الرئيسيةبحث

أنوار البدرين ومطلع النيرين في تراجم علماء القطيف والأحساء والبحرين/المقدمة

أنوار البدرين ومطلع النيرين
في تراجم علماء القطيف والأحساء والبحرين
المقدمة
  ► الغلاف المقدمة الباب الأول ☰  
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي بعث محمد المصطفى صلى الله عليه وآله رحمة للعالمين، وأرسله بشيرا ونذيرا إلى الخلق أجمعين، وجعله نبيا وآدم بين الماء والطين وفضله وشرفه على كافة المخلوقين، وختم بشريعته جميع شرايع الأنبياء والمرسلين، ونسخ بها جميع شرائع الأنبياء المتقدمين، وجعل عترته وآله الطاهرين خلفاءه الراشدين المرضيين وأوصياءه على اليقين شركاء الكتاب المبين، وسادات المسلمين، وأمناءه في أمور الدنيا والدين، حرس أهل الأرض عن العذاب المهين، سفينة النجاة للراكبين باب خطة للداخلين هدا المهتدين وحبل الله المتين، فصلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين، كل آن وحين، ورضوان الله ورحمته على علمائهم العاملين ورواة أخبارهم والمقتفين لآثارهم المستضيئين بأنوارهم والتابعين، ولعنة الله الدائمة على أعدائهم الظالمين.. أما بعد فيقول العبد الجاني، والفقير لربه السبحاني علي ابن المرحوم الشيخ حسن ابن المقدس الشيخ علي ابن المرحوم الشيخ سليمان البلادي البحراني عفا الله عن جرائمهم أجمعين، وأعطاهم خير الدنيا والدين، بحق محمد المصطفى الأمين وآله الطاهرين الميامين، صلى الله عليه وآله الأكرمين قد سألني الولد الصالح، والميزان الراجح العالم العامل التقي الكامل النقي الواصل الرضي الفاضل المؤيد بالتأييدات الربانية، الموفق بالتوفيقات السبحانية، المتنسل من سلالة العلمان الأعيان، ذوي الإتقان والإيقان، المعتمد الصالح. الشيخ محمد صالح، خلف العالم الأسعد العلامة الأرشد الفهامة الأمجد شيخنا ووالدنا الروحاني الشيخ أحمد بن العالم العابد الزاهد الصالح الشيخ صالح الستري البحراني مد الله عمره السعيد مدا وجعل بينه وبين جميع الحوادث سدا، ووفقنا الله وإياه وأبناءنا والمؤمنين، إلى الدنيا والدين وجعلنا وإياهم وآباءنا والمؤمنين، من أهل دار دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيهم سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين، أن أكتب له كتابا كاملا ودستورا حافلا لترجمة علماء البحرين وفقهائها وأدبائها وفضلائها مع ذكر مصنفاتها ورسائلها وما يدخل في هذا الشأن ويحوم حول هذا الميدان، مما بلغه علمي، وأحاط به اطلاعي وفهمي، وإن كان قليلا من كثير، ونقطة من غدير لتشتت أهلها في البلدان، بما لعبت بهم أيدي الزمان، وما نالوه من البلاء والهوان من أهل الجور والعدوان، والحوادث والوقايع التي أخلت منهم الأوطان وبددت شملهم في كل مكان. كأن لم يكن بين الجحون إلى الصفا * أنيس ولم يسمر بمكة سامر حتى بلغ الحال إن كثيرا من الأولاد لم يعلموا بآثار آبائهم ولم يدروا بأنسابهم وأقربائهم وكانوا من مصاديق قوله صلى الله عليه وآله (أعظم الناس بلاء في الدنيا الأنبياء ثم الأوصياء ثم الأولياء ثم المؤمنون الأمثل فالأمثل) وقد كان أهل البحرين من قديم الزمان من الشيعة المخلصين، والموالين لمولانا علي أمير المؤمنين، وسيد المسلمين وأبنائه الأئمة الطاهرين، عترة الرسول الأمين، صلى الله عليه وآله الميامين، وكانوا من الزهد والورع والتقوى والتمسك بالعروة الوثقى والسبب الأقوى بمكان مكين وثبات ويقين، كما ستطلع إن شاء الله تعالى في المقدمة على بعض أحوالهم، وتفصيلهم وإجمالهم، فاستخرت الله العليم بالخفيات الخبير بجميع المعلومات، وأجبته إلى ما طلب وأسعفته فيما سأل ورغب، سائلا منه سبحانه أن يمدني بالتوفيق والصواب، والهداية للحق في كل باب، إنه الكريم الوهاب وخير من سئل فأجاب: وسميته ب‍: أنوار البدرين في تراجم علماء القطيف والأحساء والبحرين والله الكريم أسأل حسن المبدأ والختام وخير الدنيا والدين يوم القيام، وهو حسبنا وعليه توكلنا وإليه أنبنا وإليه المصير. ورتبته على مقدمة شريفة وثلاثة أبواب وخاتمة نسأله حسن الابتداء والخاتمة، وهذا ترتيب المبدأ والخاتمة والأبواب ليكون كالفهرست للكتاب:

  • المقدمة في ترجمة البحرين ومدنها الثلاث إجمالا وفيها مباحث شريفة وفوائد منيفة.
  • والباب الأول في ترجمة علماء البحرين وهي جزيرة أوال.
  • والباب الثاني في ترجمة علماء القطيف التي هي الخط.
  • والباب الثالث في ترجمة علماء الأحساء وهي هجر.

والخاتمة في ذكر أربعين حديثا نبوية من طرق أصحابنا الإمامية وذكر اتصالنا بالإجازة لأخبار أئمتنا العترة الطاهرة المهدية مشروحة مختصرة ومن الله الكريم الرحمن الرحيم نستمد المعونة والتوفيق ونستدفع التعسير والتعويق إنه ولي كل خير ودافع كل سوء وضير، وهو حسبنا ونعم الوكيل نعم المولى ونعم النصير، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم العليم القدير الأحد الصمد الخبير. المقدمة في ترجمة البحرين واشتمالها على المدن الثلاث وهي جزيرة أوال والقطيف والأحساء وفضلها على كثير من بلاد الإسلام. قال السيد الفاضل المعاصر السيد محمد باقر الأصفهاني في كتابه روضات الجنات في أحوال العلماء والسادات وهو كتاب جامع جليل في ترجمة العلامة الأمجد الشيخ أحمد بن الشيخ محمد المقشاعي المقابي البحراني الذي نذكر إن شاء الله تعالى ترجمته فيما يأتي. ثم إن البحرين كما في تلخيص الآثار ناحية بين البصرة وعمان على ساحل البحر بها مغاص الدر، ودرة أحسن الأنواع ينتهي إليها قفل الصدف في كل سنة من مجمع البحرين، يحمل الصدف بالدر إليها وليس لأحد من الملوك مثل هذه الغلة، من سكن البحرين عظم طحاله وانتفخ بطنه. قلت وأهل البحرين قديمة التشيع ومتصلبون في أمور الدين خرج منها من علمائنا الأبرار جم غفير، وفي الأمثال المشهورات، خرب الله البحرين وعمر أصفهان كي لا يخلو من أهل الأولى أحد ولا يقع من أهل الثانية الديار. والخط قرية باليمامة يقال لها خط هجر ينسب إليها الرماح الخطية. وهجر مدينة كبيرة هي قاعدة بلاد البحرين ذات النخل والرمان والأترج والقطن قال النبي صلى الله عليه وآله إذا بلغ الماء قدر قلتين لم بحمل خبثا أراد بهما قلال هجر يسعها خمسمائة رطل وإليها ينسب رشيد الهجري صاحب أمير المؤمنين (ع) الذي هو في درجة ميثم التمار وهو من جملة حاملي أسرار أمير المؤمنين عليه السلام انتهى كلامه في الجنان مقامه وإنما نقلناه بطوله لاشتماله على الفوائد الجزيلة والعوائد الجميلة وذكره المدن الثلاث كما عن تلخيص الآثار كل واحد باسم خاص جريا على غلبة الاستعمال، وإلا فاسم البحرين واسم هجر بفتحتين ويطلق كل منهما على الجميع كما هو المستفاد من تتبع كلام أهل اللغة وأهل التواريخ والسير ثم صار علما بالغلبة اسم البحرين على جزيرة أوال وهجر على بلاد الأحساء كابن عباس وابن الزبير ونحوهما وما نقله عن تلخيص الآثار من عظم الطحال وانتفاخ البطن فلعله كان في قديم الزمان كذلك وإلا فالآن ليس كذلك ووجودهما نادر جدا لبعض العوارض ولعله انتفى بسبب عوارض كما يحكى أنه كان في السابق في أهلها بعض الجذام بسبب الرطوبات وكثرة الأسماك فذهب عن أهلها بالكلية بسبب شرب التتن وكثرة شيوعه حتى حكي إن كثيرا من علمائها القدماء يذهب إلى حرمته وينهى عن استعماله فلما رأى منفعته للمرض المزبور سكت عن النهي وأجاز استعماله والله العالم (1) (والخط) بضم المعجمة هي بلاد القطيف والظاهر من تتبع التواريخ القديمة جدا علم أن الأولتين أقدم منها والآثار والوجدان يساعدان فإن جزيرة أوال فيها من الآثار القديمة جدا كقلعة دقيانوس ملك أصحاب الكهف وهو قبل عيسى (ع) وغير ذلك قديما وهجر فيها آثار من قبل عيسى (ع) أيضا وأما القطيف فقد ذكر ابن الأثير في الكامل إن سابور الملك مدن أربعين مدينة من جملتها القطيف من البحرين انتهى - وينسب إليها شاعر البحرين أبو البحر جعفر بن محمد الخطي، والشاعر الأديب الشيخ فرج الخطي وسيأتي الكلام إن شاء الله تعالى على ترجمتهما. وأما فضلها على كثير من غيرها فقد حدثني أقدم مشائخي العلامة الثقة الثبت الحفظة الوالد الروحاني التقي الصالح الشيخ أحمد بن الشيخ صالح البحراني قدس الله نفسه ونور رمسه وأسنده أنه لما أمر الله رسوله محمدا المصطفى صلى الله عليه وآله بالهجرة من مكة بعد موت عمه وكافله سيد البطحاء بيضة البلد أبي طالب وتظاهر المشركين عليه نزل عليه الأمين جبرئيل (ع) من الرب الجليل وخيره في الهجرة إلى البحرين أو فلسطين أو المدينة فترك صلى الله عليه وآله البحرين من أجل البحر وترك فلسطين لبعدها واختار المدينة لقربها من مكة انتهى كلامه علا في الفردوس مقامه. قلت ثم بعد مدة مديدة وقفت على خبر رواه العلامة الثاني الشيخ سليمان بن عبد الله الماحوزي البحراني في المجلد الثاني من كتابه أزهار الرياض والظاهر أنه عن الإمام الصادع بالحق والناطق جعفر بن محمد الصادق (ع) بالتفصيل الذي ذكره قدس سره إلا أني لم أكن بصدد هذه الكتابة حتى أنقله بلفظه وهذه فضيلة عظيمة تدل على شرف الأرض وقبول أهلها للألطاف بحيث تكون مثوى لسيد المرسلين ومهاجرة لخاتم النبيين واستراحته إليها عن أذيات المشركين. ومنها أنها أسلمت للنبي صلى الله عليه وآله طوعا بالمكاتبة كما ذكره جملة من أهل التواريخ والسير من الخاصة والعامة كما سيأتي حتى إن الفقهاء صرحوا في كتبهم الفقهية في أحكام الموات بأن البحرين حكمها حكم المدينة لأنهما أسلما طوعا لا عنوة بل ذكرها شيخنا الشهيد الأول في اللمعة مرتين مرة في إحياء الموات، ومرة في كتاب الخمس. قال شيخنا الشهيد الثاني في شرحها ممزوجا بها وكل أرض أسلم عليها طوعا كالمدينة المشرفة والبحرين وأطراف اليمن فهي لهم على الخصوص يتصرفون فيها كيف شاؤوا وليس عليهم فيها سوى الزكاة مع اجتماع الشرائط انتهى: وقال في الأنفال من الخمس في الكتاب المذكور ممزوجا بكلام الشارح المزبور ونقل الإمام (ع) الذي يريد به من قبيلة ومنه يسمى نفلا أرض انجلى عنها أهلها وتركوها أو أسلمت للمسلمين طوعا من غير قتال كبلاد البحرين انتهى المقصود من كلامهما زيد في الجنان عالي مقامهما وهو وإن كان الحكم الثاني مخالفا للأول إلا أن الظاهر وهو الذي عليه المعول إنما هو الأول. يدل على الثاني ما رواه الشيخ في التهذيب في الموثق عن سماعة بن مهران قال سألته عن الأنفال إلى أن قال ومنها البحرين لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب وربما يجمع بين الحكمين بما لا تنافي بينهما في البين ببعض الوجوه ولسنا بصدد تحقيقه وناهيك بها من فضيلة جليلة ومكرمة نبيلة وذكر ابن عبد ربه في كتاب العقد الفريد في ذكر الوفود على رسول الله صلى الله عليه وآله ووفد عليه وفد عبد القيس من أهل هجر فقال صلى الله عليه وآله لهم مرحبا بوفد قوم لا خزايا ولا نادمين وهجر هذه بلاد البحرين كما قدمنا الكلام عليها وهي التي عناها أبو اليقظان عمار بن ياسر الصحابي البدري (رض) بقوله في صفين يشير به إلى الفئة الباغية معاوية وأهل الشام (والله لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر لعلمنا أننا على الحق وأنهم على الباطل) والمراد بسعفات هجر نخلها كنا عنه بأظهر الأفراد مجازا وذكر هجر مبالغة في الامعان في البعد فإن صفين من قرى المغرب وهجر من قرى المشرق وعمار هذا هو الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وآله عمار جلدة بين عيني وقال صلى الله عليه وآله في المستفيض بين الخاصة والعامة بروايات كثيرة منها ويح بن سمية تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار وقال له يا عمار ستقتلك الفئة الباغية ويكون آخر زادك من الدنيا ضياحا من لبن والروايات في هذا المعنى كثيرة جدا ورواها ابن النابغة عمر ابن العاص لأهل الشام قبل وقوع صفين فلما حضر الوقت صار بين ذي الكلاع الحميري وبين ابن العاص وعمار كلام كثير ذكره ابن أبي الحديد في شرح النهج في أخبار صفين وغيره وذكر أن ذا الكلاع قتل في اليوم الذي قتل فيه عمار بن ياسر (رض) ولو لم يقتل في ذلك لمال بأهل الشام إلى أمير المؤمنين (ع) لأنه رئيسهم والمطاع فيهم وهو الذي جد بهم لمعاوية وبئس الخاتمة والعقبى له ولهم. أقول وهذا يدلك يقينا أن قريشا المتقدمين منهم والمتأخرين اجتهدوا في إطفاء فضائل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) وإخفاء مناقبه وستر ما قاله رسول الله صلى الله عليه وآله فيما استفاض من رواياتهم بل تواتر من طرقهم فيه من قوله صلى الله عليه وآله من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله وأدر الحق معه حيثما دار في الروايات الصحيحة في يوم الغدير المتواترة من عدة طرق حتى أفردت فيه الكتب والرسائل بل وفي ذكر رواته في مجلدات كثيرة وفي طرق منها كما في الصواعق المحرقة لابن حجر من كنت وليه فعلي وليه، وقوله (صلى الله عليه وآله يا علي أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى " ع " إلا أنه لا نبي بعدي وقوله " ص " في واقعة خيبر لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله كرار غير فرار لا يرجع حتى يفتح الله عليه يعرض بقوله " ص " كرار غير فرار إلى من تقدم بالراية وفر يجبن أصحابه ويجبنونه فجئ بعلي إليه وبه رمد فبصق في عينيه ودفع الراية إليه ففتح الله عليه. وحديث الطائر المستوي ذكره جملة من أساطين القوم ومحدثيهم وهو قوله صلى الله عليه وآله اللهم آتيني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطائر المشوي فأتاه علي (ع) فأكل معه وقوله " ص " مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق وهوى وقوله صلى الله عليه وآله إني مخلف فيكم الثقلين وفي بعضها إني تارك فيكم وفي بعضها إني مخلف فيكم خليفتين كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وكذلك قوله صلى الله عليه وآله فيه علي مع الحق والحق مع علي يدور معه حيثما دار لن يفترقا حتى يردا علي الحوض وقوله (ص) علي إمام البررة وقاتل الكفرة منصور من نصره مخذول من خذله وقوله " ص " أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد الحكمة فليأتها من بابها وقوله " ص " يا علي سلمك سلمي وحربك حربي إلى غير ذلك من الروايات الكثيرة والأخبار الصحيحة الشهيرة المذكورة في الأصحة والمسانيد من طرق متكثرة المتفق على نقلها الخاصة والعامة والأولياء والأعداء الدالة على تفضيل أمير المؤمنين " ع " على جميع الأمة وفي بعضها نص على خلافته وفضيلته وجلالته مما لا تقبل التأويل ولا تتطرق إليها الشبهات التي أظهرها الله لوليه لطفا به بعد طول ذلك الاخفاء وذلك الاستتار حسدا وبغضا من أعدائه وخوفا وتقية من أوليائه مع روايتهم لها وحفظهم إياها على وجه الخوف والتقية حتى أظهرها الله تعالى كالسماء المرفوعة والأعلام الموضوعة والشمس الظاهرة والنجوم الزاهرة والأمثال السائرة فسارت بها الركبان وعطرت الآفاق في كل مكان وغنت بها الحدات ونقلتها السن المحدثين والرواة من الأولياء والعدات. هي الشمس كل العالمين يرونها * عيانا ولكن ذكرها للتبرك وهذه الكتب المعتمدة مبذولة موجودة لأصحابنا وأهل السنة والجماعة مشهورة غير محتاجة إلى التعيين تنادي برفيع أصواتها بخلافة علي أمير المؤمنين " ع " وأبنائه الطاهرين وتفضيلهم على الخلق أجمعين وظهور نورهم وعلو مقامهم وفخرهم وسمو مرتبتهم وقدرهم وإن كانت الشمس تطمس أعين الخفاش والحق مضر بأسماع الأوباش وحيث سترها بغضا الأولون وكتمها حسدا الأقدمون وخوفا الموالون لم تتطرق أسماع كثير من العوام بشئ منها فآل الأمر إلى أنهم أضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل فبسماع بعض أهل الشام هذا الخبر المروي في حق عمار بن ياسر وحق قاتليه صار عند بعضهم الاضطراب وبعض التوقف فكيف لو سمعوا بشئ مما ذكرناه ونقلوا لهم بعض ما رويناه مما هو مجمع على صحته وصدوره وروايته وإن كان أكثرهم أتباع كل ناعق وجلهم مسوقا لسائق وقد أنصف ابن أبي الحديد في هذا المقام حيث أشار إلى ما ذكرناه من الكلام فإنه لما نقل حديث ذي الكلاع الحميري في صفين عن عمار بن ياسر (رض) أهو مع أصحاب علي (ع) فقال له عمرو بن العاص حدثنا أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله قال: يلتقي أهل الشام وأهل العراق وفي إحدى الكتيبتين الحق وإمام الهدى ومعه عمار بن ياسر (رض) فقال أبو نوح (ره): نعم أنه لقينا (قال ابن أبي الحديد) قلت وا عجباه من قوم يعتريهم الشك في أمرهم لمكان عمار ولا يعتريهم الشك لمكان علي (ع) ويستدلون على أن الحق مع أهل العراق بكون عمار بين ظهورهم ولا يستدلون بمكان علي (ع) ويحذرون من قول النبي صلى الله عليه وآله تقتلك الفئة الباغية ويرتاعون لذلك ولا يرتاعون لقوله صلى الله عليه وآله: (اللهم وال من والاه وعاد من عاداه) ولا قوله صلى الله عليه وآله: (لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق) وهذا يدلك على أن عليا (ع) اجتهدت قريش كلها من مبدأ الأمر في إخماد ذكره وستر فضائله وتغطية خصائصه حتى محي فضله ومرتبته من صدور الناس إلا قليلا انتهى كلامه وهو صريح في أن أئمته وتابعيهم من قريش كلهم اجتهدوا في ستر فضائل أمير المؤمنين (ع) وإخفاء مناقبه ومن جملة تلك النصوص على خلافته والأحاديث الدالة علي إمامته ليسقط قدره ويطفئوا نوره (ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون) ولقد أظهر الله لهم من ذينك الإخفاءين ما قد ملأ الخافقين وعطر المشرقين والمغربين وفي الأمثال المشهورة (كناقل التمر إلى هجر) وعنى بها البحرين وهو كناية لمن يأتي بشئ إلى مكان والمنقول إليه أكثر وجودا ومحلا من المنقول منه، ثم استعمل في كل ما يلقي إلى من هو أعلم به منه كما في كتاب أمير المؤمنين إلى معاوية: (ولقد خبأ لنا منك الدهر عجبا، إذ طفقت تخبرنا بنعم الله علينا إلى قوله (ع) فكنت في ذلك كناقل التمر إلى هجر) وأصل المثل أن تاجرا سافر بتجارته إلى البصرة فلم يربح فيها فأحب أن يشتري تجارة منها ويسافر بها للربح فرأى التمر رخيصا فاشترى بتجارته تمرا وحمله إلى البحرين فرآه فيها أرخص مما اشتراه بكثير فاستأجر له حوانيت للتمر ينتظر غلاه وسعره في نزول حتى حدثت التمرة الجديدة وليس له قيمة فأتى إليه أصحاب الحوانيت وقالوا له: فرغ الحوانيت لنضع فيها التمرة الجديدة فاكترى حماميل لنقل التمر يلقونه في البحر إذ لا قيمة له أصلا فخسره ومصارفه فضربت العرب المثل به لمن يحمل شيئا إلى مكان ذلك الشئ إلى محله وقالوا (كناقل التمر إلى هجر) وبعضهم أزاد مثلا آخر (وحامل الحوت إلى قطر) لأن قطر كثيرة الحوت ولعله لقصة واقعة أو للسجع مع صدق المعنى وقال السيد المحقق السري السيد نور الله الشوشتري صاحب المصنفات الرشيقة والتحقيقات الدقيقة منها (إحقاق الحق) و (مصائب النواصب) و (الصوارم المهرقة في نقض الصواعق المحرقة) وغير ذلك في كتابه (مجالس المؤمنين في ترجمة البحرين) قال صاحب (معجم البلدان) إن البحرين اسم لجميع البلدان التي على ساحل بحر الهند بين البصرة وعمان وقال بعضهم: أن قصبة هجر (إلى أن قال) والبلاد المشهورة بالبحرين القطيف وأده وهجر وينبوتة وزاره وجواتا وشابور ودارين وعانة وفي السنة الثامنة من الهجرة أرسل رسول الله صلى الله عليه وآله العلاء بن عبد الله الحضرمي إلى أهل تلك البلدان بالدخول في الإسلام أو قبول الجزية وكتب بذلك إلى المنذر بن ساوي وإلى مرزبان هجر ولما وصل كتاب النبي صلى الله عليه وآله إلى هذين الاثنين اللذين هما رئيسا تلك الولاية دخلا في الإسلام وكذلك جميع العرب الذين معهما وبعض العجم وأهل القرى والزراعة من المجوس واليهود والنصارى صالحوا على نصف غلتهم من الزراعة والتمر وبقوا على مذاهبهم والعلاء في ذلك العام أرسل إلى النبي صلى الله عليه وآله من مال تلك الولاية ثمانين ألف دينار وبعد ذلك عزل رسول الله صلى الله عليه وآله العلاء وولى أبان بن العاص وسعيد ابن أمية وبقيا إلى وقت وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله فلما ولي أبو بكر عزله وولى مكانه العلاء أيضا، ولما كان في زمان عمر عزله وولى أبا هريرة فلما ولي ذلك المكان حصلت منه خيانة عظيمة في الأموال التي قبضها، وروى محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال: استعملني عمر بن الخطاب على البحرين فاجتمعت لي اثنا عشر ألف دينار فلما قدمت إلى عمر قال: لي يا عدو الله وعدو المسلمين (أو قال وعدو كتابه) سرقت مال الله قال فقلت: لست بعدو الله والمسلمين ولا عدو كتابه ولكنني عدو من عاداهم، قال فمن أين اجتمعت لك هذه الأموال؟ فقلت: خيل لي تناتجت وسهام اجتمعت، قال فأخذ مني اثني عشر ألف دينار (إلى أن قال السيد السند المشار إليه في الكتاب المذكور) وتشيع أهل البحرين وقصباتها مثل القطيف والأحساء من قديم الزمان إلى هذه الأيام ظاهر شايع ومنشأ ذلك شمول اللطف الإلهي لأهل تلك الديار وكان في مبدأ الإسلام مدة مديدة عامل تلك الديار أبان بن سعيد بن العاص وكان من محبي أهل البيت عليهم السلام وكان ممن تخلف عن بيعة أبي بكر مع بني هاشم وفي زمان ولاية أمير المؤمنين (ع) جعل حكومة تلك لديار على ما في كتاب (تحفة الأحباب) مذكور لعبد الله بن العباس بن عبد المطلب، وبعض الأوقات لعمرو بن أم سلمة زوجة النبي صلى الله عليه وآله وهو ربيب رسول الله صلى الله عليه وآله وكان ممتازا على غيره في العلم والعبادة والعقل وطيب الطينة وصفاء السريرة وفي ذلك المكان قرر أحقية أمير المؤمنين * (ع) * بالخلافة وبيعة الغدير ونفى الشك والشبهة في ذلك انتهى كلامه علا مقامه أقول وجميع ما ذكره قدس سره قد ذكره جملة أهل التواريخ والسير ورؤساء المحدثين وذكر جملة منه ابن أبي الحديد الحنفي المعتزلي في شرح النهج المرتضوي ولا بأس بنقل بعض كلامه وإن كان بعضه خارجا عن المقصود إلا أنه غير خال من الفائدة الراجحة لأن كتابنا هذا كتاب أدب وكمال وقصص واعتبار وأمثال والشئ بالشئ يذكر قال ابن أبي الحديد: جاءت عائشة إلى أم سلمة " رض " تخادعها على الخروج للطلب بدم عثمان فقالت لها: يا بنت أبي أمية أنت أول مهاجرة من أزواج رسول الله صلى الله عليه وآله وأنت كبيرة أمهات المؤمنين وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يقسم لنا من بيتك وكان جبرئيل أكثر ما يكون في منزلك، فقالت أم سلمة " رض " لأمر ما قلت هذه المقالة؟ فقالت عائشة إن عبد الله " تعني ابن أختها ابن الزبير " أخبرني إن القوم استتابوا عثمان فلما تاب قتلوه صائما في شهر حرام وقد عزمت على الخروج إلى البصرة ومعي الزبير وطلحة فاخرجي معنا لعل الله أن يصلح هذا الأمر على أيدينا وبنا، فقالت لها أم سلمة " رض " إنك كنت بالأمس تحرضين على عثمان وتقولين فيه أخبث القول وما كان اسمه عندك إلا نعثلا وإنك لتعرفين منزلة علي بن أبي طالب " ع " عند رسول الله " ص " أفأذكرك؟ قالت نعم قالت أتذكرين يوم أقبل " ص " ونحن معه حتى هبطنا من قديد ذات الشمال فخلا بعلي " ع " يناجيه فأطال فأردت أن تهجمي عليهما فنهيتك وعصيتيني فهجمت عليهما فما لبثت أن رجعت باكية فقلت: ما شأنك؟ فقلت إني هجمت عليهما وهما يتناجيان، فقلت لعلي " ع " ليس لي من رسول الله إلا يوم من تسعة أيام أفما تدعني يا بن أبي طالب ويومي فأقبل إلي رسول الله " ص " وهو غضبان محمر الوجه فقال إرجعي وراءك فوالله لا يبغضه أحد من أهل بيتي ولا من غيرهم إلا وهو خارج من الإيمان فرجعت نادمة ساخطة فقالت: عائشة: نعم أذكر ذلك، فقالت، لها. وأذكرك أيضا كنت أنا وأنت مع رسول الله " ص " وأنت تغسلين رأسه وأنا أحيس له حيسا وكان الحيس يعجبه فرفع " ص " رأسه وقال ليت شعري أيتكن صاحبة الجمل الأديب تنبحها كلاب الحوأب فتكون ناكبة عن الصراط فرفعت يدي من الحيس وقلت: أعوذ بالله ورسوله من ذلك ثم ضرب على ظهرك وقال إياك أن تكونيها، ثم قال " ص " يا بنت أبي أمية إياك أن تكونيها يا حميرا أما أني قد أنذرتك قالت عائشة: نعم أذكر هذا قالت " رض " وأذكرك أيضا إني كنت أنا وأنت مع رسول الله " ص " في سفر له وكان علي " ع " يتعاهد نعل رسول الله يخصفها ويتعاهد أثوابه فيغسلها فنقبت له نعل فأخذها يومئذ ليخصفها وقعد في ظل سمرة وجاء أبوك ومعه عمر فاستأذنا عليه فقمنا إلى الحجاب فدخلا عليه يحادثانه فيما أرادا ثم قالا يا رسول الله صلى الله عليه وآله إنا لا ندري قدر ما تصحبنا فلو أعلمتنا من تستخلف علينا ليكون لنا بعدك مفزعا، فقال: أما إني قد أرى مكانه ولو فعلت لتفرقتم عنه كما تفرقت بنو إسرائيل عن هارون بن عمران (ع) فسكتا، ثم خرجا فلما أتينا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله قلت أنت له وكنت أجرأ عليه منا: من كنت يا رسول الله مستخلفا عليهم؟ فقال " ص ": خاصف النعل فنزلنا فلم نر أحدا إلا عليا، فقلت يا رسول الله " ص " ما أرى إلا عليا، فقال " ص " هو ذاك فقالت عائشة: أذكر ذلك قالت فأي خروج تخرجين بعد هذا!؟ فقالت: إنما أخرج للإصلاح بين الناس وأرجو فيه الأجر إن شاء الله تعالى فقلت: أنت ورأيك فانصرفت عائشة عنها وكتبت أم سلمة * (رض) * بما قالت وقيل لها إلى علي عليه السلام، وقال ابن أبي الحديد: وروى هشام ابن محمد الكلبي في كتاب (الجمل) أن أم سلمة (رض) كتبت إلى علي " ع " من مكة: " أما بعد فإن طلحة والزبير وأشياعهم أشياع الضلالة يريدون أن يخرجوا بعائشة إلى البصرة ومعهم ابن الحران عبد الله بن عامر بن كريز ويذكرون أن عثمان قتل مظلوما وأنهم يطلبون بدمه والله كافيهم بحوله وقوته ولو لا ما نهانا الله عنه من الخروج وأمرنا به من لزوم البيوت لم أدع الخروج إليك للنصرة لك، لكني باعثة نحوك عدل نفسي عمرو بن أبي سلمة " رض " فاستوص به يا أمير المؤمنين خيرا " قال فلما قدم عمرو على أمير المؤمنين " ع " أكرمه ولم يزل، مقيما معه حتى شهد مشاهده كلها، ثم وجهه أميرا على البحرين وقال " ع " لابن عم له بلغني إن عمروا يقول الشعر فابعث إلي من شعره شيئا فبعث إليه أبياتا له أولها: جزتك أمير المؤمنين قرابة * رفعت بها ذكري جزاء موفرا فعجب عليه السلام من شعره واستحسنه انتهى قلت وبعد ذلك كتب إليه يأتيه لما عزم على الرجوع إلى صفين لجهاد القاسطين بكتاب حسن يتضمن إنه لم يعزله عن خيانة أوامر غير حسن وإنما هو كان عزمه على قتال أهل الشام ولا ينبغي لمثله أن يغيب عن ذلك والكتاب مذكور في أصل نهج البلاغة ثم أرسل مكانه أميرا على البحرين النعمان بن عجلان الأنصاري من سادات الأنصار وشاعرهم ولسانهم الذي خلف على خولة زوجة حمزة أسد الله وأسد رسوله " ص " وهو أيضا صاحب الأبيات المشهورة وهي قوله يخاطب بها المهاجرين: أقمتم أبا بكر لها غير عالم * وأن عليا كان أخلق بالأمر علي بحمد الله يهدي من العمى * ويفتح آذانا صممن من الوقر ولم يرض إلا بالرضاء وأنتم * رضيتم بأدناكم إلى أرذل العمر فقرر على أهل تلك الديار حقية الخلافة للأمير " ع " وخبر الغدير وغيره من فضائله وكراماته وأهل بيته، أصحاب آية التطهير ووجوب محبتهم ولزوم ولايتهم ومودتهم المنجية من نار السعير وقد صح عن رسول الله " ص " في المتفق عليه بين الفريقين إنه قال: أيها الناس إني مخلف فيكم الثقلين ما أن تمسكتم به لن تضلوا أبدا كتاب الله وعترتي أهل بيتي وقال " ص ": أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح في قومه من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق وهوى كل ذلك بأسانيد متعددة وألفاظ مختلفة ومعان متفقة وأخبار اثني عشر أمير أو خليفته المذكورة في " صحيح مسلم والبخاري " و " مسند ابن حنبل " منها لا يزال هذا الدين عزيزا ما وليهم اثني عشر خليفة أو أمير كلهم من قريش بألفاظ مختلفة ومعان متفقة وأسانيد صحيحة وفي بعضها كما في " الينابيع " كلهم من بني هاشم وأخبار يوم الغدير وغيرها من الجم الغفير الدالة على خلافة الأمير المتقدم بعضها بل ذلك منها نقضة من غدير وقليل من كثير ولا ينبئك مثل خبير وكله مروي في صحاح القوم ومسانيدهم كالصحيحين " والمستدرك " وبقية الصحاح الست ومسند ابن حنبل وغيرها من كتب الفضائل وكلها دالة منطوقا ومفهوما على أفضلية أهل البيت ووجوب مودتهم وولايتهم ومحبتهم وفي بعضها بل كلها بمعنى من المعاني على خلافتهم والغرض من ذلك أن المستمسك بالعترة الطاهرة والعاملين بأقوالهم والمقتدين بهم في أفعالهم هم الناجون في الآخرة والعاملون بوصية الرسول الأمين في أهل بيته الطاهرين والراكبون سفينة النجاة والشاربون من عين الحياة والسالمون من جميع المهلكات. وعن رسول الله " ص " أنه قال لعلي " ع " يا علي تأتي أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين ويأتي أعداؤك غضابا مقمحين وفي معناه أحاديث كثيرة من طرق العامة فضلا عن الخاصة ودعوى بعض الأشاعرة والمعتزلة أنهم شيعة علي " ع " دعوى باطلة عاطلة فاه بها منهم اللسان وكذبها منهم القلب والجنان والعرف واللغة والوجدان فإنهم جعلوا عترة الرسول الأمين كآحاد المسلمين وسائر الصحابة والتابعين بل اعترضوا بالكلية عنهم وقلدوا أمور دينهم غيرهم مما لا يوازيهم في علم وعمل وكمال وورع وتقوى وجلال وحسب ونسب وإعراض عن الدنيا وإقبال على الأخرى فليس شيعة علي وآله الطاهرين عترة الرسول الأمين إلا الشيعة الإمامية العاملون بأخبار سيد البرية في عترته وأهل بيته والعترة والذرية من محبتهم وتعظيمهم ومودتهم وتكريمهم والعمل بأقوالهم والاقتداء بأفعالهم والاستضاءة بأنوارهم وزيارة قبورهم والحزن على مصائبهم والفرح بنشر فضائلهم ومناقبهم.. ولعمري إنه ينبغي لجميع المسلمين المقرين بنبوة سيد المرسلين بعد وفاته أن يقتدوا بعترته الهادين المهديين ويقلدوهم أمور الدنيا والدين صلة وتقربا لخاتم النبيين ولجامعيتهم للكمالات الصورية والمعنوية والحسب والنسب مما هو عار عنه أكثر العالمين لو لم يرد من رسول الله " ص " نصوص في حقهم ولا حث في تعظيمهم واتباعهم وتكريمهم والاقتداء بهم، فكيف والنصوص منه والحث الأكيد والكتاب المجيد فيه الحث الأكيد على وجوب مودتهم وعلو شأنهم ومودتهم كآية مودة القربى (1) وآية التطهير (2) وآية الولاية للمؤمنين (3) والكون مع الصادقين (4) ولا ينال عهدي الظالمين (5) وآية المباهلة مع المشركين (6) وغير ذلك مما هو كثير ظاهر مبين وكذلك النصوص منه والحث الأكيد الذي ليس عليه من مزيد من الحث على قبول مودتهم والتمسك بحبل ولايتهم وكونهم سفينة النجاة وكونهم شركاء القرآن في وجوب الأخذ بأقوالهم والعمل بما صح عنهم كوجوب العمل بأوامر القرآن ونواهيه فإنه لا معنى للتمسك بهم وكونهم كالقرآن إلا هذا فهم تراجمة القرآن وأمناء الملك الديان وكونهم الحبل الممدود بين الله وبين خلقه بعد رسوله صلى الله عليه وآله وهم الوسائط بينهم وبينه فلا يقبل الله عمل عامل ولا ترفع إليه قربة متقرب إلا إذا عمل بكتابه واتبع عترة نبيه وآل نبيه صلى الله عليه وآله في أحكام دينه وأعماله ويقينه وكونهما خليفتين على الأمة وكونهما متلازمين لا ينفك أحدهما عن الآخر إلى يوم القيامة لقوله " ص ": (لن يفترقا حتى يردا علي الحوض) وهذا عين ما تقوله الإمامية دون غيرهم من سائر فرق المسلمين من أنه يجب أن تكون مدة التكليف إمام هاد من عترة رسول الله صلى الله عليه وآله هو اللطف يجب على الأمة معرفته ويؤيده ما استفاض عنه (صلى الله عليه وآله) من طرق الخاصة والعامة من قوله (صلى الله عليه وآله): (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية) وكذلك كون علي منه بمنزلة هارون من موسى (ع) وهارون خليفة موسى قطعا بنص الكتاب العزيز ومشارك له في النبوة فأثبت له جميع المنازل التي لهارون من موسى واستثنى النبوة منها خاصة إذ لا نبي ولا رسول مع محمد (صلى الله عليه وآله) ولا بعده وقوله (صلى الله عليه وآله): علي إمام البررة وقاتل الفجرة منصور من نصره مخذول من خذله، وأخبار الغدير وغيرها من الجم الغفير الواسع الكثير فبموجب ما ذكرناه إنه يجب على جميع المسلمين وكافة العالمين الذين يخافون من عذاب يوم الدين ويتقربون للنبي الأمين أن يقلدوا عترته الطاهرين وآله الميامين في أمور دينهم ودنياهم ويقتدوا بهديهم وهداهم لاتفاق كافة المسلمين العالمين على إثبات علمهم وعدالتهم وتقواهم وطهارتهم وزكاة نسبهم ونجابة أصلهم وأحسابهم ويجب عليهم النظر لأنفسهم وليقتدي بهم من جاء بعدهم بسببهم في من جمع هذه الأوصاف من سادات الأشراف واختص بهذه الكمالات وجمع هذه الخصال والصفات وهم أئمتنا الطاهرون الميامين عترة الرسول الأمين وهم علي أمير المؤمنين (ع) وأبناؤه الأحد عشر الذين أولهم الحسن الزكي (ع) وآخرهم (القائم المهدي - ع) الذي ألفت الكتب والمصنفات في فضائلهم ومناقبهم ومزاياهم ومراتبهم وملأت الدواوين بمدائحهم وأجمع الكل على علمهم وتقواهم وعدالتهم من الذين لم يقروا بأمانتهم فضلا عن أوليائهم وشيعتهم ك‍ (الفضائل) لأحمد بن حنبل الشيباني و (مطالب السؤول) و (الدر النظيم) لمحمد بن طلحة الشامي الشافعي و (الفصول المهمة في فضائل الأئمة) لعلي بن محمد المكي المالكي و (فرائد السمطين) للحميري (وتذكرة الخواص) لعبد الرحيم بن الجوزي و (مودة ذوي القربى) للسيد علي الهمداني و (ينابيع المودة) للسيد سليمان القندوزي الحنفي وغير ذلك مما لا يحصى كثرة فضلا عما سواه، ولكن حب الدنيا وتبع الهوى وغلبة الشقاء ومتابعة من ضل وغوى توجب مخالفة رب الأرض والسماء والرسول المصطفى الذي لا ينطق عن الهوى والعترة الهادية من الردى الدالة على طريق الرشاد والهدى نسأل الله الكريم أن يثبتنا على محبتهم وولايتهم ويحشرنا في زمرتهم ويدخلنا الجنة معهم وببركاتهم إنه الرب الكريم الرحمن الرحيم فإن شيعتهم هم الفائزون وأتباعهم هم الناجون وهم في تقسيم الفرق فرقة ناجية هم المعنيون فأولئك لا خوف عليهم ولا هم يحزنون فهم كما قلت فيهم: إذا رمت يوم الحشر تنجو من النار * وتأتي إلى الجبار عار من العار وتدخل جنات النعيم مخلدا * بمقعد صدق في جوار لأبرار فوال علي المرتضى علم الهدى * أخا المصطفى الهادي ووالد أطهار وأبناءه الأطهار يا جاء عدهم * وفاطمة الزهرا سليلة مختار هم العروة الوثقى هم النور والهدى * هم السبب الأقوى وهم حجج الباري هم التين والزيتون والشمس والضحى * وهم كلمات الله من غير إنكار وهم فلك نوح ثم هم باب حطة * وهم عترة المختار أشرف أبرار وهم شركاء الذكر في نص أحمد * وهم خلفاه في صحيحات أخبار إذا قال منهم قائل قال صادقا * بحق عن المختار حقا عن الباري لهم آية التطهير أنزلها لهم * فطهرهم من كل رجس وأقذار محبتهم دين وقولهم هدى * ولايتهم فرض وحكمهم جاري وحربهم كفر وبغضهم ردى * وظلمهم حوب يسوق إلى النار فلا عمل فرضا ونفلا بنافع * بغير ولاء الآل فافهم وكن داري فيا رب ثبت في جناني ولاءهم * وحبهم في القلب من غير إنكار وآمن بهم خوفي لدى كل شدة * وسلم بهم جسمي وروحي من النار وأدخلني الجنات فضلا ومنة * فجودك مدرار عظيم بنا ساري وصل على الهادي الشفيع محمد * وعترته الأطهار أفضل أخيار وقد قلت أيضا فيهم صلوات الله على جدهم وأبيهم وأمهم وعليهم: يا آل أحمد من طابوا ومن طهروا * فلا يدانيهم رجس ولا قذر صفاكم الله من رجس وفاحشة * فلا يلم بكم عيب ولا غير ولا يحبكم إلا الذي ربحوا * ولا يقاليكم إلا الذي خسروا أنتم موازين قسطاس الأنام فلا * ترجيح إلا لمن أنتم له الذخر فلا صلاة ولا صوم ولا عمل * إلا بحسن ولاكم أيها الغرر من بأهل المصطفى عن أمر خالقه * بكم يقينا فما بكرو وما عمر وأنتم الآل والقربى وغيركم * المسؤول عن ودكم نصت به السور وأنتم الآل آل الله من علقت * بكم يداه فلا خوف ولا ضرر إني بحبكم دنيا وآخرة * أرجو السلامة من نار لها شرر فحققوا يا غياث الخلق لي أملي * فأنتم أمننا والفخر والذخر أنتم لنا السفرا لله خالقنا * ولم يخب من إليه أنتم السفر صلى عليكم إله الخلق ما طلعت * شمس وما تليت في فضلكم سور وقلت أيضا فيهم صلوات الله وسلامه على رسولهم وعليهم: فلك النجاة وباب حطة حيدر * وبنوه يأثم البتول الطاهره هم قد عناهم أحمد خير الورى * في أهل بيتي مثل فلك ظاهره فاركب سفينة حبهم وولائهم * تسلم بها من حر نار ساعره فهم السبيل إلى الإله وأحمد * خير الخلائق في الأولى والآخره لا شك فيه ومن يماري ناصبا * قد حاد عن سبل النجاة الطاهره يا رب ثبتني على نهج الهدى * بالمصطفى وبهم لفوز الآخره وتوفني متمسكا بولائهم * ورضاك عني في أولاي وآخره فلأنت ربي خير رب راحم * ولأنت ذو النعم العظام الفاخره وصلاة رب العرش تغشى المصطفى * والآل عترته النجوم الزاهره وقد ذكرت ما ذكرته مما فيهم قلته وأنشأته تبركا بشريف ذكرهم وتقربا إلى الله تعالى ورسوله بإظهار بعض فضلهم وفخرهم وإلا ففضلهم وفضائلهم وكراماتهم وفواضلهم قد نوه الله بها في القرآن المجيد والذكر الحميد وضاعت بها البقاع وملأت الأسماع والأصقاع وحدث بها الركبان في كل مكان وروتها الأولياء والعدوان كثيرة جدا لا يحيط بها اللسان ولا يحصرها إنسان وإن كان ما كان وقد أفردوا لها المصنفات الكثيرة والمؤلفات الشهيرة مقبولة في الطباع ولا تمجها الأسماع (هي الشمس كل العالمين يرونها * عيانا ولكن ذكرها للتبرك) وقد ذكرت هذا المعنى في قصيدتي الغديرية التي أنشأتها في يوم الغدير للتسليم على الأمير بعد ذكر شئ كثير من فضائلهم وكراماتهم وفواضلهم معتذرا عن الإحاطة بأكثرها وإنما ذكرنا ما ذكرناه منها لثوابها وأجرها قلت: وفي فضلهم أني وذا الخلق كلهم * لبكم إذا رمناء إلى ذاك من حصر إذا كان رب الخلق أثنى عليهم * ونزل فيهم أفضل الذكر في الذكر فما جهد مقوال يقول بجهده * وما قدر مصقاع يفوه بالشعر وأني بشعري فهت بعض مديحهم * وقصدي ثواب الله مع عظم الأجر وكنت كمن قد شال في بطن كفه * له قطرة من وسط متسع البحر فكنت كمن قد نال في الكف نقطة * من المطر الهامي إذا انهل بالفطر فهم عليهم السلام كلمات لله لا تنفد و خزائن جوده التي لا تحصى ولا تعد وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله على ما رواه الفريقان لو أن الرياض أقلام والبحر مداد والإنس والجن كتاب ما أحصوا فضائل (علي بن أبي طالب - ع) وهم عليهم السلام نور واحد وطينة واحدة طابت وطهرت بعضها من بعض. والغرض الأصلي والمطلب الكلي من إيرادنا هذه النبذة اليسيرة في هذا الكتاب هو التبرك بشريف ذكرهم والتشرف بنشر بعض مزاياهم وفخرهم، وإن تابعيهم ومتعلقيهم كأهل هذه البلاد قد سلكوا طريق الرشاد وفازوا بالهداية والسداد، ونالوا خير الدنيا والمعاد، وامتثلوا أوامر الرسول صلى الله عليه وآله حين تفرقت الآراء وتمسكوا بالعروة الوثقى في الأخذ بوصيته لعترته وذريته حين تبددت الأهواء فهم وأمثالهم الناجون والمؤمنون الفائزون الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ثبتنا الله وإخواننا على ولايتهم ومودتهم وحشرنا معهم في زمرتهم ورزقنا الجنة برحمته وفضله وشفاعتهم إنه على كل شئ قدير وبالإجابة جدير. ومن فضائلها إنها أول جمعة أقيمت بعد المدينة المنورة فيها في زمن الرسول كما رواه شيخ الطائفة في التهذيب عن أن أول جمعة أقيمت بعد المدينة في جواثا (1) في بني عبد القيس قرية عظيمة هي قاعدة هجر وهي الأحساء وفي القاموس قرية في البحرين وكانت في الزمن القديم مدينة الأحساء ثم خربها الرمل وأخبرني بعض المترددين إليها من أهل هجر أنه وصل إليها ثلاث مرات خير وأنه قد ظهر مسجدها الأعظم بعد مفارقة الرمل عنه وبعض آثارها وفيه وفيها آثار قديمة عظيمة وهي الآن نائية عن العمران بمقدار ثلاثة أو أربعة فراسخ معروفة عند أهل ذلك المكان وهذه فضيلة عظيمة وكرامة لأهلها جسيمة لامتثال أهلها بأعظم فرض من فروض الدين وإقامته فيها قبل أكثر بلاد المسلمين. ومن فضائلها كثرة بناء المساجد وتعميرها فيها ونشر شعائر الإسلام والإيمان في جميع نواحيها وقد قال الله تعالى (إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر) وهو أمر معلوم بالوجدان لا ينكره من رآها بالعيان وله عينان، وقد روي في عدة أخبار عن النبي المختار صلى الله عليه وآله الأطهار وقد ذكر جملة منها ثقة الإسلام الفاضل العلامة الحاج ميرزا حسين النوري الطبرسي (ره) في كتابه (نفس الرحمن في فضائل سلمان) عن كتب معتبرة عن رسول الله صلى الله عليه وآله إنه قال: لو كان العلم في الثريا لتناولته رجال من فارس، ولو فقد الإسلام من الدنيا لوجد في هجر (أو ما هو بهذا المعنى) والأمران المذكوران محققان بالتتبع والوجدان وهما من إعلام نبوته صلى الله عليه وآله وذريته لإخباره بما سيكون فكان كما أخبر وقال بلا ريب ولا إشكال فإن أكثر علماء الإسلام والإيمان من قديم الزمان وجمهور أهل النقض والإبرام في أغلب الأزمان من بلاد العجم التي هي بلاد فارس كثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني (ره) صاحب (الكافي) الذي عده بعض مؤرخي العامة أنه المجدد لمذهب الإمامية في المائة الثالثة بعد أن عد مولانا الإمام الرضا (ع) هو المجدد لمذهب الإمامية في المائة الثانية وكأبي جعفر الصدوق القمي (ره) صاحب (من لا يحضره الفقيه) و (مدينة العلم) وما يقرب من ثلاثمائة مصنف وأبيه الثقة على بن بابويه وعلي بن إبراهيم وأبيه إبراهيم بن هاشم ويونس وابن الوليد والصفار القميين وأضرابهم وشيخ الطائفة المحقة محمد بن الحسن الطوسي صاحب (تهذيب الأحكام) و (الإستبصار) و (التبيان) وغيرها من المصنفات الكثيرة في علوم كثيرة وسيد المحققين والحكماء نصير الملة والدين الخواجا صاحب (التجريد) و (قواعد العقائد) وغيرهما وأمين الدين الطبرسي أبي لي صاحب (مجمع البيان) وغيره وأبي طالب الطبرسي صاحب (الإحتجاج) وابن شهرآشوب المازندراني صاحب (المناقب) والطبرسي صاحب (مكارم الأخلاق) وغيره وقطب الدين صاحب (المحاكمات) و (شرح المطالع) و (الشمسية) والمولى الإمام المجلسي غواص (بحار الأنوار) وأبيه العابد التقي وأبو عبد الله التستري والمولى محمد صالح المازندراني والمحقق الخوانساري والفاضل السبزواري صاحب (الذخيرة) والشيرواني والفاضل النراقي والمحقق شيخنا الأنصاري (رض) والشيخ أسد الله التستري والأردكاني والفاضل المقدس الشيخ زين العابدين والميرزا حبيب الله الرشتي والملا محمد الأيرواني والفاضل الملا محمد الشربياني والمقدس الشيخ محمد حسن المغمغاني وأضرابهم قدس الله أرواحهم ونور في الملأ الأعلى أشباحهم، ومن المعاصرين الموجودين حفظهم رب العالمين كالمحقق الأمين الحاج ميرزا حسين ابن الحاج خليل الطهراني والمغمغاني والمحقق الأوحد الشيخ ملا كاظم الخراساني والشيخ محمد تقي الشوشتري والشيخ محمد الأصفهاني دون فحول الفقهاء من السادات الأجلاء الذين توطنوا فيها وصاروا من أهلها فإنا لم نعد أحدا منهم بل جعلناهم كأصلهم الشريف هاشميين علويين فاطميين كآل طباطبا والقزوينيين قدس الله أرواحهم أجمعين وأضرابهم مما لا يحصون كثرة وكلهم مذكورون في كتب الرجال والإجازات والفهارس قد روجوا شريعة سيد المرسلين وآله الطاهرين وأحيوا معالم الدين وأوضحوا مسالك اليقين ومن العامة جملة كثيرة كالرازي والفيروز آبادي صاحب (القاموس) والقوشجي والأصفهاني وغيرهم. وأما الأمر الثاني فهو ترويج شعائر الإسلام والإيمان في هذه الديار والبلدان والتلزم بأحكامه والتصلب في حلاله وحرامه فهو وإن تسافل الزمان واستولت على الناس وساوس الشيطان في أكثر الأصقاع والبلدان إلا أن هذه الديار لها امتياز محقق عن أكثر الأمصار لمواضبتهم على أكثر الواجبات وكثير من المندوبات وعدم تجاهرهم بالمحرمات التي هي شائعة في أكثر بلاد الإسلام رائجة عند أكثر الأنام وبالجملة فمن نظر بعين الإنصاف وترك العصبية وطريق الاعتساف علم ما قلناه وتيقن ما قررناه فدين الإسلام بها ولله الحمد موجود وشعائر الإيمان فيها غير مفقود ونسأل الله الكريم الرحمن الرحيم أن يوفقنا وإخواننا المؤمنين لتقواه، وأن يثيبنا على دينه وهداه ويثبتنا إلى منتهى رضاه ويمنحنا سعادة دنياه وأخراه وأن يدفع عنا وعنهم كلما نحذره ونخشاه مما يكرهه الله فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله وهو بالإجابة جدير وعلى كل شئ قدير والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين المعصومين المظلومين وسلم تسليما كثيرا مباركا.