبعض برسالته ومع هذا فليسوا مؤمنين ولا مصدقين ومنهم اليهود الذين جاوروه وقالوا نشهد أنك رسول الله قيل الجواب عن هذا هو، الوجه الثاني والعشرون: وهو أن ما أخبرت به الرسل من الحق ليس إيمان القلب مجرد العلم بذلك فإنه لو علم بقلبه أن ذلك حق وكان مبغضا له وللرسول الذي جاء به ولمن أرسله معاديا لذلك مستكبرا عليهم ممتنعا عن الانقياد لذلك الحق لم يكن هذا مؤمنا مثابا في الآخرة باتفاق المسلمين مع تنازعهم الكثير في مسمى الإيمان ولهذا لم يختلفوا في كفر إبليس مع أنه كان عالما عارفا بل لا بد في الإيمان من علم في القلب وعمل في القلب أيضا ولهذا كان عامة أئمة المرجئة الذين يجعلون الإيمان مجرد ما في القلب أو ما في القلب واللسان يدخلون في ذلك محبة القلب وخضوعه للحق لا يجعلون ذلك مجرد علم القلب، ولفظ التصديق يتناول العلم الذي في القلب ويتناول أيضا ذلك العمل في القلب الذي هو موجب العلم ومقتضاه فإنه يقال صدق علمه بعمله وذلك لأن وجود العلم مستلزم لوجود هذا العمل الذي في القلب الذي هو إسلام القلب بمحبته وخشوعه فإذا عدم مقتضى العلم فإنه قد يزول العلم من القلب بالكلية ويطبع على القلب حتى يصير منكرا لما عرفه جاهلا بما كان يعلمه وهذا العلم وهذا العمل كلاهما يكون من معاني الألفاظ، فلفظ الشهادة والإقرار والإيمان والتصديق ينظم هذا كله لكن لفظ الخبر والبناء وأحد ذلك هو العلم وإن استلزم هذه الأعمال فهو كما يستلزم العلم لذلك فإذا قال أحد هؤلاء العالمين الجاحدين الذين ليسوا مؤمنين بمحمد رسول الله كقول أولئك اليهود وغيرهم فهذا خبر محض مطابق لعلمهم الذي قال الله فيه: { الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون } لكن كما لا ينفعهم مجرد العلم لا ينفعهم مجرد الخبر بل لا بد أن يقترن بالعلم في الباطن مقتضاه من العمل الذي هو المحبة والتعظيم والانقياد ونحو ذلك كما أنه لا بد أن يقترن بالخبر الظاهر مقتضاه من الاستسلام والانقياد لأهل الطاعة فهؤلاء الذين يعلمون الحق الذي بعث الله به رسوله ولا يؤمنون به ويقرون به يوصفون بأنهم كفار وبأنهم جاحدون ويوصفون بأنهم مكذبون بألسنتهم وأنهم يقولون بألسنتهم خلاف ما في قلوبهم وقد أخبر الله في كتابه أنهم ليسوا بمكذبين بما علموه أي مكذبين بقلوبهم وإن لم يكونوا مؤمنين مقرين مصدقين إذ العبد يخلو في الشيء الواحد عن التصديق والتكذيب والكفر أعم من التكذيب فكل من كذب الرسول كافر وليس كل كافر مكذبا، بل من يعلم صدقه ويقر به وهو مع ذلك يبغضه أو يعاديه كافر أو من أعرض فلم يعتقد لا صدقه ولا كذبه كافر وليس بمكذب وكذلك العالم بالشيء قد يخلو عن التكذيب وعن التصديق به الذي هو مستلزم لعمل القلب وإن لم يخل عن التصديق الذي هو مجرد علم القلب فأما أن يقوم بالقلب تصديق قولي غير العلم فهذا هو الذي ادعاه هؤلاء الشذاذ عن الجماعة وهو مورد النزاع، ولهذا قال الجنيد بن محمد: التوحيد قول القلب والتوكل عمل القلب، وقال الحسن البصري ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني ولكن ما وقر في القلوب وصدقه العمل: وقال الحسن أيضا: ما زال أهل العلم يعودون بالتذكر على التفكر وبالتفكر على التذكر، ويناطقون القلوب حتى نطقت، فإذا لها أسماع وأبصار فنطقت بالحكمة وأورثت العلم . فصل فلما قالوا ولا نقول إن كلام الله حرف وصوت قائم به بل هو معنى قائم بذاته قلت إخبارا عما وقع مني قبل ذلك ليس في كلامي هذا أيضا بل قول القائل إن القرآن حرف وصوت قائم به بدعة وقوله إنه معنى قائم به بدعة لم يقل أحد من السلف لا هذا ولا هذا وأنا ليس في كلامي شيء من البدع بل في كلامي ما أجمع عليه السلف أن القرآن كلام الله غير مخلوق وهذا كلام صحيح فلم أقل أن الحروف ليست من كلام الله وأن المعاني ليست من كلام الله ولا أن الله تعالى لم يتكلم بالحروف والأصوات ومعان قائمة في نفسه ولكن بينت أن من جعل القرآن مجرد حرف وصوت قائم بالله فإنه مبتدع وقوله يتضمن أن المعاني ليست من القرآن ولا من كلام الله ومن جعل القرآن مجرد معنى قائم به مبتدع وقوله يتضمن أن حروف القرآن ليست من القرآن ولم يتكلم الله بها وأن جميع كلام الله ليس إلا معنى واحدا، وقد قلت قبل هذا في جواب الفتيا المصرية وقد قيل فيها المسئول بيان ما يجب على الإنسان أن يعتقده ويصير به مسلما بأوضح عبارة وأبينها من أن ما في المصاحف هل هو كلام الله القديم أم هو عبارة عنه لا نفسه وأنه حادث أو قديم وأن كلام الله حرف وصوت أم كلامه صفة قائمة به لا تفارقه وأن قوله تعالى { الرحمن على العرش استوى } حقيقة أم لا وأن الإنسان إذا أجرى القرآن على ظاهره من غير أن يتأول شيئا منه ويقول أومن به كما أنزل هل يكفيه ذلك في الاعتقاد أم يجب عليه التأويل، فقلت في الجواب الذي يجب على الإنسان اعتقاده في ذلك وغيره ما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ واتفق عليه سلف المؤمنين الذين أثنى الله تعالى على من اتبعهم وذم من اتبع غير سبيلهم وهو أن القرآن الذي أنزله الله على عبده ورسوله كلام الله تعالى وأنه منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود { إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون } وأنه { قرآن مجيد في لوح محفوظ } وأنه كما قال: { وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم } وأنه في الصدور كما قال النبي ﷺ { استذكروا القرآن فلهو أشد تفصيا من صدور الرجال من النعم من عقلها } وقال النبي ﷺ { الجوف الذي ليس فيه شيء من القرآن كالبيت الخرب } وأن ما بين لوحي المصحف الذي كتبته الصحابة رضي الله عنهم كلام الله كما قال النبي ﷺ { لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن تناله أيديهم } فهذه الجملة تكفي المسلم في هذا الباب، وأما تفصيل ما وقع في ذلك من النزاع فكثير منه يكون كالإطلاقين خطأ ويكون الحق في التفصيل ومنه ما يكون مع كل من المتنازعين نوع من الحق ويكون كل منهما ينكر حق صاحبه وهذا من التفريق والاختلاف الذي ذمه الله تعالى ونهى عنه فقال: { وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد } وقال: { ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات } وقال: { واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا } وقال: { وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم } .

وكذلك المعتزلة قالوا: إن الله لم يخلق أفعال العباد بل العبد هو الذي يحدث أفعاله فضلوا بقولهم إن الله لم يخلق أفعال العباد، وقلتم أنتم إن العبد لا يفعل أفعاله بل هي فعل الله تعالى، ولكن هي كسب للعبد، ولم تفرقوا بين الكسب والفعل بفرق معقول وادعيتم العلم الضروري بأن كون العبد فاعلا بعد أن لم يكن فاعلا أمر محدث ممكن، فلا بد له من محدث واجب، وهذا حق أصبتم فيه دون المعتزلة، لكن من المعتزلة من ادعى العلم الضروري بأن العبد يحدث أفعاله وهذا أيضا حق أصابوا فيه دونكم، ولهذا كان أهل السنة والجماعة على أن العبد فاعل لأفعاله حقيقة والله خلق الفاعل فاعلا كما قال الله تعالى: { إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا } وليس كونه قادرا مريدا فاعلا بألزم له من كونه طويلا قصيرا والله خلقه على هذه الصفة، فليس ما ذكره الله في كتابه من أن العباد يفعلون ويصنعون بمناف أن يكون الله خلقهم على هذه الصفة، وكون العبد فاعلا لما جعل الله فيه من القدرة هو كسائر ما خلقه الله بقوة فيه وقدرته سبب في حصول مقدوره كسائر الأسباب والأسباب لا ينكر وجودها ولا ينكر أن الله خلقها وخلق المسبب بها، فمن قال قدرة العبد مؤثرة في المقدور كتأثير سائر الأسباب في مسبباتها لم ينكر قوله، ومن قال ليست مؤثرة أي ليست مستقلة وليس مبتدعة، كما أن سائر الأسباب ليست كذلك لم ينكر قوله، فإن السبب ليس علة مستقلة بمسببه، بل لا بد من أسباب أخر ولا بد من صرف الموانع والله خالق مجموع الأسباب وصارف جميع الموانع، وهذا هو الخلق المطلق الذي ليس إلا لله وحده وكل ما سواه مما يجعل سببا ومؤثرا فإنه جزء مسبب فلا ينفى هذا الجزء ولا يعطى ما لا يستحقه من كونه مبدعا خالقا ومن كونه واحدا لا شريك له، فهو رب كل شيء ومليكه، وأنتم قد خالفتم نصوص الكتاب والسنة وسلف الأمة في مسائل الصفات والقرآن والرؤية، ومسائل الأسماء والأحكام والقدر ما تأولتموه، فالمعتزلة ونحوهم إذا خالفوا من ذلك ما تأولوه لم يكن لكم عليهم حجة وإذا قدحتم في المعتزلة بما ابتدعوه من المقالات وخالفوه في السنن والآثار، قدحوا فيكم بمثل ذلك وإذا نسبتموهم إلى القدح في السلف والأئمة نسبوكم إلى مثل ذلك فيما تذمونهم به من مخالفة الكتاب والسنة والإجماع يذمونكم بنظيره، ولا محيص لكم عن ذلك إلا بترك ما ابتدعتموه، وما وافقتموه عليه من البدعة وما ابتدعتموه أنتم، وحينئذ فيكون الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها سليما من التناقض والتعارض محفوظا، قال الله تعالى: { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون }، وبالجملة فعامة ما ذمه السلف والأئمة وعابوه على المعتزلة من الكلام المخالف للكتاب والسنة والإجماع القديم لكم منه أوفر نصيب، بل تارة تكونون أشد مخالفة لذلك من المعتزلة، وقد شاركتموهم في أصول ضلالهم التي فارقوا بها سلف الأمة وأئمتها، ونبذوا بها كتاب الله وراء ظهورهم، فإنهم لا يثبتون شيئا من صفات الله تعالى، ولا ينزهونه من شيء بالكتاب والسنة، والإجماع موقوف على العلم بذلك، والعلم بذلك لا يحصل به لئلا يلزم الدور فيرجعون إلى مجرد رأيهم في ذلك، وإذا استدلوا بالقرآن كان ذلك على وجه الاعتقاد والاستشهاد، لا على وجه الاعتماد والاعتقاد، وما خالف قولهم في القرآن تأولوه على مقتضى آرائهم، واستخفوا بالكتاب والسنة وسموهما ظواهر، وإذا استدلوا على قولهم بمثل قوله: { لا تدركه الأبصار }، وقوله: { ليس كمثله شيء }، أو قوله: { وهو معكم أينما كنتم } ونحو ذلك، لم تكن هذه النصوص هي عمدتهم ولكن يدفعون بها عن أنفسهم عند المسلمين، وأما الأحاديث النبوية فلا حرمة لها عندهم، بل تارة يردونها بكل طريق ممكن وتارة يتأولونها، ثم يزعمون أن ما وضعوه برأيهم قواطع عقلية، وأن هذه القواطع العقلية ترد لأجلها نصوص الكتاب والسنة، إما بالتأويل، وإما بالتفويض، وإما بالتكذيب، وأنتم شركاؤهم في هذه الأصول كلها، ومنهم أخذتموها، وأنتم فروخهم فيها، كما يقال: الأشعرية مخانيث المعتزلة، والمعتزلة مخانيث الفلاسفة، لكن لما شاع بين الأمة فساد مذهب المعتزلة، ونفرت القلوب عنهم، صرتم تظهرون الرد عليهم في بعض المواضع مع مقاربتكم أو موافقتكم لهم في الحقيقة، وهم سموا أنفسهم أهل التوحيد، لاعتقادهم أن التوحيد هو نفي الصفات وأنتم وافقتموهم على تسمية أنفسكم أهل التوحيد، وجعلتم نفي بعض الصفات من التوحيد، وسموا ما ابتدعوه من الكلام الفاسد إما في الحكم وإما في الدليل أصول الدين، وأنتم شاركتموهم في ذلك، وقد علمتم ذم السلف والأئمة لهذا الكلام، بل علم من يعرف دين الإسلام وما بعث الله به نبيه عليه أفضل الصلاة والسلام ما فيه من المخالفة لكتب الله وأنبيائه ورسله، وقد بسطنا الكلام على فساد هذه الأصول في غير هذا الموضع، وبينا أن دلالة الكتاب والسنة التي يسمونها دلالة السمع ليست مجرد الخبر كما تظنونه أنتم وهم حتى جعلتم ما دل عليه السمع إما هو بطريق الخبر الموقوف على تصديق المخبر، ثم جعلتم تصديق المخبر وهو الرسول موقوفا على هذه الأصول التي سميتموها أنتم وهم العقليات، وجعلوا منها نفس الصفات والتكذيب بالقدر ووافقتموهم على أن منها نفي كثير من الصفات، وأنتم لم تثبتوا القدر حتى أبطلتم ما في أمر الله ونهيه، بل ما في خلقه وأمره من الحكم والمصالح والمناسبات، وزعمتم أن الرد على القدرية لا يتم إلا بنفي تحسين العقل وتقبيحه مطلقا، وأن تجعل الأفعال كلها سواء في أنفسها، لا فرق في نفس الأمر بين الصلاة والزنا إلا من جهة حكم الشارع بإيجاب أحدهما وتحريم الآخر فصار قولكم مدرجة إلى فساد الدين والشريعة، وذلك أعظم فسادا من التكذيب بالقدر، وقد بينا في غير هذا الموضع أن القرآن ضرب الله فيه الأمثال، وهي المقاييس العقلية التي يثبت بها ما يخبر به من أصول الدين : كالتوحيد وتصديق الرسل وإمكان المعاد، وأن ذلك مذكور في القرآن على أكمل وجه ; وإن عامة ما يثبته النظار من المتكلمين والفلاسفة في هذا الباب يأتي القرآن بخلاصته وبما هو أحسن منه على أتم الوجوه، بل لا نسبة بينهما لعظم التفاوت، ومعلوم أن هذا أمر عظيم وخطب جسيم، فإنكم والمعتزلة تثبتون كثيرا مما يثبتونه من أصول الدين بطرق ضعيفة أو فاسدة، مع ما يتضمنه ذلك من التكذيب بكثير من أصول الدين، وحقيقة قولهم الذي وافقتموه عليه أنه لا يمكن تصديق الرسول في بعض ما أخبر به إلا بتكذيبه في شيء مما أخبر به فلا يمكن الإيمان بالكتاب كله، بل يكفر ببعضه ويؤمن ببعضه فيهدم من الدين جانب ويبنى منه جانب على غير أساس ثابت، ولولا أن هذا الموضع لا يسع ذلك لفصلناه، فإنا قد بسطناه في مواضع، مثل ما يقال من أنه لا يمكن الإقرار بالصانع إلا بنفي صفاته أو بعضها التي يستلزم نفيها تعطيله في الحقيقة، فيبقى الإنسان مثبتا له نافيا له، مقرا بوجوده مستلزما لعدمه، وإن كان لا يشعر بالتناقض، وأما العقليات فإنكم وافقتم المعتزلة والفلاسفة على أصول يلزم من تسليمها فساد ما بينتموه، فإنكم لما سلمتم لهم أن الأعراض وهي صفات تدل على حدوث ما قامت به أو تدل على إمكانه كانوا مستدلين بهذا على نفي الصفات عن الرب سبحانه وتعالى فتنقطعون معهم، ثم أنتم إنما استدللتم على المتفلسفة بأن ما قامت به الحوادث فهو حادث فإنهم يزعمون أن القديم تقوم به الحوادث، ولما ادعيتم أن ما قامت به الحوادث فهو حادث ألزموكم أول الحوادث فقالوا ذلك الحادث إما أن يكون لحدوثه سبب، فإن كان لحدوثه سبب لزم تسلسل الحوادث، وذلك يبطل دليلكم عليهم إذ هو مبني على تسلسل الحوادث، وامتناع حوادث لا أول لها، وإن لم يكن لحدوثها سبب جاز ترجيح أحد طرفي الممكن على الآخر بلا مرجح، وهذا يبطل جميع أصولكم وأصول المعتزلة والفلاسفة، ويبطل إثباتكم بوجود الصانع، فأنتم مع الفلاسفة بين أمرين: إما أن تجوزوا حوادث لا أول لها فيبطل دليلكم عليهم الذي أثبتم به حدوث العالم وهو أصل الأصول عندكم، وإما أن لا تجوزوا ذلك فيبطل أيضا دليلكم على حدوث العالم، فعلى كلا التقديرين دليلكم الذي هو أصل أصولكم على حدوث العالم باطل، وأما المعتزلة فهم يوافقونكم على هذا الأصل، لكن خطاب الفلاسفة لهم كخطاب الفلاسفة لكم ; وأما خطاب المعتزلة فإنهم يقولون لكم: إذا ما سلمتم أن ما تقوم به الحوادث لا يكون إلا جسما إذ لا فرق في المعقول بين قيام الأعراض والحوادث، وإذا كان ما قام به الأعراض لا يكون إلا جسما، وأنتم قد قلتم تقوم به الصفات، وهي في الحقيقة الأعراض، لزم أن يكون جسما، والجسم حادث فيلزم أن يكون حادثا، ويقول لكم المعتزلي: إن قيام الكلام والحياة والعلم والقدرة ونحو ذلك بمحل ليس بجسم ; ودعوى أن هذه الصفات ليست أعراضا أمر معلوم الفساد بالضرورة، وكان جوابكم للمعتزلة في هذا المقام أن قلتم لهم: كما اتفقنا نحن وأنتم على أن الله حي عالم قادر وليس بجسم، فكذلك يجب أن تكون له حياة وعلم وقدرة، وليست أعراضا وتقوم به، ولا يكون جسما، ومعلوم أن هذا الجواب ليس بعلمي، ولا يحمل به انقطاع المعتزلة ولا غيرهم، إذ يقال لكم: المعتزلة مخطئون إما في قولكم إن هذه الأسماء تثبت لغير جسم، وإما في قولهم إن هذه الصفات لا تقوم إلا بجسم ; فلم قلتم: إن خطأهم في الثاني دون الأول ؟، فإن قلتم: قد قام الدليل على نفي الجسم، قيل لكم: ذلك الدليل بعينه ينفي قيام الصفات التي هي الأعراض به ، إذ لا يعقل ما يقوم به الأعراض إلا الجسم، ويقال لكم: الدليل الذي نفيتم به الجسم إنما هو الاستدلال على حدوثه بحدوث الأعراض، وهذا الدليل آخره بعد تقرير كل مقدمة هو منع حوادث لا أول لها، وهذه المقدمة إن صحت لزمكم إثبات حوادث بلا سبب ; وذلك يبطل أصل دليلكم على إثبات الصانع، فإنه متى جوز الحدوث بلا مرجح تام يلزم منه الحدوث لزم ترجيح أحد طرفي الممكن، على الآخر بلا مرجح، وهذا يسد باب إثبات الصانع، بل يستلزم أن لا يكون في الوجود موجود واجب، وهو في نفسه من أفسد ما يقال، ولهذا لم يقله عاقل .

قال شيخ الإسلام أبو إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري في كتابه " ذم الكلام ": باب في ذكر كلام الأشعرية ولما نظر المبرزون من علماء الأمة وأهل الفهم من أهل السنة طوايا كلام الجهمية وما أودعته من رموز الفلاسفة ولم نقف منهم إلا على التعطيل البحت، وأن قطب مذهبهم ومنتهى عقيدتهم ما صرحت به رءوس الزنادقة قبلهم أن الفلك دوار والسماء خالية، وأن قولهم: إنه تعالى في كل موضع وفي كل شيء، ما استثنوا جوف كلب ولا جوف خنزير ولا حشاه، فرارا من الإثبات وذهابا عن التحقيق، وإن قولهم: سميع بلا سمع، بصير بلا بصر، عليم بلا علم، قدير بلا قدرة، إله بلا نفس ولا شخص ولا صورة ; ثم قالوا: لا حياة له، ثم قالوا: لا شيء، فإنه لو كان شيئا لأشبه الأشياء، حاموا حول مقال رءوس الزنادقة القدماء إذ قالوا: الباري لا صفة ولا لا صفة، خافوا على قلوب ضعفاء المسلمين وأهل الغفلة وقلة الفهم منهم ; إذ كان ظاهر تعلقهم بالقرآن، وإن كان اعتصاما به من السيف واجتنابا به ; وإذ هم يرون التوحيد ويخاوضون المسلمين ويحملون الطيالسة، فأفصحوا بمعانيهم وصاحوا بسوء ضمائرهم، ونادوا على خبايا نكتهم، فيا طول ما لقوا في أيامهم من سيوف الخلفاء وألسن العلماء وهجران الدهماء، فقد شحنت كتب تكفير الجهمية من مقالات علماء الإسلام فيهم، ودأب الخلفاء فيهم، ودق أهل السنة عليهم، وإجماع المسلمين على إخراجهم من الملة، ثقلت عليهم الوحشة، وطالت عليهم الذلة، وأعيتهم الحيلة، إلا أن يظهروا الخلاف لأوليهم والرد عليهم، ويصفوا كلامهم صفا يكون ألوح للأفهام وأنجع في العوام من أساس أولهم، ليجدوا بذلك المساغ ويتخلصوا من خزي الشناعة، فجاءت بمخاريق تتراءى للغبي بغير ما في الحشايا، ينظر الناظر الفهم في حذرها فيرى مخ الفلسفة يكسو لحاء السنة، وعقد الجهمية ينحل ألقاب الحكمة، ، يردون على اليهود قولهم: { يد الله مغلولة } فينكرون الغل، وينكرون اليد، فيكونون أسوأ حالا من اليهود، لأن الله أثبت الصفة ونفى العيب واليهود أثبتت الصفة وأثبتت العيب، وهؤلاء نفوا الصفة كما نفوا العيب، ويردون على النصارى في مقالهم في عيسى وأمه، فيقولون: لا يكون في المخلوق غير المخلوق، فيبطلون القرآن، فلا يخفى على ذوي الألباب أن كلام أوليهم وكلام آخريهم كخيط السحارة، ، فاسمعوا الآن يا أولي الألباب، وانظروا ما فضل هؤلاء على أولئك: أولئك قالوا - قبح الله مقالتهم - إن الله موجود بكل مكان، وهؤلاء يقولون: ليس هو في مكان، ولا يوصف بأين، وقد قال المبلغ عن الله لجارية معاوية بن الحكم " أين الله " ؟، وقالوا: هو من فوق كما هو من تحت، لا يدرى أين هو ولا يوصف بمكان، وليس هو في السماء وليس هو في الأرض، وأنكروا الجهة والحد ; وقال أولئك: ليس له كلام إنما خلق كلاما، وهؤلاء يقولون تكلم مرة فهو متكلم به مذ تكلم لم ينقطع الكلام ولا يوجد كلامه في موضع ليس هو به، ثم تقولون: ليس هو في مكان: ثم قالوا: ليس هو صوت ولا حروف، وقالوا هذا زاج وورق، وهذا صوف وخشب، وهذا إنما قصد به النفس وأريد به النقر، وهذا صوت القارئ ما ترى منه حسن ومنه قبيح ; وهذا لفظه أو ما تراه يجازي به حتى قال رأس من رءوسهم: أو يكون قرآن من لبد ؟ وقال آخر من خشب ; فراعوا فقالوا هذا حكاية عبر بها عن القرآن، والله تكلم مرة ولا يتكلم بعد ذلك، ثم قالوا: غير مخلوق، ومن قال مخلوق فهو كافر، وهذا من فخوخهم يصطادون به قلوب عوام أهل السنة، وإنما اعتقادهم أن القرآن غير موجود لفظته الجهمية الذكور بمرة، والأشعرية الإناث بعشر مرات، وهؤلاء قالوا: لا صفة، وهؤلاء يقولون: وجه كما يقال وجه النهار ووجه الأمر ووجه الحديث، وعين كعين المتاع، وسمع كأذن الجدار، وبصر كما يقال جدارهما يتراءان، ويد كيد المنة والعطية، والأصابع كقولهم خراسان بين أصابع الأمير، والقدمان كقولهم جعلت الخصومة تحت قدمي، والقبضة كما قيل فلان في قبضتي، أي: أملك أمره، وقالوا: الكرسي العلم ; والعرش الملك ; والضحك الرضا ; والاستواء الاستيلاء والنزول القبول، والهرولة مثله ; فشبهوا من وجه وأنكروا من وجه ; وخالفوا السلف وتعدوا الظاهر وردوا الأصل ولم يثبتوا شيئا ولم يبقوا موجودا، ولم يفرقوا بين التفسير والعبارة بالألسنة ; فقالوا لا نفسرها بجريها عربية كما وردت، وقد تأولوا تلك التأويلات الخبيثة أرادوا بهذه المخرقة أن يكون عوام المسلمين أبعد غيابا عنها وأعيا ذهابا منها ليكونوا أوحش عند ذكرها وأشمس عند سماعها وكذبوا، بل التفسير أن يقال وجه، ثم يقال: كيف ؟ وليس كيف في هذا الباب من مقال المسلمين، فأما العبارة فقد قال الله تعالى: { وقالت اليهود يد الله مغلولة } ( ) وإنما قالوا هم بالعبرانية فحكاها عنهم بالعربية، وكان يكتب لرسول الله كتابة بالعربية فيها أسماء الله وصفاته، فيعبر بالألسنة عنها، ويكتب إليه بالسريانية فيعبر له زيد بن ثابت رضي الله عنه بالعربية، والله تعالى يدعى بكل لسان بأسمائه فيجيب ويحلف بها فيلزم وينشد فيجازي، ويوصف فيعرف، ثم قالوا: ليس ذات الرسول بحجة، وقالوا: ما هو بعدما مات بمبلغ فيلزم به الحجة، فسقط من أقاويلهم ثلاثة أشياء: أنه ليس في السماء رب، ولا في الروضة رسول ولا في الأرض كتاب، كما سمعت يحيى بن عمار يحكم به عليهم، وإن كانوا موهوها ووروا عنها واستوحشوا من تصريحها، فإن حقائقها لازمة لهم ; وأبطلوا التقليد، فكفروا آباءهم وأمهاتهم، وعوام المسلمين، وأوجبوا النظر في الكلام واضطروا إليه الدين بزعمهم، فكفروا السلف وسموا الإثبات تشبيها، فعابوا القرآن وضللوا رسول الله، فلا يكاد يرى منهم رجلا ورعا، ولا للشريعة معظما ولا للقرآن محترما ولا للحديث موقرا، سلبوا التقوى ورقة القلب وبركة التعبد ووقار الخشوع، واستفضلوا الرسول فانظر أنت إلى أحدهم إذ لا هو طالب أثره ولا متبع أخباره ولا مناضل عن سنته ولا هو راغب في أسوته يتلقب بمرتبة العلم وما عرف حديثا واحدا، تراه يهزأ بالدين ويضرب له الأمثال ويتلعب بأهل السنة ويخرجهم أصلا من العلم، لا تنقر لهم عن بطانة إلا خانتك، ولا عن عقيدة إلا أرابتك، أليسوا ظلمة الهوى وسلبوا هيبة الهدى، فتنبو عنهم الأعين وتشمئز منهم القلوب وقد شاع بين المسلمين أن رأسهم علي بن إسماعيل الأشعري كان لا يستنجي ولا يتوضأ ولا يصلي، قال: وقد سمعت محمد بن زيد العمري النسابة أخبرنا المعافي سمعت أبا الفضل الحارثي القاضي بسرخس يقول سمعت زاهر بن أحمد يقول: أشهد لمات أبو الحسن الأشعري متحيرا لمسألة تكافؤ الأدلة، فلا هدى الله أناط مخاريقه بمذهب الإمام المطلبي رحمه الله، وكان من أبر خلق الله قلبا وأصوبهم صمتا وأهداهم هديا وأعمقهم قلبا وأقلهم تعمقا وأقربهم للدين وأبعدهم من التنطع وأنصحهم لخلق الله جزاه الله خيرا، قال: ورأيت منهم قوما يجتهدون في قراءة القرآن وتحفظ حروفه والإكثار من ختمه، ثم اعتقادهم فيه ما قد بيناه اجتهاد روغان كالخوارج، وروى بإسناده عن حرشة بن الحر عن حذيفة قال: إنا آمنا ولم نقرأ القرآن وسيجيء قوم يقرءون القرآن ولا يؤمنون، قال وقال ابن عمر: كنا نؤتى الإيمان قبل القرآن، وروى بإسناده عن ابن عمر قال: لقد عشنا برهة من الدهر وإن أحدنا يؤتى الإيمان قبل القرآن، وفي لفظ: إنا كنا صدور هذه الأمة، وكان الرجل من خيار أصحاب رسول الله وصالحيهم ما يقيم إلا سورة من القرآن أو شبه ذلك، وكان القرآن ثقيلا عليهم ورزقوا علما به وعملا، وإن آخر هذه الأمة يخف عليهم القرآن حتى يقرأه الصبي والعجمي لا يعلمون منه شيئا، أو قال لا يسلمون منه الشيء، قال الحافظ أبو القاسم اللالكائي في كتابه المشهور في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة لما ذكر عقوبات الأئمة لأهل البدع، قال: واستتاب أمير المؤمنين القادر بالله، حرس الله مهجته وأمد بالتوفيق أموره ووفقه من القول والعمل لما يرضى مليكته فقهاء المعتزلة الحنفية في سنة ثمان وأربعمائة فأظهروا الرجوع وتبروا من الاعتزال، ثم نهاهم عن الكلام والتدريس والمناظرة في الاعتزال والرقصة والمقالات المخالفة للإسلام والسنة وأخذ خطوطهم بذلك، وأنهم مهما خالفوه حل بهم من النكال والعقوبة ما يتعظ به، وامتثل يمين الدولة وأمين الملة أبو القاسم محمود يعني ابن سبكتكين، أعز الله نصره أمر أمير المؤمنين القادر بالله واستن بسننه في أعماله التي استخلفه عليها من خراسان وغيرها في قتل المعتزلة والرافضة والإسماعيلية والقرامطة والجهمية والمشبهة وصلبهم وحبسهم ونفاهم، وأمر باللعن عليهم على منابر المسلمين، وإبعاد كل طائفة من أهل البدع، وطردهم عن ديارهم، وصار ذلك في الإسلام إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين، وجرى ذلك على يد الحاجب أبي الحسن علي بن عبد الصمد في جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة وأربعمائة عمم الله ذلك وثبته إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين، قلت: وقد ذكر شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري في كتاب ذم الكلام وأهله في الطبقة الثامنة، قال: وفيها نجحت الأشعرية، ثم ذكر الطبقة التاسعة، وذكر فيها كلام من ذكره فيهم، ثم قال: قرأت كتاب محمود الأمير بحث فيه على كشف أستار هذه الطائفة والإفصاح بعيبهم ولعنهم حتى كان قد قال فيه: أنا ألعن من لا يلعنهم فطاروا لله في الآفاق للحامدين كل مطار، وساروا في المادحين كل مسار، لا ترى عاقلا إلا وهو ينسبه إلى متانة الدين وصلابته، ويصفه بشهامة الرأي ونجابته فما ظنك بدين يخفى فيه ظلم العيوب وتتجلى عنه بهم القلوب، ودين يناجي به أصحابه، وتبرى منه أربابه، وما خفي عليكم أن القرآن مصرح به في الكتاتيب، ويجهر به في المحاريب، وحديث المصطفى يقرأ في الجوامع، ويستمع في المجامع وتشد إليه الرحال، ويتبع في البراري، والفقهاء في القلانس يفصحون في المجالس، وإن الكلام في الخفايا يرسل به الزوايا، قد ألبس أهله الذلة واستعر بهم ظلمه يرمون بالألحاظ، ويخرجون من الحفاظ، يسب بهم أولادهم، وتبرأ منهم أوداؤهم يلعنهم المسلمون وهم عند المسلمين يتلاعنون، ثم إنه جرى بعد ذلك في خلافة القائم في مملكة السلاجقة ظفرلنك وذويه لعن المبتدعة أيضا، وأنه أدخل فيهم الأشعرية لقصد التشفي والتسلي فإنه ذكر رسالة أبي بكر البيهقي إلى الوزير في استدراك ذلك، قال فيها: " ثم إن السلطان - أعز الله نصره وصرف همته العالية إلى نصرة دين الله وقمع أعداء الله - بعد ما تقرر للكافة حسن اعتقاده بتقرير خطباء أهل مملكته على لعن من استوجب اللعن من أهل البدع ببدعته، وأيس أهل الزيغ عن زيغه عن الحق وميله عن القصد، فألقوا في سمعه ما فيه مساء أهل السنة والجماعة كافة ومصيبتهم عامة من الحنفية والمالكية والشافعية الذين لا يذهبون في التعطيل مذهب المعتزلة ولا يسلكون في التشبيه طرق المجسمة في مشارق الأرض ومغاربها ليلبسوا بالأسوة معهم في هذه المساءة عما يسوءهم من اللعن والقمع في هذه الدولة المنصورة " وذكر تمام الرسالة في بيان أنهم من أهل السنة ومساءلته المنع من إدخالهم في اللعنة، قال أبو القاسم بن عساكر: وإنما كان انتشار ما ذكره أبو بكر البيهقي من المحنة، وإشعار ما أشار بإطفائه في رسالته من الفتنة مما تقدم به من سب حزب أبي الحسن الأشعري في دولة السلطان ظفرلنك ووزيره أبي نصر منصور بن محمد الكندري، وكان السلطان حنفيا سنيا، وكان وزيره معتزليا رافضيا، فلما أمر السلطان بلعن المبتدعة على المنابر في الجمع، قرن الكندري للتسلي والتشفي اسم الأشعرية بأسماء أرباب البدع، وامتحن الأئمة الأماثل وقصد الصدور الأفاضل، وعزل أبا عثمان الصابوني عن الخطابة بنيسابور، وفوضها إلى بعض الحنفية، وخرج الأستاذ أبو القاسم والإمام أبو المعالي الجويني عن البلد، فلم يكن إلا يسيرا حتى مات ذلك السلطان وتولى ابنه البارسلان واستوزر الوزير الكامل أبا علي الحسن بن علي بن إسحاق فأعز أهل السنة وقمع أهل النفاق وأمر بإسقاط ذكرهم من السب، وإفراد من عداهم باللعن والسب، واسترجع من خرج منهم إلى وطنه، واستقدمه مكرما بعد بعده وظعنه، وذكر قصة أبي القاسم القشيري التي سماها " شكاية أهل السنة "، بحكاية ما نالهم من المحنة "، قال فيها: ومما ظهر بنيسابور في مفتتح سنة خمس وأربعين وأربعمائة ما دعا أهل الدين إلى سوء ضر أضرهم وكشف قناع صبرهم، إلى أن قال: ذلك بما أحدث من لعن إمام الدين وسراج قدم ذوي اليقين محيي السنة وقامع البدعة ناصر الحق وناصح الخلق أبي الحسن الأشعري، قال فيها: ولما من الله الكريم على أهل الإسلام بزمام الملك المعظم المحكم بالقوة السماوية في رقاب الأمم الملك الأجل شاهنشاه يمين خليفة الله وغياث عباد الله ظفرلنك أبي طالب محمد بن ميكائيل وقام بإحياء السنة والمناضلة عن الملة حتى لم يبق من أصناف المبتدعة إلا سل لاستئصالهم سيفا عضبا وإذاقتهم ذلا وخسفا، وعقب لآرائهم نسفا، حرجت صدور أهل البدع عن تحمل هذه النقم وضاق صبرهم عن مقاساة هذا الألم، وغموا بلعن أنفسهم على رءوس الأشهاد بألسنتهم وضاقت عليهم الأرض بما رحبت بانفرادهم بالوقوع في مهواة محبتهم فسولت لهم أنفسهم أمرا فظنوا أنهم بنوع تلبيس أو ضرب تدليس يجدون لعسرهم يسرا فسعوا إلى عالي مجلس السلطان بنوع نميمة، ونسبوا الأشعري إلى مذاهب ذميمة، وحكوا عنه مقالات لا يوجد في كتبه منها حرف ولم نر في المقالات المصنفة للمتكلمين الموافقين والمخالفين من وقت الأوائل إلى زماننا هذا لشيء منها حكاية ولا وصفا، بل كل ذلك تصوير تزوير وبهتان بغير تقدير، وما نقموا من الأشعري إلا أنه قال بإثبات القدر لله خيره وشره، نفعه وضره، وإثبات صفات الجلال من قدرته وعلمه وإرادته وحياته وبقائه وسمعه وبصره وكلامه ووجهه ويده وأن القرآن كلام الله غير مخلوق وأنه تعالى موجود تجوز رؤيته، وأن إرادته نافذة في مراداته، وما لا يخفى من مسائل الأصول التي تخالف طريقة المعتزلة والجهمية، وذكر تمام الكلام في المسائل التي نسبت إليه، وهو كلام طويل ليس هذا موضعه، وإنما الغرض التنبيه على سبب لعنهم على ما نقله أصحابه المعظمون له، وأما بغداد فلم تجر فيها لعنة أحد على المنابر، بل كانت الأشعرية منتسبة إلى الإمام أحمد وسائر أئمة المساجد كما ذكره الأشعري في كتاب الإبانة " وهذا هو الذي اعتمد عليه الحافظ ابن عساكر في وصف اعتقاد الأشعري، قال بعد أن ذكر ما ذكره من وصف من وصف من العلماء: والأشعري بالرد على البدع والانتصار للسنة وما يشبه ذلك، فإذا كان أبو الحسن رحمه الله ذكر عنه من حسن الاعتقاد مستصوب المذهب عند أهل المعرفة بالعلم والانتقاد، يوافقه في أكثر ما يذهب إليه أكابر العباد، ولا يقدح في معتقده غير أهل الجهل والعناد، فلا بد أن يحكي عن معتقده على وجه الأمانة، ويجتنب أن يزيد فيه أو ينقص منه تركا للخيانة، ليعلم حقيقة حاله في صحة عقيدته في أصول الديانة، فاسمع ما ذكر، في أول كتابه الذي سماه الإبانة "، فإنه قال: الحمد لله الأحد الواحد العزيز الماجد، وساق الخطبة إلى أن قال: أما بعد، فإن كثيرا من المعتزلة وأهل القدر مالت بهم أهواؤهم إلى التقليد لرؤسائهم ومن مضى من أسلافهم، فتأولوا القرآن على آرائهم تأويلا لم ينزل الله به سلطانا ولا أوضح به برهانا، ولا نقلوه عن رسول الله ولا عن السلف المتقدمين، فخالفوا رواية الصحابة عن النبي في رؤية الله بالأبصار، وقد جاءت في ذلك الروايات من الجهات المختلفة، وتواترت بها الآثار وتتابعت بها الأخبار، وأنكروا شفاعة رسول الله للمؤمنين، وردوا الرواية في ذلك عن السلف المتقدمين، وجحدوا عذاب القبر وأن الكفار في قبورهم يعذبون، وقد أجمع على ذلك الصحابة والتابعون، ودانوا بخلق القرآن نظيرا لقول إخوانهم من المشركين الذين قالوا: { إن هذا إلا قول البشر }، فزعموا أن القرآن كقول البشر ; وأثبتوا أن العباد يخلقون الشر نظيرا لقول المجوس الذين يثبتون خالقين: أحدهما يخلق الخير، والآخر يخلق الشر، وزعمت القدرية أن الله يخلق الخير وأن الشيطان يخلق الشر، وزعموا أن الله شاء ما لا يكون خلافا لما أجمع عليه المسلمون من أن ما شاء الله كان وما لا يشاء لا يكون، وردا لقول الله: { وما تشاءون إلا أن يشاء الله }، فأخبر أنا لا نشاء شيئا، إلا وقد شاء أن نشاءه، ولقوله: { ولو شاء الله ما اقتتلوا }، ولقوله: { ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها }، ولقوله تعالى: { فعال لما يريد }، ولقوله مخبرا عن شعيب أنه قال: { وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا } ( )، ولهذا سماهم رسول الله مجوس هذه الأمة، لأنهم دانوا بديانة المجوس، وضاهوا قولهم، وزعموا أن للخير والشر خالقين كما زعمت المجوس، وأنه يكون من الشر ما لا يشاؤه الله كما قالت المجوس ذلك ; وزعموا أنهم يملكون الضر والنفع لأنفسهم ردا لقول الله: { قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله }، وانحرافا عن القرآن وعما أجمع المسلمون عليه، وزعموا أنهم ينفردون بالقدرة على أعمالهم دون ربهم، وأثبتوا لأنفسهم غنى عن الله ووصفوا أنفسهم بالقدرة على ما لم يصفوا الله بالقدرة عليه، كما أثبتت المجوس للشيطان من القدرة على الشر ما لم يثبتوه لله عز وجل، فكانوا مجوس هذه الأمة إذ دانوا بديانة المجوس وتمسكوا بأقوالهم ومالوا إلى أضاليلهم، وقنطوا الناس من رحمة الله وآيسوهم من روحه، وحكموا على العصاة بالنار والخلود خلافا لقول الله: { ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } وزعموا أن من دخل النار لا يخرج منها خلافا لما جاءت الرواية عن رسول الله: { إن الله يخرج قوما بعد ما امتحشوا فيها وصاروا حمما } ودفعوا أن يكون لله وجه مع قوله: { ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام } وأنكروا أن يكون لله يدان مع قوله: { لما خلقت بيدي } وأنكروا أن يكون لله عينان مع قوله { تجري بأعيننا }، وقوله: { ولتصنع على عيني }، ونفوا ما روي عن رسول الله من قوله: { إن الله ينزل إلى سماء الدنيا }، وأنا ذاكر ذلك إن شاء الله بابا بابا، وبه المعونة ومنه التوفيق والتسديد . فصل: وأما قوله: { يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا }، وفي رواية: { وأنا أغفر الذنوب ولا أبالي فاستغفروني أغفر لكم }، فالمغفرة العامة لجميع الذنوب نوعان، أحدهما: المغفرة لمن تاب، كما في قوله تعالى: { قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله }، إلى قوله: { ثم لا تنصرون }، فهذا السياق مع سبب نزول الآية يبين أن المعنى لا ييأس مذنب من مغفرة الله ولو كانت ذنوبه ما كانت، فإن الله سبحانه لا يتعاظمه ذنب أن يغفره لعبده التائب، وقد دخل في هذا العموم الشرك وغيره من الذنوب، فإن الله تعالى يغفر ذلك لمن تاب منه، قال تعالى: { فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين } إلى قوله: { فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم }، وقال في الآية الأخرى: { فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين }، وقال: { لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة }، إلى قوله: { أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم }، وهذا القول الجامع بالمغفرة لكل ذنب للتائب منه، كما دل عليه القرآن والحديث، هو الصواب عند جماهير أهل العلم، وإن كان من الناس من يستثني بعض الذنوب، كقول بعضهم: إن توبة الداعية إلى البدع لا تقبل باطنا للحديث الإسرائيلي الذي فيه: " فكيف من أضللت "، وهذا غلط، فإن الله قد بين في كتابه وسنة رسوله أنه يتوب على أئمة الكفر الذين هم أعظم من أئمة البدع، وقد قال تعالى: { إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق }، قال الحسن البصري: " انظروا إلى هذا الكرم عذبوا أولياءه وفتنوهم ثم وهو يدعوهم إلى التوبة " وكذلك توبة القاتل ونحوه، وحديث أبي سعيد المتفق عليه، في الذي قتل تسعة وتسعين نفسا، يدل على قبول توبته، وليس في الكتاب والسنة، ما ينافي ذلك، ولا نصوص الوعيد فيه وفي غيره من الكبائر بمنافية لنصوص قول التوبة، فليست آية الفرقان بمنسوخة بآية النساء إذ لا منافاة بينهما، فإنه قد علم يقينا أن كل ذنب فيه وعيد، فإن لحوق الوعيد مشروط بعدم التوبة، إذ نصوص التوبة مبينة لتلك النصوص، كالوعيد في الشرك، وأكل الربا وأكل مال اليتيم والسحر، وغير ذلك من الذنوب، ومن قال من العلماء توبته غير مقبولة، فحقيقة قوله التي تلائم أصول الشريعة أن يراد بذلك أن التوبة المجردة تسقط حق الله من العقاب، وأما حق المظلوم فلا يسقط بمجرد التوبة، وهذا حق، ولا فرق في ذلك بين القاتل وسائر الظالمين، فمن تاب من ظلم لم يسقط بتوبته حق المظلوم، لكن من تمام توبته أن يعوضه بمثل مظلمته، وإن لم يعوضه في الدنيا فلا بد له من العوض في الآخرة، فينبغي للظالم التائب أن يستكثر من الحسنات حتى إذا استوفى المظلومون حقوقهم لم يبق مفلسا، ومع هذا فإذا شاء الله أن يعوض المظلوم من عنده فلا راد لفضله، كما إذا شاء أن يغفر ما دون الشرك لمن يشاء، ولهذا في حديث القصاص الذي ركب فيه جابر بن عبد الله إلى عبد الله بن أنيس شهرا حتى شافهه به، وقد رواه الإمام أحمد وغيره، واستشهد به البخاري في صحيحه، وهو من جنس حديث الترمذي، صحاحه أو حسانه قال فيه: { إذا كان يوم القيامة فإن الله يجمع الخلائق في صعيد واحد يسمعهم الداعي وينفذهم البصر ثم يناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب أنا الملك أنا الديان، لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة ولأحد من أهل النار قبله مظلمة، ولا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار ولأحد من أهل الجنة حتى أقصه منه }، فبين في الحديث العدل والقصاص بين أهل الجنة وأهل النار، وفي صحيح مسلم من حديث أبي سعيد: { أن أهل الجنة إذا عبروا الصراط وقفوا على قنطرة بين الجنة والنار فيقتص لبعضهم من بعض، فإذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة }، وقد قال سبحانه لما قال: { ولا يغتب بعضكم بعضا }، والاغتياب من ظلم الأعراض، قال: { أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم }، فقد نبههم على التوبة من الاغتياب وهو من الظلم، وفي الحديث الصحيح: { من كان عنده لأخيه مظلمة في دم أو مال أو عرض فليأته فليستحل منه قبل أن يأتي يوم ليس فيه درهم ولا دينار إلا الحسنات والسيئات فإن كان له حسنات وإلا أخذ من سيئات صاحبه فطرحت عليه ثم يلقى في النار } أو كما قال، وهذا فيما علمه المظلوم من العوض، فأما إذا اغتابه أو قذفه ولم يعلم بذلك، فقد قيل: من شرط توبته إعلامه، وقيل: لا يشترط ذلك، وهذا قول الأكثرين، وهما روايتان عن أحمد، لكن قوله مثل هذا أن يفعل مع المظلوم حسنات، كالدعاء له، والاستغفار وعمل صالح يهدي إليه يقوم مقام اغتيابه وقذفه، قال الحسن البصري: " كفارة الغيبة أن تستغفر لمن اغتبته "، وأما الذنوب التي يطلق الفقهاء فيها نفي قبول التوبة، مثل قول أكثرهم: لا تقبل توبة الزنديق وهو المنافق، وقولهم: إذا تاب المحارب قبل القدرة عليه تسقط عنه حدود الله، وكذلك قول كثير منهم أو أكثرهم في سائر الجرائم، كما هو أحد قولي الشافعي وأصح الروايتين عن أحمد، وقولهم في هؤلاء إذا تابوا بعد الرفع إلى الإمام لم تقبل توبتهم، فهذا إنما يريدون به رفع العقوبة المشروعة عنهم، أي لا تقبل توبتهم بحيث يخلى بلا عقوبة، بل يعاقب، إما لأن توبته غير معلومة الصحة، بل يظن به الكذب فيها، وإما لأن رفع العقوبة بذلك يفضي إلى انتهاك المحارم وسد باب العقوبة على الجرائم، ولا يريدون بذلك أن من تاب من هؤلاء توبة صحيحة فإن الله لا يقبل توبته في الباطن، إذ ليس هذا قول أحد من أئمة الفقهاء، بل هذه التوبة لا تمنع إلا إذا عاين أمر الآخرة، كما قال تعالى: { إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما، وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار } الآية، قال أبو العالية: سألت أصحاب محمد ﷺ عن ذلك، فقالوا لي: " كل من عصى الله فهو جاهل، وكل من تاب قبل الموت فقد تاب من قريب "، وأما من تاب عند معاينة الموت، فهذا كفرعون الذي قال: أنا الله، فلما أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين، قال الله: { آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين }، وهذا استفهام إنكار، بين به أن هذه التوبة ليست هي التوبة المقبولة المأمور بها، فإن استفهام الإنكار إما بمعنى النفي إذا قابل الإخبار، وإما بمعنى الذم والنهي إذا قابل الإنشاء، وهذا من هذا، ومثله قوله تعالى: { فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا }، الآية، بين أن التوبة بعد رؤية البأس لا تنفع، وأن هذه سنة الله التي قد خلت في عباده كفرعون وغيره، وفي الحديث: { إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر }، وروي: { ما لم يعاين }، وقد ثبت في الصحيحين، أنه ﷺ عرض على عمه التوحيد في مرضه الذي مات فيه، وقد عاد يهوديا كان يخدمه، فعرض عليه الإسلام فأسلم، فقال: { الحمد لله الذي أنقذه بي من النار ثم قال لأصحابه: آووا أخاكم }، ومما يبين أن المغفرة العامة في الزمر هي للتائبين، أنه قال في سورة النساء: { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء }، فقيد المغفرة بما دون الشرك، وعلقها على المشيئة، وهناك أطلق وعمم، فدل هذا التقييد والتعليق على أن هذا في حق غير التائب، ولهذا استدل أهل السنة بهذه الآية على جواز المغفرة لأهل الكبائر في الجملة خلافا لمن أوجب نفوذ الوعيد بهم من الخوارج والمعتزلة، وإن كان المخالفون لهم قد أسرف فريق منهم من المرجئة حتى توقفوا في لحوق الوعيد بأحد من أهل القبلة، كما يذكر عن غلاتهم أنهم نفوه مطلقا، ودين الله وسط بين الغالي فيه، والجافي عنه، نصوص الكتاب والسنة مع اتفاق سلف الأمة وأئمتها متطابقة على أن من أهل الكبائر من يعذب، وأنه لا يبقى في النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان .