الرئيسيةبحث

إرشاد الفحول - الجزء الثالث

ارشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول

الإمام الشوكاني



الفصل الأول في تعريفه

وهو في اللغة تقدير شيء على مثال شيء آخر وتسويته به ولذلك سمي المكيال مقياساً وما يقدر به النعال مقياساً ويقال فلان لا يقاس بفلان أي لا يساويه وقيل هو مصدر قست الشيء إذا اعتبرته أقيسه قيساً وقياساً ومنه قيس الرأي وسمي امرؤ القيس لاعتبار الأمور برأيه. وذكر صاحب الصحاح و ابن أبي البقاء فيه لغة بضم القاف يقال قسته أقوسه قوساً هو على اللغة الأولى من ذوات الياء وعلى اللغة الثانية من ذوات الواو. وفي الاصطلاح حمل معلوم على علوم في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما بأمر جامع بينهما من حكم أو صفة كذا قال القاضي أبو بكر الباقلاني قال في المحصول . واختاره جمهور المحققين منا ، وإنما قال معلوم ليتناول الموجود والمعدوم فإن القياس يجري فيهما جميعاً . واعترض عليه بأنه إن أريد بحمل أحد المعلومين على الآخر إثبات مثل حكم أحدهما للآخر فقوله بعد ذلك في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما إعادة لذلك فيكون تكراراً من غير فائدة. واعترض عليه أيضاً بأن قوله في إثبات حكم لهما مشعر بأن الحكم في الأصل والفرع ثبت بالقياس وهو باطل فإن المعتبر في ماهية القياس إثبات مثل حكم معلوم لمعلوم آخر بأمر جامع ، واعترض عليه بأن إثبات لفظ أو في الحد للإبهام وهو ينافي التعيين الذي هو مقصود الحد ، وقال جماعة من المحققين أنه مساواة فرع لأصل في علة الحكم أو زيادة عليه في المعنى المعتبر في الحكم وقال أبو الحسين البصري وهو تحصيل حكم الأصل في الفرع لاشتباههما في علة الحكم عند المجتهد، وقيل إدراج خصوص في عموم ، وقيل إلحاق المسكوت عنه بالمنطوق به ، وقيل إلحاق المختلف فيه بالمتفق عليه ، وقيل استنباط الخفي من الجلي ، وقيل حمل الفرع على الأصل ببعض أوصاف الأصل ، وقيل حمل الشيء على غيره وإجراء أحدهما على الآخر ، وقيل بذل الجهد في طلب الحق ، وقيل حمل الشيء على غيره وإجراء حكمه عليه ، وقيل حمل الشيء على الشيء في بعض أحكامه بضرب من الشبه وعلى كل حد من هذه الحدود اعتراضات يطول الكلام بذكرها ، وأحسن ما يقال في حده استخراج مثل حكم المذكور لما لم يذكر بجامع بينهما فتأمل هذا تجده صواباً إن شاء الله ، وقال إمام الحرمين يتعذر الحد الحقيقي في القياس لاشتماله على حقائق مختلفة كالحكم فإنه قديم والفرع والأصل فإنهما حادثان والجامع فإنه علة ووافقه ابن المنير على ذلك ، وقال ابن الأنباري الحقيقي إنما يتصور فيما يتركب من الجنس والفصل ولا يتصور ذلك في القياس . قال الأستاذ أبو إسحاق اختلف أصحابنا فيما وضع له اسم القياس على قولين . أحدهما أنه استدلال المجتهد وفكرة المستنبط . والثاني أنه المعنى الذي يدل على الحكم في أصل الشيء وفرعه قال وهذا هو الصحيح انتهى . واختلفوا في موضوع القياس قال الروياني وموضوعه طلب أحكام الفروع المسكوت عنها من الأصول المنصوصة بالعلل المستنبطة من معانيها ليلحق كل فرع بأصله . وقيل غير ذلك مما هو دون ما ذكرناه .ب المصير إليه وإن لم يعلم ذلك بل جوز فقد وجب المصير إلى ظاهر الخبر وهذا مسلم إذا حصل العلم بذلك . وأما إذا ترك الصحابي العمل بما رواه بالكلية فقد قدمنا الكلام عليه في الشروط التي ترجع إلى مدلول الخبر ولا وجه لما قيل من أنه قد اطلع على ناسخ لذلك الخبر الذي رواه لأنا لم نتعبد بمجرد هذا الاحتمال وأيضاً فربما ظن أنه منسوخ ولم يكن كذلك .


الفصل الثاني في حجة القياس

إعلم أنه قد وقع الاتفاق على أنه حجة في الأمور الدنيوية . قال الفخر الرازي كما في الأدوية والأغذية وكذلك اتفقوا على حجية القياس الصادر منه ضصض وإنما وقع الخلاف في القياس الشرعي فذهب الجمهور من الصحابة والتابعين والفقهاء والمتكلمين إلى أنه أصل من أصول الشريعة يستدل به على الأحكام التي يرد بها السمع . قال في المحصول اختلف الناس في القياس الشرعي فقالت طائفة العقل يقتضي جواز التعبد به في الجملة وقالت طائفة العقل يقتضي المنع من التعبد به والأولون قسمان منهم من قال وقع التعبد به ومنهم من قال لم يقع .

أما من اعترف بوقوع التعبد به فقد اتفقوا على أن السمع دال عليه ثم اختلفوا في ثلاثة مواضع : الأول أنه هل في العقل ما يدل عليه فقال القفال منا و أبو الحسين البصري من المعتزلة العقل يدل على وجوب العمل به وأما الباقون منا ومن المعتزلة فقد أنكروا ذلك . والثاني أن أبا الحسين البصري زعم أن دلالة الدلائل السمعية عليه ظنية والباقون قالوا قطعية . والثالث أن القاساني والنهرواني ذهبا إلى العمل بالقياس في صورتين : إحداهما إذا كانت العلة منصوصة بصريح اللفظ أو بإيمائه. والصورة الثانية كقياس تحريم الضرب على تحريم التأفيف . وأما جمهور العلماء فقد قالوا بسائر الأقسية .


وأما القائلون بأن التعبد لم يقع به فمنهم من قال لم يوجد في السمع ما يدل على وقوع التعبد به فوجب الامتناع من العمل به . ومنهم من لم يقنع بذلك بل تمسك في نفيه بالكتاب والسنة وإجماع الصحابة وإجماع العترة ، وأما القسم الثاني : وهم الذين قالوا بأن العقل يقتضي المنع من التعبد به فهم فريقان . أحدهما خصص ذلك المنع بشرعنا وقال لأن مبنى شرعنا الجمع بين المختلفات والفرق بين المتماثلات وذلك يمنع من القياس وهو قول النظام ، والفريق الثاني : الذين قالوا يمتنع ورود التعبد به في كل الشرائع انتهى .

قال الأستاذ أبو منصور : المثبتون للقياس اختلفوا فيه على أربعة مذاهب . أحدهما ثبوته في العقليات والشرعيات وهو قول أصحابنا من الفقهاء والمتكلمين وأكثر المعتزلة . والثاني في العقليات دون الشرعيات وبه قال جماعة من أهل الظاهر . والثالث نفيه في العلوم العقلية وثبوته في الأحكام الشرعية التي ليس فيها نص ولا إجماع وبه قال طائفة من القائلين بأن المعارف ضرورية والرابع نفيه في العقليات والشرعيات . وبه قال أبو بكر بن داود الأصفهاني انتهى . والمثبتون له اختلفوا أيضاً ، قال الأكثرون هو دليل بالشرع . وقال القفال وأبو الحسين البصري هو دليل بالعقل والأدلة السمعية وردت مؤكدة له . وقال الدقاق يجب العمل به بالعقل والشرع وجزم به ابن قدامة في الروضة وجعله مذهب أحمد بن حنبل لقوله لايستغني أحد عن القياس قال وذهب أهل الظاهر والنظام إلى امتناعه عقلاً وشرعاً وإليه ميل أحمد بن حنبل لقوله يجتنب المتكلم في الفقه المجمل والقياس وقد تأوله القاضي أبو يعلى على ما إذا كان القياس مع وجود النص لأنه حينئذ يكون فاسد الاعتبار . ثم اختلف القائلون به أيضاً اختلافاً آخر وهو دلالة السمع عليه قطعية أو ظنية ؟ فذهب الأكثرون إلى الأول وذهب أبو الحسين والآمدي إلى الثاني .

وأما المنكرون للقياس ، فأول من باح بإنكار النظام وتابعه قوم من المعتزلة كجعفر بن حرب وجعفر بن حبشة ومحمد بن عبدالله الاسكافي وتابعهم على نفيه في الأحكام داود الظاهري . قال أبو القاسم البغدادي فيما حكاه عنه ابن عبد البر في كتاب جامع العلم ما علمت أحداً سبق النظام إلى القول بنفي القياس . قال ابن عبد البر في كتاب جامع العلم أيضاً لاخلاف بين فقهاء الأمصار وسائر أهل السنة في نفي القياس في التوحيد وإثباته في الأحكام إلا داود فإنه نفاه فيهما جميعاً . قال ومنهم من أثبته في التوحيد و نفاه في الأحكام ، وحكى القاضي أبو الطيب الطبري عن داود النهرواني والمغربي والقاساني أن القياس محرم بالشرع . قال الأستاذ أبو منصور أما داود فزعم أنه لا حادثة إلا وفيها حكم منصوص عليه في القرآن أو السنة أو معدول عنه بفحوى النص ودليله وذلك يغنى عن القياس . قال ابن القطان ذهب داود وأتباعه إلى أن القياس في دين الله باطل ولا يجوز القول به . قال ابن حزم في الأحكام ذهب أهل الظاهر إلى إبطال القول بالقياس جملة وهو قولنا الذي ندين الله به والقول بالعلل باطل انتهى . والحاصل أن داود الظاهري وأتباعه لايقولون بالقياس ولو كانت العلة منصوصة . ونقل القاضي أبو بكر والغزالي عن القاساني والنهرواني القول به فيما كانت العلة منصوصة . وقد استدل المانعون من القياس بأدلة عقلية ونقلية ولا حاجة لهم إلى الاستدلال . فالقيام في مقام المنع يكفيهم وإيراد الدليل على القائلين به وقد جاؤوا بأدلة عقلية لا تقوم بها الحجة فلا نطول البحث بذكرها وجاءوا بأدلة نقلية فقالوا دل على ثبوت التعبد بالقياس الشرعي الكتاب والسنة والإجماع .

أما الكتاب ، فقوله تعالى : فاعتبروا يا أولي الأبصار ووجه الاستدلال بهذه الآية أن الاعتبار مشتق من العبور وهو المجاوزة يقال عبرت على النهر والمعبر الموضع الذي يعبر عليه والمعبر السفينة التي يعبر فيها أداة العبور والعبرة الدمعة التي عبرت من الجفن وعبر الرؤيا جاوزها إلى ما يلازمها قالوا فثبت بهذه الاستعمالات أن الاعتبار حقيقة في المجاوزة فوجب أن لا يكون حقيقة في غيرها دفعاً للاشتراك والقياس عبور من حكم الأصل إلى حكم الفرع فكان داخلاً تحت الأمر . قال في المحصول فإن قيل لا نسلم أن الاعتبار هو المجاوزة فقط بل هو عبارة عن الألفاظ بوجوه : الأول أنه لا يقال لمن يستعمل القياس العقلي إنه معتبر . الثاني أن المتقدم في إثبات الحكم من طريق القياس إذا لم يفكر في أمر معاده يقال إنه غير معتبر أو قليل الاعتبار . الثالث قوله تعالى : إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار وإن لكم في الأنعام لعبرة والمراد الأتعاظ . الرابع يقال السعيد من اعتبر بغيره والأصل في الكلام الحقيقة فهذه الأدلة تدل على أن الاعتبار حقيقة في الألفاظ لا في المجاوزة فحصل التعارض بين ما قلتم وما قلنا فعليكم بالترجيح معنا ، فإن الفهم أسبق إلى ما ذكرناه سلمنا أن ما ذكرتموه حقيقة لكن شرط حمل اللفظ على الحقيقة أن لا يكون هناك ما يمنع فإنه لو قال يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فقيسوا الذرة على البركان ذلك ركيكاً لا يليق بالشرع وإذا كان كذلك ثبت أنه وجد ما يمنع من حمل اللفظ على حقيقة ، سلمنا أنه لا مانع من حمله على المجاوزة لكن لا نسلم أن الأمر بالمجاوزة أمر بالقياس الشرعي بيانه أن كل من تمسك بدليل على مدلوله فقد عبر من الدليل إلى المدلول فمسمى الاعتبار مشترك فيه بين الاستدلال بالدليل العقلي القاطع وبالنص وبالبراءة الأصلية وبالقياس من الشرع وكل واحد من هذه الأنواع يخالفه الآخر بخصوصيته وما به الاشتراك غير دال على ما به الامتياز لا بلفظه ولا بمعناه فلا يكون دالاً على النوع الذي ليس إلا عبارة من مجموع جهة الاشتراك . قال وأيضاً فنحن نوجب اعتبارات أخر : الأول إذا نص الشارع على علة الحكم فهاهنا القياس عندنا واجب ، والثاني قياس تحريم الضرب على تحريم التأفيف ، والثالث الأقيسة في الأمور الدنيا فإن العمل بها عندنا واجب ، والرابع أن يشبه الفرع بالأصل في أن لا نستفيد حكمه إلا من النص ، والخامس الاتعاظ والانزجار بالقصص والأمثال فثبت بما تقدم أن الآتي بفرد من أفراد ما يسمى اعتباراً يكون خارجاً عن عهدة هذا الأمر وثبت أن بيانه في صور كثيرة فلا يبقى فيه دلالة ألبته على الأمر بالقياس الشرعي . ثم قلنا جعله حقيقة في المجاوزة أولى لوجهين : الأول أنه يقال فلان اعتبر فاتعظ فيجعلون الاتعاظ معلول الاعتبار وذلك يوجب التغاير . الثاني أن معنى المجاوزة حاصل في الاتعاظ فإن الانسان ما لم يستدل بشيء آخر على حال نفسه لا يكون متعظاً ثم أطال في تقرير هذا بما لا طائل تحته .

ويجاب عن الوجه الأول بالمعارضة فإنه يقال فلان قاس هذا على هذا فاعتبر، والجواب الجواب . ويجاب عن الثاني بمنع وجود معنى المجاوزة في الاتعاظ فإن من نظر في شيء من المخلوقات فاتعظ به لا يقال فيه متصف بالمجاوزة لا لغة ولا شرعاً ولا عقلاً وأيضاً يمنع وجود المجاوزة في القياس الشرعي وليس ما يفيد ذلك البتة ولو كان القياس مأموراً به في هذه الآية لكونه فيه معنى الاعتبار لكان كل اعتبار أو عبور مأموراً به واللازم باطل والملزوم مثله . وبيانه أنه لم يقل أحد من المتشرعين ولا من العقلاء إنه يجب على الإنسان أن يعبر من هذا المكان إلى هذا المكان أو يجري دمع عينه أو يعبر رؤيا الرائي مع أن هذه الأمور أدخل في معنى العبور والاعتبار من القياس الشرعي . والحاصل أن هذه الآية لا تدل على القياس الشرعي لا بمطابقة ولا تضمن ولا التزام ومن أطال الكلام في الاستدلال بها على ذلك فقد شغل الحيز بما لا طائل تحته .

واستدل الشافعي في الرسالة على إثبات القياس بقوله تعالى : فجزاء مثل ما قتل من النعم قال فهذا تمثيل الشيء يعدله، وقال يحكم به ذوا عدل منكم وأوجب المثل ولم يقل أي مثل فوكل ذلك إلى اجتهادنا ورأينا وأمر بالتوجه إلى القبلة بالاستدلال وقال وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره انتهى . ولا يخفاك أن غاية ما في آية الجزاء هو المجيء بمثل ذلك الصيد وكونه مثلاً له موكول إلى العدلين ومفوض إلى اجتهادهما وليس في هذا دليل على القياس الذي هو إلحاق فرع بأصل العلة جامعة وكذلك الأمر بالتوجه إلى القبلة فليس فيه إلا إيجاب تحري الصواب في أمرها وليس ذلك من القياس في شيء .

واستدل ابن سريج على إثبات القياس بقوله تعالى ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم قالوا أولوا الأمر هم العلماء والاستنباط هو القياس . ويجاب عنه بأن الاستنباط هو استخراج الدليل على المدلول بالنظر فيما يفيده من العموم أو الخصوص أو الإطلاق أو التقيد أو الاجمال أو التبيين في نفس النصوص أو نحو ذلك مما يكون طريقاً إلى استخراج الدليل منه . ولو سلمنا اندراج القياس تحت مسمى الاستنباط لكان ذلك مخصوصاً بالقياس المنصوص على علته وقياس الفحوى ونحوه لا بما ملحقاً بمسلك من مسالك العلة التي هي محض رأي لم يدل عليها دليل من الشرع فإن ذلك ليس من الاستنباط من الشرع بما أذن الله له بل من الاستنباط بما لم يأذن الله به .

واستدل أيضاً بقوله إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها الآية قال لأن القياس تشبيه الشيء فما جاز من فعل من لا يخفى عليه خافية فهو ممن لا يخلو من الجهالة والنقص أجوز وذلك من فعل من لا يخفى عليه خافية لأننا نعلم أنه صحيح من فعل لا يخلو من الجهالة والنقص لأنا لا نقطع بصحته بل ولا نظن ذلك لما في فاعله من الجهالة والنقص .

واستدل غيره بقوله تعالى: قال من يحيي العظام وهي رميم * قل يحييها الذي أنشأها أول مرة ويجاب عنه بمنع كون هذه الآية تدل على المطلوب لا بمطابقة ولا تضمن ولا التزام وغاية ما فيها الاستدلال بالأثر اللاحق وكون المؤثر فيهما واحداً وذلك غير القياس الشرعي الذي هو إدراج فرع تحت أصل لعلة جامعة بينهما .

واستدل ابن تيمية على ذلك بقوله تعالى : إن الله يأمر بالعدل والإحسان وتقريره أن العدل هو التسوية والقياس هو التسوية بين مثلين في الحكم فيتناوله عموم الآية . ويجاب عنه بمنع كون الآية دليلاً على المطلوب بوجه من الوجوه ولو سلمنا لكان ذلك في الأقيسة التي قام الدليل على نفي الفارق فيها فإنه لا تسوية إلا في الأمور المتوازنة ولا توازن إلا عند القطع بنفي الفارق لا في الأقيسة التي هي شعبة من شعب الرأي ونوع من أنواع الظنون الزائفة وخصلة من خصال الخيالات المختلة.

وإذا عرفت الكلام على ما استدلوا به من الكتاب العزيز لإثبات القياس فاعلم أنهم قد استدلوا لإثباته من السنة بقوله ضصض فيما أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وغيرهم من حديث الحارث بن عمرو بن أخي المغيرة بن شعبة قال حدثنا ناس من أصحاب معاذ عن معاذ قال لما بعثه النبي ضصض إلى اليمن قال كيف تقضي إذا عرض لك قضاء قال أقضي بكتاب الله قال فإن لم تجد في كتاب الله قال فبسنة رسول الله ضصض قال فإن لم تجد في سنة رسول الله ضصض ولا في كتاب الله قال اجتهد رأيي ولا آلو قال فضرب رسول الله ضصض صدره وقال الحمد الله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضاه رسول الله والكلام في إسناد هذا الحديث يطول وقد قيل إنه مما تلقى بالقبول . وأجيب عنه بأن اجتهاد الرأي هو عبارة عن استفراغ الجهد في الطلب للحكم من النصوص الخفية ورد بأنه إنما قال أجتهد رأيي بعد عدم وجوده لذلك الحكم في الكتاب والسنة وما دلت عليه النصوص الخفية لا يجوز أن يقال أنه غير موجود في الكتاب والسنة . وأجيب عن هذا الرد بأن القياس عند القائلين به مفهوم من الكتاب والسنة فلا بد من حمل الاجتهاد في الرأي على ما عدا القياس فلا يكون الحديث حجة لإثبات واجتهاد الرأي كما يكون باستخراج الدليل من الكتاب والسنة ويكون بالتمسك بالبراءة الأصلية أو بأصالة الإباحة في الأشياء أو في الخطر على اختلاف الأقوال في ذلك أو التمسك بالمصالح أو التمسك بالاحتياط وعلى تسليم دخول القياس في اجتهاد الرأي فليس المراد كل قياس بل المراد القياسات التي يسوغ العمل بها والرجوع إليها كالقياس الذي علته منصوصة والقياس الذي قطع فيه بنفي الفارق في الدليل الذي يدل على الأخذ بتلك القياسات المبنية على تلك المسالك التي ليس فيها إلا مجرد الخيالات المختلفة والشبه الباطلة . وأيضاً فعلى التسليم لا دلالة للحديث إلا على العمل بالقياس في أيام النبوة لأن الشريعة إذ ذاك لم تكمل فيمكن عدم وجدان الدليل في الكتاب والسنة وأما بعد النبوة فقد كمل الشرع لقوله : اليوم أكملت لكم دينكم ولا معنى للإكمال إلا وفاء النصوص بما يحتاج إليه أهل الشرع إما بالنص على كل فرد أو باندراج ما يحتاج إليه تحت العمومات الشاملة . ومما يؤيد ذلك قوله تعالى : ما فرطنا في الكتاب من شيء وقوله ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين .

واستدلوا أيضاً بما ثبت عن النبي ضصض من القياسات كقوله أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أكان يجزئ عنه ؟ قالت نعم قال فدين الله أحق أن يقضي . وقوله لرجل سأله فقال أيقضي أحدنا شهوته ويؤجر عليها فقال أرأيت لو وضعها في الحرام أكان عليه وزر قال نعم قال فكذلك إذا وضعها في حلال كان له أجر وقال لمن أنكر ولده الذي جاءت به امرأته أسود هل لك من أبل قال نعم قال فما ألوانها قال حمر قال فهل فيها من أورق قال نعم قال فمن اين قال لعله نزعه عرق قال وهذا لعله نزعه عرق وقال لعمر وقد قبل امرأته وهو صائم أرأيت لو تمضمضت بماء وقال يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب وهذه الأحاديث ثابتة في دواوين الإسلام وقد وقع منه ضصض قياسات كثيرة حتى صنف الناصح الحنبلي جزءاً في أقيسته ضصض ويجاب عن ذلك بأن هذه الأقيسة صادرة عن الشارع المعصوم الذي يقول الله سبحانه فيما جاءنا به عنه إن هو إلا وحي يوحى ويقول في وجوب اتباعه وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا وذلك خارج عن محل النزاع فإن القياس الذي كلامنا فيه هو قياس من لم يثبت له العصمة ولا وجب اتباعه ولا كان كلامه وحياً بل من جهة نفسه الأمارة وبعقله المغلوب بالخطأ وقد قدمنا أنه قد وقع الاتفاق على قيام الحجة بالقياسات الصادرة عنه ضصض.

واستدلوا أيضاً بإجماع الصحابة على القياس . قال ابن عقيل الحنبلي وقد بلغ التواتر المعنوي عن الصحابة باستعماله وهو قطعي وقال الصفي الهندي دليل الإجماع هو المعول عليه لجماهير المحققين من الأصوليين وقال الرازي في المحصول مسلك الإجماع هو الذي عول جمهور الأصوليين وقال ابن دقيق العيد عندي أن المعتمد اشتهار العمل بالقياس في أقطار الأرض شرقاً وغرباً قرناً بعد قرن عند جمهور الأمة إلا عند شذوذ متأخرين قال وهذا أقوى الأدلة . ويجاب عنه بمنع ثبوت هذا الإجماع فإن المحتجين بذلك إنما جاؤونا بروايات عن أفراد من الصحابة محصورين في غاية القلة فكيف يكون ذلك إجماعاً لجميعهم مع تفرقهم في الأقطار واختلافهم في كثير من المسائل ورد بعضهم على بعض وإنكار بعضهم لما قاله البعض كما ذلك معروف . وبيانه أنهم اختلفوا في الجد مع الاخوة على أقوال معروفة وإنكار بعضهم على بعض وكذلك اختلفوا في مسألة زوج وأم وإخوة لأم وإخوة لأب وأم وأنكر بعضهم على بعض وكذلك اختلفوا في مسألة الخلع وهكذا وقع الانكار من جماعة من الصحابة على من عمل بالرأي منهم والقياس إن كان منه فظاهر وإن لم يكن منه فقد أنكره كما في هذه المسائل التي ذكرناها ولو سلمنا لكان ذلك الإجماع إنما هو على القياسات التي وقع النص على علتها والتي قطع فيها بنفي الفارق فما الدليل على أنهم قالوا بجميع أنواع القياس الذي اعتبره كثير من الأصوليين أثبتوه بمسالك تنقطع فيها أعناق الإبل وتسافر فيها الأذهان حتى تبلغ إلى ما ليس بشيء وتتغلغل فيها العقول حتى تأتي بما ليس من الشرع في ورد ولا صدر ولا من الشريعة السمحة السهلة في قبيل ولا دبير وقد صح عنه ضصض أنه قال : تركتكم على الواضحة ليلها كنهارها . وجاءت نصوص الكتاب العزيز بما قدمنا من إكمال الدين وبما يفيد هذا المعنى ويصحح دلالته ويؤيد براهينه . وإذا عرفت ما حررناه وتقرر لديك جميع ما قررناه فاعلم أن القياس المأخوذ به هو ما وقع النص على علته وما قطع فيه بنفي الفارق وما كان من باب فحوى الخطاب أو لحن الخطاب على إصطلاح من يسمى ذلك قياساً وقد قدمنا أنه من مفهوم الموافقة .

ثم اعلم أن نفاة القياس لم يقولوا بإهدار كل ما يسمى قياساً وإن كان منصوصا على علته أو مقطوعاً فيه بنفي الفارق بل جعلوا هذا النوع من القياس مدلولاً عليه بدليل الأصل مشمولاً به مندرجاً تحته وبهذا يهون عليك الخطب ويصغر عندك ما استعظموه ويقرب لديك ما بعدوه لأن الخلاف في هذا النوع الخاص صار لفظياً وهو من حيث المعنى متفق على الأخذ به والعمل عليه واختلاف طريقة العمل لا يستلزم الاختلاف المعنوي لا عقلاً ولا شرعاً ولا عرفاً وقد قدمنا لك أن ما جاءوا به من الأدلة العقلية لا تقوم الحجة بشيء منها ولا تستحق تطويل ذيول البحث بذكرها . وبيان ذلك أن أنهض ما قالوه في ذلك أن النصوص لا تفي بالأحكام فإنها متناهية والحوادث غير متناهية . ويجاب عن هذا بما قدمنا من أخباره عز وجل لهذه الأمة بأنه قد أكمل لها دينها وبما اخبرها رسوله ضصض من أنه قد تركها على الواضحة التي ليلها كنهارها .

ثم لا يخفى على ذي لب صحيح وفهم صالح أن في عمومات الكتاب والسنة ومطلقاتهما وخصوص نصوصهما ما يفي بكل حادثة تحدث ويقوم بيان كل نازلة تنزل عرف ذلك من عرفه وجهله من جهله.ب المصير إليه وإن لم يعلم ذلك بل جوز فقد وجب المصير إلى ظاهر الخبر وهذا مسلم إذا حصل العلم بذلك . وأما إذا ترك الصحابي العمل بما رواه بالكلية فقد قدمنا الكلام عليه في الشروط التي ترجع إلى مدلول الخبر ولا وجه لما قيل من أنه قد اطلع على ناسخ لذلك الخبر الذي رواه لأنا لم نتعبد بمجرد هذا الاحتمال وأيضاً فربما ظن أنه منسوخ ولم يكن كذلك .


الفصل الثالث في أركان القياس

وهي أربعة : الأصل والفرع والعلة والحكم ، ولا بد من هذه الأربعة الأركان في كل قياس ومنهم من ترك التصريح بالحكم وذهب الجمهور إلى أنه لا يصح القياس إلا بعد التصريح به قال ابن السمعاني ذهب بعضهم إلى جواز القياس بغير أصل قال وهو من خلط الاجتهاد بالقياس والصحيح أنه لا بد من أصل لفروع لا تتفرع إلا عن أصول انتهى .

والأصل يطلق على أمور : منها ما يقتضي العلم بغيره . ومنها ما لا يصح العلم بالمعنى إلا به . ومنها الذي يعتبر به ما سواه . ومنها الذي يقع القياس عليه وهو المراد هنا وقد وقع الخلاف فيه فقيل هو النص الدال على ثبوت الحكم في محل الوفاق وبه قال القاضي أبو بكر والمعتزلة وقال الفقهاء هو محل الحكم المشبه به . قال ابن السمعاني وهذا هو الصحيح قال الفخر الرازي الأصل هو الحكم الثابت في محل الوفاق باعتبار تفرع العلة عليه وقال جماعة منهم ابن برهان إن هذا النزاع لفظي يرجع إلى الاصطلاح فلا مشاحة فيه أو إلى اللغة فهي تجوز إطلاقه على ما ذكر وقيل بل يرجع إلى تحقيق المراد بالأصل وهو يطلق تارة على الغالب وتارة على الوضع اللغوي كقولهم الأصل عدم الاشتراك وتارة على إرادة التعبد الذي لا يعقل معناه كقولهم خروج النجاسة من محل وإيجاب الطهارة في محل آخر على خلاف الأصل . قال الآمدي يطلق الأصل على ما يتفرع عليه غيره وعلى ما يعرف بنفسه ولم يبين عليه غيره كقولنا تحريم الربا في النقدين أصل وهذا منشأ الخلاف في أن الأصل تحريم النبيذ أو النص أو الحكم قال واتفقوا على ان العلة ليست أصلاً انتهى .

وعلى الجملة إن الفقهاء يسمون محل الوفاق أصلاً ومحل الخلاف فرعاً ولا مشاحة في الاصطلاحات ولا يتعلق بتطويل البحث في هذا كثير فائدة فالأصل هو المشبه به ولا يكون ذلك إلا لمحل الحكم لا لنفس الحكم ولا لدليله ، والفرع هو المشبه لا لحكمه والعلة هي الوصف الجامع بين الأصل والفرع ، والحكم هو ثمرة القياس والمراد به ما ثبت للفرع بعد ثبوته لأصله ولا يكون القياس صحيحا إلا بشروط إثني عشر لا بد من اعتبارها في الأصل .

الأول : أن يكون الحكم الذي أريد تعديته إلى الفرع ثابتا في الأصل فإنه لو لم يكن ثابتاً فيه بأن لم يشرع فيه حكم ابتداء أو شرع ونسخ لم يمكن بناء الفرع عليه.

الثاني: ان يكون الحكم في الأصل شرعياً فلو كان عقلياً أو لغوياً لم يصح القياس عليه لأن بحثنا إنما هو في القياس الشرعي. واختلفوا هل يثبت القياس على النفس الأصلي وهو ما كان قبل الشرع فمن قال إن نفي الحكم الشرعي جوز القياس عليه ، ومن قال إنه ليس بحكم شرعي لم يجوز القياس عليه .

الثالث: أن يكون الطريق إلى معرفته سمعية لأن ما لم تكن طريقة سمعية لا يكون حكماً شرعياً وهذا من ينفي التحسين والتقبيح العقليين لا عند من يثبتهما.

الرابع: أن يكون الحكم ثابتاً بالنص وهو الكتاب أو السنة وهل يجوز القياس على الحكم الثابت بمفهوم الموافقة أو المخالفة . قال الزركشي لم يتعرضوا له ويتجه أن يقال أن قلنا أن حكمهما النطق فواضح وأن قلنا كالقياس فيلتحقان به انتهى . والظاهر أنه يجوز القياس عليهما عند من أثبتهما لأنه يثبت بهما الأحكام الشرعية كما يثبتهما بالمنطوق . وأما ما ثبت بالإجماع ففيه وجهان . وقال الشيخ أبو اسحاق الشيرازي وابن السمعاني اصحهما الجواز ، وحكاه ابن برهان عن جمهور أصحاب الشافعي . والثاني عدم الجواز ما لم يعرف النص الذي أجمعوا لأجله . قال ابن السمعاني وهذا ليس بصحيح لأن الاجماع أصل في إثبات الأحكام كالنص فإذا جاز القياس على الثابت بالنص جاز علىالثابت بالإجماع.

الخامس: أن لا يكون اصل المقيس عليه فرعاً لأصل آخر وإليه ذهب الجمهور وخالف في ذلك بعض الحنابلة والمعتزلة فأجازوه ، واحتج الجمهور على المنع بأن العلة الجامعة بين القياسين إن اتحدت كان ذكر الأصل الثاني تطويلاً بلا فائده فيستغني عنه بقياس الفرع الثاني على الأصل الأول وإن لم ينعقد القياس الثاني بعدم اشتراك الأصل والفرع في علة الحكم . وقسم الشيخ أبو إسحاق الشيرازي هذه المسألة إلى قسمين : أحدهما أن يستنبط من الثابت بالقياس نفس المعنى الذي ثبت به ويقاس عليه غيره قال وهذا لا خلاف في جوازه . والثاني أن يستنبط منه معنى غير المعنى الذي قيس به على غيره ويقاس غيره عليه قال وهذا فيه وجهان : أحدهما وبه قال أبو عبد الله البصري الجواز . الثاني وبه قال الكرخي المنع وهو الذي يصح الآن لأنه يؤدي إلى اثبات حكم في الفرع بغير علة الأصل وذلك لا يجوز وكذا صححه في القواطع ولم يذكر الغزالي غيره .

السادس : أن لا يكون دليل حكم الأصل شاملاً له خرج عن كونه فرعاً وكان القياس ضائعاً لخلوه عن الفائدة بالاستغناء عنه بدليل الأصل ولأنه ليكون جعل أحدهما أصلاً والآخر فرعاً أولى من العكس .

السابع : أن يكون الحكم في الأصل متفقاً عليه لأنه لو كان مختلفاً فيه احتيج إلى إثباته أولاً وجوز جماعة القياس على الأصل المختلف فيه لأن القياس في نفسه لا يشترط الإتفاق عليه في جواز التمسك به فسقوط ذلك في ركن من أركانه أولى . واختلفوا في كيفية الإتفاق على الأصل فشرط بعضهم أن يتفق الخصمان فقط لينضبط فائدة المناظرة . وشرط آخرون أن يتفق عليه الأمة . قال الزركشي والصحيح الأول واختار في المنتهى أن المعترض إن كان مقلداً لم يشترط الإجماع إذ ليس له منع ما ثبت مذهباً له وإن كان مجتهداً اشترط الإجماع لأنه ليس مقتدياً بإمام فإذا لم يكن الحكم مجمعاً عليه ولا منصوصاً عليه جاز أن يمنعه .

الثامن : أن لا يكون حكم الأصل ذا قياس مركب وذلك إذا اتفقا على إثبات الحكم في الأصل ولكنه معلل عند أحدهما بعلة أخرى يصلح كل منهما أن يكون علة وهذا يقال له مركب الأصل لاختلافهم في نفس الوصف أو لكن منع أحدهما وجودها في الفرع وهذا يقال له مركب الوصف لاختلافهم في نفس الوصف هل له وجود في الأصل أم لا وكلام الصفي الهندي يقتضي تخصيص القياس المركب بالأول وخالفه الآمدي وابن الحاجب وغيرهما فجعلوه متناولاً للقسمين وقد اختلف في اعتبار هذا الشرط والجمهور على اعتبار وخالفهم جماعة فلم يعتبروه وقد طول الأصوليون الكلام على هذا الشرط بما لا طائل تحته .

التاسع : أن لا نكون متعبدين في ذلك الحكم بالقطع فان تعبدنا فيه بالقطع لم يجز فيه القياس لأنه لا يفيد إلا الظن وقد ضعف ابن النباري القول بالمنع وقال بل مع تعبدنا فيه بالعلم جاز أن يثبت بالقياس الذي يفيده وقد قسم المحققون القياس إلى ما يفيد العلم وإلى ما لا يفيده وقال ابن دقيق العيد في شرح العنوان لعل هذا الشرط مبني على أن دليل الأصل وإن كان قطعياً وعلمنا العلة ووجودها في الفرع قطعاً فنفس الإلحاق وإثبات مثل حكم الأصل للفرع ليس بقطعي ، وقد تقدم ابن دقيق العيد إلى مثل هذا الفخر الرازي .

العاشر : أن لا يكون معدولاً به عن قاعدة القياس كشهادة خزيمة وعدد الركعات ومقادير الحدود وما يشابه ذلك لأن إثبات للحكم مع منافيه وهذا هو معنى قول الفقهاء الخارج عن القياس عليه ، وممن ذكر هذا الشرط الفخر الرازي والآمدي وابن الحاجب وغيرهم وأطلق ابن برهان أن مذهب أصحاب الشافعي جواز القياس على ما عدل به عن سنن القياس . وأما الحنفية وغيرهم فمنعوه وكذلك منع منه الكرخي بإحدى خلال : إحداها أن يكون ما ورد على خلاف الأصول قد نص على علته . ثانيها أن تكون الأمة مجمعة على تعليل ما ورد به الخبر وإن اختلفوا في علته . ثالثهما أن يكون الحكم الذي ورد به الخبر موافقاً للقياس على بعض الأصول وإن كان مخالفاً للقياس على أصل آخر.

الحادي عشر : أن لا يكون حكم الأصل مغلظاً على خلاف في ذلك .

الثاني عشر : أن لا يكون الحكم في الفرع ثابتاً قبل الأصل لأن الحكم المستفاد متأخر عن المستفاد منه بالضرورة فلو لزم اجتماع النقيضين أو الضدين وهو محال هذا حاصل ما ذكروه من الشروط المعتبرة في الأصل ، وقد ذكر بعض أهل الأصول شروطاً والحق عدم اعتبارها . فمنها أن يكون الأصل قد انعقد الإجماع على أن حكمه معلل ذكر ذلك بشر المريسي والشريف المرتضي . ومنها أن يشرط في الأصل أن لا يكون غير محصور بالعدد ، قال ذلك جماعة وخالفهم الجمهور . ومنها الاتفاق على وجود العلة في الأصل قاله البعض وخالفهم الجمهور.

واعلم أن العلة ركن من أركان القياس كما تقدم فلا يصح بدونها لأنها الجامعة بين الأصل والفرع . قال ابن فورك من الناس من اقتصر على الشبه ومنع القول بالعلة . وقال ابن السمعاني ذهب بعض القياسيين من الحنفية وغيرهم إلى صحة القياس من غير علة إذ لاح بعض الشبه والحق ما ذهب إليه الجمهور من أنها لا بد منها في كل قياس.

وهي في اللغة اسم لما يتغير الشيء بحصوله أخذاً من العلة التي هي المرض لأن تأثيرها في الحكم كتأثير العلة في ذات المريض يقال أعتل فلان إذا حال عن الصحة إلى السقم وقيل إنها مأخوذة من العلل بعد النهل وهو معاودة الشرب مرة بعد مرة لأن المجتهد في استخراجها يعاود النظر مرة بعد مرة ، وأما في الإصطلاح فاختلفوا فيها على أقوال :

الأول : أنها المعرفة للحكم بأن جعلت علماً على الحكم إن وجد المعنى وجد الحكم قاله الصيرفي وأبو زيد من الحنفية وحكاه سليم الرازي في التقريب عن بعض الفقهاء، واختاره صاحب المحصول المنهاج .

الثاني : أنها الموجبة للحكم بذاتها لا يجعل الله وهو قول المعتزلة بناء على قاعدتهم في التحسين والتقبيح العقليين والعلة وصف ذاتي لا يتوقف على جعل جاعل .

الثالث : أنها الموجبة للحكم على معنى أن الشارع جعلها موجبة بذاتها وبه قال الغزالي وسليم الرازي قال الصفي الهندي وهو قريب لا بأس به .

الرابع : أنها الموجبة بالعادة واختاره الفخر الرازي .

الخامس : أنها الباعث على التشريع بمعنى أنه لا بد أن يكون الوصف مشتملاً على مصلحة صالحة لأن تكون مقصودة للشارع من شرع الحكم .

السادس : أنها التي يعلم الله صلاح المتعبدين بالحكم لأجلها وهو اختيار الرازي وابن الحاجب .

السابع : أنها المعنى الذي كان الحكم على ما كان عليه لأجلها وللعلة أسماء تختلف باختلاف الإصطلاحات فيقال لها السبب والأمارة والداعي والمستدعي والباعث والحامل والمناط والدليل والمقتضي والموجب والمؤثر ، وقد ذهب المحققون إلى أنه لا بد من دليل على العلة ومنهم من قال إنها تحتاج إلى دليلين يعلم بأحدهما أنها علة وبالآخر أنها صحيحة ، وقال ابن فورك من أصحابنا من قال يعلم صحة العلة بوجود الحكم بوجودها وارتفاعه بارتفاعها ولها شروط أربعة وعشرون :

الأول : أن تكون مؤثرة في الحكم فإن لم تؤثر فيه لم يجز أن تكون علة هكذا قال جماعة من أهل الأصول ومرادهم بالتأثير المناسبة قال القاضي في التقريب معنى كون العلة مؤثرة في الحكم هو أن يغلب على ظن المجتهد أن الحكم حاصل عند ثبوتها لأجلها دون شيء سواها ، وقيل معناه أنها جالبة للحكم ومقتضية له.

الثاني : أن تكون وصفاً ضابطاً بأن يكون تأثيرها لحكمة مقصودة للشارع لا حكمة مجردة لخفائها فلا يظهر إلحاق غيرها بها ، وهل يجوز كونها نفس الحكم وهي الحاجة إلى جلب مصلحة أو دفع مفسدة قال الرازي في المحصول يجوز وقال غيره يمتنع ، وقال آخرون إن كانت الحكمة ظاهرة منضبطة بنفسها جاز التعليل بها واختاره الآمدي والصفي الهندي واتفقوا على جواز التعليل بالوصف المشتمل عليها أي مظنتها بدلاً عنها ما لم يعارضه قياس .

الثالث : أن تكون ظاهرة جلية والألم يمكن إثبات الحكم بها في الفرع على تقدير أن تكون أخفى منه أو مساوياً له في الخفاء كذا ذكره الآمدي في جدله .

الرابع : أن تكون سالمة بحيث لا يردها نص ولا إجماع .

الخامس : أن لا يعارضها من العلل ما هو أقوى منها ووجه ذلك أن الأقوى أحق بالحكم كما أن النص أحق بالحكم من القياس .

السادس : أن تكون مطرودة أي كلما وجدت وجد الحكم لتسلم من النقض والكسر فإن عارضها نقض أو كسر بطلت .

السابع : أن لا تكون عدماً في الحكم الثبوتي أي لا يعلل الحكم الوجود بالوصف العدمي قاله جماعة وذهب الأكثرون إلى جوازه . قال المانعون لو كان العدم علة للحكم الثبوتي لكان مناسباً أو مظنة واللازم باطل وأجيب بمنع بطلان اللازم .

الثامن : أن لا تكون العلة المعتدية هي المحل أو جزء منه لأن ذلك يمنع من تعديتها .

التاسع : أن ينتفي الحكم بانتفاء العلة والمراد انتفاء العلم أو الظن به إذ لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول .

العاشر : أن تكون أوصافها مسلمة أو مدلولاً عليها ، كذا قال الأستاذ أبو منصور .

الحادي عشر : أن يكون الأصل المقيس عليه معللاً بالعلة التي يعلق عليها الحكم في الفرع بنص أو إجماع .

الثاني عشر : أن لا تكون موجبة للفرع حكماً وللأصل حكماً آخر غيره .

الثالث عشر : أن لا توجب ضدين لأنها حينئذ تكون شاهدة الحكمين متضادين قاله الأستاذ أبو منصور .

الرابع عشر: أن لا يتأخر ثبوتها عن ثبوت حكم الأصل خلافاً لقوم .

الخامس عشر : أن يكون الوصف معيناً لأن رد الفرع إليها لا يصح إلا بهذه الواسطة .

السادس عشر: أن يكون طريق إثباتها شرعياً كالحكم ذكره الآمدي في جدله .

السابع عشر: أن لا يكون وصفاً مقدراً قال الهندي ذهب الأكثرون إلى أنه لا يجوز التعليل بالصفات المقدرة خلافاً للأقلين من المتأخرين .

الثامن عشر: إن كانت مستنبطة فالشرط أن ترجع على الأصل بإبطاله أو أبطال بعضه لئلا يفضي إلى ترك الراجح إلى المرجوح إذ الظن المستفاد من النص أقوى من الظن المستفاد من الاستنباط لأنه فرع له والفرع لا يرجع على إبطال أصله وإلا لزم أن يرجع إلى نفسه بالابطال .

التاسع عشر : إن كانت مستنبطة فلا شرط أن لا تعارض بمعارض مناف موجود في الأصل.

العشرون : إن كانت مستنبطة فالشرط أن لا تتضمن زيادة على النص أي حكماً غير ما أثبته النص .

الحادي والعشرون: أن لا تكون معارضة لعلة أخرى تقتضي نقيض حكمها.

الثاني والعشرون: إذا كان الأصل فيه شرط فلا يجوز أن تكون العلة موجبة لإزالة ذلك الشرط.

الثالث والعشرون: إن لا يكون الدليل الدال عليها متناولاً لحكم الفرع لا بعمومة ولا بخصوصه للاستغناء حينئذ عن القياس .

الرابع والعشرون : أن لا تكون مؤيدة لقياس أصل منصوص عليه بالاثبات على أصل منصوص عليه بالنفي فهذه شروط العلة وقد ذكرت لها شروط غير معتبرة على الأصح منها ما شرطه فيها الحنيفة وأبو عبد الله البصري وهو تعدي العلة من الأصل إلى غيره فلو وقفت على حكم النص لم تؤثر في غيره وهذا يرجع إلى التعليل بالعلة القاصرة وقد وقع الاتفاق على أنها إذا كانت منصوصة أو مجمعاً عليها صح التعليل بها . حكى ذلك القاضي أبو بكر وابن برهان والصفي الهندي وخالفهم القاضي عبد الوهاب فنقل عن قوم أنه لا يصح التعليل بها على الإطلاق سواء كانت منصوصة أو مستنبطة . قال وهذا قول أكثر أهل العراق انتهى . وأما إذ كانت العلة القاصرة مستنبطة فهي محل الخلاف فقال أبو بكر القفال بالمنع . وبمثله قال ابن السمعاني ونقله إمام الحرمين عن الحليمي ، وقال القاضي أبو بكر وجمهور أصحاب الشافعي بالجواز قال القاضي عبد الوهاب : هو قول جميع أصحابنا وأصحاب الشافعي ، وحكاه الآمدي عن أحمد . قال ابن برهان في الوجيز كان الأستاذ أبو أسحاق من الغلاة في تصحيح العلة القاصرة ويقول هي أولى من المتعدية. واحتج بأن وقوفها يقتضي نفي الحكم عن الأصل في النفي كما كان تعديها مؤثراً في الاثبات وهذا احتجاج فاسد واستدلال باطل . ومنها أن يكون وصفها حكماً شرعياً عند قوم لأنه معلول فكيف يكون علة والمختار جواز تعليل الحكم الشرعي بالوصف الشرعي . ومنها أن تكون مستنبطة من اصل مقطوع بحكمه عند قوم والمختار عدم اعتبار ذلك بل يكتفي بالظن . ومنها القطع بوجود العلة في الفرع عند قوم منهم البزدوي والمختار الاكتفاء بالظن . ومنها أن لا تكون مخالفة لمذهب صحابي وذلك عند من يقول بحجية قول الصحابي لا عند الجمهور.

وقد اختلفوا في جواز تعدد العلل مع اتحاد الحكم فإن كان الاتحاد بالنوع مع الاختلاف بالشخص كتعليل إباحة قتل زيد بردته وقتل عمرو بالقصاص وقتل خالد بالزنا مع الاحصان فقد اتفقوا على الجواز وممن نقل الاتفاق على ذلك الأستاذ أبو منصور البغدادي والآمدي والصفي الهندي وأما إذا كان الاتحاد بالشخص فقيل لا خلاف في امتناعه بعلل عقلية ، وحكى القاضي الخلاف في ذلك فقال ثم اختلفوا إذا وجب الحكم العقلي بعلتين فقيل لا يرتفع إلا بارتفاعهما جميعاً ، وقيل يرتفع بارتفاع إحدهما . وأما تعدد العلل الشرعية مع الاتحاد في الشخص كتعليل قتل زيد بكونه من يجب عليه فيه القصاص وزنى مع الاحصان فإن كل واحد منهما يوجب القتل بمجرد فهل يصح تعليل إباحة دمه بهما معاً أم لا ؟ . اختلفوا في ذلك على مذاهب :

الأول : المنع مطلقاً منصوصة كانت أو مستنبطة ، حكاه القاضي عبد الوهاب عن متقدمي أصحابهم وجزم به الصيرفي واختاره الآمدي ونقله القاضي وإمام الحرمين .

الثاني : الجواز مطلقاً وإليه ذهب الجمهور كما حكاه القاضي في التقريب . قال وبهذا نقول لأن العلل علامات وإمارات على الأحكام لا موجبة لها فلا يستحيل ذلك قال ابن برهان في الوجيز أنه الذي استقر عليه رأي إمام الحرمين .

الثالث : الجواز في المنصوصة دون المستنبطة وإليه ذهب أبو بكر بن فورك والفخر الرازي وأتباعه وذكر إمام الحرمين أن القاضي يميل إليه وكلام إمام الحرمين هذا هو الذي اعتمده ابن الحاجب في نقل هذا المذهب عن القاضي كما صرح به مختصر المنتهى ولكن النقل عن القاضي مختلف كما عرفته .

الرابع : الجواز في المستنبطة دون المنصوصة ، حكاه ابن الحاجب في مختصر المنتهى و ابن المنير في شرحه للبرهان وهو قول غريب ، والحق ما ذهب إليه الجمهور من الجواز ، وكما ذهبوا إلى الجواز فقد ذهبوا أيضاً إلى الوقوع ولم يمنع ذلك عقل ولا شرع .

وأما ما يشترط في الفرع فأمور أربعة : أحدها مساواة علته لعلة الأصل . والثاني مساواة حكمه لحكم الأصل . والثالث أن لا يكون منصوصاً عليه . والرابع أن لا يكون متقدماً على حكم الأصل .ب المصير إليه وإن لم يعلم ذلك بل جوز فقد وجب المصير إلى ظاهر الخبر وهذا مسلم إذا حصل العلم بذلك . وأما إذا ترك الصحابي العمل بما رواه بالكلية فقد قدمنا الكلام عليه في الشروط التي ترجع إلى مدلول الخبر ولا وجه لما قيل من أنه قد اطلع على ناسخ لذلك الخبر الذي رواه لأنا لم نتعبد بمجرد هذا الاحتمال وأيضاً فربما ظن أنه منسوخ ولم يكن كذلك .


الفصل الرابع في الكلام على مسالك العلة ، وهي طرقها الدالة عليها

ولما كان لا يكتفي في القياس بمجرد وجود الجامع في الأصل والفرع بل لا بد في اعتباره من دليل يدل عليه وكانت الأدلة إما النص أو الإجماع أو الاستنباط احتاجوا إلى بيان مسالك العلة . وقد أضاف القاضي عبد الوهاب إلى الأدلة الثلاثة دليلاً رابعاً وهو العقل ولم يعتبره الجمهور بل جعلوا طريق إثبات العلة هو السمع فقط . وقد اختلفوا في عدد هذه المسالك فقال الرازي في المحصول هي عشرة : النص والإيماء والإجماع والمناسبة والدوران والسير والتقسيم والشبه والطرد وتنقيح المناط قال وأمور أخر اعتبرها قوم وهي عندنا ضعيفة انتهى . واختلف أهل الأصول في تقديم مسلك الإجماع على مسلك النص أو مسلك النص على مسلك الإجماع فمن قدم الإجماع نظر إلى كونه أرجح من ظواهر النصوص لأنه لا يتطرق إليه احتمال النسخ ومن قدم النص نظر إلى كونه أشرف من غيره وكونه مستند الإجماع وهذا مجرد اصطلاح في التأليف فلا مشاحة فيه .

وسنذكر من المسالك هاهنا أحد عشر مسلكاً .ب المصير إليه وإن لم يعلم ذلك بل جوز فقد وجب المصير إلى ظاهر الخبر وهذا مسلم إذا حصل العلم بذلك . وأما إذا ترك الصحابي العمل بما رواه بالكلية فقد قدمنا الكلام عليه في الشروط التي ترجع إلى مدلول الخبر ولا وجه لما قيل من أنه قد اطلع على ناسخ لذلك الخبر الذي رواه لأنا لم نتعبد بمجرد هذا الاحتمال وأيضاً فربما ظن أنه منسوخ ولم يكن كذلك .

المسلك الأول : الإجماع

وهو نوعان : إجماع على علة معينة كتعليل ولاية المال بالصغر وإجماع على أصل التعليل وإن اختلفوا في عين العلة كإجماع السلف على أن الربا في الأصناف الأربعة معلل وإن اختلفوا في العلة ماذا هي . وقد ذهب إلى كون الإجماع من مسالك العلة جمهور الأصوليين كما حكاه القاضي في التقريب ثم قال وهذا لا يصح عندنا فإن القياسيين ليسوا كل الأمة ولا تقوم الحجة بقولهم وهذا الذي قاله صحيح فإن المخالفين في القياس كلاً أو بعضاً هم بعض الأمة فلا تتم دعوى الإجماع بدونهم وقد تكلف إمام الحرمين الجويني في البرهان لدفع هذا فقال إن منكري القياس ليسوا من علماء الأمة ولا من حملة الشريعة فإن معظم الشريعة صدرت عن الاجتهاد والنصوص لا تفي بعشر معشار الشريعة انتهى . وهذا كلام يقضي من قائله العجب فإن كون منكري القياس ليسوا من علماء الأمة من أبطل الباطلات وأقبح التعصبات ثم دعوى أن نصوص الشريعة لا تفي بعشر معشارها لا تصدر إلا عمن لم يعرف نصوص الشريعة حق معرفتها . وحكى ابن السمعاني عن بعض أصحاب الشافعي أنه لا يجوز القياس على الحكم المجمع عليه ما لم يعرف النص الذي أجمعوا عليه انتهى . وهذا يعود عند التحقيق إلى نفي كون الإجماع من مسالك العلة . ثم القائلون بأن الإجماع من مسالك العلة لا يشترطون فيه أن يكون قطعياً بل يكتفون فيه بالإجماع الظني فزادوا هذا المسلك ضعفاً إلى ضعفه .ب المصير إليه وإن لم يعلم ذلك بل جوز فقد وجب المصير إلى ظاهر الخبر وهذا مسلم إذا حصل العلم بذلك . وأما إذا ترك الصحابي العمل بما رواه بالكلية فقد قدمنا الكلام عليه في الشروط التي ترجع إلى مدلول الخبر ولا وجه لما قيل من أنه قد اطلع على ناسخ لذلك الخبر الذي رواه لأنا لم نتعبد بمجرد هذا الاحتمال وأيضاً فربما ظن أنه منسوخ ولم يكن كذلك .


المسلك الثاني : النص على العلة

قال في المحصول : ونعني بالنص ما يكون دلالته على العلة ظاهرة سواء كانت قاطعة أو محتملة . أما القاطع فما يكون صريحاً وهو قولنا لعلة كذا ، أو لسبب كذا ، أو لمؤثر كذا ، أو لموجب كذا ، أو لأجل كذا كقوله تعالى : من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل . وأما الذي لا يكون قاطعاً فثلاثة اللام وإن الباء . أما اللام فكقولنا ثبت لكذا كقوله تعالى : وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون وأما أن فكقوله أنها من الطوافين وأما الباء فكقوله ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله هذا حاصل كلامه . قال الإمام الشافعي متى وجدنا في كلام الشارع ما يدل على نصبه أدلة وإعلاماً ابتدرنا إليه وهو أولى ما يسلك .

واعلم أن التعليل قد يكون مستفاداً من حرف من حروفه وهي : كي واللام وإذن ومن والباء والفاء وإن ونحو ذلك وقد يكون مستفاداً من اسم من أسمائه وهي : لعلة كذا ، لموجب كذا ، بسبب كذا ، لمأثر كذا ،لأجل كذا ، بمقتضى كذا ونحو ذلك ، وقد يكون مستفاداً من فعل من الأفعال الدالة على ذلك كقوله عللت بكذا وشبهت كذا بكذا ونحو ذلك وقد يكون مستفاداً من السياق فإنه قد يدل على العلة كما يدل على غيرها .

وقد قسموا النص على العلة إلى صريح وظاهر قال الآمدي فالصريح هو الذي لا يحتاج فيه إلى نظر واستدلال بل يكون اللفظ موضوعاً في اللغة له قال ابن الأنباري ليس المراد بالصريح المعنى الذي لا يقبل التأويل بل المنطوق بالتعليل فيه على حسب دلالة اللفظ الظاهر على المعنى انتهى .

ثم الصريح ينقسم إلى أقسام أعلاها أن يقول لعلة كذا أو لسبب كذا أو نحو ذلك وبعده أن يقول لأجل كذا أو من أجل كذا . قال ابن السمعاني وهو دون ما قبله لأن لفظ العلة تعلم به العلة من غير واسطة بخلاف قوله لأجل فإنه يفيد معرفة العلة بواسطة أن العلة ما لأجلها والدال بلا واسطة أقوى وكذا قال الأصفهاني . وبعده أن يقول كي يكون كذا فإن الجويني في البرهان جعلها من الصريح وخالفه الرازي وبعده إذاً فإن أبا إسحاق الشيرازي والغزالي جعلاه من الصريح وجعله الجويني في البرهان من الظاهر، وبعده ذكر المفعول له نحو ضربته تأديباً .

وأما الظاهر فينقسم إلى أقسام أعلاها اللام ثم أن المفتوحة المخففة ثم إن المكسورة الساكنة بناء على أن الشروط اللغوية أسباب ثم إن المشددة كقوله ضصض إنها من الطوافين عليكم . قال صاحب التنقيح كذا عدوها من هذا القسم والحق أنها لتحقيق الفعل ولاحظ لها في التعليل والتعليل في الحديث مفهوم من الكلام . وقد نقل ابن الأنباري إجماع النحاة على أنها لا ترد للتعليل قال وهي في قوله إنها من الطوافين عليكم للتأكيد لأن علة طهارة سؤرها هي الطواف ولقد قدرنا مجيء قوله من الطوافين بغير أن لأفادة التعليل فلو كانت للتعليل لعدمت العلة بعدمها ولا يمكن أن يكون التقدير لأنها وإلا لوجب فتحها ولا ستفيد التعليل من اللام . ثم الباء قال ابن مالك وضابطه أن يصلح غالباً في موضعها اللام كقوله تعالى : ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله وقوله سبحانه فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم وجعل من ذلك الآمدي والصفي الهندي قوله تعالى : جزاء بما كانوا يعملون ونسبة بعضهم إلى المعتزلة وقيل هي المقابلة كقولك هذا بذلك لأن المعطي بعوض قد يعطي مجاناً . ثم الفاء إذا علق بها الحكم على الوصف وذلك نوعان:

أحدهما : أن يدخل على السبب والعلة ويكون الحكم متقدماً كقوله ضصض لا تخمروا رأسه فإنه يبعث ملبياً

الثاني : أن يدخل على الحكم وتكون العلة متقدمة كقوله تعالى : الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة والسارق والسارقة فاقطعوا لأن التقدير في زنى فاجلدوه ومن سرق فاقطعوه . ثم لعل على رأي الكوفيين من النحاة قالوا إنها في كلام الله للتعليل المحض مجردة عن معنى الترجي لاستحالته عليه . ثم إذا ذكره ابن مالك نحوه وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ثم حتى كما ذكره ابن نحو قوله تعالى : حتى يعطوا الجزية حتى نعلم المجاهدين منكم حتى لا تكون فتنة ولا يخفى ما في عد هذه الثلاثة المتأخرة من جملة دلائل التعليل من الضعف الظاهر وقد عد منها صاحب التنقيح لا جرم نحو لا جرم أن لهم النار وعد أيضاً جميع أدوات الشروط والجزاء . وعد إمام الحرمين منها الواو وفي هذا من الضعف ما لا يخفى على عارف بمعاني اللغة العربية.ب المصير إليه وإن لم يعلم ذلك بل جوز فقد وجب المصير إلى ظاهر الخبر وهذا مسلم إذا حصل العلم بذلك . وأما إذا ترك الصحابي العمل بما رواه بالكلية فقد قدمنا الكلام عليه في الشروط التي ترجع إلى مدلول الخبر ولا وجه لما قيل من أنه قد اطلع على ناسخ لذلك الخبر الذي رواه لأنا لم نتعبد بمجرد هذا الاحتمال وأيضاً فربما ظن أنه منسوخ ولم يكن كذلك .

المسلك الثالث: الإيماء والتنبيه

وضابطه الاقتران بوصف لو لم يكن هو أو نظيره للتعليل لكان بعيدا فيحمل على التعليل دفعاً للاستعباد . وحاصله أن ذكره يمتنع أن يكون لا لفائدة لأته عبث فيتعين أن يكون لفائدة وهي إما كونه علة أو جزء علة أو شرطاً وإلا ظهر كونه علة لأنه الأكثر في تصرفات الشرع وهو أنواع .

الأول: تعليق الحكم على العلة بالفاء وهو على وجهين : أحدهما أن تدخل الفاء على العلة ويكون الحكم متقدماً كقوله ضصض في المحرم الذي وقصته ناقته فإنه يحشر يوم القيامة ملبياً . ثانيهما أن تدخل الفاء على الحكم وتكون العلة متقدمة وذلك أيضاً على وجهين : أحدهما أن تكون الفاء دخلت على كلام الشارع مثل قوله تعالى : والسارق والسارقة فاقطعوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا . وثانيهما أن تدخل على رواية الراوي كقوله سها رسول الله ضصض فسجد، وزنى ماعز فرجم كذا في المحصول وغيره .

النوع الثاني : أن يذكر الشارع مع الحكم وصفاً لو لم يكن علة لعري عن الفائدة إما مع سؤال في محله أو سؤال في نظيره . فالأول كقول الأعرابي واقعت أهلي في رمضان فقال اعتق رقبة فإنه يدل على أن الوقاع علة للإعتاق والسؤال مقدر في الجواب كأنه قال إذا واقعت فكفر . الثاني : كقوله وقد سألته الخثعمية أن أبي أدركته الوفاة وعليه فريضة الحج أفينفعه إن حججت عنه ؟ فقال : أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أكان ينفعه ؟ قالت نعم فذكر نظيره وهو دين الآدمي فنبه على كونه علة في النفع وإلا لزم العبث . وذهب جماعة من الأصوليين إلى أن شرط فهم التعليل من هذا النوع أن يدل الدليل على أن الحكم وقع جواباً إذ من الممكن أن يكون الحكم استئنافاً لا جواباً وذلك كمن تصدى للتدريس فأخبره تلميذه بموت السلطان فأمره عقب الأخبار بقراءة درسه فإنه لا يدل على تعليل القراءة بذلك الخبر بل بالاشتغال بما هو بصدده وترك ما لا يعنيه .

النوع الثالث : أن يفرق بين الحكمين الوصف نحو قوله ضصض للراجل سهم وللفارس سهمان فإن ذلك يفيد أن الموجب للإستحقاق للسهم والسهمين هو الوصف المذكور .

النوع الرابع : أن يذكر عقب الكلام أو في سياقه لو لم يعلل به الحكم المذكور لم ينتظم الكلام كقوله تعالى : وذروا البيع لأن الآية سيقت لبيان وقت الجمعة وأحكامها فلو لم يعلل النهي عن البيع بكونه مانعاً من الصلاة أو شاغلاً عن المشي إليها لكان ذكره عبثاً لأن البيع لا يمنع منه مطلقاً .

النوع الخامس : ربط الحكم بإسم مشتق فإن تعليق الحكم به مشعر بالعلية نحو أكرم زيداً العالم فإن ذكر الوصف المشتق مشعر بأن الإكرام لأجل العلم .

النوع السادس : ترتب الحكم على الوصف بصيغة الشرط والجزاء كقوله تعالى : ومن يتق الله يجعل له مخرجاً أي لأجل تقواه ومن يتوكل على الله فهو حسبه أي لأجل توكله لأن الجزاء يتعقب الشرط .

النوع السابع : تعليل عدم الحكم بوجود المانع منه كقوله تعالى : ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولو جعلناه قرآناً أعجمياً لقالوا لولا فصلت آياته .

النوع الثامن : إنكاره سبحانه على من زعم أنه لم يخلق الخلق لفائدة ولا لحكمة بقوله أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وقوله أيحسب الإنسان أن يترك سدى وقوله وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق

النوع التاسع: إنكاره سبحانه أن يسوي بين المختلفين ويفرق بين المتماثلين . فالأول كقوله أفنجعل المسلمين كالمجرمين . والثاني كقوله والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض وقد أختلف في اشتراط مناسبة الوصف المومى إليه للحكم في الأنواع السابقة فاشترط إمام الحرمين الجويني والغزالي ، وذهب الأكثرون إلى عدم اشتراطه . وذهب قوم إلى التفصيل فقالوا إن كان التعليل من المناسبة كما في قوله لا يقض القاضي وهو غضبان اشترط وأما فلا يشترط واختاره ابن الحاجب ، وحكى الهندي تفصيلاً وهو اشتراطه في ترتيب الحكم على الإسم دون غيره وحكى ابن المنير تفصيلاً وهو اشتراطه في ترتيب الحكم بفعل النبي ضصض تفصيلاً آخر وهو إن كان الإسم المشتق يتناول معهوداً معيناً فلا يتعين للتعليل ولو كان مناسباً بل يحتمل أن يكون تعريفاً وأما إذا علق بعام أو منكر فهو تعليل.ب المصير إليه وإن لم يعلم ذلك بل جوز فقد وجب المصير إلى ظاهر الخبر وهذا مسلم إذا حصل العلم بذلك . وأما إذا ترك الصحابي العمل بما رواه بالكلية فقد قدمنا الكلام عليه في الشروط التي ترجع إلى مدلول الخبر ولا وجه لما قيل من أنه قد اطلع على ناسخ لذلك الخبر الذي رواه لأنا لم نتعبد بمجرد هذا الاحتمال وأيضاً فربما ظن أنه منسوخ ولم يكن كذلك .

المسلك الرابع: الإستدلال على علية الحكم بفعل النبي ضصض كذا قال القاضي في التقريب

وصورته بفعل النبي ضصض فعلاً بعد وقوع شيء فيعلم أن ذلك الفعل إنما كان لأجل ذلك الشيء الذي وقع كأن يسجد ضصض للسهو فيعلم أن ذلك السجود إنما كان لسهو قد وقع منه ، وقد يكون ذلك الفعل من غيره بأمره كرجم ماعز ، وهكذا الترك له حكم الفعل كتركه ضصض للطيب والصيد وما يجتبيه المحرم فإن المعلوم من شاهد الحال أن ذلك لأجل الإحرام .ب المصير إليه وإن لم يعلم ذلك بل جوز فقد وجب المصير إلى ظاهر الخبر وهذا مسلم إذا حصل العلم بذلك . وأما إذا ترك الصحابي العمل بما رواه بالكلية فقد قدمنا الكلام عليه في الشروط التي ترجع إلى مدلول الخبر ولا وجه لما قيل من أنه قد اطلع على ناسخ لذلك الخبر الذي رواه لأنا لم نتعبد بمجرد هذا الاحتمال وأيضاً فربما ظن أنه منسوخ ولم يكن كذلك .

المسلك الخامس: السبر والتقسيم

وهو في اللغة الاختبار ومنه الميل الذي يختبر به الجرح فإنه يقال له المسبار وسمي هذا به لأن المناظر يقسم الصفات ويختبر كل واحدة منها هل تصلح للعلية أم لا وفي الإصطلاح هو قسمان : أحدهما أن يدور بين النفي والإثبات وهذا هو المنحصر . والثاني أن يكون كذلك وهذا المنتشر ، فالأول أن تحصر الأوصاف التي يمكن التعليل بها للمقيس عليه ثم اختبارها في المقيس وإبطال ما لايصلح منها بدليله ، وذلك الابطال إما بكونه ملغى أو وصفاً طردياً أو يكون فيه نقض أو كسر أو خفاء أو إضطراب فيتعين الباقي للعلية ، وقد يكون في القطعيات كقولنا العالم إما أن يكون قديماً أو حادثاً بطل أن يكون قديماً فثبت أنه حادث قد يكون في الظنيات نحو أن تقول في قياس الذرة على البر في الربوبية بحثت عن أوصاف البر فما وجدت ثم ما يصلح للربوية في بادئ الرأي إلا الطعم والقوت لا يصلح لذلك بدليل كذا فتعين الكيل قال الصفي الهندي وحصول هذا القسم في الشرعيات عسر جداً . ويشترط في صحة هذا المسلك أن يكون الحكم في الأصل معللاً بمناسب خلافاً للغزالي وأن يقع الاتفاق على أن العلة لا تركيب فيها كما في مسألة الربا فأما لو لم يقع الاتفاق لم يكن هذا المسلك صحيحاً لأن إذا بطل كونه علة مستقلة جاز أن يكون جزءاً من أجزائها وإذا انضم إلى غيره صار علة مستقلة فلا بد من إبطال كونه علة أو جزء علة ويشترط أيضاً أن يكون حاصراً جميع الأوصاف وذلك بأن يرافقه الخصم على انحصارها في ذلك أو يعجز عن إظهار وصف زائد وإلا فيكفي المستدل أن يقول بحثت عن الأوصاف فلم أجد سوى ما ذكرته والأصل عدم ما سواها وهذا إذا كان أهلاً للبحث . ونازع في ذلك بعض الأصوليين ومنهم الأصفهاني فقال قول المعلل في جواب طالب الحصر بحثت وسبرت فلم أجد غير هذه الأشياء فإن ظفرت بعلة أخرى فأبرزها وإلا فيلزمك ما يلزمني قال وهذا فاسد لأن سبره لا يصلح دليلاً ما يعلم به المدلول ومحال أن يعلم طال بالحصر الانحصار ببحثه ونظره وجهله لا يوجب على خصمه أمراً . واختار ابن برهان التفصيل بين المجتهد وغيره.

القسم الثاني : المنتشر ، وذلك بأن لا يدور بين النفي والإثبات أو دار ولكن كان الدليل على نفي علية ما عدا الوصف المعين فيه ظنياً ، واختلفوا في ذلك على مذاهب .

الأول : أنه ليس بحجة مطلقاً لا في القطعيات ولا في الظنيات حكاه في البرهان عن بعض الأصوليين .

الثاني : أنه حجة في العمليات فقط لأنه يحصل غلبة الظن ، واختاره إمام الحرمين الجويني وابن برهان وابن السمعاني قال الصفي الهندي هو الصحيح .

الثالث : أنه حجة للناظر دون المناظر واختار الآمدي ، وقال إمام الحرمين في الأساليب إنه يفيد الطالب مذهب الخصم دون تصحيح مذهب المستدل إذ لا يمنع أن يقول ما أبطلته باطل وما اخترته باطل . وحكى ابن العربي أنه دليل قطعي وعزاه إلى الشيخ أبي الحسن و القاضي وسائر أصحاب الشافعي . قال وهو الصحيح فقد نطق به القرآن ضمناً وتصريحاً في مواطن كثيرة ، فمن الضمن قوله تعالى : وقالوا ما في بطون هذه الأنعام إلى قوله حكيم عليم ومن التصريح قوله ثمانية أزواج إلى قوله الظالمين وقد أنكر بعض أهل الأصول أن يكون السبر والتقسيم مسلكاً . قال ابن الأنباري في شرح البرهان السبر يرجع إلى اختيار أوصاف المحل وضبطها والتقسيم يرجع إلى إبطال ما يظهر إبطاله منها فإذا لا يكون من الأدلة وإنما تسامح الأصوليون بذلك قال ابن المنير والمسألة القاصمة لمسلك السبر والتقسيم أن المنفى لا يخلو بحال في نفس الأمر أن يكون مناسباً أو شبهاً أو طردا لا إنه إما إن يشتمل على مصلحة أو لا فإن اشتمل على مصلحة فإما أن تكون منضبطة للفهم أو كلية لا تنضبط ، فالأول المناسبة والثاني الشبه . وإن لم يشتمل على مصلحة أصلاً فهو الطرد المردود فإن كان ثم مناسبة أو شبه السبر والتقسيم وإن كان عرياً عن المناسبة قطعاً لم ينفع السبر والتقسيم أيضاً .ب المصير إليه وإن لم يعلم ذلك بل جوز فقد وجب المصير إلى ظاهر الخبر وهذا مسلم إذا حصل العلم بذلك . وأما إذا ترك الصحابي العمل بما رواه بالكلية فقد قدمنا الكلام عليه في الشروط التي ترجع إلى مدلول الخبر ولا وجه لما قيل من أنه قد اطلع على ناسخ لذلك الخبر الذي رواه لأنا لم نتعبد بمجرد هذا الاحتمال وأيضاً فربما ظن أنه منسوخ ولم يكن كذلك .

المسلك السادس: المناسبة

ويعبر عنها بالإخالة وبالمصلحة وبالاستدلال وبرعاية المقاصد ويسمى استخراجها تخريج المناط وهي عمدة كتاب القياس ومحل غموضه ووضوحه ، ومعنى المناسبة هي تعين العلة بمجرد إبداء المناسبة مع السلامة عن القوادح لا بنص ولا غيره والمناسبة في اللغة الملاءمة والمناسب الملائم ، قال في المحصول الناس ذكروا في تعريف المناسب شيئين الأول : أنه المفضى إلى ما يوافق الإنسان تحصيلاً وإبقاء وقد يعبر عن التحصيل بجلب المنفعة وعن الابقاء بدفع المضرة لأن ما قصد إبقاؤه فإزالته مضرة وإبقاؤه دفع للمضرة ، ثم هذا التحصيل والإبقاء قد يكون معلوماً وقد يكون مظنوناً وعلى التقديرين فإما أن يكون دينياً أو دنيوياً ، والمنفعة عبارة عن اللذة أو ما يكون طريقاً إليها، والمضرة عبارة عن الألم أو ما يكون طريقاً إليه واللذة قيل في حدها إنها إدراك الملائم والألم إدراك المنافي . والصواب عندي أنه لا يجوز تحديدهما لأنهما من أظهر ما يجده الحي من نفسه ويدرك بالضرورة التفرقة بين كل واحد منهما وبينهما وبين غيرهما وما كان كذلك يتعذر تعريفه بما هو أظهر منه . الثاني أنه الملائم لأفعال العقلاء في العادات فإنه يقال هذه اللؤلؤة تناسب هذه اللؤلؤة في الجمع بينهما في سلك واحد متلائم انتهى .

وقد اختلف في تعريفها القائلون بمنع تعليل أفعال الله سبحانه بالأغراض والقائلون بتعليلها بها . فالأولون قالوا إنها الملائم لأفعال العقلاء في العادات أي ما يكون بحيث يقصد العقلاء تحصيله على مجاري العادة بتحصيل مقصود مخصوص . والآخرون قالوا إنها ما تجلب للإنسان نفعاً أو ضراً ، وقيل هي ما لو عرض على العقول تلقته بالقبول كذا قال الدبوسي ، قيل وعلى هذا فإثباتها على الخصم متعذر لأنه ربما يقول عقلي لا يتلقى هذا بالقبول ومن ثم قال الدبوسي هو حجة للناظر لأنه لا يكابر نفسه لا للمناظر. قال الغزالي والحق أنه يمكن إثباته على الجاحد بتبين معنى المناسبة على وجه مضبوطة فإذا أبداه المعلل فلا يلتفت إلى جحده انتهى . وهذا صحيح فإنه لا يلزم المستدل إلا ذلك . وقال ابن الحاجب أن المناسب وصف ظاهر منضبط يحصل عقلاً من ترتيب الحكم عليه ما يصلح أن يكون مقصوداً من حصول مصلحة ودفع مفسدة فإن كان الوصف خفياً أو غير منضبط اعتبر ملازمه وهو المظنة لأن الغيب لا يعرف الغيب كالسفر للمشقة والفعل المقتضى عرفاً عليه بالعمد في العمدية . قال الصفي الهندي وهو ضعيف لأنه اعتبر في ماهية المناسبة ما هو خارج عنه وهو اقتران الحكم بالوصف وهو خارج عن ماهية المناسب بدليل أنه يقال المناسبة مع الاقتران دليل العلة ولو كان الاقتران داخلاً في الماهية لما صح هذا . وأيضاً فهو غير جامع لأن التعليل بالمنضبطة جائز على ما اختاره قائل هذا الحد والوصفية غير متحققة فيها مع تحقق المناسبة . وقد احتج إمام الحرمين على إفادتها للعلية بتمسك الصحابة بها فإنهم يلحقون غير المنصوص بالمنصوص إذا غلب على ظنه أن يضهيه لمعنى أو يشبهه ، ورد بأنه لم ينقل إلينا أنهم كانوا يتمسكون بكل ظن غالب فلا يبعد التعبد مع نوع من الظن الغالب ونحن نعلم ذلك النوع ، ثم قال إمام الحرمين فالأولى الاعتماد على العمومات الدالة على الأمر بالقياس .

واعلم أنه قد يحصل بالمناسب لمقصود به من شرع الحكم يقيناً كمصلحة البيع للحل أو ظناً كمصلحة القصاص لحفظ النفس وقد يحتملها على السواء كحد الخمر لحفظ العقل لأن الإقدام مساو للأحجام وقد يكون نفي الحصول أرجح كنكاح الآيسة لتحصيل التناسل ويجوز التعليل بجميع هذه الأقسام وأنكر بعضهم صحة التعليل بالثالث وبعضهم بالرابع . قال الصفي الهندي الأصح يجوز إن كان في آحاد الصور الشاذة وكان ذلك الوصف في أغلب الصور من الجنس مفضياً إلى المقصود وإلا فلا . أما إذا حصل القطع بأن المقصود من شرع الحكم غير ثابت فقالت الحنفية يعتبر التعليل به والأصح لا يعتبر سواء ما لا تعبد فيه كلحوق نسب المشرقي بالمغربية وما فيه تعبد كاستبراء جارية اشتراها بائعها في المجلس .

والمناسب يقسم إلى حقيقي وإقناعي . والحقيقي ينقسم إلى ما هو واقع في محل الضرورة ومحل الحاجة ومحل التحسين . الأول : الضروري وهو المتضمن لحفظ مقصود من المقاصد الخمس التي لم تختلف فيها الشرائع بل هي مطبقة على حفظها وهي خمسة : أحدها حفظ النفس بشرعية القصاص فإنه لولا ذلك لتهارج الخلق واختل نظام المصالح . ثانيهما حفظ المال بأمرين : أحدهما إيجاب الضمان على المتعدي فإن المال قوام العيش ، وثانيهما القطع بالسرقة. ثالثها حفظ النسل بتحريم الزنا وإيجاب العقوبة عليه بالحد . رابعها حفظ الدين بشرعية القتل بالردة والقتال للكفار . خامسها حفظ العقل بشرعية الحد على شرب المسكر فإن العقل هو قوام كل فعل تتعلق به مصلحة فاختلاله يؤدي إلى مفاسد عظيمة . واعترض على دعوى اتفاق الشرائع على الخمسة المذكورة بأن الخمر كانت مباحة في الشرائع المتقدمة وفي صدر الإسلام ورد بأن المباح منها في تلك الشرائع هو ما لا يبلغ إلى حد السكر المزيل للعقل فإنه محرم في كل ملة كذا قال الغزالي . وحكاه ابن القشيري عن القفال ثم نازعه فقال تواتر الخبر أنها كانت مباحة على الإطلاق ولم يثبت أن الإباحة كانت إلى حد لا يزيل العقل . وكذا قال النووي في شرح مسلم ولفظه وأما ما يقوله من لا تحصيل عنده أن المسكر لا يزل محرماً فباطل لا أصل له انتهى . قلت : وقد تأملت التوراة والإنجيل فلم أجد فيهما إباحة الخمر مطلقاً من غير تقييد بعدم السكر بل فيهما التصريح بما يتعقب الخمر من السكر وإباحة ذلك فلم يتم دعوى اتفاق الملل على التحريم وهكذا تأملت كتب أنبياء بني إسرائيل فلم أجد فيها ما يدل على التقييد أصلاً . وقد زاد بعض المتأخرين . سادسا وهو حفظ الأعراض فإن عادة العقلاء بذل نفوسهم وأموالهم دون أعراضهم وما فدي بالضروري فهو بالضرورة أولى وقد شرع في الجناية عليه بالقذف الحد وهو أحق بالحفظ من غيره فإن الإنسان قد يتجاوز عمن جنى على نفسه أو ماله ولا يكاد أحد أن يتجاوز عمن جنى على عرضه ولهذا يقول قائلهم : يهون علينا أن تصاب جسومنا وتسلم أعراض لنا وعقول قالوا ويلتحق بالخمسة المذكورة مكمل الضروري كتحريم قليل المسكر ووجوب الحد فيه وتحريم البدعة والمبالغة في عقوبة المبتدع الداعي إليها والمبالغة في حفظ النسب بتحريم النظر واللمس والتعزير على ذلك . القسم الثاني : الحاجي وهو ما يقع في محل الحاجة لا محل الضرورة كالإجارة فإنها مبنية على مسيس الحاجة إلى المساكن مع القصور عن تملكها وامتناع مالكها عن بذلها عارية وكذلك المساقاة والقراض . ثم اعلم أن المناسبة قد تكون جليلة فتنتهي إلى القطع كالضروريات وقد تكون خفية كالمعاني المتنبطة لا لدليل إلا مجرد احتمال الشرع لها وقد يختلف التأثير بالنسبة إلى الجلاء والخفاء .

القسم الثالث : التحسيني وهو قسمان . الأول ما هو معارض للقواعد كتحريم القاذورات فإن نفرة الطباع منها لقذراتها معنى يناسب حرمة تناولها حثاً على مكارم الأخلاق كما قال تعالى ويحرم عليهم الخبائث وكما قال ضصض : بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ومنه سلب العبد أهلية الشهادة لأنها منصب شريف والعبد القدر والجمع بينهما غير ملائم. وقد استشكل هذا ابن دقيق العيد لأن الحكم بالحق بعض ظهور الشاهد وإيصاله إلى مستحقه ودفع اليد الظالمة عنه من مراتب الضرورة واعتبار نقصان العبد في الرتبة والمنصب من مراتب التحسين وترك مرتبة الضرورة لمرتبة التحسين بعيد جداً. نعم لو وجد لفظ يستند إليه في رد شهادته ويعلل بهذا التعليل لكان له وجه فأما مع الاستقلال بهذا التعليل ففيه هذا الاشكال وقد ذكر بعض أصحاب الشافعي أنه لا يعلم لمن رد شهادة العبد مستنداً أو وجهاً ، وأما سلب ولايته فهو في محل الحاجة لأن الأطفال تستدعي استغراقاً وفراغاً والعبد مستغرق بخدمة سيده فتفويض أمر الطفل إليه إضرار بالطفل أما الشهادة فتتفق أحياناً كالرواية والفتوى . ثم اعلم أن المناسب ينقسم باعتبار شهادة الشرع له ، بالملاءمة والتأثير وعدمها إلى ثلاثة أقسام لأنه إما أن يعلم أن الشارع اعتبره أو يعلم أنه ألغاه أو لا يعلم واحد منهما . القسم الأول : ما علم اعتبار الشرع له ، والمراد بالعلم الرجحان والمراد بالاعتبار إيراد الحكم على وفقه لا التنصيص عليه ولا الإيماء إليه وإلا لم تكن العلة مستفادة من المناسبة وهو المراد بقولهم شهد له أصل معين . قال الغزالي في شفاء العليل المعنى بشهادة أصل معين للوصف أنه مستنبط منه من حيث أن الحكم أثبت شرعاً على وفقه وله أربعة أحوال ، لأنه إما يعتبر نوعه في نوعه أو في جنسه أو جنسه في نوعه أو في جنسه .

الحالة الأولى : أن يعتبر نوعه في نوعه وهو خصوص الحكم وعمومه في عمومه كقياس القتل بالمثقل على القتل بالمحدد في وجوب القصاص بجامع كونه قتلاً عمداً عدواناً فإنه قد عرف تأثير خصوص كونه قتلاً عمداً في خصوص الحكم وهو وجوب القصاص في النفس في القتل بالمحدد ومثل هذا أن يقال إنه إذا ثبت أن حقيقة السكر اقتضت حقيقة التحريم فالنبيذ يلحق بالخمر لأنه لا تفاوت بين العلتين وبين الحكمين وهذا القسم يسمى المناسب الملائم وهو متفق عليه بين القياسين .

الحالة الثانية : أن يعتبر نوعه في جنسه كقياس تقديم الإخوة لأبوين على الأخوة لأب في النكاح على تقديمهم في الإرث فإن الأخوة من الأب والأم نوع واحد في الصورتين ولم يعرف تأثيره في التقديم في ولاية النكاح ولكن عرف تأثيره في جنسه وهو التقدم عليهم فيما ثبت لكل واحد منهم عند عدم الأمر كما في الإرث وهذا القسم دون ما قبله لأن المفارقة بين المثلين بحسب اختلاف المحلين أقرب من المقارنة بين نوعين مختلفين .

الحالة الثالثة : أن يعتبر جنسه في نوعه كقياس إسقاط القضاء عن الحائض عن إسقاط قضاء الركعتين الساقطتين عن المسافر بتعليل المشقة والمشقة جنس وإسقاط القضاء عن الحائض على إسقاط قضاء الركعتين الساقطتين عن المسافر بتعليل المشقة والمشقة جنس وإسقاط قضاء الصلاة نوع واحد يستعمل على صنفين إسقاط قضاء الكل وإسقاط قضاء البعض وهذا أولى من الذي قبله لأن الإبهام في العلة أكبر محذوراً من الإبهام في المعلول .

الحالة الرابعة : اعتبار جنس الوصف في جنس الحكم ، وذلك كتعليل كون حد الشرب ثمانين بأنه مظنة القذف لكونه مظنة الافتراء فوجب أن يقام مقامه قياساً على الخلوة فإنها لما كانت مظنة الوطء أقيمت مقامه وهذا كالذي قبله .

القسم الثاني : ما علم إلغاء الشرع له كما قال بعضهم بوجوب الصوم ابتداء في كفارة الملك الذي واقع في رمضان لأن القصد منها الانزجار وهو لا ينزجر بالعتق فهذا وأن كان قياساً لكن الشرع ألغاه حيث أوجب الكفارة مرتبة من غير فصل بين المكلفين فالقول به مخالف للنص فكان باطلاً .

القسم الثالث : ما لا يعلم اعتباره ولا إلغاؤه ، وهو الذي لا يشهد له أصل معين من أصول الشريعة بالاعتبار وهو المسمى بالمصالح المرسلة وقد اشتهر انفراد المالكية بالقول به قال الزركشي وليس كذلك فإن العلماء في جميع المذاهب يكتفون بمطلق المناسبة ولا معنى للمصلحة المرسلة إلا ذلك . قال الفخر الرازي في المحصول وبالجملة فالأوصاف إنما يلتفت إليها ظن التفات الشرع إليها وكل ما كانت التفات الشرع إليه أكثر كان ظن كونه معتبراً أقوى وكلما كان الوصف والحكم أخص كان ظن كون ذلك الوصف معتبراً في حق ذلك الحكم آكد فيكون لا محالة مقدماً على ما يكون أعم منه، وأما المناسب الذي علم أن الشرع ألغاه فهو غير معتبر أصلاً ، وأما المناسب الذي لا يعلم أن الشارع ألغاه أو اعتبره فذلك يكون بحسب أوصاف هي أخص من كونه وصفاً مصلحاً وإلا فعموم كونه وصفاً مصلحياً مشهود له بالاعتبار وهذا القسم المسمى بالمصالح المرسلة انتهى .

قال ابن الحاجب في مختصر المنتهى وغير المعتبر هو المرسل فإن كان غريباً أو ثبت إلغاؤه فمردود اتفاقاً . وإن كان ملائماً فقد صرح الإمام والغزالي بقبوله وذكر عن مالك والشافعي والمختار رده وشرط الغزالي فيه أن تكون المصلحة ضرورية قطعية كلية انتهى . وسنذكر للمصالح المرسلة بحثاً مستقلاً في الفصل السابع إن شاء الله .

القسم الرابع : أن المناسب إما مؤثر أو غير مؤثر وغير المؤثر إما ملائم أو غير ملائم إما غريب أو مرسل أو ملغى . الصنف الأول : المؤثر وهو أن يدل النص أو الإجماع على كونه علة تدل على تأثير عين الوصف في عين الحكم أو نوعه في نوعه.

الصنف الثاني : الملائم وهو أن يعتبر الشارع عينة في عين الحكم بترتيب الحكم على وفق الوصف لا بنص ولا إجماع وسمي ملائماً لكونه موافقاً لما اعتبره الشارع وهذه المرتبة دون ما قبلها . الصنف الثالث : الغريب وهو أن يعتبر عينة في عين الحكم بترتيب الحكم على وفق الوصف فقط ولا يعتبر عين الوصف من جنس الحكم ولا عينه ولا جنسه في جنسه بنص ولا إجماع كالإسكار في تحريم الخمر فإنه اعتبر الإسكار في عين الحكم بترتيب التحريم على الاسكار فقط ، ومن أمثلة الغريب توريث المبتوتة في مرض الموت إلحاقاً . بالقاتل الممنوع من الميراث تعليلاً بالمعارضة بنقيض القصد فإن المناسبة ظاهرة لكن هذا النوع من المصلحة لم يعهد اعتباره في غير هذا الخاص فكان غريب لذلك . الصنف الرابع : المرسل غير الملائم وقد عرفت مما تقدم من كلام ابن الحاجب الاتفاق على رده . وحكاه غيره عن الأكثرين الصنف الخامس : الغريب غير الملائم وهو مردود بالاتفاق . واختلفوا هل تنخرم المناسبة بالمعارضة التي تدل على وجود مفسدة أو فوات مصلحة تساوي المصلحة أو ترجع عليها على قولين : الأول أنها تنخرم وإليه ذهب الأكثرون واختاره الصيدلاني وابن الحاجب لأن دفع المفاسد مقدم على جلب المصالح ولأن المناسبة أمر عرفي والمصلحة إذا عاضها ما يساويها لم تعد عند أهل العرف مصلحة .

الثاني : أنها لا تنخرم واختاره الفخر الرازي في المحصول و البيضاوي في المنهاج وهذا الخلاف إنما هو إذا لم تكن المعارضة دالة على انتفاء المصلحة أما إذا كانت كذلك فهي قادحة .ب المصير إليه وإن لم يعلم ذلك بل جوز فقد وجب المصير إلى ظاهر الخبر وهذا مسلم إذا حصل العلم بذلك . وأما إذا ترك الصحابي العمل بما رواه بالكلية فقد قدمنا الكلام عليه في الشروط التي ترجع إلى مدلول الخبر ولا وجه لما قيل من أنه قد اطلع على ناسخ لذلك الخبر الذي رواه لأنا لم نتعبد بمجرد هذا الاحتمال وأيضاً فربما ظن أنه منسوخ ولم يكن كذلك .

المسلك السابع: الشبه

ويسميه بعض الفقهاء الاستدلال بالشيء على مثله وهو عام أريد به خاص إذ الشبه يطلق على جميع أنواع القياس لأن كل قياس لا بد فيه من كون الفرع شبيهاً بالأصل بجامع بينهما وهو من أهم ما يجب الاعتناء به . قال الأبياري: لست أرى في مسائل الأصول مسألةً أغمضَ منه ، وقد اختلفوا في تعريفه ، فقال إمام الحرمين الجويني لا يمكن تحديده وقال غيره يمكن تحديده فقيل هو الجمع بين الأصل والفرع بوصف يوهم اشتماله على الحكمة المقتضية للحكم من غير تعيين كقول الشافعي في النية في الوضوء والتيمم طهارتان فأني تفترقان كذا قال الخوارزمي في الكافي . قال في المحصول ذكروا في تعريفه وجهين :

الأول : ما قاله القاضي أبو بكر ، وهو أن الوصف إما يكون مناسباً للحكم بذاته وإما لا يناسبه بذاته لكنه يكون مستلزماً لما يناسبه بذاته وإما أن لا يناسبه بذاته ولا يستلزم ما يناسبه بذاته . فالأول هو الوصف المناسب . والثاني الشبه ، والثالث الطرد .

الثاني : الوصف الذي لا يناسب الحكم أما أن يكون عرف بالنص تأثير جنسه القريب في الجنس القريب لذلك الحكم وإما أن يكون كذلك ، والأول هو الشبه لأنه من حيث هو غير مناسب يظن أنه غير معتبر في حق ذلك الحكم ومن حيث إنه علم تأثير جنسه القريب في الجنس القريب لذلك الحكم مع أن سائر الأوصاف ليس كذلك يكون ظن إسناد الحكم إليه أقوى من ظن إسناده إلى غيره انتهى . وحكى ابن الأنباري في شرح البرهان عن القاضي أنه ما يوهم الاشتمال على وصف مخيل ، ثم قال وفيه نظر من جهة أن الخصم قد ينازع في إيهام الاشتمال على مخيل إما حقاً أو عناداً ولا يمكن التقرير عليه . قال الزركشي والذي في مختصر التقريب من كلام القاضي أن قياس الشبه هو إلحاق فرع بأصل لكثرة إشباهه للأصل في الأوصاف من غير أن يعتقد أن الأوصاف التي شابه الفرع بها الأصل علة حكم الأصل . وقيل الشبه هو الذي لا يكون مناسباً للحكم ولكن عرف اعتبار جنسه القريب في الجنس القريب. واختلف في الفرق بينه وبين الطرد ، فقيل إن الشبه الجمع بينهما بوصف يوهم المناسبة كما تقدم. والطرد الجمع بينهما بمجرد الطرد وهو السلامة عن النقض ونحوه. وقال الغزالي في المستصفى الشبه لا بد أن يزيد على الطرد بمناسبة الوصف الجامع لعلة الحكم وإن لم يناسب الحكم قال وإن لم يريدوا بقياس الشبه هذا فلا أدري ما أرادوا به، وبم فصلوه عن الطرد المحض . والحاصل أن الشبهي والطردي يجتمعان في عدم الظهور في المناسب ، ويتخالفان في أن الطردي عهد من الشارع عدم الالتفات إليه وسمي شبهاً لأنه باعتبار الوقوف على المناسبة يجزم المجتهد بعدم مناسبته ومن حيث اعتبار الشرع له في بعض الصور يشبه المناسب والطردي ، وفرق إمام الحرمين بين الشبه والطرد بأن الطرد نسبة ثبوت الحكم إليه ونفيه على السواء والشبه نسبة الثبوت إليه مترجحة على نسبة النفي فافترقا . قال ابن الحاجب في مختصر المنهى ويتميز يعني الشبه عن الطردي بأن وجوده كالعدم وعن المناسب الذاتي بأن مناسبته عقلية وإن لم يرد الشرع به كالاسكار في التحريم . مثاله طهارة تراد للصلاة فيتعين الماء كطهارة الحدث فالمناسبة غير ظاهرة واعتبارها في مس المصحف والصلاة يوهم المنسابة انتهى . واختلفوا في كونه حجة أم لا عى مذاهب .

الأول : أنه حجة وإليه ذهب الأكثرون.

الثاني : أنه ليس حجة قال ابن السمعاني وبه قال أكثر الحنفية وإليه ذهب من ادعى التحقيق منهم وإليه ذهب القاضي أبو بكر والأستاذ أبو منصور وأبو إسحاق المروزي وأبو إسحاق الشيرازي وأبو الصيرفي والقاضي أبو الطيب الطبري .

الثالث: اعتباره في الأشياء الراجعة إلى الصورة.

الرابع: اعتباره فيما غلب على الظن أنه مناط الحكم بأن يظن انه مستلزم لعلة الحكم فمتى كان كذلك صح القياس سواء كانت المشابهة في الصورة او المعنى وإليه ذهب الفخر الرازي وحكاه القاضي في التقريب عن ابن سريج .

الخامس: إن تمسك به المجتهد كان حجة في حقه إن حصلت غلبة الظن وإلا فلا وأما المناظر فيقبل منه مطلقاً هذا ما اختاره الغزالي في المستصفى . وقد احتج القائلون بأنه حجة بأنه يفيد غلبة الظن فوجب العمل له ، واحتج القائلون بأنه ليس بحجة بوجهين .

الأول : أن الوصف الذي كان شبهاً إن كان مناسباً فهو معتبر بالاتفاق وإن كان غير مناسب فهو الطرد المردود بالاتفاق .

الثاني : أن المعتمد في إثبات القياس على عمل الصحابة ولم يثبت عنهم أنهم تمسكوا بالشبه . وأجيب عن الأول بأنا لا نسلم أن الوصف إذا لم يكن مناسباً كان مردوداً بالاتفاق بل ما لا مناسباً إن كان مستلزماً للمناسب أو عرف بالنص تأثير جنسه القريب في الجنس القريب لذلك الحكم فهو غير مردود وعن الثاني بأنا نعول في إثبات هذا النوع من القياس على عموم قوله : فاعتبروا على ما ذكرنا أنه يجب العمل بالظن . ويجاب عن هذين الجوابين أنا لا نسلم أن ما كان مستلزماً للمناسب كالمناسب ولا يحصل به الظن بحال ولا تدل عليه الآية بوجه من وجوه الدلالة كما سبق تقريره في أول مباحث القياس .ب المصير إليه وإن لم يعلم ذلك بل جوز فقد وجب المصير إلى ظاهر الخبر وهذا مسلم إذا حصل العلم بذلك . وأما إذا ترك الصحابي العمل بما رواه بالكلية فقد قدمنا الكلام عليه في الشروط التي ترجع إلى مدلول الخبر ولا وجه لما قيل من أنه قد اطلع على ناسخ لذلك الخبر الذي رواه لأنا لم نتعبد بمجرد هذا الاحتمال وأيضاً فربما ظن أنه منسوخ ولم يكن كذلك .

المسلك الثامن: الطرد

قال في المحصول والمراد منه الوصف الذي لم يكن مناسباً ولا مستلزماً للمناسب إذا كان الحكم حاصلاً مع الوصف في جميع الصور المغايرة لمحل النزاع وهذا المراد من الأطراد والجريان وهو قول كثير من فقهائنا ومنهم من بالغ فقال مهما رأينا الحكم حاصلاً مع الوصف في صورة واحدة يحصل ظن الغلبة ، احتجوا على التفسير الأول بوجهين : أحدهما أن استقراء الشرع يدل على أن النادر في كل باب يلحق بالغالب فإذا رأينا الوصف في جميع الصور المغايرة لمحل النزاع مقارناً للحكم ثم رأينا الوصف حاصلاً في الفرع وجب أن يستدل على ثبوت الحكم إلحاقاً لتلك الصورة بسائر الصور. وثانيهما إذا رأينا فرس القاضي واقفاً على باب الأمير غلب على ظننا كون القاضي في دار الأمير وما ذاك إلا لأن مقارنتهما في سائر الصور أفاد ظن مقارنتهما في هذه الصورة المعينة ، واحتج المخالف بأمرين : أولهما أن الأطراد عبارة عن كون الوصف بحيث لا يوجد إلا ويوجد معه الحكم وهذا لا يثبت إلا إذا ثبت أن الحكم حاصل معه في الفرع فإذا أثبتم ثبوت الحكم في الفرع بكون ذلك الوصف علة وأثبتم عليته بكونه مطرداً لزم الدور وهو باطل . وثانيهما أن الحد مع المحدود والجوهر مع العرض وذات الله مع صفاته حصلت المقارنة فيها مع عدم العلية ، والجواب أن نستدل بالمصاحبة في كل الصور غير الفرع على العلية وحينئذ لا يلزم الدور وعن الثاني ان غاية كلامكم حصول الطرد في بعض الصور منفكاً عن العلية وهذا لا يقدح في دلالته على العلية ظاهراً كما أن الغيم الرطب دليل المطر ثم عدم نزول المطر في بعض الصور لا يقدح في كونه دليلا ًوأيضاً المناسبة والدوران والتأثير والإيماء قد ينفك كل واحد منها عن العلية ولم يكن ذلك قدحاً في كونها على العلية ظاهراً انتهى . وقد جعل بعض أهل الأصول الطرد والدوران شيئاً واحداً وليس كذلك فإن الفرق بين الطرد والدوران أن الطرد عبارة عن المقارنة في الوجود دون العدم والدوران عبارة عن المقارنة وجوداً وعدماً . والتفسير الأول للطرد المذكور في المحصول قال الهندي هو قول الأكثرين .

وقد اختلفوا في كون الطرد حجة فذهب بعضهم إلى أنه ليس بحجة مطلقاً وذهب آخرون إلى أنه حجة مطلقاً وذهب بعض أهل الأصول إلى التفصيل ، فقال هو حجة على التفسير الأول دون الثاني ، ومن القائلين بالمذهب الأول جمهور الفقهاء والمتكلمين كما نقله القاضي عنهم قال القاضي حسين لا يجوز أن يدان الله به واختار الرازي والبيضاوي أنه حجة وحكاه الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في التبصرة عن الصيرفي قال الكرخي هو مقبول جدلاً ولا يسوغ التعويل عليه عملاً والفتوى به، قال القاضي أبو الطيب الطبري ذهب بعض متأخري أصحابنا إلى أنه يدل على صحة العلية واقتدى به قوم من أصحاب أبي حنيفة بالعراق فصاروا يطردون الأوصاف على مذاهبهم ويقولون إنها قد صحت كقولهم في مس الذكر آلة الحدث فلا ينتقض الوضوء بلمسه لأنه طويل مشقوق فأشبه البوق وفي السعي بين الصفا والمروة إنه سعى بين جبلين فلا يكون ركناً كالسعي بين جبلين بنيسابور ولا يشك عاقل أن هذا سخف. قال ابن السمعاني وسمي أبو زيد الذين يجعلون الطرد حجة والإطراد دليلاً على صحة العلية حشوية أهل القياس قال ولا يعد هؤلاء من جملة الفقهاء .ب المصير إليه وإن لم يعلم ذلك بل جوز فقد وجب المصير إلى ظاهر الخبر وهذا مسلم إذا حصل العلم بذلك . وأما إذا ترك الصحابي العمل بما رواه بالكلية فقد قدمنا الكلام عليه في الشروط التي ترجع إلى مدلول الخبر ولا وجه لما قيل من أنه قد اطلع على ناسخ لذلك الخبر الذي رواه لأنا لم نتعبد بمجرد هذا الاحتمال وأيضاً فربما ظن أنه منسوخ ولم يكن كذلك .


المسلك التاسع: الدوران

وهو أن يوجد الحكم عند وجود الوصف ويرتفع بارتفاعه في صورة واحدة كالتحريم مع السكر في العصير فإنه لما لم يكن مسكراً لم يكن حراماً فلما حدث السكر فيه وجدت الحرمة ثم لما زال السكر بصيرورته خلا زال التحريم فدل على أن العلة السكر . وقد اختلف أهل الأصول في إفادته للعلية فذهب بعض المعتزلة إلى أنه يفيد القطع بالعلية وذهب الجمهور إلى أنه يفيد ظن العلية بشرط عدم المزاحم لأن العلة الشرعية لا توجب الحكم بذاتها وإنما هي علامة منصوبة فإذ دار الوصف مع الحكم غلب على الظن أنه معرف قال الصفي الهندي هو المختار قال إمام الحرمين ذهب كل من يعزي إلى الجدل إلى أنه أقوى ما تثبت به العلل وذكر القاضي أبو الطيب الطبري أن هذا المسلك من أقوى المسالك وذهب بعض أهل الأصول إلى أنه لا يفيد بمجرده لا قطعاً ولا ظناً واختاره الأستاذ أبو منصور وابن السمعاني والغزالي والشيخ أبو إسحاق الشيرازي والآمدي وابن الحاجب . واحتجوا بأنه قد وجد مع العلية فلا يكون دليلاً عليها ألا ترى أن المعلول دار مع العلة وجوداً وعدماً مع أن المعلول ليس بعلة لعلته قطعاً والجوهر والعرض متلازمان مع أن أحدهما ليس بعلة في الآخر اتفاقاً والمتضايقان كالأبوة والبنوة متلازمان وجوداً وعدماً مع أن أحدهما ليس بعلة في الآخر لوجوب تقدم العلة على المعلول ووجوب تصاحب المتضايفين وإلا لما كان متضايفان .ب المصير إليه وإن لم يعلم ذلك بل جوز فقد وجب المصير إلى ظاهر الخبر وهذا مسلم إذا حصل العلم بذلك . وأما إذا ترك الصحابي العمل بما رواه بالكلية فقد قدمنا الكلام عليه في الشروط التي ترجع إلى مدلول الخبر ولا وجه لما قيل من أنه قد اطلع على ناسخ لذلك الخبر الذي رواه لأنا لم نتعبد بمجرد هذا الاحتمال وأيضاً فربما ظن أنه منسوخ ولم يكن كذلك .

المسلك العاشر: تنقيح المناط

التنقيح في اللغة التهذيب والتمييز ويقال كلام منقح أي لا حشو فيه والمناط هو العلة. قال ابن دقيق العيد وتعبيرهم عن العلة بالمناط من باب المجاز اللغوي لأن الحكم لما علق بها كان كالشيء المحسوس الذي تعلق بغيره فهو من باب تشبيه المعقول بالمحسوس وصار ذلك في اصطلاح الفقهاء بحيث لا يفهم عند الاطلاق غيره انتهى . ومعنى تنقيح المناط عند الأصوليين إلحاق الفرع بالأصل بإلغاء الفارق بأن يقال لا فرق بين الأصل والفرع إلا كذا وذلك لا مدخل له في الحكم ألبته فيلزم اشتراكهما في الحكم لاشتراكهما في الموجب له كقياس الأمة على العبد في السراية فإنه لا فرق بينهما إلا الذكورة وهو ملغى بالإجماع إذ لا مدخل له في العلية . قال الصفي الهندي والحق أن تنقيح المناط قياس خاص مندرج تحت مطلق القياس وهو عام يتناوله وغيره . وكل منهما قد يكون ظنياً وهو الأكثر وقطعياً لكن حصول القطع فيما فيه الإلحاق بإلغاء الفارق أكثر من الذي الإلحاق فيه بذكر الجامع لكن ليس ذلك فرقاً في المعنى بل في الوقوع وحينئذ لا فرق بينهما في المعنى . قال الغزالي تنقيح المناط يقول به أكثر منكري القياس ولا نعرف بين الأمة خلافاً في جوازه ونازعه العبدري بأن الخلاف فيه ثابت بين من يثبت القياس وينكره لرجوعه إلى القياس وقد زعم الفخر الرازي أن هذا المسلك هو مسلك السبر والتقسيم فلا يحسن عده نوعاً آخر ورد عليه بأن بينهما فرقاً ظاهراً وذلك أن الحصر في دلالة السبر والتقسيم لتعيين العلة إما استقلالاً أو اعتباراً وفي تنقيح المناط لتعيين الفارق وإبطاله لا لتعيين العلة .ب المصير إليه وإن لم يعلم ذلك بل جوز فقد وجب المصير إلى ظاهر الخبر وهذا مسلم إذا حصل العلم بذلك . وأما إذا ترك الصحابي العمل بما رواه بالكلية فقد قدمنا الكلام عليه في الشروط التي ترجع إلى مدلول الخبر ولا وجه لما قيل من أنه قد اطلع على ناسخ لذلك الخبر الذي رواه لأنا لم نتعبد بمجرد هذا الاحتمال وأيضاً فربما ظن أنه منسوخ ولم يكن كذلك .


المسلك الحادي عشر: تحقيق المناط

وهو أن يقع الاتفاق على علية وصف بنص أو إجماع فيجتهد في وجودها في صورة النزاع كتحقيق أن النباش سارق ، وسمي تحقيق المناط لأن المناط وهو الوصف علم أنه مناط وبقي النظر في تحقيق وجوده في الصورة المعينة . قال الغزالي وهذا النوع من الاجتهاد لا خلاف فيه بين الأمة والقياس مختلف فيه فكيف يكون هذا قياساً ؟ . واعلم إنهم قد جعلوا القياس من أصله ينقسم إلى ثلاثة أقسام : قياس علة وقياس دلالة وقياس في معنى الأصل ، فقياس العلة ما صرح فيه بالعلة كما يقال في النبيذ إنه مسكر فيحرم كالخمر ، وقياس الدلالة هو أن لا يذكر فيه العلة بل وصف ملازم لها كما لو علل في قياس النبيذ على الخمر برائحة المشتد ، والقياس الذي في معنى الأصل أن يجمع بين الأصل والفرع بنفي الفارق ، وهو تنقيح المناط ما تقدم . وأيضاً قسموا القياس إلى جلي وخفي . فالجلي ما قطع فيه بنفي الفارق بين الأصل والفرع كقياس الأمة على العبد في أحكام العتق فإنا نعلم قطعاً أن الذكورة والأنوثة فيها مما لم يعتبره الشارع وأنه لا فارق بينهما إلا ذلك فحصل لنا القطع بنفي الفارق . والخفي بخلافة وهو ما يكون نفي الفارق فيه مظنوناً كقياس النبيذ على الخمر في الحرمة إذ لا يمتنع أن تكون خصوصية الخمر معتبرة ولذلك اختلفوا في تحريم النبيذ .ب المصير إليه وإن لم يعلم ذلك بل جوز فقد وجب المصير إلى ظاهر الخبر وهذا مسلم إذا حصل العلم بذلك . وأما إذا ترك الصحابي العمل بما رواه بالكلية فقد قدمنا الكلام عليه في الشروط التي ترجع إلى مدلول الخبر ولا وجه لما قيل من أنه قد اطلع على ناسخ لذلك الخبر الذي رواه لأنا لم نتعبد بمجرد هذا الاحتمال وأيضاً فربما ظن أنه منسوخ ولم يكن كذلك .

الفصل الخامس فيما لا يجري فيه القياس

فمن ذلك الأسباب . وقد اختلفوا في ذلك فذهب أصحاب أبي حنيفة وجماعة الشافعية وكثير من أهل الأصول إلى أنه لا يجري فيها . وذهب جماعة من أصحاب الشافعي إلى أنه يجري فيها ، ومعنى القياس في الأسباب أن يجعل الشارع وصفاً سبباً لحكم فيقاس عليه وصف آخر فيحكم بكونه سبباً ، وذلك نحو جعل الزنا سبباً للحد فيقاس عليه اللواط في كونه سبباً للحد . احتج المانعون بأن عليه سببية المقيس عليه وهي قدر من الحكمة يتضمنها الوصف الأول منتفية في المقيس وهو الوصف الآخر أي لم يعلم ثبوتها فيه لعدم انضباط الحكم وتغاير الوصفين فيجوز اختلاف الحكمة الحاصلة بهما ، وإذا كان كذلك امتنع الجمع بينهما في الحكم وهو السببية لأن معنى القياس الاشتراك في العلة وبه يمكن التشريك في الحكم. وأيضاً الحكمة المشتركة إما أن تكون ظاهرة منضبطة يمكن جعلها مناطاً للحكم أو لا تكون . فعلى الأولى قد استغنى القياس عن الالتفات إلى الوصفين وصار القياس في الحكم المترتب على الحكمة وهي الجامع بينهما فاتحد الحكم والسبب وهو الخلاف المفروض ، وعلى الثاني فإما يكون لها مظنة أي وصف ظاهر منضبط تنضبط هي به أولاً فعلى الأول صار في الحكم المترتب على ذلك الوصف فاتحد الحكم والسبب أيضاً، وعلى الثاني لا جامع بينهما من حكمة أو مظنة فيكون قياساً خالياً عن الجامع وهو لا يجوز . واحتج القائلون بالجواز بأنه قد ثبت القياس في الأسباب، وذلك كقياس المثقل على المحدد في كونه سبباً للقصاص وقياس اللواطة على الزنا في كونها سبباً للحد. وأجيب بأن ذلك خارج عن محل النزاع لأن النزاع إنما هو فيما تغاير فيه السبب في الأصل والفرع أي الوصف المتضمن للحكمة وكذا العلة وهي الحكمة وهاهنا السبب سبب واحد يثبت لهما أي الحكم وهما الأصل والفرع بعلة واحدة ففي المثقل والمحدد السبب هو القتل العمد العدوان والعلة الزجر لحفظ النفس الحكم القصاص وفي الزنا واللواطة السبب إيلاج فرج في فرج محرم شرعاً مشتهى طبعاً والعلة الزجر لحفظ النسب والحكم وجوب الحد. وهذا الجواب لا يرد على الحنفية المانعين من القياس في الأسباب لأنهم لا يقولون بالقصاص في المثقل ولا بالحد في اللواطة وإنما يرد من قال بمنع القياس في الأسباب من الشافعية فإنهم يقولون بذلك. قال المحقق السعد والحق أن رفع النزاع بمثل ذلك يعني لكونه ليس محل النزاع ممكن في كل صورة فإن القائلين بصحة القياس في الأسباب لا يقصدون إلا ثبوت الحكم بالوصفين لما بينهما من الجامع ويعود إلى ما ذكرتم من اتحاد الحكم والسبب.

واختلفوا أيضاً هل يجري القياس في الحدود و الكفارات أم لا ؟ فمنعه الحنفية وجوزه غيرهم . احتج المانعون بأن الحدود مشتملة على تقديرات لا تعقل كعدد المائة في الزنا والثمانين في الذف فإن العقل لا يدرك الحكمة في اعتبار خصوص هذا العدد والقياس فرع تعقل المعنى في حكمة الأصل وما كان يعقل منها كقطع يد السارق لكونها قد جنت بالسرقة فقطعت فإن الشبهة في القياس لاحتماله الخطأ توجب المنع من إثباته بالقياس وهكذا اختلاف تقديرات الكفارات فإنه لا يعقل كما لا تعقل أعداد الركعات . وأجيب عن ذلك بأن جريان القياس إنما يكون فيما يعقل معناه منها لا فيما يعقل فإنه لا خلاف في عدم جريان القياس فيه كما في غير الحدود والكفارات ولا مدخل لخصوصيتهما في امتناع القياس . وأجيب عما ذكروه من الشبهة في القياس لاحتماله الخطأ بالنقض بخبر الواحد وبالشهادة فإن احتمال الخطأ فيهما قائم لأنهما لا يفيدان القطع وذلك يقتضي عدم ثبوت الحد بهما والجواب الجواب . واحتج القائلون بإثبات القياس في الحدود والكفارات بأن الدليل الدال على حجية القياس يتناولهما بعمومه فوجب العمل به فيهما . ويؤيد ذلك أن الصحابة حدوا في الخمر بالقياس حتى تشاوروا فيه فقال علي رضي الله عنه : إذا شرب سكر وإذا سكر هذى وإذا هذى افترى . فأرى عليه حد الافتراء فأقام مظنة الشيء مقامه وذلك هو القياس ، واحتجوا أيضاً بأن القياس إنما يثبت في غير الحدود والكفارات لاقتضاء الظن وهو حاصل فيهما فوجب العمل به . واعلم أن عدم جريان القياس فيما لا يعقل كضرب الدية على العاقلة قد قيل إنه إجماع وقيل إنه مذهب الجمهور وأن المخالف في ذلك شذوذ ووجه المنع أن القياس فرع تعقل المعنى المعلل به الحكم في الأصل و استدل من أثبت القياس فيما لا يعقل معناه بأن الأحكام الشرعة متماثلة لأنه يشملها حد واحد وهو الحكم الشرعي والممثلان يجب اشتراكهما فيما يجوز عليهما لأن حكم الشيء حكم مثله . وأجيب بأن هذا القدر لا يوجب التماثل وهو الاشتراك في النوع فإن الأنواع المتخالفة قد تندرج تحت جنس واحد فيعمها حد واحد وهو حد ذلك الجنس ولا يلزم من ذلك تماثلها بل تشترك في الجنس ويمتاز كل نوع منها بأمر يميزه وحينئذ فما كان يلحقها باعتبار القدر المشترك من الجواز والامتناع يكون عاماً لا ما كان يلحقها باعتباره غيره .ب المصير إليه وإن لم يعلم ذلك بل جوز فقد وجب المصير إلى ظاهر الخبر وهذا مسلم إذا حصل العلم بذلك . وأما إذا ترك الصحابي العمل بما رواه بالكلية فقد قدمنا الكلام عليه في الشروط التي ترجع إلى مدلول الخبر ولا وجه لما قيل من أنه قد اطلع على ناسخ لذلك الخبر الذي رواه لأنا لم نتعبد بمجرد هذا الاحتمال وأيضاً فربما ظن أنه منسوخ ولم يكن كذلك .



الفصل السادس في الاعتراضات

أي ما يعترض به المعترض على كلام المستدل وهي في الأصل تنقسم إلى ثلاثة أقسام: مطالبات وقوادح ومعارضة ، لأن كلام المعترض إما أن يتضمن تسليم مقدمات الدليل أولاً . الأول المعارضة والثاني أما أن يكون جوابه ذلك الدليل أولاً . الأول المطالبة . والثاني القدح وقد أطنب الجدليون في هذه الاعتراضات ووسعوا دائرة الأبحاث فيها حتى ذكر بعضهم منها ثلاثين اعتراضاً وبعضهم خمسة وعشرين وبعضهم جعلها عشرة وجعل الباقية راجعة إليها فقال هي فساد الوضع ، فساد الاعتبار عدم التأثير ، القول بالموجب ، النقض ، المنع ، التقسيم ، المعارضة ، المطالبة . قال والكل مختلف فيه إلا بالمنع والمطالبة وهذا يدل على الإجماع على المنع والمطالبة وفيه أنه قد خالف في المنع غير واحد منهم الشيخ أبو إسحاق الشيرازي وخالف في المطالبة شذوذ من أهل العلم وقال ابن الحاجب في المختصر أنها راجعة إلى منع أو معارضة وإلا لم تسمع وهي خمسة وعشرون انتهى . وقد ذكرها جمهور أهل الأصول في أصول الفقه وخالف في ذلك الغزالي فأعرض عن ذكرها في أصول الفقه وقال إنها كالعلاوة عليه وأن موضع ذكرها علم الجدل ، وقال صاحب المحصول إنها أربعة : النقض ، وعدم التأثير ، والقول الموجب ، والقلب انتهى . وسنذكر هاهنا منها ثمانية وعشرين اعتراضاً:

الاعتراض الأول: النقض وهو تخلف الحكم مع وجود العلة ولو في صورة واحدة فإن اعترف المستدل بذلك كان نقضا صحيحاً عند من يراه قادحاً وأما من لم يره قادحاً فلا يسميه نقضاً بل يجعله من باب تخصيص العلة وقد بالغ أبو زيد في الرد على من يسميه نقضاً ، وينحصر النقض في تسع صور لأن العلة إما منصوصة قطعاً أو ظناً أو مستنبطة وتخلف الحكم عنها إما المانع أو فوات شرط أو بدونهما .

وقد اختلف الأصوليون في هذا الاعتراض على مذاهب :

الأول : أنه يقدح في الوصف المدعى علة مطلقاً سواء كانت منصوصة أو مستنبطة وسواء كان تخلف الحكم لمانع أو لا لمانع وهو مذهب المتكلمين وهو اختيار أبي الحسين البصري والأستاذ أبي إسحاق والفخر الرازي وأكثر أصحاب الشافعي ونسبوه إلى الشافعي ورجحوا أنه مذهبه .

المذهب الثاني : أنه لا يقدح مطلقاً في كونها علة فيما وراء النقض ويتعين بتقدير مانع أو تخلف شرط وإليه ذهب أكثر أصحاب أبي حنيفة مالك وأحمد .

المذهب الثالث : أنه لا يقدح في المنصوصة ويقدح في المستنبطة حكاه إمام الحرمين عن المعظم فقال ذهب معظم الأصوليين إلى أن النقض يبطل العلة المستنبطة . وقال في المحصول زعم الأكثرون أن علية الوصف إذا ثبتت بالنص لم يقدح التخصيص في عليته .

المذهب الرابع : أنه يقدح في المنصوصة دون المستنبطة عكس الذي قبله حكاه بعض الأصول وهو ضعيف جداً . المذهب الخامس : أنه لا يقدح في المستنبطة إذا كان لمانع أو عدم شرط ويقدح في المنصوصة حكاه ابن الحاجب وقد أنكروه عليه وقالوا لعله فهم ذلك من كلام الآمدي وفي كلام الآمدي ما يدفعه.

المذهب السادس : أنه لا يقدح حيث وجد مانع مطلقاً سواء كانت العلة منصوصة أو مستنبطة فإن لم يكن مانع قدح واختاره البيضاوي والصفي الهندي .

المذهب السابع : أنه يقدح في المستنبطة في صورتين إذا كان التخلف لمانع أو انتفاء شرط ولا يقدح في صورة واحدة وهي ما إذا كان التخلف بدونهما ، وأما المنصوصة فإن كان النص ظنياً وقدر مانع أو فوات شرط جاز وإن كان قطعياً لم يجز أي لم يكن وقوعه لأن الحكم لو تخلف الدليل ، وحاصله أنه لا يقدح في المنصوصة إلا بظاهر عام ولا يقدح في المستنبطة إلا لمانع أو فقد شرط واختاره ابن الحاجب وهو قريب من كلام الآمدي .

المذهب الثامن : أنه يقدح في علة الوجوب واحل دون علة الحظر حكاه القاضي عن بعض المعتزلة .

المذهب التاسع : أنه يقدح إن انتفضت على أصل من جعلها علة ولم يلزمه الحكم بها وإن اطردت على أصله ألزم حكاه الأستاذ أبو إسحاق عن بعض المتأخرين قال وهو من حشو الكلام لولا أنه أودع كتاباً مستعملاً لكان تركه أولى .

المذهب العاشر : إن كانت العلة مؤثرة لم يرد النقض عليها لأن تأثيرها لا يثبت إلا بدليل مجمع عليه ومثله لا ينقض حكاه ابن السمعاني عن أبي زيد ورده بأن النقض يفيد عدم تأثير العلة .

المذهب الحادي عشر: إن كانت العلة مستنبطة فإن اتجه فرق بين محل التعليل وبين صورة النقض بطلت عليته لكون المذكور أولاً جزءاً من العلة وليست علة تامة وإن لم يتجه فرق بينهما فإن لم يكن الحكم مجمعاً عليه أو ثابتاً بمسلك قاطع بطلت عليته وإلا فلا واختاره إمام الحرمين الجويني .

المذهب الثاني عشر : أن يتخلف الحكم عن العلة وله ثلاث صور: الأولى أن يعرض في جريان العلة ما يقتضي عدم إطرادها فإنه يقدح . الثانية أن تنتفي العلة لا لخلل في نفسها لكن لمعارضة علة أخرى فهذا لا يقدح . الثالثة أن يختلف الحكم لا لخلل في ركن العلة لكن لعدم مصادفتها محلها أو شرطها فلا يقدح وهذا اختيار الغزالي وفي كلامه طول .

المذهب الثالث عشر : إن كان النقض من جهة المستدل فلا يقدح لأن الدليل قد يكون صحيحاً في نفسه وينقضه المستدل فلا يكون نقضه دليلاً على فساده لأنه قد ينقضه على أصله ويكون أصل غيره مخالفاً له وإن كان النقض من جهة قدح ، حكاه الأستاذ أبو منصور .

المذهب الرابع عشر : أن علية الوصف إن ثبتت بالمناسبة أو الدورات وكان النقض بتخلف الحكم عنها لمانع لم يقدح في عليته وإن كان التخلف لا لمانع قدح ، حكاه صاحب المحصول ونسبه إلى الأكثرين.

المذهب الخامس عشر : أن الخلاف في هذه المسألة لفظي لأن العلة إن فسرت بالموجبة فلا يتصور عليتها مع الانتقاض وإن فسرت بالمعرفة فيتصور عليتها مع الانتقاض وهذا رجحه الغزالي والبيضاوي وابن الحاجب وفيه نظر فإن الخلاف معنوي لا لفظي على كل حال.

قال الزركشي في البحر : واعلم أنه إذا قال المعترض ما ذكرت من العلة منقوض بكذا فللمستدل أن يقول لا نسلم ويطالبه بالدليل على وجودها في محل النقض وهذه المطالبة مسموعة بالاتفاق انتهى . قال الأصفهاني لا يشترط في القيد الدافع للنقض أن يكون مناسباً بل غير المناسب مقبول مسموع اتفاقاً والمانعون من التعليل بالشبه يوافقون على ذلك وقال في المحصول هل يجوز دفع النقض بقيد طردي أما الطاردون فقد جوزوه وأما منكرو الطرد فمنهم من جوزه والحق أنه لا يجوز لأن أحد أجزاء العلة إذا لم يكن مؤثراً لم يكن مجموع العلة مؤثراً وهكذا قال إمام الحرمين في هذا البرهان ثم اختار التفصيل بين أن يكون القيد الطردي يشير إلى مسألة تفارق مسألة النزاع بفقه فلا يجوز نقض العلة وإلا فلا يفيد الاحتراز عنه قال ولو فرض التقييد بإسم غير مشعر بفقه ولكن مباينة المسمى به لما عداه مشهورة بين النظار فهل يكون التقييد تخصيصاً للعلة ؟ اختلف فيه الجدليون والأقرب تصحيحه لأنه إصطلاح .

الإعتراض الثاني : الكسر، وهو إسقاط وصف من أوصاف العلة المركبة وإخراجه عن الاعتبار بشرط أن يكون المحذوف مما لا يمكن أخذه في حد العلة هكذا قال أكثر الأصوليين والجدليين ومنهم من فسره بأنه وجود المعنى في صورة مع عدم الحكم فيه والمراد وجود معنى تلك العلة في موضع آخر معها ذلك الحكم وعلى هذا التفسير يكون كالنقض ولهذا قال ابن الحاجب في المختصر : الكسر وهو نقض المعنى والكلام فيه كالنقض ، ومثاله أن يعلل المستدل على القصر في السفر بالمشقة فيقول المعترض ما ذكرته من المشقة ينتقض بمشقة أرباب الصنائع الشاقة في الحضر وفد ذهب الأكثرون إلى أن الكسر غير مبطل ، وأما جماعة من الأصوليين منهم الفخر الرازي والبيضاوي فجعلوه من القوادح . قال الصفي الهندي : الكسر نقض يرد على بعض أوصاف العلة وذلك هو ما عبر عنه الآمدي بالنقض المكسور قال الصفي الهندي وهو مردود عند الجماهير إلا إذا بين الخصم إلغاء القيد ونحن لا نعني بالكسر إلا إذا بين . أما إذا لم يبين فلا خلاف أنه مردود وأما إذا بين فالأكثرون على أنه قادح وقال الآمدي والأكثرون على أنه غير قادح مردود وقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في التلخيص : واعلم أن الكسر سؤال مليح والاشتغال به ينتهي إلى بيان الفقه وتصحيح العلة وقد اتفق أكثر أهل العلم على صحته وإفساد العلة به ويسمونه النقض من طريق المعنى والإلزام من طريق الفقه وأنكره طائفة من الخرسانيين قال وهذا غير صحيح لأن الكسر نقض من حيث المعنى فهو بمنزلة النقض من طريق اللفظ انتهى. وقد جعلوا منه ما رواه البيهقي عنه ضصض أنه دعي إلى دار فأجاب ودعي إلى دار أخرى فلم يجب فقيل له في ذلك فقال إن في دار فلان كلباً فقيل وفي هذا الدار سنور فقال السنور سبع ، ووجه الدلالة أنهم ظنوا أن الهرة يكسر المعنى فأجاب بالفرق وهو أن الهرة سبع أي ليست بنجسة كذا قيل . قال في المنخول قال الجدليون الكسر يفارق النقض فإنه يرد على إخالة المعلل لا على عبارته والنقض يرد على العبارة قال وعندنا لا معنى للكسر فإن كل عبارة لا إخالة فيها فهي طرد محذوف فالوارد على الإخالة نقض ولو ورد على أحد الوصفين مع كونهما مختلفين فهو باطل لا يقبل.

الاعتراض الثالث : عدم العكس ، وهو وجود الحكم بدون الوصف في صورة أخرى كاستدلال الحنفي على منع تقديم أذان الصبح بقوله صلاة لا تقصر فلا يجوز تقديم أذانها كالمغرب فيقال له هذا الوصف لا ينعكس لأن الحكم الذي هو منع التقديم للأذان على الوقت موجود فيما قصر من الصلوات لعلة أخرى قال إمام الحرمين إذا قلنا إن اجتماع العلل على معلول واحد غير واقع فالعكس لازم ما لم يثبت الحكم عند انتفاء العلة يتوقف لكن لا يلزم المستدل بيانه بخلاف ما ألزمناه في النقض لأن ذاك داع إلى الانتشار وسببه أن إشعار النفي بالنفي منحط عن إشعار الثبوت بالثبوت وقال الآمدي لا يرد سؤال العكس إلا أن يتفق المتناظران على اتحاد العلة . الاعتراض الرابع : عدم التأثير ، قد ذكر جماعة من أهل الأصول أن هذا الاعتراض قوي حتى قال ابن الصباغ إنه من أصح ما يعترض به على العلة وقال السمعاني ذكر كثير من أصحابنا سؤال عدم التأثير ولست أرى له وجهاً بعد أن يبين المعلل التأثير لعلته وقد ذكرنا أن العلة الصحيحة ما أقيم الدليل على صحتها بالتأثير وقد جعله القائلون به منقسماً إلى أقسام :

الأول : عدم التأثير في الوصف لكونه طردياً وهو راجع إلى عدم العكس السابق قبل هذا كقولهم صلاة الصبح لا تقصر فلا تقدم على وقتها كالمغرب فقولهم لا تقصر وصف طردي بالنسبة إلى عدم التقديم .

الثاني : عدم التأثير في الأصل لكونه مستغنى عنه في الأصل لوجود معنى آخر مستقل بالغرض كقولهم في بيع الغائب مبيع غير مرئي كالطير في الهواء فلا يصح فيقال لا أثر لكونه غير مرئي فإن العجز عن التسليم كاف لأن بيع الطير لا يصح وإن كان مرئياً، وحاصله معارضة في الأصل لأن المعترض يلغي من العلة وصفاً ثم يعارضه المستدل بما بقي . قال إمام الحرمين والذي صار إليه المحققون فساد العلة بما ذكرنا ، وقيل بل يصح لأن ذلك القيد له أثر في الجملة وإن كان مستغنى عنه كالشاهد الثالث بعد شهادة عدلين وهو مردود لأن ذلك القيد ليس محله ولا وصفاً له فذكره لغو بخلاف الشاهد الثالث فإنه متهيء لأن يصير عند عدم صحة شهادة أحد الشاهدين ركناً.

الثالث : عدم التأثير في الأصل والفرع جميعاً بأن يكون له فائدة في الحكم إما ضرورية كقول من اعتبر الاستنجاء بالأحجار وإما غير ضرورية كقولهم الجمعة صلاة مفروضة فلم تفتقر إلى إذن الإمام كالظهر فإن قولهم مفروضة حشو لو حذف لم يضر.

الرابع : عدم التأثير في الفرع كقولهم زوجت نفسها فلا يصح كما لو زوجت من غير كفء لا أثر له فإن النزاع في الكفء وغيره سواء .

وقد اختلف فيه على أقوال : الأول الجواز قال الأستاذ أبو بكر وهو الأصح، والثاني المنع، والثالث التفصيل وهو عدم الجواز مع تبيين محل السؤال والجواز مع عمدة واختاره إمام الحرمين . الخامس عدم التأثير في الحكم وهو أن يذكر في الدليل وصفاً لا تأثير في الحكم للعلل به كقولهم في المرتدين الذين يتلفون الأموال مشركون أتلفوا في دار الحرب فلا ضمان عليهم كالحربي فإن دار الحرب لا مدخل لها في الحكم فلا فائدة لذكرها لأن من أوجب الضمان يوجبه وإن لم يكن في دار الحرب وكذا من نفاه ينفيه مطلقاً .

الاعتراض الخامس : القلب . قال الآمدي هو أن يبين القالب أن ما ذكره المستدل يدل عليه لا له أو يدل عليه وله والأول قلما يتفق في الأقسية ، ومثله في المنصوص بالاستدلال الحنفي في توريث الخال بقوله ضصض : الخال وارث من لا وارث له فأثبت إرثه عند عدم الوارث فيقول المعترض هذا يدل عليك لا لك لأن معناه نفي توريث الخال بطريق المبالغة كما يقال الجوع زاد من لا زاد له والصبر حيلة من لا حيلة له أي ليس الجوع زاداً ولا الصبر حيلة. قال الفخر الرازي في المحصول القلب معارضة إلا في أمرين : أحدهما أنه لا يمكن فيه الزيادة في العلة وفي سائر المعارضات يمكن ، والثاني لا يمكن منع وجود العلة في الفرع والأصل لأن أصله وفرعه أصل المعلل وفرعه ويمكن ذلك في سائر المعارضات أما فيما وراء هذين الوجهين فلا فرق بينه وبين المعارضة قال الهندي والتحقيق أنه دعوى أن ما ذكره المستدل عليه لا له في تلك المسألة على ذلك الوجه انتهى . وجعله ابن الحاجب وشراح كلامه قسمين: أحدهما تصحيح مذهب المعرض فيلزم منه بطلان مذهب المستدل لتنافيهما . وثانيهما إبطال مذهب المستدل إبتداء إما صريحاً أو بالالتزام . ومثال الأول أن الحنفي الاعتكاف يشترط فيه الصوم لأنه لبث فلا يكون بمجردة قربة كالوقوف بعرفة فيقول الشافعي فلا يشترط فيه الصوم كالوقوف بعرفة . ومثال الثاني أن يقول الحنفي في أنه يكفي مسح ربع الرأس عضو من أعضاء الوضوء فلا يكفي أقله كسائر الأعضاء ، فيقول الشافعي فلا يقدر بالربع كسائر الأعضاء هذا الصريح . وأما الإلتزام فمثاله أن يقول الحنفي بيع غير المرئي بيع معاوضة فيصح مع الجهل بأحد العوضين كالنكاح فيقول الشافعي فلا يثبت فيه خيار الرؤية كالنكاح ، وقد ذهب إلى اعتبار هذا الاعتراض الجمهور وأنه قادح وأنكره بعض أهل الأصول وقال إن الحكمين أي ما يثبته القالب إن لم يتنافيا فلا قلب إذ لا منع من اقتضاء العلة الواحدة لحكمين غير متنافيين وإن استحال اجتماعهما في صورة واحدة فلم يمكن الرد ذلك الأصل بعينه فلا يكون قلباً إذ فيه من الرد إلى ذلك الأصل . وأجاب الجمهور عن هذا بأن الحكمين غير متنافيين لذاتهما فلا جرم يصح اجتماعهما في الفرع فإذا أثبت القالب الحكم الآخر في الفرع بالرد إلى الأصل امتنع ثبوت الحكم الأول وظاهر كلام إمام الحرمين أنه لازم جدلاً لا ديناً، وقال أبو الطيب الطبري أن هذا القلب إنما ذكره المتأخرين من أصحابنا حيث استدل أبو حنيفة بقوله ضصض لا ضرر ولا ضرار في مسألة الساحة قال هذا البناء ضرار بالغاصب فقال له أصحابنا وفي بيع صاحب الساحة الساحة إضرار به قال ومن أصحابنا من قال يصح سؤال القلب قال وهو شاهد زور يشهد لك ويشهد عليك قال وهذا باطل لأن القالب عارض المستدل بما لا يمكن الجمع بينه وبين دليله فصار كما بدليل آخر وقيل هو باطل إذ لا يتصور إلا في الأوصاف الطردية . ومن أنواع القلب جعل المعلول علة والعلة معلولاً وإذا أمكن ذلك تبين أن لا علة فإن العلة هي الموجبة والمعلول هو الحكم الواجب لها . وقد فرقوا بين القلب والمعارضة بوجوه منها ما قدمنا عن الفخر الرازي وقال القاضي أبو الطيب الطبري والشيخ أبو إسحاق الشيرازي إنه معارضة فإنه لا يفسد العلة وقال ابن الحاجب في مختصر المنتهى والحق أنه نوع معارضة اشتراك فيه الأصل والجامع فكان أولى بالقبول .

الاعتراض السادس : القول بالموجب ، بفتح الجيم أي القول بما أوجبه دليل المستدل قال في المحصول وحده تسليم ما جعله المستدل موجب العلة مع استبقاء الخلاف انتهى. قال الزركشي في البحر وذلك بأن يظن المعلل أن ما يأتي به مستلزم لمطلوبه من حكم المسألة المتنازع فيها مع كونه غير مستلزم قال وهذا أولى من تعريف الرازي له بموجب العلة لأنه لا يختص بالقياس . قال ابن المنير حدوده بتسليم مقتضى الدليل مع بقاء النزاع فيه وهو غير مستقيم لأنه يدخل فيه ما ليس منه وهو بيان غلط المستدل على إيجاب النية في الوضوء بقوله ضصض في أربعين شاة شاة فقال المعترض أقول بموجب هذا الدليل لكنه لا يتناول محل النزاع عندي كالمظنون للمستدل وليس قولاً بالموجب لأن شرطه أن يظهر عذر للمستدل في العدلة فتمام الحد أن يقال هو تسليم مقتضى الدليل مع بقاء النزاع حيث يكون للمستدل عذر معتبر. ومن أنواع القول بالموجب أن يذكر المستدل إحدى المقدمتين ويسكت على الأخرى ظناً منه أنها مسلمة فيقول الخصم بموجب المقدمة ويبقى على المنع لما عداها. ومنها أن يعتقد المستدل تلازماً بين محل النزاع وبين محل آخر فينصب الدليل على ذلك المحل بناء منه على أن ما ثبت به الحكم في ذلك المحل يستلزم ثبوته في محل النزاع فيقول المعترض بالموجب ومنه الملازمة . والفرق بينه وبين المعارضة أن حاصله يرجع إلى خروج الدليل عن محل النزاع والمعارضة فيها اعتراف بأن للدليل دلالة على محل النزاع . قال إمام الحرمين وابن السمعاني وهو سؤال صحيح إذا خرج مخرج المانعة ولا بد في موجهه من شرط وهو أن يسند الحكم الذي ينصب له العلة إلى شيء مثل قول الحنفي في ماء الزعفران ماء خالطه طاهر والمخالطة لا تمنع صحة الوضوء فيقول المعترض المخالط لا يمنع لكنه ليس بماء مطلق . قال في المنخول الأصوليون يقولون تارة إن القول بالموجب ليس اعتراضاً وهو لعمري كذلك فإنه لا يبطل العلة لأنها جرت العلة وحكمها مختلف فيه فلأن تجري حكمها متفق عليه أولى . واختلفوا هل يجب على المعترض إبداء سند القول بالموجب أم لا فقيل يجب لقربه إلى ضبط الكلام وصوته عن الخبط وإلا فقد يقول بالموجب على سبيل العناد وقيل لا يجب لأنه قد وفى بما عليه وعلى المستدل الجواب وهو أعرف بمآخذ مذهبه قال الآمدي وهو المختار.

الاعتراض السابع : الفرق ، وهو إبداء وصف في الأصل يصلح أن يكون مستقلة أو جزء علة وهو معدوم في الفرع سواء كان مناسباً أو شبهاً إن كانت العلة شبيهة بأن يجمع المستدل بين الأصل والفرع بأمر مشترك بينهما فيبدي المعترض وصفاً فارقاً بينه وبين الفرع . قال في المحصول الكلام فيه مبنى على أن تعليل الحكم بعلتين هل يجوز أم لا انتهى . وقد اشترطوا فيه أمرين . أحدهما أن يكون بين الأصل والفرع فرق بوجه من الوجوه وإلا لكان هو هو وليس كلما انفرد الأصل بوصف من الأوصاف يكون مؤثراً مقتضياً للحكم بل قد يكون ملغى للإعتبار بغيره فلا يكون الوصف الفارق قادحاً والثاني أن يكون قاطعاً للجمع بين أن يكون أخص من الجمع فيقدم عليه أو مثله فيعارضه قال جمهور الجدليين في حدة الفرق قطع الجمع بين الأصل والفرع إذ اللفظ أشعر به وهو الذي يقصد منه . وقال بعضهم حقيقته المنع من الإلحاق بذكر وصف في الفرع أو في الأصل بمعنى أو معارضة العلة التي نصبها المستدل في الفرع بعلة مستقلة وهو سؤال صحيح كما اختاره إمام الحرمين وجمهور المحققين من الأصوليين والفقهاء قال إمام الحرمين ويعترض على الفارق مع قبوله في الأصل بما يعترض به على العلل المستقلة.

الاعتراض الثامن : الاستفسار ، وقد قدمه جماعة من الأصوليين على الاعتراضات. ومعناه طلب شرح معنى اللفظ إن كان غريبا أو مجملا ويقع بهل أو الهمزة أو نحوهما مما يطلب به شرح الماهية وهو سؤال مقبول معمول عليه عند الجمهور وقد غلط من لم يقبله من الفقهاء لأن محل النزاع إذا لم يكن متحققا لم يظهر وفاق ولا خلاف وقد يرجع المخالف إلى الموافقة عند أن يتضح له محل النزاع ولكنه لا يقبل إلا بعد بيان اشتمال اللفظ على إجمال أو غرابة فيقول المعترض أولا اللفظ الذي ذكره المستدل مجمل أو غريب بدليل كذا فعند ذلك يتوجه على المستدل التفسير . وحكى الصفي الهندي أن بعض الجدليين أنكر كونه اعتراضا لأن التصديق فرع دلالة الدليل على المتنازع فيه . قال بعض أهل الأصول إن هذا الاعتراض للاعتراضات قد جعلوه طليعة جيشها وليس من جنسها إذ الاعتراض عبارة عما يخدش به كلام المستدل والاستفسار ليس من هذا القبيل .

الاعتراض التاسع : فساد الاعتبار ، أي أنه لا يمكن اعتبار القياس في ذلك الحكم لمخالفته للنص أو الإجماع أو كان الحكم مما لا يمكن إثباته بالقياس أو كان تركيبه مشعراً بنقيض الحكم المطلوب. وخص فساد الاعتبار جماعة من أهل الأصول بمخالفته للنص وهذا الاعتراض مبني على أن خبر الواحد مقدم على القياس وهو الحق وخالف في ذلك طائفة من الحنفية والمالكية فقدموا القياس على خبر الواحد. وجواب هذا الاعتراض بأحد وجوه : الأول الطعن في سند النص إن لم يكن من الكتاب أو السنة المتواترة أو منع ظهوره فيما يدعيه المستدل أو بيان أن المراد به غير ظاهره أو أن مدلوله لا ينافي حكم القياس أو المعارضة له بنص آخر حتى يتساقطا ويصح القياس أو أن القياس الذي اعتمده ارجح من النص الذي عورض ويقيم الدليل على ذلك.

الاعتراض العاشر : فساد الوضع ، وذلك بابطال القياس المخصوص في إثبات الحكم المخصوص بأن يبين المعترض أن الجامع الذي ثبت به الحكم قد ثبت اعتباره بنص أو إجماع في نقيض الحكم والوصف الواحد لا يثبت به النقيضان وذلك بأن يكون أحدهما مضيقاً والآخر موسعاً أو أحدهما مخففاً والآخر مغلظاً أو أحدهما إثباتاً والآخر نفياً . والفرق بين هذا الاعتراض والاعتراض الذي قبله أن فساد الاعتبار أعم من فساد الوضع فكل فاسد الوضع فاسد الاعتبار ولا عكس وجعلهما أبو إسحاق الشيرازي واحداً وقال ابن برهان هما شيئان من حيث المعنى لكن الفقهاء فرقوا بينهما وقالوا فساد الوضع هو أن يعلق على العلة خلاف ما يقتضيه النص وقيل فساد الوضع هو إظهار كون الوصف ملائماً لنقيض الحكم مع اتحاد الجهة ومنه الاحتراز عن تعدد الجهات لتنزيلها منزلة تعدد الأوصاف وعن ترك حكم العلة بمجرد ملاءمة الوصف للنقيض دون دلالة الدليل إذ هو عند فرض اتحاد الجهة خروج عن فساد الوضع إلى القدح في المناسبة قال ابن السمعاني وذكر أبو زيد هذا السؤال لايرد إلا على الطرد والطرد ليس بحجة وقيل هو أقوى من النقيض لأن الوضع إذا فسد لم يبق إلا الانتقال والنقض يمكن الاحتراز منه . وقال الأصفهاني في شرح المحصول هو مقبول عند المتقدمين ومنعه المتأخرون إلا لا توجه له لكونه خارجاً عن المنع والمعارضة . وجواب هذا الاعتراض ببيان وجود المانع في أصل المعترض.

الاعتراض الحادي عشر : المنع . قال ابن السمعاني الممانعة أرفع سؤال على العلل وقيل أساس المناظرة وهو يتوجه على الأصل من وجهين . أحدهما منع كون الأصل معللاً لأن الأحكام تنقسم بالاتفاق إلى ما يعلل وإلى ما لا يعلل فمن ادعى تعليل شيء كلف ببيانه . قال إمام الحرمين إنما يتوجه هذا الاعتراض على من لم يذكر تحريراً فإن الفرع في العلة المحررة يرتبط بالأصل . قال الكيا هذا الاعتراض باطل لأن المعلل إذا أتى بالعلة لم يكن لهذا السؤال معنى . الثاني منع الحكم في الأصل . واختلفوا هل هذا الاعتراض يقتضي انقطاع المستدل أم لا فقيل إنه يقتضي انقطاعه وقيل إنه لا يقتضي ذلك وبه جزم إمام الحرمين والكيا الطبري قال ابن برهان إنه المذهب الصحيح المشهور بين النظار واختاره الآمدي وابن الحاجب . وقيل إن كان المنع جلياً فهو انقطاع وإن كان خفياً فلا واختاره الأستاذ أبو إسحاق . وقيل يتبع عرف البلد الذي وقعت فيه المناظرة فإن الجدل مراسيم فيجب إتباع العرف وهو اختيار الغزالي ، وقيل إن لم يكن له مدرك غيره جاز واختاره الآمدي .

الاعتراض الثاني عشر: التقسيم وهو اللفظ متردداً بين أمرين أحدهما ممنوع . والآخر مسلم واللفظ محتمل لهما غير ظاهر في أحدهما . قال الآمدي وليس من شرطه أن يكون أحدهما ممنوعاً والآخر مسلماً بل قد يكونان مسلمين لكن الذي يرد على أحدهما غير الذي يرد على الآخر إذ لو اتحد الذي يرد عليهما لم يكن للتقسيم معنى ولا خلاف في أنه لا يجوز كونهما ممنوعين لأن التقسيم لا يفيد وقد منع قوم من قبول هذا السؤال لأن إبطال أحد محتملي كلام المستدل لا يكون إبطالاً له إذ لعله غير مراده ، مثاله في الصحيح الحاضر إذا فقد الماء وجد سبب التيمم وهو تعذر الماء فيجوز التيمم فيقول المعترض ما المراد بكون تعذر الماء سبباً للتيمم هل تعذر الماء مطلقاً أو تعذره في السفر أو المرض . الأول ممنوع وحاصله أنه منع بعد تقسيم فيأتي فيه ما تقدم في صريح المنع من كونه مقبولاً أو مردوداً موجباً للانقطاع أو غير موجب . وجوابه أن يعين المستدل أن اللفظ موضوع له ولو عرفاً أو ظاهراً .

الاعتراض الثالث عشر : إختلاف الضابط بين الأصل والفرع لعدم الثقة بالجامع كقولهم في شهود القصاص تسببوا للقتل عمداً فلزمهم القصاص زجراً لهم عن التسبب كالمكره فالمشترك بين الأصل والفرع إنما هو في الحكمة وهي الزجر والضابط في الفرع الشهادة وفي الأصل الإكراه ولا يمكن التعدية بالحكمة وحدها وضابط الفرع يحتمل أن يكون مساوياً لضابط الأصل في الإفضاء إلى المقصود وأن لا يكون . وجوابه ببيان كون التعليل بالقدر المشترك بينهما مضبوطاً عرفاً أو ببيان المساواة في الضابط .

الاعتراض الرابع عشر: إختلاف حكمي الأصل والفرع ، قيل إنه قادح لأن شرط القياس مماثلة الفرع للأصل في علته وحكمه فإذا اختلف الحكم لم تتحقق المساواة وذلك كإثبات الولاية على الصغيرة في نكاحها قياساً على إثباتها في مالها .

الاعتراض الخامس عشر : منع كون ما يدعيه المستدل علة الحكم موجوداً في الأصل فضلاً عن أن يكون هو العلة . مثاله أن يقول في الكلب حيوان يغسل من ولوغه سبعاً فلا يقبل جلده الدباغ كالخنزير فيقول المعترض لا نسلم أن الخنزير يغسل من ولوغه سبعاً، والجواب عن الإعتراض بإثبات وجود الوصف في الأصل بما هو طريق ثبوت مثله إن كان حسياً فبالحس وإن كان عقلياً فبالعقل وإن كان شرعياً فبالشرع .

الاعتراض السادس عشر : منع كون الوصف المدعي عليته علة قال ابن الحاجب في مختصر المنتهى وهو من أعظم الأسئلة لعمومه وتشعب مسالكه والمختار قبوله وإلا لأدى إلى اللعب في التمسك بكل طردي انتهى . ومثاله أن يقول في الكلب حيوان يغسل من ولوغه سبعاً فلا يقبل جلده الدباغ معللاً بكونه يغسل من ولوغه ، وجوابه بإثبات العلية بمسلك من مسالكها المذكورة سابقاً .

الاعتراض السابع عشر : القدح في المناسبة ، وهو إبداء مفسدة راجحة أو مساوية لما تقدم من أن المناسبة تنخرم بالمعارضة ، وجوابه ترجيح المصلحة على المفسدة إجمالاً أو تفصيلاً.

الاعتراض الثامن عشر : القدح في إفضائه إلى المصلحة المقصودة من شرع الحكم له . مثاله أن يقال في علة تحريم مصاهرة المحارم على التأييد إنها الحاجة إلى ارتفاع الحجاب، ووجه المناسبة أنه يفضي إلى رفع الفجور وتقريره أن رفع الحجاب وتلاقي الرجال والنساء يفضي إلى الفجور وأنه يرتفع بتحريم التأبيد إذ يرتفع إذ يرتفع الطمع المفضي إلى مقدمات الهم والنظر المفضية إلى الفجور فيقول المعترض لا يفضي إلى ذلك بل سد باب النكاح أفضى إلى الفجور لأن النفس حريصة على ما منعت منه إذ قوة داعية الشهوة مع اليأس عن اليأس عن الحل مظنة الفجور . وجوابه ببيان الإفضاء إليه بأن قول في هذه المسألة التأبيد يمنع عادة ما ذكرناه من مقدمات الهم والنظر وبالدوام يصير كالأمر الطبيعي .

الاعتراض التاسع عشر : كون الوصف غير كالرضا في العقود ، وجوابه بالاستدلال على كونه ظاهرا كضبط الرضا بصيغ العقود ونحو ذلك.

الاعتراض الموفي عشرين : كون الوصف غير منضبط كالحكم والمصالح مثل الحرج والمشقة والزجر فإنها أمور ذوات مراتب غير محصورة ولا متميزة وتختلف باختلاف الأشخاص والزمان والأحوال ، وجوابه بتقرير الانضباط إما بنفسه أو بوصفه.

الاعتراض الحادي والعشرين: المعارضة، وهي إلزام المستدل الجمع بين شيئين والتسوية بينهما في الحكم إثباتاً أو نفياً . كذا قال الأستاذ أبو منصور : وقيل هي إلزام الخصم أن يقول قولاً قال بنظيره وهي من أقوى الاعتراضات وهي أهم من اعتراض النقض فكل نقض معارضة ولا عكس كذا قيل . وفيه نظر لأن النقض هو تخلف الحكم مع وجود العلة وهذا المعنى يخالف معنى المعارضة ، وقد أثبت اعتراض المعارضة الجمهور من أهل الأصول والجدل وزعم قوم أنها ليست بسؤال صحيح . واختلف القائلون بها في الثابت منها فقيل إنما يثبت منها معارضة الدلالة بالدلالة والعلة بالعلة ولا يجوز معارضة الدعوى بالدعوى . والمعارضة تنقسم إلى ثلاثة أقسام : معارضة في الأصل ومعارضة في الفرع ومعارضة في الوصف. أما المعارضة في الأصل ، فبأن يذكر علة أخرى في الأصل سوى العلة التي علل بها المستدل وتكون تلك العلة معدومة ويقول إن الحكم في الأصل إنما كان بهذه العلة التي ذكرها المعترض لا بالعلة التي ذكرها المستدل . قال ابن السمعاني والصفي الهندي وهذا هو سؤال الفرق وذكر بعض أهل الأصول أنه لا فرق بين أن تكون العلة التي يبديها المعترض مستقلة بالحكم كمعارضة الكيل بالطعم أو غير مستقلة بل هي جزء علة كزيادة الجارح في القتل العمد العدوان في مسألة القتل بالمثقل وهذا إذا كانت العلة التي جاء بها المعترض مسلمة من خصمه أو محتملة احتمالاً راجحاً أما إذا تعارضت الاحتمالات فقيل يرجح وصف المستدل وقيل وصف المعترض وقيل لا وجه لترجيح أحدهما على الآخر بل هو من التحكيم المحض ، ثم اختلفوا مع عدم الترجيح هل تقضي هذه المعارضة إبطال دليل المستدل أم لا على قولين حكاهما الأستاذ أبو منصور ،ثم اختلفوا هل يجب على المعترض بيان انتفاء الوصف الذي عارض به الأصل عن الفرع على أقوال : الأول أنه لا يجب بل على المستدل أن بين ثبوته في الفرع ليصح الالحاق وإلا بطل الجمع . الثاني أنه يجب على المعترض البيان لأن الفرق لا يتم إلا بذلك . الثالث أنه إن قصد الفرق بين الأصل والفرع وجب عليه ذلك وإلا لم يجب وهو اختيار الآمدي وابن الحاجب وجواب هذه المعارضة يكون إما بمنع وجود الوصف في الأصل أو بمنع المناسبة أو منع الشبه إن أثبته بأحدهما لأن المعارضة لا تتم من المعترض إلا إذا كان الوصف الذي عارض به في الأصل مناسباً أو مشابهاً إذ لو كان طردياً لم تصح المعارضة أو بمنع كون الوصف الذي أبداه المعترض ظاهراً أو بمنع كونه منضبطاً أو ببيان إلغاء الوصف الذي وقعت به المعارضة أو ببيان رجوعه إلى عدم وجود وصف في الفرع لا إلى ثبوت معارض في الأصل. وأما المعارضة في الفرع ، فهي أن يعارض حكم الفرع بما يقتضي نقيضه أو ضده بنص أو إجماع أو بوجود مانع أو بفوات شرط فيقول ما ذكرت من الوصف وإن اقتضى ثبوت الحكم في الفرع فعندي وصف آخر يقتضي نقضيه نقيضه أو ضده بنص هو كذا أو إجماع على كذا أو بوجود مانع لما ذكرته من الوصف أو بفوات شرط له . وقد قبل هذا الاعتراض أعني المعارضة في الفرع بعض أهل الأصول والجدل ونفاه آخرون فقالوا إن دلالة المستدل على ما ادعاه قد تمت قال الصفي الهندي وهو ظاهر الإدعاء إذا كانت المعارضة بفوات شرط . وأما المعارضة في الوصف فهي على قسمين : أحدهما أن يكون بضد حكمه . والثاني أن يكون في عين حكمه مع تعذر الجمع بينهما ، مثال الأول أن يقول المستدل في الوضوء إنها طهارة حكمية فتفتقر إلى النية قياساً على التيمم فيقول المعارض طهارة بالماء فلا تفتقر إلى النية قياساً على إزالة النجاسة فلا بد عند ذلك من الرتجيح ، ومثال الثاني أن يقول المعترض نفس هذا الوصف الذي ذكرته على خلاف ما تريده ثم يوضح ذلك بما يكون محتملاً .

الاعتراض الثاني والعشرون : سؤال التعدية ، وهو أن يعين المعترض في الأصل معنى غير ما عينه المستدل ويعارضه به ثم يقول للمستدل ما عللت به وإن تعدى إلى فرع مختلف فيه فكذا ما عللت به أنا متعد إلى فرع آخر مختلف فيه وليس أحدهما أولى من الآخر وذلك كأن يقول المستدل بكر فجاز اختيارها كالصغيرة فيقول المعترض البكارة وإن تعدت إلى البكر البالغة فالصغر متعد إلى الثيب الصغيرة . وقد اختلفوا في قبول هذا إبطال الاعتراض فقبله البعض ورده البعض وأدرجه الصفي الهندي في اعتراض المعارضة في الأصل. وجوابه إبطال ما اعترض به وحذفه عن درجة الاعتبار ، واختلفوا هل يجب على المستدل أن يبين أنه لا أثر لما إليه المعترض من التسوية في التعدية أو لا يجب فقال الأكثرون لا يجب وقال بعض أهل الأصول يجب.

الاعتراض الثالث والعشرون : سؤال التركيب ، وهو أن يقول المعترض شرط حكم الأصل أن لا يكون ذا قياس مركب وهو قسمان مركب الأصل ومركب الوصف ، ومرجع الأول منع حكم الأصل أو منع العلة ومرجع الثاني منع الحكم أو منع وجود العلة في فرع . وقد اختلفوا في قبوله فبعضهم قبله وبعضهم رده .

الاعتراض الرابع والعشرون : منع وجود الوصف المعلل به في الفرع كأن يقول المستدل في أمان العبد أمان صدر عن أهله كالعبد المأذون له في القتال فيقول المعترض لا نسلم أن العبد أهل للأمان ، وجوابه ببيان ما يثبت أهليته من حس أو عقل أو شرع وقد جعل بعضهم هذا الاعتراض مندرجاً فيما تقدم .

الاعتراض الخامس والعشرون : المعارضة في الفرع ، وقد تقدم بيانه في الاعتراض الحادي والعشرين.

الاعتراض السادس والعشرون : المعارضة في الوصف وقد تقدم بيانه أيضاً في الاعتراض الحادي والعشرين وإنما ذكرناهما هاهنا وهناك لأن كثيراً من أهل الأصول والجدل جعلوا المعارضة في الأصل اعتراضاً والمعارضة في الفرع اعتراضاً والمعارضة في الوصف اعتراضاً وبعضهم جعل الثلاث المعارضات اعتراضاً وبعضهم جعل الثلاث المعارضات اعتراضاً اعتراضاً واحداً ولا مشاحة في مثل ذلك فهو مجرد إصطلاح .

الاعتراض السابع والعشرون : إختلاف جنس المصلحة في الأصل والفرع كأن يقول المستدل بحد اللائط كما يحد الزاين لأنهما إيلاج محرم شرعاً مشتهى طبعاً فيقول المعترض : المصلحة في تحريمهما مختلفة ففي الزنا منع اختلاط الأنساب وفي اللواطة دفع رذيلة اللواطة وحاصله معارضة في الأصل بإبداء خصوصية ولهذا أدرجه بعضهم في اعتراض المعارضة في الأصل وبعضهم جعله اعتراضاً مستقلاً ، وجوابه بإلغاء الخصوصية .

الاعتراض الثامن والعشرون : أن يدعي المعترض المخالفة بين حكم الأصل وحكم الفرع وهو اعتراض متوجه إلى المقدمة القائلة فيوجد الحكم في الفرع كما وجد في الأصل، وحاصل هذا أن دعوى المعترض للمخالفة إما أن تكون بدليل المستدل فيرجع إلى اعتراض القلب أو بغيره فيكون اعتراضاً خاصاً خارجا عما تقدم وقد جعله بعضهم مندرجاً فيما تقدم .ب المصير إليه وإن لم يعلم ذلك بل جوز فقد وجب المصير إلى ظاهر الخبر وهذا مسلم إذا حصل العلم بذلك . وأما إذا ترك الصحابي العمل بما رواه بالكلية فقد قدمنا الكلام عليه في الشروط التي ترجع إلى مدلول الخبر ولا وجه لما قيل من أنه قد اطلع على ناسخ لذلك الخبر الذي رواه لأنا لم نتعبد بمجرد هذا الاحتمال وأيضاً فربما ظن أنه منسوخ ولم يكن كذلك .


وهاهنا فوائد بهذه الاعتراضات

اختلفوا هل يلزم المعترض أن يورد الأسئلة مرتبة بعضها مقدم على البعض ؟ إذا أورد أسئلة متعددة أم لا يلزمه ذلك بل يقدم ما شاء ويؤخر ما شاء فقال جماعة لا يلزمه الترتيب ، وقال آخرون يلزمه لأنه لو جاز إيرادها على أي وجه اتفق لأدى إلى التناقض كما لو جاء بالمنع بعد المعارضة أو بعد النقض أو بعد المعارضة فإنه ممتنع لأنه منع بعد تسليم وإنكار بعد إقرار . قال الآمدي وهذا هو المختار ، وقيل إن اتحد جنس السائل كالنقض والمعارضة والمطالبة جاز إيرادها من غير تركيب لأنها بمنزلة سؤال واحد فإن تعددت أجناسها كالمنع مع المطالبة ونحو ذلك لم يجز وحكاه الآمدي عن أهل الجدل وقال اتفقوا على ذلك ونقل عن أكثر الجدليين أنه يقدم المنع ثم المعارضة ونحوها ولا يعكس هذا الترتيب وإلا لزم الانكار بعد الإقرار ، وقال جماعة من المحققين منهم : الترتيب المستحسن أن يبدى بالمطالبات أولاً لأنه لا اذا لم يثبت اركان القياس لم يدخل في جملة الأدلة ثم بالقوادح لأنه لا يلزم من كونه على صورة الأدلة أن يكون صحيحاً ثم إذا بدأ بالمنع فالأولى أن يقدم منع وجود الوصف في الفرع لأنه دليل الدعوى ثم منع ظهوره ثم منع إنضباطه ثم منع كونه علة في الأصل فإذا فرغ من المنوع شرع في القوادح فيبدأ بالقول بالموجب لوضوح مأخذه ثم بفساد الوضع ثم بالقدح في المناسبة ثم بالمعارضة ، وقال الأكثر من القدماء كما حكاه عنهم أبو الحسن السهيلي في أدب الجدل إنه يبدأ بالمنع من الحكم في الأصل لأنه إذا كان ممنوعاً لم نجب على السائل أن يتكلم على كون الوصف ممنوعاً أو مسلماً ولا كون الأصل معللاً بتلك العلة أو بغيرها ثم يطالبه بإثبات الوصف في الفرع ثم بإطراد العلة ثم بتأثيرها ثم بكونها غير فاسد الوضع ثم بكونه غير فاسد الاعتبار ثم بالقلب ثم بالمعارضة ، وقال جماعة من الجدليين والأصوليين إن أول ما يبدأ به الاستفسار ثم فساد الاعتبار ثم فساد الوضع ثم منع حكم الأصل ثم منع وجود العلة في الأصل ثم منع علية الوصف ثم المطالبة وعدم التأثير والقدح في المناسبة والتقسيم وعدم ظهور الوصف وانضباطه وكون الحكم غير صالح للإفضاء إلى ذلك المقصود ثم النقض والكسر ثم المعارضة والتعدية والتركيب ثم منع وجود العلة في الفرع ومخالفة حكمه حكم الأصل ثم القلب ثم القول بالموجب، وقد قدمنا قول من قال أن جميع الأسئلة ترجع إلى المنع والمعارضة ووجه ذلك أنه متى حصل الجواب عن المنع والمعارضة فقد تم الدليل وحصل الغرض من إثبات المدعي ولم يبق للمعترض مجال فيكون ما سواهما من الأسئلة باطلاً فلا يسمع لأنه لا يحصل الجواب عن جميع المنوع إلا بإقامة الدليل على جميع المقدمات وكذلك لا يحصل الجواب عن المعارضة إلا ببيان انتفاء المعارضة عن جميعها .

الفائدة الثانية : في الانتقال عن محل النزاع إلى غيره قبل تمام الكلام فيه . منعه الجمهور لأنا لو جوزناه لم يأت إفحام الخصم ولا إظهار الحق لأنه يتنقل من كلام إلى كلام ثم كذلك إلى ما لا نهاية له فلا يحصل المقصود من المناظرة وهو إظهار الحق وإفحام المخالف له وهذا إذا كان الانتقال من المستدل ، وأما إذا كان من السائل بأن ينتقل من سؤاله قبل تمامه ويقول ظننت أنه لازم فبان خلافه فمكنوني من سؤال آخر: فقال بعضهم الأصح أنه يمكن من ذلك إذا كان انحدار من الأعلى إلى الأدنى فإن كان ترقياً من الأدنى إلى الأعلى لو أراد الترقي من المعارضة إلى المنع لم يمكن من ذل لأنه يكذب نفسه وقيل يمكن لأن مقصوده الإرشاد. الفائدة الثالثة : في الفرض والبناء ، قالوا إنه يجوز للمستدل في الاستدلال ثلاث طرق : الأولى أن يدل على المسألة بعينها ، والثانية أن يفرض الدلالة في بعض شعبها وفصولها ، والثالثة أن يبني المسألة على غيرها . فإن استدل عليها بعينها فواضح وإن أراد أن يفرض الكلام في بعض أحوالها جاز لأنه إذا كان الخلاف في الكل وثبت الدليل في بعضها ثبت في الباقي بالإجماع وإن أراد أن يفرض الدلالة في غير فرد من أفراد المسألة لم يجز وأما إذا أراد أن يبني المسألة على غيرها فأما يبينها على مسألة أصولية وإما أن يبينها على مسألة فروعية وعلى التقديرين إما أن يكون طريقها واحدة أو مختلفة فإن كانت واحدة جاز وإن كانت مختلفة لم يجز وهذا قول جمهور أهل الجدل ، وقال ابن فورك لا يجوز الفرض والبناء لأن حق الجواب أن يطابق السؤال ، وقال إمام الحرمين إنما يجوز إذا كانت علة الفرض شاملة لسائر الأطراف . قال والمستحسن منه هو الواقع في طرف يشتمل عليه عموم سؤال السائل وذلك محمول على استشعار انتشار الكلام في جميع الأطراد وعدم وفاء مجلس واحد باستتمام الكلام فيها. وحاصله إن ظهر انتظام العلة العامة في صورتين كان مستحسناً وإلا كان مستهجناً وفائدته كون العلة قد تخفى في بعض الصور وتظهر في بعض آخر فالتفاوت بالأولية خاصة والعلة واحدة. الفائدة الرابعة : في جواز التعلق بمناقضات الخصوم قد وقع الاتفاق على أنه لا يجوز إثبات المذهب إلا بدليل شرعي ولكن اختلفوا في التعلق بمناقضات الخصوم في المناظرة فذهب جماعة إلى جوازه من حيث إن المقصود من الجدل تضييق الأمر على الخصم، وذكر القاضي تفصيلاً حسنأً فقال إن كانت المناقضة عائدة إلى تفاصيل أصل لا يرتبط فسادها وصحتها بفساد الأصل وصحته فلا يجوز التعلق بها وإلا جاز.

الفائدة الخامسة : في السؤال والجواب . قال الصيرفي السؤال إما استفهام مجرد وهو الاستخبار عن المذهب أو عن العلة وإما استفهام عن الأدلة أي التماس وجه دلالة البرهان ثم المطالبة بنفوذ الدليل وجريانه وسبيل الجواب أن يكون إخباراً مجرداً ثم الاستدلال ثم طرد الدليل ، ثم السائل في الابتداء إما أن يكون غير عالم بمذهب من يسأله أو يكون عالماً به ثم إما أن يعلم صحته فسؤاله لا معنى له وإما أن لا يعلم فسؤاله راجع إلى الدليل . والحاصل أن من أنكر الأصل الذي يستشهد به المجيب فسؤاله عنه أولى لأن الذي أحوجه إلى المسألة هو الخلاف فأما إذا كان الخلاف في الشاهد فالسؤال عنه أولى .ب المصير إليه وإن لم يعلم ذلك بل جوز فقد وجب المصير إلى ظاهر الخبر وهذا مسلم إذا حصل العلم بذلك . وأما إذا ترك الصحابي العمل بما رواه بالكلية فقد قدمنا الكلام عليه في الشروط التي ترجع إلى مدلول الخبر ولا وجه لما قيل من أنه قد اطلع على ناسخ لذلك الخبر الذي رواه لأنا لم نتعبد بمجرد هذا الاحتمال وأيضاً فربما ظن أنه منسوخ ولم يكن كذلك .


الفصل السابع في الاستدلال

وهو في اصطلاحهم ما ليس بنص ولا إجماع ولا قياس. لا يقال هذا من تعريف بعض الأنواع ببعض وهو تعريف بالمساوي في الجلاء والخفاء بل هو تعريف للمجهول بالمعلوم لأنه قد سبق العلم بالنص والإجماع والقياس ، واختلفوا في أنواعه فقيل هي ثلاثة : الأول التلازم بين الحكمين من غير تعيين علة وإلا كان قياساً . الثاني استصحاب الحال . الثالث شرع من قبلنا . قالت الحنفية ومن أنواعه نوع رابع وهو الاستحسان وقالت المالكية ومن أنواعه نوع خامس وهو المصالح المرسلة وسنفرد لكل واحد من هذه الأنواع بحثاً ونلحق بها فوائد لاتصالها بها بوجه من الوجوه .

البحث الأول : في التلازم وهو أربعة أقسام ، لأن التلازم إنما يكون بين حكمين وكل واحد منهما إما مثبت أو منفي وحاصله إذا كان تلازم تساو فثبوت كل يستلزم ثبوت الآخر ونفيه نفيه وإن كان مطلق اللزوم فثبوت الملزوم يستلزم ثبوت اللازم من غير عكس ونفي اللازم يستلزم نفي الملزوم من غير عكس ، وخلاصة هذا البحث ترجع إلى الاستدلال بالأقيسة الاستثنائية والاقترانية قال الآمدي ومن أنواع الاستدلال قولهم وجد السبب والمانع أو فقد الشرط ، ومنها انتفاء الحكم لانتفاء مدركه ، ومنها الدليل المؤلف من أقوال يلزم من تسليمها لذاتها قول آخر ثم قسمه إلى الاقتراني والاسثنائي وذكر الاشكال الأربعة وشروطها وضروبها انتهى . فليرجع في هذا البحث إلى ذلك الفن ، وإذا كان هذا لا يجري إلا فيما فيه تلازم أو تناف فالتلازم إما أن يكون طرداً أو عكساً أي في الطرفين أو طرداً لا عكساً أي من طرف واحد والتنافي لا بد أن يكون من الطرفين لكنه إما أن يكون طرداً وعكساً أي إثباتاً ونفياً وأما طرداً فقط أي إثباتاً وإما عكساً فقط أي نفياً :

الأول : المتلازمان طرداً وعكساً وذلك كالجسم والتأليف إذ كل جسم مؤلف وكل مؤلف جسم وهذا يجري فيه التلازم بين الثبوتين وبين النفيين كلاهما طرداً وعكساً فيصدق كلما كان جسماً كان مؤلفاً وكلما كان مؤلفاً كان جسماً وكلما لم يكن مؤلفاً لم يكن جسماً وكلما لم يكن جسماً لم يكن مؤلفاً.

الثاني : المتلازمان طرداً فقط كالجسم والحدوث إذ كل جسم حادث ولا ينعكس في الجوهر الفرد فهذا يجري فيه التلازم بين الثبوتين طرداً فيصدق كلما كان جسماً كان حادثاً لا عكساً فلا يصدق كلما كان حادثاً كان جسماً ويجري فيه التلازم بين النفيين عكساً فيصدق كلما لم يكن حادثاً لم يكن جسماً لا طرداً فلا يصدق كلما لم يكن جسماً لم يكن حادثاً .

الثالث : المتنافيان طرداً وعكساً كالحدوث ووجوب البقاء فإنهما لا يجتمعان في ذات فتكون حادثة واجبة البقاء ولا يرتفعان فيكون قديماً غير واجب البقاء فهذا يجري فيه التلازم بين الثبوت والنفي وبين النفي والثبوت طرداً وعكساً أي من الطرفين فيصدق لو كان حادثاً لم يجب بقاؤه ولو وجب بقاؤه لم يكن حادثاً فلا يجب بقاؤه ولو لم يجب بقاؤه فلا يكون حادثاً .

الرابع : المتنافيان طرداً لا عكساً إي إثباتاً لا نفياً كالتأليف والقدم إذ لا يجتمعان فلا يوجد شيء هو مؤلف وقديم لكنهما قد يرتفعان كالجزء الذي لا يتجزأ وهذا يجري فيه التلازم بين الثبوت والنفي طرداً وعكساً أي من الطرفين فيصدق كلما كان جسماً لم يكن قديماً وكلما كان قديماً كان جسماً.

الخامس : المتنافيان عكساً أي نفياً كالأساس والخلل فإنهما لا يرتفعان فلا يوجد ما ليس له أساس ولا يختل وقد يجتمعان في كل ما له أساس قد يختل بوجه آخر وهذا يجري فيه تلازم النفي والإثبات طرداً وعكساً فيصدق كل ما لم يكن له أساس فهو مختل وكل ما لم يكن مختلاً فليس له أساس ولا يصدق كل ما كان له أساس فليس بمختل وكل ما كان مختلاً فليس له أساس ، وما قدمنا عن الآمدي أن من أنواع الاستدلال قولهم وجد السبب الخ هو أحد الأقوال لأهل الأصول، وقال بعضهم إنه ليس بدليل وإنما هو دعوى دليل فهو بمثابة قولهم وجد دليل الحكم فيوجد الحكم لا يكون دليلاً ما لم يعين وإنما الدليل ما يستلزم المدلول وقال بعضهم هو دليل إذ لا معنى للدليل إلا ما يلزم من العلم بالمدلول . والصواب القول الأول أنه استدلال لا دليل ولا مجرد دعوى . واعلم أنه يرد على جميع أقسام التلازم من الاعتراضات السابقة جميع ما تقدم ما عدى الاعتراضات الواردة على نفس العلة .

البحث الثاني الاستصحاب : أي استصحاب الحال لأمر وجودي أو عدمي عقلي أو شرعي، ومعناه أن ما ثبت في الزمن الماضي فالأصل بقاؤه في الزمن المستقبل مأخوذ من المصاحبة وهو بقاء ذلك لأمر ما لم يوجد ما يغيره فيقال الحكم الفلاني قد كان فيما مضى وكلما كان فيما مضى ولم يظن عدمه فهو مظنون البقاء. قال الخوارزمي في الكافي وهو آخر مدار الفتوى فإن المفتي إذا سئل عن حادثة يطلب حكمها في الكتاب ثم في السنة ثم في الإجماع ثم في القياس فإن لم يجده فيأخد حكمها من استصحاب الحال في النفي والاثبات فإن كان التردد في زواله فالأصل بقاؤه وإن كان التردد في ثبوته فالأصل عدم ثبوته انتهى . واختلفوا هل هو حجة عند عدم الدليل على أقوال الأول ؟ أنه حجة وبه قالت الحنابلة وإنما المالكية وأكثر الشافعية والظاهرية سواء كان في النفي أو الاثبات وحكاه ابن الحاجب عن الأكثرين : الثاني أنه ليس بحجة وإليه ذهب أكثر الحنفية والمتكلمين كأبي الحسين البصري قالوا لأن الثبوت في الزمان الأول يفتقر إلى الدليل فكذلك في الزمان الثاني لأنه يجوز أن يكون وأن يكون وهذا خاص عندهم بالشرعيات بخلاف الحسيات فإن الله سبحانه أجرى العادة فيها بذلك ولم يجر العادة به في الشرعيات فلا تلحق بالحسيات ومنهم من نقل عنه تخصيص النفي بالأمر الوجودي ومنهم من نقل عنه الخلاف مطلقاً . قال الصفي الهندي وهو يققتضي تحقق الاختلاف في الوجودي والعدمي جميعاً لكنه بعيد إذ تفاريعهم تدل على أن استصحاب العدم الأصلي حجة قال الزركشي والمنقول في كتب أكثرالحنفية أنه لا يصلح حجة على الغير ولكن يصلح للرفع والدفع وقال أكثر المتأخرين منهم أنه حجة لإبقاء ما كان ولا يصلح حجة لإثبات أمر لم يكن . الثالث أنه حجة على المجتهد فيما بينه وبين الله عز وجل فإنه لا يكلف إلا ما يدخل تحت مقدوره فإذا لم يجد دليلاً سواه جاز له التمسك ولا يكون حجة على الخصم عند المناظرة فإن المجتهدين إذا تناظروا لم ينفع المجتهد قوله لم أجد دليلاً على هذا لأن التمسك بالاستصحاب لا يكون إلا عند عدم الدليل. الرابع أنه يصلح حجة للدفع وإليه ذهب أكثر الحنفية قال الكيا ويعبرون عن هذا باستصحاب الحال صالح لأبقاء ما كان على ما كان إحالة على عدم الدليل لا لإثبات أمر لم يكن وقد قدمنا أن هذا قول أكثر المتأخرين منهم . الخامس أنه يجوز الترجيح به لا غير . نقله الأستاذ أبو إسحاق عن الشافعي وقال إنه الذي يصح عنه لا أنه يحتج به . السادس أن المستصحب إن لم يكن غرضه سوى نفي ما نفاه صح ذلك وإن كان غرضه إثبات خلاف قوله خصمه من وجه يمكن استصحاب الحال في نفي ما أثبته فلا يصح . حكاه الأستاذ أبو منصور البغدادي عن بعض اصحابه الشافعي قال الزركشي لا بد من تنقيح موضع الخلاف فإن أكثر الناس يطلقه ويشتبه عليهم موضع النزاع فنقول للإستصحاب صور . إحداهما استصحاب ما دل العقل والشرع على ثبوته ودوامه كالملك عند جريان القول المقتضى له وشغل الذمة عند جريان إتلاف أو التزام ودوام الحل في المنكوحة بعد تقرير النكاح فهذا لا خلاف في وجوب العمل به إلى أن يثبت معارض . قال : الثانية استصحاب العدم الأصلي المعلوم بدليل العقل في الأحكام الشرعية كبراءة الذمة من التكليف حتى يدل دليل شرعي على تغيره كنفي صلاة سادسة . قال القاضي أبو الطيب وهذا حجة بالإجماع من القائلين بأنه لا حكم قبل الشرع . فإن الثالثة استصحاب الحكم العقلي عند المعتزلة فإن عندهم أن العقل يحكم في بعض الأشياء إلى أن يرد الدليل السمعي وهذا لا خلاف بين أهل السنة في أنه لا يجوز العمل به لأنه لا حكم للعقل في الشرعيات . قال : الرابعة استصحاب الدليل مع احتمال المعارض إما تخصيصاً إن كان الدليل ظاهراً أو نسخاً إن كان الدليل نصاً فهذا أمر معمول به إجماعاً . وقد اختلف في تسمية هذا النوع بالاستصحاب فأثبته جمهور الأصوليين ومنعه المحققون منهم إمام الحرمين في البرهان و الكيا في تعليقه وابن السمعاني في القواطع لأن ثبوت الحكم فيه من ناحية اللفظ لا من ناحية اللفظ لا من ناحية الإستصحاب.

قال الخامسة الحكم الثابت بالإجماع في محل النزاع وهو راجع إلى الحكم الشرعي بأن يتفق على حكم في حالة ثم يتغير صفة المجمع عليه فيختلفون فيه فيستدل من لم يغير الحكم باستصحاب الحال . مثاله إذا استدل من يقول إن المتيمم إذا رأى الماء في أثناء صلاته لا تبطل صلاته لأن الإجماع منعقد على صحتها قبل ذلك فاستصحب إلى أن يدل دليل على أن رؤية الماء مبطلة وكقول الظاهرية يجوز بيع أم الولد لأن الإجماع انعقد على جواز بيع هذه الجارية قبل الاستيلاد فنحن على ذلك الإجماع بعد الاستيلاد وهذا النوع هو محل الخلاف كما قاله في القواطع وهكذا فرض أئمتنا الأصوليون الخلاف فيها فذهب الأكثرون منهم القاضي الشيخ أبو إسحاق الشيرازي وابن الصباغ والغزالي إلى أنه ليس بحجة . قال الأستاذ أبو منصور وهو قول جمهور اهل الحق من الطوائف وقال المارودي والروياني في كتاب القضاء إنه قول الشافعي وجمهور العلماء فلا يجوز الاستدلال بمجرد الاستصحاب بل إن اقتضى القياس أو غيره ألحاقه بما قبل ألحق به وإلا فلا ، قال وذهب أبو ثور وداود الظاهري إلى الاحتجاج به ونقله ابن السمعاني عن المزني وابن سريج والصيرفي وابن خيران وحكاه الأستاذ أبو منصور عن أبي الحسين بن القطان قال واختاره الآمدي وابن الحاجب . قال سليم الرازي في التقريب إنه الذي ذهب إليه شيوخ اصحابنا فيستصحب حكم الإجماع حتى يدل الدليل على ارتفاعه انتهى . والقول الثاني هو الراجح لأن المتمسك بالاستصحاب باق على الأصل قائم في مقام المنع فلا يجب عليه الانتقال عنه إلا بدليل يصلح لذكل فمن ادعاه جاء به .

البحث الثالث : شرع من قبلنا ، وفي ذلك مسألتان :

المسألة الأولى : هل كان نبينا ضصض قبل البعثة متعبداً بشرع أم لا ؟ وقد اختلفوا في ذلك على مذاهب فقيل أنه ضصض كان متعبداً قبل البعثة بشريعة آدم لأنها أول الشرائع وقيل بشريعة نوح لقوله تعالى : شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً وقيل بشريعة إبراهيم لقوله تعالى : إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي وقولهأن اتبع ملة إبراهيم قال الواحدي وهذا هو الصحيح . قال ابن القشيري في المرشد وعزي إلى الشافعي قال الأستاذ أبو منصور وبه نقول وحكاه صاحب المصادر عن أكثر أصحاب أبي حنيفة وإليه أشار أبو علي الجبائي . وقيل كان متعبداً بشريعة موسى وقيل بشريعة عيسى لأنه أقرب الأنبياء ولأنه الناسخ لما قبله من الشرائع وبه جزم الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائني كما حكاه عنه الواحدي . وقيل كان على شرع من الشرائع ولا يقال كان من أمة نبي من الأنبياء أو على شرعه . قال ابن القشيري في المرشد وإليه كان يميل الأستاذ أبو إسحاق . وقيل كان متعبداً بشريعة كل من قبله من الأنبياء إلا ما نسخ منها واندرس حكاه صاحب الملخص ، وقيل كان متعبداً بشرع ولكن لا ندري بشرع من تعبده الله . حكاه ابن القشيري وقيل لم يكن قبل البعثة متعبداً بشرع حكاه في المنخول عن إجماع المعتزلة. قال القاضي في مختصر التقريب وابن القشيري هو الذي صار إليه جماهير المتكلمين قال جمهورهم إن ذلك محال عقلاً إذ لو تعبد باتباع أحد لكان غضاً من نبوته . وقال بعضهم بل كان على شريعة العقل قال ابن القشيري وهذا باطل إذ ليس للعقل شريعة . ورجح هذا المذهب أعني عدم التعبد بشرع قبل البعثة القاضي وقال هذا ما ترتضيه وتنصره لأنه كان على دين لنقل ولذكره ضصض إذ لا يظن به الكتمان وعارض ذلك إمام الحرمين وقال لو لم يكن على دين أصلاً لنقل فإن ذلك أبعد عن المعتاد مما ذكره القاضي قال فقد تعارض الأمران . والوجه أن يقال كانت العادة انحرفت في أمور الرسول ضصض بانصرافهم الناس عن أمر دينه والبحث عنه ولا يخفى ما في هذه المعارضة من الضعف وسقوط ما زمه عليها . وقيل بالوقف وبه قال إمام الحرمين وابن القشيري والكيا والغزالي والآمدي والشريف المرتضى واختاره النووي في الروضة قالوا إذ ليس فيه دلالة عقل ولا ثبت فيه نص ولا إجماع . قال ابن القشيري في المرشد بعد حكاية الاختلاف في ذلك وكل هذه أقوال متعارضة وليس دلالة قاطعة والعقل يجوز ذلك لكن أين السمع فيه انتهى . قال إمام الحرمين هذه المسألة لا تظهر لها فائدة بل تجري مجرى التواريخ المنقولة ووافقه المازري والماوردي وغيرهما وهذا صحيح فإنه لا يتعلق بذلك فائدة باعتبار هذه الأمة ولكنه يعرف به في الجملة شرف تلك الملة التي تعبد بها وفضلها على غيرها من الملل المتقدمة على ملته . وأقرب هذه الأقوال قول من قال إنه كان متعبداً بشريعة إبراهيم عليه السلام فقد كان ضصض كثير البحث عنها عاملاً بما بلغ إليه منها كما يعرف ذلك من كتب السير وكما تفيده الآيات القرآنية من أمره ضصض بعد البعثة باتباع تلك الملة فإن ذلك يشعر بمزيد خصوصية لها فلو قدرنا أنه كان على شريعة قبل البعثة لم يكن إلا عليها .

المسألة الثانية : اختلفوا هل كان متعبداً بعد البعثة بشرع من قبله أم لا ؟ . على أقوال : الأول: أنه لم يكن متعبداً باتباعها بل كان منهياً عنها وإليه ذهب الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في آخر قوليه واختاره الغزالي في آخر عمره . قال ابن السمعاني إنه المذهب الصحيح، وكذا قال الخوارزمي في الكافي ، واستدلوا بأنه ضصض لما بعث معاذاً إلى اليمن لم يرشده إلا إلى العمل بالكتاب والسنة ، ثم اجتهاد الرأي وصحح هذا القول ابن حزم . واستدلوا أيضاً بقوله تعالى:لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً وبالغت المعتزلة فقالت باستحالة ذلك عقلاً وقال غيرهم العقل لا يحيله ولكنه ممتنع شرعاً واختاره الفخر الرازي والآمدي . القول الثاني : أنه كان متعبداً بشرع من قبله إلا ما نسخ منه نقله ابن السمعاني عن أكثر الشافعية وأكثر الحنفية وطائفة من المتكلمين . قال ابن القشيري هو الذي صار إليه الفقهاء واختاره الرازي وقال إنه قول أصحابهم وحكاه الأستاذ أبو منصور عن محمد بن الحسن واختاره الشيخ أبو إسحاق واختاره ابن الحاجب وقال ابن السمعاني وقد أومأ إليه الشافعي في بعض كتبه قال القرطبي وذهب إليه معظم أصحابنا يعني المالكية . قال القاضي عبد الوهاب إنه الذي تقتضيه أصول مالك . واستدلوا بقوله سبحانه : وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس الآية فإن ذلك مما استدل به في شرعنا على وجوب القصاص ولو لم يكن متعبداً بشرع من قبله لما صح الاستدلال بكون القصاص واجباً في شرع بني إسرائيل على كونه واجباً في شرعه. واستدلوا أيضاً بأنه ضصض لما قال من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها قرأ قوله تعالى : وأقم الصلاة لذكري وهي مقولة لموسى فلو لم يكن متعبداً بشرع من قبله لما كان لتولاة الآية عند ذلك فائدة . واستدلوا بما ثبت عن ابن عباس أنه سجد في صورة ص وقرأ قوله تعالى : أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده فاستنبط التشريع من هذه الآية واستدلوا أيضاً بما ثبت في الصحيح أنه كان ضصض يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم ينزل عليه ولولا ذلك لم يكن لمحبته للموافقة فائدة ولا أوضح ولا أصرح في الدلالة على هذا المذهب من قوله تعالى : فبهداهم اقتده وقولهثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً .

القول الثالث : الوقف حكاه ابن القشيري وابن البرهان . وقد فصل بعضهم تفصيلاً حسناً فقال إنه إذا بلغنا شرع من قبلنا على لسان الرسول أو لسان الرسول أو لسان من أسلم كعبد الله بن سلام وكعب الأحبار ولم يكن منسوخاً ولا مخصوصاً فإنه شرع لنا وممن ذكر هذا القرطبي ولا بد من هذا التفصيل على قول القائلين بالتعبد لما هو معلوم من وقوع التحريف والتبديل فإطلاقهم مقيد بهذا القيد ولا أظن أحداً منهم يأباه . البحث الرابع : الاستحسان ، واختلف في حقيقة فقيل هو دليل ينقدح في نفس المجتهد ويعسر عليه التعبير عنه . وقيل هو العدول عن قياس إلى قياس أقوى . وقيل هو العدول عن الحكم إلى العادة لمصلحة الناس ، قيل تخصيص قياس بأقوى منه ونسب القول به إلى أبي حنيفة وحكى عن أصحابه ونسبه إمام الحرمين إلى مالك وأنكره القرطبي فقال ليس معروفاً من مذهبه وكذلك أنكر اصحاب أبي حنيفة ما حكى عن الحنابلة قال ابن الحاجب في المختصر قالت به الحنفية والحنابلة وأنكره غيرهم انتهى . وقد أنكره الجمهور حتى قال الشافعي من استحسن فقد شرع قال الروياني معناه أنه ينصب من جهة نفسه شرعاً غير الشرع وفي رواية عن الشافعي أنه قال القول بالاستحسان باطل وقال الشافعي في الرسالة الاستحسان تلذذ ولو جاز لأحد الاستحسان في الدين لجاز ذلك لأهل العقول من غير أهل العلم ولجاز أن يشرع في الدين في كل باب وأن يخرج كل أحد لنفسه شرعاً . قال جماعة من المحققين الحق أنه لا يتحقق استحسان مختلف فيه لأنهم ذكروا في تفسيره أمور لا تصلح للخلاف لأن بعضها مقبول اتفاقاً وبعضها متردد بين ما هو مقبول اتفاقاً وما هو مردود اتفاقاً وجعلوا من صور الاتفاق على القبول قول من قال إن الاستحسان العدول عن قياس إلى قياس أقوى وقول من قال إنه تخصيص قياس بأقوى منه وجعلوا من المتردد بين القبول والرد قول من قال إنه دليل ينقدح في نفس المجتهد ويصر علي التعبير عنه لأنه إن كان معنى قوله ينقدح أنه يتحقق ثبوته والعمل به واجب عليه فهو مقبول اتفاقاً وإن كان بمعنى أنه شاك فهو مردود اتفاقاً إذ لا يثبت الأحكام بمجرد الاحتمال والشك ، وجعلوا من المتردد ايضاً قول من قال إنه العدول عن حكم الدليل إلى العادة لمصلحة الناس فقالوا إن كان العادة هي الثابتة في زمن النبي ضصض فقد ثبت بالسنة وإن كانت هي الثابتة في عصر الصحابة من غير إنكار فقد ثبت بالأجماع وأما غيرها فإن كان نصاً وقياساً مما ثبت حجيته فقد ثبت ذلك به وإن كان شيئاً آخر لم تثبت حجيته فهو مردود قطعاً وقد ذكر الباجي أن الاستحسان الذي ذهب إليه أصحاب مالك هو القول بأقوى الدليلين كتخصيص بيع العرايا من بيع الرطب بالتمر قال وهذا هو الدليل فإن سموه استحساناً فلا مشاحة في التسمية . وقال ابن الأنباري الذي يظهر من مذهب مالك القول بالاستحسان لا على ما سبق بل حاصله استعمال مصلحة جزئية في مقابلة قياس كلي فهو يقدم الاستدلال المرسل على القياس ، ومثاله لو اشترى سلعة بالخيار ثم مات وله ورثة فقيل يرد وقيل يختار الامضاء قال أشهب القياس الفسخ ولكنا نستحسن إن أراد الامضاء أن يأخذ من لم يمض إذا امتنع البائع من قبوله نصيب الراد . قال ابن السمعاني إن كان الاستحسان هو القول بما يستحسنه الانسان ويشتهيه من غير دليل فهو باطل ولا أحد يقول به ، ثم ذكر أن الخلاف لفظي ثم قال فإن تفسير الاستحسان بما يشنع به عليهم لا يقولون به وإن تفسير الاستحسان بالعدول عن دليل إلى دليل أقوى منه فهذا مما لم ينكره أحد عليه لكن هذا الإسم لا يعرف إسماً لما تقاربه وقد سبقه إلى مثل هذا القفال فقال إن كان المراد بالاستحسان ما دلت الأصول بمعانيها فهو حسن لقيام الحجة به قال فهذا لا ننكره ونقول وبه وإن كان ما يقع في الوهم من استقباح الشيء واستحسانه من غير حجة دلت عليه من أصل ونظير فهو محظور والقول به غير سائغ . قال بعض المحققين الاستحسان كلمة يطلقها أهل العلم على ضربين : أحدهما واجب بالإجماع وهو أن يقدم الدليل الشرعي أو العقلي لحسنه فهذا يجب العمل به لأن الحسن ما حسنه الشرع والقبيح ما قبحه الشرع . والضرب الثاني أن يكون على مخالفة ادليل مثل أن يكون الشيء محظوراً بدليل شرعي وفي عادات الناس التحقيق فهذا عندنا يحرم القول به ويجب اتباع الدليل وترك العادة والرأي سواء كان ذلك الدليل نصاً أو إجماعاً أو قياساً انتهى . فعرفت بمجموع ما ذكرنا أن ذكر الاستحسان في بحث مستقل لا فائدة فيه أصلاً لأنه إن كان راجعاً إلى الأدلة المتقدمة فهو تكرار وإن كان خارجاً عنها فليس من الشرع في شيء بل هو من التقول على هذه الشريعة بما لم يكن فيها تارة وبما يضادها أخرى .

البحث الخامس : المصالح المرسلة ، قد قدمنا الكلام فيها في مباحث القياس وسنذكر هاهنا بعض ما يتعلق بها تتميماً للفائدة ولكونها قد ذكرها جماعة من أهل الأصول في مباحث الاستدلال ولهذا سماها بعضهم بالاستدلال المرسل . وأطلق إمام الحرمين وابن السمعاني عليها اسم استدلال . قال الخوارزمي والمراد بالمصلحة المحافظة على مقصود الشرع بدفع المفاسد عن الخلق . قال الغزالي هي أن يوجد معنى يشعر بالحكم مناسب عقلاً ولا يوجد أصل متفق عليه . وقال ابن برهان هي ما لا تستند إلى أصل كلي ولا جزئي . وقد اختلفوا في القول بها على مذاهب : الأول منع التمسك بها مطلقاً وإليه ذهب الجمهور ، الثاني الجواز مطلقاً وهو المحكى عن مالك قال الجويني في البرهان وأفرط في القول بها حتى جزاه إلى استحلال القتل وأخذ المال لمصالح يقتضيها في غالب الظن وإن لم يجد لها مستنداً ، وقد حكى القول بها ومنهم القرطبي وقال ذهب الشافعي ومعظم أصحاب أبي حنيفة إلى عدم الاعتماد عليها وهو مذهب مالك قال وقد اجترأ إمام الحرمين الجويني وجازف فيما نسبه إلى مالك من الافراط في هذا الأصل وهذا الأصل وهذا لا يوجد في كتب مالك ولا في شيء من كتب أصحابه. قال ابن دقيق العيد الذي لا شك فيه أن لمالك ترجيحاً على غيره من الفقهاء في هذا النوع ويليه أحمد بن حنبل ولا يكاد يخلو غيرهما عن اعتباره في الجملة ولكن لهذين ترجيح في الاستعمال لها على غيرهما انتهى . قال القرافي هي عند التحقيق في جميع المذاهب لأنهم يقومون ويقعدون بالمناسبة ولا يطلبون شاهداً بالاعتبار ولانعني بالمصلحة المرسلة إلا ذلك. الثالث إن كانت ملائكة لأصل كلي من أصول الشرع أو لأصل جزئي جاز بنا الأحكام عليها ولا فلا . حكاه ابن برهان في الوجيز عن الشافعي وقال إنه الحق المختار. قال إمام الحرمين ذهب الشافعي ومعظم أصحاب أبي حنفية إلى تعليق الأحكام بالمصالح المرسلة بشرط الملاءمة للمصالح المعتبرة المشهود لها بالأصول. الرابع إن كانت تلك المصلحة ضرورية قطعية كلية كانت معتبرة فإن فقد أحد هذه الثلاثة لم تعتبر والمراد بالضرورية أن تكون من الضروريات الخمس وبالكلية أن تعم جميع المسلمين لا لو كانت لبعض الناس دون بعض أو في حالة مخصوصة دون حالة واختار وبالكلية أن تعم جميع المسلمين لا لو كانت لبعض الناس دون بعض أو في حالة مخصوصة دون حالة واختار هذا الغزالي والبيضاوي ومثل الغزالي للمصلحة المستجمعة بمسألة الترس وهي ماذا تترس الكفار بجماعة من المسلمين وإذا رمينا قتلنا مسلماً من دون جريمة منه ولو تركنا الرمي لسلطنا الكفار على المسلمين فيقتلونهم ثم يقتلون الأسارىالذين تترسوا بهم فحفظ المسلمين بقتل من تترسوا به من المسلمين أقرب إلى مقصود الشرع لأنا نقطع أن الشرع يقصد تقليل القتل كما يقصد حسمه عند الإمكان فحيث لم نقدر على الحسم فقد قدرنا على التقليل وكان هذا التفاتاً إلأى مصلحة علم بالضرورة كونها مقصودة للشرع لا بدليل واحد بل بأدلة خارجة على الحصر ولكن تحصيل هذا المقصود بهذا الطريق وهو قتل من لم يذنب لم يشهد له اصل فينقدح اعتبار هذه المصلحة بالأوصاف الثلاثة وهي كونها ضرورية كلية قطعية فخرج بالكلية فإذا اشرف جماعة في سفينة على الغرق ولو غرق بعضهم لنجوا فلا يجوز تغريق البعض وبالقطعية ما إذا شككنا في كون الكفار يتسلطون عن عدم رمي الترس إذ لا ضرورة بنا إلى أخذ القعلة . قال القرطبي هي بهذه القيود لا ينبغي أن يختلف في اعتبارها وأما ابن المنير فقال هو احتكام من قائلة ثم هو تصويرها بما لا يمكن عادة ولا شرعاً أما عادة فلأن القطع في الحوادث المستقلة لا سبيل إليه إذ هو عبث وعناد وأما شرعاً فلأن الصادق المعصوم قد أخبرنا بأن الأمة لا يتسلط عدوها عليها ليستأصل شأفتها . قال وحاصل كلام الغزالي رد الاستدلال بها لتضيقه في قبولها باشتراط ما لا يتصور وجوده انتهى . قال الزركشي وهذا تحامل منه فإن الفقيه يفرض المسائل النادرة لاحتمال وقوعها بل المستحيلة لرياضة الأفهام ولا حجة له في الحديثة لأن المراد به كافة الخلق وتصوير الغزالي إما هو في أهل محلة يخصوصهم استولى عليهم الكفار لا جميع العالم وهذا واضح انتهى . قال ابن دقيق العيد لست أنكر على من اعتبر أصل المصالح لكن الاسترسال فيها وتحقيقها محتاج إلى نظر سديد وربما يخرج عن الحد وقد نقلوا عن عمر رضي الله عنه أنه قطع لسان الحطيئة بسبب الهجو فإن صح ذلك فهو من باب العزم على المصالح المرسلة وحمله على التهديد الرادع للمصلحة أولى من حمله على حقيقة القطع للمصلحة وهذا يجر إلى النظر فيما يسمى مصلحة مرسلة. قال وشاورني بعض القضاءة في قطع أنملة شاهد والغرض منعه عن الكتابة بسبب قطعها وكل هذا منكرات عظيمة الموقع في الدين واسترسال قبيح في أذى المسلمين انتهى .ب المصير إليه وإن لم يعلم ذلك بل جوز فقد وجب المصير إلى ظاهر الخبر وهذا مسلم إذا حصل العلم بذلك . وأما إذا ترك الصحابي العمل بما رواه بالكلية فقد قدمنا الكلام عليه في الشروط التي ترجع إلى مدلول الخبر ولا وجه لما قيل من أنه قد اطلع على ناسخ لذلك الخبر الذي رواه لأنا لم نتعبد بمجرد هذا الاحتمال وأيضاً فربما ظن أنه منسوخ ولم يكن كذلك .