الرئيسيةبحث

إعلام الموقعين/الجزء الرابع


☰ جدول المحتويات


جواب الذين أبطلوا الحيل

قال المبطلون للحيل: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فسبحان الله الذي فرض الفرائض وحرم المحارم واوجب الحقوق رعاية لمصالح العباد في المعاش والمعاد وجعل شريعته الكاملة قياما للناس وغذاء لحفظ حياتهم ودواء لدفع أدوائهم وظله الظليل الذي من استظل به امن من الحرور وحصنه الحصين الذي من دخله نجا من الشرور فتعالى شارع هذه الشريعة الفائقة لكل شريعة ان يشرع فيها الحيل التي تسقط فرائضه وتحل محارمه وتبطل حقوق عباده ويفتح للناس أبواب الاحتيال وأنواع المكر والخداع وان يبيح التوصل بالأسباب المشروعة إلى الامور المحرمة الممنوعة وان يجعلها مضغة لافواه المحتالين عرضة لأغراض المخادعين الذين يقولون مالا يفعلون ويظهرون خلاف ما يبطنون ويرتكبون العبث الذي لا فائدة فيه سوى ضحكة الضاحكين وسخرية الساخرين فيخادعون الله كما يخادعون الصبيان ويتلاعبون بحدوده كتلاعب المجان فيحرمون الشيء ثم يستحلونه إياه بعينه بأدنى الحيل ويسلكون إليه نفسه طريقا توهم أن المراد غيره وقد علموا أنه هو المراد لا غيره ويسقطون الحقوق التي وصى الله بحفظها وأدائها بأدنى شيء ويفرقون بين متماثلين من كل وجه لاختلافهما في الصورة أو الاسم أو الطريق الموصل اليهما ويستحلون بالحيل ما هو أعظم فسادا مما يحرمونه ويسقطون بها ما هو أعظم وجوبا مما يوجبونه.

والحمد لله الذي نزه شريعته عن هذا التناقض والفساد وجعلها كفيلة وافية بمصالح خلقه في المعاش والمعاد وجعلها من أعظم آياته الدالة عليه ونصبها طريقا مرشدا لمن سلكه إليه فهو نوره المبين وحصنه الحصين وظله الظليل وميزانه الذي لا يعول لقد تعرف بها إلى الباء عباده غاية التعرف وتحبب بها اليهم غاية الحبب فأنسوا بها منه حكمته البالغة وتمت بها عليهم منه نعمه السابغة ولا إله إلا الله الذي في شرعه أعظم آية تدل على تفرده بالإلهية وتوحده بالربوبية وانه الموصوف بصفات الكمال المستحق لنعوت الجلال الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلى وله المثل الاعلى فلا يدخل السوء في أسمائه ولا النقص والعيب في صفاته ولا العبث ولا الجور في أفعاله بل هو منزه في ذاته وأوصافه وافعاله وأسمائه عما يضاد كماله بوجه من الوجوه وتبارك اسمه وتعالى جده وبهرت حكمته وتمت نعمته وقامت على عباده حجته والله أكبر كبيرا أن يكون في شرعه تناقض واختلاف فلو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا بل هي شريعة مؤتلمة النظام متعأدلة الاقسام مبرأة من كل نقص مطهرة من كل دنس مسلمة لا شية فيها مؤسسة على العدل والحكمة والمصلحة والرحمة قواعدها ومبانيها إذا حرمت فسادا حرمت ما هو أولى منه أو نظيره وإذا رعت صلاحا رعت ما هو فوقه أو شبهه فهى صراطه المستقيم الذي لا أمت فيه ولا عوج وملته الحنيفية السمحة التي لا ضيق فيها ولا حرج بل هي حنيفية التوحيد سمحة العمل لم تأمر بشيء فيقول العقل لو نهت عنه لكان أوفق ولم تنه عن شيء فيقول الحجى لو أباحته لكان أرفق بل أمرت بكل صلاح ونهت عن كل فساد وأباحت كل طيب وحرمت كل خبيث فأوامرها غذاء ودواء ونواهيها حمية وصيانة وظاهرها زينة لباطنها وباطنها أجمل من ظاهرها شعارها الصدق وقوامها الحق وميزانها العدل وحكمها الفضل لا حاجة بها ألبتة إلى ان تكمل بسياسة ملك أو رأي ذي رأي أو قياس فقيه أو ذوق ذي رياضة أو منام ذي دين وصلاح بل لهؤلاء كلهم أعظم الحاجة إليها ومن وفق منهم للصواب فلاعتماده وتعويله عليها فقد أكملها الذي أتم نعمته علينا بشرعها قبل سياسات الملوك وحيل المتحيلين وأقيسة القياسيين وطرائق الخلافيين وأين كانت هذه الحيل والاقيسة والقواعد المتناقضة والطرائق القدد وقت نزول قوله اليوم كملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا وأين كانت يوم قوله ﷺك "لقد تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدى إلا هالك" ويوم قوله ﷺ: "ما تركت من شيء يقربكم من الجنة ويباعدكم عن النار إلا أعلمتكموه" وأين كانت عند قول أبي ذر: "لقد توفي رسول الله ﷺ وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علما" وعند قول القائل لسلمان لقد علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة فقال أجل فأين علمهم الحيل والمخادعة والمكر وأرشدهم إليه ودلهم عليه كلا والله بل حذرهم أشد التحذير واوعدهم عليه أشد الوعيد وجعله منافيا للإيمان وأخبر عن لعنة اليهود لما أربتكبوه وقال لأمته لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله تعالى بأدنى الحيل وأغلق أبواب المكر والاحتيال وسد الذرائع وفصل الحلال من الحرام وبين الحدود وقسم شريعته إلى حلال بين وحرام بين وبرزخ بينهما فأباح الأول وحرم الثاني وحض الأمة على اتقاء الثالث خشية الوقوع في الحرام وقد أخبر الله تعالى عن عقوبة المحتالين على حل ما حرمه عليهم وإسقاط ما فرضه عليهم في غير موضع من كتابه.

قال أبو بكر الآجري وقد ذكر بعض الحيل الربوية التي يفعلها الناس: "لقد مسخ اليهود قردة بدون هذا" وصدق والله لآكل حوت صيد يوم السبت أهون عند الله وأقل جرما من آكل الربا الذي حرمه الله بالحيل والمخادعة ولكن كما قال: الحسن عجل لأولئك عقوبة تلك الاكلة الوخيمة وأرجئت عقوبة هؤلاء.

وقال الإمام أبو يعقوب الجوزجاني وهل اصاب الطائفة من بني إسرائيل المسخ إلا باحتيالهم على أمر الله بأن حفروا الحفائر على الحيتان في يوم سبتهم فمنعوها الانتشار يومها إلى الاحد فأخذوها وكذلك السلسلة التي كانت تأخذ بعنق الظالم فاحتال لها صاحب الدرة إذ صيرها في قصبة ثم دفع القصبة إلى خصمه وتقدم إلى السلسلة ليأخذها فرفعت.

وقال بعض الأئمة: في هذه القصة مزجرة عظيمة للمتعاطين الحيل على المناهى الشرعية ممن تلبس بعلم الفقه وليس بفقيه إذ الفقيه من يخشى الله عزوجل في الربويات واستعارة التيس الملعون لتحليل المطلقات وغير ذلك من العظائم والمصائب التي لو اعتمدها مخلوق مع مخلوق لكان في نهاية القبح فكيف بمن يعلم السر وأخفى الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور وقال وإذا وازن اللبيب بين حيلة أصحاب السبت والحيل التي يتعاطاها أرباب الحيل في كثير من الأبواب ظهر له التفاوت ومراتب المفسدة التي بينها وبين هذه الحيل فإذا عرف قدر الشرع وعظمة الشارع وحكمته وما اشتمل عليه شرعه من رعاية مصالح العباد تبين له حقيقة الحال وقطع بأن الله تعالى يتنزه ويتعالى ان يشرع لعباده نقض شرعه وحكمته بأنواع الخداع والاحتيال.

فصل الرد على مبطلي الحيل تفصيلا

قالوا ونحن نذكر ما تمسكتم به في تقرير الحيل والعمل بها ونبين ما فيه متحرين للعدل والانصاف منزهين لشريعة الله وكتابه وسنة رسوله عن المنكر والخداع والاحتيال المحرم ونبين انقسام الحيل والطرق إلى ما هو كفر محض وفسق ظاهر ومكروه وجائز ومستحب وواجب عقلا أو شرعا ثم نذكر فصلا نبين فيه التعويض بالطرق الشرعية عن الحيل الباطلة فنقول وبالله التوفيق وهو المستعان وعليه التكلان.

قصة أيوب

أما قوله تعالى لنبيه أيوب عليه السلام: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ} فقال شيخنا الجواب ان هذا ليس مما نحن فيه فإن للفقهاء في موجب هذه اليمين في شرعنا قولين يعنى إذا حلف ليضربن عبده أو امرأته مائة ضربة أحدهما قول من يقول موجبها الضرب مجموعا أو مفرقا ثم منهم من يشترط مع الجمع الوصول إلى المضروب فعلى هذا تكون هذه الفتيا موجب هذا اللفظ عند الإطلاق وليس هذا بحيلة إنما الحيلة ان يصرف اللفظ عن موجبه عند الاطلاق والقول الثاني أن موجبه الضرب المعروف وإذا كان هذا موجبه في شرعنا لم يصح الاحتجاج علينا بما يخالف شرعنا من شرائع من قبلنا لأنا إن قلنا ليس شرعا لنا مطلقا فظاهر وإن قلنا هو شرع لنا فهو مشروط بعدم مخالفته لشرعنا وقد انتفى الشرط.

وأيضا: فمن تأمل الآية علم أن هذه الفتيا خاصة الحكم فإنها لو كانت عامة الحكم في حق كل أحد لم يخف على نبي كريم موجب يمينه ولم يكن في اقتصاصها علينا كبير عبرة فإنما يقص ما خرج عن نظائره لنعتبر به ونستدل به على حكمة الله فيما قصه علينا أما ما كان هو مقتضى العادة والقياس فلا يقص ويدل على الاختصاص قوله تعالى: {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا} وهذه الجملة خرجب مخرج التعليل كما في نظائرها فعلم أن الله سبحانه وتعالى إنما أفتاه بهذا جزاء له على صبره وتخفيفا عن امرأته ورحمة بها لا ان هذا موجب هذه اليمين وأيضا فإن الله سبحانه وتعالى إنما أفتاه بهذه الفتيا لئلا يحنث كما أخبر تعالى.

وهذا يدل على أن كفارة الايمان لم تكن مشروعة بتلك الشريعة بل ليس في اليمين إلا البر والحنث كما هو ثابت في نذر التبرر في شريعتنا وكما كان في أول الإسلام قالت عائشة رضي الله عنه لم يكن أبو بكر يحنث في يمين حتى أنزل الله كفارة اليمين فدل على انها لم تكن مشروعة في أول الإسلام وإذا كان كذلك صار كأنه قد نذر ضربها وهو نذر لا يجب الوفاء به لما فيه من الضرر عليها ولا يغنى عنه كفارة يمين لأن تكفير النذر فرع عن تكفير اليمين فإذا لم تكن كفارة النذر إذ ذاك مشروعة فكفارة اليمين أولى وقد علم ان الواجب بالنذر يحتذى به حذو الواجب بالشرع وإذا كان الضرب الواجب بالشرع يجب تفريقه إذا كان المضروب صحيحا ويجوز جمعه إذا كان المضروب مريضا مأيوسا منه عند الكل أو مريضا على الاطلاق عند بعضهم كما ثبتت بذلك السنة عن رسول الله ﷺ جاز أن يقام الواجب بالنذر مقام ذلك عند العذر.

وقد كانت امرأة أيوب عليه السلام ضعيفة عن احتمال مائة الضربة التي حلف ان يضربها إياها وكانت كريمة على ربها فخفف عنها برحمته الواجب باليمين بأن أفتاه بجمع الضربات بالضغث كما خفف عن المريض الا ترى ان السنة قد جاءت فيمن نذر الصدقة بجميع ماله أنه يجزيه الثلث فأقام الثلث في النذر مقام الجميع رحمة بالناذر وتخفيفا عنه كما اقيم مقامه في الوصية رحمة بالوارث ونظرا له وجاءت السنة فيمن نذرت الحج ماشية ان تركب وتهدى إقامة لترك بعض الواجب بالنذر مقام ترك الواجب بالشرع في المناسك عند العجز عنه كطواف الوداع عن الحائض وأفتى ابن عباس وغيره من نذر ذبح ابنه بشاة إقامة لذبح الشاة مقام ذبح الابن كما شرع ذلك للخليل وأفتى أيضا من نذر أن يطوف على أربع بأن يطوف أسبوعين إقامة لإحد الاسبوعين مقام طواف اليدين وأفتى أيضا هو وغيره من الصحابة رضي الله عنهم المريض الميئوس منه والشيخ الكبير الذي لا يستطيع الصوم بأن يفطرا ويطعما كل يوم مسكينا إقامة للإطعام مقام الصيام وأفتى أيضا هو وغيره من الصحابة الحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما أن تفطرا وتطعما كل يوم مسكينا إقامة للإطعام مقام الصيام وهذا كثير جدا وغير مستنكر في واجبات الشريعة ان يخفف الله تعالى الشيء منها عند المشقة بفعل ما يشبهه من بعض الوجوه كما في الأبدال وغيرها.

لكن مثل قصة أيوب لا يحتاج إليها في شرعنا لأن الرجل لو حلف ليضربن أمته أو امرأته مائة ضربة أمكنه أن يكفر عن يمينه من غير احتياج إلى حيلة وتخفيف الضرب بحمعه ولو نذر ذلك فهو نذر معصية فلا شيء عليه عند طائفة وعند طائفة عليه كفارة يمين وأيضا فإن المطلق من كلام الآدميين محمول على ما فسر به المطلق من كلام الشارع خصوصا في الايمان فإن الرجوع فيها إلى عرف الخطاب شرعا أو عادة أولى من الرجوع إلى موجب اللفظ في أصل اللغة والله سبحانه وتعالى قد قال: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} وقال: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} وفهم الصحابة والتابعون ومن بعدهم من ذلك أنه ضربات متعددة متفرقة لا مجموعة إلا أن يكون المضروب معذورا عذرا لا يرجى زواله فإنه يضرب ضربا مجموعا وإن كان يرجى زواله فهل يؤخر إلى الزوال أو يقام عليه مجموعا فيه خلاف بين الفقهاء فكيف يقال إن الحالف ليضربن موجب يمينه هو الضرب المجموع مع صحة المضروب وقوته فهذه الآية هي أقوى ما يعتمد عليه أرباب الحيل وعليها بنوا حيله وقد ظهر بحمد الله أنه لا متمسك لهم فيها ألبتة.

فصل قصة يوسف

وأما إخباره سبحانه وتعالى عن يوسف عليه السلام أنه جعل صواعه في رحل أخيه ليتوصل بذلك إلى أخذه وكيد إخوته فنقول لأرباب الحيل:

أولا هل تجوزون أنتم مثل هذا حتى يكون حجة لكم وإلا فكيف تحتجون بما لا تجوزون فعله فإن قلتم فقد كان جائزا في شريعته قلنا وما ينفعكم إذا لم يكن جائزا في شرعنا؟

قال شيخنا رضي الله عنه ومما قد يظن أنه من جنس الحيل التي بينا تحريمها وليس من جنسها قصة يوسف حين كاد الله له في أخذ أخيه كما قص ذلك تعالى في كتابه فإن فيه ضروبا من الحيل الحسنة.

أحدها قوله لفتيانه اجعلوا بضاعتهم في رحالهم لعلهم يعرفونها إذا أنقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون فإنه تسبب بذلك إلى رجوعهم وقد ذكروا في ذلك معاني منها أنه تخوف أن لا يكون عندهم ورق يرجعون بها ومنها أنه خشى ان يضر أخذ الثمن بهم ومنها انه رأى لوما أخذ الثمن منهم ومنها انه أراهم كرمه في رد البضاعة ليكون ادعى لهم إلى العود ومنها انه علم ان أمانتهم تحوجهم إلى العود ليردوها إليه فهذا المحتال به عمل صالح والمقصود رجوعهم ومجيء أخيه وذلك أمر فيه منفعة لهم ولأبيهم وله وهو مقصود صالح وإنما لم يعرفهم نفسه لأسباب أخر فيها أيضا منفعة لهم وله ولأبيهم وتمام لما أراده الله بهم من الخير في البلاء.

الضرب الثاني انه في المرة الثانية لما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه وهذا القدر تضمن إيهام أن أخاه سارق وقد ذكروا ان هذا كان بمواطأة من أخيه ورضا منه بذلك والحق له في ذلك وقد دل على ذلك قوله تعالى: {وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قال: إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} وفيه قولان أحدهما أنه عرفه أنه يوسف ووطنه على عدم الابتئاس بالحيلة التي فعلها في أخذه منهم والثاني أنه لم يصرح له بأنه يوسف وإنما أراد انى مكان اخيك المفقود فلا تبتئس بما يعاملك به إخوتك من الجفاء.

ومن قال: هذا قال: إنه وضع السقاية في رحل أخيه والاخ لا يشعر ولكن هذا خلاف المفهوم من القرآن وخلاف ما عيله الأكثرون وفيه ترويع لمن لم يستوجب الترويع وأما على القول الأول فقد قال: كعب وغيره لما قال: له إنى أنا اخوك قال: فأنا لا أفارقك قال: يوسف فقد علمت اغتمام والدي بي فإذا حبستك ازداد غمه ولا يمكنني هذا إلا بعد أن أشهرك بأمر فظيع وأنسبك إلى ما لا يحتمل قال: لا أبالي فافعل ما بدا لك فإني لا أفارقك قال: فإني أدس صواعي هذا في رحلك ثم أنادي عليك بالسرقة ليتهيأ لي ردك قال: فافعل وعلى هذا فهذا التصرف إنما كان بإذن الأخ ورضاه.

ومثل هذا النوع ما ذكر أهل السير عن عدي بن حاتم أنه لما هم قومه بالردة بعد رسول الله ﷺ كفهم عن ذلك وأمرهم بالتربص وكان يأمر ابنه إذا رعى إبل الصدقة ان يبعد فإذ جاء خاصمه بين يدي قومه وهم بضربه فيقومون فيشفعون إليه فيه ويأمره كل ليلة أن يزداد بعدا فلما كان ذات ليلة أمره ان يبعد بها جدا وجعل ينتظره بعد ما دخل الليل وهو يلوم قومه على شفاعتهم ومنعهم إياه من ضربه وهم يعتذرون عن ابنه ولا ينكرون إبطاءه حتى إذا انهار الليل ركب في طلبه فلحقه واستاق الابل حتى قدم بها على أبي بكر رضي الله عنهما فكانت صدقات طئ مما استعان بها أبو بكر في قتال أهل الردة وكذلك في الحديث الصحيح أن عديا قال: لعمر رضي الله عنه أما تعرفني يا أمير المؤمنين قال: بلى اعرفك أسلمت إذ كفروا ووفيت إذ غدروا واقبلت إذ أدبروا وعرفت إذ أنكروا.

ومثل هذا ما أذن فيه النبي ﷺ للوفد الذين أرادوا قتل كعب ابن الاشرف ان يقولوا وأذن للحجاج بن علاط عام خيبر ان يقول وهذا كله من الاحتيال المباح لكون صاحب الحق قد أذن فيه ورضى به والأمر المحتال عليه طاعة لله وامر مباح.

الضرب الثالث أنه أذن مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون قالوا: وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون قالوا: نفقد صواع الملك ولمن جاء به حمل بعير وانا به زعيم إلى قوله فما جزاؤه إن كنتم كاذبين قالوا: جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه كذلك نجزي الظالمين فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله وقد ذكروا في تسميتهم سارقين وجهين أحدهما أنه من باب المعاريض وان يوسف نوى بذلك انهم سرقوه من أبيه حيث غيبوه عنه بالحيلة التي احتالوا عليه وخانوه فيه والخائن يسمى سارقا وهو من الكلام المرموز ولهذا يسمى خونه الدواوين لصوصا والثاني أن المنادى هو الذي قال: ذلك من غير أمر يوسف قال: القاضي أبو يعلى وغيره أمر يوسف بعض أصحابه أن يجعل الصواع في رحل أخيه ثم قال: بعض الموكلين وقد فقدوه ولم يدر من أخذه أيتها الغير إنكم لسارقون على ظن منهم انهم كذلك من غير أمر يوسف لهم بذلك أو لعل يوسف قد قال: للمنادى هؤلاء سرقوا وعنى أنهم سرقوه من أبيه والمنادى فهم سرقة الصواع فصدق يوسف في قوله وصدق المنادى وتأمل حذف المفعول في قوله إنكم لسارقون ليصح ان يضمن سرقتهم ليوسف فيتم التعريض ويكون الكلام صدقا وذكر المفعول في قوله نفقد صواع الملك وهو صادق في ذلك فصدق في الجملتين معا تعريضا وتصريحا وتأمل قول يوسف معاذ الله ان نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده ولم يقل إلا من سرق وهو أخصر لفظا تحريا للصدق فإن الأخ لم يكن سارقا بوجه وكان المتاع عنده حقا فالكلام من أحسن المعاريض واصدقها.

ومثل هذا قول الملكين لداود عليه السلام خصمان بغى بعضنا على بعض إلى قوله وعزني في الخطاب أي غلبني في الخطاب ولكن تخريج هذا الكلام على المعاريض لا يكاد يتأتى وإنما وجهه أنه كلام خرج على ضرب المثال أي إذا كان كذلك فكيف الحكم بيننا.

ونظير هذا قول الملك للثلاثة الذين أراد الله ان يبليهم مسكين وغريب وعابر سبيل وقد تقطعت بي الحبال ولا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك فأسألك بالذي أعطاك هذا المال بعيرا أتبلغ به في سفري هذا وهذا ليس بتعريض وإنما هو تصريح على وجه ضرب المثال وإيهام أنى أنا صاحب هذه القضية كما أوهم الملكان داود أنهما صاحبا القصة ليتم الامتحان.

ولهذا قال نصر بن حاجب سئل ابن عيينة عن الرجل يعتذر إلى أخيه من الشيء الذي قد فعله ويحرف القول فيه ليرضيه لم يأثم في ذلك فقال ألم تسمع قوله ليس بكاذب من أصلح بين الناس يكذب فيه فإذا أصلح بينه وبين أخيه المسلم خير من أن يصلح بين الناس بعضهم من بعض وذلك إذا أراد به مرضاة الله وكره أذى المؤمن ويندم على ما كان منه ويدفع شره عن نفسه ولا يريد بالكذب اتخاذ المنزلة عندهم ولا طمعا في شيء يصيب منهم فإنه لم يرخص في ذلك ورخص له إذا كره موجدتهم وخاف عدواتهم.

قال حذيفة إني أشتري ديني بعضه ببعض مخافة ان أقدم على ما هو أعظم منه قال سفيان وقال الملكان خصمان بغى بعضنا على بعض أرادا معنى شيء ولم يكونا خصمين فلم يصيرا بذلك كاذبين وقال إبراهيم إني سقيم وقال بل فعله كبيرهم هذا وقال يوسف إنكم لسارقون فبين سفيان ان هذا من المعاريض المباحة.

فصل استنباط خاطئ من قصة يوسف

وقد احتج بعض الفقهاء بقصة يوسف على أنه جائز للإنسان التوصل إلى أخذ حقه من الغير بما يمكنه الوصول إليه بغير رضا من عليه الحق.

قال شيخنا رضي الله عنه وهذ الحجة ضعيفة فإن يوسف لم يكن يملك حبس أخيه عنده بغير رضاه ولم يكن هذا الأخ ممن ظلم يوسف حتى يقال إنه قد اقتص منه وإنما سائر الإخوة هم الذين كانوا قد فعلوا ذلك، نعم تخلفه عنده كان يؤذيهم من أجل تأذي أبيهم والميثاق الذي أخذه عليهم وقد استثنى في الميثاق بقوله إلا أن يحاط بكم وقد أحيط بهم ولم يكن قصد يوسف باحتباس أخيه الانتقام من إخوته فإنه كان أكرم من هذا وكان في ذلك من الإيذاء لأبيه أعظم مما فيه من إيذاء إخوته وإنما هو أمر امره الله به ليبلغ الكتاب أجله ويتم البلاء الذي استحق به يعقوب ويوسف قصد القصاص منهم بذلك فليس هذا موضع الخلاف بين العلماء فإن الرجل له أن يعاقب بمثل ما عوقب به وإنما موضع الخلاف هل يجوز له أن يسرق أو يخون من سرقه أو خانه مثل ما سرق منه أو خانه إياه؟

وقصة يوسف لم تكن من هذا الضرب نعم لو كان يوسف أخذ اخاه بغير امره لكان لهذا المحتج شبهة مع أنه لا دلالة في ذلك على هذا التقدير أيضا فإن مثل هذا لا يجوز في شرعنا بالاتفاق وهو ان يحبس رجل برئ ويعتقل للانتقام من غيره من غير أن يكون له جرم ولو قدر ان ذلك وقع من يوسف فلا بد أن يكون بوحي من الله ابتلاء منه لذلك المعتقل كما ابتلى إبراهيم بذبح ابنه فيكون المبيع له على هذا التقدير وحيا خاصا كالوحي الذي جاء إبراهيم بذبح ابنه وتكون حكمته في حق المبتلى امتحانه وابتلاؤه لينال درجة الصبر على حكم الله والرضا بقضائه وتكون حاله في هذا كحال أبيه يعقوب في احتباس يوسف عنه وهذا معلوم من فقه القصة وسياقها ومن حال يوسف ولهذا قال تعالى: {كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} فنسب الله تعالى هذا الكيد إلى نفسه كما نسبه إلى نفسه في قوله: {إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا} وفي قوله: {وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا} وفي قوله: {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ}.

وقد قيل: إن تسمية ذلك مكرا وكيدا واستهزاء وخداعا من باب الاستعارة ومجاز المقابلة نحو وجزاء سيئة سيئة مثلها ونحو قوله فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم وقيل وهو اصوب بل تسميته ذلك حقيقة على بابه فإن المكر إيصال الشيء إلى الغير بطريق خفي وكذلك الكيد والمخادعة ولكنه نوعان قبيح وهو إيصال ذلك لمن لا يستحقه وحسن وهو إيصاله إلى مستحقه عقوبة له فالأول مذموم والثاني ممدوح والرب تعالى إنما يفعل من ذلك ما يحمد عليه عدلا منه وحكمة وهو تعالى ياخذ الظالم والفاجر من حيث لا يحتسب لا كما يفعل الظلمة بعباده واما السيئة فهى فيعلة مما يسوء ولا ريب أن العقوبة تسوء صاحبها فهى سيئة له حسنة من الحكم العدل.

وإذا عرفت ذلك فيوسف الصديق كان قد كيد غير مرة أولها ان إخوته كادوا به كيدا حيث احتالوا به في التفريق بينه وبين أبيه ثم إن امرأة العزيز كادته بما أظهرت انه راودها عن نفسها ثم اودع السجن ثم إن النسوة كادوه حتى استعاذ بالله من كيدهن فصرفه عنه وقال له يعقوب لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا وقال الشاهد لامرأة العزيز إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم وقال تعالى في حق النسوة: {فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ} وقال الرسول: {فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قال: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ} فكاد الله له أحسن كيد وألطفه وأعدله بأن جمع بينه وبين أخيه وأخرجه من أيدي إخوته بغير اختيارهم كما أخرجوا يوسف من يد أبيه بغير اختياره وكاد له عوض كيد المرأة بأن أخرجه من ضيق السجن إلى فضاء الملك ومكنه في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء وكاد له في تصديق النسوة اللاتي كذبنه وراودنه حتى شهدن ببراءته وعفته وكاد له في تكذيب امرأة العزيز لنفسها واعترافها بأنها هي التي راودته وانه من الصادقين فهذه عاقبة من صبر على كيد الكائد له بغيا وعدوانا.

فصل كيد الله على نوعين

وكيد الله تعالى لا يخرج عن نوعين:

النوع الأول

أحدهما وهو الأغلب: ان يفعل تعالى فعلا خارجا عن قدرة العبد الذي كاد له فيكون الكيد قدرا زائدا محضا ليس هو من باب لا يسوغ كما كاد أعداء الرسل بانتقامه منهم بأنواع العقوبات وكذلك كانت قصة يوسف فإن أكثر ما أمكنه ان يفعل ان القى الصواع في رحل أخيه وان أذن مؤذن بسرقتهم فلما أنكروا قال: فما جزاؤه إن كنتم كاذبين أي جزاء السارق أو جزاء السرق قالوا: جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه أي جزاؤه نفس السارق يستعبده المسروق منه إما مطلقا وإما إلى مدة وهذه كانت شريعة آل يعقوب ثم في إعراب هذا الكلام وجهان أحدهما ان قوله جزاؤه من وجد في رحله جملة مستقلة قأئمة من مبتدأ وخبر وقوله فهو جزاؤه جملة ثانية كذلك مؤكدة للاولى مقرره لها والفرق بين الجملتين ان الأولى إخبار عن استحقاق المسروق لرقبة السارق والثانية إخبار أن هذا جزاؤه في شرعنا وحكمنا فالأولى إخبار عن المحكوم عليه والثانية إخبار عن الحكم وإن كانا متلازمين وإن أفادت الثانية معنى الحصر فإنه لا جزاء له غيره والقول الثاني أن جزاؤه الأول مبتدأ وخبره الجملة الشرطية والمعنى جزاء السارق ان من وجد المسروق في رحله كان هو الجزاء كما تقول جزاء السرقة من سرق قطعت يده وجزاء الاعمال من عمل حسنة فبعشر أو سيئة فبواحدة ونظائره.

قال شيخنا رضي الله عنه وإنما احتمل الوجهين لأن الجزاء قد يراد به نفس الحكم باستحقاق العقوبة وقد يراد به نفس فعل العقوبه وقد يراد به نفس الألم الواصل إلى المعاقب والمقصود أن إلهام الله لهم هذا الكلام كيد كاده ليوسف خارج عن قدرته إذ قد كان يمكنهم أن يقولوا لا جزاء عليه حتى يثبت أنه هو الذي سرق فإن مجرد وجوده في رحله لا يوجب ثبوت السرقة وقد كان يوسف عادلا لا يأخذهم بغير حجة وقد كان يمكنهم ان يقولوا يفعل به ما يفعل بالسراق في دينكم وقد كان في دين ملك مصر كما قاله أهل التفسير أن يضرب السارق ويغرم قيمة المسروق مرتين ولو قالوا: ذلك لم يمكنه ان يلزمهم بما لا يلزم به غيرهم ولهذا قال تعالى: {كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} أي ما كان يمكنه أخذه في دين ملك مصر إذ لم يكن في دينه طريق له إلى أخذه وعلى هذا فقوله إلا أن يشاء الله استثناء منقطع أي لكن إن شاء الله أخذه بطريق آخر أو يكون متصلا على بابه أي إلا أن يشاء الله ذلك فيهيء له سببا يؤخذ به في دين الملك من الأسباب التي كان الرجل يعتقل بها.

ما يؤخذ من قصة يوسف

فإذا كان المراد من الكيد فعلا من الله بأن ييسر لعبده المؤمن المظلوم المتوكل عليه أمورا يحصل بها مقصوده من الانتقام من الظالم كان هذا خارجا عن الحيل الفقهية فإن كلامنا في الحيل التي يفعلها العبد لا فيما يفعله الله تعالى بل في قصة يوسف تنبيه على بطلان الحيل وان من كاد كيدا محرما فإن الله يكيده ويعامله بنقيض قصده وبمثل عمله وهذه سنة الله في أرباب الحيل المحرمة انه لا يبارك لهم فيما نالوه بهذه الحيل ويهيء لهم كيدا على يد من يشاء من خلقه يجزون به من جنس كيدهم وحيلهم.

وفيها تنبيه على أن المؤمن المتوكل على الله إذا كاده الخلق فان الله يكيد له وينتصر له بغير حول منه ولا قوة.

وفيها دليل على أن وجود المسروق بيد السارق كاف في إقامة الحد عليه بل هو بمنزل إقراره وهو أقوى من البينة وغاية البينة أن يستفاد منها ظن.

وأما وجود المسروق بيد السارق فيستفاد منه اليقين وبهذا جاءت السنة في وجوب الحد بالحبل والرائحة في الخمر كما اتفق عليه الصحابة والاحتجاج بقصة يوسف على هذا أحسن واوضح من الاحتجاج بها على الحيل.

وفيها تنبيه على أن العلم الخفي الذي يتوصل به إلى المقاصد الحسنة مما يرفع الله به درجات العبد لقوله بعد ذلك نرفع درجات من نشاء قال: زيد بن أسلم وغيره بالعلم وقد أخبر تعالى عن رفعه درجات أهل العلم في ثلاثة مواضع من كتابه أحدها قوله وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء فأخبر انه يرفع درجات من يشاء بعلم الحجة وقال في قصة يوسف كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله نرفع درجات من نشاء فأخبر انه يرفع درجات من يشاء بالعلم الخفي الذي يتوصل به صاحبه إلى المقاصد المحمودة وقال يا أيها الذين آمنوا إذا قيل: لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا يفسح الله لكم وإذا قيل: انشزوا فانشزوا يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين اوتوا العلم درجات فأخبر انه يرفع درجات أهل العلم والايمان.

فصل النوع الثاني من كيد الله

النوع الثاني من كيده لعبده المؤمن: وان يلهمه تعالى أمرا مباحا أو مستحبا أو واجبا يوصله به إلى المقصود الحسن فيكون على هذا إلهامه ليوسف ان يفعل ما فعل هو من كيده تعالى أيضا وقد دل على ذلك قوله نرفع درجات من نشاء فإن فيها تنبيها على أن العلم الدقيق الموصل إلى المقصود الشرعي صفة مدح كما أن العلم الذي يخصم به المبطل صفة مدح وعلى هذا فيكون من الكيد ما هو مشروع لكن لا يجوز ان يراد به الكيد الذي تستحل به المحرمات أو تسقط به الواجبات فإن هذا كيد الله والله هو الذي يكيد الكائد ومحال أن يشرع الله تعالى أن يكاد دينه وأيضا فإن هذا الكيد لا يتم إلا بفعل يقصد به غير مقصوده الشرعي ومحال ان يشرع الله لعبده ان يقصد بفعله ما لم يشرع الله ذلك الفعل له فهذا هو الجواب عن احتجاج المتحيلين بقصة يوسف عليه الصلاة والسلام وقد تبين أنها من أعظم الحجج عليهم وبالله التوفيق.

فصل لا دليل مع المحتالين من حديث أبي هريرة

وأما حديث أبي هريرة وأبي سعيد بع الجميع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيبا فما أصحه من حديث ونحن نتلقاه بالقبول والتسليم والكلام معكم فيه من مقامين أحدهما إبطال استدلالكم به على جواز الحيل وثانيهما بيان دلالته على نقيض مطلوبكم إذ هذا شأن كل دليل صحيح احتج به محتج على باطل فإنه لا بد أن يكون فيه ما يدل على بطلان قوله ظاهرا أو إيماء مع عدم دلالته على قوله.

المطلق والفرق بينه وبين العام

فأما المقام الأول فنقول غاية ما دل الحديث عليه ان النبي ﷺ أمره ان يبيع سلعته الأولى بثمن ثم يبتاع بثمنها تمرا آخر ومعلوم قطعا أن ذلك إنما يقتضى البيع الصحيح فإن النبي ﷺ لا يأذن في العقد الباطل فلا بد أن يكون العقد الذي أذن فيه صحيحا والشأن كل الشأن في العقد المتنازع فيه فلو سلم لكم المنازع صحته لاستغنيتم عن الاستدلال بالحديث ولا يمكن الاستدلال بالحديث على صحته لأنه ليس بعام فإن قوله بع مطلق لا عام فهذا البيع لو كان صحيحا متفقا على صحته لم يكن هناك لفظ عام يحتج به على تناوله فكيف وهذا البيع مما قد دلت السنة الصحيحة وأقوال الصحابة والقياس الصحيح على بطلانه كما تقدم؟ ولو اختلف رجلان في بيع هل هو صحيح أو فاسد وأراد كل واحد منهما إدخاله في هذا اللفظ لم يمكنه ذلك حتى يثبت أنه بيع صحيح ومتى أثبت انه بيع صحيح لم يحتج إلى الاستدلال بهذا المطلق فتبين انه لا حجة فيه على صورة من صور النزاع ألبتة.

ونكتة الجواب أن يقال الأمر المطلق بالبيع إنما يقتضي البيع الصحيح ومن سلم لكم ان هذه الصورة التي تواطأ فيها البائع والمشتري على الربا وجعل السلعة الدخيلة محللا له غير مقصودة بالبيع بيع صحيح وإذا كان الحديث ليس فيه عموم وإنما هو مطلق والأمر بالحقيقة المطلقة ليس أمر بشيء من صورها لأن الحقيقة مشتركة بين الافراد والقدر المشترك ليس هو مما يميز به كل واحد من الافراد عن الآخر ولا هو مستلزما له فلا يكون الأمر بالمشترك أمرا بالمميز بحال وإن كان مستلزما لبعض تلك القيود لا بعينه فيكون عاما لها على سبيل البدل لكن ذلك لا يقتضى العموم للأفراد على سبيل الجمع وهو المطلق في قوله بع هذا الثوب لا يقتضى الأمر ببيعه من زيد أو عمرو ولابكذا أو كذا ولا بهذه السوق أو هذه فإن اللفظ لا دلالة له على شئ من شئ من ذلك إذا أتى بالمسمى حصل ممتثلا من جهة وجود تلك الحقيقة لا من جهة تلك القيود وهذا الأمر لا خلاف فيه لكن بعض الناس يعتقد ان عدم الأمر بالقيود يستلزم عدم الاجزاء إذا أتى بها إلا بقرينة وهو خطأ والصواب ان القيود لا تنافى الأمر ولا تستلزمه وإن كان لزوم بعضها لزوما عقليا ضرورة وقوع القدر المشترك في ضمن قيد من تلك القيود وإذا تبين هذا فليس في الحديث أمره أن يبيع التمر لبائع النوع الآخر ولا لغيره ولا بحلول ولا تأجيل ولا بنقد البلد ولا غيره ولا بثمن المثل أو غيره وكل هذه القيود خارجة عن مفهوم اللفظ ولو زعم زاعم ان اللفظ يعم هذا كله كان مبطلا لكن اللفظ لا يمنع الإجزاء إذا أتى بها وإنما استفيد عدم الامتثال إذا بيع بدون ثمن المثل أو بثمن مؤجل أو بغير نقد البلد من العرف الذي ثبت للبيع المطلق وكذلك ليس في اللفظ ما يدل على أنه يبيعه من البائع بعينه ولا غيره كما ليس فيه ما يمنعه بل كل واحد من الطرفين يحتاج إلى دليل خارج عن اللفظ المطلق فما قام الدليل على إباحته أبيح فعله بالدليل الدال على جوازه لا بهذا اللفظ وما قام دليل على المنع منه لم يعارض دليل المنع بهذا اللفظ المطلق حتى يطلب الترجيح بل يكون دليل المنع سالما عن المعارضة بهذا فإن عورض بلفظ عام متناول لإباحته بوضع اللفظ له أو بدليل خاص صحت المعارضة فتأمل هذا الموضع الذي كثيرا ما يغلط فيه الناظر والمناظر وبالله التوفيق.

وقد ظهر بهذا جواب من قال: لو كان الابتياع من المشتري حراما لنهى عنه فإن مقصوده ﷺ إنما كان لبيان الطريق التي بها يحصل اشتراء التمر الجيد لمن عنده رديء وهو ان يبيع الرديء بثمن ثم يبتاع بالثمن جيدا ولم يتعرض لشروط البيع وموانعه لأن المقصود ذكر الحكم على وجه الجملة ولأن المخاطب أحيل على فهمه وعلمه بأنه إنما أذن له في بيع يتعارفه الناس وهو البيع المقصود في نفسه ولم يؤذن له في بيع يكون وسيلة وذريعة ظاهرة إلى ما هو ربا صريح وكان القوم أعلم بالله ورسوله وشريعته من أن يفهموا عنه أنه اذن لهم في الحيل الربوية التي ظاهرها بيع وباطنها ربا ونحن نشهد بالله أنه كما لم يأذن فيها بوجه لم يفهمها عنه أصحابه بخطابه بوجه وما نظير هذا الاستدلال إلا استدلال بعضهم على جواز أكل ذي الناب والمخلب بقوله وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الأسود واستدلال آخر بقوله وأحل لكم ما وراء ذلكم على جواز نكاح الزانية المصرة على الزنا واستدلال آخر على ذلك بقوله وانكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم واستدلال غيره به على صحة نكاح التحليل بذلك وعلى صحة نكاح المتعة واستدلال آخر على جواز نكاح المخلوقة من مائه إذا كان زانيا ولو ان رجلا استدل بذلك على جواز نكاح المرأة على عمتها وخالتها وأخذ يعارض به السنة لم يكن فرق بينه وبين هذا الاستدلال بل لو استدل به على كل نكاح حرمته السنة لم يكن فرق بينه وبين هذا الاستدلال وكذلك قوله بع الجميع لو استدل به مستدل على بيع من البيوع المتنازع فيها لم يكن فيه حجة وليس بالغالب ان بائع التمر بدراهم يبتاع بها من المشتري حتى يقال هذه الصورة غالبة فيحمل اللفظ عليها ولا هو المتعارف عند الاطلاق عرفا وشرعا وبالجملة فإرادة هذه الصورة وحدها من اللفظ ممتنع وإرادتها مع غيرها فرع على عمومه ولا عموم له وإرادة القدر المشترك بين أفراد البيع إنما تنصرف إلى البيع المعهود عرفا وشرعا وعلى التقديرات كلها لا تدخل هذه الصورة.

ومما يدل على ذلك ان هذه الصورة لا تدخل في أمر الرجل لعبده وولده ووكيله ان يشتري له كذا فلو قال: بع هذه الحنطة العتيقة واشتر لنا جديدة لم يفهم السامع إلا بيعا مقصودا أو شراء مقصودا فثبت ان الحديث ليس فيه إشعار بالحيلة الربوية ألبتة.

يوضحه أن قوله بع كذا واشتر كذا أو بعت واشتريت لا يفهم منه إلا البيع الذي يقصد به نقل ملك المبيع نقلا مستقرا ولهذا لا يفهم منه بيع الهازل ولا المكره ولا بيع الحيلة ولا بيع العينة ولا يعد الناس من اتخذ خرزة أو عرضا يحلل به الربا ويبيعه ويشتريه صورة خالية عن حقيقة البيع ومقصوده تاجرا وإنما يسمونه مرابيا ومتحيا فكيف يدخل هذا تحت لفظ النبي ﷺ.

يزيده إيضاحا ان النبي ﷺ قال: "من باع بيعتين في بيعة فله اوكسهما أو الربا" ونهى عن بيعتين في بيعة ومعلوم انهما متى تواطئا على أن يبيعه بالثمن ثم يبتاع به منه فهو بيعتان في بيعة فلا يكون ما نهى عنه داخلا تحت ما أذن فيه.

يوضحه أيضا انه قال: لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع وتواطؤهما على أن يبيعه السلعة بثمن ثم يشتري منه غيرها بذلك الثمن منطبق على لفظ الحديث فلا يدخل ما أخبر أنه لا يحل تحت ما أذن فيه.

يوضحه أيضا أن النبي ﷺ قال: "بع الجميع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيبا" وهذا يقتضى بيعا ينشئه ويبتدئه بعد انقضاء البيع الأول ومتى واطأه في أول الأمر على أن ابيعك وأبتاع منك فقد اتفقا على العقدين معا فلا يكون الثاني عقدا مستقلا مبتدأ بل هو من تتمة العقد الأول عندهما وفي اتفاقهما وظاهر الحديث انه أمر بعقدين مستقلين لا يرتبط أحدهما بالآخر ولا ينبنى عليه.

ولو نزلنا عن ذلك كله وسلمنا أن الحديث عام عموما لفظيا يدخل تحته صورة الحيلة فهو لا ريب مخصوص بصور كثيرة فنخص منه هذه الصورة المذكورة بالأدلة المتقدمة على بطلان الحيل واضعافها والعام يخص بدون مثلها بكثير فكم قد خص العموم بالمفهوم وخبر الواحد والقياس وغير ذلك فتخصيصه لو فرض عمومه بالنصوص والاقيسة وإجماع الصحابة على تحريم الحيل أولى واحرى بل واحد من تلك الأدلة التي ذكرناها على المنع من الحيل وتحريمها كاف في التخصيص وإذا كنتم قد خصصتم قوله ﷺ لعن الله المحلل والمحلل له مع أنه عام عموما لفظيا فخصصتموه بصورة واحدة وهي ما اشترطا في صلب العقد أنه إنما تزوجها ليحلها ومتى أحلها فهى طالق مع ان هذه الصورة نادرة جدا لا يفعلها المحلل والصور الواقعة في التحليل اضعاف هذه فحملتم اللفظ العام عموما لفظيا ومعنويا على أندر صورة تكون لو قدر وقوعها وأخليتموه عن الصور الواقعة المستعملة بين المحللين فقوله ﷺ: "بع الجميع بالدراهم" أولى بالتقييد بالنصوص الكثيرة والآثار والاقيسة الصحيحة التي هي في معنى الأصل وحمله على البيع المتعارف المعهود عرفا وشرعا وهذا بحمد الله تعالى في غاية الوضوح ولا يخفى على منصف يريد الله ورسوله والدار الآخرة وبالله التوفيق.

فصل توضيح المقصود من حديث أبي هريرة

ومما يوضح فساد حمل الحديث على صورة الحيلة وان كلام الرسول ومنصبه العالى منزه عن ذلك ان المقصود الذي شرع الله تعالى له البيع واحله لأجله هو ان يحصل ملك الثمن للبائع ويحصل ملك المبيع للمشتري فيكون كل منهما قد حصل له مقصوده بالبيع هذا ينتفع بالثمن وهذا بالسلعة وهذا إنما يكون إذا قصد المشتري نفس السلعة للانتفاع بها أو التجارة فيها وقصد البائع نفس الثمن ولهذا يحتاط كل واحد منهما فيما يصير إليه من العرض هذا في وزن الثمن ونقده ورواجه وهذا في سلامة السلعة من العيب وأنها تساوي الثمن الذي بذله فيها فإذا كان مقصود كل منهما ذلك فقد قصدا بالسبب ما شرعه الله له وأتى بالسبب حقيقة وحكما وسواء حصل مقصوده بعقد أو توقف على عقود مثل أن يكون بيده سلعة وهو يريد أن يبتاع سلعة أخرى لا تباع سلعته بها لمانع شرعي أو عرفي أو غيرهما فيبيع سلعته ليملك ثمنها وهذا بيع مقصود وعوضه مقصود ثم يبتاع بالثمن سلعة أخرى وهذه قصة بلال في تمر خيبر سواه فإنه إذا باع الجميع بالدراهم فقد أراد بالبيع ملك الثمن وهذا مقصود مشروع ثم إذا ابتاع بالدراهم جنيبا فقد عقد عقدا مقصودا مشروعا فلما كان بائعا قصد تملك الثمن حقيقة ولما كان مبتاعا قصد تملك السلعة حقيقة فإن ابتاع بالثمن من غير المشتري منه فهذا لا محذور فيه إذ كل من العقدين مقصود مشروع ولهذا يستوفيان حكم العقد الأول من النقد والقبض وغيرهما وأما إذا ابتاع بالثمن من مبتاعه من جنس ما باعه فهذا يخشى منه أن لا يكون العقد الأول مقصودا لهما بل قصدهما بيع السلعة الأولى بالثانية فيكون ربا بعينه ويظهر هذا القصد بأنهما يتفقان على صاع بصاعين أولا ثم يتوصلان إلى ذلك ببيع الصاع بدرهم ويشتري به صاعين ولا يبالي البائع بنقد ذلك الثمن ولا بقبضه ولا بعيب فيه ولا بعدم رواجه ولا يحتاط لنفسه فيه احتياط من قصده تملك الثمن إذ قد علم هو الآخر ان الثمن بعينه خارج منه عائد إليه فنقده وقبضه والاحتياط فيه يكون عبثا وتأمل حال باعة الحلى عينة كيف يخرج كل حلقة من غير جنسه أو قطعة ما ويبيعك إياها بذلك الثمن ثم يبتعاعها منك فكيف لا تسأل عن قيمتها ولا عن وزنها ولا مساواتها للثمن بل قد تساوي اضعافه وقد تساوى بعضه إذ ليست هي القصد وإنما القصد أمر وراءها وجعلت هي محللا لذلك المقصود وإذا عرف هذا فهو إنما عقد معه العقد الأول ليعيد إليه الثمن بعينه ويأخذ العوض الآخر وهذا تواطؤ منهما حين عقداه على فسخه والعقد إذا قصد به فسخه لم يكن مقصودا وإذا لم يكن مقصودا كان وجوده كعدمه وكان توسطه عبثا.

ومما يوضح الأمر في ذلك انه إذا جاءه بتمر أو زبيب أو حنطة ليبتاعه به من جنسه فإنهما يتشارطان ويتراضيان على سعر أحدهما من الآخر وأنه مد بمد ونصف مثلا ثم بعد ذلك يقول بعتك هذا بكذا وكذا درهما ثم يقول بعنى بهذه الدراهم كذا وكذا صاعا من النوع الآخر وكذلك في الصرف وليس للبائع ولا للمشتري غرض في الدراهم والغرض معروف فأين من يبيعه السلعة بثمن ليشتري به منه من جنسها إلى من يبيعه اياها بثمن له غرض في تملكه وقبضه وتوسط الثمن في الأول عبث محض لا فائدة فيه فكيف يأمر به الشارع الحكيم مع زيادة التعب والكلفة فيه ولو كان هذا سائغا لم يكن في تحريم الربا حكمة سوى تضييع الزمان واتعاب النفوس بلا فائدة فإنه لا يشاء أحد ان يبتاع ربويا بأكثر منه من جنسه الأول الا قال: بعتك هذا بكذا وابتعت منك هذا بهذا الثمن فلا يعجز أحد استحلال ما حرمه الله قط بأدنى الحيل.

يوضحه أن الربا نوعان: ربا الفضل وربا النسيئة فأما ربا الفضل فيمكنه في كل مال ربوى ان يقول بعتك هذا المال بكذا ويسمى ما شاء ثم يقول اشتريت منك هذا للذي هو من جنسه بذلك الذي سماه ولا حقيقة له مقصودة واما ربا النسيئة فيمكنه ان يقول بعتك هذه الحريرة بألف درهم أو عشرين صاعا إلى سنة وابتعتها منك بخمسمائة حاله أو خمسة عشر صاعا ويمكنه ربا الفضل فلا يشاء مراب إلا أقرضه ثم حاباه في بيع أو إجارة أو غيرهما ويحصل مقصوده من الزيادة فيا سبحان الله أيعود الربا الذي قد عظم الله شأنه في القرآن وأوجب محاربة مستحله ولعن آكله موكله وشاهديه وكاتبه وجاء فيه من الوعيد ما لم يجيء في غيره إلى ان يستحل نوعاه بأدنى حيلة لا كلفة فيها أصلا إلا بصورة عقد هي عبث ولعب يضحك منها ويستهزأ بها فكيف يستحسن ان ينسب إلى نبي من الانبياء فضلا عن سد الانبياء بل ان ينسب رب العالمين إلى ان يحرم هذه المحرمات العظيمة ويوعد عليها بأغلظ العقوبات وأنواع الوعيد ثم يبيحها بضرب من الحيل والعبث والخداع الذي ليس له حقيقة مقصودة ألبتة في نفسه للمتعاقدين وترى كثيرا من المرابين لما علم ان هذا العقد ليس له حقيقة مقصودة ألبتة قد جعل عنده خرزة ذهب فكل من جاءه يريد أن يبيعه جنسا بجنسه أكثر منه أو أقل ابتاع منه ذلك الجنس بتلك الخرزة ثم ابتاع الخرزة بالجنس الذي يريد أن يعطيه إياه افيستجيز عاقل ان يقول إن الذي حرم بيع الفضة بالفضة متفاضلا أحلها بهذه الخرزة وكذلك كثير من الفجار قد أعد سلعة لتحليل ربا النساء فإذا جاءه من يريد الفا بألف ومائتين أدخل تلك السلعة محللا ولهذا كانت أكثر حيل الربا في بابها أغلظ من حيل التحليل ولهذا حرمها أو بعضها من لم يحرم التحليل لأن القصد في البيع معتبر في فطر الناس ولأن الاحتيال في الربا غالبا إنما يتم بالمواطأة اللفظية أو العرفية ولايفتقر إلى شهادة ولكن يتعاقدان ثم يشهدان ان له في ذمته دينا ولهذا إنما لعن شاهداه إذا علما به والتحليل لا يمكن إظهاره وقت العقد لكون الشهادة شرطا فيه والشروط المتقدمة تؤثر كالمقارنة كما تقدم تقريره إذ تقديم الشرط ومقارنته لا يخرجه عن كونه عقد تحليل ويدخله في نكاح الرغبة والقصود معتبرة في العقود.

فصل آراء بعض الفقهاء في الحيل الربوية

وجماع الأمر انه إذا ربويا بثمن وهو يريد أن يشتري منه بثمنه من جنسه فإما أن يواطئه على الشراء منه لفظا أو يكون العرف بينهما قد جرى بذلك أو لا يكون فإن كان الأول فهو باطل كما تقدم تقريره فإن هذا لم يقصد ملك الثمن ولا قصد هذا تمليكه وإنما قصد تمليك المثمن بالمثمن وجعلا تسمية الثمن تلبيسا وخداعا ووسيلة إلى الربا فهو في هذا العقد بمنزلة التيس الملعون في عقد التحليل وان لم تجر بينهما مواطأة لكن قد علم المشتري ان البائع يريد أن يشترى منه ربويا بربوي فكذلك لأن علمه بذلك ضرب من المواطأة وهو يمنع قصد الثمن الذي يخرجان به عن قصد الربا وان قصد البائع الشراء منه بعد البيع ولم يعلم المشترى فقد قال: الإمام أحمد ههنا لو باع من رجل دنانير بدارهم لم يجز ان يشترى بالدراهم منه ذهبا إلا أن يمضى ويبتاع بالورق من غيره ذهبا فلا يستقيم فيجوز ان يرجع إلى الذي ابتاع منه الدنانير فيشترى منه ذهبا وكذلك كره مالك ان تصرف دراهمك من رجل بدنانير ثم تبتاع منه بتلك الدنانير دراهم غير دراهمك في الوقت أو بعد يوم أو يومين قال: ابن القاسم فإن طال الزمان وصح أمرهما فلا بأس به فوجه ما منعه الإمام أحمد رضي الله عنه انه متى قصد المشتري منه تلك الدنانير لم يقصد تملك الثمن ولهذا لا يحتاط في النقد والوزن ولهذا يقول إنه متى بدا له بعد القبض والمفارقة ان يشترى منه بأن يطلب من غيره فلا يجد لم يكن في العقد الأول خلل والمتقدمون من أصحاب حملوا هذا المنع منه على التحريم.

وقال القاضي وابن عقيل وغيرهما: "اذا لم يكن شرطا ومواطأة بينهما لم يحرم" وقد اوما إليه الإمام أحمد في رواية حرب فإنه قال: قلت لأحمد اشترى من رجل ذهبا ثم ابتاعه منه قال: "بيعه من غيره أحب إلي" وذكر ابن عقيل ان أحمد لم يكرهه في رواية أخرى وكره ابن سيرين للرجل ان يبتاع من الرجل الدراهم بالدنانير ثم يشتري منه بالدراهم دنانير وهذه المسألة في ربا الفضل كمسائل العينة في ربا النساء ولهذا عدها من الربا الفقهاء السبعة وأكثر العلماء وهو قول أهل المدينة كمالك وأصحابه وأهل الحديث كأحمد وأصحابه وهو مأثور عن ابن عمر ففي هذه المسأله قد عاد الثمن إلى المشترى وحصلا على ربا الفضل أو النساء وفي العينة قد عاد المبيع إلى البائع وافضى إلى ربا الفضل والنساء جميعا ثم إن كان في الموضعين لم يقصد الثمن ولا المبيع وإنما جعل وصلة إلى الربا فهذا الذي لا ريب في تحريمه والعقد الأول ههنا باطل بلا توقف عند من يبطل الحيل وقد صرح به القاضي في مسألة العينة في غير موضع وحكى أبو الخطاب في صحته وجهين.

قال شيخنا والأول هو الصواب وإنما تردد من تردد من الأصحاب في العقد الأول في مسألة العينة لأن هذه المسألة انما ينسب الخلاف فيها في العقد الثاني بناء على أن الأول صحيح وعلى هذا التقدير فليست من مسائل الحيل وإنما هي من مسائل الذرائع ولها مأخذ آخر يقتضى التحريم عند أبي حنيفة وأصحابه فإنهم لا يحرمون الحيل ويحرمون مسألة العينة وهو أن الثمن إذا لم يستوف لم يتم العقد الأول فيصير الثاني مبنيا عليه وهذا تعليل خارج عن قاعدة الحيل والذرائع فصار للمسألة ثلاثة مآخذ فلما لم يتمحض تحريمها على قاعدة الحيل توقف في العقد الأول من توقف.

قال شيخنا والتحقيق أنها إذا كانت من الحيل أعطيت حكم الحيل وإلا اعتبر فيها المأخذان الآخران هذا إذا لم يقصد الأول فإن قصد حقيقته فهو صحيح لكن ما دام الثمن في ذمة المشتري لم يجز ان يشترى منه المبيع بأقل منه من جنسه ولا يجوز ان يبتاع منه بالثمن ربويا لا يباع بالآول نساء لأن احكام العقد الأول لا تتم إلا بالتقابض فإذا لم يحصل كان ذريعة إلى الربا وان تقابضا وكان العقد مقصودا فله يشتري منه كما يشتري من غيره وإذا كان الطريق إلى الحلال هي العقود المقصودة المشروعة التي لا خداع فيها ولا تحريم لم يصح ان تلحق بها صورة عقد لم تقصد حقيقته وإنما قصد التوصل به إلى استحلال ما حرمه الله والله الموفق.

وإنما اطلنا الكلام على هذه الحجة لأنها عمدة أرباب الحيل من السنة كما وان عمدتهم من الكتاب وخذ بيدك ضغثا.

فصل حديث أبي هريرة على تحريم الحيل

فهذا تمام الكلام على المقام الأول وهو عدم دلالة الحديث على الحيل الربوية بوجه من الوجوه.

وأما المقام الثاني وهو دلالته على تحريمها وفسادها فلأنه ﷺ نهاه أن يشتري الصاع بالصاعين ومن المعلوم ان الصفة التي في الحيل مقصودة يرتفع سعره لأجلها والعاقل لا يخرج صاعين ويأخذ صاعا إلا لتميز ما يأخذه بصفة أو لغرض له في المأخوذ ليس في المبذول والشارع حكيم لا يمنع المكلف مما هو مصلحة له ويحتاج إليه إلا لتضمنه أو لاستلزامه مفسدة أرجح من تلك المصلحة وقد خفيت هذه المفسدة على كثير من الناس حتى قال: بعض المتأخرين لا يتبين لي ما وجه تحريم ربا الفضل والحكمة فيه وقد تقدم أن هذا من أعظم حكمة الشريعة ومراعاة مصالح الخلق وان الربا نوعان ربا نسيئة وتحريمه تحريم المقاصد وربا فضل وتحريمه تحريم الذرائع.

والوسائل فإن النفوس متى ذاقت الربح فيه عاجلا تسورت منه إلى الربح الآجل فسندت عليها بالذريعة وحمى جانب الحمى وأي حكمة وحكم أحسن من ذلك وإذا كان كذلك فالنبي ﷺ منع بلالا من أخذ مد بمدين لئلا يقع في الربا ومعلوم انه لو جوز له ذلك بحيلة لم يكن في منعه من بيع مدين بمد فائدة أصلا بل كان بيعه كذلك أسهل وأقل مفسدة من توسط الحيلة الباردة التي لا تغنى من المفسدة شيئا وقد نبه على هذا بقوله في الحديث لا تفعل اوه عين الربا فنهاه عن الفعل والنهي يقتضي المنع بحيلة أو غير حيلة لأن المنهي عنه لا بد ان يشتمل على مفسدة لأجلها ينهى عنه وتلك المفسدة لا تزول بالتحيل عليها بل تزيد وأشار إلى المنع بقول اوه عين الربا فدل على أن المنع إنما كان لوجود حقيقة الربا وعينه وانه لا تأثير للصورة المجردة مع قيام الحقيقة فلا يهمل قوله عين الربا فتحت هذه اللفظة ما يشير إلى ان الاعتبار بالحقائق وانها هي التي عليها المعول وهي محل التحليل والتحريم والله تعالى لا ينظر إلى صورها وعباراتها التي يكسوها إياها العبد وإنما ينظر إلى حقائقها وذواتها والله الموفق.

فصل لا تجوز المعاريض في استباحة الحرام

وأما تمسكهم بجواز المعاريض وقولهم إن الحيل معاريض فعلية على وزان المعاريض القولية فالجواب من وجوه.

أحدها: أن يقال ومن سلم لكم أن المعاريض إذا تضمنت استباحة الحرام وإسقاط الواجبات وإبطال الحقوق كانت جائزة بل هي من الحيل القولية وإنما تجوز المعاريض إذا كان فيها تخلص من ظالم كما عرض الخليل بقوله هذه أختي فإذا تضمنت نصر حق أو إبطال باطل كما عرض الخليل بقوله إني سقيم وقوله بل فعله كبيرهم هذا وكما عرض الملكان لداود بما ضرباه له من المثال الذي نسباه إلى انفسهما وكما عرض النبي ﷺ قوله: "ونحن من ماء" وكما كان يروى عن الغزوة بغيرها لمصلحة الإسلام والمسلمين إذا لم تتضمن مفسدة في دين ولا دنيا كما عرض ﷺ بقوله: "إنا حاملوك على ولد الناقة" وبقوله: "إن الجنة لا تدخلها العجز" وبقوله: "من يشتري مني هذا العبد يريد عبد الله" وبقوله لتلك المرأة: "زوجك الذي في عينيه بياض" وإنما أراد به البياض الذي خلقه الله في عيون بين آدم وهذه المعاريض ونحوها من أصدق الكلام فأين في جواز هذه ما يدل على جواز الحيل المذكورة.

رأي ابن تيمية في المعاريض

وقال شيخنا رضي الله عنه: "والذي قيست عليه الحيل الربوية وليست مثله نوعان أحدهما المعاريض وهي ان يتكلم الرجل بكلام جائز يقصد به معنى صحيحا ويوهم غيره انه يقصد به معنى آخر فيكون سبب ذلك الوهم كون اللفظ مشتركا بين حقيقتين لغويتين أو عرفيتين أو شرعيتين أو لغوية مع إحداهما أو عرفية مع إحداهما أو شرعية مع أحداهما فيعنى أحد معنييه ويوهم السامع له أنه إنما على الآخر إما لكونه لم يعرف إلا ذلك وإما لكون دلالة الحال تقتضيه واما لقرينة حالية أو مقالية يضمها إلى اللفظ أو يكون سبب التوهم كون اللفظ ظاهرا في معنى فيعنى به معنى يحتمله باطنا بأن ينوى مجاز اللفظ دون حقيقته أو ينوي بالعام الخاص أو بالمطلق المقيد أو يكون سبب التوهم كون المخاطب إنما يفهم من اللفظ غير حقيقته لعرف خاص به أو غفلة منه أو جهل أو غير ذلك من الأسباب مع كون المتكلم إنما قصد حقيقته فهذا كله إذا كان المقصود به رفع ضرر غير مستحق فهو جائز كقول الخليل هذه اختي وقول النبي ﷺ نحن من ماء وقول الصديق رضي الله عنه هاد يهديني السبيل ومنه قول عبد الله بن رواحة: شهدت بأن وعد الله حق، الابيات، أوهم امرأته القرآن وقد يكون واجبا إذا تضمن دفع ضرر يجب دفعه ولا يندفع إلا بذلك.

وهذا الضرب وان كان نوع حيلة في الخطاب لكنه يفارق الحيل المحرمة من الوجه المحتال عليه والوجه المحتال به أما الأول فلكونه دفع ضرر غير مستحق فلو تضمن كتمان ما يجب إظهاره من شهادة أو إقرار أو علم أو نصيحة مسلم أو التعريف بصفة معقود عليه في بيع أو نكاح أو أجارة فإنه غش محرم بالنص.

قال مثنى الأنباري: "قلت لأحمد بن حنبل كيف الحديث الذي جاء في المعاريض فقال المعاريض لا تكون في الشراء والبيع تكون في الرجل يصلح بين الناس أو نحو هذا".

قال شيخنا: والضابط ان كل ما وجب بيانه فالتعريض فيه حرام لأنه كتمان وتدليس ويدخل في هذا الإقرار بالحق والتعريض في الحلف عليه والشهادة على العقود ووصف المعقود عليه والفتيا والحديث والقضاء وكل ما حرم بيانه فالتعريض فيه جائز بل واجب إذا أمكن ووجب الخطاب كالتعريض لسائل عن مال معصوم أو نفسه يريد أن يعتدى عليه وإن كان بيانه جائزا أو كتمانه جائزا فإما ان تكون المصلحة في كتمانه أو في إظهاره أو كلاهما متضمن للمصلحة فإن كان الأول فالتعريض مستحب كتورية الغازي عن الوجه الذي يريده وتورية الممتنع عن الخروج والاجتماع بمن يصده عن طاعة أو مصلحة راجحة كتورية أحمد عن المروزي وتورية الحالف لظالم له أو لمن استحلفه يمينا لا تجب عليه ونحو ذلك وان كان الثاني فالتورية فيه مكروهة والاظهار مستحب وهذا في كل موضع يكون البيان فيه مستحبا وإن تساوي الأمران وكان كل منهما طريقا إلى المقصود لكون ذلك المخاطب التعريض والتصريح بالنسبة إليه سواء جاز الأمران كما لو كان يعرف بعدة ألسن وخطايه بكل لسان منها يحصل مقصوده ومثل هذا ما لو كان له غرض مباح في التعريض ولا حذر عليه في التصريح والمخاطب لا يفهم مقصوده وفي هذا ثلاثة أقوال للفقهاء وهي في مذهب الإمام أحمد أحدها له التعريض إذ لا يتضمن كتمان حق ولا إضرار بغير مستحق والثاني ليس له ذلك فإنه إيهام للمخاطب من غير حاجة إليه وذلك تغرير وربما أوقع السامع في الخبر الكاذب وقد يترتب عليه ضرر به والثالث له التعريض في غير اليمين.

وقال الفضيل بن زياد سألت أحمد عن الرجل يعارض في كلامه يسألني عن الشيء أكره أن أخبره به قال: إذا لم يكن يمينا فلا بأس في المعاريض مندوحة عن الكذب وهذا عند الحاجة إلى الجواب فأما الابتداء فالمنع فيه ظاهر كما دل عليه حديث أم كلثوم انه لم يرخص فيما يقول الناس إنه كذب إلا في ثلاث وكلها مما يحتاج إليه المتكلم وبكل حال فغاية هذا القسم تجهيل السامع بأن يوقعه المتكلم في اعتقاد ما لم يرده بكلامه وهذا التجهيل قد تكون مصلحته أرجح من مفسدته وقد تكون مفسدته أرجع من مصلحته وقد يتعارض الأمران ولا ريب أن من كان علمه بالشيء يحمله على ما يكرهه الله ورسوله كان تجهيله به وكتمانه عنه أصلح له وللمتكلم وكذلك ما كان في علمه مضرة على القائل أو تفوت عليه مصلحة هي ارجح من مصلحة البيان فله ان يكتمه عن السامع فان أبي الا استنطاقه فله أن يعرض له.

فالمقصود بالمعاريض فعل واجب أو مستحب أو مباح اباح الشارع السعي في حصوله ونصب له سببا يفضى إليه فلا يقاس بهذه الحيل التي تتضمن سقوط ما أوجبه الشارع وتحليل ما حرمه فأين أحد البابين من الآخر وهل هذا إلا من أفسد القياس وهو كقياس الربا على البيع والميتة على المذكى.

فصل جواز المعاريض فيما لا يضر

فهذا الفرق من جهة المحتال عليه وأما الفرق من جهة المحتال به فإن المعرض إنما تكلم بحق ونطق بصدق فيما بينه وبين الله لا سيما إن لم ينو باللفظ خلاف ظاهره في نفسه وإنما كان عدم الظهور من ضعف فهم السامع وقصوره في فهم دلالة اللفظ ومعاريض النبي ﷺ ومزاحه كان من هذا النوع كقوله نحن من ماء وقوله إنا حاملوك على ولد الناقة ولا يدخل الجنة العجز وزوجك الذي في عينيه بياض وأكثر معاريض السلف كانت من هذا ومن هذا الباب التدليس في الإسناد لكن هذا مكروه لتعلقه بالدين وكون البيان في العلم واجبا بخلاف ما قصد به دفع ظالم أو دفع ضرر عن المتكلم.

المعاريض نوعان

والمعاريض نوعان أحدهما ان يستعمل اللفظ في حقيقته وما وضع له فلا يخرج به عن ظاهره ويقصد فردا من أفراد حقيقته فيتوهم السامع انه قصد غيره إما لقصور فهمه وأما لظهور ذلك الفرد عنده أكثر من غيره وإما لشاهد الحال عنده وإما لكيفية المخبر وقت التكلم من ضحك أو غضب أو إشارة ونحو ذلك وإذا تأملت المعاريض النبوية والسلفيه وجدت عامتها من هذا النوع والثاني ان يستعمل العام في الخاص والمطلق العام في الخاص والمطلق في المقيد وهو الذي يسميه المتأخرون الحقيقة والمجاز وليس يفهم أكثر من المطلق والمقيد فإن لفظ الاسد والبحر والشمس عند الاطلاق له معنى وعند التقييد له معنى يسمونه المجاز ولم يفرقوا بين مقيد ومقيد ولابين قيد وقيد فإن قالوا: كل مقيد مجاز لزمهم أن يكون كل كلام مركب مجازا فإن التركيب يقيده بقيود زائدة على اللفظ المطلق وإن قالوا: بعض القيود بجعله مجازا دون بعض سئلوا عن الضابظ ما هو ولن يجدوا إليه سبيلا وإن قالوا: يعتبر اللفظ الفرد من حيث هو مفرد قبل التركيب وهناك يحكم عليه بالحقيقة والمجاز.

قيل لهم: هذا أبعد وأشد فسادا فإن اللفظ قبل العقد والتركيب بمنزلة الاصوات التي ينعق بها ولا تفيد شيئا وإنما إفادتها بعد تركيبها وأنتم قلتم الحقيقة هي اللفظ المستعمل وأكثركم يقول استعمال اللفظ فيما وضع له أولا والمجاز بالعكس فلا بد في الحقيقة والمجازم من استعمال اللفظ فيما وضع له وهو إنما يستعمل بعد تركيبه وحيئذ فتركيبه بعده يفهم منها مراد المتكلم فما الذي جعله مع بعض تلك القيود حقيقة ومع بعضها مجازا.

وليس الغرض إبطال هذا التقسيم الحادث المبتدع المتناقض فإنه باطل من أكثر من أربعين وجها وإنما الغرض التنبيه على نوعى التعريض وأنه تارة يكون مع استعمال اللفظ في ظاهره وتارة يكون إخراجه عن ظاهره ولا يذكر المعرض قرينة تبين مراده ومن هذا النوع عامة التعريض في الايمان والطلاق كقوله كل امرأة له فهى طالق وينوى في بلد كذا وكذا أو ينوى فلانة أو قوله أنت طالق وينوي من زوج كان قبله ونحو ذلك فهذا القسم شيء والذي قبله شيء فأين هذا من قصد المحتال بلفظ العقد أو صورته ما لم يجعله الشارع مقتضيا له بوجه بل جعله مقتضيا لضده ولا يلزم من صلاحية اللفظ له إخبارا صلاحيته له إنشاء فإنه لو قال: تزوجت في المعاريض وعنى نكاحا فاسدا كان صادقا كما لو بينه ولو قال: تزوجت إنشاء وكان فاسدا لم ينعقد وكذلك في جميع الحيل فإن الشارع لم يشرع القرض إلا لمن قصد ان يسترجع مثل قرضه ولم يشرعه لمن قصد ان يأخذ أكثر منه لا بحيلة ولا بغيرها وكذلك إنما شرع البيع لمن له غرض في تمليك الثمن وتمليك السلعة ولم يشرعه قط لمن قصد به ربا الفضل أو النساء ولا غرض له في الثمن ولا في المثمن ولا في السلعة وإنما غرضهما الربا وكذلك النكاح لم يشرعه إلا لراغب في المرأة لم يشرعه للمحلل وكذلك الخلع لم يشرعه إلا للمفتدية نفسها من الزوج تتخلص منه من سوء العشرة ولم يشرعه للتحيل على الحنث قط وكذلك التمليك لم يشرعه الله سبحانه وتعالى إلا لمن قصد نفع الغير والاحسان إليه بتمليكه سواء كان محتاجا أو غير محتاج ولم يشرعه لإسقاط فرض من زكاة أو حج أو غيرهما قط وكذلك المعاريض لم يشرعها إلا لمحتاج إليها أو لمن لا يسقط بها حقا ولا يضربها احدا ولم يشرعها إذا تضمنت إسقاط حق أو إضرار لغير مستحق.

متى تباح المعاريض ومتى تحرم

فثبت ان التعريض المباح ليس من المخادمة لله في شيء وغايته انه مخادعة لمخلوق اباح الشارع مخادعته لظلمه ولا يلزم من جواز مخادعه الظالم المبطل جواز مخادعة المحق فما كان من التعريض مخالفا لظاهر اللفظ كان قبيحا إلا عند الحاجة وما لم يكن منها مخالفا لظاهر اللفظ كان جائزا إلا عند تضمن مفسدة.

والمعاريض كما تكون بالقول تكون بالفعل وتكون بالقول والفعل معا مثال ذلك أن يظهر المحارب انه يريد وجها من الوجوه ويسافر إليه ليحسب العدو أنه لا يريده ثم يكر عليه وهو آمن من قصده أو يستطرد المبارز بين يدي خصمه ليظن هزيمته ثم يعطف عليه وهذا من خداعات الحرب.

فصل النوع الآخر من المعاريض

فهذا أحد النوعين الذي قيست عليه الحيل المحرمة والنوع الثاني الكيد الذي شرعه الله للمظلوم أن يكيد به ظالمه ويخدعه به إما للتوصل إلى أخذ حقه منه أو عقوبة له أو لكف شره وعدوانه عنه كما روى الإمام أحمد في مسنده ان رجلا شكا إلى رسول الله ﷺ من جاره أنه يؤذيه فأمره رسول الله ﷺ ان يطرح متاعه في الطريق ففعل فجعل كل من مر عليه يسأل عن شأن المتاع فيخبر بأن جار صاحبه يؤذيه فيسبه ويلعنه فجاء إليه وقال رد متاعك إلى مكانه فوالله لا أوذيك بعد ذلك ابدا فهذا من أحسن المعاريض الفعليه والطف الحيل التي يتوصل بها إلى دفع ظلم الظالم.

ونحن لا ننكر هذا الجنس وإنما الكلام في الحيل على استحلال محارم الله وإسقاط فرائضه وإبطال حقوق عباده فهذا النوع هو الذي يفوت أفراد الأدلة على تحريمه الحصر.

فصل ليس كل الحيل حراما

وأما قولكم جعل العقود حيلا على التوصل إلى مالا يباح إلا بها إلى آخره فهذا موضع الكلام في الحيل وانقسامها إلى احكامها الخمسة فنقول ليس كل ما يسمى حيلة حراما قال: الله تعالى الا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا أراد بالحيلة التحيل على التخلص من بين الكفار وهذه حيلة محمودة يثاب عليها وكذلك الحيلة على هزيمة الكفار كما فعل نعيم بن مسعود يوم الخندق أو على تخليص ماله منهم كما فعل الحجاج بن علاط بإمرأته وكذلك الحيلة على قتل راس من رؤوس اعداء الله كما فعل الذين قتلوا ابن أبي الحقيق اليهودي وكعب بن الأشرف وابا رافع وغيرهم فكل هذه حيل محمودة محبوبة لله ومرضية له.

الحيلة اشتقاقها ومعناها

والحيلة مشتقة من التحول وهي النوع والحالة كالجلسة والقعدة والركبة فإنها بالكسر للحالة وبالفتح للمرة كما قيل:

الفعلة للمرة والفعلة للحالة ** والمفعل للموضع والمفعل للآلة.

وهي من ذوات الواو فإنها من التحول من حال يحول وإنما انقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها وهو قلب مقيس مطرد في كلامهم نحو ميزان وميقات وميعاد فإنها مفعال من الوزن والوقت والوعد فالحيلة هي نوع مخصوص من التصرف والعمل الذي يتحول به فاعله من حال إلى حال ثم غلب عليها بالعرف استعمالها في سلوك الطرق الخفية التي يتوصل بها الرجل إلى حصول غرضه بحيث لا يتفطن له الا بنوع من الذكاء والفطنة فهذا اخص من موضوعها في أصل اللغة وسواء كان المقصود أمرا جائزا أو محرما أو خص من هذا استعمالها في التوصل إلى الغرض الممنوع منه شرعا أو عقلا أو عادة فهذا هو الغالب عليها في عرف الناس فإنهم يقولون فلان من ارباب الحيل ولا تعاملوه فإنه متحيل وفلان يعلم الناس الحيل وهذا من استعمال المطلق في بعض أنواعه كالدابة والحيوان وغيرهما.

تقسيم الحيلة إلى الأحكام الخمسة

وإذا قسمت باعتبارها لغة انقسمت إلى الاحكام الخمسة فإن مباشرة الأسباب الواجبة حيلة على الحصول مسبباتها فالأكل والشرب واللبس والسفر الواجب حيلة على المقصود منه والعقود الشرعية واجبها ومستحبها ومباحها كلها حيلة على حصول المعقود عليه والأسباب المحرمة كلها حيلة على حصول مقاصدها منها وليس كلامنا في الحيلة بهذا الاعتبار العام الذي هو مورد التقسيم إلى مباح ومحظور فالحيلة جنس تحته التوصل إلى فعل الواجب وترك المحرم وتخليص الحق ونصر المظلوم وقهر الظالم وعقوبة المعتدي وتحته التوصل إلى استحلال المحرم وإبطال الحقوق وإسقاط الواجبات ولما قال: النبي ﷺ لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل غلب استعمال الحيل في عرف الفقهاء على النوع المذموم وكما يذم الناس ارباب الحيل فهم يذمون أيضا العاجز الذي لا حيلة عنده لعجزه وجهله بطرق تحصيل مصالحه فالأول ماكر مخادع والثاني عاجر مفرط والممدوح غيرهما وهو من له خبرة بطرق الخير والشر خفيها وظاهرها فيحسن التوصل إلى مقاصده المحمودة التي يحبها الله ورسوله بأنواع الحيل ويعرف طرق الشر الظاهرة والخفية التي يتوصل بها إلى خداعه والمكر به فيحترز منها ولا يفعلها ولا يدل عليها وهذه كانت حال سادت الصحابة رضي الله عنهم فإنهم كانوا ابر الناس قلوبا واعلم الخلق بطرق الشر ووجوه الخداع واتقى لله من ان يرتكبوا منها شيئا أو يدخلوه في الدين كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "لست بخب ولا يخدعني الخب" وكان حذيفة اعلم الناس بالشر والفتن وكان الناس يسألون ﷺ عن الخير وكان هو يسأله عن الشر والقلب السليم ليس هو الجاهل بالشر الذي لا يعرفه بل الذي يعرفه ولا يريده بل يريد الخير والبر والنبي ﷺ قد سمى الحرب خدعة ولا ريب في انقسام الخداع إلى ما يحبه الله ورسوله والى ما يبغضه وينهى عنه وكذلك المكر ينقسم إلى قسمين محمود ومذموم فالحيلة والمكر والخديعة تنقسم إلى محمود ومذموم فالحيل المحرمة منها ما هو كفر ومنها ما هو كبيرة ومنها ما هو صغيرة وغير المحرمة منها ما هو مكروه ومنها ما هو جائز ومنها ما هو مستحب ومنها ما هو واجب فالحيلة بالردة على الفسخ النكاح كفر ثم انها لا تتأتى الا على قول من يقول بتعجيل الفسخ بالردة فأما من وقفه على انقضاء العده فإنها لا يتم لها غرضها حتى تنقضى عدتها فإنها متى علم بردتها قتلت إلا على قول من يقول لا تقتل المرتدة بل يحبسها حتى تسلم أو تموت وكذلك التحيل بالردة على حرمان الوارث كفر والإفتاء بها كفر ولا تتم إلا على قول من يرى ان مال المرتد لبيت المال فأما على القول الراجح انه لورثته من المسلمين فلا تتم الحيلة وهذا القول هو الصواب فان ارتداده اعظم من مرض الموت المخوف وهو في هذه الحال قد تعلق حق الورثة بماله فليس له ان يسقط هذا التعلق بتبرع فهكذا المرتد بردته تعلق حق الورثة بماله إذ صار مستحقا للقتل.

فصل الحيلة التي تعد من الكبائر

وأما الحيل التي هي من الكبائر فمثل قتل امرأته إذا قتل حماته وله من امرأته ولد والصواب ان هذه الحيلة لا تسقط عنه القود وقولهم إنه ورث ابنه بعض دم أبيه فسقط عنه القود ممنوع فان القود وجب عليه أولا بقتل أم المرأة وكان لها ان تستوفيه ولها أن تسقطه فلما قتلها قام وليها في هذه الحال مقامها بالنسبة إليها وبالنسبة إلى امها ولو كان ابن القاتل فإنه لم يدل كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا ميزان عادل على أن الولد لا يستوفي القصاص من والده لغيره وغاية ما يدل عليه الحديث انه لا يقاد الوالد بولده على ما فيه من الضعف وفي حكمه من النزاع ولم يدل على أنه لا يقاد بالأجنبي إذا كان الولد هو مستحق القود والفرق بينهما ظاهر فإنه في مسألة المنع قد أقيد بابنه وفي هذه الصورة إنما أقيد بالأجنبي وكيف تأتي شريعة أو سياسة عأدلة بوجوب القود على من قتل نفسا بغير حق فإن عاد فقتل نفسا أخرى بغير حق وتضاعف إثمه وجرمه سقط عنه القود بل لو قيل: بتحتم قتله ولا بد إذا قصد هذا لكان أقرب إلى العقول والقياس.

فصل الحيلة المحرمة

ومن الحيل المحرمة التي يكفر من أفتى بها تمكين المرأة ابن زوجها من نفسها لينفسخ نكاحها حيث صارت موطوءة ابنه وكذا بالعكس أو وطئه حماته لينفسخ نكاح امرأته مع ان هذه الحيلة لا تتمشى إلا على قول من يرى أن حرمة المصاهرة تثبت بالزنا كما تثبت بالنكاح كما يقوله أبو حنيفة وأحمد في المشهور من مذهبه والقول الراجح ان ذلك لا يحرم كما هو قول الشافعي وإحدى الروايتين عن مالك فإن التحريم بذلك موقوف على الدليل ولا دليل من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس صحيح وقياس السفاح على النكاح في ذلك لا يصح لما بينهما من الفروق والله تعالى جعل الصهر قسيم النسب وجعل ذلك من نعمة التي امتن بها على عباده فكلاهما من نعمه وإحسانه فلا يكون الصهر من آثار الحرام وموجباته كما لا يكون النسب من آثاره بل إذا كان النسب الذي هو أصل لا يحصل بوطء الحرام فالصهر الذي هو فرع عليه ومشبه به أولى ألا يحصل بوطء الحرام وأيضا فإنه لو ثبت تحريم المصاهرة لا تثبت المحرمية التي هي من أحكامه فإذا لم تثبت المحرمية لم تثبت الحرمة وأيضا فإن الله تعالى إنما قال: وحلائل ابنائكم ومن زنا بها الابن لا تسمى حليلة لغة ولا شرعا ولا عرفا وكذلك قوله ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنما المراد به النكاح الذي هو ضد السفاح ولم يأت في القرآن النكاح المراد به الزنا قط ولا الوطء المجرد عن عقد.

وقد تناظر الشافعي هو وبعض العراقيين في هذه المسألة ونحن نذكر مناظرته بلفظها.

مناظرة بين الشافعي ومن يرى حرمة المصاهرة بالزنا

قال الشافعي: الزنا لا يحرم الحلال وقال به ابن عباس قال الشافعي: "لان الحرام ضد الحلال ولا يقاس شيء على ضده" فقال لي قائل: ما تقول لو قبلت امرأة الرجل ابنه بشهوة حرمت على زوجها أبدا فقلت: لم قلت ذا والله تعالى إنما حرم أمهات نسائكم ونحو هذا بالنكاح فلم يجز أن يقاس الحرام بالحلال فقال: أجد جماعا وجماعا قلت جماعا حمدت به وأحصنت وجماعا رجمت به أحدهما نقمة والآخر نعمة وجعله الله نسبا وصهرا وأوجب به حقوقا وجعلك محرما لام امرأتك وابنتها تسافر بهما وجعل على الزنا نقمة في الدينا بالحد وفي الآخرة بالنار إلا أن يعفو الله فتقيس الحرام الذي هو نقمة على الحلال الذي هو نعمة وقلت له فلو قال لك وجدت المطلقة ثلاثا تحل بجماع زوج وإصابة فاحلها بالزنا لأنه جماع كجماع قال: إذا اخطيء لأن الله تعالى أحلها بنكاح زوج قلت وكذلك ما حرم الله في كتابه بنكاح زوج واصابة زوج قال: أفيكون شيء يحرمه الحلال ولا يحرمه الحرام أقول به قلت نعم ينكح أربعا فيحرم عليه ان ينكح من النساء خامسة أفيحرم عليه إذا زنا بأربع شيء من النساء قال: لا يمنعه الحرام مما يمنعه الحلال قال: فقد ترتد فتحرم على زوجها قلت نعم وعلى جميع الخلق وأقتلها وأجعل ما لها فيئا قال: فقد نجد الحرام يحرم الحلال قلت أما في مثل ما اختلفنا فيه من أمر النساء فلا. انتهى.

ومما يدل على صحة هذا القول ان احكام النكاح التي رتبها الله تعالى عليه من العدة والاحداد والميراث والحل والحرمة ولحوق النسب ووجوب النفقة والمهر وصحة الخلع والطلاق والظهار والايلاء والقصر على أربع ووجوب القسم والعدل بين الزوجات وملك الرجعة وثبوت الاحصان والاحلال للزوج الأول وغير ذلك من الاحكام لا يتعلق شيء منها بالزنا وان اختلف في العدة والمهر والصواب انه لا مهر لبغى كما دلت عليه سنة رسول الله ﷺ وكما فطر الله عقول الناس على استقباحه فكيف يثبت تحريم المصاهرة من بين هذه الاحكام والمقصود أن هذه الحيلة باطلة شرعا كما هي محرمة في الدين.

إبطال حيلة لإسقاط الحد في السرقة

وكذلك الحيلة على إسقاط حد السرقة بقول السارق هذا ملكي وهذه داري وصاحبها عبدي من الحيل التي هي إلى المضحكة والسخرية والاستهزاء بها أقرب منها إلى الشرع ونحن نقول معاذ الله ان يجعل في فطر الناس وعقولهم قبول مثل هذا الهذيان البارد المناقض للعقول والمصالح فضلا عن أن يشرع لهم قبوله وكيف يظن بالله وشرعه ظن السوء انه شرع رد الحق بالباطل الذي يقطع كل أحد ببطلانه وبالبهتان الذي يجزم كل حاضر ببهتانه ومتى كان البهتان والوقاحة والمجاهرة بالزور والكذب مقبولا في دين من الاديان أو شريعة من الشرائع أو سياسة أحد من الناس ومن له مسكة من عقل وان بلى بالسرقة فإنه لا يرضى لنفسه بدعوى هذا البهت والزور ويالله وياللعقول ايعجز سارق قط عن التكلم بهذا البهتان ويتخلص من قطع اليد فما معنى شرع قطع يد السارق ثم إسقاطه بهذا الزور والبهتان.

إبطال حيلة لإسقاط اليمين عن الغاصب

وكذلك إذا غصب شيئا فادعاه المغصوب منه فأنكر فطلب تحليفه.

قالوا: فالحيلة في إسقاط اليمين عنه أن يقر به لولده الصغير فيسقط عنه اليمين ويفوز بالمغصوب وهذه حيلة باطلة في الشرع كما هي محرمة في الدين بل المقر له إن كان كبيرا صارهو الخصم في ذلك وتوجهت عليه اليمين وإن كان صغيرا توجهت اليمين على المدعي عليه فإن نكل قضى به للمدعي وغرم قيمته لمن أقر له به لأنه بنكوله قد فوته عليه.

إبطال حيلة لإسقاط القصاص

وكذلك إذا جرح رجلا فخشى أن يموت من الجرح فدفع عليه دواء مسموما فقتله.

قال أرباب الحيل: يسقط عنه القصاص وهذا خطأ عظيم بل يجب عليه القصاص بقتله بالسم كما يجب عليه بقتله بالسيف ولو أسقط الشارع القتل عمن قتل بالسم لما عجز قاتل عن قتل من يريد قتله به آمنا إذ قد علم أنه لا يجب عليه القود وفي هذا من فساد العالم مالا تأتى به شريعة.

إبطال حيلة لإخراج الزوجة من الميراث

وكذلك إذا أراد إخراج زوجته من الميراث في مرضه وخاف ان الحاكم يورث المبتوتة قالوا: فالحيلة ان يقر انه كان طلقها ثلاثا وهذه حيلة محرمة باطلة لا يحل تعليمها ويفسق من علمها المريض ويستحق عقوبة الله ومع ذلك فلا تنفذ فإنه كما هو متهم بطلاقها فهو متهم بالإقرار بتقدم الطلاق على المرض وإذا كان الطلاق لا يمنع الميراث للتهمة فالإقرار لا يمنعه للتهمة ولا فرق بينهما فالحيلة باطلة محرمة.

إبطال حيلة لإسقاط الزكاة

وكذلك إذا كان في يده نصاب فباعه أو وهبه قبل الحول ثم استرده قال: ارباب الحيل تسقط عنه الزكاة بل لو ادعى ذلك لم يأخذ العامل زكاته وهذه حيلة محرمة باطلة ولا يسقط ذلك عنه فرض الله الذي فرضه وأوعد بالعقوبة الشديدة من ضيعه واهله فلو جاز إبطاله بالحيلة التي هي مكر وخداع لم يكن في إيجابه والوعيد على تركه فائدة.

وقد استقرت سنة الله في خلقه شرعا وقدرا على معاقبة العبد بنقيض قصده كما حرم القاتل الميراث وورث المطلقة في مرض الموت وكذلك الفار من الزكاة لايسقطها عنه فراره ولا يعان على قصده الباطل فيتم مقصود ويسقط مقصود الرب تعالى وكذلك عامة الحيل إنما يساعد فيها المتحيل على بلوغ غرضه ويبطل غرض الشارع.

إبطال حيلتين لإسقاط الكفارة

وكذلك المجامع في نهار رمضان إذا تغدى أو شرب الخمر أولا ثم جامع قالوا: لا تجب عليه الكفارة وهذا ليس بصحيح فإن إضمامه إلى إثم الجماع إثم الاكل والشرب لا يناسب التخفيف عنه بل يناسب تغليظ الكفارة عليه ولو كان هذا يسقط الكفارة لم تجب كفارة على واطيء اهتدى لجرعة ماء أو ابتلاع لبابة أو أكل زبيبة فسبحان الله هل أوجب الشارع الكفارة لكون الوطء لم يتقدمه مفطر قبله أو للجناية على زمن الصوم الذي لم يجعله الله محلا للوطء أفترى بالأكل والشرب قبله صار الزمان محلا للوطء فانقلبت كراهة الشارع له محبة ومنعه إذنا هذا من المحال وأفسد من هذا قولهم الحيلة في إسقاط الكفارة أن ينوي قبل الجماع قطع الصوم فإذا أتى بهذه النية فليجامع آمنا من وجوب الكفارة ولازم هذا القول الباطل انه لا تجب كفارة على مجامع أبدا وإبطال هذه الشريعة رأسا فإن المجامع لا بد ان يعزم على الجماع قبل فعله وإذا عزم على الجماع فقد تضمنت نيته قطع الصوم فأفطر قبل الفعل بالنية الجازمة للإفطار فصادفه الجماع وهو مفطر بنية الإفطار السابقة على الفعل فلم يفطر به فلا تجب الكفارة فتأمل كيف تضمن الحيل المحرمة مناقضة الدين وإبطال الشرائع.

إبطال حيلة لإسقاط وجوب القضاء في الحج

وكذلك قالوا: لو ان محرما خاف الفوت وخشى القضاء من قابل فالحيلة في إسقاط القضاء أن يكفر بالله ورسوله في حال إحرامه فيبطل إحرامه فإذا عاد إلى الإسلام لم يلزمه القضاء من قابل بناء على أن المرتد كالكافر الأصلي فقد أسلم إسلاما مستأنفا لا يجب عليه فيه قضاء ما مضى ومن له مسكة من علم ودين يعلم ان هذه الحيلة مناقضة لدين الإسلام أشد مناقضة فهو في شق والإسلام في شق.

إبطال حيلة في إسقاط الحق

وكذلك لو وكل رجلا في استيفاء حقه فرفعه إلى الحاكم فأراد أن يحلفه بالطلاق أنه لا حق لوكيله قبله فالحيلة في حلفه صادقا ان يحضر الموكل إلى منزله ويدفع إليه حقه ثم يغلق عليه الباب ويمضي مع الوكيل فإذا حلف أنه لا حق لوكيله قبله حلف صادقا فإذا رجع إلى البيت فشأنه وشأن صاحب الحق.

وهذه شر من حيلة اليهود أصحاب الحيتان وهذه وأمثالها انما هي من حيل اللصوص وقطاع الطريق فما لدين الله ورسوله وإدخالها فيه ولا يجدي عليه هذا الفعل في بره باليمين شيئا بل هو حانث كل الحنث إذ لم يتمكن صاحب الحق من الظفر بحقه فهو في ذمة الحالف كما هو وإنما يبرأ منه إذا تمكن صاحبه من قبضه وعد نفسه مستوفيا لحقه.

إبطال بعض الحيل لإسقاط الزكاة

وكذلك لو كان له عروض للتجارة فأراد أن يسقط زكاتها قالوا: فالحيلة ان ينوي بها القنية في آخر الحول يوما أو أقل ثم ينقض هذه النية ويعيدها للتجارة فيستأنف بها حولا ثم يفعل هكذا في آخر كل حول فلا تجب عليه زكاتها أبدا.

فيالله العجب أيروج هذا الخداع والمكر والتلبيس على احكم الحاكمين الذي يعلم خائنة الاعين وما تخفي الصدور ثم إن هذه الحيلة كما هي مخادعة لله ومكر بدين الإسلام فهي باطلة في نفسها فإنها إنما تصير للقنية إذا لم يكن من نيته إعادتها للتجارة فأما وهو يعلم أنه لا يقتنيها ألبتة ولا له حاجة باقتنائها وإنما أعدها للتجارة فكيف تتصور منه النية الجازمة للقنية وهو يعلم قطعا أنه لا يقتنيهما ولا يريد اقتناءها وإنما هو مجرد حديث النفس أو خاطر أجراه على قلبه بمنزلة من يقول بلسانه أعددتها للقنية وليس ذلك في قلبه أفلا يستحي من الله من يسقط فرائضه بهذا الهوس وحديث النفس؟

وأعجب من هذا انه لو كان عنده عين من الذهب والفضة فأراد إسقاط زكاتها في جميع عمره فالحيلة أن يدفعها إلى محتال مثله أو غيره في آخر الحول ويأخذ منه نظيرها فيستأنف له الحول ثم في آخره يعود فيستبدل بها مثلها فإذا هو فعل مثل ذلك لم تجب عليه زكاته ما عاش وأعظم من هذه البلية إضافة هذا المكر والخداع إلى الرسول وان هذا من الدين الذي جاء به.

ومثل هذا وأمثاله منع كثيرا من أهل الكتاب من الدخول في الإسلام وقالوا كيف يأتي رسول الله بمثل هذه الحيل وأساءوا ظنهم به وبدينه وتواصوا بالتمسك بما هم عليه وظنوا ان هذا هو الشرع الذي جاء به وقالوا كيف تأتى بهذا شريعة أو تقوم به مصلحة أو يكون من عند الله ولو ان ملكا من الملوك ساس رعيته بهذه السياسة لقدح ذلك في ملكه قالوا: وكيف يشرع الحكيم الشيء لما في شرعه من المصلحة ويحرم لما في فعله من المفسدة ثم يبيح إبطال ذلك بأدنى حيلة تكون وترى الواحد منهم إذا ناظره المسلم في صحة دين الإسلام إنما يحتج عليه بهذه الحيل كما هو في كتبهم وكما نسمعه من لفظهم عند المناظرة فالله المستعان.

وكذلك قالوا: لو كان له نصاب من السأئمة فأراد إسقاط زكاتها فالحيلة في ذلك أن يعلفها يوما واحدا ثم تعود إلى السوم وكذلك يفعل في كل حول وهذه حيلة باطلة لا تسقط عنه وجوب الزكاة بل وكذلك كل حيلة يتحيل بها على إسقاط فرض من فرائض الله أو حق من حقوق عباده لا يزيد ذلك الفرض إلا تأكيدا وذلك الحق إلا إثباتا.

إبطال حيلة لإبطال الشهادة

وكذلك قالوا: إذا علم أن شاهدين يشهدان عليه فأراد أن يبطل شهادتها فليخاصمهما قبل الرفع إلى الحاكم وهذه الحيلة حسنة إذا كانا يشهدان عليه بالباطل فإذا علم أنهما يشهدان بحق لم تحل له مخاصمتهما ولا تسقط هذه المخاصمة شهادتهما.

إبطال حيلة لضمان البساتين

وكذلك قالوا: لا يجوز ضمان البساتين والحيلة على ذلك ان يؤجره الأرض ويساقيه على الثمر من كل ألف جزء على جزء وهذه الحيلة لا تتم إذا كان البستان وقفا وهو ناظره أو كان ليتيم فإن هذه المحاباة في المسقاة تقدح في نظره ووصيته.

فإن قيل: إنها تغتفر لأجل العقد الآخر وما فيه من محاباة المستأجر له فهذا لا يجوز له أن يحابى في المساقاة لما حصل للوقف واليتيم من محاباة أخرى وهو نظير ان يبيع له سلعة بربح ثم يشترى له سلعة بخسارة توازن ذلك الربح هذا إذا لم يبن أحد العقدين على الآخر فإن بنى عليه كانا عقدين في عقد وكانا بمنزلة سلف وبيع وشرطين في بيع وإن شرط أحد العقدين في الآخر فسدا مع ان هذه الحيلة لا تتم إلا على أصل من لم ير جواز المساقاة أو من حصها بالتحيل وحده ثم فيها مفسدة أخرى وهي أن المساقاة عقد جائز فمتى أراد أحدهما فسخها فسخها وتضرر الآخر ومفسدة ثانية وهي انه يجب عليه تسليم هذا الجزء من ألف جزء من جميع ثمرة البستان من كل نوع من أنواعه وقد يتعذر عليه ذلك أو يتعسر إما بأن يأكل الثمرة أو يهديها كلها أو يبيعها على أصولها فلا يمكنه تسليم ذلك الجزء وهكذا يقع سواء ثم قد يكون ذلك الجزء من الالف يسيرا جدا فلا يطالب به عادة فيبقى في ذمته لليتيم وجهه الوقف إلى غير ذلك من المفاسد التي في هذه الحيلة وأصحاب رسول الله ﷺ كانوا أفقه من ذلك وأعمق علما وأقل تكلفا وأبر قلوبا فكانوا يرون ضمان الحدائق بدون هذه الحيلة كما فعله عمر بن الخطاب رضي الله عنه بحديقة أسيد بن حضير ووافقه عليه جميع الصحابة فلم ينكره منهم رجل واحد وضمان البساتين كما هو إجماع الصحابة فهو مقتضى القياس الصحيح كما تضمن الأرض لمغل الزرع فكذلك تضمن الشجر لمغل الثمر ولا فرق بينهما ألبتة إذ الأصل هنا كالأرض هناك والمغل يحصل بخدعة المستأجر والقيام على الشجر كما يحصل بخدمته والقيام على الأرض ولو استأجر أرضا ليحرثها ويسقيها ويستغل ما ينبته الله تعالى فيها من غير بذر منه كان بمنزلة استئجار الشجر من كل وجه لا فرق بينهما ألبتة فهذا من هذه الحيلة وأبعد من الفساد وأصلح للناس واوفق للقياس وهو أختيار أبي الوفاء ابن عقيل وشيخ الإسلام ابن تيمية رضي الله عنهما وهو الصواب.

فصل الحيلة السريجية لسد باب الطلاق

ومن هذا الباب الحيلة السريجية التي حدثت في الإسلام بعد المائة الثالثة وهي تمنع الرجل من القدرة على الطلاق ألبتة بل تسد عليه باب الطلاق بكل وجه فلا يبقى له سبيل إلى التخلص منها ولا يمكنه مخالعتها عند من يجعل الخلع طلاقا وهي نظير سد الإنسان على نفسه باب النكاح بقوله كل امرأة أتزوجها فهى طالق فهذا لو صح تعليقه لم يمكنه في الإسلام ان يتزوج امرأة ما عاش وذلك لو صح شرعه لم يمكنه أن يطلق امرأة أبدا.

وصورة هذه الحيلة ان يقول كلما طلقتك أو كلما وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبله ثلاثا قالوا: فلا يتصور وقوع الطلاق بعد ذلك إذ لو وقع لزم وقوع ما علق به وهو الثلاث فإذا وقعت الثلاث امتنع وقوع هذا المنجز فوقوعه يفضي إلى عدم وقوعه وما أفضى وجوده إلى عدم وجوده لم يوجد هذا اختيار ابى العباس ابن سريج ووافقه عليه جماعة من أصحاب الشافعي وأبى ذلك جمهور الفقهاء من المالكية والحنفية والحنبلية وكثير من الشافعية ثم اختلفوا في وجه إبطال هذا التعليق فقال الأكثرون هذا التعليق لغو وباطل من القول فإنه يتضمن المحال وهو وقوع طلقة مسبوقة بثلاث وهذا محال فما تضمنه فهو باطل من القول فهو بمنزلة قوله إذا وقع عليك طلاقي لم يقع وإذا طلقتك لم يقع عليك طلاقي ونحو هذا من الكلام الباطل بل قوله إذا وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبله ثلاثا أدخل في الاحالة والتناقض فإنه في الكلام الأول جعل وقوع الطلاق مانعا ومن وقوعه مع قيام الطلاق وهنا جعل وقوعه مانعا ومن وقوعه مع زيادة محال عقلا وعادة فالمتكلم به يتكلم بالمحال قاصدا للمحال فوجود هذا التعليق وعدمه سواء فإذا طلقها بعد ذلك نفذ طلاقها ولم يمنع منه مانع وهذا اختيار أبي الوفاء بن عقيل وغيره من أصحاب أحمد وأبي العباس بن القاص من أصحاب الشافعي وقالت فرقة أخرى بل المحال إنما جاء من تعليق الثلاث على المنجز وهذا محال ان يقع المنجز ويقع جميع ما علق به فالصواب ان يقع المنجز ويقع جميع ما علق به أو تمام الثلاث من المعلق وهذا اختيار القاضي وأبي بكر وبعض الشافعية ومذهب أبي حنيفة والذين منعوا وقوع الطلاق جملة قالوا: هو ظاهر كلام الشافعي فهذا تلخيص الأقوال في هذا التعليق.

قال المصححون للتعليق صدر من هذا الزوج طلاقان منجز ومعلق والمحل قابل وهو ممن يملك التنجيز والتعليق والجمع بينهما ممتنع ولامزية لأحدهما على الآخر فتمانعا وتساقطا وبقيت الزوجية بحالها وصار كما لو تزوج اختين في عقد واحد فإنه يبطل نكاحهما لهذا الدليل بعينه وكذلك إذا أعتق امته في مرض موته وزوجها عبده ولم يدخل بها وقيمتها مائة ومهرها مائة وباقي التركة مائة لم يثبت لها الخيار لأن إثبات الخيار يقتضي سقوط المهر وسقوط المهر يقتضي نفي الخيار والجمع بينهما لا يمكن وليس أحدهما أولى من الآخر لأن طريق ثبوتهما الشرع فأبقينا النكاح ورفضنا الخيار ولم يسقط المهر وكل ما افضى وقوعه إلى عدم وقوعه فهذه سبيله.

ومثاله في الحس إذا تشاح اثنان في دخول دار وهما سواء في القوة وليس لأحدهما على الآخر مزية توجب تقديمه فإنهما يتمانعان فلا يدخل واحد منهما وهذا مشتق من دليل التمانع على التوحيد وهو ان يستحيل أن يكون للعالم فاعلان مستقلان بالفعل فإن استقلال كل منهما ينفى استقلال الآخر فاستقلالهما يمنع استقلالهما ووزانه في هذه المسألة ان وقوعهما يمنع وقوعهما.

قالوا: وغاية ما في هذا الباب استلزام هذا التعليق لدور حكمى يمنع وقوع المعلق والمنجز ونحن نريكم من مسائل الدور التي يفضى وقوعها إلى عدم وقوعها كثيرا ومنها ما ذكرناه ومنها ما لو وجد من أحدهما ريح وشك كل واحد منهما هل هي منه أو من صاحبه لم يجز اقتداء أحدهما بالآخر لأن اقتداءه به يبطل اقتداءه وكذلك لو كان معهما إناءان أحدهما نجس فأدى اجتهاد كل منهما إلى إناء لم تجز القدوة بينهما لأنها تفضى إلى إبطال القدرة وكذلك إذا اجتهد في الثوبين والمكانين ومنها لو زوج عبده حرة وضمن السيد مهرها ثم باعه لزوجه قبل الدخول بها فالبيع باطل لأن صحته تؤدي إلى فساده إذ لو صح لبطل النكاح لأنها إذا ملكت زوجها بطل نكاحها وإذا بطل سقط مهرها لأن الفرقة من جهتها وإذا سقط مهرها وهو الثمن بطل البيع والعتق ألبتة بل إما أن يصح البيع ولا يقع العتق إذ لو وقع العتق لبطل البيع وإذا بطل بطل العتق فوقوعه يؤدي إلى عدم وقوعه وهذا قول المزني وقال ابن سريج لا يصح بيعه لأنه لو صح لوقع العتق قبله ووقوع العتق قبله يمنع صحة البيع فصحة البيع تمنع صحته وكذلك لو قال له: "إذا رهنتك فأنت حر قبله بساعة وكذلك لو قال: لعبيده ولا مال له سواهم وقد أفلس إن حجر الحاكم على فانتم أحرار قبل الحجر بيوم لم يصح الحجر لأن صحته تمنع صحته ومثاله لو قال: لعبده متى صالحت عليك فأنت حر قبل الصلح ومثله لو قال: لامرأته إن صالحت فلانا وانت امرأتي فأنت طالق قبله بساعة لم يصح الصلح لأن صحته تمنع صحته ومثل لو قال: لعبده متى ضمنت عنك صداق امرأتك فأنت حر قبله إن كنت في حال الضمان مملوكي ثم ضمن عنه الصداق لم يصح لأنه لو صح لعتق قبله وإذا عتق قبله لم يصادف الضمان شرطه وهو كونه مملوكه وقت الضمان وكذلك لا يقع العتق لأن وقوعه يؤدي إلى ان لا يصح الضمان عنه وإذا لم يصح الضمان عنه لم يصح العتق فكل من الضمان والعتق تؤدي صحته إلى بطلانه فلا يصح واحد منهما ومثله ما لو قال: إن شاركني في هذا العبد شريك فهو حر قبله بساعة لم تصح الشركة فيه بعد ذلك لأنها لو ضحت لعتق العبد وبطلت الشركة فصحتها تفضى إلى بطلانها ومثله لو قال: إن وكلت إنسانا ببيع هذا العبد أو رهنه أو هبته وكالة صحيحة فهو قبله بساعة حر لم تصح الوكالة لأن صحتها تؤدي إلى بطلانها ومثله ما لو قال: لامرأته إن وكلت وكيلا في طلاقك فأنت طالق قبله أو معه ثلاثا لم يصح توكيله في طلاقها إذ لو صحت الوكالة لطلقت في حال الوكالة أو قبلها فتبطل الوكالة فصحتها تؤدي إلى بطلانها وكذلك لو خلف الميت ابنا فاقر بابن آخر للميت فقال المقربه أنا ابنه وأما أنت فلست بابنه لم يقبل إنكار المقربه لأن قبول قوله يبطل قوله ومن هنا قال: الشافعي لو ترك أخا لأب وأم فأقر الأخ بابن للميت ثبت نسبه ولم يرث لأنه لو ورث لخرج المقر عن أن يكون وارثا وإذا لم يكن وارثا لم يقبل إقراره بوارث آخر فتوريث الابن يفضى إلى عدم توريثه ونازعه الجمهور في ذلك وقالوا إذا ثبت نسبه ترتب عليه أحكام النسب ومنها الميراث ولا يفضي توريثه إلى عدم توريثه لأنه بمجرد الإقرار يثبت النسب ويترتب عليه الميراث والاخ كان وارثا في الظاهر فحين أقر كان هو كل الورثة وإنما خرج عن الميراث بعد الإقرار وثبوت النسب فلم يكن توريث الابن مبطلا لكون المقر وارثا حين الإقرار وان بطل كونه وارثا بعد الإقرار وثبوت النسب وأيضا فالميراث تابع لثبوت النسب والتابع اضعف من المتبوع فإذا ثبت المتبوع الأقوى فالتابع أولى ألا ترى ان النساء تقبل شهادتهن منفردات في الولادة ثم في النسب ونظائر ذلك كثيرة.

ومن المسائل التي يفضي ثبوتها إلى إبطالها لو أعتقت المرأة في مرضها عبدا فتزوجها وقيمته تخرج من الثلث صح النكاح ولا ميراث له إذ لو ورثها لبطل تبرعها له بالعتق لأنه يكون تبرعا لوارث وإذا بطل العتق بطل النكاح وإذا بطل بطل الميراث وكان توريثه يؤدي إلى إبطال توريثه وهذا على أصل الشافعي وأما على قول الجمهور فلا يبطل ميراثه ولا عتقه ولا نكاحه لأنه حين العتق لم يكن وارثا فالتبرع نزل في غير وارث والعتق المنجز يتنجز من حينه ثم صار وارثا بعد ثبوت عتقه وذلك لا يضره شيئا.

ومن ذلك لو أوصى له بابنه فمات قبل قبول الوصية وخلف إخوة لابيه فقبلوا الوصية عتق على الموصى له ولم يصح ميراثه منه إذ لو ورث لأسقط ميراث الاخوة وإذا سقط ميراثهم بطل قبولهم للوصية فيبطل عتقه لأنه مرتب على القبول وكان توريثه مفضيا إلى عدم توريثه.

والصواب قول الجمهور أنه يرث ولا دور لأن العتق حصل حال القبول وهم ورثة ثم ترتب على العتق تابعه وهو الميراث وذلك بعد القبول فلم يكن الميراث مع القبول ليلزم الدور وإنما ترتب على القبول العتق وعلى العتق الميراث فهو مترتب عليه بدرجتين.

ومن المسائل التي يفضى ثبوتها إلى بطلانها لو زوج عبده امرأة وجعل رقبته صداقها لم يصح إذا لو صح لملكته وانفسخ النكاح ومنها لو قال: لأمته متى أكرهتك فأنت حرة حال النكاح أو قبله فأكرهها على النكاح لم يصح إذ لو صح النكاح عتقت ولو عتقت بطل إكراهها فيبطل نكاحها ومنها لو قال: لامرأته قبل الدخول متى استقر مهرك على فأنت طالق قبله ثلاثا ثم وطئها لم يستقر مهرها بالوطء لأنه لو استقر لبطل النكاح قبله ولو بطل النكاح قبله لكان المستقر نصف المهر لاجميعه فاستقراره يؤدي إلى بطلان استقراره هذا على قول ابن سريج وأما على قول المزني فإنه يستقر المهر بالوطء ولا يقع الطلاق لأنه معلق على صفة تقتضي حكما مستحيلا.

فصل المجيزون للحيل يؤيدون رأيهم

ومن المسائل التي يؤدي ثبوتها إلى نفيها لو قال: لامرأته إن لم أطلقك اليوم فأنت طالق اليوم ومضى اليوم ولم يطلقها لم تطلق إذ لو طلقت بمضي اليوم لكان طلاقها مستندا إلى وجود الصفة وهي عدم طلاقها اليوم وإذا مضى اليوم ولم يطلقها لم يقع الطلاق المعلق باليوم.

ومنها لو تزوج أمة ثم قال: لها إن مات مولاك وورثتك فأنت طالق أو قال: إن ملكتك فأنت طالق ثم ورثها أو ملكها بغير إرث لا يقع الطلاق إذ لو وقع لم تكن الزوجة في حال وقوعه ملكا له لاستحالة وقوع الطلاق في ملكه فكان وقوعه مفضيا إلى عدم وقوعه.

ومنها لو كان العبد بين موسرين فقال كل منهما لصاحبه متى اعتقت نصيبك فنصيبي حر قبل ذلك فأعتق أحدهما نصيبه لم ينفذ عتقه لأنه لو نفذ لوجب عتق نصيب صاحبه قبله وذلك يوجب السراية إلى نصيبه فلا يصادف إعتاقه محلا فنفوذ عتقه يؤدي إلى عدم نفوذه والصواب في هذه المسألة بطلان هذا التعليق لتضمنه المحال وأيهما عتق نصيبه صح وسرى إلى نصيب شريكه.

ومنها لو قال: لعبده إن دبرتك فأنت حر قبله ثم دبره صح التدبير ولم يقع العتق لأن وقوعه يمنع صحة التدبير وعدم صحته يمنع وقوع العتق وكانت صحته تفضى إلى بطلانه هذا على قول المزنى وعلى قول ابن سريج لايصح التدبير لأنه لو صح لوقع العتق قبله وذلك يمنع التدبير وكان وقوعه يمنع وقوعه.

ونظيره ان يقول لمدبره متى أبطلت تدبيرك فأنت حر قبله ثم أبطله بطل ولم يقع العتق على قول المزنى إذ لو وقع لم يصادف إبطال التدبير محلا وعلى قول ابن سريج لايصح إبطال التدبير لأنه لو صح إبطاله لوقع العتق ولو وقع العتق لم يصح إبطال التدبير ومثله لو قال: لمدبره إن بعتك فأنت حر قبله ومثله لو قال: لعبده إن كاتبتك غدا فأنت اليوم حر ثم كاتبه من الغد ومثله لو قال: لمكاتبه إن عجزت عن كتابتك فأنت حر قبله ومثله لو قال: متى زنيت أو سرقت أو وجب عليك حد وانت مملوك فأنت حر قبله ثم وجد الوصف وجب الحد ولم يقع العتق المعلق به إذ لو وقع لم توجد الصفة فلم يصح وكان مستلزما لعدم وقوعه ومثله ان يقول له متى جنيت جناية وانت مملوكي فأنت حر قبله ثم جنى لم يعتق ومثله ان يقول له متى بعتك وتم البيع فأنت حر قبله ثم باعه فعلى قول المزنى يصح البيع ولا يقع العتق لأن وقوعه يستلزم عدم وقوعه وعلى قول ابن سريج لايصح البيع لأنه يعتق قبله وعتقه يمنع صحة بيعه ومثله لو قال: لأمته إن صليت ركعتين مكشوفة الرأس فأنت حرة قبل ذلك فصلت مكشوفة الرأس فعلى قول المزنى تصح الصلاة دون العتق وعلى قول ابن سريج لا تصح الصلاة لأنها لو صحت عتقت قبل ذلك وإذا عتقت بطلت صلاتها.

وكانت صحة صلاتها مستلزمة لبطلانها ومنها لو زوج أمته بحر وادعى عليه مهرها قبل الدخول وادعى الزوج الاعسار وادعى سيد الأمة يساره قبل نكاحه الأمة بميراث أو غيره لم تسمع دعواه إذ لو ثبتت دعواه لبطل النكاح لأنه لا يصح نكاح الأمة مع وجود الطول وإذا بطل النكاح بطل دعوى المهر.

وكذلك لو تزوج بأمة فادعت ان الزوج عنين لم تسمع دعواها إذ لو ثبتت دعواها لزال خوف العنت الذي شرط في نكاح الأمة وذلك يبطل النكاح وبطلانه يوجب بطلان الدعوى منها فلما كانت صحة دعواها تؤدي إلى إفسادها أفسدناها.

وكذلك المرأة إذا ادعت على سيد زوجها أنه باعه إياها بمهرها قبل الدخول لم تصح دعواها لأنها لو صحت لسقط نصف المهر وبطل البيع في العبد.

وكذلك لو شهد شاهدان على عتق عبد فحكم بعتقه ثم ادعى العبد بعد الحكم بحريته على أحد الشاهدين انه مملوكه لم تسمع دعواه لأن تحقيقها يؤدي إلى بطلان الشهادة على العتق فتبطل دعوى ملكة للشاهد وكذلك لو سبى مراهق من أهل الحرب ولم يعلم بلوغه فأنكر البلوغ لم يستحلف لأن إحلافه يؤدي إلى إبطال استحلافه فإنا لو حلفناه لحكمنا بصغره والحكم بالصغر يمنع الاستحلاف.

ونظيره لو أدى على أم مراهق ما يوجب القصاص أو قذفا يوجب الحد أو مالا من مبايعة أو ضمان أو غير ذلك وادعى انه بالغ وانه يلزمه الحكم بذلك فأنكر الغلام ذلك فالقول قوله ولا يمين عليه إذ لو حلفناه لحكمنا بصغره والحكم بالصغر يسقط اليمين عنه وإذا لم يكن هنا يمين لم يكن رد يمين لأن رد اليمين إنما يكون عند نكول من هو من أهلها وكذلك لو أعتق المريض جارية له قيمتها مائة وتزوج بها في مرض موته ومهرها مائة وترك مائتي درهم فالنكاح صحيح ولا مهر لها ولا ميراث أما الميراث فلأنها لو ورثت لبطلت الوصية بعتقها لأن العتق في المرض وصية وفي بطلان الوصية بطلان الحرية وفيه بطلان الميراث واما سقوط المهر فلأنه لو ثبت لركب السيد دين ولم تخرج قيمتها من الثلث فيبطل عتقها كلها فلم يكن للزوج ان ينكحها وبعضها رقيق فيبطل المهر فكان ثبوت المهر مؤديا إلى بطلانه.

فالحكم بإبطالها مستفاد من قوله تعالى: {وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا} فعير تعالى من نقض شيئا بعد أن أثبته فدل على أن كل ما كان إثباته مؤديا إلى نفيه وإبطاله كان باطلا فهذا ما احتج به السريجيون.

الرد على السرجيين

قال الآخرون لقد أطلتم الخطب في هذه المسألة ولم تأتوا بطائل وقلتم ولكن تركتم مقالا لقائل وتأبى قواعد اللغة والشرع والعقل لهذة المسائل تصحيحا والميزان العادل لها عند الوزن ترجيحا وهيهات أن تكون شريعتنا في هذه المسألة مشابهة لشريعة أهل الكتاب إذ يستحيل وقوع الطلاق وتسد دونه الأبواب وهل هذا إلا تغيير لما علم بالضرورة من الشريعة وإلزام لها بالأقوال الشنيعة وهذا أشنع من سد باب النكاح بتصحيح تعليق الطلاق لكل من تزوجها في مدة عمره فإنه وإن كان نظير سد باب الطلاق لكن قد ذهب إليه بعض السلف وأما هذه المسألة فمهما حدث في الإسلام بعد انقراض الاعصار المفضلة.

ونحن نبين مناقضة هذه المسألة للشرع واللغة والعقل ثم نجيب عن شبهكم شبهة شبهة.

أما مناقضتها للشرع فإن الله تعالى شرع للأزواج إذا أرادوا استبدال زوج مكان زوج والتخلص من المرأة الطلاق وجعله بحكمته ثلاثا توسعة على الزوج إذ لعله يبدو له ويندم فيراجعها وهذا من تمام حكمته ورأفته ورحمته بهذه الأمة ولم يجعل انكحتهم كأنكحة النصارى تكون المرأة غلا في عنق الرجل إلى الموت ولا يخفى ما بين الشريعتين من التفاوت وان هذه المسألة منافية لإحداهما منافاة ظاهرة ومشتقة من الأخرى اشتقاقا ظاهرا ويكفى هذا الوجه وحده في إبطالها.

وأما مناقضتها للغة فإنها تضمنت كلاما ينقض بعضه بعضا ومضمونه إذا وجد الشيء لم يوجد وإذا وجد الشيء اليوم فهو موجود قبل اليوم وإذا فعلت الشيء اليوم فقد وقع منى قبل اليوم ونحو هذا من الكلام المتناقض في نفسه الذي هو إلى المحال أقرب منه إلى الصحيح من المقال.

وأما مناقضتها قضايا العقول فلأن الشرط يستحيل ان يتأخر وجوده عن وجود المشروط ويتقدم المشروط عليه في الوجود هذا ممالا يعقل عند أحد من العقلاء فإن رتبة الشرط التقدم أو المقارنة والفقهاء وسائر العقلاء معهم مجمعون على ذلك فلو صح تعليق المشروط بشرط متأخر بعده لكان ذلك إخراجا له عن كونه شرطا أو جزء شرط أو علة أو سببا فإن الحكم لا يسبق شرطه ولا سببه ولا علته إذ في ذلك إخراج الشروط والأسباب والعلل عن حقائقها وأحكامها ولو جاز تقديم الحكم على شرطه لجاز تقديم وقوع الطلاق على إيقاعه فإن الايقاع سبب والأسباب تتقدم مسبباتها كما أن الشروط رتبتها التقدم فإذا جاز إخراج هذا عن رتبته جاز إخراج الآخر عن رتبته فجوزوا حينئذ تقدم الطلاق على التطليق والعتق على الاعتاق والملك على البيع وحل المنكوحة على عقد النكاح وهل هذا في الشرعيات إلا بمنزلة تقدم الانكسار على الكسر والسيل على المطر والشبع على الاكل والولد على الوطء وأمثال ذلك ولا سيما على أصل من يجعل هذه العلل والأسباب علامات محضة ولا تأثير لها بل هي معرفات والمعرف يجوز تأخيره عن المعرف.

وبهذا يخرج الجواب عن قولكم إن الشروط الشرعية معرفات وأمارات وعلامات والعلامة يجوز تأخرها فإن هذا وهم وإيهام من وجهين.

الشروط وأحكامها

أحدهما: أن الفقهاء مجمعون على أن الشرائط الشرعية لا يجوز تأخرها عن المشروط ولو تأخرت لم تكن شروطا.

الثاني: أن هذا شرط لغوي كقوله إن كلمت زيدا فأنت طالق ونحو ذلك وإن خرجت بغير إذنى فأنت طالق ونحو ذلك والشروط اللغوية أسباب وعلل مقتضية لاحكامها اقتضاء المسببات لأسبابها ألا ترى أن قوله إن دخلت الدار فأنت طالق سبب ومؤثر وأثر ولهذا يقع جوابا عن العلة فإذا قال: لم أطلقها قال: لوجود الشرط الذي علقت عليه الطلاق فلولا أن وجوده مؤثر في الايقاع لما صح هذا الجواب ولهذا يصح ان يخرجه بصيغة القسم فيقول الطلاق يلزمني لا تدخلين الدار فيجعل إلزامه للطلاق في المستقبل مسببا عن دخولها الدار بالقسم والشرط وقد غلط في هذا طائفة من الناس حيث قسموا الشرط إلى شرعي ولغوي وعقلي ثم حكموا عليه بحكم شامل فقالوا الشرط يجب تقديمه على المشروط ولا يلزم من وجوده وجود المشروط ويلزم من انتفائه انتفاء المشروط كالطهارة للصلاة والحياة للعلم ثم أوردوا على نفسهم الشرط اللغوي فإنه يلزم من وجوده وجود المشروط ولا يلزم من انتفائه انتفاؤه لجواز وقوعه بسبب آخر ولم يجيبوا عن هذا الإيراد بطائل والتحقيق ان الشروط اللغوية أسباب عقلية والسبب إذا تم لزم من وجوده وجود مسببه وإذا انتفى لم يلزم نفى المسبب مطلقا لجواز خلف سبب اخر بل يلزم انتفاء السبب المعين عن هذا المسبب.

وأما قولكم إنه صدر من هذا الزوج طلاقان منجز ومعلق والمحل قابل لهما فجوابه بالمنع فإن الحل ليس بقابل فإنه يتضمن المحال والمحل لا يقبل المحال نعم هو قابل للمنجز وحده فلا مانع من وقوعه وكيف تصح دعواكم ان المحل قابل للمعلق ومنازعكم إنما نازعكم فيه وقال ليس المحل بقابل للمعلق فجعلتم نفس الدعوى مقدمة في الدليل.

وقولكم: إن الزوج ممن يملك التنجيز والتعليق جوابه إنما يملك التعليق الممكن فأما التعليق المستحيل فلم يملكه شرعا ولا عرفا ولا عادة وقولكم لا مزية لأحدهما على الاخر باطل بل المزية كل المزية لأحدهما على الآخر فإن المنجز له مزية الامكان في نفسه والمعلق له مزية الاستحالة والامتناع فلم يتمانعا ولم يتساقطا فلم يمنع من وقوع المنجز مانع وقولكم إنه نظير ما لو تزوج أختين في عقد جوابه أنه تنظير باطل فإنه ليس نكاح إحداهما شرطا في نكاح الأخرى بخلاف مسألتنا فإن المنجز شرط في وقوع المعلق وذلك عين المحال.

وقولكم إنه لا مزية لأحد الطلاقين على الآخر باطل بل للمنجز مزية من عدة وجوه أحدها قوة التنجيز على التعليق الثاني ان التنجيز لا خلاف في وقوع الطلاق به واما التعليق ففيه نزاع مشهور بين الفقهاء والموقعون لم يقيموا على المانعين حجة توجب المصير اليها مع تناقضهم فيما يقبل التعليق ومالا يقبله فمنازعوهم يقولون الطلاق لا يقبل كما قلتم أنتم في الإسقاط والوقف والنكاح والبيع ولم يفرق هؤلاء بفرق صحيح وليس الغرض ذكر تناقضهم بل الغرض ان للمنجز مزية على المعلق الثالث ان المشروط هو المقصود لذاته والشرط تابع ووسيلة الرابع أن المنجز لا مانع من وقوعه لأهلية الفاعل وقبول المحل والتعليق المحال لا يصلح أن يكون مانعا من اقتضاء السبب الصحيح أثره.

الخامس أن صحة التعليق فرع على ملك التنجيز فإذا انتفى ملكه للمنجز في هذه المسألة انتفى صحة التعليق فصحة التعليق تمنع من صحته وهذه معارضة صحيحة في أصل المسألة فتأملها السادس انه لو قال: في مرضه إذا اعتقت سالما فغانم حر ثم اعتق سالما ولا يخرجان من الثلث قدم عتق المنجز على المعلق لقوته يوضحه الوجه السابع أنه لو قال: لغيره ادخل الدار فإذا دخلت أخرجتك وهو نظيره في القوة فإذا دخل لم يمكنه إخراجه وهذا المثال وزان مسألتنا فإن المعلق هو الإخراج والمنجز هو الدخول الثامن ان المنجز في حيز الامكان والمعلق قد قارنه ما جعله مستحيلا التاسع ان وقوع المنجز يتوقف على أمر واحد وهو التكلم باللفظ اختيارا ووقوع المعلق يتوقف على التكلم باللفظ ووجود الشرط وما توقف على شيء واحد أقرب وجودا مما توقف على أمرين العاشر أن وقوع المنجز موافق لتصرف الشارع وملك المالك ووقوع المعلق بخلافه لأن الزوج لم يملكه الشارع ذلك فهذه عشرة أوجه تدل على مزية المنجز وتبطل قولكم إنه لا مزية له والله أعلم.

فصل ردود على المسألة السريجية

وأما سائر الصور التي ذكرتموها من صور الدور التي يفضى ثبوتها إلى إبطالها فمنها ما هو ممنوع الحكم لا يسلمه لكم منازعكم وإنما هي مسائل مذهبية يحتج لها ولا يحتج بها وهم يفكون الدور تارة بوقوع الحكمين معا وعدم إبطال أحدهما للآخر ويجعلونهما معلولى علة واحدة ولا دور وتارة يسبق أحد الحكمين للآخر سبق السبب لمسببه ثم يترتب الآخر عليه ومنها ما هو مسلم الحكم وثبوت الشيء فيه يقتضي إبطاله.

ولكن لهذا حجة لهم في إبطال هذا التعليق فإنه لو صح لأفضى ثبوته إلى بطلانه فإنه لو صح لزم منه وقوع طلقة مسبوقة بثلاث وسبقها بثلاث يمنع وقوعها فبطل التعليق من أصله للزوم المحال فهذه الصور التي استشهدتم بها من أقوى حججهم عليكم على بطلان التعليق.

وأدلتكم في هذه المسألة نوعان أدلة صحيحة وهي إنما تقتضي بطلان التعليق.

وأما الأدلة التي تقتضى بطلان المنجز فليس منها دليل صحيح فإنه طلاق صدر من أهله في محله فوجب الحكم بوقوعه أما أهلية المطلق فلأنه زوج مكلف مختار وأما محلية المطلقة فلأنها زوجة والنكاح صحيح فيدخل في قوله تعالى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} وفي سائر نصوص الطلاق إذ لو لم يلحقها طلاق لزم واحد من ثلاثة وكلها منتفية إما عدم أهلية المطلق وإما عدم قبول المحل وإما قيام مانع يمنع من نفوذ الطلاق والمانع مفقود إذ ليس مع مدعى قيامه إلا التعليق المحال الباطل شرعا وعقلا وذلك لا يصح أن يكون مانعا.

يوضحه أن المانع من اقتضاء السبب لمسببه انما هو وصف ثابت يعارض سببيته فيوقفها عن اقتضائها فأما المستحيل فلا يصح أن يكون مانعا معارضا للوصف الثابت وهذا في غاية الوضوح ولله الحمد.

فصل السريجيون يعترضون

قال السريجيون لقد ارتقيتم مرتقى صعبا وأسأتم الظن بمن قال: بهذه المسألة وهم أئمة علماء لا يشق غبارهم ولا تغمز قناتهم كيف وقد أخذوها من نص الشافعي رحمه الله تعالى وبنوها على أصوله ونظروا لها النظائر واتوا لها بالشواهد فنص الشافعي على أنه إذا قال: أنت طالق قبل موتي بشهر ثم مات لأكثر من شهر بعد هذا التعليق وقع الطلاق قبل موته بشهر وهذا إيقاع طلاق في زمن ماض سابق لوجود الشرط وهو موته فإذا وجد الشرط تبينا وقوع الطلاق قبله وأيضاح ذلك بإخراج الكلام مخرج الشرط كقوله إن مت أو إذا مت فأنت طالق قبل موتي بشهر ونحن نلزمكم بهذه المسألة على هذا الأصل فإنكم موافقون عليه وكذا قوله قبل دخوله أنت طالق طلقة قبلها طلقة فإنه يقع بها طلقتان وإحداهما وقعت في زمن ماض سابق على التطليق وبهذا خرج الجواب عن قوله إن الوقوع كما لم يسبق الايقاع فلا يسبق الطلاق التطليق فكذا لا يسبق شرطه فإن الحكم لا يتقدم عليه ويجوز تقدمه على شرطه واحد سببيه أو أسبابه فإن الشرط معرف محض ولا يمتنع تقديم المعرف عليه وأما تقديمه على أحد سببيه فكتقدم الكفارة على الحنث بعد اليمين وتقديم الزكاة على الحول بعد ملك النصاب وتقديم الكفارة على الجرح قبل الزهوق ونظائرها.

وأما قولكم إن الشرط يجب تقديمه على المشروط فممنوع بل مقتضى الشرع توقف المشروط على وجوده وأنه لا يوجد بدونه وليس مقتضاه تأخر المشروط عنه وهذا يتعلق باللغة والعقل والشرع ولا سبيل لكم إلى نص عن أهل اللغة في ذلك ولا إلى دليل شرعي ولا عقلي فدعواه غير مسموعة ونحن لا ننكر ان من الشروط ما يتقدم مشروطه ولكن دعوى ان ذلك حقيقة الشرط وأنه إن لم يتقدم خرج عن أن يكون شرطا دعوى لا دليل عليها وحتى لو جاء عن أهل اللغة ذلك لم يلزم مثله في الاحكام الشرعية لأن الشروط في كلامهم تتعلق بالافعال كقوله إن زرتني أكرمتك وإذا طلعت الشمس جئتك فيقتضى الشرط ارتباطا بين الأول والثاني فلا يتقدم المتأخر ولا يتأخر المتقدم وأما الاحكام فتقبل التقدم والتأخر والانتقال كما لو قال: إذا مت فأنت طالق قبل موتي بشهر ومعلوم انه لو قال: مثل هذا في الحسيات كان محالا فلو قال: إذا زرتني أكرمتك قبل ان تزورني بشهر كان محالا إلا أن يحمل كلامه على معنى صحيح وهو إذا أردت أو عزمت على زيارتي أكرمتك قبلها.

وسر المسألة ان نقل الحقائق عن مواضعها ممتنع والاحكام قابلة للنقل والتحويل والتقديم والتأخير ولهذا لو قال: اعتق عبدك عنى ففعل وقع العتق عن القائل وجعل الملك متقدما على العتق حكما وإن لم يتقدم عليه حقيقة.

وقولكم يلزمنا تجويز تقديم الطلاق على التطليق فذلك غير لازم فإنه انما يقع بإيقاعه فلا يسبق إيقاعه بخلاف الشرط فانه لا يوجب وجود المشروط وإنما يرتبط به والارتباط أعم من السابق والمقارن والمتأخر والأعم لا يستلزم الأخص.

ونكتة الفرق أن الايقاع موجب للوقوع فلا يجوز ان يسبقه أثره وموجبه والشرط علامة على المشروط فيجوز أن يكون قبله وبعده فوزان الشرط وزان الدليل ووازن الايقاع وزان العلة فافترقا.

وأما قولكم إن هذا التعليق يتضمن المحال إلى آخره فجوابه ان هذا التعليق تضمن شرطا ومشروطا وقد تعقد القضية الشرطية في ذلك للوقوع وقد تعقد للإبطال فلا يوجد فيها الشرط ولا الجزاء بل تعليق ممتنع بممتنع فتصدق الشرطية وإن انتفى كل من جزئيها كما تقول لو كان مع الله إله آخر لفسد العالم وكما في قوله إن كنت قلته فقد علمته ومعلوم انه لم يقله ولم يعلمه الله وهكذا قوله ان وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبله ثلاثا فقضية عقدت لامتناع وقوع طرفيها وهما المنجز والمعلق.

ثم نذكر في ذلك قياسا آخر حرره الشيخ أبو إسحاق رحمه الله تعالى فقال طلاقان متعارضان يسبق أحدهما الآخر فوجب أن ينفى السابق منهما المتأخر نظيره ان يقول لامرأته إن قدم زيد فانت طالق ثلاثا وإن قدم عمرو فأنت طالق طلقة فقدم زيد بكرة وعمرو عشية ونكتة المسألة أنا لو أوقعنا الطلاق المباشر لزمنا ان نوقع قبله ثلاثا ولو أوقعنا قبله ثلاثا لامتنع وقوعه في نفسه فقد أدى الحكم بوقوعه الحكم بعدم وقوعه فلا يقع.

وقولكم إن هذه اليمين تفضى إلى سد باب الطلاق وذلك تغيير لشرع الله فإن الله ملك الزوج الطلاق رحمة به إلى آخره جوابه ان هذا ليس فيه تغيير للشرع وإنما هو إتيان بالسبب الذي ضيق به على نفسه ما وسعه الله عليه وهو هذه اليمين وهذا ليس تغيير للشرع ألا ترى ان الله تعالى وسع عليه أمر الطلاق فجعلة واحده بعد واحدة ثلاث مرات لئلا يندم فإذا ضيق على نفسه وأوقعها بفم واحد حصر نفسه وضيق عليها ومنعها ما كان حلالا لها وربما لم يبق له سبيل إلى عودها إليه ولذلك جعل الله تعالى الطلاق إلى الرجال ولم يجعل للنساء فيه حظا لنقصان عقولهن وأديانهن فلو جعله إليهن لكان فيه فساد كبير تأباه حكمة الرب تعالى ورحمته بعباده فكانت المرأة لا تشاء ان تتبدل بالزوج الا استبدلت به بخلاف الرجال فانهم اكمل عقولا واثبت فلا يستبدل بالزوجة إلا إذا عيل صبره ثم إن الزوج قد يجعل طلاق امرأته بيدها بأن يملكها ذلك أو يحلف عليها ان لا تفعل كذا فتختار طلاقه متى شاءت ويبقى الطلاق بيدها وليس في هذا تغيير للشرع لأنه هو الذي ألزم نفسه هذا الحرج بيمينه وتمليكه ونظير هذا ما قاله فقهاء الكوفة قديما وحديثا إنه لو قال: كل امرأة أتزوجها فهي طالق لم يمكنه ان يتزوج بعد ذلك امرأة حتى قيل: إن أهل الكوفة أطبقوا على هذا القول ولم يكن في ذلك تغيير للشريعة فإنه هو الذي ضيق على نفسه ما وسع الله عليه ونظير هذا لو قال: كل عبد وأمة أملكها فهما حران لم يكن له سبيل بعد هذا إلى ملك رقيق أصلا وليس في هذا تغيير للشرع بل هو المضيق على نفسه والضيق والحرج الذي يدخله المكلف على نفسه لا يلزم أن يكون الشارع قد شرعه له وإن الزمه به بعد أن ألزم نفسه ألا ترى ان من كان معه ألف دينار فاشترى بها جارية فأولدها ثم ساءت العشرة بينهما لم يبق له طريق إلى الاستبدال بها وعليه ضرر في إعتاقها أو تزويجها أو إمساكها ولا بد له من أحدها.

ثم نقول في معارضة ما ذكرتم بل يكون في هذه اليمين مصلحة له وغرض صحيح بأن يكون محبا لزوجته شديد الإلف بها وهو مشفق من ان ينزع الشيطان بينهما فيقع منه طلاقها من غضبة أو موجدة أو يحلف يمينا بالطلاق أو يبلى بمن يستحلفه بالطلاق ويضطر إلى الحنث أو يبلى بظالم يكرهه على الطلاق ويرفعه إلى حاكم ينفذه أو يبلى بشاهدي زور يشهدان عليه بالطلاق وفي ذلك ضرر عظيم به وكان من محاسن الشريعة ان يجعل له طريقا إلى الامن من ذلك كله ولا طريق أحسن من هذه فلا ينكر من محاسن هذه الشريعة الكاملة أن تأتى بمثل ذلك ونحن لا ننكر ان في ذلك نوع ضرر عليه لكن رأى احتماله لدفع ضرر الفراق الذي هو أعظم من ضرر البقاء وما ينكر في الشريعة من دفع أعلى الضررين باحتمال أدناهما.

فصل الجواب على الشبه السريجية

قال الموقعون لقد دعوتم الشبه الجفلي إلى وليمة هذه المسألة فلم تدعوا منها داعيا ولا مجيبا واجتهدتم في تقريرها ظانين إصابة الاجتهاد وليس كل مجتهد مصيبا ونثرتم عليها ما لا يصلح مثله للنثار وزينتموها بأنواع الحلي ولكنه حلى مستعار فإذا استردت العارية زال الالتباس والاشتباه وهناك تسمع بالمعيدي خير من أن تراه.

فأما قولكم إنا ارتقينا مرتقي صعبا وأسأنا الظن بمن قال: بهذه المسألة فإن أردتم بإساءة الظن بهم تأثيما أو تبديعا فمعاذ الله بل أنتم أسأتم بنا الظن وإن أردتم بإساءة الظن أنا لم نصوبهم في هذه المسألة ورأينا الصواب في خلافهم فيها فهذا قدر مشترك بيننا وبينكم في كل ما تنازعنا فيه بل سائر المتنازعين بهذه المثابة وقد صرح الأربعة الأئمة بأن الحق في واحد من الأقوال المختلفة وليست كلها صوابا.

وأما قولكم إن هذه المسألة مأخوذة من نص الشافعي لجوابه من وجهين:

أحدهما أنها لوكانت منصوصة له فقوله بمنزلة قول غيره من الأئمة يحتج له ولا يحتج به وقد نازعه الجمهور فيها والحجة تفصل ما بين المتنازعين.

الثاني: ان الشافعي رضي الله تعالى عنه لم ينص عليها ولا على ما يستلزمها وغاية ما ذكرتم نصه على صحة قوله أنت طالق قبل موتي بشهر فإذا مات لأكثر من شهر من وقت هذا التعليق تبينا وقوع الطلاق وهذا قد وافقه عليه من يبطل هذه المسألة وليس فيه ما يدل على صحة هذه المسألة ولا هو نظيرها وليس فيه سبق الطلاق لشرطه ولا هو متضمن للمحال إذ حقيقته إذا بقى من حياتي شهر فأنت طالق.

وهذا الكلام معقول غير متناقض ليس فيه تقديم الطلاق على زمن التطليق ولا على شرط وقوعه وإنما نظير المسألة المتنازع فيها ان يقول إذا مت فأنت طالق قبل موتي بشهر وهذا المحال بعينه وهو نظير قوله إذا وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبله ثلاثا أو يقول أنت طالق عام الأول فمسألة الشافعي شيء ومسألة ابن سريج شيء ويدل عليه ان الشافعي إنما أوقع عليه الطلاق إذا مات لأكثر من شهر من حين التعليق فلو مات عقيب اليمين لم تطلق وكانت بمنزلة قوله أنت طالق في الشهر الماضي وبمنزلة قوله أنت طالق قبل ان أنكحك فإن كلا الوقتين ليس بقابل للطلاق لأنها في أحدهما لم تكن محلا وفي الثاني لم تكن فيه طالقا قطعا فقوله أنت طالق في وقت قد مضى ولم تكن فيه طالقا إما إخبار كاذب أو إنشاء باطل وقد قيل: يقع عليه الطلاق ويلغو قوله أمس لأنه أتى بلفظ الطلاق ثم وصل به ما يمنع وقوعه أو يرفعه فلا يصلح ويقع لغوا وكذلك قوله أنت طالق طلقة قبلها طلقة ليس فيه إيقاع الطلقة الموصوفة بالقبلية في الزمن الماضي ولا تقدمها على الايقاع وإنما فيه إيقاع طلقتين إحداهما قبل الأخرى فمن ضرورة قوله قبلها طلقة إيقاع هذه السابقة أولا ثم إيقاع الثانية بعدها فالطلقتان إنما وقعتا بقوله أنت طالق لم تتقدم إحداهما على زمن الايقاع وإن تقدمت على الأخرى تقديرا فأين هذا من التعليق المستحيل فان أبيتم وقلتم قد وصل الطلقة المنجزة بتقدم مثلها عليها والسبب هو قوله أنت طالق فقد تقدم وقوع الطلقة المعلقة بالقبلية على المنجزة ولما كان هذا نكاحا صح وهكذا قوله إذا وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبله ثلاثا أكثر ما فيه تقدم الطلاق السابق على المنجز ولكن المحل لا يحتملهما فتدافعا وبقيت الزوجية بحالها ولهذا لو قال: إذا وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبله واحدة صح لاحتمال المحل لهما.

فالجواب أنه أوقع طلقتين واحدة قبل واحدة ولم تسبق إحداهما إيقاعه ولم يتقدم شرط الايقاع فلا محذور وهو كما لو قال: بعدها طلقة أو معها طلقة وكأنه قال: أنت طالق طلقتين معا أو واحدة بعد واحدة ويلزم من تأخر واحدة عن الأخرى سبق إحداهما للأخرى فلا إحالة اما وقوع طلقة مسبوقة بثلاث فهو محال وقصده باطل والتعبير عنه إن كان خبرا فهو كذب وإن كان إنشاء فهو منكر فالتكلم به منكر من القول وزور في إخباره منكر في إنشائه وأما كون المعلق تمام الثلاث فههنا لمنازعيكم قولان تقدم حكايتهما وهما وجهان في مذهب أحمد والشافعي.

أحدهما يصح هذا التعليق ويقع المنجز والمعلق وتصير المسألة على وزان ما نص عليه الشافعي من قوله إذا مات زيد فأنت صالق قبله بشهر فمات بعد شهر فهكذا إذا قال: إذا وقع عليك طلاقي فانت طالق قبله واحدة ثم مضى زمن تمكن فيه القبيلة ثم طلقها تبينا وقوع المعلق في ذلك الزمان وهو متأخر عن الايقاع فكأنه قال: أنت طالق في الوقت السابق على تنجيز الطلاق أو وقوعه معلقا فهو تطليق في زمن متأخر.

والقول الثاني أن هذا محال أيضا ولا يقع المعلق إذ حقيقته أنت طالق الزمن السابق على تطليقك تنجيزا أو تعليقا فيعود إلى سبق الطلاق للتطليق وسبق الوقوع للإيقاع وهو حكم بتقديم المعلول على علته.

يوضحه أن قوله إذا وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبله إما ان يريد طالق قبله بهذا الايقاع أو بإيقاع متقدم والثاني ممتنع لأنه لم يسبق هذا الكلام منه شيئا والثاني كذلك لأنه لا يتضمن أنت طالق قبل ان أطلقك وهذا عين المحال فهذا كشف حجاب هذه المسألة وسر ما أخذها وقد تبين ان مسألة الشافعي لون وهذه لون آخر.

وأما قولكم إن الحكم لا يجوز تقدمه على علته ويجوز تقدمه على شرطه كما يجوز تقدمه على أحد سببيه إلى آخره فجوابه ان الشرط إما ان يوجد جزءا من المقتضى أو يوجد خارجا عنه وهما قولان للنظار والنزاع لفظي فإن أريد بالمقتضى التام فالشرط جزء منه وان أريد به المقتضى الذي يتوقف اقتضاؤه على وجود شرطه وعدم مانعه فالشرط ليس جزءا منه ولكن اقتضاؤه يتوقف عليه والطريقة الثانية طريقة القائلين بتخصيص العلة والأولى طريقة المانعين من التخصيص وعلى التقديرين فيمتنع تأخر الشرط عن وقوع المشروط لأنه يستلزم وقوع الحكم بدون سببه التام فإن الشرط ان كان جزءا من المقتضى فظاهر وان كان شرطا لاقتضائه فالمعلق على الشرط لا يوجد عند عدمه وإلا لم يكن شرطا فإنه لوكان يوجد بدونه لم يكن شرطا فلو ثبت الحكم قبله لثبت بدون سببه التام فإن سببه لا يتم إلا بالشرط فعاد الأمر إلى سبق الاثر لمؤثره والمعلول لعلته وهذا محال ولهذا لما لم يكن لكم حيلة في دفعه وعلمتم لزومه فررتم إلى ما لا يجدى عليكم شيئا وهو جعل الشرط مجرد علامة ودليل ومعرف وهذا إخراج للشرط عن كونه شرطا وإبطال لحقيقته فإن العلامة والدليل والمعرف ليست شروطا في المدلول المعرف ولا يلزم من نفيها نفيه فإن الشيء يثبت بدون علامة ومعرف له والمشروط ينتفى لانتقاء شرطه وان لم يوجد لوجوده وكل العقلاء متفقون على الفرق بين الشرط والامارة المحضة وان حقيقة أحدهما وحكمه دون حقيقة الآخر وحكمه وإن كان قد يقال إن العلامة شرط في العلم بالمعلم والدليل شرط في العلم بالمدلول فذاك أمر وراء الشرط في الوجود الخارجي فهذا شئ وذلك شئ آخر وهذا حق ولهذا ينتفى العلم بالمدلول عند انتفاء دليله ولكن هل يقول أحد أن المدلول ينتفي لانتفاء دليله؟

فإن قيل: نعم قد قاله غير واحد وهو انتفاء الحكم الشرعي لانتفاء دليله.

قيل نعم فإن الحكم الشرعي لا يثبت بدون دليله فدليله موجب لثبوته فإذا انتفى الموجب انتفى الموجب ولهذا يقال لا موجب فلا موجب أما شرط اقتضاء السبب لحكمه فلا يجوز اقتضاؤه بدون شرطه ولو تأخر الشرط عنه لكان مقتضيا بدون شرطه وذلك يستلزم إخراج الشرط عن حقيقته وهو محال.

وأما تقديم الحكم على أحد سببيه في الصور التي ذكرتموها على إحدى الطريقتين أو تقديمه على شرط بعد وجود سببه على الطريقة الأخرى فالتنظير به مغلطة فإن الحكم لم يتقدم على سببه ولا شرطه وهذا محال وإن وقع تسامح في عبارة الفقهاء فإن انقضاء الحول مثلا والحنث والموت بعد الجرح شرط للوجوب ونحن لم نقدم الوجوب على شرطه ولا سببه وإنما قدمنا فعل الواجب والفرق بين تقدم الحكم بالوجوب وبين تقدم اداء الواجب فظهر أن هذا وهم أو إيهام وقد ظهر أن تقديم شرط علة الحكم وموجبه على الحكم أمر ثابت عقلا وشرعا ونحن لم نأخذ ذلك عن نص أهل اللغة حتى تطالبونا بنقله بل ذلك أمر ثابت لذات الشرط وحكم من احكامه وليس ذلك متلقى من اللغة بل هو ثابت في نفس الأمر لا يختلف بتقدم لفظ ولا تأخره حتى لو قال: أنت طالق إن دخلت الدار أو قال: يبعثك الله إذا مت أو تجب عليك الصلاة إذا دخل وقتها ونحو ذلك فالشرط متقدم عقلا وطبعا وشرعا وإن تأخر لفظا.

وأما قولكم إن الاحكام تقبل النقل عن مواضعها فتتقدم وتتأخر فتطويل بلا تحصيل وتهويل بلا تفصيل فهل تقبل النقل عن ترتيبها على أسبابها وموجباتها بحيث يثبت الحكم بدون سببه ومقتضيه نعم قد يتقدم ويتأخر وينتقل لقيام سبب آخر يقتضى ذلك فيكون مرتبا على سببه الثاني بعد انتقاله كما كان مرتبا على الأول قبل انتقاله وفي كل من الموضعين هو مرتب على سببه هذا في حكمه وذاك في محله وأما تنظيركم بنقل الاحكام وتقدمها على أسبابها بقوله أنت طالق قبل موتي بشهر وقولكم إن نظيره في الحسيات ان تقول إن زرتني أكرمتك قبل زيارتك بشهر فوهم أيضا أو إيهام فإن قوله أنت طالق قبل موتى بشهر إنما تطلق إذا مضى شهر بعد هذه اليمين حتى يتبين وقوع الطلاق بعد إيقاعه فلو مات قبل مضي شهر لم تطلق على الصحيح لأنه يصير بمنزلة أنت طالق عام الأول وليس كذلك قوله إن زرتني أكرمتك قبله بشهر فإن الطلاق حكم يمكن تقدير وقوعه قبل الموت والإكرام فعل حتى لا يكون إكراما بالتقدير وإنما يكون إكراما بالوقوع وأما استشهادكم بقوله اعتق عبدك عني فهو حجة عليكم فإنه يستلزم تقدم الملك التقديري على العتق الذي هو اثره وموجبه والملك شرطه ولو جاز تأخر الشرط لقدر الملك له بعد العتق وهذا محال فعلم ان الأسباب والشروط يجب تقدمها سواء كانت محققة أو مقدرة.

وقولكم إن هذا التعليق يتصمن شرطا ومشروطا والقضية الشرطية قد تعقد للوقوع وقد تعقد لنفي الشرط والجزاء إلى آخره فجوابه أيضا ان هذا من الوهم أو الإيهام فإن القضية الشرطية هي التي يصح الارتباط بين جزءيها سواء كانا ممكنين أو ممتنعين ولا يلزم من صدقها شرطية صدق جزءيها جملتين فالاعتبار إنما هو بصدقها في نفسها ولهذا كان قوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} من أصدق الكلام وجزاء الشرطية ممتنعان لكن أحدهما ملزوم للآخر فقامت القضية الشرطية من التلازم الذي بينهما فإن تعدد الآلهة مستلزم لفساد السموات والأرض فوجود آلهة مع الله ملزوم لفساد السموات والأرض والفساد لازم فإذا انتفى اللازم انتفى ملزومه فصدقت الشرطية دون مفرديها وأما الشرطية في مسألتنا فهي كاذبة في نفسها لأنها عقدت للتلازم بين وقوع الطلاق المنجز وسبق الطلاق الثلاث عليه وهذا كذب في الإخبار باطل في الانشاء فالشرطية نفسها باطلة لا تصح بوجه فظهر أن تنظيرها بالشرطية الصادقة الممتنعة الجزءين وهم أو إيهام ظاهر لاخفاء به.

وأما قياسكم المحرر وهو قولكم طلاقان متعارضان يسبق أحدهما الآخر فوجب أن ينفى السابق منهما المتأخر كقوله إن قدم زيد إلى آخره فجوابه أنه لما قدم زيد طلقت ثلاثا فقدم عمرو بعده وهي أجنبية فلم يصادف الطلاق الثاني محلا فهذا معقول شرعا ولغة وعرفا فأين هذا من تعلق مستحيل شرعا ولغة وعرفا فأين هذا من تعلق مستحيل شرعا وعرفا ولقد وهنت كل الوهن مسألة إلى مثل هذا القياس استنادها وعليه اعتمادها.

وأما قولكم نكتة المسألة انا لو أوقعنا المنجز لزمنا ان نوقع قبله ثلاثا إلى آخره فجوابه أن يقال هذا كلام باطل في نفسه فلا يلزم من إيقاع المنجز ايقاع الثلاث قبله لا لغة ولا عقلا ولا شرعا ولا عرفا فإن قلتم لأنه شرط للمعلق قبله فقد تبين فساد المعلق بما فيه كفاية ثم نقلب عليكم هذه النكتة قلبا أصح منها شرعا وعقلا ولغة فنقول إذا أوقعنا المنجز لم يمكنا ان نوقع قبله ثلاثا قطعا وقد وجد سبب وقوع المنجز وهو الايقاع فيستلزم موجبه وهو الوقوع وإذا وقع موجبه استحال وقوع الثلاث فهذه النكتة أصح وأقرب إلى الشرع والعقل واللغة وبالله التوفيق.

وأما قولكم إن المكلف أتى بالسبب الذي ضيق به على نفسه فألزمناه حكمه إلى آخره فجوابه ان هذا إنما يصح فيما يملكه من الأسباب شرعا فلا بد أن يكون السبب مقدورا ومشروعا وهذا السبب الذي أتى به غير مقدور ولا مشروع فإن الله تعالى لم يملكه طلاقا ينجزه تسبقه ثلاث قبله ولا ذلك مقدور له فالسبب لا مقدور ولا مأمور بل هو كلام متناقض فاسد فلا يترتب عليه تغيير أحكام الشرع وبهذا خرج الجواب عما نظرتم به من المسائل أما المسألة الأولى وهي إذا طلق أمراته ثلاثا جملة فهذة مما يحتج لها ولا يحتج بها وللناس فيها أربعة أقوال أحدها الإلزام بها والثاني إلغاءها جملة وإن كان هذا إنما يعرف عن الفقهاء الشيعة والثالث إنها واحدة وهذا قول أبى بكر الصديق وجميع الصحابة في زمانه وإحدى الروايتين عن ابن عباس واختيار أعلم الناس بسيرة النبي ﷺ محمد بن إسحاق والحارث العكلى وغيره وهو أحد القولين في مذهب مالك حكاه التلمساني في شرح تفريع ابن الجلاب واحد القولين في مذهب أحمد اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية.

والرابع: أنها واحدة في حق التي لم يدخل بها وثلاث في حق المدخول بها وهذا مذهب إمام أهل خراسان في وقته إسحاق بن راهويه نظير الإمام أحمد والشافعي ومذهب جماعة من السلف وفيها مذهب خامس وهو انها إن كانت منجزة وقعت وإن كانت معلقة لم تقع وهو مذهب حافظ الغرب وامام أهل الظاهر في وقته محمد بن حزم ولو طولبتم بإيطال هذه الأقوال وتصحيح قولكم بالدليل الذي يركن إليه العالم لم يمكنكم ذلك والمقصود أنكم ستدلون بما يحتاج إلى اقامة الدليل عليه والذين يسلمون لكم وقوع الثلاث جملة واحدة فريقان فريق يقول بجواز إيقاع الثلاث فقد أتى المكلف عنده بالسبب المشروع المقدور فترتب عليه سببه وفريق يقول تقع وإن كان إيقاعها محرما كما يقع الطلاق في الحيض والطهر الذي أصابها فيه وإن كان محرما لأنه ممكن بخلاف وقوع طلقة مسبوقة بثلاث فإنه محال فأين أحدهما من الآخر؟

فصل أجوبة أخرى على المسألة السريجية

وأما نقضكم الثاني بتمليك الرجل امرأته الطلاق وتضييعه على نفسه بما وسع الله عليه من جعله بيده فجراية من وجوه:

أحدهما: أنه بالتمليك لم يخرج الطلاق عن يده بل هو في يده كما هو هذا إن قيل: إنه تمليك وإن قيل: إنه توكيل فله عزلها متى شاء.

الثاني: ان هذه المسألة فيها نزاع معروف بين السلف والخلف فمنهم من قال: لا يصح تملك المرأة الطلاق ولا توكيلها فيه ولا يقع الطلاق إلا ممن أخذ بالساق وهذا مذهب أهل الظاهر وهو مأثور عن بعض السلف فالنقض بهذه الصورة يستلزم إقامة الدليل عليها والأول لا يكون دليلا ومن هنا قال: بعض أصحاب مالك إنه إذا علق اليمين بفعل الزوجة لم تطلق إذا حنث.

قال: لأن الله تعالى ملك الزوج الطلاق وجعله بيده رحمة منه ولم يجعله إلى المرأة فلو وقع الطلاق بفعلها لكان إليها إن شاءت أن تفارقه وإن شاءت ان تقيم معه وهذا خلاف شرع الله وهذا حد الأقوال في مسألة تعليق الطلاق بالشروط كما تقدم.

والثاني: أنه لغو وباطل وهذا اختيار أبي عبد الرحمن ابن بنت الشافعي ومذهب أهل الظاهر.

والثالث: أنه موجب لوقوع الطلاق عند وقوع الصفة سواء كان يمينا أو تعليقا محضا وهذا المشهور عند الأئمة الأربعة واتباعهم.

والرابع: أنه إن كان بصيغة التعليق لزم وإن كان بصيغة القسم والالتزام لم يلزم إلا أن ينويه وهذا احتيار أبي المحاسن الروياني وغيره.

والخامس: أن إن كان بصيغة التعليق وقع وإن كان بصيغة القسم والالتزام لم يقع وإن نواه وهذا اختيار القفال في فتاويه.

والسادس: أنه إن كان الشرط والجزاء مقصودين وقع وإن كانا غير مقصودين وإنما حلف به قاصدا منع الشرط والجزاء لم يقع ولا كفارة فيه وهذا اختيار بعض أصحاب أحمد.

والسابع: كذلك إلا أن فيه الكفارة إذا مخرج مخرج اليمين وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية والذي قبله اختيار أخيه وقد تقدم حكاية قول من حكى إجماع الصحابة أنه إذا حنث فيه لم يلزمه الطلاق وحكينا لفظه والمقصود الجواب عن النقض بتمليك المرأة الطلاق أو توكيلها فيه.

وأما قولكم في النقض الثالث إن فقهاء الكوفة صححوا تعليق الطلاق بالنكاح وهو يسد باب النكاح فهذا القول مما أنكره عليهم سائر الفقهاء وقالوا هو سد لباب النكاح حتى قال: الشافعي نفسه أنكره عليهم بذلك وبغيره من الأدلة.

ومن العجب أنكم قلتم في الرد عليهم لا يصح هذا التعليق لأنه لم يصادف محلا وهو لا يملك الطلاق المنجز فلا يملك المعلق إذ كلاهما مستدع لقيام محله ولا محل فهلا قبلتم منهم احتجاجهم عليكم في المسألة السريجية بمثل هذه الحجة وهي ان المحل غير قابل لطلقة مسبقوقة بثلاث وكان هذا الكلام لغوا وباطلا فلا ينعقد كما قلتم أنتم في تعليق النكاح بالطلاق إنه لغو وباطل فلا ينعقد.

فصل تعليق عتق العبد على ملكه

وأما النقض الرابع بقوله كل عبد أو أمة أملكه فهو حر فهذا للفقهاء فيه قولان وهما روايتان عن الإمام أحمد.

إحداهما: أنه لا يصح كتعليق الطلاق.

والثاني: أنه يصح والفرق بينه وبين تعليق الطلاق أن ملك العبد قد شرع طريقا إلى زوال ملكه عنه بالعتق إما بنفس الملك كمن ملك ذا رحم محرم وإما باختيار الاعتاق كمن اشترى عبدا ليعتقه عن كفارته أو ليتقرب به إلى الله ولم يشرع الله النكاح طريقا إلى زوال ملك البضع ووقوع الطلاق بل هذا يترتب عليه ضد مقصوده شرعا وعقلا وعرفا والعتق المترتب على الشراء ترتيب لمقصوده عليه شرعا وعرفا فأين أحدهما من الآخر؟

وكونه قد سد على نفسه باب ملك الرقيق فلا يخلو إما ان يعلق ذلك تعليقا مقصودا أو تعليقا قسميا فإن كان مقصودا فهو قد قصد التقرب إلى الله بذلك فهو كما لو التزم صوم الدهر وسد على نفسه باب الفطر وإن كان تعليقا قسميا فله سعة بما وسع الله عليه من الكفارة كما أفتى به الصحابة رضي الله عنهم وقد تقدم.

فصل نقض دليل آخر للسريجيين

وأما النقض الخامس بمن معه ألف دينار فاشترى بها جارية واولدها فهذا أيضا نقض فاسد فإنه بمنزلة من أنفقها في شهواته وملاذه وقعد ملوما محسورا أو تزوج بها امرأة وقضى وطره منها ونحو ذلك فأين هذا من سد باب الطلاق وبقاء المرأة كالغل في عنقه إلى ان يموت أحدهما.

فصل الشرائع العامة لا تبنى على الصور النادرة

وقولكم قد يكون له في هذه اليمين مصلحة وغرض صحيح بأن يكون محبا لزوجته ويخشى وقوع الطلاق بالحلف أو غيره فيسرحها جوابه ان الشرائع العامة لم تبن على الصور النادرة ولو كان لعموم المطلقين في هذا مصلحة لكانت حكمة احكم الحاكمين تمنع الرجال من الطلاق بالكلية وتجعل الزوج في ذلك بمنزلة المرأة لا تتمكن من فراق زوجها ولكن حكمته تعالى أولى وأليق من مراعاة هذه المصلحة الجزئية التي في مراعاتها تعطيل مصلحة اكبر منها واهم وقاعدة الشرع والقدر تحصيل أعلى المصلحتين وإن مات أدناهما ودفع أعلى المفسدتين وإن وقع أدناهما وهكذا ما نحن فيه سواء فإن مصلحة تمليك الرجال الطلاق أعلى وأكثر من مصلحة سده عليهم ومفسدة سده عليهم اكبر من مفسدة فتحه لهم المفضية إلى ما ذكرتم وشرائع الرب تعالى كلها حكم ومصالح وعدل ورحمة وإنما العبث والجور والشدة في خلافها وبالله التوفيق.

وانما أطلنا الكلام في هذه المسألة لأنها من امهات الحيل وقواعدها والمقصود بيان بطلان الحيل فإنها لا تتمشى على قواعد الشريعة ولا أصول الأئمة وكثير منها بل أكثرها من توليدات المنتسبين إلى الأئمة وتفريعهم والأئمة براء منها.

فصل إبطال الحيلة بالخلع لفعل المحلوف عليه

ومن الحيل الباطلة الحيلة على التخلص من الحنث بالخلع ثم يفعل المحلوف عليه في حال البينونة ثم يعود إلى النكاح وهذه الحيلة باطلة شرعا وباطله على أصول أئمة الامصار أما بطلانها شرعا فإن هذا خلع لم يشرعه الله ولا رسوله وهو تعالى لم يمكن الزوج من فسخ النكاح متى شاء فإنه لازم وإنما مكنه من الطلاق ولم يجعل له فسخه الا عند التشاجر والتباغض إذا خافا ان لا يقيما حدود الله فشرع لهما التخلص بالافتداء وبذلك جاءت السنة ولم يقع في زمن رسول الله ﷺ ولا زمن أصحابه خلع حيلة ولا في زمن التابعين ولا تابعيهم ولا نص عليه أحد من الأئمة الأربعة وجعله طريقا للتخلص من الحنث وهذا من كمال فقههم رضي الله عنهم فإن الخلع انما جعله الشارع مقتضيا للبينونة ليحصل مقصود المرأة من الافتداء من زوجها وإنما يكون ذلك مقصودها إذا قصدت ان تفارقه على وجه لا يكون له عليها سبيل فإذا حصل هذا ثم فعل المحلوف عليه وقع وليست زوجته فلا يحنث وهذا انما حصل تبعا للبينونة التابعة لقصدهما فإذا خالعها ليفعل المحلوف عليه لم يكن قصدهما البينونة بل حل اليمين وحل اليمين إنما يحصل تبعا للبينونة لا أنه المقصود بالخلع الذي شرعه الله ورسوله وأما خلع الحيلة فجاءت البينونة في لأجل حل اليمين وحل اليمين جاء لأجل البينونة فليس عقد الخلع بمقصود في نفسه للرجل ولا للمرأة والله تعالى لا يشرع عقدا ولا يقصد واحد من المتعاقدين حقيقته وإنما يقصدان به ضد ما شرعه الله له فإنه شرع لتخلص المرأة من الزوج والمتحيل يفعله لبقاء النكاح فالشارع شرعه لقطع النكاح والمتحيل يفعله لدوام النكاح.

فصل الأئمة منزهون عن إحداث الحيل

والمتأخرون أحدثوا حيلا لم يصح القول بها عن أحد من الأئمة ونسبوها إلى الأئمة وهم مخطئون في نسبتها إليهم ولهم مع الأئمة موقف بين يدى الله ومن عرف سيرة الشافعي وفضله ومكانه من الإسلام علم انه لم يكن معروفا بفعل الحيل ولا بالدلالة عليها ولا كان يشير على مسلم بها وأكثر الحيل التي ذكرها المتأخرون المنتسبون إلى مذهبه من تصرفاتهم تلقوها عن المشرقيين وادخلوها في مذهبه وإن كان رحمه الله تعالى يجري العقود على ظاهرها ولا ينظر إلى قصد العاقد ونيته كما تقدم حكاية كلامه فحاشاه ثم حاشاه ان يأمر الناس بالكذب والخداع والمكر والاحتيال وما لا حقيقة له بل ما يتيقن ان باطنه خلاف ظاهره ولا يظن بمن دون الشافعي من أهل العلم والدين انه يأمر أو يبيح ذلك فالفرق إذا واضح بين ان لا يعتبر القصد في العقد ويجريه على ظاهره وبين ان يسوغ عقدا قد علم بناؤه على المكر والخداع وقد علم ان باطنه خلاف ظاهره.

فوالله ما سوغ الشافعي ولا إمام من الأئمة هذا العقد قط ومن نسب ذلك اليهم فهم خصماؤه عند الله فالذى سوغه الأئمة بمنزلة الحاكم يجري الاحكام على ظاهر عدالة الشهود وان كانوا في الباطن شهود زور والذي سوغه أصحاب الحيل بمنزلة الحاكم يعلم أنهم في الباطن شهود زور كذبة وان ما شهدوا به لا حقيقة له ثم يحكم بظاهر عدالتهم وهكذا في مسألة العينة انما جوز الشافعي ان يبيع السلعة ممن اشتراها منه جريا على ظاهر عقود المسلمين وسلامتها من المكر والخداع ولو قيل: للشافعي ان المتعاقدين قد تواطئا على ألف بالف ومائتين وترواضا على ذلك وجعلا السلعة محللا للربا لم يجون ذلك ولأنكره غابة الإنكار.

ولقد كان الأئمة من أصحاب الشافعي ينكرون على من يحكي عنه الإفتاء بالحيل قال: الامام أبو عبد الله بن بطة سألت أبا بكر الآجرى وانا وهو بمنزلة بمكة عن هذا الخلع الذي يفتى به الناس وهو ان يحلف رجل ان لايفعل شيئا ولا بدله من فعله فيقال له اخلع زوجتك وافعل ما حلفت عليه ثم راجعها واليمين بالطلاق ثلاثا وقلت له ان قوما يفتون هذا الرجل الذي يحلف بأيمان البيعة ويحنث ان لا شيء عليه ويذكرون ان الشافعي لم ير على من حلف بأيمان البيعة شيئا فجعل أبو بكر يعجب من سؤالي عن هاتين المسألتين في وقت واحد ثم قال: لي منذ كتبت العلم وجلست للكلام فيه وللفتوى ما افتيت في هاتين المسألتين بحرف ولقد سألت أبا عبد الله الزبيري عن هاتين المسألتين كما سألتني عن التعجب ممن يقدم على الفتوى فيهما فأجابني فيهما بجواب كتبته عنه ثم قام فأخرج لي كتاب احكام الرجعة والنشوز من كتاب الشافعي وإذا مكتوب على ظهره بخط أبي بكر سألت أبا عبد الله الزبيري فقلت له الرجل يحلف بالطلاق ثلاثا ان لايفعل شيئا ثم يريد أن يفعله وقلت له ان أصحاب الشافعي يفتون فيها بالخلع يخالع ثم يفعل فقال الزبيري ما اعرف هذا من قول الشافعي ولا بلغني ان له في هذا قولا معروفا ولا ارى من يذكر هذا عنه الا محيلا والزبيري أحد الأئمة الكبار من الشافعية فإذا كان هذا قوله وتنزيهه للشافعي عن خلع اليمين فكيف بحيل الربا الصريح وحيل التحليل وحيل إسقاط الزكاة والحقوق وغيرها من الحيل المحرمة.

فصل لا قول مع قول الله وقول الرسول

ولا بد من أمرين أحدهما أعظم من الآخر وهو النصيحة لله ولرسوله وكتابه ودينه وتنزيهه عن الأقوال الباطلة المناقضة لما بعث الله به رسوله من الهدى والبينات التي هي خلاف الحكمة والمصلحة والرحمة والعدل وبيان نفيها عن الدين وإخراجها منه وإن أدخلها فيه من أدخلها بنوع تأويل.

والثاني معرفة فضل أئمة الإسلام ومقاديرهم وحقوقهم ومراتبهم وأن فضلهم وعلمهم ونصحهم لله ورسوله لا يوجب قبول كل ما قالوه وما وقع في فتاويهم من المسائل التي خفى عليهم فيها ما جاء به الرسول فقالوا بمبلغ علمهم والحق في خلافها لا يوجب اطراح أقوالهم جملة وتنقصهم والوقيعة فيهم فهذان طرفان جائران عن القصد وقصد السبيل بينهما فلا نؤثم ولا نعصم ولانسلك بهم مسلك الرافضة في علي ولا مسلكهم في الشيخين بل نسلك مسلكهم أنفسهم فيمن قبلهم من الصحابة فإنهم لا يؤثمونهم ولا يعصمونهم ولا يقبلون كل أقوالهم ولا يهدرونها فكيف ينكرون علينا في الأئمة الأربعة مسلكا يسلكونه هم في الخلفاء الأربعة وسائر الصحابة ولا منافاة بين هذين الأمرين لمن شرح الله صدره للأسلام وإنما يتنافيان عند أحد رجلين جاهل بمقدار الأئمة وفضلهم أو جاهل بحقيقة الشريعة التي بعث الله بها رسوله ومن له علم بالشرع والواقع يعلم قطعا أن الرجل الجليل الذي له في الإسلام قدم صالح وآثار حسنة وهو من الإسلام وأهله بمكان قد تكون منه الهفوة والزلة هو فيها معذور بل ومأجور لاجتهاده فلا يجوز أن يتبع فيها ولا يجوز أن تهدر مكانته وإمامته ومنزلته من قلوب المسلمين.

قال عبد الله بن المبارك: كنت بالكوفة فناظروني في النبيذ المختلف فيه فقلت لهم تعالوا فليحتج المحتج منكم عمن شاء من أصحاب النبي ﷺ بالرخصة فإن لم يبين الرد عليه عن ذلك الرجل بسند صحت عنه فاحتجوا فما جاءوا عن أحد برخصة إلا جئناهم بسند فلما لم يبق في يد أحد منهم إلا عبد الله بن مسعود وليس احتجاجهم عنه في شدة النبيذ بشيء يصح عنه إنما يصح عنه أنه لم ينتبذ له في الجر الأخضر قال: ابن المبارك فقلت للمحتج عنه في الرخصة يا أحمق عد أن ابن مسعود لو كان ههنا جالسا فقال هو لك حلال وما وصفنا عن النبي ﷺ وأصحابه في الشدة كان ينبغي لك أن تحذر وتخشى فقال قائل يا أبا عبد الرحمن فالنخعي والشعبي وسمى عدة معهما كانوا يشربون الحرام فقلت لهم دعوا عند المناظرة تسمية الرجال فرب رجل في الإسلام مناقبه كذا وكذا وعسى أن تكون منه زلة أفيجوز لأحد أن يحتج بها فإن أبيتم فما قولكم في عطاء وطاوس وجابر بن زيد وسعيد بن جبير وعكرمة قالوا: كانوا خيارا قلت فما قولكم في الدرهم بالدرهمين يدا بيد قالوا: حرام فقلت إن هؤلاء رأوه حلالا أفماتوا وهم يأكلون الحرام فبهتوا وانقطعت حجتهم قال ابن المبارك: ولقد أخبرني المعتمر بن سليمان قال: رآني أبي وأنا أنشد الشعر فقال يا بني لا تنشد الشعر فقلت يا أبت كان الحسن ينشد الشعر وكان ابن سيرين ينشد فقال أي بني إن أخذت بشر ما في الحسن وبشر ما في ابن سيرين اجتمع فيك الشر كله.

قال شيخ الإسلام: وهذا الذي ذكره ابن المبارك متفق عليه بين العلماء فإنه ما من أحد من أعيان الأئمة من السابقين الأولين ومن بعدهم إلا وله أقوال وأفعال خفي عليهم فيها السنة.

قلت: وقد قاله أبو عمر بن عبد البر في أول استذكاره.

قال شيخ الإسلام: وهذا باب واسع لا يحصى مع أن ذلك لا يغض من أقدارهم ولا يسوغ اتباعهم فيها قال تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} قال: مجاهد والحكم بن عتيبة ومالك وغيرهم ليس أحد من خلق الله إلا يؤخذ من قوله ويترك إلا النبي ﷺ وقال سليمان التيمي إن أخذت برخصة كل عالم اجتمع فيك الشر كله. قال ابن عبد البر: هذا إجماع لا أعلم فيه خلافا وقد روى عن النبي ﷺ وأصحابه في هذا المعنى ما ينبغي تأمله فروى كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنى لأخاف على أمتي من بعدى من اعمال ثلاثة" قالوا: وما هي يا رسول الله قال: "إني أخاف عليهم من زلة العالم ومن حكم الجائر ومن هوى متبع ".

وقال زياد بن حدير قال عمر: ثلاث يهدمن الدين زلة عالم وجدال منافق بالقرآن وأئمة مضلون.

وقال الحسن: قال أبو الدرداء: إن مما أخشى عليكم زلة العالم وجدال المنافق بالقرآن والقرآن حق وعلى القرآن منار كأعلام الطريق.

وكان معاذ بن جبل يقول في خطبته كل يوم قلما يخطئه أن يقول ذلك: الله حكم قسط، هلك المرتابون إن وراءكم فتنا يكثر فيها المال ويفتح فيها القرآن حتى يقرأه المؤمن والمنافق والمرأة والصبي والأسود والاحمر فيوشك أحدهم ان يقول قد قرأت القرآن فما أظن أن يتبعوني حتى ابتدع لهم غيره فإياكم وما ابتدع فإن كل بدعة ضلالة وإياكم وزيغة الحكيم فإن الشيطان قد يتكلم على لسان الحكيم بكلمة الضلالة وإن المنافق قد يقول كلمة الحق فتلقوا الحق عمن جاء به فإن على الحق نورا قالوا: كيف زيغة الحكيم قال: هي كلمة تروعكم وتنكرونها وتقولون ما هذه فاحذروا زيغته ولا تصدنكم عنه فانه يوشك ان يفيء ويراجع الحق وان العلم والايمان مكانهما إلى يوم القيامة فمن ابتغاهما وجدهما.

وقال سلمان الفارسي: كيف أنتم عند ثلاث زلة عالم وجدال منافق بالقرآن ودنيا تقطع أعناقكم فأما زلة العالم فإن اهتدى فلا تقلدوه دينكم وتقولون نصنع مثل ما يصنع فلان وإن أخطأ فلا تقطعوا إياسكم منه فتعينوا عليه الشيطان وأما مجأدلة منافق بالقرآن فإن للقرآن منارا كمنار الطريق فما عرفتم منه فخذوا وما لم تعرفوا افكلوه إلى الله تعالى وأما دنيا تقطع أعناقكم فانظروا إلى من هو دونكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم.

وعن ابن عباس: ويل للأتباع من عثرات العالم قيل: كيف ذلك قال: يقول العالم شيئا برأيه ثم يجد من هو أعلم منه برسول الله ﷺ فيترك قوله ثم يمضي الأتباع. ذكر أبو عمر هذه الآثار كلها وغيره.

فإذا كنا قد حذرنا زلة العالم وقيل لنا إنها من أخوف ما يخاف علينا وأمرنا مع ذلك أن لا نرجع عنه فالواجب على من شرح الله صدره للإسلام إذا بلغته مقالة ضعيفة عن بعض الأئمة أن لا يحكيها لمن يتقلدها بل يسكت عن ذكرها إن تيقن صحتها وإلا توقف في قبولها فكثيرا ما يحكى عن الأئمة ما لا حقيقة له وكثير من المسائل يخرجها بعض الاتباع على قاعدة متبوعه مع ان ذلك الامام لو رأى انها تفضى إلى ذلك لما التزمها وأيضا فلازم المذهب ليس بمذهب وإن كان لازم النص حقا لأن الشارع لا يجوز عليه التناقض فلازم قوله حق وأما من عداه فلا يمتنع عليه ان يقول الشيء ويخفى عليه لازمه ولو علم ان هذا لازمه لما قاله فلا يجوز أن يقال هذا مذهبه ويقول ما لم يقله وكل من له علم بالشريعة وقدرها وبفضل الأئمة ومقاديرهم وعلمهم وورعهم ونصيحتهم للدين تيقن انهم لو شاهدوا أمر هذه الحيل وما أفضت إليه من التلاعب بالدين لقطعوا بتحريمها.

ومما يوضح ذلك ان الذين أفتوا من العلماء ببعض مسائل الحيل واخذوا ذلك من بعض قواعدهم لو بلغهم ما جاء في ذلك عن النبي ﷺ وأصحابه لرجعوا عن ذلك يقينا فإنهم كانوا في غاية الانصاف وكان احدهم يرجع عن رأيه بدون ذلك وقد صرح بذلك غير واحد منهم وإن كانوا كلهم مجمعين على ذلك قال: الشافعي إذا صح الحديث عن رسول الله ﷺ فاضربوا بقولى الحائط وهذا وإن كان لسان الشافعي فإنه لسان الجماعة كلهم ومن الأصول التي أتفق عليها الأئمة ان أقوال أصحاب رسول الله ﷺ المنتشرة لا تترك إلا بمثلها.

يوضح ذلك ان القول بتحريم الحيل قطعي ليس من مسالك الاجتهاد إذ لو كان من مسالك الاجتهاد لم يتكلم الصحابة والتابعون والأئمة في ارباب الحيل بذلك الكلام الغليظ الذي ذكرنا منه اليسير من الكثير وقد اتفق السلف على انها بدعة محدثة فلا يجوز تقليد من يفتي بها ويجب نقض حكمه ولا يجوز الدلالة للمقلد على من يفتى بها وقد نص الإمام أحمد على ذلك كله ولا خلاف في ذلك بين الأئمة كما أن المكيين والكوفيين لا يجوز تقليدهم في مسألة المتعة والصرف والنبيذ ولا يجوز تقليد بعض المدنيين في مسألة الحشوش وإتيان النساء في أدبارهن بل عند فقهاء الحديث ان من شرب النبيذ المختلف فيه حد وهذا فوق الإنكار باللسان بل عند فقهاء أهل المدينة يفسق ولا تقبل شهادته وهذا يرد قول من قال: لا إنكار في المسائل المختلف فيها وهذا خلاف إجماع الأئمة ولا يعلم إمام من أئمة الإسلام قال: ذلك وقد نص الإمام أحمد على أن من تزوج ابنته من الزنا يقتل والشافعي وأحمد ومالك لا يرون خلاف أبي حنيفة فيمن تزوج أمه وابنته انه يدرأ عنه الحد بشبهة دارئه للحد بل عند الإمام أحمد رضي الله عنه يقتل وعند الشافعي ومالك بحد حد الزنا في هذا مع أن القائلين المتعة والصرف معهم سنة وان كانت منسوخة وارباب الحيل ليس معهم وسنة ولا اثر عن صاحب ولا قياس صحيح.

خطأ من يقول لا إنكار في مسائل الخلاف

وقولهم: إن مسائل الخلاف لا إنكار فيها ليس بصحيح فإن الإنكار إما ان يتوجه إلى القول والفتوى أو العمل أما الأول فإذا كان القول يخالف سنة أو إجماعا شائعا وجب إنكاره اتفاقا إن لم يكن كذلك فإن بيان ضعفه ومخالفته للدليل إنكار مثله وأما العمل فإذا كان على خلاف سنة أو إجماع وجب إنكاره بحسب درجات الإنكار وكيف يقول فقيه لا إنكار في المسائل المختلف فيها والفقهاء من سائر الطوائف قد صرحوا بنقص حكم الحاكم إذا خالف كتابا أو سنة وإن كان قد وافق فيه بعض العلماء وأما إذا لم يكن في المسألة سنة ولا إجماع وللاجتهاد فيها مساغ لم تنكر على من عمل بها مجتهدا أو مقلدا.

وإنما دخل هذا اللبس من جهة ان القائل يعتقد ان مسائل الخلاف هي مسائل الاجتهاد كما اعتقد ذلك طوائف من الناس ممن ليس لهم تحقيق في العلم.

والصواب ما عليه الأئمة ان مسائل الاجتهاد ما لم يكن فيها دليل يجب العمل به وجوبا ظاهرا مثل حديث صحيح لا معارض له من جنسه فيسوغ فيها إذا عدم فيها الدليل الظاهر الذي يجب العمل به الاجتهاد لتعارض الأدلة أو لخفاء الأدلة فيها وليس في قول العالم إن هذه المسألة قطعية أو يقينية ولا يسوغ فيها الاجتهاد طعن على من خالفها ولا نسبة له إلى تعمد خلاف الصواب والمسائل التي اختلف فيها السلف والخلف وقد تيقنا صحة أحد القولين فيها كثير مثل كون الحامل تعتد بوضع الحمل وان اصابة الزوج الثاني شرط في حلها للاول وان الغسل يجب بمجرد الايلاج وان لم ينزل وان ربا الفضل حرام وان المتعة حرام وان النبيذ المسكر حرام وان المسلم لا يقتل بكافر وان المسح على الخفين جائز حضرا وسفرا وان السنة في الركوع وضع اليدين على الركبتين دون التطبيق.

وأن رفع اليدين عند الركوع والرفع منه سنة وان الشفعة ثابتة في الأرض والعقار وان الوقف صحيح لازم وأن دية الاصابع سواء وأن يد السارق تقطع في ثلاثة دراهم وان الخاتم من حديد يجوز أن يكون صداقا وأن التيمم إلى الكوعين بضربة واحدة جائز وان صيام الولي عن الميت يجزيء عنه وان الحاج يلبي حتى يرمي جمرة العقبة وان المحرم له استدامة الطيب دون ابتدائه وان السنة ان يسلم في الصلاة عن يمينه وعن يساره السلام عليكم ورحمة الله السلام عليكم ورحمة الله وان خيار المجلس ثابت في البيع وان المصراة يرد معها عوض اللبن صاعا من تمر وأن صلاة الكسوف بركوعين في كل ركعة وان القضاء جائز بشاهد ويمين إلى أضعاف أضعاف ذلك من المسائل ولهذا صرح الأئمة بنقض حكم من حكم بخلاف كثير من هذه المسائل من غير طعن منهم على من قال بها.

وعلى كل حال فلا عذر عند الله يوم القيامة لمن بلغه ما في المسألة من هذا الباب وغيره من الأحاديث والآثار التي لا معارض لها إذا نبذها وراء ظهره وقلد من نهاه عن تقليده وقال له لا يحل لك ان تقول بقولى إذا خالف السنة وإذا صح الحديث فلا تعبأ بقولى وحتى لو لم يقل له ذلك كان هذا هو الواجب عليه وجوبا لا فسحة له فيه وحتى لو قال: له خلاف ذلك لم يسعه إلا اتباع الحجة ولو لم يكن في هذا الباب شئ من الأحاديث والآثار ألبتة فإن المؤمن يعلم بالاضطرار ان رسول الله ﷺ لم يكن يعلم أصحابه هذه الحيل ولا يدلهم عليها ولو بلغه عن أحد فعل شيئا منها لأنكر عليه ولم يكن أحد من أصحابه يفتى بها ولا يعلمها وذلك مما يقطع به كل من له أدنى اطلاع على أحوال القوم وسيرتهم وفتاويهم وهذا القدر لا يحتاج إلى دليل أكثر من معرفة حقيقة الدين الذي بعث الله به رسوله.

فصل بيان تفصيلي لتحريم التحيل

فلنرجع إلى المقصود وهو بيان بطلان هذه الحيل على التفصيل وانها لا تتمشى لا على قواعد الشرع ومصالحه وحكمه على أصول الأئمة.

حيلة باطلة في تصحيح الوقف على النفس

قال شيخنا ومن الحيل الجديدة التي لا أعلم بين فقهاء الطوائف خلافا في تحريمها أن يريد الرجل ان يقف على نفسه بعد موته على جهات متصلة فيقول له أرباب الحيل أقر أن هذا المكان الذي بيدك وقف عليك من غيرك ويعلمونه الشروط التي يريد إنشاءها فيجعلها إقرارا فيعملونه الكذب في الإقرار ويشهدون على الكذب وهم يعلمون ويحكمون بصحته ولا يستريب مسلم في أن هذا حرام فإن الإقرار شهادة من الإنسان على نفسه فكيف يلقن شهادة الزور ويشهد عليه بصحتها ثم ان كان وقف الإنسان على نفسه باطلا في دين الله فقد علمتموه حقيقة الباطل فإن الله تعالى قد علم ان هذا لم يكن وقفا قبل الإقرار ولا صار وقفا بالإقرار الكاذب فيصير المال حراما على من يتناوله إلى يوم القيامة وإن كان وقف الإنسان على نفسه صحيحا فقد أغنى الله تعالى عن تكلف الكذب.

قلت: ولو قيل إنه مسألة خلاف يسوغ فيها الاجتهاد فإذا وقفه على نفسه كان لصحته مساغ لما فيه من الاختلاف لساغ واما الإقرار بوقفه من غير إنشاء متقدم فكذب بحت ولا يجعله ذلك وقفا اتفاقا إذا أخذ الإقرار على حقيقته ومعلوم قطعا ان تقليد الإنسان لمن يفتى بهذا القول ويذهب إليه أقرب إلى الشرع والعقل من توصيله إليه بالكذب والزور والإقرار الباطل فتقليد عالم من علماء المسلمين اعذر عند الله من تلقين الكذب والشهادة عليه.

فصل حيلة أخرى في الوقف على النفس

ولهم حيلة أخرى وهي ان الذي يريد الوقف يملكه لبعض من يثق به ثم يقفه المملك عليه بحسب اقتراحه وهذا لا شك في قبحه وبطلانه فإن التمليك المشروع المعقول ان يرضى المملك بنقل الملك إلى المملك بحيث يتصرف فيه بما يحب من وجوه التصرفات وهنا قد علم الله تعالى والحفظة الموكلون بالعبد ومن يشاهدهم من بني آدم من هذا المملك انه لم يرض بنقل الملك إلى هذا ولا خطر له على بال ولو سأله درهما واحدا فلعله كان لم يسمح به عليه ولم يرض بتصرفه فيه إلا بوقفه على المملك خاصة بل قد ملكه إياه بشرط ان يتبرع عليه به وقفا إما بشرط مذكور وإما بشرط معهود متواطأ عليه وهذا تمليك فاسد قطعا وليس بهبة ولا صدقة ولا هدية ولا وصية ولا إباحة وليس هذا بمنزلة العمري والرقبي المشروط فيها العود إلى المعمر فإن هناك ملكه التصرف فيه وشرط العود وهنا لم يملكه شيئا وإنما تكلم بلفظ التمليك غير قاصد معناه والموهوب له يصدقه أنهما لم يقصدا حقيقة الملك بل هو استهزاء بآيات الله وتلاعب بحدوده وسنذكر أن شاء الله في الفصل الذي بعد هذا الطريق الشرعية المغنية عن هذه الحيلة الباطلة.

فصل حيلة باطلة في مخالفة شرط الواقف

ومن الحيل الباطلة تحيلهم على إيجار الوقف مائة سنة مثلا وقد شرط الواقف ألا يؤجر أكثر من سنتين أو ثلاثا فيؤجر المدة الطويلة في عقود متفرقة في مجلس واحد وهذه الحيلة باطلة قطعا فإنه إنما قصد بذلك دفع المفاسد المترتبة على طول مدة الاجارة فإنها مفاسد كثيرة جدا وكم قد ملك من الوقوف بهذه الطرق وخرج عن الوقفية بطول المدة واستيلاء المستأجر فيها على الوقف هو وذريته وورثته سنينا بعد سنين وكم فات البطون اللواحق من منفعة الوقف بالايجار الطويل وكم أوجر الوقف بدون إجارة مثله لطول المدة وقبض الأجرة وكم زادت أجرة الأرض أو العقار اضعاف ما كانت ولم يتمكن الموقوف عليه من استيفائها وبالجملة فمفاسد هذه الاجارة تفوت العد والواقف إنما قصد دفعها وخشى منها بالاجارة الطويلة فصرح بأنه لا يؤجر أكثر من تلك المدة التي شرطها فإيجاره أكثر منها سواء كان في عقد أو عقود مخالفة صريحة لشرطه مع ما فيها من المفسدة بل المفاسد العظيمة.

ويالله العجب هل تزول هذه المفاسد بتعدد العقود في مجلس واحد وأي غرض للعاقل ان يمنع الاجارة لأكثر من تلك المدة ثم يجوزها في ساعة واحدة في عقود متفرقة وإذا اجره في عقود متفرقة أكثر من ثلاث سنين ايصح أن يقال وفي بشرط الواقف ولم يخالفه هذا من أبطل الباطل وأقبح الحيل وهو مخالف لشرط الواقف ومصلحة الموقوف عليه وتعرض لإبطال هذه الصدقة وان لا يستمر نفعها والا يصل إلى من بعد الطبقة الأولى وما قاربها فلا يحل لمفت ان يفتى بذلك ولا لحاكم ان يحكم به ومتى حكم به نقض حكمه اللهم إلا أن يكون فيه مصلحة الوقف بأن يخرب ويتعطل نفعه فتدعو الحاجة إلى إيجاره مدة طويلة يعمر فيها بتلك الأجرة فهنا يتعين مخالفة شرط الواقف تصحيحا لوقفه واستمرارا لصدقته وقد يكون هذا خيرا من بيعه والاستبدال به وقد يكون البيع أو الاستبدال خيرا من الاجارة والله يعلم المفسد من المصلح.

والذي يقضى منه العجب التحيل على مخالفة شرط الواقف وقصده الذي يقطع بأنه قصده مع ظهور المفسدة والوقوف مع ظاهر شرطه ولفظه المخالف القصده والكتاب والسنة ومصلحة الموقوف عليه بحيث يكون مرضاة الله ورسوله ومصلحة الواقف وزيادة اجره ومصلحة الموقوف عليه وحصول الرفق به مع كون العمل أحب إلى الله ورسوله لا يغير شرط الواقف ويجرى مع ظاهر لفظه وإن ظهر قصده بخلافه وهل هذا إلا من قلة الفقه بل من عدمه فإذا تحيلتم على إبطال مقصود الواقف حيث يتضمن المفاسد العظيمة فهلا تحيلتم على مقصوده ومقصود الشارع حيث يتضمن المصالح الراجحة بتخصيص لفظه أو تقييده أو تقديم شرط الله عليه فإن شرط الله أحق وأوثق بل يقولون ههنا نصوص الواقف كنصوص الشارع وهذه جملة من أبطل الكلام وليس لنصوص الشارع نظير من كلام غيره أبدا بل نصوص الواقف يتطرق اليها التناقض والاختلاف ويجب إبطالها إذا خالفت نصوص الشارع وإلغاؤها ولا حرمة لها حينئذ ألبتة ويجوز بل يترجح مخالفتها إلى ما هو أحب إلى الله ورسوله منها وانفع للواقف والموقوف عليه ويجوز اعتبارها والعدول عنها مع تساوي الأمرين ولا يتعين الوقوف معها وسنذكر إن شاء الله فيما بعد ونبين ما يحل الإفتاء به وما يحل من شروط الواقفين إذ القصد بيان بطلان هذه الحيلة شرعا وعرفا ولغة.

فصل حيلة باطلة لإبرار من حلف لا يفعل شيئا ومثله لا يفعله بنفسه عادة

ومن الحيل الباطلة ما لو حلف ان لا يفعل شيئا ومثله لا يفعله بنفسه أصلا كما لو حلف السلطان ان لا يبيع كذا ولا يحرث هذه الأرض ولا يزرعها ولا يخرج هذا من بلده ونحو ذلك فالحيلة ان يامر غيره ان يفعل ذلك ويبر في يمينه إذا لم يفعله بنفسه وهذا من أبرد الحيل وأسمجها وأقبحها وفعل ذلك هو الحنث الذي حلف عليه بعينه ولا يشك في انه حانث ولا أحد من العقلاء وقد علم الله ورسوله والحفظة بل والحالف نفسه أنه إنما حلف على نفي الأمر والتمكين من ذلك لا على مباشرته والحيل إذا افضت إلى مثل هذا سمجت غاية السماجة ويلزم أرباب الحيل والظاهر أنهم يقولون إنه إذا حلف ان لا يكتب لفلان توقيعا ولا عهدا ثم أمر كتابه ان يكتبوه له فإنه لا يحنث سواء كان أميا أو كاتبا وكذلك إذا حلف ان لا يحفر هذا البئر ولا يكرى هذا النهر فامر غيره بحفره وإكرائه انه لا يحنث.

فصل حيلة باطلة لمن حلف ألا يفعل شيئا ففعل بعضه

ومن الحيل الباطلة لو حلف لا يأكل هذا الرغيف أو لا يسكن في الدار هذه السنة أو لا يأكل هذا الطعام قالوا: يأكل الرغيف ويدع منه لقمة واحدة ويسكن السنة كلها إلا يوما واحدا ويأكل الطعام كله إلا القد اليسير منه ولو انه لقمة.

وهذه حيلة باطلة باردة ومتى فعل ذلك فقد أتى بحقيقة الحنث وفعل نفس ما حلف عليه وهذه الحيلة لا تتأتى على قول من يقول يحنث بفعل بعض المحلوف عليه ولا على قول من يقول لا يحنث لأنه لم يرد مثل هذه الصورة قطعا وإنما أراد به إذا أكل لقمة مثلا من الطعام الذي حلف انه لا يأكله أو حبة من القطف الذي حلف على تركه ولم يرد انه يأكل القطف إلا حبة واحدة منه وعالم لا يقول هذا.

ثم يلزم هذا المتحيل ان يجوز المكلف فعل كل ما نهى الشارع عن جملته فيفعله إلا القدر اليسير منه فإن البر والحنث في الايمان نظير الطاعة والمعصية في الأمر والنهي ولذلك لا يبر إلا بفعل المحلوف عليه جميعه لا بفعل بعضه كما لا يكون مطيعا إلا بفعله جميعه ويحنث بفعل بعضه كما يعصى بفعل بعضه فيلزم هذا القائل ان يجوز للمحرم في الاحرام حلق تسعة اعشار رأسه بل وتسعة اعشار العشر الباقي لأن الله تعالى إنما نهاه عن حلق رأسه كله لا عن بعضه كما يفتى لمن حلف لا يحلق رأسه ان يحلقه إلا القدر اليسير منه.

وتأمل لو فعل المريض هذا فيما نهاه الطبيب عن تناوله هل يعد قابلا منه أو لو فعل مملوك الرجل أو زوجته أو ولده ذلك فيما نهاهم عنه هل يكونون مطيعين له أم مخالفين وإذا تحيل احدهم على نقض غرض الآمر وإبطاله بأدنى الحيل هل كان يقبل ذلك منه ويحمده عليه أو يعذره وهل يعذر احدا من الناس يعامله بهذه الحيل فكيف يعامل هو بهذا من لاتخفى عليه خافية.

فصل حيلة باطلة في إسقاط حق الحضانة للأم

ومن الحيل الباطلة المحرمة ما لو أراد الأب إسقاط حضانة الأم ان يسافر إلى غير بلدها فيتبعه الولد.

وهذه الحيلة مناقضة لما قصده الشارع فإنه جعل الأم أحق بالولد من الأب مع قرب الدار وإمكان اللقاء كل وقت لو قضى به للأب وقضى ان لا توله والدة على ولدها وأخبر ان من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة ومنع ان تباع الأم دون ولدها والولد دونها وإن كانا في بلد واحد فكيف يجوز مع هذا التحيل على التفريق بينها وبين ولدها تفريقا تعز معه رؤيته ولقاؤه ويعز عليها الصبر عنه وفقده وهذا من امحل المحال بل قضاء الله ورسوله أحق ان الولد للأم سافر الأب أو أقام والنبي ﷺ قال: للأم أنت أحق به ما لم تنكحي فكيف يقال أنت أحق به ما لم يسافر الأب وأين هذا في كتاب الله أو في سنة رسول الله ﷺ أو فتاوي أصحابه أو القياس الصحيح فلا نص ولا قياس ولا مصلحة.

فصل حيلة باطلة في نفاذ تصرفات المريض

ومن الحيل المحرمة إذا أراد حرمان امرأته من الميراث أو كانت تركته كلها عبيدا وإماء فأراد جعل تدبيرهم من رأس المال ان يقول في الصورة الأولى إذا مت من مرضي هذا فأنت طالق قبل مرضي بساعة ثلاثا ويقول في الصورة الثانية إذا مت في مرضي هذا فأنتم عتقاء قبله بساعة وحينئذ فيقع الطلاق والعتق في الصحة.

وهذه حيلة باطلة فإن التعليق إنما وقع منه في حال مرض موته ولم يقارنه اثره وهو في هذه الحال لو نجز العتق والطلاق لكان العتق من الثلث والطلاق غير مانع للميراث مع مقارنة اثره له وقوة المنجز وضعف المعلق وأيضا فالشرط هو موته في مرضه والجزاء المعلق عليه هو العتق والطلاق والجزاء يستحيل ان يسبق شرطه إذ في ذلك إخراج الشرط عن حقيقته وحكمه وقد تقدم تقرير ذلك في الحيلة السريجية.

فصل حيلة باطلة لتأخير قبض رأس مال السلم

ومن الحيل الباطلة المحرمة إذا كان مع أحدهما دينار رديء ومع الآخر نصف دينار جيد فأراد بيع أحدهما بالآخر قال: أرباب الحيل الحيلة ان يبيعه دينارا بدينار في الذمة ثم يأخذ البائع الدينار الذي يريد شراءه بالنصف فيريد الآخر دينارا عوضه فيدفع إليه نصف الدينار وفاء ثم يستقرضه منه فيبقى له في ذمته نصف دينار ثم يعيده إليه وفاء عن قرضه فيبرأ منه ويفوز كل منهما بما كان مع الآخر ومثل هذه الحيلة لو أراد أن يجعل بعض رأس مال السلم دينارا يوفيه اياه في وقت آخر بأن يكون معه نصف دينار ويريد أن يسلم إليه دينارا في كر حنطة فالحيلة ان يسلم إليه دينارا غير معين ثم يوفيه نصف الدينار ثم يعود فيستقرضه منه ثم يوفيه إياه عما له عليه من الدين فيتفرقان وقد بقى له في ذمته نصف دينار.

وهذه الحيلة من أقبح الحيل فإنهما لا يخرجان بها عن بيع دينار بنصف دينار ولا عن تأخير رأس مال السلم عن مجلس العقد ولكن توصلا إلى ذلك بالقرض الذي جعلا صورته مبيحة لصريح الربا ولتأخير قبض رأس مال السلم وهذا غير القرض الذي جاءت به الشريعة وهو قرض لم يشرعه الله وإنما اتخذه المتعاقدان تلاعبا بحدود الله وأحكامه واتخاذا لآياته هزوا وإذا كان القرض الذي يجر النفع ربا عند صاحب الشرع فكيف بالقرض الذي يجر صريح الربا وتأخير قبض رأس مال السلم؟

فصل حيل باطلة لإسقاط حق الشفعة

ومن الحيل الباطلة المحرمة التحيل على إسقاط ما جعله الله حقا للشريك على شريكه من استحقاق الشفعة دفعا للضرر والتحيل لإبطالها مناقض لهذا الغرض وإبطال لهذا الحكم بطريق التحيل وقد ذكروا وجوها من الحيل.

منها أن يتفقا على مقدار الثمن ثم عند العقد يصبره صبرة غير موزونة فلا يعرف الشفيع ما يدفع فإذا فعلا ذلك فللشفيع ان يستحلف المشتري انه لا يعرف قدر الثمن فإن نكل قضى عليه بنكوله وان حلف فللشفيع أخذ الشقص بقيمته.

ومنها أن يهب الشقص للمشتري ثم يهبه المشتري ما يرضيه وهذا لا يسقط الشفعة وهذا بيع وإن لم يتلفظا به فله ان يأخذ الشقص بنظير الموهوب.

ومنها أن يشتري الشقص ويضم إليه سكينا أو منديلا بألف درهم فيصير حصة الشقص من الثمن مجهولة وهذا لايسقط الشفعة بل يأخذ الشفيع الشقص بقيمته كما لو استحق أحد العوضين واراد المشتري أخذ الآخر فإنه يأخذه بحصته من الثمن إن انقسم الثمن عليهما بالأجزاء وإلا فبقيمته وهذا الشقص مستحق شرعا فإن الشارع جعل الشفيع أحق به من المشتري بثمنه فلا يسقط حقه منه بالحيلة والمكر والخداع.

ومنها أن يشتري الشقص بألف دينار ثم يصارفه عن كل دينار بدرهمين فإذا أراد أخذه أخذه بالثمن الذي وقع عليه العقد وهذه الحيلة لاتسقط الشفعة وإذا أراد أخذه أخذه بالثمن الذي استقر عليه العقد وتواطأ عليه البائع والمشتري فإنه هو الذي انعقد به العقد ولا عبرة بما أظهراه من الكذب والزور والبهتان الذي لا حقيقة له ولهذا لو استحق المبيع فإن المشتري لا يرجع على البائع بألف دينار وإنما يرجع بالثمن الذي تواطأ عليه واستقر عليه العقد فالذي يرجع به عند الاستحقاق هو الذي يدفعه الشفيع عند الأخذ هذا محض العدل الذي أرسل الله به رسله وأنزل به كتبه ولا تحتمل الشريعة سواه.

ومنها أن يشتري بائع الشقص من المشتري عبدا قيمته مائة درهم بألف درهم في ذمته ثم يبيعه الشقص بالألف وهذه الحيلة لا تبطل الشفعة ويأخذ الشفيع الشقص بالثمن الذي يرجع به المشتري على البائع إذا استحق المبيع وهو قيمة العبد.

ومنها أن يشتري الشقص بألف وهو يساوي مائة ثم يبرئه البائع من تسعمائة وهذا لا يسقط الشفعة ويأخذه الشفيع بما بقي من الثمن بعد الإسقاط وهو الذي يرجع به إذا استحق البيع.

ومنها أن يشتري جزءا من الشقص بالثمن كله ثم يهب له بقية الشقص وهذا لا يسقطها ويأخذ الشفيع الشقص كله بالثمن فإن هذه الهبة لا حقيقة لها والموهوب هو المبيع بعينه ولا تغير حقائق العقود وأحكامها التي شرعت فيها بتغير العبارة.

وليس للمكلف ان يغير حكم العقد بتغيير عبارته فقط مع قيام حقيقته وهذا لو أراد من البائع ان يهبه جزءا من ألف جزء من الشقص بغير عوض لما سمحت نفسه بذلك ألبتة فكيف يهبه ما يساوي مائة ألف بلا عوض وكيف يشتري منه الآخر مائة درهم بمائة ألف وهل هذا إلا سفه يقدح في صحة العقد.

قال الإمام أحمد في رواية إسماعيل بن سعيد وقد سأله عن الحيلة في إبطال الشفعة فقال: لا يجوز شيء من الحيل في ذلك ولا في إبطال حق مسلم.

وقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في هذه الحيل وأشباهها: من يخدع الله يخدعه والحيلة خديعة.

وقد قال النبي ﷺ: "لا تحل الخديعة لمسلم" والله تعالى ذم المخادعين والمتحيل مخادع لأن الشفعة شرعت لدفع الضرر فلو شرع التحيل لإبطالها لكان عودا على مقصود الشريعة بالإبطال وللحق الضرر الذي قصد إبطاله.

فصل حيلة باطلة لتفويت حق القسمة

ومن الحيل الباطلة التحيل على إبطال القسمة في الأرض القابله لها بأن يقف الشريك منها سهما من ألف سهم مثلا على من يريد فيصير الشريك شريكا في الوقف والقسمة بيع فتبطل.

وهذه حيلة فاسدة باردة لا تبطل حق الشريك من القسمة وتجوز القسمة ولو وقف حصته كلها فإن القسمة إفراز حق وإن تضمنت معاوضة وهي غير البيع حقيقة واسما وحكما وعرفا ولا يسمى القاسم بائعا لا لغة ولا شرعا ولا عرفا ولا يقال للشريكين إذا تقاسما تبايعا ولا يقال لواحد منهما إنه قد باع ملكه ولا يدخل المتقاسمان تحت نص واحد من النصوص المتناولة للبيع ولا يقال لناظر الوقف إذا أفرز الوقف وقسمه من غيره إنه قد باع الوقف وللآخر إنه قد اشترى الوقف وكيف ينعقد البيع بلفظ القسمة ولو كانت بيعا لوجبت فيها الشفعة ولو كانت بيعا لما أجبر الشريك عليها إذا طلبها شريكه فإن أحدا لا يجبر على بيع ماله ويلزم بإخراج القرعة بخلاف البيع ويتقدر أحد النصيبين فيها بقدر النصيب الآخر إذا تساويا وبالجملة فهى منفردة عن البيع باسمها وحقيقتها وحكمها.

فصل حيلة باطلة لتصحيح المزارعة لمن يعتقد فسادها

ومن الحيل الباطلة التحيل على تصحيح المزارعة لمن يعتقد فسادها بأن يدفع الأرض إلى المزارع ويؤجره نصفها مشاعا مدة معلومة يزرعها ببذره على أن يزرع للمؤجر النصف الآخر ببذره تلك المدة ويحفظه ويسقيه ويحصده ويذريه فإذا فعلا ذلك أخرج البذر منهما نصفين نصفا من المالك ونصفا من المزارع ثم خلطاه فتكون الغلة بينهما نصفين فإن أراد صاحب الأرض ان يعود إليه ثلثا الغلة آجره ثلث الأرض مدة معلومة على أن يزرع له مدة الاجارة ثلثي الأرض ويخرجان البذر منهما أثلاثا ويخلطانه وإن أراد المزارع أن يكون له ثلثا البذر استأجر ثلثى الأرض برزع الثلث الآخر كما تقدم.

فتأمل هذه الطويلة الباردة المتعبة وترك الطريق المشروعه التي فعلها رسول الله ﷺ حتى كأنها رأي عين واتفق عليها الصحابة وصح فعلها عن الخلفاء الراشدين صحة لا يشك فيها كما حكاه البخاري في صحيحه فما مثل هذا العدول عن طريقة القوم إلى هذه الحيلة الطويلة السمجة إلا بمنزلة من أراد الحج من المدينة على الطريق التي حج فيها رسول الله ﷺ وأصحابه فقيل له هذه الطريق مسدودة وإذا أردت أن تحج فاذهب إلى الشام ثم منها إلى العراق ثم حج على درب العراق وقد وصلت.

فيالله العجب كيف تسد عليه الطريق القريبة السهلة القليلة الخطر التي سلكها رسول الله ﷺ وأصحابه ويدل على الطريق الطويلة الصعبة المشقة الخطرة التي لم يسلكها رسول الله ﷺ ولا أحد من أصحابه؟

فلله العظيم عظيم حمد ** كما أهدى لنا نعما غزارا.

وهذا شأن جميع الحيل إذا كانت صحيحة جائزة واما إذا كانت باطلة محرمة فتلك لها شأن آخر وهي طريق إلى مقصد آخر غير الكعبة البيت الحرام وبالله التوفيق.

فصل حيلة باطلة في إسقاط حق الأب في الرجوع في الهبة وحق الزوج في الرجوع في نصف الصداق

ومن الحيل الباطلة التي لا تسقط الحق إذا أراد الابن منع الأب الرجوع فيما وهبه إياه أن يبيعه لغيره ثم يستقيله إياه وكذلك المرأة إذا أرادت منع الزوج من الرجوع في نصف الصداق باعته ثم استقالته.

وهذا لا يمنع الرجوع فإن المحذور إبطال حق الغير من العين وهذا لا يبطل للغير حقا والزائل العائد كالذي لم يزل ولا سيما إذا كان زواله إنما جعل ذريعة وصورة إلى إبطال حق الغير فإنه لا يبطل بذلك.

يوضحه أن الحق كان متعلقا بالعين تعلقا قدم الشارع مستحقه على المالك لقوته ولا يكون صورة إخراجه عن يد المالك إخراجا لا حقيقة له أقوى من الاستحقاق الذي أثبت الشارع به انتزاعه من يد المالك بل لو كان الإخراج حقيقة ثم عاد لعاد حق الأول من الأخذ لوجود مقتضيه وزوال مانعه والحكم إذا كان له مقتض فمنع مانع من إعماله ثم زال المانع اقتضى المقتضى عمله.

فصل حيلة باطلة لتجويز الوصية للوارث

ومن الحيل الباطلة المحرمة إذا أراد أن يخص بعض ورثته ببعض الميراث وقد علم ان الوصية لا تجوز وان عطيته في مرضه وصية فالحيلة ان يقول كنت وهبت له كذا وكذا في صحتى أو يقر له بدين فيتقدم به.

وهذا باطل والإقرار للوارث في مرض الموت لا يصح للتهمة عند الجمهور بل مالك يرده للأجنبي إذا ظهرت التهمة وقوله هو الصحيح وأما إقراره أنه كان وهبه إياه في صحته فلا يقبل أيضا كما لا يقبل إقراره له بالدين ولا فرق بين إقراره له بالدين أو بالعين وأيضا المريض لا يملك إنشاء عقد التبرع المذكور فلا يملك الإقرار به لاتحاد المعنى الموجب لبطلان الإنشاء فإنه بعينه قائم في الإقرار وبهذا يزول النقض بالصور التي يملك فيها الإقرار دون الإنشاء فإن المعنى الذي منع من الإنشاء هناك لم يوجد في الإقرار فتأمل هذا الفرق.

فصل حيلة باطلة في محاباة وارث

ومن الحيل الباطلة المحرمة إذا أراد أن يحابى وارثه في مرضه أن يبيع أجنبيا شفيعه وارثه شقصا بدون ثمنه ليأخذه وارثه بالشفعة.

فمتى قصد ذلك حرمت المحاباة المذكورة وكان للورثة إبطالها إذا كانت حيلة على محاباة الوارث وهذا كما يبطل الإقرار له لأنه قد يتخذ حيلة لتخصيصه.

وقال أصحابنا: له الأخذ بالشفعة وهذا لا يستقيم على أصول المذهب إلا إذا لم يكن حيلة فأما إذا كان حيلة فأصول المذهب تقتضي ما ذكرناه ومن اعتبر سد الذرائع فأصله يقتضى عدم الأخذ بها وان لم يقصد الحيلة فإن قصد التحيل امتنع الأخذ لذلك وإن لم يقصده امتنع سدا للذريعة.

فصل حيلة باطلة لإسقاط أرش الجنايات

ومن الحيل الباطلة إذا أوضح رأسه في موضعين وجب عليه عشرة أبعرة من الابل فإذا أراد جعلها خمسة فليوضحه ثالثة تخرق ما بينهما.

وهذه الحيلة مع أنها محرمة فإنها لا تسقط ما وجب عليه فإن العشر لا يجب عليه إلا بالاندمال فإذا فعل ذلك بعد الاندمال فهى موضحة ثالثة وعليه ديتها فإن كان قبل الاندمال ولم يستقر ارش الموضحتين الأوليين حتى صار الكل واحدة من جان واحد فهو كما لو سرت الجناية حتى خرقت ما بينهما فإنها تصير واحدة وهكذا لو قطع أصبعا بعد أصبع من امرأة حتى قطع أربعا فإنه يجب عشرون ولو اقتصر على الثلاث وجب ثلاثون وهذا بخلاف ما لو قطع الرابعة بعد الاندمال فإنه يجب فيها عشر كما لو تعدد الجاني فإنه يجب على كل واحد ارش جنايته قبل الاندمال وبعده وكذلك لو قطع أطراف رجل وجب عليه ديات فإن اندملت ثم قتله بعد ذلك فعليه مع تلك الديات دية النفس ولو قتله قبل الاندمال فدية واحدة كما لو قطعه عضوا عضوا حتى مات.

حيل باطلة لإسقاط حد السرقة

ومن الحيل الباطلة الحيل التي فتحت للسراق واللصوص التي لو صحت لم تقطع يد سارق أبدا ولعم الفساد وتتابع السراق في السرقة.

فمنها أن ينقب أحدهما السطح ولا يدخل ثم يدخل عبده أو شريكه فيخرج المتاع من السطح.

ومنها أن ينزل أحدهما من السطح فيفتح الباب من داخل ويدخل الآخر فيخرج المتاع.

ومنها أن يدعى انه ملكه وان رب البيت عبده فبمجرد ما يدعى ذلك يسقط عنه القطع ولو كان رب البيت معروف النسب والناس تعرف ان المال ماله وأبلغ من هذا انه لو أدعى العبد السارق ان المسروق لسيده وكذبه السيد قالوا: فلا قطع عليه بل يسقط عنه القطع بهذه الدعوى.

ومنها أن يبلع الجوهرة أو الدنانير ويخرج بها.

ومنها أن يغير هيئة المسروق بالحرز ثم يخرج به.

ومنها أن يدعى ان رب الدار أدخله داره وفتح له باب داره فيسقط عنه القطع وإن كذبه إلى أمثال ذلك من الأقوال التي حقيقتها أنه لا يجب القطع على سارق ألبتة.

وكل هذه حيل باطلة لا تسقط القطع ولا تثير أدنى شبهة ومحال أن تأتي شريعة بإسقاط عقوبة هذه الجريمة بها بل ولا سياسة عأدلة فإن الشرائع مبنية على مصالح العباد وفي هذه الحيل أعظم الفساد ولو ان ملكا من الملوك وضع عقوبة على جريمة من الجرائم لمصلحة رعيته ثم أسقطها بأمثال هذه الحيل عد متلاعبا.

فصل حيل باطلة لإسقاط حد الزنا

ومن الحيل الباطلة الحيلة التي تتصمن إسقاط حد الزنا بالكلية وترفع هذه الشريعة من الأرض بأن يستأجر المرأة لتطوي له ثيابه أو تحول له متاعا من جانب الدار إلى جانب آخر أو يستأجرها لنفس الزنا ثم يزني بها فلا يجب عليه الحد.

وأعظم من هذا كله انه إذا أراد أن يزني بأمه أو اخته أو ابنته أو خالته أو عمته ولا يجب عليه الحد فليعقد عليها عقد النكاح بشهادة فاسقين ثم يطؤها ولا حد عليه.

وأعظم من ذلك أن الرجل المحصن إذا أراد أن يزني ولا يحد فليرتد ثم يسلم فإنه إذا زني بعد ذلك فلا حد عليه أبدا حتى يستأنف نكاحا أو وطئا جديدا.

وأعظم من هذا كله انه إذا زنى بأمه وخاف من إقامة الحد عليه فليقتلها فإذا فعل ذلك سقط عنه الحد وإذا شهد عليه الشهود بالزنا ولم يمكنه القدح فيهم فليصدقهم فإذا صدقهم سقط عنه الحد.

ولا يخفى أمر هذه الحيل ونسبتها إلى دين الإسلام وهل هي نسبة موافقة أو هي نسبة مناقضة.

فصل حيلة باطلة لإبرار يمين

ومن الحيل الباطلة انه إذا حلف لا يأكل من هذا القمح فالحيلة ان يطحنه ويعجنه ويأكله خبزا وطرد هذه الحيلة الباردة انه إذا حلف لا يأكل هذه الشاة فليذبحها وليطبخها ثم يأكلها وإذا حلف انه لا ياكل من هذه النخلة فليجد ثمرها ثم يأكلها فإن طردوا ذلك فمن الفضائح الشنيعة وإن فرقوا تناقضوا فإن قالوا: الحنطة يمكن أكلها صحاحا بخلاف الشاة والنخلة فإنه لا يمكن فيها ذلك قيل: والعادة ان الحنطة لا يأكلها صحاحا إلا الدواب والطير وإنما تؤكل خبزا فكلاهما سواء عند الحالف وكل عاقل.

فصل حيلة أشنع من الحيلة اليهودية

ومن الحيل الباطلة المحرمة المضاهية للحيلة اليهودية ما لو حلف انه لا يأكل هذا الشحم فالحيلة ان يذيبه ثم يأكله.

وهذا كله تصديق لقول رسول الله ﷺ: "لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة" قالوا: اليهود والنصارى قال: "فمن" وتصديق قوله: "لتأخذن أمتي ما أخذ الأمم قبلها شبرا بشبر وذراعا بذارع حتى لو كان منهم من أتى أمه علانية لكان فيهم من يفعله".

وهذه الحيلة في الشحوم هي حيلة اليهود بعينها بل أبلغ منها فإن أولئك لم يأكلوا الشحم بعد إذابته وإنما أكلوا ثمنه.

فصل حيلة باطلة لتجويز نكاح الأمة مع الطول

ومن الحيل الباطلة المحرمة لمن أراد أن يتزوج بأمة وهو قادر على نكاح حرة ان يملك ماله لولده ثم يعقد على الأمة ثم يسترد المال منه وهذه الحيلة لا ترفع المفسدة التي حرم لأجلها نكاح الأمة ولا تخففها ولا تجعله عادما للطول فلا تدخل في قوله ومن لم يستطع منكم طولا ان ينكح المحصنات المؤمنات وهذه الحيلة حيلة على استباحة نفس ما حرم الله تعالى.

فصل حيلة باطلة لتجويز تعلية بناء الكافر على بناء المسلم

ومنها لو على كافر بناءه على مسلم منع من ذلك فالحيلة على جوازه ان يعليها مسلم ما شاء ثم يشتريها الكافر منه فيسكنها.

وهذه الحيلة وإن ذكرها بعض الأصحاب فهى مما أدخلت في المذهب غلطا محضا ولا توافق أصوله ولا فروعه فالصواب المقطوع به عدم تمكينه من سكناها فإن المفسدة لم تكن في نفس البناء وإنما كانت في ترفعة على المسلمين ومعلوم قطعا ان هذه المفسدة في الموضعين واحدة.

فصل حيلة باطلة لإسقاط الضمان عن الغاصب

ومن الحيل الباطلة إذا غصبه طعاما ثم أراد أن يبرأ منه ولا يعلمه به فليدعه إلى داره ثم يقدم له ذلك الطعام فإذا أكله بريء الغاصب.

وهذه الحيلة باطلة فإنه لم يملكه إياه ولا مكنه من التصرف فيه فلم يكن بذلك رادا لعين ماله إليه.

فإن قيل: فما تقولون لو أهداه إليه فقبله وتصرف فيه وهو لا يعلم أنه ماله قيل إن خاف من إعلامه به ضررا يلحقه منه برئ بذلك وان لم يخف ضررا وإنما أراد المنة عليه ونحو ذلك لم يبرأ ولا سيما إن كافأه على الهدية فقبل فهذا لا يبرأ قطعا.

فصل حيل باطلة في الايمان

ومن الحيل الباطلة بلا شك الحيل التي يفتى بها من حلف لا يفعل الشيء ثم حلف ليفعلنه فيتحيل له حتى يفعله بلا حنث وذكروا لها صورا.

أحدها: أن يحلف لا يأكل هذا الطعام ثم يحلف هو أو غيره ليأكلنه فالحيلة أن يأكله إلا لقمة منه فلا يحنث.

ومنها لو حلف ان لا يأكل هذا الجبن ثم حلف ليأكلنه قالوا: فالحيلة ان يأكله بالخبز ويبر ولا يحنث.

ومنها لو حلف لا يلبس هذا الثوب ثم حلف هو أو غيره ليلبسنه فالحيلة ان يقطع منه شيئا يسيرا ثم يلبسه فلا يحنث.

وطرد قوله أن ينسل منه خيطا ثم يلبسه.

ولا يخفى أمر هذه الحيلة وبطلانها وانها من أقبح الخداع واسمجه ولا يتمشى على قواعد الفقه ولا فروعه ولا أصول الأئمة فإنه إن كان بترك البعض لا يعد آكلا ولا لابسا فإنه لا يبرأ بالحلف ليفعلن فإنه إن عد فاعلا وجب أن يحنث في جانب النفي وإن لم يعد فاعلا وجب أن يحنث في جانب الثبوت فأما ان يعد فاعلا بالنسبة إلى الثبوت وغير فاعل بالنسبة إلى النفي فتلاعب.

فصل حيلة باطلة مشتقة من الحيلة السريجية

ومنها الحيل التي تبطل الظهار والايلاء والطلاق والعتق بالكلية وهي مشتقة من الحيلة السريجية كقوله إن تظاهرت منك أو آليت منك فأنت طالق قبله ثلاثا فلا يمكنه بعد ذلك ظهار ولا إيلاء وكذلك يقول إن أعتقتك فأنت حر قبل الاعتاق وكذلك لو قال: إن بعتك فأنت حر قبل البيع وقد تقدم بطلان هذه الحيل كلها.

فصل حيلة باطلة لحسبان الدين من الزكاة

ومن الحيل الباطلة المحرمة أن يكون له على رجل مال وقد افلس غريمه وايس من أخذ منه وأراد أن يحسبه من الزكاة فالحيلة ان يعطيه من الزكاة بقدر ما عليه فيصير مالكا للوفاء فيطالبه حينئذ بالوفاء فإذا أوفاه بريء وسقطت الزكاة عن الدافع.

وهذه حيلة باطلة سواء شرط عليه الوفاء أو منعه من التصرف فيما دفعه إليه أو ملكه إياه بنية ان يستوفيه من دينه فكل هذا لا يسقط عنه الزكاة ولا يعد مخرجا لها لا شرعا ولا عرفا كما لو أسقط دينه وحسبه من الزكاة.

قال مهنا: سألت أبا عبد الله عن رجل له على رجل دين برهن وليس عنده قضاؤه ولهذا الرجل زكاة مال قال: يفرقه على المساكين فيدفع إليه رهنه ويقول له الدين الذي لي عليك هو لك ويحسبه من زكاة ماله قال: لا يجزئه ذلك فقلت له فيدفع إليه زكاته فإن رده إليه قضى مما أخذه من ماله قال: نعم وقال في موضع آخر وقيل له فإن أعطاه ثم رده إليه قال: إذا كان بحيلة فلا يعجبني قيل: له فإن استقرض الذي عليه الدين دراهم فقضاه إياها ثم ردها عليه وحسبها من الزكاة قال: إذا أراد بهذا إحياء ماله فلا يجوز ومطلق كلامه ينصرف إلى هذا المقيد فيحصل من مذهبه أن دفع الزكاة إلى الغريم جائز سواء دفعها ابتداء أو استوفى حقه ثم دفع ما استوفاه إليه إلا أنه متى قصد بالدفع إحياء ماله واستيفاء دينه لم يجز لأن الزكاة حق لله وللمستحق فلا يجوز صرفها إلى الدافع ويفوز بنفعها العاجل.

ومما يوضح ذلك أن الشارع منعه من أخذها من المستحق بعوضها فقال لا تشترها ولا تعد في صدقتك فجعله بشرائها منه بثمنها عائدا فكيف إذا دفعها إليه بنية أخذها منه قال: جابر بن عبد الله إذا جاء المصدق فادفع إليه صدقتك ولا تشترها فإنهم كانوا يقولون ابتعها فأقول إنما هي لله وقال ابن عمر لا تشتر طهور مالك.

وللمنع من شرائه علتان إحداهما أنه يتخذ ذريعة وحيلة إلى استرجاع شيء منها لأن الفقير يستحي منه فلا يماسكه في ثمنها وربما أرخصها ليطمع أن يدفع إليه صدقة أخرى وربما علم أو توهم أنه إن لم يبعه إياها استرجعها منه فيقول ظفري بهذا الثمن خير من الحرمان.

العلة الثانية قطع طمع نفسه عن العود في شيء أخرجه لله بكل طريق فإن النفس متى طمعت في عوده بوجه ما فآمالها بعد متعلقة به فلم تطب به نفسا لله وهي متعلقة به فقطع عليها طمعها في العود ولو بالثمن ليتمحض الإخراج لله وهذا شأن النفوس الشريفة ذوات الأقدار والهمم أنها إذا أعطت عطاء لم تسمح بالعود فيه بوجه لا بشراء ولا بغيره وتعد ذلك دناءة ولهذا مثل النبي ﷺ العائد في هبته بالكلب يعود في قيئه لخسته ودناءة نفسه وشحه بما قاءه أن يفوته.

فمن محاسن الشريعة منع المتصدق من شراء صدقته ولهذا منع من سكنى بلاده التي هاجر منها لله وإن صارت بعد ذلك دار إسلام كما منع النبي ﷺ المهاجرين بعد الفتح من الاقامة بمكة فوق ثلاثة أيام لأنهم خرجوا عن ديارهم لله فلا ينبغى ان يعودوا في شيء تركوه لله وان زال المعنى الذي تركوها لأجله.

فإن قيل: فأنتم تجوزون له أن يقضى بها دين المدين إذا كان المستحق له غيره فما الفرق بين أن يكون الدين له أو لغيره ويحصل للغريم براءة ذمته وراحة من ثقل الدين في الدنيا ومن حمله في الآخرة فمنفعته ببراءة ذمته خير له من منفعة الأكل والشرب واللباس فقد انتفع هو بخلاصه من رق الدين وانتنفع رب المال بتوصله إلى أخذ حقه وصار هذا كما لو أقرضه مالا ليعمل فيه ويوفيه دينه من كسبه.

قيل هذه المسألة فيها روايتان منصوصتان عن الإمام أحمد رحمه الله إحداهما انه لا يجوز له ان يقضى دينه من زكاته بل يدفع إليه الزكاة ويؤديها هو عن نفسه والثانية يجوز له ان يقضى دينه من الزكاة قال: أبو الحارث قلت للإمام أحمد: رجل عليه ألف وكان على رجل زكاة ماله ألف فأداها عن هذا الذي عليه الدين يجوز هذا من زكاته قال: نعم ما أرى بذلك بأسا وعلى هذا فالفرق ظاهر لأن الدافع لم ينتفع ههنا بما دفعه إلى الغريم ولم يرجع إليه بخلاف ما إذا دفعه إليه ليستوفيه منه فإنه قد أحيا ماله بماله ووجه القول بالمنع انه قد يتخذ ذريعة إلى انتفاعه بالقضاء مثل أن يكون الدين لولده أو لامرأته أو لمن يلزمه نفقته فيستغنى عن الإنفاق عليه فلهذا قال: الإمام أحمد أحب إلى ان يدفعه إليه حتى يقضى هو عن نفسه قيل: هو محتاج يخاف ان يدفع إليه فيأكله ولا يقضى دينه قال: فقل له يوكله حتى يقضيه والمقصود أنه متى فعل ذلك حيلة لم تسقط عنه الزكاة بما دفعة فإنه لا يحل له مطالبة المعسر وقد أسقط الله عنه المطالبة فإذا توصل إلى وجوبها بما يدفعه إليه فقد دفع إليه شيئا ثم أخذه فلم يخرج منه شيء فإنه لو أراد الآخذ التصرف في المأخود وسد خلته منه لما مكنه فهذا هو الذي لا تسقط عنه الزكاة فأما لو أعطاه عطاء قطع طمعه من عوده إليه وملكه ظاهرا وباطنا ثم دفع إليه الآخذ دينه من الزكاة فهذا جائز كما لو أخذ الزكاة من غيره ثم دفعها إليه والله أعلم.

فصل حيلة باطلة لتجويز بيع الثمرة قبل بدو صلاحها

ومن الحيل الباطلة التحيل على نفس ما نهى عنه الشارع من بيع الثمرة قبل بدو صلاحها والحب قبل اشتداده بأن يبيعه ولا يذكر تبقيته ثم يخليه إلى وقت كماله فيصح البيع ويأخذه وقت إدراكه وهذا هو نفس ما نهى عنه الشارع إن لم يكن فعله بأدنى الحيل ووجه هذه الحيلة ان موجب العقد القطع فيصح وينصرف إلى موجبه كما لو باعها بشرط القطع ثم القطع حق لهما لا يعدوهما فإذا اتفقا على تركه جاز. ووجه بطلان هذه الحيلة ان هذا هو الذي نهى عنه رسول الله ﷺ بعينه للمفسدة التي يفضى اليها من التشاجر والتشاحن فإن الثمار تصيبها العاهات كثيرا فيفضى بيعها قبل كمالها إلى أكل مال المشتري بالباطل كما علل به صاحب الشرع ومن المعلوم قطعا ان هذه الحيلة لا ترفع المفسدة ولا تزيل بعضها وأيضا فإن الله وملائكته والناس قد علموا ان من اشترى الثمار وهي شيص لم يمكن احدا ان يأكل منها فإنه لا يشتريها للقطع ولو اشتراها لهذا الغرض لكان سفها وبيعه مردود وكذلك الجوز والخوخ والاجاص وما أشبهها من الثمار التي لا ينتفع بها قبل إدراكها لا يشتريها أحد إلا بشرط التبقية وان سكت عن ذكر الشرط بلسانه فهو قائم بقلبه وقلب البائع وفي هذا تعطيل للنص وللحكمة التي نهى الشارع لأجلها أما تعطيل الحكمة فظاهر وأما تعطيل النص فإنه إنما يحمله على ما إذا باعها بشرط التبقية لفظا فلو سكت عن التلفظ بذلك وهو مراده ومراد البائع جاز وهذا تعطيل لما دل عليه النص وإسقاط لحكمته.

فصل حيلة أخرى باطلة في الايمان

ومن الحيل الباطلة انه إذا حلف لا يبيعه هذه الجارية ثم أراد أن يبيعها منه فليبعه منها تسعمائة وتسعة وتسعين سهما ثم يهبه السهم الباقي وقد تقدم نظير هذه الحيلة الباطلة وكذلك لو حلف لا يبيعه ولا يهبه إياها ففعل ذلك لم يحنث ولو وقعت هذه الحيلة في جارية قد وطئها الحالف اليوم فأراد المالك ان يطأها بلا استبراء فله حيلتان على إسقاط الاستبراء إحداهما أن يعتقها ثم يتزوجها والثانية ان يملكها لرجل ثم يزوجه إياها فإذا قضى وطره منها ثم أراد بيعها أو وطأها بملك فليشترها من المملك فينفسخ نكاحه فإن شاء باعها وإن شاء أقام على وطئها.

وتقدم أن نظير هذه الحيلة لو حلف ان لا يلبس هذا الثوب فلينسل منه خيطا ثم يلبسه أو لا يأكل هذا الرغيف فليخرج منه لبابة ثم يأكله.

قال غير واحد من السلف لو فعل المحلوف عليه على وجهه لكان أخف وأسهل من هذا الخداع ولو قابل العبد أمر الله ونهيه بهذه المقابلة لعد عاصيا مخادعا بل لو قابل أحد الرعية أمر الملك ونهيه أو العبد أمر سيده ونهيه أو المريض أمر الطبيب ونهيه بهذه المقابلة لما عذره أحد قط ولعده كل أحد عاصيا وإذا تدبر العالم في الشريعة أمر هذه الحيل لم يخف عليه نسبتها اليها ومحلها منها والله المستعان.

فصل حيلة أخرى باطلة في الايمان

ومن الحيل الباطلة لو حلف لا يبيع هذه السلعة بمائة دينار أو زاد عليها فلم يجد من يشتريها بذلك فليبعها بتسعة وتسعين دينارا أو مائة جزء من دينار أو أقل من ذلك أو يبيعها بدراهم تساوي ذلك أو يبيعها بتسعين دينارا ومنديلا أو ثوبا أو نحو ذلك.

وكل هذه حيل باطلة فإنها تتضمن نفس مخالفته لما نواه وقصده وعقد قلبه عليه وإذا كانت يمين الحالف على ما يصدقه عليه صاحبه كما قال: النبي ﷺ فيمينه على ما يعلمه الله من قلبه كائنا ما كان فليقل ما شاء وليتحيل ما شاء فليست يمينه إلا على ما علمه الله من قلبه قال: الله تعالى: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} فأخبر تعالى انه إنما يعتبر في الايمان قصد القلب وكسبه لا مجرد اللفظ الذي لم يقصده أو لم يقصد معناه على التفسيرين في اللغو فكيف إذا كان قاصدا لضد ما يتحيل عليه.

فصل حيلة باطلة لتجويز بيع أم الولد

ومن الحيل الباطلة على أن يطأ أمته وإذا حبلت منه لم تصر أم ولد فله بيعها أن يملكها لولده الصغير ثم يتزوجها ويطؤها فإذا ولدت منه عتق الأولاد على الولد لأنهم إخوته ومن ملك أخاه عتق عليه.

قالوا: فإن خاف ان لا تتمشى هذه الحيلة على قول الجمهور الذين لا يجوزون للرجل ان يتزوج بجارية ابنه وهو قول الإمام أحمد ومالك والشافعي فالحيلة ان يملكها لذي رحم محرم منه ثم يزوجه إياها فإذا ولدت عتق الولد على ملك ذي الرحم فإذا أراد بيع الجارية فليهبها له فينفسخ النكاح وإن لم يكن له ذو رحم محرم فليملكها أجنبيا ثم يزوجها به فإن خاف من رق الولد فليعلق الأجنبي عتقهم بشرط الولادة فيقول كل ولد تلدينه فهو حر فيكون الأولاد كلهم أحرارا فإذا أراد بيعها بعد ذلك فليتهبها من الأجنبي ثم يبيعها.

وهذه الحيلة أيضا باطلة فإن حقيقة التمليك لم توجد إذ حقيقته نقل الملك إلى المملك يتصرف فيه كما أحب هذا هو الملك المشروع المعقول المتعارف فأما تمليك لا يتمكن فيه المملك من التصرف إلا بالتزويج وحده فهو تلبيس لا تمليك فإن المملك لو أراد وطأها أو الخلوة بها أو النظر إليها بشهوة أو التصرف فيها كما يتصرف المالك في مملوكه لما أمكنه ذلك فإن هذا تمليك تلبيس وخداع ومكر لا تمليك حقيقة بل قد علم الله والمملك والمملك ان الجارية لسيدها ظاهرا وباطنا وأنه لم يطلب قلبه بإخراجها عن ملكة بوجه من الوجوه وهذا التمليك بمنزلة تمليك الأجنبي ماله كله ليسقط عنه زكاته ثم يسترده منه ومعلوم قطعا انه لا حقيقة لهذا التمليك عرفا ولا شرعا ولا يعد المملك له على هذا الوجه غنيا به ولا يجب عليه به الحج والزكاة والنفقة وأداء الديون ولا يكون به واجدا للطول معدودا في جملة الأغنياء فهذا هو الحقيقة لا التمليك الباطل الذي هو مكر وخداع وتلبيس.

فصل حيلة باطلة لرجعة البائن دون علمها

ومن الحيل الباطلة التحيل على رد امرأته بعد أن بانت منه وهي لا تشعر بذلك وقد ذكر ارباب الحيل وجوها كلها باطله فمنها أن يقول لها حلفت يمينا واستفتيت فقيل لي جدد نكاحك فإن كان الطلاق قد وقع وإلا لم يضرك فإذا أجابته قال: اجعلى الأمر إلى في تزويجك ثم يحضر الولى والشهود ويتزوجها فتصير امرأته بعد البينونة وهي لا تشعر فإن لم يتمكن من هذا الوجه فلينتقل إلى وجه ثان وهو ان يظهر أنه يريد سفرا ويقول لا آمن الموت وانا أريد أن اكتب لك هذه الدار واجعل لك هذا المتاع صداقا بحيث لا يمكن إبطاله وأريد أن اشهد على ذلك فاجعلى أمرك إلى حتى اجعله صداقا فإذا فعلت عقد نكاحها على ذلك وتم الأمر فإن لم يرد السفر فليظهر أنه مريض ثم يقول لها أريد أن اجعل لك ذلك وأخاف ان اقر لك به فلا يقبل فاجعلى امرك إلى حتى اجعله صداقا فإذا فعلت احضر وليها وتزوجها فإن حذرت المرأة من ذلك كله ولم يتمكن منه لم يبق له إلا حيلة واحدة وهي ان يحلف بطلاقها أو يقول قد حلفت بطلاقك اني اتزوج عليك في هذا اليوم أو هذا الاسبوع أو اسافر بك وانا أريد أن اتمسك بك ولا ادخل عليك ضرة ولا تسافرين فأجعلى امرك إلى حتى اخالعك وأردك بعد انقضاء اليوم وتتخلص من الضرة والسفر فإذا فعلت احضر الشهود والولى ثم يردها.

وهذه الحيلة باطلة فإن المرأة إذا بانت صارت أجنبية منه فلا يجوز نكاحها إلا بإذنها ورضاها وهي لم تأذن في هذا النكاح الثاني ولا رضيت به ولو علمت انها قد ملكت نفسها وبانت منه فلعلها لا ترغب في نكاحه فليس له ان يخدعها على نفسها ويجعلها له زوجة بغير رضاها.

فإن قيل: إن النبي ﷺ قد جعل جد النكاح كهزله وغاية هذا أنه هازل.

قيل: هذا ليس بصحيح وليس هذا كالهازل فإن الهازل لم يظهر أمرا يريد خلافه بل تكلم باللفظ قاصدا انه لا يلزمه موجبه وذلك ليس إليه بل إلى الشارع وأما هذا فماكر مخادع للمرأة على نفسها مظهر أنها زوجته وان الزوجية بينهما باقية وهي أجنبية محضة فهو يمكر بها ويخادعها بإظهار انها زوجته وهي في الباطن أجنبية فهو كمن يمكر برجل ويخادعه على أخذ ماله بإظهار انه يحفظه له ويصونه ممن يذهب به بل هذا أفحش لأن حرمة البضع أعظم من حرمة المال والمخادعة عليه أعظم من المخادعة على المال والله أعلم.

فصل حيلة باطلة لوطء مكاتبته

ومن الحيل الباطلة الحيلة على وطء مكاتبته بعد عقد الكتابة قال: ارباب الحيل الحيلة في ذلك أن يهبها لولده الصغير ثم يتزوجها وهي على ملك ابنه ثم يكاتبها لابنه ثم يطؤها بحكم النكاح فإن أتت بولد كانوا احرارا إذ ولده قد ملكهم فإن عجزت عن الكتابة عادت قنا لولده والنكاح بحاله.

وهذه الحيلة باطلة على قول الجمهور وهي باطلة في نفسها لأنه لم يملكها لولده تمليكا حقيقيا ولا كاتبها له حقيقة بل خداعا ومكرا وهو يعلم أنها امته ومكاتبته في الباطن وحقيقة الأمر وإنما أظهر خلاف ذلك توصلا إلى وطء الفرج الذي حرم عليه بعقد الكتابة فأظهر تمليكا لا حقيقة له وكتابه عن غيره وفي الحقيقة انما هي عن نفسه والله يعلم ما تخفي الصدور.

فصل إبطال حيلة العقارب

ومن الحيل المحرمة الباطلة الحيلة التي تسمى حيلة العقارب ولها صور منها أن يوقف داره أو أرضه ويشهد على وقفها ويكتمه ثم يبيعها فإذا علم ان المشتري قد سكنها أو استغلها بمقدار ثمنها أظهر كتاب الوقف وادعى على المشتري بأجره المنفعة فإذا قال: له المشتري أنا وزنت الثمن قال: وانتفعت بالدار والأرض فلا تذهب المنفعة مجانا ومنها أن يملكها لولده أو امرأته ويكتم ذلك ثم يبيعها ثم يدعى بعد ذلك من ملكها على المشتري ويعامله تلك المعاملة وضمنه المنافع تضمين الغاصب ومنها أن يؤجرها لولده أو امرأته ويكتم ذلك ثم يؤجرها من شخص آخر فإن ارتفع الكرى أخرج الاجارة الأولى وفسخ إجارة الثاني وإن نقص الكرى أو استمر ابقاها ومنها أن يرهن داره أو ارضه ثم يبيعها ويأخذ الثمن فينتفع به مدة فمتى أراد فسخ البيع واسترجاع المبيع أظهر كتاب الرهن.

وأمثال هذه العقارب التي يأكل بها أشباه العقارب أموال الناس بالباطل ويمشيها لهم من رق علمه ودينه ولم يراقب الله ولم يخف مقامه تقليدا لمن قلد قوله في تضمن المقبوض بالعقد الفاسد تضمين الغاصب فيجعل قوله إعانة لهذا الظالم المعتدى على الإثم والعدوان ولا يجعل القول الذي قاله غيره إعانة للمظلوم على البر والتقوى وكأنه أخذ بشق الحديث وهو انصر أخاك ظالما أو مظلوما واكتفى بهذه الكلمة دون ما بعدها وقد أعاذ الله احدا من الأئمة من تجويز الإعانة على الإثم والعدوان ونصر الظالم وإضاعة حق المظلوم جهارا وذلك الامام وان قال: إن المقبوض بالعقد الفاسد يضمن ضمان المغصوب فإنه لم يقل: إن المقبوض به على هذا الوجه الذي هو حيلة ومكر وخداع وظلم محض للمشتري وغرور له يوجب تضمينه وضياع حقه وأخذ ماله كله وإيداعه في الحبس على ما بقى وإخراج الملك من يده فإن الرجل قد يشتري الأرض أو العقار وتبقى في يده مدة طويلة تزيد اجراتها على ثمنها اضعافا مضاعفة فيؤخذ منه العقار ويحسب عليه ثمنه من الأجرة ويبقى الباقي بقدر الثمن مرارا فربما أخذ ما فوقه وما تحته وفضلت عليه فضله فيجتاح الظالم الماكر ماله ويدعه على الأرض الخالية.

فحاشا إماما واحدا من أئمة الإسلام أن يكون عونا لهذا العقرب الخبيث على هذا الظلم والعدوان والواجب عقوبة مثل هذا العقوبة التي تردعه عن لدغ الناس والتحيل على استهلاك أموال الناس وان لا يمكن من طلب عوض المنفعة إما على أصل من لا يضمن منافع الغصب وهم الجمهور كأبي حنيفة ومالك وأحمد في إحدى الروايتين عنه وهي أصحها دليلا فظاهر وأما من يضمن الغاصب كالشافعي وأحمد في الرواية الثانية فلا يتأتى تضمين هذا على قاعدته فإنه ليس بغاصب وإنما استوفى المنفعة بحكم العقد فإذا تبين ان القعد باطل وان البائع غره لم يجب عليه ضمان فإنه إنما دخل على أن ينتفع بلا عوض وان يضمن المبيع بثمنه لا بقيمته فإذا تلف المبيع بعد القبض تلف من ضمانه بثمنه فإذا انتفع به انتفع بلا عوض لأنه على ذلك دخل ولو قدر وجوب الضمان فإن الغار هو الذي يضمن لأنه تسبب إلى إتلاف مال الغير بغروره وكل من أتلف مال غيره بمباشرة أو سبب فإنه يضمنه ولا بد ولا يقال المشتري هو الذي باشر الإتلاف وقد وجد متسبب ومباشر فيحال الحكم على المباشر فإن هذا غلط محض ههنا فإن المضمون هو مال المشتري الذي تلف عليه بالتضمين وإنما تلف بتسبب الغار وليس ههنا مباشر يحال عليه الضمان.

فإن قيل: فهذا إنما يدل على أنا إذا ضمنا المغرور فهو يرجع على الغار ولا يدل على تضمين الغار ابتداء.

قيل: هذا فيه قولان للسلف والخلف وقد نص الإمام أحمد على أن من اشترى ارضا فبنى فيها أو غرس ثم استحقت فللمستحق قلع ذلك قلع ذلك ثم يرجع المشتري على البائع بما نقص ونص في موضع آخر انه ليس للمستحق قلعه إلا أن يضمن نقصه ثم يرجع به على البائع وهذا أفقه النصين وأقربهما إلى العدل فإن المشتري غرس وبنى غرسا وبناء مأذونا فيه وليس ظالما به فالعرق ليس بظالم فلا يجوز للمستحق قلعه حتى يضمن له نقصه والبائع هو الذي ظلم المستحق ببيعه ماله وغر المشتري ببنائه وغراسه فإذا أراد المستحق الرجوع في عين ماله ضمن للمغرور ما نقص بقلعه ثم يرجع به على الظالم وكان تضمينه له أولى من تضمين المغرور ثم تمكينه من الرجوع على الغار.

ونظير هذه المسألة ما لو قبض مغصوبا من غاصبه ببيع أو عارية أو اتهاب أو إجارة وهو يظن انه مالك لذلك أو مأذون له فيه ففيه قولان أحدهما أن المالك مخير بين تضمين أيهما شاء وهذا المشهور عند أصحاب الشافعي وأحمد ثم قال: أصحاب الشافعي إن ضمن المشتري وكان عالما بالغصب لم يرجع بما ضمن على الغاصب وان لم يعلم نظرت فيما ضمن فإن التزام ضمانه بالعقد كبدل العين وما نقص منها لم يرجع به على الغاصب لأن الغاصب لم يغره بل دخل معه على أن يضمنه وهذا التعليل يوجب أن يرجع بما زاد على ثمن المبيع إذا ضمنه لأنه إنما التزم ضمانه بالثمن لا بالقيمة فإذا ضمنه إياه بقيمته رجع بما بينهما من التفاوت قالوا: وإن لم يلتزم ضمانه نظرت فإن لم يحصل له في مقابلته منفعة كقيمة الولد ونقصان الجارية بالولادة رجع به على الغاصب لأنه غره ودخل معه على أنه لا يضمنه وإن حصلت له به في مقابلته منفعة كالأجرة والمهر وأرش البكارة ففيه قولان أحدهما يرجع به لأنه غره ولم يدخل معه على أن يضمنه والثاني لا يرجع لأنه حصل له في مقابلته منفعة وهذا التعليل أيضا يوجب على هذا القول ان يرجع بالتفاوت الذي بين المسمى ومهر المثل واجرة المثل اللذين ضمنهما فإنه إنما دخل على الضمان بالمسمى لا بعوض المثل والمنفعة التي حصلت له إنما هي بما التزمه من المسمي ومذهب الإمام أحمد وأصحابه نحو ذلك.

وعقد الباب عندهم انه يرجع إذا غره على الغاصب بما لم يلتزم ضمانه خاصة فإذا غرم وهو مودع أو متهب قيمة العين والمنفعة رجع بهما لأنه لم يلتزم ضمانا وان ضمن وهو مستأجر قيمة العين والمنفعة رجع بقيمة العين والقدر الزائد على ما بذله من عوض المنفعة وقال أصحابنا لا يرجع بما ضمنه من عوض المنفعة لأنه دخل على ضمانه فيقال لهم نعم دخل على ضمانه بالمسمى لا يعوض المثل وان كان مشتريا وضمن قيمة العين والمنفعة فقالوا يرجع بقيمة المنفعة دون قيمة العين لأنه التزم ضمان العين ودخل على استيفاء المنفعة بلا عوض والصحيح أنه يرجع بما زاد من قيمة العين على الثمن الذي بذله وان كان مستعيرا وضمن قيمة العين والمنفعة رجع بما غرمه من ضمان المنفعة لأنه دخل على استيفائها مجانا ولم يرجع بما ضمنه من قيمة العين لأنه دخل على ضمانها بقيمتها.

وعن الإمام أحمد رواية أخرى ان ما حصل له منفعة تقابل ما غرم كالمهر والأجرة في المبيع وفي الهبة وفي العارية وكقيمة الطعام إذا قدم له أو وهب منه فأكله فإنه لا يرجع به لأنه استوفى العوض فإذا غرم عوضه لم يرجع به والصحيح قوله الأول لأنه لم يدخل على استيفائه بعوض ولو علم انه يستوفيه بعوضه لم يدخل على ذلك ولو علم الضيف ان صاحب البيت أو غيره يغرمه الطعام لم يأكله ولو ضمن المالك ذلك كله للغاصب جاز ولم يرجع على القابض إلا بما يرجع به عليه فيرجع عليه إذا كان مستأجرا بما غرمه من الأجرة وعلى القول الذي اخترناه إنما يرجع عليه بما التزمه من الأجرة خاصة ويرجع عليه إذا كان مشتريا بما غرمه من قيمة العين وعلى القول الآخر انما يرجع عليه بما بذله من الثمن ويرجع عليه إذا كان مستعيرا بما غرمه من قيمة العين إذ لا مسمى هناك.

وإذا كان متهبا أو مودعا لم يرجع عليه بشيء فإن كان القابض من الغاصب هو المالك فلا شيء له بما استقر عليه لو كان أجنبيا وما سواه فعلى الغاصب لأنه لا يجب له على نفسه شيء وأما مالا يستقر عليه لو كان أجنبيا بل يكون قراره على الغاصب فهو على الغاصب أيضا ههنا.

والقول الثاني انه ليس للمالك مطالبة المغرور ابتداء كما ليس له مطالبته قرارا وهذا هو الصحيح ونص عليه الإمام أحمد في المودع إذا أودعها يعنى الوديعة عند غيره من غير حاجة فتلفت فإنه لا يضمن الثاني إذا لم يعلم وذلك لأنه مغرور.

وطرد هذا النص انه لا يطالب المغرور في جميع هذه الصور وهو الصحيح فإنه مغرور ولم يدخل على أنه مطالب فلا هو التزم المطالبة ولا الشارع الزمه بها وكيف يطالب المظلوم المغرور ويترك الظالم الغار ولا سيما ان كان محسنا بأخذه الوديعة وما على المحسنين من سبيل انما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق وهذا شأن الغار الظالم.

وقد قضى عمر بن الخطاب رضي الله عنه ان المشتري المغرور بالأمة إذا وطئها ثم خرجت مستحقة واخذ منه سيدها المهر رجع به على البائع لأنه غره وقضى علي كرم الله وجهه انه لا يرجع به لأنه استوفي عوضه.

وهاتان الروايتان عن الصحابة هما قولان للشافعي وروايتان عن الإمام أحمد ومالك أخذ بقول عمر وأبو حنيفة أخذ بقول علي كرم الله وجهه وقول عمر أفقه لأنه لم يدخل على أنه يستمتع بالمهر وإنما دخل على الاستمتاع بالثمن وقد بذله وأيضا فالبائع ضمن له بعقد البيع سلامة الوطء كما ضمن له سلامة الولد فكما يرجع عليه بقيمة الولد يرجع عليه بالمهر.

فإن قيل: فما تقولون في أجرة الاستخدام إذا ضمنه اياها المستحق هل يرجع بها على الغار.

قلنا نعم يرجع بها وقد صرح بذلك القاضي وأصحابه وقد قضى أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه أيضا بأن الرجل إذا وجد امرأته برصاء أو عمياء أو مجنونة فدخل بها فلها الصداق ويرجع به على من غره وهذا محض القياس والميزان الصحيح لأن الولى لما لم يعلمه وأتلف عليه المهر لزمه غرمه.

فإن قيل: هو الذي أتلفه على نفسه بالدخول.

قيل: لو علم أنها كذلك لم يدخل بها وإنما دخل بها بناء على السلامة التي غره بها الولى ولهذا لو علم العيب ورضى به ودخل بها لم يكن هناك فسخ ولا رجوع ولو كانت المرأة هي التي غرته سقط مهرها.

ونكتة المسألة ان المغرور إما محسن وإما معذور وكلاهما لا سبيل عليه بل ما يلزم المغرور باستلزامه له لا يسقط عنه كالثمن في المبيع والأجرة في عقد الاجارة.

فإن قيل: فالمهر قد التزمه فكيف يرجع به؟

قيل: إنما التزامه في محل سليم ولم يلتزمه في معيبة ولا أمة مستحقة فلا يجوز ان يلزم به.

فإن قيل: فهذا ينتقض عليكم بالنكاح الفاسد فإن النبي ﷺ ألزمه فيه بالصداق بما استحل من فرجها وهو لم يلتزمه إلا في نكاح صحيح.

قيل لما أقدم على الباطل لم يكن هناك من غره بل كان هو الغار لنفسه فلا يذهب استيفاء المنفعة فيه مجانا وليس هناك من يرجع عليه بل لو فسد النكاح بغرور المرأة سقط مهرها أو بغرور الولى رجع عليه.

فصل حيل باطلة لتجويز العينة

ومن الحيل المحرمة الباطلة التحيل على جواز مسألة العينة مع انها حيلة في نفسها على الربا وجمهور الأئمة على تحريمها.

وقد ذكر أرباب الحيل لاستباحتها عدة حيل منها أن يحدث المشتري في السلعة حدثا ما تنقص به أو تتعيب فحينئذ يجوز لبائعها ان يشتريها بأقل مما باعها ومنها أن تكون السلعة قابلة للتجزيء فيمسك منها جزءا ما ويبيعه بقيتها ومنها أن يضم البائع إلى السلعة سكينا أو منديلا أو حلقة حديدا أو نحو ذلك فيملكه المشتري ويبيعه السلعة بما يتفقان عليه من الثمن ومنها أن يهبها المشتري لولده أو زوجته أو من يثق به فيبيعها الموهوب له من بائعها فإذا قبض الثمن أعطاه للواهب ومنها أن يبيعه إياها نفسه من غير إحداث شيء ولا هبة لغيره لكن يضم إلى ثمنها خاتما من حديد أو منديلا أو سكينا ونحو ذلك.

ولا ريب أن العينة على وجهها أسهل من هذا التكلف وأقل مفسدة وان كان الشارع قد حرم مسألة العينة لمفسدة فيها فإن المفسدة لا تزول بهذه الحيلة بل هي بحالها وانضم اليها مفسدة أخرى اعظم منها وهي مفسدة المكر والخداع واتخاذ أحكام الله هزوا وهي أعظم المفسدتين وكذلك سائر الحيل لا تزيل المفسدة التي حرم لأجلها وإنما يضم اليها مفسدة الخداع والمكر وإن كانت العينة لا مفسدة فيها فلا حاجة إلى الاحتيال عليها ثم ان العينة في نفسها من ادنى الحيل إلى الربا فإذا تحيل عليها المحتال صارت حيلا متضاعفة ومفاسد متنوعة والحقيقة والقصد معلومان لله وللملائكة وللمتعاقدين ولمن حضرهما من الناس فليصنع أرباب الحيل ما شاءوا وليسلكوا أية طريق سلكوا فإنهم لا يخرجون بذلك عن بيع مائة بمائة وخمسين إلى سنة فليدخلوا محلل الربا أو يخرجوه فليس هو المقصود والمقصود معلوم والله لا يخادع ولا تروج عليه الحيل ولا تلبس عليه الامور.

فصل حيلة باطلة في البيع

ومن الحيل المحرمة الباطلة إذا أراد أن يبيع سلعة بالبراءة من كل عيب ولم يأمن ان يردها عليه المشتري ويقول لم يعين لي عيب كذا وكذا أن يوكل رجلا غريبا لا يعرف في بيعها ويضمن للمشتري درك المبيع فإذا باعها قبض منه رب السلعة الثمن فلا يجد المشتري من يرد عليه السلعة.

وهذا غش حرام وحيلة لا تسقط المأثم فإن علم المشتري بصورة الحال فله الرد وإن لم يعلم فهو المفرط حيث لم يضمن الدرك المعروف الذي يتمكن من مخاصمته فالتفريط من هذا والمكر والخداع من ذلك.

فصل حيل باطلة لإسقاط الاستبراء

ومن الحيل المحرمة الباطلة ان يشتري جارية ويريد وطأها بملك اليمين في الحال من غير استبراء فله عدة حيل منها أن يزوجه إياها البائع قبل ان يبيعها منه فتصير زوجته ثم يبيعه إياها فينفسخ النكاح ولا يجب عليه استبراء لأنه ملك زوجته وقد كان وطؤها حلالا له بعقد النكاح فصار حلالا بملك اليمين ومنها أن يزوجها غيره ثم يبيعها من الرجل الذي يريد شراءها فيملكها مزوجة وفرجها عليه حرام فيؤمر الزوج بطلاقها فإذا فعل حلت للمشتري ومنها أن مشتريها لا يقبضها حتى يزوجها من عبده أو غيره ثم يقبضها بعد التزويج فإذا قبضها طلقها الزوج فيطؤها سيده بلا استبراء.

قالوا: فإن خاف المشتري ان لا يطلقها الزوج استوثق بأن يجعل الزوج أمرها بيد السيد فإذا فعل طلقها هو ثم وطئها بلا استبراء.

ولا يخفى نسبة هذه الحيل إلى الشرع ومحلها منه وتضمنها أن بائعها يطؤها بكرة ويطؤها المشتري عشية وان هذا مناقض لما قصده الشارع من الاستبراء ومبطل لفائدة الاستبراء بالكلية.

ثم إن هذه الحيل كما هي محرمة فهي باطلة قطعا فإن السيد لا يحل له ان يزوج موطوأته حتى يستبرئها وإلا فكيف يزوجها لمن يطؤها ورحمها مشغول بمائه وكذلك إن أراد بيعها وجب عليه استبراؤها على أصح القولين صيانة لمائه ولا سيما إن لم يأمن من وطء المشتري لها بلا استبراء فههنا يتعين عليه الاستبراء قطعا فإذا أراد زوجها حيلة على إسقاط حكم الله وتعطيل أمره كان نكاحا باطلا لإسقاط ما أوجبه الله من الاستبراء وإذا طلقها الزوج بناء على صحة هذا النكاح الذي هو مكر وخداع واتخاذ لآيات الله هزوا لم يحل للسيد أن يطأها بدون الاستبراء فإن الاستبراء وجب عليه بحكم الملك المتجدد والنكاح العارض حال بينه وبينه لأنه لم يكن يحل له وطؤها فإذا زال المانع عمل المقتضى عمله وزوال المانع لا يزيل اقتضاء المقتضى مع قيام سبب الاقتضاء منه وأيضا فلا يجوز تعطيل الوصف عن موجبه ومقتضاه من غير فوات شرط أو قيام مانع وبالجملة فالمفسدة التي منع الشارع المشتري لأجلها من الوطء بدون الاستبراء لم تزل بالتحيل والمكر بل انضم اليها مفاسد المكر والخداع والتحيل.

فيالله العجب من شيء حرم لمفسدة فإذا انضم إليه مفسدة أخرى هي اكبر من مفسدته بكثير صار حالا فهو بمنزلة لحم الخنزير إذا ذبح كان حراما فإن مات حتف أنفه أو خنق حتى يموت صار حلالا لأنه لم يذبح قال الإمام أحمد: هو حرام من وجهين وهكذا هذه المحرمات إذا احتيل عليها صارت حراما من وجهين وتأكد تحريمها.

والذي يقضى منه العجب انهم يجمعون بين سقوط الاستبراء بهذة الحيل وبين وجوب استبراء الصغيرة التي لم توطأ ولا يوطأ مثلها وبين استبراء البكر التي لم يقرعها فحل واستبراء العجوز الهرمة التي قد أيست من الحبل والولادة واستبراء الأمة التي يقطع ببراءة رحمها ثم يسقطون مع العلم بان رحمها مشغول فأوجبتموه حيث لم يوجبه الشارع وأسقطتموه حيث أوجبه.

قالوا: وليس هذا بعجيب من تناقضكم بل واعجب منه إنكار كون القرعة طريقا لإثبات الحكم مع ورود السنة الصحيحة عن النبي ﷺ وعن أصحابه بها وإثبات حل الوطء بشهادة شاهدي زور يعلم الزوج الواطيء انهما شهدا بالزور على طلاقها حتى يجوز لأحد الشاهدين ان يتزوجها فيثبت الحل بشهادتهما.

وأعجب من ذلك انه لو كان له أمة هي سرية يطؤها كل وقت لم تكن فراشا له ولو ولدت لم يلحقه الولد ولو تزوج امرأة ثم قال: بحضرة الحاكم والشهود في مجلس العقد هي طالق ثلاثا وكانت بأقصى المشرق وهو بأقصى المغرب صارت فراشا بالعقد فلو أتت بعد ذلك بولد لأكثر من ستة أشهر لحقه نسبه.

وأعجب من ذلك قولكم لو منع الذمى دينارا واحدا من الجزية وقال لا أؤديه انتقض عهده وحل ماله ودمه ولو سب الله ورسوله وكتابه على رؤوسنا أقبح سب وحرق أفضل المساجد على الاطلاق واستهان بالمصحف بين أيدينا أعظم استهانة وبذل ذلك الدينار فعهده باق ودمه معصوم.

ومن العجيب تجويز قراءة القرآن بالفارسية ومنع رواية الحديث بالمعنى.

ومن العجب إخراج الاعمال عن مسمى الايمان وإنه مجرد التصديق والناس فيه سواء وتكفير من يقول مسيجد أو فقيه أو يصلى بلا وضوء أو يلتذ بآلات الملاهى ونحو ذلك.

ومن العجب إسقاط الحد عمن استأجر امرأة للزنا أو لكنس بيته فزنا بها وإيجابه على من وجد امرأة أجنبية على فراشه في الظلمة فجامعها يظنها امرأته ومن العجب التشديد في المياه حتى تنجس القناطير المقنطرة منها بقطرة بول أو قطرة دم وتجويز الصلاة في ثوب ربعه مضمخ بالنجاسة فإن كانت مغلظة فبقدر راحة الكف.

ومن العجب انه لو شهد عليه أربعة بالزنا فكذب الشهود حد وإن صدقهم سقط عنه الحد.

ومن العجب انه لا يصح استئجار دار لتتخذ مسجدا يعبد الله فيه ويصبح استئجارها لتجعل كنيسة يعبد فيها الصليب أو بيت نار تعبد فيها النار.

ومن العجب انه لوضحك في صلاة فقهقه بطل وضوءه ولو غنى في صلاته أو قذف المحصنات أو شهد الزور ونحو ذلك فوضوءه بحاله.

ومن العجب انه لو وقع في البئر نجاسة نزح منها أدلاء معدودة فإذا حصل الدلو في البئر تنجس وغرف الماء نجسا وما اصاب حيطان البئر من ذلك الماء نجسها وكذلك فما بعده من الدلاء إلى ان تنتهي النوبة إلى الدلو الاخير فإنه ينزل نجسا ثم يصعد طاهرا فيقشقش النجاسة كلها من قعر البئر إلى رأسه قال: بعض المتكلمين ما رأيت اكرم من هذا الدلو ولا أعقل.

ومن العجب انه لو حلف انه لا يأكل فاكهة حنث بأكل الجوز واللوز والفستق ولو كان يابسا قد أتت عليه السنون ولا يحنث بأكل الرطب والعنب والرمان.

وأعجب من ذلك تعليل هذا بأن هذه الثلاثة من خيار الفاكهة وأعلى أنواعها فلا تدخل في الاسم المطلق.

ومن العجب انه لو حلف ان لا يشرب من النيل أو الفرات أو دجلة فشرب بكفه أو بكوز أو دلو من هذه الانهار لم يحنث فإذا شرب بفيه مثل البهائم حنث.

ومن العجب انه لو نام في المسجد وأغلقت عليه الأبواب ودعته الضرورة إلى الخلاء فطاق القبلة ومحراب المسجد أولى بذلك من مؤخر المسجد.

ومن العجب أمر هذه الحيل التي لا يزداد بها المنهى عنه إلا فسادا مضاعفا كيف تباح مع تلك المفسدة الزائدة بالمكر والخداع وتحرم بدونها وكيف تنقلب مفاسدها بالحيل صلاحا وتصير خمرتها خلا وخبثها طيبا.

قالوا: فهذا فصل في الإشارة إلى بيان فساد هذه الحيل على وجه التفصيل كما تقدم الإشارة إلى فسادها وتحريمها على وجه الاجمال ولو تتبعناها حيلة حيلة لطال الكتاب ولكن هذه أمثلة يحتذى عليها والله الموفق للصواب.

فصل رأى لأصحاب الحيل والرد عليه

قال أرباب الحيل قال: الله تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} والحيل مخارج من المضائق.

والجواب انما بذكر قاعدة في اقسام الحيل ومراتبها فنقول وبالله التوفيق هي أقسام.

الطرق الخفية التي يتوصل بها إلى المحرم

القسم الأول الطرق الخفية التي يتوصل بها إلى ما هو محرم في نفسه بحيث لا يحل بمثل ذلك السبب بحال فمتى كان المقصود بها محرما في نفسه فهى حرام باتفاق المسلمين وذلك كالحيل على أخذ أموال الناس وظلمهم في نفوسهم وسفك دمائهم وإبطال حقوقهم وإفساد ذات بينهم وهي من جنس حيل الشياطين على إغواء بني آدم بكل طريق وهم يتحيلون عليهم ليوقعوهم في واحدة من ستة ولابد فيتحيلون عليهم بكل طريق أن يوقعوهم في الكفر والنفاق على اختلاف أنواعه فإذا عملت حيلهم في ذلك قرت عيونهم فإن عجزت حيلهم عن من صحت فطرته وتلاها شاهد الايمان من ربه بالوحي الذي أنزله على رسوله أعملوا الحيلة في إلقائه في البدعة على اختلاف أنواعها وقبول القلب لها وتهيئته واستعداده فإن تمت حيلهم كان ذلك أحب اليهم من المعصية وان كانت كبيرة ثم ينظرون في حال من استجاب لهم إلى البدعة فإن كان مطاعا متبوعا في الناس أمروه بالزهد والتعبد ومحاسن الاخلاق والشيم ثم أطاروا له الثناء بين الناس ليصطادوا عليه الجهال ومن لا علم عنده بالسنة وإن لم يكن كذلك جعلوا بدعته عونا له على ظلمه أهل السنة وأذاهم والنيل منهم وزينوا له ان هذا انتصار لما هم عليه من الحق فإن أعجزتهم هذه الحيلة ومن الله على العبد بتحكيم السنة ومعرفتها والتمييز بينها وبين البدعة ألقوه في الكبائر وزينوا له فعلها بكل طريق وقالوا له أنت على السنة وفساق أهل السنة أولياء الله وعباد أهل البدعة أعداء الله وقبور فساق أهل السنة روضة من رياض الجنة وقبور عباد أهل البدع حفرة من حفر النار والتمسك بالسنة يكفر الكبائر كما أن مخالفة السنة تحبط الحسنات واهل السنة إن قعدت بهم اعمالهم قامت بهم عقائدهم واهل البدع إذا قامت بهم أعمالهم قعدت بهم عقائدهم واهل السنة هم الذين أحسنوا الظن بربهم إذ وصفوه بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله ووصفوه بكل كمال وجلال ونزهوه عن كل نقص والله تعالى عند ظن عبده به واهل البدع هم الذين يظنون بربهم ظن السوء إذ يعطلونه عن صفات كماله وينزهونه عنها وإذ عطلوه عنها لزم اتصافه باضدادها ضرورة ولهذا قال: الله تعالى في حق من أنكر صفة واحدة من صفاته وهي صفة العمل ببعض الجزئيات: {وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ} وأخبرهم عن الظانين بالله ظن السوء أن: {عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} فلم يتوعد بالعقاب أحدا أعظم ممن ظن به ظن السوء وأنت لاتظن به ظن السوء فمالك وللعقاب وأمثال هذا من الحق الذي يجعلونه وصلة لهم وحيلة إلى الاستهانة بالكبائر وأخذه الأمن لنفسه.

وهذه حيلة لا ينجو منها إلا الراسخ في العلم العارف بأسماء الله وصفاته فإنه كلما كان بالله أعرف كان له أشد خشية وكلما كان به أجهل كان أشد غرورا به وأقل خشية.

فإن أعجزتهم هذه الحيلة وعظم وقار الله في قلب العبد هونوا عليه الصغائر وقالوا له إنها تقع مكفرة باجتناب الكبائر حتى كأنها لم تكن وربما متوه انه إذا تاب منها كبائر كانت أو صغائر كتب له مكان كل سيئة حسنة فيقولون له كثر منها ما استطعت ثم اربح مكان كل سيئة حسنة بالتوبة ولو قبل الموت بساعة فإن أعجزتهم هذه الحيلة وخلص الله عبده منها نقلوه إلى الفضول من أنواع المباحات والتوسع فيها وقالوا له قد كان لداود مائة امرأة إلا واحدة ثم أراد تكميلها بالمائة وكان لسليمان ابنه مائة امرأة وكان للزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان من الأموال ما هو معروف وكان لعبد الله بن المبارك والليث بن سعد من الدنيا وسعة المال ما لا يجهل وينسوه ما كان لهؤلاء من الفضل وأنهم لم ينقطعوا عن الله بدنياهم بل ساروا بها إليه فكانت طريقا لهم إلى الله فإن اعجزتهم هذه الحيلة بأن تفتح بصيرة قلب العبد حتى كأنه يشاهد بها الآخرة وما اعد الله فيها لاهل طاعته وأهل معصيته فأخذ حذره وتأهب للقاء ربه واستقصر مدة هذه الحياة الدنيا في جنب الحياة الباقية الدأئمة نقلوه إلى الطاعات المفضولة الصغيرة الثواب ليشغلوه بها عن الطاعات الفاضلة الكثيرة الثواب فيعمل حيلته في تركه كل طاعة كبيرة إلى ما هو دونها فيعمل حيلته في تفويت الفضيلة عليه فإن أعجزتهم هذه الحيلة وهيهات لم يبق لهم إلا حيلة واحدة وهي تسليط أهل الباطل والبدع والظلمة عليه يؤذونه وينفرون الناس عنه ويمنعونهم من الاقتداء به ليموتوا عليه مصلحة الدعوة إلى الله وعليهم مصلحة الإجابة.

فهذه مجامع أنواع حيل الشيطان ولا يحصى افرادها إلا الله ومن له مسكة من العقل يعرف الحيلة التي تمت عليه من هذه الحيل فإن كانت له همة إلى التخلص منها وإلا فيسأل من تمت عليه والله المستعان.

وهذه الحيل من شياطين الجن نظير حيل شياطين الانس المجادلين بالباطل ليدحضوا به الحق ويتوصلوا به إلى أغراضهم الفاسدة في الامور الدينية والدنيوية وذلك كحيل القرامطة الباطنية على إفساد الشرائع وحيل الرهبان على اشباه الحمير من عابدي الصليب بما يموهون به عليهم من المخاريق والحيل كالنور المصنوع وغيره مما هو معروف عند الناس وكحيل ارباب الإشارات من الاذن والتسيير والتغيير وإمساك الحيات ودخول النار في الدنيا قبل الآخرة وأمثال ذلك من حيل اشباه النصارى التي تروج على أشباه الانعام وكحيل أرباب الدك وخفة اليد التي يخفى على الناظرين أسبابها ولا يتفطنون لها وكحيل السحرة على اختلاف أنواع السحر فإن سحر البيان هو من أنواع التحيل إما لكونه بلغ في اللطف والحسن إلى حد استمالة القلوب فأشبه السحر من هذا الوجه وإما لكون القادر على البيان يكون قادرا على تحسين القبيح وتقبيح الحسن فهو أيضا يشبه السحر من هذا الوجه أيضا وكذلك سحر الوهم أيضا هو حيلة وهمية والواقع شاهد بتأثير الوهم والإيهام الا ترى ان الخشبة التي يتمكن الإنسان من المشيء عليها إذا كانت قريبة من الأرض لا يمكن المشي عليها إذا كانت على مهواة بعيدة القعر والاطباء تنهى صاحب الرعاف عن النظر إلى الشيء الاحمر وتنهى المصروع عن النظر إلى الاشياء القوية اللمعان أو الدوران فإن النفوس خلقت مطيعة الأوهام والطبيعة فعالة والأحوال الجسمانية تابعة للأحوال النفسانيه وكذلك السحر بالاستعانة بالارواح الخبيثة إنما هو بالتحيل على استخدامها بالاشراك بها والاتصاف بهيآتها الخبيثة ولهذا لا يعمل السحر إلا مع الانفس الخبيثة المناسبة لتلك الارواح وكلما كانت النفس اخبث كان سحرها أقوى وكذلك سحر التمزيجات وهو أقوى ما يكون من السحر أن يمزج بين القوى النفسانية الخبيثة الفعالة والقوى الطبيعية المنفعلة والمقصود أن السحر من أعظم أنواع الحيل التي ينال بها الساحر غرضه وحيل الساحر من أضعف الحيل وأقواها ولكن لا تؤثر تأثيرا مستقرا إلا في الانفس الباطلة المنفعلة للشهوات الضعيفة تعلقها بفاطر الأرض والسموات المنقطعة عن التوجه إليه والاقبال عليه فهذه النفوس محل تأثير السحر وكحيل ارباب الملاهي والطرب على استمالة النفوس إلى محبة الصور والوصول إلى الالتذاذ بها فحيلة السماع الشيطاني على ذلك من أدنى الحيل عليه حتى قيل: أول ما وقع الزنا في العالم فإنما كان بحيلة اليراع والغناء لما أراد الشيطان ذلك لم يجد عليه حيلة ادنى من الملاهي وكحيل اللصوص والسراق على أخذ أموال الناس وهم أنواع لا تحصى فمنهم السراق بأيديهم ومنهم السراق بأقلامهم ومنهم السراق بأمانتهم ومنهم السراق بما يظهرونه من الدين والفقر والصلاح والزهد وهم في الباطن بخلافه ومنهم السراق بمكرهم وخداهم وغشهم وبالجملة فحيل هذا الضرب من الناس من أكثر الحيل وتليها حيل عشاق الصور على الوصول إلى أغراضهم فإنها تقع في الغالب خفية وإنما تتم غالبا على النفوس القابلة المنفعلة الشهوانية وكحيل التتار التي ملكوا بها البلاد وقهروا بها العباد وسفكوا بها الدماء واستباحوا بها الأموال وكحيل اليهود وإخوانهم من الرافضة فإنهم بيت المكر والاحتيال ولهذا ضربت على الطائفتين الذلة وهذه سنة الله في كل مخادع محتال بالباطل.

أرباب الحيل نوعان

ثم أرباب هذه الحيل نوعان نوع يقصد به حصول مقصوده ولا يظهر أنه حلال كحيل اللصوص وعشاق الصور المحرمة ونحوهما ونوع يظهر صاحبه ان مقصوده خير وصلاح ويبطن خلافه.

وأرباب النوع الأول أسلم عاقبة من هؤلاء فإنهم أتوا البيوت من أبوابها والأمر من طريقه ووجهه وأما هؤلاء فقلبوا موضوع الشرع والدين ولما كان ارباب هذا النوع إنما يباشرون الأسباب الجائزة ولا يظهرون مقاصدهم أعضل امرهم وعظم الخطب بهم وصعب الاحتراز منهم وعز على العالم استنقاذ قتلاهم فاستبيحت بحيلهم الفروج واخذت بها الأموال من اربابها فأعطيت لغير أهلها وعطت بها الواجبات وضيعت بها الحقوق وعجت الفروج والأموال والحقوق إلى ربها عجيجا وضجت مما حل بها إليه ضجيجا ولا يختلف المسلمون ان تعليم هذه الحيل حرام والإفتاء بها حرام والشهادة على مضمونها حرام والحكم بها مع العلم بحالها حرام.

والذين جوزوا منها ما جوزوا من الأئمة لا يجوز ان يظن بهم انهم جوزوه على وجه الحيلة إلى المحرم وإنما جوزوا صورة ذلك الفعل ثم إن المتحيل المخادع المكار أخذ صورة ما أفتوا به فتوسل به إلى ما منعوا منه وركب ذلك على أقوالهم وفتواهم وهذا فيه الكذب عليهم وعلى الشارع مثاله ان الشافعي رحمه الله تعالى يجوز إقرار المريض لوارثه فيتخذه من يريد أن يوصى لوارثه وسيلة إلى الوصية له بصورة الإقرار ويقول هذا جائز عند الشافعي وهذا كذب على الشافعي فإنه لا يجوز الوصية للوارث بالتحيل عليها بالإقرار فكذلك الشافعي يجوز للرجل إذا اشترى من غيره سلعة بثمن ان يبيعه إياها بأقل مما اشتراها منه بناء على ظاهر السلامة ولا يجوز ذلك حيلة على بيع مائة بمائة وخمسين إلى سنة فالذي يسد الذرائع يمنع ذلك ويقول هو يتخذ حيلة إلى ما حرمه الله ورسوله فلا يقبل إقرار المريض لوارثه ولا يصح هذا البيع ولا سيما فإن إقرار المرء شهادة على نفسه فإذا تطرق اليها التهمة بطلب كالشهادة على غيره والشافعي يقول أقبل إقراره إحسانا للظن بالمقر وحملا لإقراره على السلامة ولا سيما عند الخاتمة ومن هذا الباب احتيال المراة على فسخ نكاح الزوج بما يعلمه إياها أرباب المكر والاحتيال بأن تنكر ان تكون أذنت للولى أو بان النكاح لم يصح لأن الولى أو الشهود جلسوا وقت العقد على فراش حرير أو استندوا إلى وسادة حرير وقد رأيت من يستعمل هذه الحيلة إذا طلق الزوج امرأته ثلاثا وأراد تخليصه من عار التحليل وشناره أرشده إلى القدح في صحة النكاح بفسق الولى أو الشهود فلا يصح الطلاق في النكاح الفاسد وقد كان النكاح صحيحا لما كان مقيما معها عدة سنين فلما اوقع الطلاق الثلاث فسد النكاح.

ومن هذا احتيال البائع على فسخ البيع بدعواه انه لم يكن بالغا وقت العقد أو لم يكن رشيدا أو كان محجورا عليه أو لم يكن المبيع ملكا له ولا مأذونا له في بيعه.

أنواع الحيل المحرمة

فهذه الحيل وأمثالها لا يستريب مسلم في أنها من كبائر الإثم وأقبح المحرمات وهي من التلاعب بدين الله واتخاذ آياته هزوا وهي حرام من جهتها في نفسها لكونها كذبا وزورا وحرام من جهة المقصود بها وهو إبطال حق وإثبات باطل فهذه ثلاثة اقسام:

أحدها ان تكون الحيلة محرمة ويقصد بها المحرم.

الثاني أن تكون مباحة في نفسها ويقصد بها المحرم فيصير حراما تجريم الوسائل كالسفر لقطع الطريق وقتل النفس المعصومة.

وهذان قسمان تكون الحيلة فيهما موضوعة للمقصود الباطل المحرم ومفضية إليه كما هي موضوعة للمقصود الصحيح الجائز ومفضية إليه فإن السفر طريق صالح لهذا وهذا.

الثالث أن تكون الطريق لم توضع للإفضاء إلى المحرم وإنما وضعت مفضية إلى المشروع كالإقرار والبيع والنكاح والهبة ونحو ذلك فيتخذها المتحيل سلما وطريقا إلى الحرام وهذا معترك الكلام في هذا الباب وهو الذي قصدنا الكلام فيه بالقصد الأول.

القسم الرابع أن يقصد بالحيلة أخذ حق أو دفع باطل وهذا القسم ينقسم إلى ثلاثة اقسام أيضا.

أحدها أن يكون الطريق محرما في نفسه وان كان المقصود بها حقا مثل أن يكون له على رجل حق فيجحده ولا بينة له فيقيم صاحبه شاهدي زور يشهدان به ولا يعلمان ثبوت هذا الحق ومثل أن يطلق الرجل امرأته ثلاثا ويجحد الطلاق ولا بينة لها فتقيم شاهدين يشهدان انه طلقها ولم يسمعا الطلاق منه ومثل أن يكون له على رجل دين وله عنده وديعة فيجحد الوديعة فيجحد هو الدين أو بالعكس ويحلف ما له عندي حق أو ما اودعني شيئا وان كان يجيز هذا من يجيز مسألة الظفر ومثل أن تدعى عليه المرأة كسوة أو نفقة ماضية كذبا باطلا فينكر ان تكون مكنته من نفسها أو سلمت نفسها إليه أو يقيم شاهدي زور انها كانت ناشزا فلا نفقة لها ولا كسوة ومثل أن يقتل الرجل وليه فيقيم شاهدي زور ولم يشهدا القتل فيشهدا انه قتله ومثل أن يموت موروثه فيقيم شاهدي زور انه مات وانه وارثه وهما لا يعلمان ذلك ونظائره ممن له حق لا شاهد له به فيقيم شاهدي زور يشهدان له به فهذا يأثم على الوسيلة دون المقصود وفي مثل هذا جاء الحديث: "أد الامانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك".

فصل أنواع من الحيل المباحة

القسم الثاني أن يكون الطريق مشروعة وما يفضى إليه مشروع وهذه هي الأسباب التي نصبها الشارع مفضية إلى مسبباتها كالبيع والاجارة والمساقاة والمزارعة والوكالة بل الأسباب محل حكم الله ورسوله وهي في اقتضائها لمسبباتهم شرعا على وزان الأسباب الحسية في اقتضائها لمسبباتها قدرا فهذا شرع الرب تعالى وذلك قدره وهما خلقه وامره والله له الخلق والأمر ولا تبديل لخلق الله ولا تغيير لحكمه فكما لا يخالف سبحانه بالأسباب القدرية احكامها بل يجريها على أسبابها وما خلقت له فهكذا الأسباب الشرعية لا يخرجها عن سببها وما شرعت له بل هذه سنته شرعا وامرا وتلك سنته قضاء وقدرا وسنته الأمرية قد تبدل وتتغير كما يعصى امره ويخالف واما سنته القدرية فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا كما لا يعصى أمره الكوني القدري.

ويدخل في هذا القسم التحيل على جلب المنافع وعلى دفع المضار وقد ألهم الله تعالى ذلك لكل حيوان فلأنواع الحيوانات من أنواع الحيل والمكر ما لا يهتدى إليه بنو آدم.

وليس كلامنا ولا كلام السلف في ذم الحيل متناولا لهذا القسم بل العاجز من عجز عنه والكيس من كان به أفطن وعليه أقدر ولا سيما في الحرب فإنها خدعة والعجز كل العجز ترك هذه الحيلة والإنسان مندوب إلى استعاذته بالله تعالى من العجز والكسل فالعجز عدم القدرة على الحيلة النافعة والكسل عدم الارادة لفعلها فالعاجز لا يستطيع الحيلة والكسلان لا يريدها ومن لم يحتل وقد أمكنته هذه الحيلة أضاع فرصته وفرط في مصالحه كما قال: إذا المرأ لم يحتل وقد جد جده أضاع وقاسى امره وهو مدبر.

وفي هذا قال بعض السلف: الأمر امران أمر فيه حيلة فلا يعجز عنه وامر لا حيلة فيه فلا يجزع منه.

فصل قسم آخر من أقسام الحيل المباحة

القسم الثالث ان يحتال على التوصل إلى الحق أو على دفع الظلم بطريق مباحة لم توضع موصلة إلى ذلك بل وضعت لغيره فيتخذها هو طريقا إلى هذا المقصود الصحيح أو قد يكون قد وضعت له لكن تكون خفية ولا يفطن لها والفرق بين هذا القسم والذي قبله ان الطريق في الذي قبله نصبت مفضية إلى مقصودها ظاهرا فسالكها سالك للطريق المعهود والطريق في هذا القسم نصبت مفضية إلى غيره فيتوصل بها إلى ما لم توضع له فهي في الفعال كالتعريض الجائز في المقال أو تكون مفضية إليه لكن بخفاء ونذكر لذلك أمثلة ينتفع بها في هذا الباب.

المثال الأول: إذا استأجر منه دارا مدة سنين بأجرة معلومة فخاف ان يغدر به المكرى في آخر المدة ويتسبب إلى فسخ الاجارة بأن يظهر أنه لم تكن له ولاية الايجار أو ان المؤجر ملك لابنه أو امرأته أو انه كان مؤجرا قبل ايجاره ويتبين ان المقبوض أجرة المثل لما استوفاه من المدة وينتزع المؤجر له منه فالحيلة في التخلص من هذه الحيلة ان يضمنه المستأجر درك العين المؤجرة له أو لغيره فإذا استحقت أو ظهرت الاجارة فاسدة رجع عليه بما قبضه منه أو يأخذ إقرار من يخاف منه بأنه لا حق له في العين وان كل دعوى يدعيها بسببها فهى باطلة أو يستأجرها منه بمائة دينار مثلا ثم يصارفه كل دينار بعشرة دراهم فإذا طالبه بأجرة المثل طالبه هو بالدنانير التي وقع عليها العقد فإنه لم يخف من ذلك ولكن يخاف ان يغدر به في آخر المدة فليقسط مبلغ الأجرة على عدد السنين ويجعل معظمها للسنة التي يخشى غدره فيها وكذلك إذا خاف المؤجر ان يغدر المستأجر ويرحل في اخر المدة فليجعل معظم الأجرة على المدة التي يأمن فيها من رحيله والقدر اليسير منها لآخر المدة.

المثال الثاني: ان يخاف رب الدار غيبة المستأجر ويحتاج إلى داره فلا يسلمها أهله إليه فالحيلة في التخلص من ذلك أن يؤجر هاربها من امرأة المستأجر ويضمن الزوج ان ترد إليه المرأة الدار وتفرغها متى انقضت المدة أو تضمن المرأة ذلك إذا استأجرها الزوج فمتى استأجر احدهم وضمن الاخر الرد لم يتمكن أحدهما من الامتناع وكذلك إن مات المستأجر فجحد ورثته الاجارة وادعوا ان الدار لهم نفع رب الدار كفالة الورثة وضمانهم رد الدار إلى المؤجر فإن خاف المؤجر إفلاس المستأجر وعدم تمكنه من قبض الأجرة فالحيلة ان يأخذ منه كفيلا بأجره ما سكن ابدا ويسمى أجرة كل شهر للضمين ويشهد عليه بضمانه.

المثال الثالث: ان يأذن رب الدار للمستأجر أن يكون في الدار ما يحتاج إليه أو يعلف الدابة بقدر حاجتها وخاف ان لا يحتسب له ذلك من الأجرة فالحيلة في اعتداده به عليه ان يقدر ما يحتاج إليه الدابة أو الدار ويسمى له قدرا معلوما ويحسبه من الأجرة ويشهد على المؤجر انه قد وكله في صرف ذلك القدر فيما تحتاج إليه الدار أو الدابة.

فإن قيل: فهل تجوزون لمن له دين على رجل ان يوكله في المضاربة به أو الصدقة به أو إبراء نفسه منه أو ان يشتري له شيئا ويبرأ المدين إذا فعل ذلك؟

قيل: هذا مما اختلف فيه وفي صورة المضاربة بالدين قولان في مذهب الإمام أحمد أحدهما انه لا يجوز ذلك وهو المشهور لأنه يتضمن قبض الإنسان من نفسه وإبراءه لنفسه من دين الغريم بفعل نفسه لأنه متى أخرج الدين وضارب به فقد صار المال أمانة وبريء منه وكذلك إذا اشترى به شيئا أو تصدق به.

والقول الثاني: انه لا يجوز وهو الراجح في الدليل وليس في الأدلة الشرعية ما يمنع من جواز ذلك ولا يقتضى تجويزه مخالفة قاعدة من قواعد الشرع ولا وقوعا في محظور من ربا ولا قمار ولا بيع غرر ولا مفسدة في ذلك بوجه ما فلا يليق بمحاسن الشريعة المنع منه وتجويزه من محاسنها ومقتضاها.

وقولهم إنه يتضمن إبراء الإنسان لنفسه بفعل نفسه كلام فيه إجمال يوهم انه هو المستقل بإبراء نفسه وبالفعل الذي به يبرأ وهذا إيهام فإنه إنما برء بما أذن له رب الدين من مباشرة الفعل الذي تضمن براءته من الدين فأي محذور في أن يفعل فعلا اذن له فيه رب الدين ومستحقه يتضمن براءته فكيف ينكر ان يقع في الاحكام الضمنية التبعية مالا يقع مثله في المتبوعات ونظائر ذلك أكثر من أن تذكر حتى لو وكله أو أذن له ان يبريء نفسه من الدين جاز وملك ذلك كما لو وكل المرأة ان تطلق نفسها فأي فرق بين ان يقول طلقي نفسك إن شئت أو يقول لغريمه ابرئ نفسك إن شئت وقد قالوا: لو أذن لعبده في التكفير بالمال ملك ذلك على الصحيح فلو أذن له في الاعتاق ملكه فلو اعتق نفسه صح على أحد القولين والقول الآخر لا يصح لمانع آخر وهو ان الولاء للمعتق والعبد ليس من أهل الولاء نعم المحذور ان يملك إبراء نفسه من الدين بغير رضا ربه وبغير إذنه فهذا هو المخالف لقواعد الشرع.

فإن قيل: فالدين لا يتعين بل هو مطلق كلى ثابت في الذمة فإذا أخرج مالا واشترى به أو تصدق به لم يتعين أن يكون هوالدين ورب الدين لم يعينه فهو باق على إطلاقه.

قيل: هو في الذمة مطلق وكل فرد من أفراده طابقه صح ان يعين عنه ويجزئ وهذا كإيجاب الرب تعالى الرقبة المطلقة في الكفارة فإنها غير معينة ولكن أي رقبة عينها المكلف وكانت مطابقة لذلك المطلق تأدى بها الواجب ونظيره ههنا ان أي فرد عينه وكان مطابقا لما في الذمة تعين وتأدى به الواجب وهذا كما يتعين عند الاداء إلى ربه وكما يتعين عند التوكيل في قبضه فهكذا يتعين عند توكيله لمن هو في ذمته ان يعينه ثم يضارب به أو يتصدق أو يشتري به شيئا وهذا محض الفقه وموجب القياس وإلا فما الفرق بين تعيينه إذا وكل الغير في قبضه والشراء أو التصدق به وبين تعيينه إذا وكل هو في ذمته ان يعينه ويضارب أو يتصدق به فهل يوجب التفريق فقه أو مصلحة لهما أو لأحدهما أو حكمة للشارع فيجب مراعاتها.

فإن قيل: تجوزوا على هذا ان يقول له اجعل الدين الذي عليك رأس مال السلم في كذا وكذا.

قيل: شرط صحة النقض امران أحدهما ان تكون الصورة التي تنقض بها مساوية لسائر الصور في المعنى الموجب للحكم الثاني أن يكون الحكم فيها معلوما بنص أو إجماع وكلا الأمرين منتف ههنا فلا إجماع معلوم في المسألة وإن كان قد حكى وليس مما نحن فيه فإن المانع من جوازها رأى انها من باب بيع الدين بالدين بخلاف ما نحن فيه والمجوز له يقول ليس عن الشارع نص عام في المنع من بيع الدين بالدين وغاية ما ورد فيه حديث ما فيه انه نهى عن بيع الكاليء بالكاليء والكالئ هو المؤخر وهذا كما إذا كان رأس مال السلم دينا في ذمة المسلم فهذا هو الممنوع منه بالاتفاق لأنه يتضمن شغل الذمتين بغير مصلحة لهما وأما إذا كان الدين في ذمة المسلم إليه فاشترى به شيئا في ذمته فقد سقط الدين من ذمته وخلفه دين آخر واجب فهذا من باب بيع الساقط بالواجب فيجوز كما يجوز بيع الساقط بالساقط في باب المقاصة فإن بنى المستأجر أو أنفق على الدابة وقال أنفقت كذا وكذا وأنكر المؤجر فالقول قول المؤجر لأن المستأجر يدعى براءة نفسه من الحق الثابت عليه والقول قول المنكر.

فإن قيل: فهل ينفعه إشهاد رب الدار أو الدابة على نفسه انه مصدق فيما يدعى إنفاقه.

قيل: لا ينفعه ذلك وليس بشيء ولا يصدق انه أنفق شيئا إلا ببينة لأن مقتضى العقد الا يقبل قوله في الإنفاق ولكن ينتفع بعد الإنفاق بإشهاد المؤجر انه صادق فيما يدعى انه أنفقه والفرق بين الموضعين انه بعد الإنفاق مدع فإذا صدقه المدعى عليه نفعه ذلك وقبل الإنفاق ليس مدعيا ولا ينفعه اشهاد المؤجر بتصديقه فيما سوف يدعيه في المستقل فهذا شيء وذاك شيء آخر.

فإن قيل: فما الحيلة على أن يصدق المؤجر المستأجر فما يدعيه من النفقة؟

قيل: الحيلة ان يسلف المستأجر رب الدار أو الحيوان من الأجرة ما يعلم انه بقدر الحاجة ويشهد عليه بقبضه ثم يدفع رب الدار إلى المستأجر ذلك الذي قبضه منه ويوكله في الإنفاق على داره أو دابته فيصير امينة فيصدق على ما يدعيه إذا كان ذلك نفقة مثله عرفا فإن خرج من العادة لم يصدق به وهذه حيلة لا يدفع بها حقا ولا يتوصل بها لمحرم ولا يقيم بها باطلا.

المثال الرابع إذا خاف رب الدار أو الدابة ان يعوقها عليه المستأجر بعد المدة فالحيلة في أمنه من ذلك أن يقول متى حبستها بعد انقضاء المدة فأجرتها كل يوم كذا وكذا فإنه يخاف من حبسها ان يلزمه بذلك.

المثال الخامس لا يجوز استئجار الشمع ليشعله لذهاب عين المستأجر والحيلة في تجويز هذا العقد ان يبيعه من الشمعة أواقي معلومة ثم يؤجره إياها فإن كان الذي أشعل منها ذلك القدر وإلا احتسب له بما اذهبه منها واحسن من هذه الحيلة ان يقول بعتك من هذه الشمعة كل أوقية فيها بدرهم قل المأخوذ منها أو كثر وهذا جائز على أحد القولين في مذهب الإمام أحمد واختاره شيخنا وهو الصواب المقطوع به وهو مخرج على نص الإمام أحمد في جواز إجارة الدار كل شهر بدرهم وقد اجر علي كرم الله وجهه في الجنة نفسه كل دلو بتمرة ولا محذور في هذا أصلا ولا يفضى إلى تنازع ولا تشاحن بل عمل الناس في أكثر بياعاتهم عليه ولا يضره جهالة كمية المعقود عليه عند البيع لأن الجهالة المانعة من صحة العقد هي التي تؤدي إلى القمار والغرر ولا يدري العاقد على أي شيء يدخل وهذه لا تؤدي إلى شيء من ذلك بل إن أراد قليلا أخذ والبائع راض وإن أراد كثيرا أخذ والبائع راض والشريعة لا تحرم مثل هذا ولا تمنع مه بل هي أسمح من ذلك وأحكم.

فإن قيل: لكن في العقد على هذا الوجه محذوران أحدهما تضمنه للجمع بين البيع والاجارة والثاني ان مورد عقد الاجارة يذهب عينه أو بعضه بالإشعال.

قيل: لا محذور في الجمع بين عقدين كل منهما جائز بمفرده كما لو باعه سلعة وأجره داره شهرا بمائة درهم وأما ذهاب أجزاء المستأجر بالانتفاع فإنما لم يجز لأنه لم يتعوض عنه المؤجر وعقد الاجارة يقتضي رد العين بعد الانتفاع واما هذا العقد فهو عقد بيع يقتضى ضمان المتلف بثمنه الذي قدر له وأجرة انتفاعه بالعين قبل الاتلاف فالأجرة في مقابلة انتفاعه بها مدة بقائها والثمن في مقابلة ما أذهب منها فدعونا من تقليد آراء الرجال ما الذي حرم هذا وأين هو في كتاب الله وسنة رسوله أو أقوال الصحابة أو القياس الصحيح الذي يكون فيه الفرع مساويا للأصل ويكون حكم الأصل ثابتا بالكتاب أو السنة أو الإجماع وليس كلامنا في هذا الكتاب مع المقلد المتعصب المقر على نفسه بما شهد عليه به جميع أهل العلم انه ليس من جملتهم فذاك وما اختار لنفسه وبالله التوفيق.

المثال السادس: ان تشترط المرأة دارها أو بلدها أو ان لا يتزوج عليها ولا يكون هناك حاكم يصحح هذا الشرط أو تخاف ان يرفعها إلى حاكم يبطله فالحيلة في تصحيحه ان تلزمه عند العقد بإن يقول إن تزوجت عليك امرأة فهى طالق وهذا الشرط يصح وان قلنا لا يصح تعليق الطلاق بالنكاح نص عليه أحمد لأن هذا الشرط لما وجب الوفاء به من منع التزويج بحيث لو تزوج فلها الخيار بين المقام معه ومفارقته جاز اشتراط طلاق من يتزوجها عليها كما جاز اشتراط عدم نكاحها.

فإن لم تتم لها هذه الحيلة فلتأخذ شرطه أنه إن تزوج عليها فأمرها بيدها أو أمر الضرة بيدها ويصح تعليق ذلك بالشرط لأنه توكيل على الصحيح ويصح تعليق الوكالة على الشرط على الصحيح من قولى العلماء وهو قول الجمهور ومالك وأبي حنيفة وأحمد كما يصح تعليق الولاية على الشرط بالسنة الصحيحة الصريحة ولو قيل: لا يصح تعليق الوكالة بالشرط لصح تعليق هذا التوكيل الخاص لأنه يتضمن الإسقاط فهو كتعليق الطلاق والعتق بالشرط ولا ينتقض هذا بالبراءة فإنه يصح تعليقها بالشرط وقد فعله الإمام أحمد وأصوله تقتضي صحته وليس عنه نص بالمنع ولو سلم انه تمليك لم يمنع تعليقه بالشرط كا تعلق الوصية واولى بالجواز فإن الوصية تمليك مال وهذا ليس كذلك.

فإن لم تتم لها هذه الحيلة فليتزوجها على مهر مسمى على أنه إن أخرجها من دارها فلها مهر مثلها وهو اضعاف ذلك المسمى ويقر الزوج بأنه مهر مثلها وهذا الشرط صحيح لأنها لم ترض بالمسمى إلا بناء على إقرارها في دارها فإذا لم يسلم لها ذلك وقد شرطت في مقابلته زيادة جاز وتكون تلك الزيادة في مقابلة ما فاتها من الغرض الذي إنما ارخصت المهر ليسلم لها فإذا لم يسلم لها انتقلت إلى المهر الزائد وقد صرح أصحاب أبي حنيفة بجواز مثل ذلك مع قولهم لا يصح اشتراط دارها ولا ان لا يتزوج عليها.

وقد أغنى الله عن هذه الحيلة بوجوب الوفاء بهذا الشرط الذي هو أحق الشروط أن يوفى به وهو مقتضى الشرع والعقل والقياس الصحيح فان المرأة لم ترض ببذل بضعها للزوج إلا على هذا الشرط ولو لم يجب الوفاء به لم يكن العقد عن تراض وكان إلزاما لها بما لم تلتزمه وبما لم يلزمها الله تعالى ورسوله به فلا نص ولا قياس والله الموفق.

المثال السابع: إذا خاصمته امرأته وقالت قل كل جارية اشتريها فهى حرة وكل امرأة أتزوجها فهى طالق فالحيلة في خلاصه ان يقول ذلك ويعنى بالجارية السفينة لقوله إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية ويمسك بيده حصاة أو خرقه ويقول فهى طالق فيرد الكناية اليها فإن تفقهت عليه الزوجة وقالت قل كل رقيقة أو أمة فليقل ذلك وليعن فهى حرة الخصال غير فاجرة فإنه لو قال: ذلك لم تعتق كما لو قال: له رجل غلامك فاجر زان فقال ما أعرفه إلا حرا عفيفا ولم يرد العتق لم يعتق وإن تفقهت عليه وقالت قل فهى عتيقة فليقل ذلك ولينو ضد الجديدة أي عتيقة في الرق فإن تفقهت وقالت قل فهى معتوقة وقد أعتقتها إن ملكتها فليرد الكناية إلى حصاة في يده أو خرقة فإن لم تدعه ان يمسك شيئا فليردها إلى نفسه ويعنى ان قد أعتقها من النار بالإسلام أو فهى حرة ليست رقيقة لأحد ويجعل الكلام جملتين فإن حصرته وقالت قل فالجارية التي أشتريها معتوقة فليقيد ذلك بزمن معين أو مكان معين في نيته ولا يحنث بغيره فإن حصرته وقالت من غير تورية ولا كناية ولا نية تخالف قولى وهذا آخر التشديد فلا يمنعه ذلك من التورية والكناية وان قال: بلسانه لا أوري ولا أكني والتورية والكناية في قلبه كما لو قال: لا أستثني بلسانه ومن نيته الاستثناء ثم استثنى فإنه ينفعه حتى لو لم ينو الاستثناء ثم عزم عليه واستثنى نفعه ذلك بالسنة الصحيحة الصريحة التي لا معارض لها بوجه في غير حديث كقول الملك لسليمان قل إن شاء الله وقول النبي ﷺ إلا الإذخر بعد أن ذكره به العباس وقوله إن شاء الله بعد أن قال: لأغزون قريشا ثلاث مرات ثم قال: بعد الثالثة وسكوته إن شاء الله والقرآن صريح في نفع الاستثناء إذا نسيه ولم ينوه في أول كلامه ولا أثناءه في قوله تعالى: {وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيت} وهذا إما ان يختص بالاستثناء إذا نسيه كما فسره به جمهور المفسرين أو يعمه ويعم غيره وهو الصواب فأما ان يخرج منه الاستثناء الذي سيق الكلام لأجله ويرد إلى غيره فلا يجوز ولان الكلام الواحد لا يعتبر في صحته نية كل جملة من جملة وبعض من أبعاضه فالنص والقياس يقتضى نفع الاستثناء وان خطر له بعد انقضاء الكلام وهذا هو الصواب المقطوع به.

المثال الثامن لا تصح إجارة الأرض المشغولة بالزرع فإن أراد ذلك فله حيلتان جائزتان إحداهما ان يبيعه الزرع ثم يؤجره الأرض فتكون الأرض مشغولة بملك المستأجر فلا يقدح في صحة الاجارة فان لم يتمكن من هذه الحيلة لكون الزرع لم يشتد أو كان زرعا للغير انتقل إلى الحيلة الثانية وهي ان يؤجره إياها لمدة تكون بعد أخذ الزرع ويصح هذا بناء على صحة الاجارة المضافة.

المثال التاسع لا تصح إجارة الأرض على أن يقوم المستأجر بالخراج مع الأجرة أو يكون قيامه به هو أجرتها ذكره القاضي لأن الخراج مؤنة تلزم المالك بسبب تمكنه من الانتفاع فلا يجوز نقله إلى المستأجر والحيلة في جوازه ان يسمى مقدار الخراج ويضيفه إلى الأجرة قلت ولا يمنع ان يؤجره الأرض بما عليها من الخراج إذا كان مقدارا معلوما لا جهالة فيه فيقول أجرتكها بخراجها تقوم به عنى فلا محذور في ذلك ولا جهالة ولا غرر وأي فرق بين ان يقول آجرتك كل سنة بمائة أو بالمائة التي عليها كل سنة خراجا فإن قيل: الأجرة تدفع إلى المؤجر والخراج إلى السلطان.

قيل: بل تدفع الأجرة إلى المؤجر أو إلى من اذن له بالدفع إليه فيصير وكيله في الدفع.

المثال العاشر لا يصح ان يستأجر الدابة بعلفها لأنه مجهول والحيلة في جوازه ان يسمى ما يعلم انها تحتاج إليه من العلف فيجعله أجرة ثم يوكله في إنفاق ذلك عليها وهذه الحيلة غير محتاج اليها على أصلنا فإنا نجوز ان يستأجر الظئر بطعامها وكسوتها والاجير بطعامه وكسوته فكذلك إجارة الدابة بعلفها وسقيها.

فإن قيل: علف الدابة على مالكها فإذا شرطه على المستأجر فقد شرط ما ينافي مقتضى العقد فأشبه ما لو شرط في عقد النكاح ان تكون نفقة الزوجة على نفسها.

قيل: هذا من أفسد القياس لأن العلف قد جعل في مقابلة الانتفاع فهو نفسه أجرة مغتفرة جهالتها اليسيرة للحاجة بل الحاجة إلى ذلك أعظم من حاجة استئجار الاجير بطعامه وكسوته إذ يمكن الاجير ان يشتري له بالأجرة ذلك فأما الدابة فإن كلف ربها ان يصحبها ليعلفها شق عليه ذلك فتدعو الحاجة إلى قيام المستأجر عليها ولا يظن به تفريطه في علفها لحاجته إلى ظهرها فهو يعلفها لحاجته وان لم يمكنها مخاصمته.

المثال الحادي عشر إذا أراد أن يستأجر دارا أو حانوتا ولا يدري مدة مقامه فإن استأجره سنة فقد يحتاج إلى التحول قبلها فالحيلة ان يستأجر كل شهر بكذا وكذا فتصح الاجارة وتلزم في الشهر الأول وتصير جائزة فيما بعده من الشهور فلكل واحد منهما الفسخ عقيب كل شهر إلى تمام يوم وهذا قول أبي حنيفة وقال الشافعي الاجارة فاسدة وعن أحمد نحوه والصحيح الأول فإذا خاف المستأجر ان يتحول قبل تمام الشهر الثاني فيلزمه اجرته فالحيلة ان يستأجرها كل اسبوع بكذا فإن خاف التحول قبل الاسبوع استأجرها كل يوم بكذا ويصح ويكون حكم اليوم كحكم الشهر المثال الثاني عشر: لو وكله ان يشترى له جارية معينة فلما رآها الوكيل أعجبته واراد شراءها لنفسه من غير إثم يدخل عليه ولا غدر بالموكل جاز ذلك لأن شراءه إياها لنفسه عزل لنفسه وإخراج لها من الوكالة والوكيل يملك عزل نفسه في حضور الموكل وغيبته وإذا عزل نفسه واشترى الجارية لنفسه بماله ملكها وليس في ذلك بيع على بيع أخيه أو شراء على شراء أخيه إلا أن يكون سيدها قد ركن إلى الموكل وعزم على إمضاء البيع له فيكون شراء الوكيل لنفسه حينئذ حراما لأنه شراء على شراء أخيه ولا يقال العقد لم يتم والشراء على شرائه هو ان يطلب من البائع فسخ العقد في مدة الخيار ويعقد معه هو لعدة أوجه أحدها ان هذا حمل للحديث على الصورة النادرة والأكثر خلافها الثاني ان النبي ﷺ قرن ذلك بخطبته على خطبة أخيه وذلك إنما يكون قبل عقد النكاح الثالث انه نهى ان يسوم على سوم أخيه وذلك أيضا قبل العقد الرابع ان المعنى الذي حرم الشارع لأجله ذلك لا يختص بحالة الخيار بل هو قائم بعد الركون والتراضي وإن لم يعقداه كما هو قائم بعد العقد الخامس ان هذا تخصيص لعموم الحديث بلا موجب فيكون فاسدا فإن شراءه على شراء أخيه متناول لحال الشراء وما بعده والذي غر من خصه بحالة الخيار ظنه ان هذا اللفظ إنما يصدق على من اشترى بعد شراء أخيه وليس كذلك بل اللفظ صادق على القسمين السادس انه لو اختص اللفظ بما بعد الشراء لوجب تعديته بتعدية علته إلى حالة السوم، أما على أصل أبي حنيفة فلا يتأتى ذلك لأن الوكيل لا يملك عزل نفسه في غيبة الموكل فلو اشتراها لنفسه لكان عزلا لنفسه في غيبة موكله وهو لا يملكه.

قالوا: فالحيلة في شرائها لنفسه ان يشتريها بغير جنس الثمن الذي وكل ان يشتري به وحينئذ فيملكها لأن هذا العقد غير الذي وكل فيه فهو بمنزلة ما لو وكله في شراء شاة فاشترى فرسا فإن العقد يكون للوكيل دون الموكل فإن أراد الموكل الاحتراز من هذه الحيلة وان لا يمكن الوكيل من شرائها لنفسه فليشهد عليه انه متى اشتراها لنفسه فهى حرة فإن وكل الوكيل من يشتريها له انبنى ذلك على أصلين أحدهما ان الوكيل هل له ان يوكل أم لا والثاني ان من حلف لا يفعل شيئا فوكل في فعله هل يحنث أم لا وفي الأصلين نزاع معروف.

فإن وكله رجل في بيع جارية ووكله آخر في شرائها وأراد هو شراءها لنفسه فالحكم على ما تقدم غير ان ههنا أصلا آخر وهو ان الوكيل في بيع الشيء هل يملك بيعه لنفسه فيه روايتان عن الإمام أحمد إحداهما لا يملك ذلك سدا للذريعة لأنه لا يستقصى في الثمن والثانية يجوز إذا زاد على ثمنها في النداء لتزول التهمة فعلى هذه الرواية يفعل ذلك من غير حاجة إلى حيلة والثانية لا يجوز فعل هذا وهل يجوز له التحيل على ذلك فقيل له ان يتحيل عليه بأن يدفع إلى غيره دراهم ويقول له اشترها لنفسك ثم يتملكها منه والذي تقتضيه قواعد المذهب ان هذا لا يجوز لأنه تحيل على التوصل إلى فعل محرم ولان ذلك ذريعة إلى عدم استقصائه واحتياطه في البيع بل يسامح في ذلك لعلمه انها تصير إليه وانه هو الذي يزن الثمن ولانه يعرض نفسه للتهمة ولان الناس يرون ذلك نوع غدر ومكر فمحاسن الشريعة تأبى الجواز.

فإن قيل: فلو وكله أحدهما في بيعها والآخر في شرائها ولم يرد ان يشتريها لنفسه فهل يجوز ذلك.

قيل: هذا ينبنى على شراء الوكيل في البيع لنفسه فإن اجزناه هناك جاز ههنا بطريق الأولى وإن منعناه هناك فقال القاضي لا يجوز أيضا ههنا لتضاد الغرضين لأن وكيل البيع يستقصى في زيادة الثمن ووكيل الشراء يستقصى في نقصانه فيتضادان ولم يذكر غير ذلك ويتخرج الجواز وإن منعنا الوكيل من الشراء لنفسه من نص أحمد على جواز كون الوكيل في النكاح وكيلا من الطرفين وكونه أيضا وليا من الطرفين وانه يلي بذلك على إيجاب العقد وقبوله ولا ريب أن التهمة التي تلحقه في الشراء لنفسه أظهر من التهمة التي تلحقه في الشراء لموكله.

والحيلة الصحيحة في ذلك كله ان يبيعها بيعا بتاتا ظاهرا لأجنبي يثق به ثم يشتريها منه شراء مستقلا فهذا لا بأس به والله أعلم.

المثال الثالث عشر: إذا قال: الرجل لامرأته الطلاق يلزمني لا تقولين لي شيئا إلا قلت لك مثله فقالت له أنت طالق ثلاثا فالحيلة في التخلص من ان يقول لها مثل ذلك ان يقول لها قلت لي أنت طالق ثلاثا.

قال أصحاب الشافعي: وفي هذه الحيلة نظر لا يخفى لأنه لم يقل لها مثل ما قالت له وإنما حكى كلامها من غير ان يقول لها نظيره ولو ان رجلا سب رجلا فقال له المسبوب أنت قلت لي كذا وكذا لم يكن قد رد عليه عند أحد لا لغة ولا عرفا فهذه الحيلة ليست بشيء.

وقالت طائفة أخرى الحيلة ان يقول لها أنت طالق ثلاثا بفتح التاء فلا تطلق وهذا نظير ما قالت له سواء وهذه إن كانت أقرب من الأولى فإن المفهوم المتعارف لغة وعقلا وعرفا من الرد على المرأة ان يخاطبها خطاب المؤنث فإذا خاطبها خطاب المذكر لم يكن ذلك ردا ولا جوابا ولو فرض أنه رد لم يمنع وقوع الطلاق بالمواجهة وإن فتح التاء كأنه قال: ايها الشخص أو الإنسان.

وقال طائفة أخرى الحيلة في ذلك ان يقول أنت طالق ثلاثا ان شاء الله أو ان كلمت السلطان أو إن سافرت ونحو ذلك فيكون قد قال: لها نظير ما قالت ولا يضره زيادة الشرط وهذه الحيلة أقرب من التي قبلها ولكن في كون المتكلم بها رادا أو مجيبا نظر لا يخفى لأن الشرط وان تضمن زيادة في الكلام لكنه يخرجه عن كونه نظيرا لكلامها ومثلا له وهو إنما حلف أن يقول لها مثل ما قالت له والجملة الشرطية ليست مثل الجملة الخبرية بل الشرط يدخل على الكلام التام فيصيره ناقصا يحتاج إلى الجواب ويدخل على الخبر فيقلبه إنشاء ويغير صورة الجملة الخبرية ومعناها ولو قال: رجل لغيره لعنك الله فقال له لعنك الله إن بدلت دينك أو ارتددت عن الإسلام لم يكن سابا له ولو قال: له يا زان فقال بل أنت زان إن وطئت فرجا حراما لم يكن الثاني قاذفا له ولو بذلت له مالا على أن يطلقها فقال أنت طالق إن كلمت السلطان لم يستحق المال ولم يكن مطلقا.

وقالت طائفة أخرى لا حاجة إلى شيء من ذلك والحالف لم تدخل هذه الصورة في عموم كلامه وان دخلت فهى من المخصوص بالعرف والعادة والعقل فإنه لم يرد هذه الصورة قطعا ولا خطرت بباله ولا تناولها لفظه فإنه انما تناول لفظه القول الذي يصح أن يقال له وقولها أنت طالق ثلاثا ليس من القول الذي يصح ان يواجه به فهو لغو محض وباطل وهو بمنزلة قولها أنت امرأتي وبمنزلة قول الأمة لسيدها أنت أمتي وجاريتي ونحو هذا من الكلام اللغو الذي لم يدخل تحت لفظ الحالف ولا إرادته اما عدم دخوله تحت إرادته فلا اشكال فيه واما عدم تناول لفظه له فان اللفظ العام انما يكون عاما فيما يصلح له وفيما سيق لأجله.

وهذا أقوى من جميع ما تقدم وغايته تخصيص العام بالعرف والعادة وهذا أقرب لغة وعرفا وعقلا وشرعا من جعل ما تقدم مطابقا ومماثلا لكلامها مثله فتأمله والله الموفق.

المثال الرابع عشر: اذا خاف الرجل لضيق الوقت ان يحرم بالحج فيفوته فيلزمه القضاء ودم الفوات فالحيلة ان يحرم إحراما مطلقا ولا يعينه فإن اتسع له الوقت جعله حجا أو قرانا أو تمتعا وإن ضاق عليه الوقت جعله عمرة ولا يلزمه غيرها.

المثال الخامس عشر: ذا جاوز الميقات غير محرم لزمه الاحرام ودم لمجاوزته للميقات غير محرم فالحيلة في سقوط الدم عنه ان لا يحرم من موضعه بل يرجع إلى الميقات فيحرم منه فإن أحرم من موضعه لزمه الدم ولا يسقط برجوعه إلى الميقات.

المثال السادس عشر إذا سرق له متاع فقال لامرأته ان لم تخبريني من أخذه فأنت طالق ثلاثا والمرأة لا تعلم من أخذه فالحيلة في التخلص من هذه اليمين ان تذكر الاشخاص التي لا يخرج المأخوذ عنهم ثم تفرد كل واحد واحد وتقول هو أخذه فإنها تكون مخبرة عن الآخذ وعن غيره فيبر في يمينه ولا تطلق.

المثال السابع عشر إذا ادعت المرأة النفقة والكسوة لمدة ماضية فقد اختلف في قبول دعواها فمالك وأبو حنيفة لا يقبلان دعواها ثم اختلفا في مأخذ الرد فأبو حنيفة يسقطها بمضي الزمان كما يقوله منازعوه في نفقة القريب ومالك لا يسمع الدعوى التي يكذبها العرف والعادة ولا يحلف عنده فيها ولا يقبل فيها بينة كما لو كان رجل حائزا دارا متصرفا فيها مدة السنين الطويلة بالبناء والهدم والاجارة والعمارة وينسبها إلى نفسه ويضيفها إلى ملكه وإنسان حاضر يراه ويشاهد أفعاله فيها طول هذه المدة ومع ذلك لا يعارضه فيها ولا يذكر أن له فيها حقا ولا مانع يمنعه من خوف أو شركة في ميراث ونحو ذلك ثم جاء بعد تلك المدة فادعاها لنفسه فدعواه غير مسموعة فضلا عن إقامة بينته قالوا: وكذلك إذا كانت المرأة مع الزوج مدة سنين يشاهده الناس والجيران داخلا بيته بالطعام والفاكهة واللحم والخبز ثم ادعت بعد ذلك انه لم ينفق عليها في هذه المدة فدعواها غير مسموعة فضلا عن ان يحلف لها أو يسمع لها بينة قالوا: وكل دعوى ينفيها العرف وتكذبها العادة فإنها مرفوضة غير مسموعة.

وهذا المذهب هو الذي ندين الله به ولا يليق بهذه الشريعة الكاملة سواه وكيف يليق بالشريعة ان تسمع مثل هذه الدعوى التي قد علم الله وملائكته والناس انها كذب وزور وكيف تدعى المرأة انها اقامت مع الزوج ستين سنة أو أكثر لم ينفق عليها فيها يوما واحدا ولا كساها فيها ثوبا ويقبل قولها عليه ويلزم بذلك كله ويقال الأصل معها وكيف يعتمد على أصل يكذبه العرف والعادة والظاهر الذي بلغ في القوة إلى حد القطع والمسائل التي يقدم فيها الظاهر القوى على الأصل أكثر من ان تحصى ومثل هذا المذهب في القوة مذهب أبي حنيفة وهو سقوطها بمضي الزمان فإن البينة قد قامت بدونها فهى كحق المبيت والوطء.

ولا يعرف أحد من أصحاب رسول الله ﷺ مع انهم أئمة الناس في الورع والتخلص من الحقوق والمظالم قضى لامرأة بنفقة ماضية أو استحل امرأة منها ولا أخبر النبي ﷺ بذلك امرأة واحدة منهن ولا قال لها ما مضى من النفقة حق لك عند الزوج فإن شئت فطالبيه وإن شئت حللتيه وقد كان ﷺ يتعذر عليه نفقة أهله أياما حتى سألنه إياها ولم يقل لهن هي باقية في ذمتي حتى يوسع الله وأقضيكن ولما وسع الله عليه لم يقض لامرأة منهن ذلك ولا قال: لها هذا عوض عما فاتك من الإنفاق ولا سمع الصحابة لهذه المسألة خبرا وقول عمر رضي الله عنه للغياب إما ان تطلقوا وإما ان تبعثوا بنفقة ما مضى في ثبوته نظر فإن قال ابن المنذر: ثبت عن عمر فإن في إسناده ما يمنع ثبوته ولو قدر صحته فهو حجة عليهم ودليل على انهم إذا طلقوا لم يلزمهم بنفقة ما مضى.

فإن قيل: وحجة عليكم في إلزامه لهم بها وانتم لا تقولون بذلك.

قيل: بل نقول به وان الازواج إذا امتنعوا من الواجب عليهم مع قدرتهم عليه لم يسقط بالامتناع ولزمهم ذلك وأما المعذور العاجز فلا يحفظ عن أحد من الصحابة انه جعل النفقة دينا في ذمته أبدا وهذا التفصيل هو أحسن ما يقال في هذه المسألة.

والمقصود أن على هذين المذهبين لا تسمع هذه الدعوى ويسمعها الشافعي وأحمد بناء على قاعدة الدعاوي وان الحق قد ثبت ومستحقه ينكر قبضه يقبل قول الدافع عليه إلا ببينة فعلى قولهما يحتاج الزوج إلى طريق تخلصه من هذه الدعوى ولا ينفعه دعوى النشوز فإن القول فيه قول المرأة ولا يخلصه دعوى عدم التسليم الموجب للإنفاق لتمكن المرأة من إقامة البينة عليه فله حيلتان إحداهما أن يقيم البينة على نفقته وكسوته لتلك المدة وللبينة ان تشهد على ذلك بناء على ما علمته وتحققته بالاستفاضة والقرائن المفيدة للقطع فإن الشاهد يشهد بما علمه بأي طريق علمه وليس على الحاكم ان يسأل البينة عن مستند التحمل ولا يجب على الشاهد ان يبين مستنده في الشهادة والحيلة الثانية ان ينكر التمكين الموجب لثبوت المدعى به في ذمته ويكون صادقا في هذا الإنكار فإن التمكين الماضي لا يوجب عليه ما ادعت به الزوجة إذا كان قد اداه اليها والتمكين الذي يوجب ما ادعت به لا حقيقة له فهو صادق في إنكاره.

المثال الثامن عشر إذا اشترى ربويا بمثله فتعيب عنده ثم وجد به عيبا فإنه لا يمكنه رده للعيب الحادث ولا يمكنه أخذ الارش لدخول التفاضل فالحيلة في استدراك ظلامته ان يدفع إلى البائع ربويا معيبا بنظير العيب الذي وجده بالمبيع ثم يسترجع منه الذي دفعه إليه فإن استهلكه استرد منه نظيره وهذه الحيلة على أصل الشافعي واما على أصل أبي حنيفة فالحيلة في الاستدراك ان يأخذ عوض العيب من غير جنسه بناء على أصله في تجويز مسألة مد عجوة واما على أصل الإمام أحمد فإن كان البائع علم بالبيع فكتمه لم يمنع العيب الحادث عند المشتري رده عليه بل لو تلف جميعه رجع عليه بالثمن عنده وان لم يكن من البائع تدليس فإنه يرد عليه المبيع ومعه أرش العيب الحادث عنده ويسترد العوض وليس في ذلك محذور فإنه يبطل العقد فالزيادة ليست زيادة في عوض فلا يكون ربا.

المثال التاسع عشر: ذا أبرأ الغريم من دينه في مرض موته ودينه يخرج من الثلث وهو غير وارث فخاف المبرأ ان تقول الورثة لم يخلف مالا سوى الدين ويطالبون بثلثيه فالحيلة ان يخرج المريض إلى الغريم مالا بقدر دينه فيهبه إياه ثم يستوفيه منه من دينه فإن عجز عن ذلك ولم تغب عنه الورثة فالحيلة ان يقر بأنه شريكه بقدر الدين الذي عليه فإن عجز عن ذلك فالحيلة ان يقر بأنه كان قبضه منه أو أبرأه منه في صحته فان خاف ان يتعذر عليه مطالبته به إذا توفى فالحيلة ان يشهد عليه أنه إن ادعى عليه أو أي وقت ادعى عليه أو متى ادعى عليه بكذا وكذا فهو صادق في دعواه فان لم يدع عليه بذلك لم يلزمه وليس لوارثه بعده ان يدعى به فإنه انما صدق الموروث ان ادعى ولم تحصل دعواه وإنما ينتقل إلى الورثة ما ادعى به الموروث وصدقه المدعى عليه ولم يتحقق ذلك.

المثال العشرون إذا أراد أن يعتق عبده وخاف ان يجحد الورثة المال ويرقوا ثلثيه فالحيلة ان يبيعه لأجنبي ويقبض ثمنه منه ثم يهب الثمن للمشتري ويسأله إعتاق العبد ولا ينفعه ان يأخذ إقرار الورثه ان العبد يخرج من الثلث لأن الثلث انما يعتبر عند الموت لا قبله فان لم يرد تنجيز عتقه واحب تدبيره وخاف عليه من ذلك فالحيلة ان يملكه لرجل يثق به ويعلق المشتري عتقه بموت السيد المملك فلا يجد الورثة إليه سبيلا.

المثال الحادي والعشرون إذا كان لأحد الورثة دين على الموروث واحب ان يوفيه اياه ولا بينة له به فان اقر له به أبطلنا إقراره وان أعطاه عوضه كان تبرعا في الظاهر فلباقي الورثة رده فالحيلة في خلاصه من دينه ان يقبض الوارث ماله عليه في السر ثم يبيعه سلعة أو دارا أو عبدا بذلك الثمن فيسترد منه المال ويدفع إليه تلك السلعة التي هي بقدر دينه فإن قيل: وأي حاجة له إلى ذلك إذا أمكنه ان يعطيه ماله عليه في السر قيل: بل في ذلك خلاص الوارث من دعوى بقية الورثة واتهامهم له وشكواهم إياه انه استولى على مال موروثنا أو صار إليه بغير الحق فإذا لم يخرج المال الذي عاينوه عند الموروث عن التركة سلم من تطرق التهمة والأذى والشكوى.

المثال الثاني والعشرون إذا زوج عبده من ابنته صح فإن خاف من انفساخ النكاح بموته حيث تملكه أو بعضه فالحيلة في ابقاء النكاح ان يبيعه من أجنبي ويقبض ثمنه أو يهبه اياه فإن مات بعد ذلك هو أو الأجنبي لم ينفسخ النكاح المثال الثالث والعشرون إذا كان موليه سفيها إن زوجه طلق وإن سراه اعتق وإن اهمله فسق فالحيلة ان يشتري جارية من مال نفسه ويزوجه اياها فإن اعتقها لم ينفذ عتقه وان طلقها رجعت إلى سيدها فلا يطالبه بمهرها المثال الرابع والعشرون إذا طلب عبده منه ان يزوجه جاريته فحلف بالطلاق الا يزوجه إياها فالحيلة على جواز تزويجه بها ولا يحنث ان يبيعهما جميعا أو يملكهما لمن يثق به ثم يزوجها المشتري فإذا فعل ذلك استردهما ولا يحنث لأنه لم يزوج أحدهما الآخر وإنما فعل ذلك غيره وقال القاضي أبو يعلى وهذا غير ممتنع على أصلنا لأن الصفة قد وجدت في حال وجدت في حال زوال ملكه فلا يتعلق به حنث ولا يتعلق الحنث باستدامة العقد بعد أن ملكهما لأن التزويج عبارة عن العقد وقد تقضى وإنما بقى حكمه فلم يحنث باستدامته قال: ويفارق هذا إذا حلف على عبده لا ادخل هذه الدار فباعه ودخلها ثم ملكه ودخلها بعد ذلك فإنه يحنث لأن الدخول عبارة عن الكون وذلك موجود بعد الملك كما كان موجودا في الملك الأول قال: وقد علق أحمد القول في رواية مهنا في رجل قال: لامرأته أنت طالق إن رهنت كذا وكذا فإذا هي قد رهنته قبل اليمين فقال اخاف أن يكون قد حنث قال: وهذا محمول على أنه قال: إن كنت رهنتيه فيحنث لأنه حلف على ماض.

ولا يخفى ما في هذا الحمل من مخالفة ظاهر كلام السائل وكلام الإمام أحمد اما كلام السائل فظاهر في انه انما أراد رهنا تنشئه بعد اليمين فإن أداة الشرط تخلص الفعل الماضي للاستقبال فهذا الفعل مستقبل بوضع اللغة والعرف والاستعمال وأما كلام الإمام أحمد فإنه لو فهم من السائل ما حمله عليه القاضي لجزم بالحنث ولم يقل اخاف فهو انما يطلق هذه اللفظة فيما عنده فيه نوع توقف واستقراء اجوبته يدل على ذلك وإنما وجه هذا انه جعل استدامة الرهن رهنا كاستدامة اللبس والركوب والسكنى والجماع والاكل والشرب ونحو ذلك ولما كان لها شبه بهذا وشبه باستدامة النكاح والطيب ونحوهما لم يجزم بالحنث بل قال: أخاف أن يكون قد حنث والله أعلم.

المثال الخامس والعشرون هل تصح الشركة بالعروض والفلوس إن قلنا هي عروض والنقود المغشوشة على قولين هما روايتان عن الإمام أحمد فإن جوزنا الشركة بها لم يحتج إلى حيلة بل يكون رأس المال قيمتها وقت العقد وان لم نجوز الشركة بها فالحيلة على أن يصيرا شريكين فيها ان يبيع كل واحد منها صاحبه نصف عرضه بنصف عرضه مشاعا فيصير كل منهما شريكا لصاحبه في عرضه ويصير عرض كل واحد منهما بينهما نصفين ثم يأذن كل واحد منهما لصاحبه في التصرف هذا إذا كان قيمة العرضين سواء فإذا كانا متفاوتين بأن يساوي أحدهما مائة والاخر مائتين فالحيلة ان يبيع صاحب العرض الادنى ثلثي عرضه بثلث عرض صاحبه كما تقدم فيكون العرضان بينهما اثلاثا والربح على قدر الملكين عند الشافعي وعند أحمد على ما شرطاه ولا تمتنع هذه الحيلة على أصلنا فإنها لا تبطل حقا ولا تثبت باطلا ولا توقع في محرم.

المثال السادس والعشرون: إذا كان له عليه ألف درهم فأراد أن يصالحه على بعضها فلها ثمان صور فإنه إما يكون مقرا أو منكرا وعلى التقديرين فإما ان تكون حالة أو مؤجلة ثم الحلول والتأجيل إما ان يقع في المصالح عنه أو في المصالح به وإنما تتبين احكام هذه المسائل بذكر صورها وأصولها.

الصورة الأولى ان يصالحه عن ألف حالة قد اقر بها على خمسمائة حالة فهذا صلح على الإقرار وهو صحيح على أحد القولين باطل على القول الاخر فإن الشافعي لا يصحح الصلح إلا على الإقرار والخرقى ومن وافقه من أصحاب الإمام أحمد لا يصححه إلا على الإنكار وابن أبي موسى وغيره يصححونه على الإقرار والإنكار وهو ظاهر النص وهو الصحيح فالمبطلون له مع الإقرار يقولون هو هضم للحق لأنه إذا اقر له فقد لزمه ما اقر به فإذا بذل له دونه فقد هضمه حقه بخلاف المنكر فإنه يقول إنما افتديت يمينى والدعوى على بما بذلته والآخذ يقول أخذت بعض حقى والمصححون له يقولون إنما يمكن الصلح مع الإقرار لثبوت الحق به فتمكن المصالحة على بعضه أما مع الإنكار فأي شيء ثبت حتى يصالح عليه فإن قلتم صالحه عن الدعوى واليمين وتوابعهما فإن هذا لا تجوز المعاوضة عليه ولا هو مما يقابل بالاعواض فهذا أصل والصواب جواز الأمرين للنص والقياس والمصلحة فإن الله تعالى امرنا بالوفاء بالعقود ومراعاة العهود وأخبر النبي ﷺ ان المسلمين على شروطهم وأخبر ان الصلح بين المسلمين جائز إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا وقول من منع الصلح على الإقرار انه هضم للحق ليس كذلك وإنما الهضم ان يقول لا اقر لك حتى تهب لي كذا وتضع عنى كذا واما إذا اقر له ثم صالحه ببعض ما اقر به فأي هضم هناك وقول من منع الصلح على الإنكار انه يتضمن المعاوضة عما لا تصح المعاوضة عليه فجوابه انه افتداء لنفسه من الدعوى واليمين وتكليف اقامة البينة كما تفتدى المرأة نفسها من الزوج بما تبذله له وليس هذا بمخالف لقواعد الشرع بل حكمة الشرع وأصوله وقواعده ومصالح المكلفين تقتضي ذلك.

فهاتان صورتان صلح عن الدين الحال ببعضه حالا مع الإقرار ومع الإنكار.

الصورة الثالثة ان يصالح عنه ببعضه مؤجلا مع الإقرار والإنكار فهاتان صورتان أيضا فإن كان مع الإنكار ثبت التأجيل ولم تكن له المطالبة به قبل الاجل لأنه لم يثبت له قبله دين حال فيقال لا يقبل التأجيل وان كان مع الإقرار ففيه ثلاثة أقوال للعلماء وهي في مذهب الإمام أحمد.

أحدها لا يصح الإسقاط ولا التأجيل بناء على أن الصلح لا يصح مع الإقرار وعلى ان الحال لا يتأجل والثاني انه يصح الإسقاط دون التأجيل بناء على صحة الصلح مع الإقرار.

والثالث انه يصح الإسقاط والتأجيل وهو الصواب بناء على تأجيل القرض والعارية وهو مذهب أهل المدينة واختيار شيخنا وإن كان الدين مؤجلا فتارة يصالحه على بعضه مؤجلا مع الإقرار والإنكار فحكمه ما تقدم وتارة يصالحه ببعضه حالا مع الإقرار والإنكار فهذا للناس فيه ثلاثة أقوال أيضا.

أحدها انه لا يصح مطلقا وهو المشهور عن مالك لأنه يتضمن بيع المؤجل ببعضه حالا وهو عين الربا وفي الإنكار المدعى يقول هذه المائة الحالة عوض عن مائتين مؤجل وذلك لا يجوز وهذا قول ابن عمر.

والقول الثاني انه يجوز وهو قول ابن عباس واحدى الروايتين عن الإمام أحمد حكاها ابن أبي موسى وغيره واختار شيخنا لأن هذا عكس الربا فإن الربا يتضمن الزيادة في أحد العوضين في مقابلة الاجل وهذا يتضمن براءة ذمته من بعض العوض في مقابلة سقوط الاجل فسقط بعض العوض في مقابلة سقوط بعض الاجل فانتفع به كل واحد منهما ولم يكن هنا ربا لا حقيقة ولا لغة ولا عرفا فإن الربا الزيادة وهي منتفية ههنا والذين حرموا ذلك إنما قاسوه على الربا ولا يخفى الفرق الواضح بين قوله إما أن تربي وإما أن تقضي وبين قوله عجل لي وأهب لك مائة فأين أحدهما من الاخر فلا نص في تحريم ذلك ولا إجماع ولا قياس صحيح.

والقول الثالث يجوز ذلك في دين الكتابة ولا يجوز في غيره وهو قول الشافعي وأبي حنيفة قالوا: لأن ذلك يتضمن تعجيل العتق المحبوب إلى الله والمكاتب عبد ما بقي عليه درهم ولا ربا بين العبد وبين سيده فالمكاتب وكسبه للسيد فكأنه أخذ بعض كسبه وترك له بعضه ثم تناقضوا فقالوا لا يجوز ان يبيعه درهما بدرهمين لأنه في المعاملات معه كالأجنبي سواء.

فيالله العجب ما الذي جعله معه كالأجنبي في هذا الباب من أبواب الربا وجعله معه بمنزلة العبد القن في الباب الآخر؟

هذه صورة هذه المسائل وأصولها ومذاهب العلماء فيها وقد تبين ان الصواب جوازها كلها فالحيلة على التوصل اليها حيلة على أمر جائز ليست على حرام.

فصل الحيلة على الصلح على الإنكار

فالحيلة على الصلح على الإنكار عند من يمنعه ان يجيء رجل أجنبي فيقول للمدعى انا اعلم ان ما في يد المدعى عليه لك وهو يعلم انك صادق في دعواك وانا وكيله فصالحني على كذا فينقلب حينئذ صلحا على الإنكار ثم ينظر فإن كان فعل ذلك بإذن المدعى عليه رجع بما دفعه إلى المدعى وان كان بغير إذنه لم يرجع عليه وان دفع المدعى عليه المال إلى الأجنبي وقال صالح عنى بذلك جاز أيضا.

فصل الحيلة على الصلح على الإقرار

والحيلة في جواز الصلح على الإقرار عند من يمنعه ان يبيعه سلعة ويحابيه فيها بالقدر الذي اتفقا على إسقاطه بالصلح.

فصل الحيلة في الصلح عن الحال ببعضه مؤجلا

والحيلة في الصلح عن الحال ببعضه مؤجلا حتى يلزمه التأجيل ان يبرئه من الحال ويقر انه لا يستحق عليه إلا المؤجل والحيلة في الصلح عن المؤجل ببعضه حالا ان يتفاسخا العقد الأول ثم يجعلانه بذلك القدر الحال فإذا اشترى منه سلعة أو استأجر منه دابة أو خالعته على عوض مؤجل فسخا العقد ثم جعلا عوضه ذلك القدر الحال فإن لم يكن فيه الفسخ كالدية وغيرها فالحيلة في جواز ذلك ان يعاوض على الدين بسلعة أو بشيء غير جنسه وذلك جائز لأن غاية ما فيه بيع الدين ممن هو في ذمته فان أتلف له مثليا لزمه مثله دينا عليه فإن صالح عليه بأكثر من جنسه لم يجز لأنه ربا وإن كان المتلف متقوما لزمه قيمته فإن صالح عليه بأكثر من قيمته فإن كان من جنسها لم يجز ذلك وان كان من غير جنسها جاز إذ هو بيع للقيمة وهي دين بذلك العوض وهو جائز.

المثال السابع والعشرون إذا وكله في شراء جارية بألف فاشتراها الوكيل وقال أذنت لي في شرائها بألفين وقد فعلت فالقول قول الوكيل ولا يلزمه الالفان ولا يملك الجارية والوكيل مقر انها للموكل فإنه لا يحل له وطؤها والالف الزائدة دين عليه ولا يمكن الوكيل بيعها ولا التصرف فيها لأنه معترف انها ملك للموكل وان الالف الأخرى في ذمته والوكيل ضامن لها فالحيلة في ملك الوكيل لها ان يقول له الموكل ان كنت أذنت لك في شرائها بالفين فقد بعتكها بالالفين فيقول قد اشتريتها منك فيملكها حينئذ ويتصرف فيها وهذا قول المزنى وأكثر أصحاب الشافعي ولا يضر تعليق البيع بصورة الشرط فإنه لا يملك صحته إلا على هذا الشرط فهو كما لو قال: إن كانت ملكى فقد بعتكها بالفين ولا يلتفت إلى نصف فقيه يقول هذا تعليق للبيع بالشرط فيبطل كما لو قال: إن قدم زيد فقد بعتك كذا بكذا بل هذا نظير قوله إن كنت جائز التصرف فقد بعتك كذا وان اعطيتني ثمن هذا المبيع فقد بعتكه ونحو ذلك.

المثال الثامن والعشرون إذا اودعه وديعة واشهد عليها فتلفت من غير تفريطه لم يضمن فإن ادعى عليه قبض الوديعة فأنكر فأقام البينة عليه ضمن فإن ادعى التلف بعد ذلك لم يقبل منه لأنه معترف انه غير امين له وقد قامت البينة على قبضه ماله فيضمنه ولا ينفعه تكذيب البينة فالحيلة في سقوط الضمان ان يقول مالك عندي شيء فإن حلفه حلف حلفا صادقا فإن أقام البينة بالوديعة فليصدق البينة ويقول صدقت فيما شهدت به ويدعى التلف بغير تفريط فإن كذب البينة لزمه الضمان ولا ينفعه دعوى التلف.

المثال التاسع والعشرون إذا رهن عنده رهنا ولم يثق بأمانته وخاف ان يدعى هلاكه ويذهب به فالحيلة في أن يجعله مضمونا عليه ان يعيره إياه أولا فإذا قبضه رهنه منه بعد ذلك فإذا تلف كان في ضمانه لأن طريان الرهن على العارية لا يبطل حكمها لأن المرتهن يجوز له الانتفاع بها بعد الرهن كما كان ينتفع بها قبله ولو بطل لم يجز له الانتفاع.

المثال الثلاثون اختلف الناس في العارية هل توجب الضمان إذا لم يفرط المستعير على أربعة أقوال أحدها يوجب الضمان مطلقا وهو قول الشافعي وأحمد في المشهور عنه الثاني لا يوجب الضمان ويد المستعير يد امانه وهو قول أبي حنيفة الثالث أنه إن كان التلف بأمر ظاهر كالحريق وأخذ السيل وموت الحيوان وخراب الدار لم يضمن وان كان بأمر لا يطلع عليه كدعوى سرقة الجوهرة والمنديل والسكين ونحو ذلك ضمن وهو قول مالك الرابع أنه إن شرط نفى ضمانها لم يضمن وإن أطلق ضمن وهذا إحدى الروايتين عن أحمد والقول بعدم الضمان قوى متجه وان كنا لا نقبل قوله في دعوى التلف لأنه ليس بأمينه لكن إذا صدقه المالك في التلف بأمر لا ينسب فيه إلى تفريط فعدم التضمين أقوى.

فالحيلة في سقوط الضمان ان يشترط نفيه فإن خاف أن لا يفى له بالشرط فله حيلة أخرى وهي ان يشهد عليه انه متى ادعى عليه بسبب هذه العين ما يوجب الضمان فدعواك باطلة فإن لم تصعد معه هذه الحيلة أو خاف من ورثته بعده الدعوى فله حيلة ثالثة وهي ان يستأجر العين منه بأقل شيء للمدة التي يريد الانتفاع بها أو يستأجرها منه بأجره مثلها ويشهد عليه أنه قبض الأجرة أو ابرأه منها فإن تلفت بعد ذلك لم يضمنها وليست هذه الحيلة مما تحلل حراما أو تحرم حلالا.

المثال الحادي والثلاثون اختلف الناس في تأجيل القرض والعارية إذا أجلها.

فقال الشافعي وأحمد في ظاهر مذهبه وأبو حنيفة لا يتأجل شيء من ذلك بالتأجيل وله المطالبة به متى شاء وقال مالك يتأجل بالتأجيل فإن أطلق ولم يؤجل ضرب له أجل مثله وهذا هو الصحيح لأدلة كثيرة مذكورة في موضعها.

وعلى هذا القول فالمستقرض والمستعير آمن من غدر المقرض غنى عن الحيلة للزوم الاجل وعلى القول الأول فالحيلة في لزوم التأجيل ان يشهد عليه انه لا يستحق ما عليه من الدين إلى مدة كذا وكذا ولا يستحق المطالبة بتسليم العين إلى مدة كذا وكذا فإن أراد حيلة غير هذه فليستأجر منه العين إلى تلك المدة ثم يبرئه من الأجرة كما تقدم واما القرض فالحيلة في تأجيله ان يشتري من المقرض شيئا ما بمبلغ القرض ثم يكتبه مؤجلا من ثمن مبيع قبضه المشتري فإنه لا يتمكن من المطالبة به قبل الاجل وهذه حيلة على أمر جائز لا يبطل بها حق فلا تكره.

المثال الثاني والثلاثون إذا رهنه رهنا بدين وقال إن وفيتك الدين إلى كذا وكذا وإلا فالرهن لك بما عليه صح ذلك وفعله الإمام أحمد وقال أصحابنا لا يصح وهو المشهور من مذاهب الأئمة الثلاثة واحتجوا بقوله لا يغلق الرهن ولا حجة لهم فيه فإن هذا كان موجبه في الجاهلية ان المرتهن يتملك الرهن بغير إذن المالك إذا لم يوفه فهذا هو غلق الرهن الذي أبطله النبي ﷺ وأما بيعه للمرتهن بما عليه عند الحلول فلم يبطله كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس صحيح ولا مفسدة ظاهرة وغاية ما فيه انه بيع علق على شرط ونعم فكان ماذا وقد تدعو الحاجة والمصلحة إلى هذا من المرتهنين ولا يحرم عليهما ما لم يحرمه الله ورسوله ولا ريب أن هذا خير للراهن والمرتهن من تكليفه الرفع إلى الحاكم وإثباته الرهن واستئذانه في بيعه والتعب الطويل الذي لا مصلحة فيه سوى الخسارة والمشقة فإذا اتفقا على أنه له بالدين عند الحلول كان أصلح لهما وأنفع وابعد من الضرر والمشقة والخسارة فالحيلة في جواز ذلك بحيث لا يحتاج إلى حاكم ان يملكه العين التي يريد أن يرهنها منه ثم يشتريها منه بالمبلغ الذي يريد استدانته ثم يقول إن وفيتك الثمن إلى كذا وكذا وإلا فلا بيع بيننا فإن وفاه وإلا انفسخ البيع وعادت السلعة إلى ملكه وهذه حيلة حسنة مخلصة لغرضها من غير مفسدة ولا تضمن لتحريم ما أحل الله ولا لتحليل ما حرم الله.

المثال الثالث والثلاثون إذا كان عليه دين مؤجل فادعى به صاحبه وأقر به فالصحيح المقطوع به انه لا يؤاخذ به قبل أجله لأنه انما اقر به على هذه الصفة فإلزامه به على غير ما اقر به إلزام بما لم يقر به وقال بعض أصحاب أحمد والشافعي يكون مقرا بالحق مدعيا لتأجيله فيؤاخذ بما أقر به ولا تسمع منه دعواه الاجل الا ببينة وهذا في غاية الضعف فإنه إنما أقر به إقرارا مقيدا لا مطلقا فلا يجوز ان يلغى التقيد ويحكم عليه بحكم الإقرار المطلق كما لو قال: له على ألف إلا خمسين أو له على ألف من ثمن مبيع لم اقبضه أو له على ألف من نقد كذا وكذا أو معاملة كذا وكذا فيلزمهم في هذا ونحوه ان يبطلوا هذه التقييدات كلها ويلزموه بالف كاملة من النقد الغالب ولا يقبل قوله إنها من ثمن مبيع لم أقبضه ومما يبين بطلان هذا القول ان إقرار المرء على نفسه شهادة منه على نفسه كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ} ولو شهد عليه شاهدان بالف مؤجلة لم يحكم عليها بها قبل الاجل اتفاقا فهكذا إذا اقر بها مؤجلة فالحيلة في خلاصه من الإلزام بهذا القول الباطل ان يقول لا يلزمني توفية ما تدعي على أداءه إليك إلى مدة كذا وكذا ولا يزيد على هذا فإن الح عليه وقال لي عليك كذا أم ليس لي عليك شيء ولابد من ان يجيب بأحد الجوابين فالحيلة في خلاصه ان يقول إن ادعيتها مؤجلة فأنا مقر بها وان ادعيتها حالة فأنا منكر.

وكذلك لو كان قد قضاه الدين وخاف ان يقول كان له على وقضيته فيجعله الحاكم مقرا بالحق مدعيا لقضائه فالحيلة ان يقول ليس له على شيء ولا يلزمني اداء ما يدعيه فان الح عليه لم يكن له جواب غير هذا على أن القول الصحيح أنه لا يكون مقرا بالحق مدعيا لقضائه بل منكرا الآن لثبوته في ذمته فكيف يلزم به؟

فإن قيل: لم يقر بثبوت سابق وادعى قضاء طارئا عليه.

قيل: لم يقر بثبوت مطلق بل بثبوت مقيد بقيد وهو الزمن الماضي ولم يقر بأنه ثابث الآن في ذمته فلا يجوز إلزامه به الآن استنادا إلى إقراره به في الزمن الماضي لأنه غير منكر ثبوته في الماضي وإنما هو منكر لثبوته الآن فكيف يجعل مقرا بما هو منكر له وقياسهم هذا الإقرار على قوله له على ألف لا يلزمني أو لا يثبت في ذمتي قياس باطل فإنه كلام متناقض لا يعقل وأما هذا فكلام معقول وصدقة فيه ممكن ولم يقر بشغل ذمته الآن بالمدعى به فلا يجوز شغل ذمته به بناء على إقراره بشغلها في الماضي وما نظير هذا إلا قول الزوج كنت طلقت امرأتي وراجعتها فهل يجعل بهذا الكلام مطلقا الآن وقول القائل كنت فيما مضى كافرا ثم أسلمت فهل يجعل بهذا الكلام كافرا الآن وقول القائل كنت عبدا فأعتقنى مولاى هل يجعل بهذا الكلام رقيقا فإن طردوا الحكم في هذا كله وطلقوا الزوج وكفروا المعترف بنعمة الله عليه وانه كان كافرا فهداه الله وامروه ان يجدد إسلامه وجعلوا هذا قنا قيل: لهم فاطردوا ذلك فيمن قال: كانت هذه الدار أو هذا البستان أو هذه الأرض أو هذه الدابة لفلان ثم اشتريتها منه فأخرجوها من ملكه بهذا الكلام وقولوا قد أقر بها فلان ثم ادعى اشتراءها فيقبل إقراره ولا تقبل دعواه فمن جرت هذه الكلمة على لسانه وقال الواقع فأخرجوا ملكه من يده وكذلك إذا قالت المرأة كنت مزوجة بفلان ثم طلقني اجعلوها بمجرد هذا الكلام زوجته والكلام بآخره فلا يجوز ان يؤخذ منه بعضه ويلغى بعضه ويقال قد لزمك حكم ذلك البعض وليس علينا من بقية كلامك فإن هذا يرفع حكم الاستثناء والتقيدات جميعها وهذا لا يخفي فساده ثم ان هذا على أصل من لا يقبل الجواب الا على وفق الدعوى يحول بين الرجل وبين التخلص من ظلم المدعي ويلجئه إلى ان يقر له بما يتوصل به إلى الاضرار به وظلمه أو إلى ان يكذب بيانه انه إذا استدان منه ووفاه فإن قال: ليس له على شيء لم يقبلوا منه لأنه لم يجب على نفي الدعوى وان قال: كنت استدنت منه ووفيته لم تسمعوا منه آخر كلامه وسمعتم منه أوله وان قال: لم استدن منه وكان كاذبا فقد الجأتموه إلى ان يظلم أو يكذب ولا بد فالحيلة لمن بلى بهذا القول ان يستعمل التورية ويحلف ما استدان منه وينوي ان تكون ما موصولة فإذا قال: والله اني ما استدنت منه أي اني الذي استدنت منه وينفعه تأويله بالاتفاق إذا كان مظلوما كما لا ينفعه إذا كان ظالما بالاتفاق.

المثال الرابع والثلاثون إذا كان عليه دين فأعسر به فأدعى عليه به فإن أنكره كان كاذبا وان اقر له به الزمه اياه وان جحده أقام به البينة فإن ادعى الاعسار بعد ذلك فإن المدعي قد ظهر للحاكم كذبه في جحده الحق فهكذا هو كاذب في دعوى الاعسار فالحيلة في تخليصه ان يقول لا يلزمني توفية ما يدعيه على ولا اداؤه فإن طالبه الحاكم بجواب يطابق السؤال فله ان يوري كما تقدم ويحلف على ذلك فإن خشى من اقامة البينة فهنا تعز عليه الحيلة ولم يبق له الا تحليف المدعي انه لا يعلم عجزه عن الوفاء أو عن اقامة البينة بإنه عاجز عن الوفاء فإن حلف المدعي ولم تقم له بينة بالعجز لم يبق له حيلة غير الصبر.

المثال الخامس والثلاثون إذا تداعيا عينا هي في يد أحدهما فهي لصاحب اليد فإن أقام الآخر بينة حكم له ببينته فإن أقام كل واحد منهما بينة فقال الشافعي بينة صاحب اليد أولى لأن البينتين قد تعارضتا وسلمت اليد عن معارض وقال الإمام أحمد في ظاهر مذهبه بينة الخارج أولى لأن معها زيادة علم خفيت على بينة صاحب اليد فإنها تستند إلى ظاهر اليد وبينة الخارج تستند أيضا إلى سبب خفي على بينة الداخل فتكون أولى فالحيلة في تقديم بينة الخارج عند من يقدم بينة الداخل ان يدعى الخارج انه في يد الداخل غصبا أو عارية أو وديعة أو ببيع فاسد ثم تشهد البينة على وفق ما ادعاه فحينئذ تقدم بينة الخارج على الصحيح عندهم.

المثال السادس والثلاثون الحيلة المخلصة من لدغ العقارب وذلك إذا اشتري الماكر المخادع من رجل دار أو بستانا أو سلعة واشهد عليه بالبيع ثم مضي إلى البيت أو الحانوت ليأتيه بالثمن فأقر بجميع ما في يده لولده أو لامرأته فلا يصل البائع إلى أخذ الثمن فالحيلة له ان يبيعه بحضرة الحاكم أو يمضي بعد البيع معه إليه ليثبت له التبايع ثم يسأله قبل مفارقته ان يحجر على المشتري في ماله ويقفه حتى يسلم إليه الثمن لئلا يتلف ماله أو يتبرع به فيتعذر عليه الوصول إلى حقه ويلزم الحاكم أجابته إذا خشى ذلك من المشتري لأن فيه إعانة لصاحب الحق على التوصل إلى حقه فإن تعذرت عليه هذه الحيلة ولدغته العقرب وادعى الاعسار عند الجمهور سأل الحاكم الحجر عليه فإن فعل ذلك رجع عليه في عين ماله فإن كانت العقرب داهية بأن غير العين المبيعة أو ملكها لولده أو زوجته أو كان الحاكم لا يرى رجوع البائع في عين المبيع إذا افلس المشتري فالحيلة ان يتوصل إلى إبطال العقد بإقرار سابق على المبيع ان المبيع لولده أو لزوجته أو يرهنه أو يبيعه لمن يثق به ويقدم تاريخ ذلك على بيع العقرب وله ان يتوصل بهذه الحيلة وان كانت مكرا أو خداعا فإن المكر والخداع حسن إذا كان على وجه المقابلة لا على وجه الظلم كما قال تعالى: {وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ} وقال: {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} وقال: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} وأخبر تعالى انه كاد ليوسف في مقابلة كيد إخوته وقد تقدم ذلك.

المثال السابع والثلاثون إذا تحيل المكار المخادع على سقوط نفقة القريب بالمماطلة وقال انها تسقط بمضى الزمان فلا يبقى دينا على فتركها آمنا من إلزامه بها لما مضى فالحيلة للمنفق عليه ان يرفعه إلى الحاكم ليفرضها عليه ثم يستأذنه في الاستدانة عليه بقدرها فإذا فعل الزمه الحاكم بقضاء ما استدانه المنفق عليه فإن فرضها عليه ولم يستأذنه في الاستدانة ومضى الزمان فهل تستقر عليه بذلك فيه وجهان لأصحاب الشافعي والأكثرون منهم صرحوا بسقوطها مطلقا فرضت أو لم تفرض ومنهم من قال: ان فرضت لم تسقط فإن لم يمكنه الرفع إلى الحاكم فليقل له اشفع لي إلى فلان لينفق على أو يعطيني ما احتاج إليه فإذا فعل فقد لزم الشافع لأن ذلك حق اداه إلى المشفوع عنده عن الشفيع بإذنه فإن أنفق عليه الغير بغير اذنه ناويا للرجوع فله الرجوع في أصح المذهبين وهو مذهب مالك وأحمد في احدى الروايتين وهكذا كل من أدى عن غيره واجبا بغير اذنه بشرط أن يكون واجبا على المنصوص من مذهب مالك وأحمد فإن أحمد نص في رواية الجوزجاني على رجوع من عمر قناة غيره بغير اذنه وهو مذهب مالك ولو ان القريب استدان وانفق على نفسه ثم احال بالدين على من تلزمه نفقته لزمه ان يقوم له به لأنه احال على من له عليه حق ولا يقال قد سقطت بمضى الزمان فلم تصادف الحوالة محلا لأنها انما تسقط بمضى الزمان إذا لم يكن المنفق عليه قد استدان على المنفق بل تبرع له غيره أو تكلف أو صبر فإما إذا استدان عليه بقدر نفقته الواجبة عليه فهنا لا وجه لسقوطها وان كان الأصحاب وغيرهم قد أطلقوا السقوط فتعليلهم يدل على ما قلناه فتأمله.

المثال الثامن والثلاثون إذا استنبط في ملكه أو ارض استأجرها عين ماء ملكه ولم يملك بيعه لمن يسوقه إلى ارضه أو يسقي به بهائمه بل يكون أولى به من كل أحد وما فضل منه لزمه بذله لبهائم غيره وزرعه فالحيلة على جواز المعاوضة ان يبيعه نصف العين أو ثلثها أو يؤجره ذلك فيكون الماء بينه وبينه على حسب ذلك ويدخل الماء تبعا لملك العين أو منفعتها ولا تدخل هذه الحيلة تحت النهى عن بيع الماء فإنه لم يبعه وإنما باع العين ودخل الماء تبعا والشيء قد يستتبع مالا يجوز ان يفرد وحده.

المثال التاسع والثلاثون إذا باع عبده من رجل وله غرض ان لايكون الا عنده أو عند بائعه فالحيلة في ذلك ان يشهد عليه أنه إن باعه فهو أحق به بالثمن وهذا يجوز على نص أحمد وهو قول عبد الله بن مسعود ولا محذور في ذلك وقول المانعين انه يخالف مقتضى العقد فنعم يخالف مقتضى العقد المطلق وجميع الشروط اللازمة تخالف مقتضى العقد المطلق ولا تخالف مقتضى العقد المقيد بل هي مقتضاه فإن لم تسعد معه هذه الحيلة فله حيلة أخرى وهي ان يقول له في مدة الخيار اما ان تقول متى بعته فهو حر والا فسخت البيع فإذا قال: ذلك فمتى باعه عتق عليه بمجرد الإيجاب قبل قبول المشتري على ظاهر المذهب فإن الذي علق عليه العتق هو الذي يملكه البائع وهو الإيجاب وذلك بيع حقيقة ولهذا يقال بعته العبد فاشتراه فكما ان الشراء هو قبول المشتري فكذلك البيع هو إيجاب البائع ولهذا يقال البائع والمشتري قال الشاعر:

وإذا تباع كريمة أو تشترى ** فسواك بائعها وأنت المشتري.

هذا منصوص أحمد فإن لم تسعد معه هذه الحيلة فليقل له في مدة الخيار إما ان تقول متى بعتك فأنت حر قبله بساعة واما ان افسخ فمتى قال: ذلك لم يمكنه بيعه ألبتة.

المثال الأربعون إذا كان للموكل عند وكيله شهادة تتعلق بما هو وكيله فيه لم تقبل فإن أراد قبولها فليعزله أو ليعزل نفسه قبل الخصومة ثم يقيم الشهادة فإذا تمت عاد توكله به وليس في هذه الحيلة محذور فلا تكون محرمة.

المثال الحادي والأربعون إذا توضأ ولبس إحدى خفيه قبل غسل رجله الأخرى ثم غسل رجله الأخرى وادخلها في الخف جاز له المسح على أصح القولين وفيه قول آخر انه لا يجوز لأنه لم يلبس الأولى على طهارة كاملة فالحيلة في جواز المسح ان ينزع خف الرجل الأولى ثم يلبسه وهذا نوع عبث لاغرض للشارع فيه ولا مصلحة للمكلف فالشرع لا يأمره به.

المثال الثاني والأربعون إذا استحلف على شيء فاحب ان يحلف ولا يحنث فالحيلة ان يحرك لسانه بقول إن شاء الله وهل يشترط ان يسمعها نفسه فقيل لا بد ان يسمع نفسه وقال شيخنا هذا لا دليل عليه بل متى حرك لسانه بذلك كان متكلما وان لم يسمع نفسه وهكذا حكم الأقوال الواجبة والقراءة الواجبة قلت وكان بعض السلف يطبق شفتيه ويحرك لسانه بلا إله إلا الله ذاكرا وإن لم يسمع نفسه فإنه لاحظ للشفتين في حروف هذه الكلمة بل كلها حلقية لسانية فيمكن الذاكر ان يحرك لسانه بها ولا يسمع نفسه ولا أحدا من الناس ولا تراه العين يتكلم وهكذا التكلم بقول إن شاء الله يمكن مع إطباق الفم فلا يسمعه أحد ولا يراه وإن اطبق أسنانه وفتح شفتيه أدنى شيء سمعته أذناه بجملته.

المثال الثالث والأربعون إذا لا عن امرأته وانتفى من ولدها ثم قتل الولد لزمه القصاص وكذلك إن قتلها فلولدها القصاص إذا بلغ فان أراد إسقاط القصاص عن نفسه فالحيلة ان يكذب نفسه ويقر بأنه ابنه فيسقط القصاص في الموضعين وفي جواز هذه الحيلة نظر.

المثال الرابع والأربعون إذا كان له عليه حق وقد أبراه ولا بينة له بالإبراء ثم عاد فادعاه فإن قال: قد أبراني منه لم يكن مقرا به كما لو قال: كان له على وقضيته وعلى القول الآخر يكون مقرا به مدعيا للإبراء فيكلف البينة فالحيلة على التخلص ان يقول قد أبرأتني من هذه الدعوى فإذا قال: ذلك لم يكن مقرا بالمدعى به فإذا سأل إحلاف خصمه انه لم يبرئه من الدعوى ملك ذلك فإن لم يحلف صرفهما الحاكم وإن حلف طولب بالجواب ولا يسمع منه بعد ذلك انه ابرأه من الدعوى فإن قال: أبرأتني من الحق ففيه الخلاف المذكور وإن قال: لا شيء عندي اكتفى منه بهذا الجواب عند الجمهور فإن طالبه الحاكم بالجواب على وفق الدعوى فالحيلة ان يجيب ويورى كما تقدم.

المثال الخامس والأربعون إذا خاف المضارب ان يسترجع رب المال منه المال فقال قد ربحت الفا لم يكن له الاسترجاع لأنه قد صار شريكا فإن قال: ذلك حيلة ولم يربح فقال بعد ذلك كذبت لم يسمع منه فالحيلة في تخلصه ان يدعى خسارتها بعد ذلك أو تلفها فيقبل قوله مع يمينه.

المثال السادس والأربعون إذا وقف وقفا وجعل النظر فيه لنفسه مدة حياته ثم من بعده لغيره صح ذلك عند الجمهور وهو اتفاق من الصحابة فإن عمر رضي الله عنه كان يلى صدقته وكذلك الخلفاء الراشدون وغيرهم من الصحابة والنبي ﷺ لما أشار على عمر بوقف أرضه لم يقل له لا يصح ذلك حتى تخرجها عن يدك ولا تلى نظرها واي غرض للشارع في ذلك واي مصلحة للواقف أو الموقوف عليه بل المصلحة خلاف ذلك لأنه أخبر بماله واقوم بعمارته ومصالحه وحفظه من الغريب الذي ليست خبرته وشفقته كخبرة صاحبه وشفقته ويكفى في صحة الوقف إخراجه عن ملكه وثبوت نظره ويده عليه كثبوت نظر الأجنبي ويده ولا سيما ان كان متبرعا فأي مصلحة في أن يقال له لا يصح وقفك حتى تجعله في يد من لست على ثقة من حفظه والقيام بمصالحه وإخراج نظرك عنه.

فإن قيل: إخراجه لله يقتضى رفع يده عنه بالكلية كالعتق.

قيل: بالعتق خرج العبد عن أن يكون مالا وصار محررا محضا فلا تثبت عليه يد أحد وأما الوقف فإنه لا بد من ثبوت اليد عليه لحفظه والقيام بمصالحه واحق ما يثبت عليه يد اشفق الناس عليه واقومهم بمصالحه وثبوت يده ونظره لا ينافى وقفه لله فإنه وقفه لله وجعل نظره عليه ويده لله فكلاهما قربة وطاعة فكيف يحرم ثواب هذه القربة ويقال له لا يصح لك قربة الوقف إلا بحرمان قربة النظر والقيام بمصالح الوقف فأي نص واي قياس واي مصلحة واي غرض للشارع أوجب ذلك بل أي صاحب قال: ذلك فإن احتاج الواقف إلى ذلك في موضع لا يحكم فيه الا بقول من يبطل الوقف إذا لم يخرجه عن يده وإذا شرط النظر بنفسه فالحيلة في ذلك ان يفوض النظر إلى من يثق به ويجعل إليه تفويض النظر لمن شاء فيقبل الناظر ذلك ويصح الوقف ويلزم ثم يفوضه الناظر إليه فإنه قد صار أجنبيا بمنزلة سائر الناس فهذه حيلة صحيحة يتوصل بها إلى حق فهي جائزة وكذلك لو جعل النظر فيه للحاكم ثم فوضه الحاكم إليه فإن خاف ان لا يفوضه الحاكم إليه فليملكه لمن يثق به ويقفه ذلك على ما يريد المملك ويشترط أن يكون نظره له وان يكون تحت يده.

المثال السابع والأربعون إذا وقف على نفسه ثم على غيره صح في احدى الروايتين عن الإمام أحمد وهو قول أبي يوسف وعليه عمل الحنفية وقول بعض الشافعية وممن اختاره أبو عبد الله الزبيري وعند الفقهاء الثلاثة لا يصح.

والمانعون من صحته قالوا: يمتنع كون الإنسان معطيا من نفسه لنفسه ولهذا لا يصح ان يبيع نفسه ولا يهب نفسه ولا يؤجر ماله من نفسه فكذا لا يصح وقفه على نفسه.

قال المجوزون: الوقف شبيه العتق والتحرير من حيث انه يمتنع نقل الملك في رقبته ولهذا لا يفتقر إلى قبول إذا كان على غير معين اتفاقا ولا إذا كان على معين على أحد القولين واشبه شيء به أم الولد وإذا كان مثل التحرير لم يكن الواقف مملكا لنفسه بل يكون مخرجا للملك عن نفسه ومانعا لها من التصرف في رقبته مع انتفاعه بالعين كأم الولد وهذا إذا قلنا بانتقال رقبة الوقف إلى الله تعالى ظاهر فإن الواقف أخرج رقبة الوقف لله وجعل نفسه أحد المستحقين للمنفعة مدة حياته فإن لم يكن أولى من البطون المرتبة فلا يكون دون بعضهم فهذا محض القياس وان قلنا الوقف ينتقل إلى الموقوف عليهم بطنا بعد بطن يتلقونه من الواقف فالطبقة الأولى أحد الموقوف عليهم ومعلوم ان أحد الشريكين إذا اشترى لنفسه أو باع من الشركة جاز على المختار لاختلاف حكم الملكين فلأن يجوز ان ينقل ملكه المختص إلى طبقات موقوف عليها هو أحدها أولى لأنه في كلا الموضعين نقل ملكه المختص إلى ملك مشترك له فيه نصيب بل في الشركة الملك الثاني من جنس الأول يملك به التصرف في الرقبة وفي الوقف ليس من جنسه فيكون أولى بالجواز.

يؤيده أنه لو وقف على جهة عامة جاز أن يكون كواحد من تلك الجهة كما وقف عثمان بئر رومة وجعل دلوه فيها كدلاء المسلمين وكما يصلي المرء في المسجد الذي وقفه ويشرب من السقاية التي وقفها ويدفن في المقبرة التي سبلها أو يمر في الطريق التي فتحها وينتفع بالكتاب الذي وقفه ويجلس على البساط والحصير اللذين وقفهما وأمثال ذلك فإذا جاز للواقف أن يكون موقوفا عليه في الجهة العامة جاز مثله في الجهة الخاصة لا تفاقهما في المعنى بل الجواز هنا أولى من حيث انه موقوف عليه بالتعيين وهناك دخل في الوقف بشمول له الاسم.

وتقليد هذا القول خير من الحيلة الباردة التي يملك الرجل فيها ماله لمن لا تطيب له نفسه ان يعطيه درهما ثم يقفه ذلك المملك على المملك فإن هذه الحيلة تضمنت امرين أحدهما لا حقيقة له وهو انتقال الملك إلى الملك والثاني اشتراطه عليه ان يقف على هذا الوجه أو اذنه له فيه وهذا في المعنى توكيل له في الوقف كما أن اشتراطه حجر عليه في التصرف بغير الوقف فصار وجود هذا التمليك وعدمه سواء لم يملكه المملك ولا يمكنه وجود التصرف فيه ولو مات قبل وقفه لم يحل لورثته أخذه ولو انه أخذه ولم يقفه على صاحبه ولم يرده إليه عد ظالما غاصبا ولو تصرف فيه صاحبه بعد هذا التمليك لكان تصرفه فيه نافذا كنفوذه قبله هذا فيما بينه وبين الله تعالى وكذلك في الحكم ان قامت بينة بأنهما تواطئا على ذلك وانه انما وهبه اياه بشرط ان يقفه عليه أو اقر له بذلك.

فإن قيل: فهل عندكم أحسن من هذه الحيلة؟

قيل: نعم ان يقفه على الجهات التي يريد ويستثنى غلته ومنفعته لنفسه مدة حياته أو مدة معلومة وهذا جائز بالسنة الصحيحة والقياس الصحيح وهو مذهب فقهاء أهل الحديث فإنهم يجوزون ان يبيع الرجل الشيء أو يهبه أو يعتق العبد ويستثنى بعض منفعة ذلك مدة ويجوزون ان يقف الشيء على غيره ويستثنى بعض منفعته مدة معلومة أو إلى حين موته ويستدلون بحديث جابر وبحديث عتق أم سلمة سفينة وبحديث عتق صفية وبآثار صحاح كثيرة عن الصحابة لم يعلم فيهم من خالفها ولهذا القول قوة القياس.

فإن قيل: فلو عدل إلى الحيلة الأولى فما حكمها في نفس الأمر وما حكم الموقوف عليه إذا علم بالحال هل يطيب له تناول الوقف أم لا.

قيل: لا يمنع ذلك صحة الوقف ونفوذه ويطيب للموقوف عليه تناول الوقف فإن المقصود صحيح شرعي وان كانت الطريق إليه غير مشروعة وهذا كما إذا اعتق العبد أو طلق المرأة وجحد ذلك فأقام العبد أو المرأة شاهدين لم يعلما ذلك فشهدا به وسع العبد ان يتصرف لنفسه والمرأة ان تتزوج وفقه المسألة ان هذا الاذن والتوكيل في الوقف وان حصل في ضمن عقد فاسد فإنه لا يفسد بفساد العقد كما لو فسدت الشركة أو المضاربة لم يفسد تصرف الشريك والعامل لما تضمنه العقد الفاسد من الاذن بل هذا أولى من وجهين أحدهما ان الاتفاق يلزمهما قبل التمليك اذن صحيح ووكالة صحيحة في الباطن لم يرد بعدها ما ينافيها وأيضا فإنما بطل عقد الهبة لكونه شرط على الموهوب له ان لا يتصرف فيه الا بالوقف على الواهب ومعلوم ان التصرف في العين لا يتوقف على الملك بل يصح بالوكالة وبطريق الولاية فلا يلزم من إبطال الملك بطلان الاذن الذي تضمنه الشرط لأن الاذن مستند غير الملك.

فإن قيل: فإذا بطل الملك ينبغي ان يبطل التصرف الذي هو من توابعه قيل: لا يلزم ذلك لأن التصرف في مثل هذه الصورة ليس من توابع الملك الحقيقي وإنما هو من توابع الاذن والتوكيل.

يوضحه أن هذه الحيل التي لا حقيقة لها يجب أن تسلب الأسماء التي اعيرتها وتعطى الأسماء الحقيقية كما سلب منها ما يسمى بيعا ونكاحا وهدية هذه الأسماء واعطى اسم الربا والسفاح والرشوة فكذلك هذه الهبة تسلب اسم الهبة وتسمى اذنا وتوكيلا ولا سيما فإن صحة الوكالة لا يتوقف على لفظ مخصوص بل تصح بكل لفظ يدل على الوكالة فهذه الحيلة في الحقيقة توكيل للغير في أن يقف علىالموكل فمن اعتقد صحة وقف الإنسان على نفسه اعتقد جواز هذا الوقف ومن اعتقد بطلانه وبطلان الحيل المفضية إلى الباطل فأنه عنده يكون منقطع الابتداء وفيه من الخلاف ما هو مشهور فمن أبطله راى ان الطبقة الثانية ومن بعدها تبع للأولى فإذا لم يصح في المتبوع ففي التابع أولى ان لا يصح ولأن الواقف لم يرض به اذ لابد في صحة التصرف من رضا فلا يجوز ان يلزم بما لم يرض به اذ لابد في صحة التصرف من رضا المتصرف وموافقة الشرع فعلى هذا هو باق على ملك الواقف فإذا مات فهل يصح الوقف حينئذ يحتمل وجهين ويكون مأخذهما ذلك كما لو قال: هو وقف بعد موتي فيصح أو انه وقف معلق على شرط وفيه وجهان فإن قيل: بصحته كان من الثلث وفي الزائد يقف على اجازة الورثة وإن قيل: ببطلانه كان ميراثا ومن رأى صحته قال: قد أمكن تصحيح تصرف العاقل الرشيد بأن يصحح الوقف ويصرفه في الحال إلى جهته التي يصح الوقف عليها وتلغي الجهة التي لا تصح فتجعل كالمعدومة وقيل على هذا القول بل تصرف مصرف الوقف المنقطع فإذا مات الواقف صرف مصرف الجهة الصحيحة.

فإن قيل: فما تقولون لو سلك حيلة غير هذا كله واسهل منه وأقرب وهي ان يقرأن ما في يده من العقار وقف عليه انتقل إليه من جائز الملك جائز الوقف ثم بعده على كذا وكذا فما حكم هذه الحيلة في الباطن وحكم من علم بها من الموقوف عليهم.

قيل: هذه الحيلة إنما قصد المتكلم بها إنشاء الوقف وان أظهر أنه قصد بها الاخبار فهى انشاء في الباطن اخبار في الظاهر فهى كمن اقر بطلاق أو عتاق ينوى به الانشاء والوقف ينعقد بالصريح والكناية مع النية وبالفعل مع النية عند الأكثرين وإذا كان مقصوده الوقف على نفسه وتكلم بقوله هذا وقف على وميزه بفعله عن ملكه صار وقفا فإن الإقرار يصح أن يكون كناية عن الانشاء مع النية فإذا قصده به صح كما أن لفظ الانشاء يجوز ان يقصد به الاخبار وإذا أراد به الاخبار دين فكل من الأمرين صالح لاستعماله في الاخر فقد يقصد بالإقرار الاخبار عما مضى وقد يقصد به الانشاء وإنما ذكر بصيغة الاخبار لغرض من الأغراض.

يوضح ذلك ان صيغ العقود قد قيل: هي انشاءات وقيل إخبارات والتحقيق انها متضمنه للأمرين فهى إخبار عن المعاني التي في القلب وقصد تلك المعاني انشاء فاللفظ خبر والمعنى إنشاء فإذا أخبر ان هذا وقف عليه وهو يعلم ان غيره لم يقفه عليه وإنما مقصوده ان يصير وقفا بهذا الاخبار فقد اجتمع لفظ الاخبار وإرادة الانشاء فلو كان أخبر عن هذه الارداة لم يكن هناك ريب انه أنشأ الوقف لكن لما كان لفظه إخبارا عن غير ما عناه والذي عناه لم ينشيء له لفظا صارت المسألة ونشأت الشبهة ولكن هذه النية مع هذا اللفظ الصالح للكناية مع الفعل الدال على الوقف يقوم مقام التكلم باللفظ الذي ينشأ به الوقف والله أعلم.

المثال الثامن والأربعون لو باع غيره دارا أو عبدا أو سلعة واستثنى منفعة المبيع مدة معلومة جاز كما دلت عليه النصوص والآثار والمصلحة والقياس الصحيح فإن خاف ان يرفعه إلى حاكم يرى بطلان هذا الشرط فيبطله عليه فالحيلة في تخليصه من ذلك أن يواطئه قبل البيع على أن يؤجره إياه تلك المدة بمبلغ معين ويقر بقبض الأجرة ثم يبيعه إياه ثم يستأجره كما اتفقا عليه ويقر له بقبض الأجرة وهذه حيلة صحيحة جائزة لا تتضمن تحليل حرام ولا تحريم حلال.

المثال التاسع والأربعون المطلقة البائنة لا نفقة لها ولا سكنى بسنة رسول الله ﷺ الصحيحة الصريحة التي لا معارض لها بل هي موافقة لكتاب الله وهي مقتضى القياس وهي مذهب فقهاء أهل الحديث فإن خاف المطلق ان ترفعه إلى حاكم يرى وجوب النفقة والسكنى أو السكنى وحدها فالحيلة في تخليصه ان يعلق طلاقها على البراءة الصحيحة من ذلك فيقول إن صحت براءتك لي من النفقة والسكنى أو من دعوى ذلك فأنت طالق فلا يمكنها بعد ذلك ان تدعى بهما ألبتة وله حيلة أخرى وهي ان يخالعها على نظير ما يعلم انه يفرض عليه للنفقة والسكنى أو أكثر منه فإذا ادعت بذلك وفرضه عليه الحاكم صار لها عليه مثل الذي له عليها فإما ان يأخذ منها ويعطيها واما ان يتقاصا.

المثال الخمسون إذا اشترى سلعة من رجل غريب فخاف ان يستحق أو تظهر معيبة ولا يعرفه فالحيلة ان يقيم له وكيلا يخاصمه ان ظهر ذلك فإن خاف ان يعزل البائع الوكيل فالحيلة ان يشتريها من الوكيل نفسه ويضمنه درك المبيع.

المثال الحادي والخمسون إذا دفع إليه مالا يشترى به متاعا من بلد غير بلده فاشتراه واراد تسليمه إليه وإقامته في تلك البلدة فان اودعه غيره ضمن لأنه لم يأذن له ربه وان وكل غيره في دفعه إليه ضمن أيضا وان استاجر من يوصله إليه ضمن لأنه لم يكن يامن غيره عليه فالحيلة في ايصاله إلى ربه ان يشهد عليه قبل الشراء أو بعده ان يعمل في المال برأيه وان يوكل فيه أو ان يودع إذا راى المصلحة في ذلك كله فإن أبى ذلك الموكل وقال لا يوافيني به غيرك فقد ضاقت عليه الحيلة فليخرج نفسه من الوكالة فتصير يده يد مودع فلا يلزمه مؤنة رد الوديعة بل مؤنة ردها على صاحبها فإن أحب أخذ ماله ارسل من يأخذه أو جاء هو في طلبه.

فإن قيل: فلو لم يعزل نفسه كان مؤنة الرد عليه؟

قيل: لما دخل معه في عقد الوكالة فقد التزم له ان يسلم إليه المال فيلزمه ما التزم به فإذا أخرج نفسه من الوكالة بقى كالمودع المحض فإن كان وكيلا يجعل فهو كالاجير فمؤنة الرد عليه ولا يملك إخراج نفسه من الوكالة قبل توفية العمل كالاجير.

المثال الثاني والخمسون إذا أراد الذمى ان يسلم وعنده خمر فخاف ان أسلم يجب عليه إراقتها ولا يجوز له بيعها فالحيلة ان يبيعها من ذمى آخر بثمن معين أو في ذمته ثم يسلم ويتقاضاه الثمن ولا حرج عليه في ذلك فإن تحريمها عليه بالإسلام كتحريمها بالكتاب بعد أن لم تكن حراما وفي الحديث ان الله يعرض بالخمر فمن كان عنده منها شيء فليبعه.

فإن قيل: فلو أسلم من اشتراها ولم يؤد ثمنها هل يسقط عنه.

قيل: لا يسقط لثبوته في ذمته قبل الإسلام فإن.

قيل: فلو أسلم إليه في خمر ثم أسلما أو أحدهما.

قيل: ينفسخ العقد ويرد إليه رأس ماله فان.

قيل: فلو أراد أن يشتري خمرا ثم عزم على الإسلام وخاف ان يلزمه بثمنها فهل له حيلة في التخلص من ذلك.

قيل: الحلة ان لا يملكها بالشراء بل بالقرض فإذا اقترضها منه ثم أسلما أو أحدهما لم يجب عليه رد بدل القرض فإن موجب القرض رد المثل وقد تعذر بالإسلام.

المثال الثالث والخمسون إذا اشترى دارا أو ارضا وقد وقعت الحدود وصرفت الطرق بينه وبين جاره فلا شفعة فيها وان كانت الحدود لم تقع ولم تصرف الطرق بل طريقها واحدة ففيها الشفعة هذا الأقوال في شفعة الجوار وهو مذهب أهل البصرة واحد الوجهين في مذهب الإمام أحمد واختاره شيخ الإسلام وغيره فان خاف المشترى ان يرفعه الجار إلى حاكم يرى الشفعة وان صرفت الطرق فله التحيل على إبطالها بضروب من الحيل أحدها ان يشتريها منه بألف دينار ويكاتبه على ذلك ثم يعطيه عوض كل دينار درهمين أو نحو ذلك وثانيها ان يهب منه الدار والأرض ثم يهبه ثمنها وثالثها ان يقول المشتري للشفيع ان شئت بعتكها بما اشتريتها به أو باقل من ذلك أو اصبر عليك بالثمن فيجيبه إلى ذلك فتسقط شفعته ورابعها ان يتصادق البائع والمشتري على شرط أو صفة تفسد البيع كأجل مجهول أو خيار مجهول أو إكراه أو تلجئة ونحو ذلك ثم يقرها البائع في يد المشترى ولا يكون للشفيع سبيل عليها وخامسها ان يشترط الخيار مدة طويلة فإن صح لم يكن له ان يأخذ قبل انقضائه وان بطل لم يكن له ان ياخذ ببيع فاسد وسادسها ان يهب له تسعة اعشار الدار أو الأرض ويبيعه العشر الباقي بجميع الثمن وسابعها ان يوكل الشفيع في بيع داره أو ارضه فيقبل الوكالة فيبيع أو يوكله المشتري في الشراء له وثامنها أن يزن له الثمن الذي اتفقا عليه سرا ثم يجعله صبرة غير معلومة ويبيعه الدار وتاسعها ان يقر البائع بسهم من ألف سهم للمشتري فيصير شريكه ثم يبيعه باقي الدار فلا يجد جاره اليها سبيلا لأن حق الشريك مقدم على حق الجار وعاشرها ان يتصدق عليه ببيت من الدار ثم يبيعه باقيها بجميع الثمن فيصير شريكا فلا شفعة لجاره وحادى عشرها ان يأمر غريبا أو مسافرا بشرائها فإذا فعل دفعها إليه ثم وكله بحفظها ثم يشهد على الدفع إليه وتوكيله حتى لا يخاصمه الشفيع وثاني عشرها ان يجيء المشتري إلى الجار قبل البيع فيشترى منه داره ويرغبه في الثمن اضعاف ما تساوي ويشترط الخيار لنفسه ثلاثة أيام ثم في مدة الخيار يمضي ويشترى تلك الدار التي يريد شراءها فإذا تم العقد بينهما فسخ البيع الأول ولا يستحق جاره عليه شفعة لأنه حين البيع لم يكن جارا وإنما طرأ له الجوار بعد البيع وثالث عشرها ان يؤجر المشتري لبائع الدار عبده أو ثوبه شهرا بسهم من الدار فيصير شريكه ثم بعد يومين أو ثلاثة يشترى منه بقيتها فلا يكون لجاره عليه سبيل ورابع عشرها ان يشتريها بثمن مؤجل اضعاف ما تساوي فإن الجار لا يأخذها بذلك الثمن فإذا رغب صالحه من ذلك الثمن على ما يساويه حالا من غير جنسه.

فإن قيل: فأنتم قد بالغتم في الإنكار على من احتال ببعض هذه الوجوه على إسقاط الشفعة وذكرتم تلك الآثار فنكيل لكم بالكيل الذي كلتم به لنا.

قلنا لا سواء نحن وانتم في ذلك فإنا ذكرنا هذه الوجوه تحيلا على إبطال ما أبطله رسول الله ﷺ بقوله فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة فلما أبطل الشفعة تحيلنا على تنفيذ حكمه وامره بكل طريق فكنا في هذه الحيل منفذين لامره واما أنتم فأبطلتم بها ما أثبته بحكمه وقضائه بالشفعة فيما لم يقسم وانه لا يحل له ان يبيع حتى يؤذن شريكه فإذا حرم عليه البيع قبل استئذانه فما الظن بالتحيل على إسقاط شفعته فتوصلتم أنتم بهذه الحيل إلى إسقاط ما أثبته وتوصلنا نحن بها إلى إسقاط ما أسقطه وابطله فأى الفريقين أحق بالصواب واتبع لمقصود الرسول ﷺ والله المستعان.

المثال الرابع والخمسون يصح تعليق الوكالة بالشرط كما يصح تعليق الولاية بالشرط كما صحت به السنة بل تعليق الوكالة أولى بالجواز فإن الولي وكيل وكالة عامة فانه انما يتصرف نيابة عن المولى فوكالته أعم من وكالة الوكيل في الشيء المعين فإذا صح تعليقها فتعليق الوكالة الخاصة أولى بالصحة وقال الشافعي لاتصح فإذا دعت الحاجة إلى ذلك فالحيلة في جوازه ان يوكله مطلقا ثم يعلق التصرف على شرط فيصح ولا يظهر فرق فقهى بين امتناع هذا وجواز هذا والمقصود من التوكيل التصرف والتوكيل وسيلة إليه فإذا صح تعليق الغاية فتعليق الوسيلة أولى بالصحة.

المثال الخامس والخمسون إذا رفع إلى الامام وادعى عليه زنى فخاف ان أنكر ان تقوم عليه البينة فيحد فالحيلة في إبطال شهادتهم انه يقر إذا سئل مرة واحدة ولايزيد عليها فلا تسمع البينة مع الإقرار وليس للحاكم ولا للامام ان يقرره تمام النصاب بل إذا سكت لم يتعرض له فإن كان الامام ممن يرى وجوب الحد بالمرة الواحدة فالحيلة ان يرجع عن إقراره فيسقط عند الحد فإذا خاف من اقامة البينة عليه اقر أيضا ثم رجع وهكذا ابدا وهذه الحيلة جائزة فانه يجوز له دفع الحد عن نفسه وان يخلد إلى التوبة كما قال: النبي ﷺ للصحابة لما فر ما عن من الحد هلاتركتموه يتوب فيتوب الله عليه فإذا فر من الحد إلى التوبة فقد أحسن.

المثال السادس والخمسون إذا حلف لغادر أو جاسوس أو سارق ان لا يخبر به احدا ولا يدل عليه فأراد التخلص من هذه اليمين وان لا يخفيه فالحيلة ان يسأل عن أقوام هو من جملتهم فإذا سئل عن غيره قال: لا فإذا انتهت التوبة إليه سكت فإنه لا يحنث ولايأثم بالستر عليه وإيوائه وسئل أبو حنيفة رحمه الله عن هذه المسألة بعينها قال: له السائل نزل بي اللصوص فأخذوا مالي واستحلفوني بالطلاق الا أخبر احدا بهم فخرجت فرايتهم يبيعون متاعي في السوق جهرة فقال له اذهب إلى الوالي فقل له يجمع أهل المحلة أو السكة الذين هم فيهم ثم يحضرهم ثم يسألك عنهم واحدا فإذا واحدا سألك عمن ليس منهم فقل ليس منهم وإذا سألك عمن هو منهم فاسكت ففعل الرجل فأخذ الولي متاعه منهم وسلمه إليه فلو عملت هذه الحيلة مع مظلوم لم تنفع وحنث الحالف فإن المقصود الدفع عنه وبالسكوت قد اعان عليه ولم يدفع عنه.

المثال السابع والخمسون ما سئل عنه أبو حنيفة رحمه الله عن امرأة قال: لها زوجها أنت طالق إذا سألتني الخلع ان لم اخلعك وقالت المرأة كل مملوك لي حر ان لم اسألك الخلع اليوم فجاء الزوج إلى أبي حنيفة فقال احضر المرأة فأحضرها فقال لها أبو حنيفة سليه الخلع فقالت سألتك ان تخلعني فقال أبو حنيفة قل لها قد خلعتك على ألف درهم تعطينها فقال لها ذلك فقال لها قولي لا اقبل فقالت لا اقبل فقال قومي مع زوجك فقد بر كل واحد منكما ولم يحنث في شيء ذكرها محمد بن الحسن في كتاب الحيل له.

وإنما تتم هذه الحيلة على الوجه الذي ذكره فلو قالت له اسألك الخلع على ألف درهم حالة أو إلى شهر فقال قد خلعتك على ذلك وقع الخلع بخلاف ما إذا قالت له اخلعني قال: خلعتك على ألف فإن هذا لا يكون خلعا حتى تقبل وترضى وهي لم ترض بالألف فلا يقع الخلع.

فإن قيل: فكيف إذا لم يقع الخلع.

قيل: هو انما حلف على فعله لا على قبولها فإذا قال: قد خلعتك على ألف فقد وجد الخلع من جهته فانحلت يمينه ولم يقف حل اليمين على قبولها كما إذا حلف لا يبيع فباع ولم يقبل المشتري ولا بينه له فإنه يحنث.

المثال الثامن والخمسون ما ذكره محمد في كتابه أيضا عنه اتاه اخوان قد تزوجا بأختين فزفت كل امرأة منهما إلى زوج اختها فدخل بها ولم يعلم ثم علم الحال لما اصبحا فذكرا له ذلك وسألاه المخرج فقال لهما كل منكما راض بالتي دخل بها فقالا نعم فقال ليطلق كل منكما امرأته التي عقد عليها تطليقة ففعلا فقال ليعقد كل منكما على المرأة التي دخل بها ففعلا فقال ليمض كل منكما إلى أهله وهذه الحيلة في غاية اللطف فإن المرأة التي دخل بها كل منهما قد وطئها بشبهة فله ان ينكحها في عدتها فإنه لا يصان ماؤه عن مائه وأمره ان يطلق واحدة فإنه لم يدخل بالتي طلقها فالواحدة تبينها ولا عدة عليها منه فللآخر ان يتزوجها.

المثال التاسع والخمسون إذا تزوجت المرأة وخافت ان يسافر عنها الزوج ويدعها أو يسافر بها ولا تريد الخروج من دارها أو ان يتزوج عليها أو يتسرى أو يشرب المسكر أو يضربها من غير جرم أو يتبين فقيرا وقد ظنته غنيا أو معيبا وقد ظنته سليما أو اميا وقد ظنته قارئا أو جاهلا وقد ظنته عالما أو نحو ذلك فلا يمكنها التخلص فالحيلة لها في ذلك كله ان تشترط عليه انه متى وجد شيء من ذلك فأمرها بيدها ان شاءت اقامت معه وان شاءت فارقته وتشهد عليه بذلك فإن خافت ان لاتشترط ذلك بعد لزوم العقد فلا يمكنها إلزامه بالشرط فلا تأذن لوليها ان يزوجها منه الا على هذا الشرط فيقول زوجتكما على أن امرها بيدها ان كان الأمر كيت وكيت فمتى كان الأمر كذلك ملكت تطليق نفسها ولا بأس بهذه الحيلة فإن المرأة تتخلص بها من نكاح من لم ترض بنكاحه وتستغني بها عن رفع امرها إلى الحاكم ليفسخ نكاحها بالغيبة والاعسار ونحوهما.

المثال الستون يصح ضمان مالا يجب كقوله ما اعطيت لفلان فهو علي عند الأكثرين كما دل عليه القرآن في قول مؤذن يوسف ولمن جاء به حمل بعير وانا به زعيم والمصلحة تقتضى ذلك بل قد تدعو إليه الحاجة أو الضرورة وعند الشافعي لا يجوز وسلم جوازه إذا تبين سبب وجوبه كدرك المبيع والحيلة في جوازه على هذا القول انه إذا رضى بأن يلتزم عنه مقدارا له يجب عليه بعد أن يقر المضمون عنه به للدافع ثم يضمنه عنه الضامن فإن خشى المقر ان يطالبه المقر له بذلك ولا يدفعه إليه فالحيلة ان يقول هو على من ثمن مبيع لم اقبضه فإن تحرج من الاخبار بالكذب فالحيلة ان يبيعه ما يريد أخذه منه بالمبلغ الذي التزم الضامن اداءه فإذا صار في ذمته ضمنه عنه وهذا الحكم إذا زوج ابنه أو عبده أو اجيره وضمن للمرأة نفقتها وكسوتها فالصحيح في هذا كله جواز الضمان والحاجة تدعو إليه ولا محذور فيه وليس بعقد معاوضة فتؤثر فيه الجهالة وعقود الالتزام لا يؤثر فيها الجهالة كالنذر ثم يمكن رفع الجهالة بأن يحد له حدا فيقول من درهم إلى كذا وكذا.

فإن قيل: ما بين الدرهم والغاية مجهول لا يدري كم يلزمه منه.

قيل: لا يقدح ذلك في جواز الالتزام لأنه يتبين في الآخر كم هو الواجب منه ثم لو اقر بذلك فقال له على ما بين درهم إلى ألف صح فهكذا إذا قال: ضمنت عنه ما بين درهم إلى ألف.

فإن قيل: الضامن فرع على المضمون عنه فإذا كان الأصل لم يثبت في ذمته شيء فعلى أي شيء الضمان ينبني الضمان ويتفرع؟

قيل: انما يصير ضامنا إذا ثبت في ذمة المضمون عنه والا في الحال فليس هو ضامنا وان صح أن يقال هو ضامن بالقوة ففي الحقيقة هو ضمان معلق على شرط وذلك جائز والله أعلم.

المثال الحادي والستون إذا سبق لسانه بما يؤاخذ به في الظاهر ولم يرد معناه أو أراده ثم رجع عنه وتاب منه أو خاف ان يشهد عليه به شهود زور ولم يتكلم به فرفع إلى الحاكم وادعى عليه به فإن أنكر شهدوا عليه وان اقر حكم عليه ولا سيما ان كان لا يرى قبول التوبة من ذلك فالحيلة في الخلاص أن لا يقر به ولا ينكر فيشهد عليه الشهود بل يكفيه في الجواب ان يقول إن كنت قلته فقد رجعت عنه وأنا تائب إلى الله منه وليس للحاكم بعد ذلك ان يقول لا اكتفى منك بهذا الجواب بل لا بد من الإقرار أو الإنكار فان هذا جواب كاف في مثل هذه الدعوى وتكليفه بعد ذلك خطة الخسف بالإقرار وقد يكون كاذبا فيه أو الإنكار وقد تاب منه بينه وبين الله تعالى فيشهد عليه الشهود ظلم وباطل فلا يحل للحاكم ان يسأله بعد هذا هل وقع منك ذلك أو لم يقع بل أبلغ من هذا لو شهد عليه بالردة فقال لم ازل اشهد ان لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله منذ عقلت والى الآن لم يستكشف عن شيء ولم يسأل لا هو ولا الشهود عن سبب ردته كما ذكره الخرقي في مختصره وغيره من أصحاب الشافعي فإذا ادعى عليه بانه قال: كذا وكذا فقال إن كنت قلته فأنا تائب إلى الله منه أو قد تبت منه فقد اكتفى منه بهذا الجواب ولم يكشف عن شيء منه بعد ذلك.

فإن قيل: هذا تعليق للتوبة أو الإسلام بالشرط ولا يصح تعليقه بشرط.

قيل: هذا من قلة فقه مورده فإن التوبة لا تصح إلا على هذا الشرط تلفظ به أو لم يتلفظ به وكذلك تجديد الإسلام لا يصح إلا بشرط ان يوجد ما يناقضه فتلفظه بالشرط تأكيد لمقتضى عقد التوبة والإسلام وهذا كما إذا قال: إن كان هذا ملكى فقد بعتك إياه فهل يقول أحد إن هذا بيع معلق بشرط فلا يصح وكذلك إذا قال: ان كانت هذه امرأتي فهى طالق لا يقول أحد إنه طلاق معلق ونظائره أكثر من أن تذكر.

وقد شرع الله لعباده التعليق بالشروط في كل موضع يحتاج إليه العبد حتى بينه وبين ربه كما قال: النبي ﷺ لضباعة بنت الزبير وقد شكت إليه وقت الاحرام فقال حجى واشترطى على ربك فقولى ان حبسني حابس فمحلى حيث حبستني فإن لك ما اشترطت على ربك فهذا شرط مع الله في العبادة وقد شرعه على لسان رسوله لحاجة الأمة إليه ويفيد شيئين جواز التحلل وسقوط الهدى وكذلك الداعى بالخيرة يشترط على ربه في دعائه فيقول اللهم ان كان هذا الأمر خيرا لي في دينى ومعاشى وعاقبة امرى عاجله وآجله فاقدره لي ويسره لي فيعلق طلب الإجابة بالشرط لحاجته إلى ذلك لخفاء المصلحة عليه وكذلك النبي ﷺ اشترط على ربه أيما رجل سبه أو لعنه وليس لذلك بأهل ان يجعلها كفارة له وقربة يقربه بها إليه وهذا تعليق للمدعو به بشرط الاستحقاق وكذلك المصلى على الميت شرع له تعليق الدعاء بالشرط فيقول اللهم أنت أعلم بسره وعلانيته إن كان محسنا فتقبل حسناته وان كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته فهذا طلب للتجاوز عنه بشرط فكيف يمنع تعليق التوبة بالشرط؟

وقال شيخنا كان يشكل على أحيانا حال من أصلي عليه الجنائر هل هو مؤمن أو منافق فرأيت رسول الله ﷺ في المنام فسألته عن مسائل عديدة منها هذه المسألة فقال يا أحمد الشرط الشرط أو قال: علق الدعاء بالشرط وكذلك أرشد أمته ﷺ إلى تعليق الدعاء بالحياة والموت بالشرط فقال لا يتمنى أحدكم الموت لضر نزل به ولكن ليقل اللهم أحيني إذا كانت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي وكذلك قوله في الحديث الآخر وإذا أردت بعبادك فتنة فتوفني إليك غير مفتون وقال المسلمون عند شروطهم إلا شرطا أحل حراما وحرم حلالا.

وتعليق العقود والفسوخ والتبرعات والالتزامات وغيرها بالشروط أمر قد يدعو إليه الضرورة أو الحاجة أو المصلحة فلا يستغنى عنه المكلف وقد صح تعليق النظر بالشرط بالإجماع ونص الكتاب وتعليق الضمان بالشرط بنص القرآن وتعليق النكاح بالشرط في تزويج موسى بابنة صاحب مدين وهو من أصح نكاح على وجه الأرض ولم يأت في شريعتنا ما ينسخه بل أتت مقررة له كقوله ﷺ إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج فهذا صريح في أن حل الفروج بالنكاح قد يعلق على شرط ونص الإمام أحمد على جواز تعليق النكاح بالشرط وهذا هو الصحيح كما يعلق الطلاق والجعالة والنذر وغيرها من العقود وعلق أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه عقد المزارعة بالشرط فكان يدفع أرضه إلى من يعمل عليها على أنه إن جاء عمر بالبذر فله كدا وان جاء العامل بالبذر فله كذا ذكره البخاري ولم يخالفه صاحب ونص الإمام أحمد على جواز تعليق البيع بالشرط في قوله إن بعت هذه الجارية فأنا أحق بها بالثمن واحتج بأنه قول ابن مسعود ورهن الإمام أحمد نعله وقال للمرتهن إن جئتك بالحق إلى كذا وإلا فهو لك وهذا بيع بشرط فقد فعله وأفتى به وكذلك تعليق الإبراء بالشرط نص على جوازه فعلا منه فقال لمن اغتابه ثم استحله أنت في حل ان لم تعد فقال له الميموني قد اغتابك وتحلله فقال ألم ترني قد اشترطت عليه أن لا يعود والمتأخرون من أصحابه يقولون لا يصح تعليق الإبراء بالشرط وليس ذلك موافقا لنصوصه ولا لأصوله.

وقد علق النبي ﷺ ولاية الإمارة بالشرط وهذا تنبيه على تعليق الحكم في كل ولاية وعلى تعليق الوكالة الخاصة والعامة وقد علق أبو بكر تولية عمر رضي الله عنه بالشرط ووافقه عليه سائر الصحابة فلم ينكره منهم رجل واحد وقال النبي ﷺ من باع نخلا قد أبرت فثمرتها للبائع إلا أن يشترطها المبتاع فهذا الشرط خلاف مقتضى العقد المطلق وقد جوزه الشارع وقال من باع عبدا وله مال فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع وفي السنن عنه من اعتق عبدا وله مال فمال العبد له إلا أن يشترطه السيد وفي المسند والسنن عن سفينة قال: كنت مملوكا لأم سلمة فقالت اعتقتك واشترطت عليك ان تخدم رسول الله ﷺ ما عشت فقلت ولو لم تشترطي على ما فارقت رسول الله ﷺ ما عشت فأعتقتني واشترطت على وذكر البخاري في صحيحه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: مقاطع الحقوق عند الشروط ولك ما شرطت وقال البخاري في باب الشروط في القرض وقال ابن عمر وعطاء إذا احله في القرض جاز وقال في باب ما يجوز من الاشتراط والثنيا في الإقرار والشروط التي يتعارفها الناس بينهم وقال ابن عوف عن ابن سيرين قال: قال رجل لكريه أرحل ركابك فإن لم أرحل معك في يوم كذا وكذا فلك مائة درهم فلم يخرج فقال شريح من شرط على نفسه طائعا غير مكره فهو عليه وقال أيوب عن ابن سيرين أن رجلا باع طعاما فقال إن لم آتك الأربعاء فليس بيني وبينك بيع فقال للمشتري أنت أخلفته فقضى عليه وقال في باب الشروط في المهر وقال المسور سمعت رسول الله ﷺ ذكر صهرا فأثنى عليه في مصاهرته فأحسن فقال حدثني فصدقني ووعدني فوفاني ثم ذكر فيه حديث أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج وقال في كتاب الحرث وعامل عمر الناس على أنه إن جاء عمر بالبذر من عنده فلهم الشطر وإن جاءوا بالبذر فلهم كذا وهذا صريح في جواز إن خطته اليوم فلك كذا وإن خطته غدا فلك كذا وفي جواز بعتكه بعشرة نقدا أو بعشرين نسيئة فالصواب جواز هذا كله للنص والآثار والقياس وقال جابر بعت رسول الله ﷺ بعيرا واشترطت حملانه إلى أهلى وروى سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عبد الرحمن بن فروخ عن نافع بن عبد الحارث عامل عمر على مكة انه اشترى من صفوان بن امية دارا لعمر بن الخطاب بأربعة آلاف درهم واشترط عليه نافع ان رضى عمر فالبيع له وان لم يرض فلصفوان أربعمائة درهم ومن ههنا قال: الإمام أحمد لا بأس ببيع العربون لأن عمر فعله واجاز هذا البيع والشرط فيه مجاهد ومحمد بن سيرين وزيد بن أسلم ونافع ابن عبد الحارث وقال أبو عمر وكان زيد بن أسلم يقول أجازه رسول الله ﷺ وذكر الإمام أحمد أن محمد بن مسلمة الانصاري اشترى من نبطي حزمة حطب واشترط عليه حملها إلى قصر سعد واشترى عبد الله ابن مسعود جارية من امرأته وشرطت عليه أنه إن باعها فهى لها بالثمن وفي ذلك اتفاقهما على صحة البيع والشرط ذكره الإمام أحمد وأفتى به.

والمقصود أن للشروط عند الشارع شأنا ليس عند كثير من الفقهاء فإنهم يلغون شروطا لم يلغها الشارع ويفسدون بها العقد من غير مفسدة تقتضى فساده وهم متناقضون فيما يقبل التعليق بالشروط من العقود وما لا يقبله فليس لهم ضابط مطرد منعكس يقوم عليه دليل فالصواب الضابط الشرعي الذي دل عليه النص ان كل شرط خالف حكم الله وكتابه فهو باطل وما لم يخالفه حكمه فهو لازم.

يوضحه أن الالتزام بالشروط كالالتزام بالنذر والنذر لا يبطل منه إلا ما خالف حكم الله وكتابه بل الشروط في حقوق العباد أوسع من النذر في حق الله والالتزام به أوفي من الالتزام بالنذر.

وإنما بسطت القول في هذا لأن باب الشرط يدفع حيل أكثر المتحيلين ويجعل للرجل مخرجا مما يخاف منه ومما يضيق عليه فالشرط الجائز بمنزلة العقد بل هو عقد وعهد وقد قال: الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} وقال: {وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا}.

وههنا قضيتان كليتان من قضايا الشرع الذي بعث الله به رسوله إحداهما ان كل شرط خالف حكم الله وناقض كتابه فهو باطل كائنا ما كان والثانية ان كل شرط لا يخالف حكمه ولا يناقض كتابه وهو ما يجوز تركه وفعله بدون الشرط فهو لازم بالشرط ولا يستثنى من هاتين القضيتين شيء وقد دل عليهما كتاب الله وسنة رسول واتفاق الصحابة ولا تعبأ بالنقض بالمسائل المذهبية والأقوال الآرائية فإنها لا تهدم قاعدة من قواعد الشرع فالشروط في حق المكلفين كالنذر في حقوق رب العالمين فكل طاعة جاز فعلها قبل النذر لزمت بالنذر وكذلك كل شرط قد جاز بذله بدون الاشتراط لزم بالشرط فمقاطع الحقوق عند الشروط وإذا كان من علامات النفاق اخلاف الوعد وليس بمشروط فكيف الوعد المؤكد بالشرط بل ترك الوفاء بالشرط يدخل في الكذب والخلف والخيانة والغدر وبالله التوفيق.

المثال الثاني والستون إذا باعه جارية معيبة وخاف ردها عليه بالعيب فليبين له من عيبها ويشهد انه دخل عليه فإن خاف ردها بعيب آخر لا يعلمه البائع فليعين له عيوبا يدخل في جملتها وانه رضى بها كذلك فإن كان العيب غير متصور ولا داخل في جملة تلك العيوب فليقل وانك رضيت بها بحملة ما فيها من العيوب التي توجب الرد مقتصرا على ذلك ولا يقول وانك أسقطت حقك من الرد ولا أبرأتني من كل دعوى توجب الرد ولا يبيعها بشرط البراءة من كل عيب فإن هذا لا يسقط الرد عند كثير من الفقهاء وهي مسألة البيع بالبراءة من العيوب وللشافعي فيها ثلاثة أقوال أحدها صحة البيع والشرط والثاني صحة البيع وفساد الشرط وانه لا يبرأ من شيء من العيوب والثالث انه يبرأ من العيوب الباطنة في الحيوان خاصة دون غيرها.

والمشهور من مذهب مالك جواز العقد والشرط وانه يبرأ من جميع العيوب وهل يعم ذلك جميع المبيعات أو يخص بعضها فذكر ابن حبيب عن مالك وابن وهب انه يعم جميع المبيعات عرضا كان المبيع أو حيوانا وعنه انه يختص ببعض المبيعات واختلف عنه في تعيينه فالذي في الموطأ عنه انه يختص بالحيوان ناطقا كان أو بهما والذي في التهذيب اختصاصه بناطق الحيوان قالوا: وعلى هذا المذهب في صحة ذلك مطلقا فبيع السلطان وبيع الميراث إذا علم انه ميراث جار مجري بيع البراءة وان لم يشترط وعلى هذا فإذا قال: ابيعك بيع الميراث لا قيام بعيب صح ذلك ويكون بيع براءة وفي الميراث لا يحتاج إلى ذكره قالوا: وإذا قلنا ان البراءة تنفع فإنما منفعتها في امتناع الرد بعيب لم يعلم به البائع واما ما علم به البائع فإن شرط البراءة لا يمنع رد المشتري به إذا لم يكن عالما به وقت العقد فإذا ادعى المشتري علم البائع فأقر أو نكل بعد توجه اليمين عليه توجه الرد عليه.

قالوا: ولو ملك شيئا ثم باعه قبل ان يستعمله بشرط البراءة لم ينفعه ذلك حتى يستعمله ويستبرئه ثم يبيعه بشرط البراءة قال: في التهذيب في التجار يقدمون بالرقيق فيبيعونه بالبراءة ولم تطل اقامة الرقيق عندهم هؤلاء يريدون ان يذهبوا بأموال الناس باطلا لا تنفعهم البراءة وقال عبد الملك وغيره لا يشترط استعماله ولا طول مقامه عنده بل تنفعه البراءة كما تنفعه مع الطول والاستعمال قالوا: وإذا كان في المبيع عيب يعلمه البائع بعينه فأدخله في جملة عيوب ليست موجودة وتبرا منها كلها لم يبرأ منه حتى يفرده بالبراءة ويعين موضعه وجنسه ومقدار بحيث لا يبقى للمبتاع فيه قول قالوا: وكذلك لو أراه العيب وشاهده لم يبرا منه إذا كان ظاهره لا يستلزم الاحاطة بباطنه وباطنه فيه فساد آخر كما إذا أراه دبرة البعير وشاهدها وهي منغلة مفسدة فلم يذكر له ما فيها من نغل وغيره ونظائر ذلك قالوا: وكذلك لو أخبره ان به اباقا أو سرقة وهو اباق بعيد أو سرقة عظيمة والمشتري يظنه يسيرا لم يبرأ حتى يبين له ذلك.

قال أبو القاسم ابن الكاتب لا يختلف قول مالك في أن بيع السلطان بيع براءة على المفلس أو لقضاء ديون من تركة ميت براءة أيضا وان لم يشترطها قال: وإنما كان كذلك لأنه حكم منه بالمبيع وبيع البراءة مختلف فيه فإذا حكم السلطان بأحد أقوال العلماء لم ترد قضيته عند من يرى خلاف رأيه فيما حكم به ورد ذلك عليه المازري وغيره وقالوا السلطان لم يتعرض في البيع إلى خلاف ولا وفاق ولا قصد إلى حكم به يرفع النزاع وقد حكى بعض الشيوخ الخلاف في بيع البراءة ولو تولاه السلطان بنفسه قال: وذلك لأن سحنون قال: وكان قول مالك القديم ان بيع السلطان وبيع الوارث لا قيام فيه بعيب ولا بعهدة قال: وهذا يدل على أن له قولا آخر خلاف هذا وقال ويدل عليه ان ابن القاسم قال: إذا بيع عبد على مفلس فإن للمشتري ان يرده بالعيب قال: فالصواب ان بيع السلطان وبيع الورثة كغيرهما قال: المازري اما بيع الورثة لقضاء ديونه وتنفيذ وصاياه فإن فيه الخلاف المشهور قال: واما ما باعوه لانفسهم للانفصال من شركة بعضهم لبعض فملتحق ببيع الرجل مال نفسه بالبراءة وكذلك من باع للإنفاق على من في ولايته قلت وقول المازري ان بيع السلطان لا تعرض فيه لحكم مبني على أصل وهو ان الحاكم إذا عقد بنفسه عقدا مختلفا فيه هل يكون بمنزلة حكمه به فيسوغ تنفيذه ولا يسوغ رده أو لا يكون حكما منه به فيسوغ لحاكم اخر خلافه وفي هذا الأصل قولان للفقهاء وهما في مذهب الإمام أحمد وغيره فهذا تقرير مذلك في هذه المسألة.

وأما مذهب أبي حنيفة فإنه يصحح البيع والشرط ولا يمكن المشتري من الرد بعد اشتراط البراءة العامة سواء علم البائع العيب أو لو يعلمه حيوانا كان المبيع أو غيره وتناضر في هذه المسألة أبو حنيفة وابن أبي ليل فقال ابن أبي ليلى لا يبرأ إلا من عيب أشار إليه ووضع يده عليه فقال أبو حنيفة فلو ان امرأة من قريش باعت عبدا زنجيا على ذكره عيب افتضع اصبعها على ذكره فسكت ابن أبي ليلى.

وأما مذهب الإمام أحمد فعنه ثلاث روايات إحداهن انه لا يبرأ بذلك ولا يسقط حق المشتري من الرد بالعيب الا من عيب عنه وعلم به المشتري والثانية انه يبرأ مطلقا والثالثة انه يبرأ من كل عيب لم يعلمه ولا يبرأ من كل عيب علمه حتى يعلم به المشتري.

فإن صححنا البيع والشرط فلا إشكال وإن أبطلنا الشرط فهل يبطل البيع أو يصح ويثبت الرد فيه وجهان فإذا أثبتنا الرد وابطلنا الشرط فللبائع الرجوع بالتفاوت الذي نقص من ثمن السلعة بالشرط الذي لم يسلم له فإنه انما باعها بذلك الثمن بناء على أن المشتري لا يردها عليه بعيب ولو علم ان المشتري يتمكن من ردها لم يبعها بذلك الثمن فله الرجوع بالتفاوت وهذا هو العدل وقياس أصول الشريعة فان المشتري كما يرجع بالارش عند فوات غرضه من سلامة المبيع فكذا البائع يرجع بالتفاوت عند فوات غرضه من الشرط الذي أبطلناه عليه.

والصحيح في هذه المسألة ما جاء عن الصحابة فإن عبد الله بن عمر باع زيد بن ثابت عبدا بشرط البراءة بثمانمائة درهم فأصاب به زيد عيبا فأراد رده على ابن عمر فلم يقبله فترافعا إلى عثمان فقال عثمان لابن عمر تحلف انك لم تعلم بهذا العيب فقال لا فرده عليه فباعه ابن عمر بألف درهم ذكره الإمام أحمد وغيره وهذا اتفاق منهم على صحة البيع وجواز شرط البراءة واتفاق من عثمان وزيد على أن البائع إذا علم بالعيب لم ينفعه شرط البراءة وعلى ان المدعى عليه متى نكل عن اليمين قضى عليه بالنكول ولم ترد اليمين على المدعى لكن هذا فيما إذا كان المدعى عليه منفردا بمعرفة الحال فإذا لم يحلف مع كونه عالما بصورة الحال قضى عليه بالنكول واما إذا كان المدعى هو المنفرد بالعلم بالحال أو كان مما لا يخفى عليه علمها ردت عليه اليمين فمثال الأول قضية ابن عمر هذه فانه هو العالم بانه هل كان يعلم الغيب أو لا يعلمه بخلاف زيد بن ثابت فإنه لا يعلم علم ابن عمر بذلك ولا عدم علمه فلا يشرع رد اليمين عليه ومثال الثاني إذا ادعى على وارث ميت انه اقرض مورثه مائة درهم أو باعه سلعة ولم يقبضه ثمنها أو اودعه وديعة والوارث غائب لا يعلم ذلك وسأل إحلافه فنكل عن اليمين لم يقض عليه بالنكول وردت اليمين على المدعى لأنه منفرد بعلم ذلك فإذا لم يحلف لم يقض له ومثال الثالث إذا ادعى عليه انه باعه أو اجره فنكل عن اليمين حلف المدعى وقضى له فإن لم يحلف لم يقض له بنكول المدعى عليه لأنه عالم بصحة ما ادعاه فإذا لم يحلف ولم يقم له بينه لم يكن مجرد نكول خصمه مصححا لدعواه.

فهذا التحقيق أحسن ما قيل: في مسألة النكول ورد اليمين وعليه تدل آثار الصحابة ويزول عنها الاختلاف ويكون هذا في موضعه وهذا في موضعه.

وعرف حذيفة جملا له فادعاه فنكل المدعى عليه وتوجهت اليمن على حذيفة فقال أتراني اترك جملى فحلف بالله انه ما باع ولا هب.

فقد ثبت تحليف المدعى إذا أقام شاهدا واحدا والشاهد أقوى من النكول فتحليفه مع النكول أولى وقد شرع الله ورسوله تحليف المدعى في ايمان القسامة لقوة جانبه باللوث فتحليفه مع النكول أولى وكذلك شرع تحليف الزوج في اللعان وكذلك شرع تحليف المدعى إذا كان شاهد الحال يصدقه كما إذا تداعيا متاع البيت أو تداعى النجار والخياط آلة كل منهما فإنه يقضى لمن تدل الحال على صحة دعواه مع يمينه وقد روى في حديث مرفوع ان النبي ﷺ رد اليمين على طالب الحق ذكره الدارقطني وغيره وهذا محض الفقه والقياس فأنه إذا نكل قوى جانب المدعى فظن صدقه فشرع اليمين في حقه فإن اليمين إنما شرعت في جانب المدعى عليه لقوة جانبه بالأصل فإذا شهد الشاهد الواحد ضعف هذا الأصل ولم يتمكن قوته من الاستقلال وقوى جانب المدعى باليمين وهكذا إذا نكل ضعف أصل البراءة ولم يكن النكول مستقلا بإثبات الدعوى لجواز أن يكون لجهله بالحال أو لتورعه عن اليمين أو للخوف من عاقبة اليمين أو لموافقة قضاء وقدر فيظن الظان انه بسبب اليمين أو لترفعه عن ابتذاله باستحلاف خصمه له مع علمه بأنه لو حلف كان صادقا وإذا احتمل نكوله هذه الوجوه لم يكن مستقلا بل غايته أن يكون مقويا لجنبة المدعى فترد اليمين عليه ولم تكن هذه المسألة مقصودة وإنما جر اليها الكلام في اثر ابن عمر وزيد في مسألة البراءة.

وقد علم حكم هذا الشرط وأين ينتفع به البار وأين لا ينتفع به.

وإن قيل: فهل ينفعه ان يشترط على المشتري انه متى رده فهو حر أم لا ينفعه وإذا خاف توكيله في الرد استوثق منه بقوله متى رددته أو وكلت في رده فان خاف من رد الحاكم عليه حيث يرده بالشرع فلا يكون المشتري هو الراد ولا وكيله بل الحاكم المنفذ للشرع فاستوثق منه بقوله إذا دعيت رده فهو حر فهنا تصعب الحيلة على الرد إلا على مذهب أبي ثور واحد الوجهين في مذهب الإمام أحمد وهو.

إجماع الصحابة ان تعليق العتق متى قصد به الحض أو المنع فهو يمين حكمه حكم اليمين بالحج والصوم والصدقة وحكم ما لو قال: ان رددته فعلى ان اعتقه بل أولى بعدم العتق فإن هذا نذر قربة ولكن إخراجه مخرج اليمين منع لزوم الوفاء به مع ان الالتزام به أكثر من الالتزام بقوله فهو حر فكل ما في التزام قوله فهو حر فهو داخل في التزام فعلى ان اعتقه ولا ينعكس فإن قوله فعلى ان اعتقه يتضمن وجوب الاعتاق وفعل العتق ووقوع الحرية فإذا منع قصد الحض أو المنع وقوع ثلاثة اشياء فلأن يمنع وقوع واحد منها أولى واحرى وهذا لا جواب عنه وهو مما يبين فضل فقه الصحابة وان بين فقههم وفقه من بعدهم كما بينه وبينهم وحتى لو لم يصح ذلك عنهم لكان هذا محض القياس ومقتضى قواعد الشرع وأصوله من أكثر من عشرين وجها لا تخفي على متبحر تتبعها ويكفي قول فقيه الأمة وحبرها وترجمان القرآن ابن عباس العتق ما ابتغى به وجه الله والطلاق ما كان عن وطر فتأمل هاتين الكلمتين الشريفتين الصادرتين عن علم قد رسخ أسفله وبسق اعلاه واينعت ثمرته وذللت للطالب قطوفه ثم احكم بالكلمتين على ايمان الحالفين بالعتق والطلاق هل تجد الحالف بهذا ممن يبتغي به وجه الله والتقرب إليه باعتاق هذا العبد وهل تجد الحالف بالطلاق ممن له وطرفي طلاق زوجته فرضى الله عن جبر هذه الامه لقد شفت كلمتاه هاتان الصدور وطبقتا المفصل واصابتا المحز وكانتا برهانا على استجابة دعوة ﷺ ان يعلمه الله التأويل ويفقهه في الدين ولا يوحشنك من قد اقر على نفسه هو وجميع أهل العلم انه ليس من أولى العلم فإذا ظفرت برجل واحد من أولى العلم طالب للدليل محكم له متبع للحق حيث كان وأين كان ومع من كان زالت الوحشة وحصلت الالفة ولو خالفك فإنه يخالفك ويعذرك والجاهل الظالم يخالفك بلا حجة ويكفرك أو يبدعك بلا حجة وذنبك رغبتك عن طريقته الوخيمة وسيرته الذميمة فلا تغتر بكثرة هذا الضرب فإن الآلاف المؤلفة منهم لا يعدلون بشخص واحد من أهل العلم والواحد من أهل العلم يعدل بملء الأرض منهم.

واعلم أن الإجماع والحجة والسواد الأعظم هو العالم صاحب الحق وإن كان وحده وإن خالفه أهل الأرض قال: عمرو بن ميمون الاودى صحبت معاذا باليمن فما فارقته حتى واريته في التراب بالشام ثم صبحت من بعده أفقه الناس عبد الله ابن مسعود فسمعته يقول عليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ثم سمعته يوما من الأيام وهو يقول سيولى عليكم ولاة يؤخرون الصلاة عن مواقيتها فصلوا الصلاة لميقاتها فهى الفريضة وصلوا معهم فإنها لكم نافلة قال: قلت يا أصحاب محمد ما ادري ما تحدثون قال: وما ذاك قلت تأمرني بالجماعة وتحضني عليها ثم تقول لي صل الصلاة وحدك وهي الفريضة وصل مع الجماعة وهي نافلة قال: يا عمرو بن ميمون قد كنت أظنك من أفقه أهل هذه القرية أتدري ما الجماعة قلت لا قال: إن جمهور الجماعة هم الذين فارقوا الجماعة الجماعة ما وافق الحق وان كنت وحدك وفي لفظ آخر فضرب على فخذي وقال ويحك أن جمهور الناس فارقوا الجماعة وان الجماعة ما وافق طاعة الله تعالى.

وقال نعيم بن حماد إذا فسدت الجماعة فعليك بما كانت عليه الجماعة قبل أن تفسد وان كنت وحدك فإنك أنت الجماعة حينئذ ذكرهما البيهقي وغيره.

وقال بعض أئمة الحديث وقد ذكر له السواد الأعظم فقال أتدرى ما السواد الأعظم هو محمد بن أسلم الطوسي وأصحابه فمسخ المختلفون الذين جعلوا السواد الأعظم والحجة والجماعة هم الجمهور وجعلوهم عيارا على السنة وجعلوا السنة بدعة والمعروف منكرا لقلة أهله وتفردهم في الإعصار والأمصار وقالوا من شذ شذ الله به في النار وما عرف المختلفون أن الشاذ ما خالف الحق وان كان الناس كلهم عليه إلا واحدا منهم فهم الشاذون وقد شد الناس كلهم زمن أحمد بن حنبل إلا نفرا يسيرا فكانوا هم الجماعة وكانت القضاة حينئذ والمفتون والخليفة وأتباعه كلهم هم الشاذون وكان الإمام أحمد وحده هو الجماعة ولما لم يتحمل هذا عقول الناس قالوا للخليفة: يا أمير المؤمنين أتكون أنت وقضاتك وولاتك والفقهاء والمفتون كلهم على الباطل وأحمد وحده هو على الحق؟ فلم يتسع علمه لذلك فأخذه بالسياط والعقوبة بعد الحبس الطويل فلا إله إلا الله ما أشبه الليلة بالبارحة وهي السبيل المهيع لأهل السنة والجماعة حتى يلقوا ربهم مضى عليها سلفهم وينتظرها خلفهم من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم.

المثال الثالث والستون إذا وقعت الفرقة البائنة بين الزوجين لم تجب لها عليه نفقة ولا سكنى بسنة رسول الله ﷺ الصحيحة الصريحة فإن خاف أن ترفعه إلى حاكم يرى وجوب ذلك عليه فالحيلة أن يتغيب مدة العدة فإذا رفعته بعد ذلك لم يحكم بها عليه لأنها تسقط عنه بمضي الزمان كما يقوله الأكثرون في نفقة القريب وكما هو متفق عليه في نفقة العبد والحيوان البهيم ولا كراهة في هذه الحيلة لأنها وسيلة إلى إسقاط ما أسقطه الله ورسوله بخلاف الحيلة على إسقاط ما أوجبه الله ورسوله فهذه لون وتلك لون فإن لم تمكنه الغيبة وأمكنه أن يرفعها إلى حاكم يحكم بسقوط ذلك فعل والحيلة في أن يتوصل إلى حكم حاكم بذلك أن ينشيء الطلاق أو يقر به بحضرته ثم يسأله الحكم بما يراه من سقوط النفقة والسكنى بهذه الفرقة مع علمه باختلاف العلماء في ذلك فإن بدرته إلى حاكم يرى وجوبها فقد ضاقت عليه وجوه الحيل ولم يبق له إلا حيلة واحدة وهي دعواه أنها كانت بانت منه قبل ذلك بمدة تزيد على انقضاء عدتها وانه نسى البينونة وهذه الحيلة تدخل في قسم التوصل إلى الجائز بالمحظور كما تقدم نظائره.

المثال الرابع والستون اختلف الفقهاء في الضمان هل هو تعدد لمحل الحق وقيام للضمين مقام المضمون عنه أو هو استيثاق بمنزلة الرهن على قولين وهما روايتان عن مالك يظهر أثرهما في مطالبة الضامن مع التمكن من مطالبة المضمون عنه فمن قال: بالقول الأول وهم الجمهور قالوا لصاحب الحق مطالبة من شاء منهما على السواء. ومن قال بالقول الثاني قال ليس له مطالبة الضامن إلا إذا تعذر عليه مطالبة المضمون عنه واحتج هؤلاء بثلاث حجج إحداها أن الضامن فرع والمضمون عنه أصل وقاعدة الشريعة أن الفروع والأبدال لا يصار إليها إلا عند تعذر الأصول كالتراب في الطهارة والصوم في كفارة اليمين وشاهد الفرع مع شاهد الأصل وقد اطرد هذا في ولاية النكاح واستحقاق الميراث لا يلى فرع مع أصله ولا يرث معه الحجة الثانية أن الكفالة توثقه وحفظ للحق فهى جارية مجرى الرهن ولكن ذاك رهن عين وهي رهن ذمة أقامها الشارع مقام رهن الأعيان للحاجة إليها واستدعاء المصلحة لها والرهن لا يستوفي منه إلا مع تعذر الاستيفاء من الراهن فكذا الضمين ولهذا كثيرا ما يقترن الرهن والضمين لتواخيهما وتشابههما وحصول الاستيثاق بكل منهما الحجة الثالثة أن الضامن في الأصل لم يوضع لتعدد محل الحق كما لم يوضع لنقله وإنما وضع ليحفظ صاحب الحق حقه من التوى والهلاك ويكون له محل يرجع إليه عند تعذر الاستيفاء من محله الأصلي ولم ينصب الضامن نفسه لأن يطالبه المضمون له مع وجود الأصيل ويسرته والتمكن من مطالبته والناس يستقبحون هذا ويعدون فاعله متعديا ولا يعذرونه بالمطالبة حتى إذا تعذر عليه مطالبة الأصيل عذروه بمطالبة الضامن وكانوا عونا له عليه وهذا أمر مستقر في فطر الناس ومعاملاتهم بحيث لو طالب الضامن والمضمون عنده إلى جانبه والدراهم في كمه وهو متمكن من مطالبته لاستقبحوا ذلك غاية الاستقباح وهذا القول في القوة كما ترى وهو رواية ابن القاسم في الكتاب عن مالك ولا ينافى هذا قول النبي ﷺ الزعيم غارم فإنه لا عموم له ولا يدل على أنه غارم في جميع الأحوال ولهذا لو أدى الأصيل لم يكن غارما ولحديث أبى قتادة في ضمان دين الميت لتعذر مطالبة الأصيل ولا يصح الاحتجاج بأن الضمان مشتق من الضم فاقتضى لفظه ضم إحدى الذمتين إلى الأخرى لوجهين أحدهما أن الضم من المضاعف والضمان من الضمين فمادتهما مختلفة ومعناهما مختلف وان تشابها لفظا ومعنى في بعض الأمور الثاني انه لو كان مشتقا من الضم فالضم قدر مشترك بين ضم يطالب معه استقلالا وبدلا والأعم لا يستلزم الأخص.

وإذا عرف هذا وأراد الضامن الدخول عليه فالحيلة أن يعلق الضمان بالشرط فيقول إن توى المال على الأصيل فأنا ضامن له ولا يمنع تعليق الضمان بالشرط وقد صرح القرآن بتعليقه بالشرط وهو محض القياس فإنه التزام فجاز تعليقه بالشرط كالنذور والمؤمنون عند شروطهم إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا وهذا ليس واحدا منهما ومقاطع الحقوق عند الشروط فإن خاف من قاصر في الفقه غير راسخ في حقائقه فليقل ضمنت لك هذا الدين عند تعذر استيفائه ممن هو عليه فهذا ضمان مخصوص بحاله مخصوصة فلا يجوز إلزامه به في غيرها كما لو ضمن الحال مؤجلا أو ضمنه في مكان دون مكان فإن خاف من إفساد هذا أيضا فليشهد عليه أنه لا يستحق المطالبة له به إلا عند تعذر مطالبة الأصيل وأنه متى طالبه أو ادعى عليه به مع قدرته على الأصيل كانت دعواه باطلة والله أعلم.

المثال الخامس والستون قد تدعو الحاجة إلى أن يكون عقد الإجارة مبهما غير معين فمثاله أن يقول له إن ركبت هذه الدابة إلى أرض كذا فلك عشرة وإن ركبتها إلى أرض كذا فلك خمسة عشر أو يقول إن خطت هذا القميص اليوم فلك درهم وإن خطته غدا فنصف درهم وإن زرعت هذه الأرض حنطة فأجرتها مائة أو شعيرا فأجرتها خمسون ونحو ذلك فهذا كله جائز صحيح لا يدل على بطلانه كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس بل هذه الأدلة تقتضي صحته وان كان فيه نزاع متأخر فالثابت عن الصحابة الذي لا يعلم عنهم فيه نزاع جوازه كما ذكره البخاري في صحيحه عن عمر انه دفع أرضه إلى من يزرعها وقال ان جاء عمر بالبذر من عنده فله كذا وإن جاءوا بالبذر فلهم كذا ولم يخالفه صحابي واحد ولا محذور في ذلك ولا خطر ولا غرر ولا أكل مال بالباطل ولا جهالة تعود إلى العمل ولا إلى العوض فإنه لا يقع إلا معينا والخيرة إلى الأجير أي ذلك أحب أن يستوفي فعل فهو كما لو قال: له أي ثوب أخذته من هذا الثياب فقيمته كذا أو أي دابة ركبتها فأجرتها كذا أو أجرة هذه الفرس كذا وأجرة هذا الحمار كذا فأيها شئت فخذه أو ثمن هذا الثوب مائة وثمن هذا مائتان ونحو ذلك مما ليس فيه غرر ولا جهالة ولا ربا ولا ظلم فكيف تأتى الشريعة بتحريمه وعلى هذا فلا يحتاج إلى حيلة على فعله وكثير من المتأخرين من أتباع الأئمة يبطل هذا العقد فالحيلة على جوازه أن يقول استأجرتك لتخيطه اليوم بدرهم فإن خطته غدا فلك أجرة مثله نصف درهم وكذا يقول أجرتك هذه الدابة إلى ارض كذا بعشرة فإن ركبتها إلى ارض كذاو كذا فعليك أجرة مثلها كذا وكذا فإن خاف أن يكون يده يد عدوان ضمنه فليقل فإذا انقضت المسافة الأولى فهى أمانة عندك هذا عند من لم يصحح الإجارة المضافة ومن صححها فالحيلة عنده أن يقول فإذا قطعت هذه المسافة فقد آجرتكها إلى مسافة كذا وكذا فإذا انتهت آجرتكها إلى مسافة كذا وكذا فإن خشى المستأجر أن ينقضى شغله قبل ذلك فيبقى عقد الإجارة لازما له وقد فرغ شغله فالحيلة أن يقول إذا انقضت المسافة أو المدة فقد وكلتك في إجارتها لمن شئت فليؤجرها لغيره ثم يستأجرها منه فإن خاف أن لا تتم هذه الحيلة على أصل من لا يجوز تعليق الوكالة بالشرط فليوكله في الحال وكالة غير معلقة ثم يعلق تصرفه بالشرط فيقول أنت وكيلي في إجارتها فإذا انقضت المدة فقد أذنت لك في إجارتها.

وقال القاضي أبو يعلى في كتاب إبطال الحيل إن احتال في إجازة هذا الشرط فقال استأجرها إلى دمشق بكذا ومن دمشق إلى الرملة بكذا ومن الرملة إلى مصر بكذا جاز له لأنه إذا سمى لكل من المسافتين أجرة معلومة فكل واحدة منهما كالمعقود عليه على حاله فلا يمنع صحة العقد.

قلت ولكن لا تنفعه هذه الحيلة إذا انقضى غرضه عند المسافة الأولى ويبقى عقد الإجارة لازما له فيما وراءها فتصير كما لو استأجرها إلى مصر فانقضى غرضه في الرملة فما الذي أفاده تعدد العقود فوجود هذه الحيلة وعدمها سواء فالوجه ما ذكرناه والله أعلم.

المثال السادس والستون يجوز بيع المقاثي والباذنجان ونحوها بعد أن يبدو صلاحها كما تباع الثمار في رؤوس الأشجار ولا يمنع من صحة البيع تلاحق المبيع شيئا بعد شيء كما لم يمنع ذلك صحة بيع التوت والتين وسائر ما يخرج شيئا بعد شيء هذا محض القياس وعليه تقوم مصالح بني آدم ولا بد لهم منه ومن منع بيع ذلك إلا لقطة لقطة فمع أن ذلك متعذر في الغالب لا سبيل إليه إذ هو في غاية الحرج والعسر فهو مجهول لا ينضبط ولا ما هي اللقطة المبيعة أهي الكبار أو الصغار أو المتوسط أو بعض ذلك وتكون المقثأة كبيرة جدا لا يمكن أخذ اللقطة الواحدة إلا في أيام متعددة فيحدث كل يوم لقطة أخرى تختلط بالمبيع ولا يمكن تميزها منه ولا سبيل إلى الاحتراز من ذلك إلا أن يجمع دواب المصر كلها في يوم واحد ومن أمكنه من القطافين ثم يقطع الجميع في يوم واحد ويعرضه للتلف والضياع وحاشا أكمل الشرائع بل غيرها من الشرائع أن تأتى بمثل هذا وإنما هذا من الاغلاط الواقعة بالاجتهاد وأين حرم الله ورسوله على الأمة ما هم أحوج الناس إليه ثم أباح لهم نظيره فإن كان هذا غررا فبيع الثمار المتلاحقة الأجزاء غرر وإن لم يكن ذلك غررا فهذا مثله والصواب أن كليهما ليس غررا لا لغة ولا عرفا ولا شرعا ودعوى أن ذلك غرر دعوى بلا برهان فإن ادعى ذلك على اللغة طولب بالنقل ولن يجد إليه سبيلا وإن ادعى ذلك على العرف فالعرف شاهد بخلافه واهل العرف لا يعدون ذلك غررا وإن ادعاه على الشرع طولب بالدليل الشرعي فإن بلى بمن يقول هكذا في الكتاب وهكذا قالوا: فالحيلة في الجواز أن يشتري ذلك بعروقه فإذا استوفى ثمرته تصرف في العروق بما يريد.

والمانعون يجوزون هذه الحيلة ومن المعلوم أن العروق غير مقصودة وإنما المقصود الثمرة.

فان امتنع البيع لأجل الغرر لم يزل بملك العروق وهذا في غاية الظهور وبيع ذلك كبيع الثمار وهو قول أهل المدينة واحد الوجهين في مذهب الإمام أحمد واختاره شيخنا.

المثال السابع والستون: تجوز قسمة الدين المشترك بميراث أو عقد أو إتلاف فينفرد كل من الشريكين بحصته ويختص بما قبضه سواء كان في ذمة واحدة أو في ذمم متعددة فإن الحق لهما فيجوز أن يتفقا على قسمته أو على بقائه مشتركا ولا محذور في ذلك بل هذه أولى بالجواز من قسمة المنافع بالمهايأة بالزمان أو بالمكان ولا سيما فان المهايأة بالزمان تقتضي تقدم أحدهما على الأخر وقد تسلم المنفعة إلى نوبة الشريك وقد تتوى والدين في الذمة يقوم مقام العين ولهذا تصح المعاوضة عليه من الغريم وغيره وتجب على صاحبه زكاته إذا تمكن من قبضه ويجب عليه الإنفاق على أهله وولده ورقيقه منه ولا يعد فقيرا معدما فاقتسامه يجري مجرى اقتسام الأعيان والمنافع.

فإذا رضي كل من الشريكين أن يختص بما يخصه من الدين فينفرد هذا برجل يطالبه وهذا برجل يطالبه أو ينفرد هذا بالمطالبة بحصته وهذا بالمطالبة بحصته لم يهدما بذلك قاعدة من قواعد الشريعة ولا استحلا ما حرم الله ولا خالفا نص كتاب الله ولا سنة رسوله ولا قول صاحب ولا قياسا شهد له الشرع بالاعتبار وغاية ما يقدر عدم تكافؤ الذمم ووقوع التفاوت فيها وأن ما في الذمة لم يتعين فلا يمكن قسمته وهذا لا يمنع تراضيهما بالقسمة مع التفاوت فإن الحق لا يعدوهما وعدم تعين ما في الذمة لا يمنع القسمة فإنه يتعين تقديرا ويكفي في إمكان القسمة التعين بوجه فهو معين تقديرا ويتعين بالقبض تحقيقا.

وأما قول أبي الوفاء ابن عقيل لا تختلف الرواية عن أحمد في عدم جواز قسمة الدين في الذمة الواحدة واختلفت الرواية عنه في جواز قسمته إذا كان في الذمتين فعنه فيه روايتان فليس كذلك بل عنه في كل من الصورتين روايتان وليس في أصوله ما يمنع جواز القسمة كما ليس في أصول الشريعة ما يمنعها وعلى هذا فلا يحتاج إلى حيلة على الجواز وأما من منع من القسمة فقد تشتد الحاجة إليها فيحتاج إلى التحليل عليها فالحيلة أن يأذن لشريكه أن يقبض من الغريم ما يخصه فإذا فعل لم يكن لشريكه أن يخاصمه فيه بعد الاذن على الصحيح من المذهب كما صرح به الأصحاب وكذلك لو قبض حصته ثم استهلكها قبل المحاصة لم يضمن لشريكه شيئا وكان المقبوض من ضمانه خاصة وذلك أنه لما أذن لشريكه في قبض ما يخصه فقد أسقط حقه من المحاصة فيختص الشريك بالمقبوض وأما إذا استهلك الشريك ما قبضه فإنه لا يضمن لشريكه حصته منه من قبل المحاصة لأنه لم يدخل في ملكه ولم يتعين له بمجرد قبض الشريك له ولهذا لو وفى شريكه نظيره لم يقل انتقل إلى القابض الأول ما كان ملكا للشريك فدل على أنه إنما بصير ملكا له بالمحاصة لا بمجرد قبض الشريك.

ومن الأصحاب من فرق بين كون الدين بعقد وبين كونه بإتلاف أو إرث ووجه الفرق أنه إذا كان بعقد فكأنه عقد مع الشريكين فلكل منهما أن يطالب بما يخصه بخلاف دين الإرث والإتلاف والله أعلم.

المثال الثامن والستون اختلف الفقهاء في جواز بيع المغيبات في الأرض من البصل والثوم والجزر واللفت والفجل والقلقاس ونحوها على قولين أحدهما المنع من بيعه كذلك لأنه مجهول غير مشاهد والورق لا يدل على باطنه بخلاف ظاهر الصبرة وعند أصحاب هذا القول لا يباع حتى يقلع والقول الثاني يجوز بيعه كذلك على ما جرت به عادة أصحاب الحقول وهذا قول أهل المدينة وهو أحد الوجهين في مذهب الإمام أحمد اختاره شيخنا وهو الصواب المقطوع به فإن في المنع من بيع ذلك حتى يقلع أعظم الضرر والحرج والمشقة مع ما فيه من الفساد الذي لا تأتي به شريعة فإنه إن قلعه كله في وقت واحد تعرض للتلف والفساد وإن قيل كلما أردت بيع شيء منه فاقلعه كان فيه من الحرج والعسر ما هو معلوم وإن قيل اتركه في الأرض حتى يفسد ولاتبعه فيها فهذا لا تأتي به شريعة وبالجمله فالمفتون بهذا القول لو بلوا بذلك في حقولهم أو ما هو وقف عليهم ونحو ذلك لم يمكنهم إلا بيعه في الأرض ولابد أو أتلافه وعدم الانتفاع به وقول القائل إن هذا غرر ومجهول فهذا ليس حظ الفقيه ولا هو من شأنه وإنما هذا من شأن أهل الخبرة بذلك فإن عدوه قمارا أو غررا فهم أعلم بذلك وإنما حظ الفقيه يحل كذا لأن الله أباحه ويحرم كذا لأن الله حرمه وقال الله وقال رسوله وقال الصحابة وأما أن يرى هذا خطرا وقمارأ أو غررا فليس من شأنه بل أربابه أخبر بهذا منه والمرجع إليهم فيه كما يرجع إليهم في كون هذا الوصف عيبا أم لا وكون هذا البيع مربحا أم لا وكون هذه السلعة نافقة في وقت كذا وبلد كذا ونحو ذلك من الأوصاف الحسية والأمور العرفية فالفقهاء بالنسبة إليهم فيها مثلهم بالنسبة إلى ما في الأحكام الشرعية.

فإن بليت بمن يقول هكذا في الكتاب وهكذا قالوا فالحيلة في الجواز أن تستأجر منه الأرض المشغولة بذلك مدة يعلم فراغه منها ويقر له إقرارا مشهودا له به أن ما في باطن الأرض له لاحق للمؤجر فيه ولكن عكس هذه الحيلة لو أصابته آفة لم يتمكن من وضع الجائحة عنه بخلاف ما إذا اشتراه بعد بدو صلاحه فإنه كالثمرة على رءوس الشجر إن أصابته آفة وضعت عنه الجائحة وهذا الصواب في المسألتين جواز بيعه ووضع الجوائح فيه والله أعلم.

المثال التاسع والستون اختلفت الفقهاء في جواز البيع بما ينقطع به السعر من غير تقدير الثمن وقت العقد وصورتها البيع ممن يعامله من خباز أو لحام أو سمان أو غيرهم يأخذ منه كل يوم شيئا معلوما ثم يحاسبه عند رأس الشهر أو السنة على الجميع ويعطيه ثمنه فمنعه الأكثرون وجعلو القبض به غير ناقل للملك وهو قبض فاسد يجري مجرى المقبوض بالغصب لأنه مقبوض بعقد فاسد هذا وكلهم إلا شدد على نفسه يفعل ذلك ولا يجد منه بدا وهو يفتي ببطلانه وأنه باق على ملك البائع ولا يمكنه التخلص من ذلك إلا بمساومته له عند كل حاجة يأخذها قل ثمنها أو كثر وإن كان ممن شرط الإيجاب والقبول لفظا فلا بد مع المساوة أن يقرن بها الإيجاب والقبول لفظا والقول الثاني وهو الصواب المقطوع به وهو عمل الناس في كل عصر ومصر جواز البيع بما ينقطع به السعر وهو منصوص الإمام أحمد واختاره شيخنا وسمعته يقول هو أطيب لقلب المشتري من المساومة يقول لي أسوة بالناس أخذ بما يأخذ به غيري قال والذين يمنعون من ذلك لا يمكنهم تركه بل هم واقعون فيه وليس في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا إجماع الأمة ولا قول صاحب ولا قياس صحيح ما يحرمه.

وقد أجمعت الأمة على صحة النكاح بمهر المثل وأكثرهم يجوزون عقد الإجارة بأجرة المثل كالنكاح والغسال والخباز والملاح وقيم الحمام والمكاري والبيع بثمن المثل كبيع ماء الحمام فغاية البيع بالسعر أن يكون بيعه بثمن المثل فيجوز كما تجوز المعاوضة بثمن المثل في هذه الصورة وغيرها فهذا هو القياس الصحيح ولا تقوم مصالح الناس إلا به فإن بليت بالقائل هكذا في الكتاب وهكذا قالوا فالحيلة في الجواز أن يأخذ ذلك قرضا في ذمته ذمته فيجب عليه للدافع مثله ثم يعاوضه عليه بثمن معلوم فإنه بيع للدين من الغريم وهو جائز ولكن في هذه الحيلة افة وهو أنه قد يرتفع السعر فيطالبه بالمثل فيتضرر الأخذ وقد ينخفض فيعطيه المثل فيتضرر الأول فالطريق الشرعية التي لم يحرمها الله ورسوله أولى بهما والله أعلم.

المثال السبعون: إذا كان عليه دين وله وقف من غلة دار أو بستان فوكل صاحب الدين أن يستوفي ذلك من دينه جاز فإن خاف أن يحتال عليه ويعزله عن الوكالة فليجعلها حوالة على من في ذمته عوض ذلك المغل فإن لم يكن قد وآجر الدار أو الأرض لأحد فالحيلة أن يستأجرها منه صاحب الدين بعوض في ذمته ثم يعاوضه بدينه من ذلك العوض فإن أراد أن يكون هو وكيله في استيفاء دينه من تلك المنافع لا بطريق الإجارة ولا بطريق الحوالة بل بطريق الوكالة في قبض ما يصير إليه من غلة ذلك الوقف وخاف عزله فالحيلة أن يأخذ إقراره أن الواقف شرط أن يقضي ما عليه من الدين أولا ثم يصرف إليه بعد الدين كذا وكذا وأنه وجب لفلان وهو الغريم عليه من الدين كذا وكذا وأنه يستحقه من مغل هذا الوقف مقدما به على سائر مصارف الوقف وأنه لا ينتقل من الموقوف شيء قبل قضاء الدين وأن ولاية أمر هذا الوقف إلى فلان حتى يستوفي ينه فإذا استوفاه فلا ولاية له عليه وإن حكم حاكم بذلك كان أوفق.

المثال الحادي والسبعون: إذا كان له عليه دين فقال إن مت قبلي فأنت في حل وإن مت قبلك فأنت في حل صح وبرىء في الصورتين فإن إحداهما وصية والأخرى إبراء معلق بالشرط ويصح تعليق الإبراء بالشرط لأنه إسقاط كما يصح تعليق العتق والطلاق وقد نص عليه الإمام أحمد في الإحلال من العرض والمال مثله.

وقال أصحابنا وأصحاب الشافعي: إذا قال إن مت قبلك فأنت في حل هو إبراء صحيح لأنه وصية وإن قال إن مت قبلي فأنت في حل لم يصح لأنه تعليق للإبراء بالشرط ولم يقيموا شبهة فضلا عن دليل صحيح على امتناع تعليق الإبراء بالشرط ولا يدفعه نص ولا قياس ولا قول صاحب فالصواب صحة الإبراء في الموضعين وعلى هذا فلا يحتاج إلى حيلة فإن بلي من يقول هكذا في الكتاب وهكذا قالوا فالحيلة أن يشهد عليه أنه لا يستحق عليه شيئا بعد موته من هذا الدين ولا في تركته وإن شاء كتب الفصلين في سجل واحد وضمنه الوصية له به إن مات رب الدين وإن مات المدين فلا حق له به قبله فيصح حينئذ مستندا إلى ظاهر الإقرار وهو إبراء في المعنى.

المثال الثاني والسبعون: لو غلظ المضارب أو الشريك وقال ربحت ألفا ثم أراد الرجوع لم يقبل منه لأنه إنكار بعد إقرار ولو أقام بينة على الغلط فالصحيح أنها تقبل وقيل لا تقبل لأنه مكذب لها فالحيلة في استدراكه ما غلط فيه بحيث تقبل منه أن يقول خسرتها بعد أن ربحتها فالقول قوله في ذلك ولا يلزمه الألف وهكذا الحيلة في استدراك كل أمين لظلامته كالمودع إذا رد الوديعة التي دفعت إليه ببينة ولم يشهد على ردها فهل يقبل قوله في الرد فيه قولان روايتان عن الإمام أحمد فإذا خاف أن لا يقبل قوله فالحيلة في تخلصه أن يدعى تلفها من غير تفريط فإن حلفه على ذلك فليحلف موريا متأولا من عنده خروجها من تحت يده ونظائر ذلك والله أعلم.

المثال الثالث والسبعون: إن استغرقت الديون ماله لم يصح تبرعه بما يضر بأرباب الديون سواء حجر عليه الحاكم أولم يحجر عليه هذا مذهب مالك واختيار شيخنا وعند الثلاثة يصح تصرفه في ماله قبل الحجر بأنواع التصرف والصحيح هو القول الأول هو الذي لا يليق بأصول المذهب غيره بل هو مقتضى أصول الشرع وقواعده لأن حق الغرماء قد تعلق بماله ولهذا يحجر عليها الحاكم ولو تعلق حق الغرماء بما له لم يسع الحاكم الحجر عليه فصار كالمريض مرض الموت لما تعلق حق الورثة بماله منعه الشارع من التبرع بما زاد على الثلث فإن في تمكينه من التبرع بماله إبطال حق الورثة منه وفي تمكين هذا المديان من التبرع إبطال حقوق الغرماء والشريعة لا تأتي بمثل هذا فإنها إنما جاءت بحفظ حقوق أرباب الحقوق بكل طريق وسد الطرق المفضية إلى إضاعتها وقال النبي ﷺ: "من أخذ أموال الناس يريد أداءها أداها الله عنه ومن أخذها يريد أتلافها أتلفه الله" ولا ريب أن هذا التبرع إتلاف لها فكيف ينفذ تبرع من دعا رسول الله ﷺ على فاعله.

وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يحكي عن بعض علماء عصره من أصحاب أحمد أنه كان ينكر هذا المذهب ويضعفه قال إلى أن بلي بغريم تبرع قبل الحجر عليه فقال: والله مذهب مالك هو الحق في هذه المسألة وتبويب البخاري وترجمتة واستدلاله يدل على اختياره هذا المذهب فإنه قال في باب من رد أمر السفيه والضعيف وإن لم يكن حجر عليه الإمام ويذكر عن جابر أن النبي ﷺ رد على المتصدق قبل النهي ثم نهاه فتأمل هذا الاستدلال قال عبد الحق أراد به والله أعلم حديث جابر في بيع المدبر ثم قال البخاري في هذا الباب نفسه وقال مالك: "إذا كان لرجل على رجل مال وله عبد لا شيء له غيره فأعتقه لم يجز عتقه" ثم ذكر حديث: "من أخذ أموال الناس يريد أداءها أداها الله عنه ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله" وهذا الذي حكاه عن مالك هو في كتب أصحابه.

وقال ابن الجلاب: "ولا تجوز هبة المفلس ولا عتقه ولا صدقته إلا بإذن غرمائه وكذلك المديان الذي لم يفلسه غرماؤه في عتقه وهبته وصدقته" وهذا القول هو الذي لا نختار غيره.

وعلى هذا فالحيلة لمن تبرع غريمه بهبة أو صدقة أو وقف أو عتق وليس في ماله سعة له ولدائنه أن يرفعه إلى حاكم يرى بطلان هذا التبرع ويسأله الحكم ببطلانه فإن لم يكن في بلده حاكم يحكم بذلك فالحيلة أن يأخذ عليه إذا خاف منه ذلك الضمين أو الرهن فإن بادر الغريم وتبرع قبل ذلك فقد ضاقت الحيلة على صاحب الحق ولم يبق غير أمر واحد وهو التوصل إلى إقراره بأن ما في يده أعيان أموال الغرماء فيمتنع التبرع بعد الإقرار فإن قدم تاريخ الإقرار بطل التبرع المتقدم أيضا وليست هذه حيلة على إبطال حق ولا تحقيق باطل بل على جور وظلم فلا بأس بها والله أعلم.

المثال الرابع والسبعون: إذا كان له عليه دين ولا بينة له به وخاف أن يجحده أوله بينة به ويخاف أن يمطله فالحيلة أن يستدين منه بقدر دينه إن أمكن ولا يضره أن يعطيه به رهنا أو كفيلا فإذا ثبت له في ذمته نظير دينه قاصه به وإن لم يرض على أصح المذاهب فإن حذر غريمه من ذلك وأمكنه أن يشتري منه سلعة ولا يعين الثمن ويخرج النقد فيضعه بين يديه فإذا قبض السلعة وطلب منه الثمن قاصه بالدين الذي عليه وبكل حال فطريق الحيلة أن يجعل له عليه من الدين نظير ماله.

المثال الخامس والسبعون: إذا خاف العنت ولم يجد طول حرة وكره رق أولاده فالحيلة في عتقهم أن يشترط على السيد أن ما ولدته زوجته منه من الولد فهم أحرار فكل ولد تلده بعد ذلك منه فهو حر ويصح تعليق العتق بالولادة كما لو قال لأمته كل ولد تلدينه فهو حر قال ابن المنذر ولا أحفظ فيه خلافا فإن قيل فهل تجوزون نكاح الأمة بدون الشرطين إذا امن رق ولده بهذا التعليق قيل هذا محل اجتهاد ولا تأباه أصول الشريعة وليس فيه إلا أن الولد يثبت عليه الولاء للسيد وهو شعبة من الرق ومثل هذا هل ينتهض سببا لتحريم نكاح الأمة أو يقال وهو أظهر إن الله تعالى منع من نكاح الإماء لأنهن في الغالب لا يحجبن حجب الحرائر وهن في مهنة ساداتهن وحوائجهن وهن برزات لا مخدرات وهذه كانت عادة العرب في إمائهن وإلى اليوم فصان الله تعالى الأزواج أن تكون زوجاتهم بهذه المثابة مع ما يتبع ذلك من رق الولد وأباحه لهم عند الضرورة إليه كما أباح الميتة والدم ولحم الخنزير عند المخصمة وكل هذا منع منه تعالى كنكاح غير المحصنة ولهذا شرط تعالى في نكاحهن أن يكن محصنات غير مسافحات ولا ولا متخذات أخدان أي غير زانية مع من كان ولا زانية مع خدينها وعشيقها دون غيره فلم يبح لهم نكاح الإماء إلا بأربعة شروط عدم الطول وخوف العنت وإذن سيدها وأن تكون عفيفة غير فاجرة فجورا عاما ولا خاصا والله أعلم.

والمثال السادس والسبعون: إذا لم تمكنه أمته من نفسها حتى يعتقها ويتزوجها ولا يريد إخراجها عن ملكه ولا تبصر نفسه عنها فالحيلة أن يبيعها أو يهبها لمن يثق به ويشهد عليه من حيث لا تعلم هي والبيع أجود لأنه لا يحتاج إلى قبض ثم يعتقها ثم يتزوجها فإذا فعل استردها من المشتري من حيث لا تعلم الجارية فانفسخ النكاح فيطؤها بملك اليمين ولا عدة عليها المثال السابع والسبعون إذا أراده من لا يملك رده على بيع جاريته منه فالحيلة في خلاصه أن يفعل ما ذكرناه سواء ويشهد على عتقها أو نكاحها ثم يستقيله البيع فيطؤها بملك اليمين في الباطن وهي زوجته في الظاهر ويجوز هذا لأنه يدفع به عن نفسه ولا يسقط به حق ذي حق وإن شاء احتال بحيلة أخرى وهى إ قراره بأنها وضعت منه ما يتبين به خلق الإنسان فصارت بذلك أم ولد لا يمكن نقل الملك فيها فإن أحب دفع التهمة عنه وأنه قصد بذلك التحيل فليبعها لمن يثق به ثم يواطىء المشترى على أن يدعى عليه أنها وضعت في ملكه ما فيه صورة إنسان ويقر بذلك فينفسخ البيع ويكتب بذلك محضرا فإنه يمتنع بيعها بعد ذلك.

المثال الثامن والسبعون: إذا أراد أن يبيع الجارية من رجل بعينه ولم تطب نفسه بأن تكون عند غيره فله في ذلك أنواع من الحيل إحداها أن يشترط عليه أنه إن باعها فهو أحق بها بالثمن كما اشترطت ذلك امرأة عبد الله بن مسعود عليه ونص الإمام أحمد: على جواز البيع والشرط في رواية على بن سعيد وهو الصحيح فإن لم تتم له هذه الحيلة لعدم من ينفذها له فليشترط عليه أنك إن بعتها لغيري فهي حرة ويصح هذا الشرط وتعتق عليه إن باعها لغيره إما بمجرد الإيجاب عند صاحب المغنى وغيره وإما بالقبول فيقع العتق عقيبه وينفسخ البيع عند صاحب المحرر وهذه طريقة القاضي. قال في كتاب إبطال الحيل: "إذا قال إن بعتك هذا العبد فهو حر وقال المشتري إن اشتريته فهو حر فباعه عتق على البائع لأنه ليس له عند دخوله في ملك الآخر حال استقرار حتى يعتق عليه بنيته التابعة لأن خيار المجلس ثابت للبائع فملك المشتري غير مستقر" وقول صاحب المحرر وانفسخ البيع تقرير لهذه الطريقة وأنه إنما يعتق بالقبول ويعتق في مدة الخيار على أحد الوجوه الثلاثة.

فإن لم تتم له هذه الحيلة عند من لا يصحح هذا التعليق ويقول إذا اشتراها ملكها ولا تعتق بالشرط في ملك الغير كما يقوله أبو حنيفه فله حيلة أخرى وهي أن يقول إذا بعتها فهي حرة قبل البيع فيصح هذا التعليق فإذا باعها حكمنا بوقوع العتق قبل البيع على أحد الوجهين في مذهب الشافعي وأحمد رضي الله عنهما فإذا لم تتم له هذه الحيلة عند من لا يصحح هذا التعليق فله حيلة أخرى وهي أن يقول إذا اشتريتها فهي مدبرة فيصح هذا التعليق ويمتنع بيعها عند أبي حنيفة فإن التدبير عنده جار مجرى العتق المعلق بصفة فإذا اشتراها صارت مدبرة ولم يمكنه بيعها عنده.

فإن لم تتم له هذه الحيلة على قول من لا يجوز تعليق التدبير بصفة فالحيلة أن يأخذ البائع إقرار المشتري بأنه دبر هذه الجارية بعد ما اشتراها وأنه جعلها حرة بعد موته.

فإن لم تتم له هذه الحيلة على قول من يجوز بيع المدبر وهو الإمام أحمد.

ومن قال بقوله فالحيلة أن يشهد عليه قبل أن يبيعها منه أنه كان من سيدها تزويجا صحيحا وأنها ولدت منه ولدا ثم اشتراها بعد ذلك فصارت أم ولده فلا يمكنه بيعها.

فإن لم تتم هذه الحيلة على قول من يعتبر في كونها أم ولد أن تحمل وتضع في ملكه ولا يكفي أن تلد منه في غير ملكه كما هو ظاهر مذهب أحمد والشافعي فقد ضاقت عليه وجوه الحيل ولم يبق له إلا حيلة واحدة وهي أن يتراضى سيد الجارية والمشتري برجل ثقة عدل بينهما فيبيعها هذا العدل بطريق الوكالة عن سيدها بزيادة على ثمنها الذي اتفقا عليه ويزيد ما شاء ويقبض منه الثمن الذي اتفقا عليه فإن أراد المشتري بيعها طالبه بباقي الثمن الذي أظهره ولو لم يدخلا بينهما ثالثا بل اتفقا على ذلك فقال: أبيعكها بمائة دينار وآخذ منك أربعين فإن بعتها طالبتك بباقي الثمن وإن لم تبعها لم أطالبك جاز لكن في توسط العدل الذي يثق به المشتري كأبيه وصاحبه تطييب لقلبه وأمان له من مطالبة البائع له بالثمن الكثير.

المثال التاسع والسبعون: إذا طلب منه ولده أو عبده أن يزوجه وخاف أن يلحقه ضرر بالزوجة ويأمره بطلاقها فلا يقبل فالحيلة أن يقول له لا أزوجك إلا أن تجعل أمر الزوجة بيدي فإن وثق منه بذلك الوعد قال له بعد التزويج أمرها بيدك وإن لم يثق منه به وخاف أنه إذا قبل العقد لا يفي له بما وعده فالحيلة أن لا يأذن له حتى يعلق ذلك بالنكاح فيقول إن تزوجتها فأمرها بيدك ويصح هذا التعليق على مذهب أهل المدينة وأهل العراق فإن أراد أن يكون ذلك مجمعا عليه فليكتب في كتاب الصداق وأقر الزوج المذكور أن أمر الزوجة المذكورة بيد السيد أو الأب فإذا وقع ما يحذره منها تمكن حينئذ من التطليق عليه والله أعلم لكن قد يخرجه عن الوكالة بعد ذلك فلا يتم مراده فالحيلة أن يشترط عليه أنه متى أخرجه عن الوكالة فهي طالق.

المثال الثمانون إذا دبر عبده أو أمته جاز له بيعه ويبطل تدبيره فإن خاف أن يرفعه العبد إلى حاكم لا يرى بيع المدبر فيحكم عليه بالمنع من بيعه فالحيلة أن يقول إن مت وأنت في ملكي فأنت حر بعد موتي فإذا قال ذلك تم له الأمر كما أراد فإن أراد بيعه مادام حيا فله ذلك وإن مات وهو في ملكه عتق عليه والفرق بين أن يقول أنت حر بعد موتي وبين أن يقول إن مت وأنت في ملكي فأنت حر بعد موتي أن هذا تعليق للعتق بصفة وذلك لا يمنع بيع العبد كما لو قال إن دخلت الدار فأنت حر فله بيعه قبل وجود الصفة بخلاف قوله أنت حر بعد موتي فإنه جزم بحريته في ذلك الوقت ونظير هذا أنه لو قال إن مت قبلي فأنت في حل من الدين الذي عليك فهو إبراء معلق بصفة ولو قال له أنت في حل بعد موتي صح ولم يكن تعليقا للإبراء بالشرط ونظيره لو قال إن مت فداري وقف فإنه تعليق للوقف بالشرط ولو قال هي وقف بعد موتي صح والله أعلم المثال الحادي والثمانون: لو أن رجلين ضمنا رجلا بنفسه فدفعه أحدهما إلى الطالب برىء الذي لم يدفع وهذا بمنزلة رجلين ضمنا لرجل مالا فدفعه إليه أحدهما فإنهما يبرءان جميعا لأن المضمون هو إحضار واحد فإذا سلمه أحدهما فقد وجد الإحضار المضمون فبرئا جميعا قال القاضي وربما ألزمه بعض القضاة الضمان بنفس المطلوب ولا يجعل دفع الآخر براءة للذي لم يدفع فالحيلة أن يضمنا للطالب هذا الرجل بنفسه على أنه إذا دفعه أحدهما فهما جميعا بريئان فيتخلص على قول الكل أو يشهدا أن كل واحد منهما وكيل صاحبه في دفع هذا الرجل إلى الطالب والتبرى إليه فإذا دفعه أحدهما برئا جميعا منه لأنه إذا كان كل منهما وكيل صاحبه كان تسليمه كتسليم موكله.

المثال الثاني والثمانون قال القاضي في كتاب إبطال الحيل إذا كان لرجلين على امرأة مال وهما شريكان فتزوجها أحدهما على نصيبه من المال الذي عليها لم يضمن لصاحبه شيئا من المهر لأنه لم يجعل نصيبه في ضمانه فصار كما لو أبرأه وربما ضمنه بعض الفقهاء فالحيلة فيه أن يهب لها نصيبه مما عليها ثم يتزوجها بعد ذلك على مقدار ما وهبها ثم تهب المرأة للزوج المهر الذي تزوجها عليه لأن أحد الشريكين إذا وهب نصيبه من المال المشترك لا يضمن لكونه متبرعا فإذا تزوجها بعد ذلك على مهر ووهبته له حصل مقصوده وتخلص من أقاويل المختلفين.

المثال الثالث والثمانون: لو حلف رجل بالطلاق أنه لا يضمن عن أحد شيئا فحلف آخر بالطلاق أن لابد أن تضمن عني فالحيلة في أن يضمن عنه ولا يحنث أن يشاركه ويشتري متاعا بينه وبين شريكه قال القاضي: فإنه يضمن عن شريكه نصف الثمن ولا يحنث الحالف في يمينه لأن المحلوف عليه عقد الضمان وما يلزمه في مسألتنا لا يلزمه بعقد الضمان وإنما يلزمه بالوكالة لأن كل واحد من الشريكين وكيل صاحبه فيما يشتريه فلهذا لم يحنث في يمينه فإن كانت بحالها ولم يكن بينه وبين المحلوف عليه شركة لكنه وكله المحلوف عليه فاشتراها لم يحنث أيضا لم بينا.

المثال الرابع والثمانون: شريكان شركة عنان ضمنا عن رجل مالا بأمره على أنه إن أدى المال أحد الشريكين رجع به على شريكه وإن أداه الآخر فشريكه منه برىء وللمسألة أربع صور إحداها أن يقولا أيانا أداه رجع به على شريكه الثانية عكسه الثالثة أن يقول إن أديته أنا رجعت به عليك ولا ترجع به على إن أديته الرابعة عكسه فالصورة الأولى والثانية لا تحتاج إلى حيلة وأما الثالثة والرابعة فالحيلة في جوازهما أن يضمن أحد الشريكين عن المدين ما عليه لصاحبه ثم يجىء شريكه فيضمن ما لصاحب الحق عليهما فإذا أدى هذا الشريك المال رجع به على شريكه والأصيل وإذا أداه شريكه والأصيل لم يرجعا على الشريك بشيء لأن شريكه قد صار صاحب الأصل ههنا فلو رجع عليه لرجع هو عليه بشيء فمن حيث يثبت يسقط فلا معنى للرجوع عليه.

المثال الخامس والثمانون لا بأس للمظلوم أن يتحيل على مسبة الناس لظالمه والدعاء عليه والأخذ من عرضه وإن لم يفعل ذلك بنفسه إذ لعل ذلك يردعه ويمنعه من الإقامة على ظلمه وهذا كما لو أخذ ماله فلبس أرث الثياب بعد أحسنها وأظهر البكاء والنحيب والتأوه أو آذاه في جواره فخرج من داره وطرح متاعه على الطريق أو أخذ دابته فطرح حمله على الطريق وجلس يبكي ونحو ذلك فكل هذا مما يدعو الناس إلى لعن الظالم له وسبه والدعاء عليه وقد أرشد النبي ﷺ المظلوم بأذى جاره له إلى نحو ذلك ففي السنن ومسند الإمام أحمد من حديث أبي هريرة أن رجلا شكا إلى النبي ﷺ من جاره فقال: "اذهب فاصبر فأتاه مرتين أو ثلاثا فقال: اذهب فاطرح متاعك في الطريق فطرح متاعه في الطريق" فجعل الناس يسألونه فيخبرهم خبره فجعل الناس يلعنونه فعل الله به وفعل فجاء إليه جاره فقال له: ارجع لا ترى مني شيئا تكرهه" هذا لفظ أبي داود.

المثال السادس والثمانون: ما ذكره في مناقب أبي حنيفة رحمة الله تعالى: أن رجلا أتاه بالليل فقال أدركني قبل الفجر وإلا طلقت امرأتي فقال وما ذاك قال تركت الليلة كلامي فقلت لها إن طلع الفجر ولم تكلميني فأنت طالق ثلاثا وقد توسلت إليها بكل أمر أن تكلمني فلم تفعل فقال له: اذهب فمر مؤذن المسجد أن ينزل فيؤذن قبل الفجر فلعلها إذا سمعته أن تكلمك واذهب إليها وناشدها أن تكلمك قبل أن يؤذن المؤذن ففعل الرجل وجلس يناشدها وأذن المؤذن فقالت: قد طلع الفجر وتخلصت منك فقال: قد كلمتني قبل الفجر وتخلصت من اليمين وهذا من أحسن الحيل.

المثال السابع والثمانون: قال بشر بن الوليد كان في جوار أبي حنيفة فتى يغشى مجلسه فقال له يوما إني أريد التزوج بامرأة وقد طلبوا مني من المهر فوق طاقتي وقد تعلقت بالمرأة فقال: له اعطهم ما طلبوا منك ففعل فلما عقد العقد جاء إليه فقال قد طلبوا مني المهر فقال: احتل واقترض وأعطهم. ففعل فلما دخل بأهله قال إني أخاف المطالبين بالدين وليس عندي ما أوفيهم فقال أظهر أنك تريد سفرا بعيدا وأنك تريد الخروج بأهلك ففعل واكترى جمالا فاشتد ذلك على المرأة وأوليائها فجاءوا إلي أبي حنيفة رحمه الله فسألوه فقال له أن يذهب بأهله حيث شاء فقالوا نحن نرضيه ونرد إليه ما أخذناه منه ولا يسافر فلما سمع الزوج طمع فقال لا والله حتى يزيدوني فقال له إن رضيت بهذا وإلا أقرت المرأة أن عليها دينا لرجل فلا يمكنك أن تخرجها حتى توفيه فقال بالله لا يسمع أهل المرأة ذلك منك أنا أرضى بالذي أعطيتهم.

المثال الثامن والثمانون: قال القاضي أبو يعلى: إذا كان لرجل على رجل ألف درهم فصالحه منها على مائة درهم يؤديها إليه في شهر كذا فإن لم يفعل وأخرها إلى شهر آخر فعليه مائتان فهو جائز وقد أبطله قوم آخرون قال أما جواز الصلح من ألف على مائة فالوجه فيه أن التسعمائة لا يستفيدها بعقد الصلح وإنما استفادها بعقد المداينة وهو العقد السابق فعلم أنها ليست مأخوذة على وجه المعاوضة وإنما هي على طريق الإبراء عن بعض حقه قال ويفارق هذا إذا كانت له ألف مؤجلة فصالحه على تسعمائة حالة انه لا يجوز لأنه استفاد هذه التسعمائة بعقد الصلح لأنه لم يكن مالكا لها حالة وإنما كان يملكها مؤجلة فلهذا لم يصح.

وأما جوازه على الشرط المذكور وهو أنه إن لم يفعل فعليه مائتان فلأن المصالح إنما علق فسخ البراءة بالشرط والفسخ يجوز تعليقه بالشرط وإن لم يجز تعليق البراءة بالشرط ألا ترى انه لو قال أبيعك هذا الثوب بشرط أن تنقدني الثمن اليوم فإن لم تنقدني الثمن اليوم فلا بيع بيننا إذا لم ينقد الثمن في يومه انفسخ العقد بينهما كذلك ههنا ومن لم يجز ذلك يقول هذا تعليق براءة المال بالشرط وذلك لا يجوز قال والوجه في جواز هذا الصلح على مذهب الجميع أن يعجل رب المال حط ثمانمائة يحطها على كل حال ثم يصالح المطلوب من المائتين الباقيتين على مائة يؤديها إليه في شهر كذا على أنه إن أخرها عن هذا الوقت فلا صلح بينهما فإذا فعل هذا فقد استوثق في قول الجميع لأنه متى صالحه على مائتين وقد حط عنه الباقي يصير كأنه لم يكن عليه من الدين إلا مائتا درهم ثم صالحه عن المائتين الباقيتين على مائة يؤديها إليه في شهر كذا فإن أخرها فلا صلح بينهما فيكون على قول الجميع مخ العقد معلقا بترك النقد وذلك جائز على ما بيناه في البيع. فإن أراد أن يكاتب عبده على ألف درهم يؤديها إليه في سنتين فإن لم يفعل فعليه ألف أخرى فهى كتابة فاسدة لأنه علق إيجاب المال بخطر وتعليق المال بالأخطار لا يجوز والحيلة في جوازه أن يكاتبه على ألفي درهم ويكتب عليه بذلك كتابا ثم يصالحه بعد ذلك على آلف درهم يؤديها إليه في سنتين فإن لم يفعل فلا صلح بينهما فيكون تعليقا للفسخ بخطر وذلك جائز على ما قدمناه من مسألة البيع فإن كان السيد كاتب عبده على ألفي درهم إلى سنتين فأراد العبد أن يصالح سيده على النصف يعجلها له فإن ذلك جائز عندنا ويبطله غيرنا انتهى كلامه.

المثال التاسع والثمانون: قال القاضي: إذا اشترى رجل من رجل دارا بألف درهم فجاء الشفيع يطلب الشفعة فصالحه المشتري على أن أعطاه نصف الدار بنصف الثمن جاز لأن الشفيع صالح على بعض حقه وذلك جائز كما لو صالح من آلف على خمسمائة فإن صالحه على بيت من الدار بحصته من الثمن لم يجز لأنه صالح على شئ مجهول لأن ما يأخذه الشفيع يأخذه على وجه المعاوضة وحصة المبيع من الثمن مجهولة وجهالة العوض تمنع صحة العقد فالحيلة حتى يسلم البيت للشفيع والدار للمشتري أن يشتري الشفيع هذا البيت من المشتري بثمن مسمى ثم يسلم الشفيع للمشتري ما بقى من الدار وشراء الشفيع لهذا البيت تسليم للشفعة ومساومته بالبيت تسليم للشفعة لأنه إذا اشتراه بثمن مسمى كان عوض البيت معلوما ودخوله في شراء البيت تسليم للشفعة فيما بقى من الدار وذلك جائز فالحيلة أن يأخذ البيت بهذا الثمن المسمى من غير أن يكون مسلما للشفعة حتى يجب له البيت أن يبدأ المشتري فيقول للشفيع هذا البيت ابتعته لك بكذا وكذا درهما فيقول الشفيع قد رضيت واستوجبت لأن المشتري متى ابتدأ بقوله هذا البيت لك بكذا لم يكن الشفيع مسلما للشفعة.

المثال التسعون: تجوز المغارسة عندنا على شجر الجوز وغيره بأن يدفع إليه أرضه ويقول اغرسها من الأشجار كذا وكذا والغرس بيننا نصفان وهذا كما يجوز أن يدفع إليه ماله يتجر فيه والربح بينهما نصفان وكما يدفع إليه أرضه يزرعها والزرع بينهما وكما يدفع إليه شجره يقوم عليه والثمر بينهما وكما يدفع إليه بقره أو غنمه أو إبله يقوم عليها والدر والنسل بينهما وكما يدفع إليه زيتونه يعصره والزيت بينهما وكما يدفع إليه دابته يعمل عليها والأجرة بينهما وكما يدفع إليه فرسه يغزو عليها وسهمها بينهما وكما يدفع إليه قناة يستنبط ماءها والماء بينهما ونظائر ذلك فكل ذلك شركة صحيحة قد دل على جوازها النص والقياس واتفاق الصحابة ومصالح الناس وليس فيها ما يوجب تحريمها من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس ولا مصلحة ولا معنى صحيح يوجب فسادها والذين منعوا ذلك عذرهم أنهم ظنوا ذلك كله من باب الإجارة فالعوض مجهول فيفسد ثم منهم من أجاز المساقاة والمزارعة للنص الوارد فيهما والمضاربة للإجماع دون ما عدا ذلك ومنهم من خص الجواز بالمضاربة ومنهم من جوز بعض أنواع المساقاة والمزارعة ومنهم من منع الجواز فيما إذا كان بعض الأصل يرجع إلى العامل كقفيز الطحان وجوزه فيما إذا رجعت إليه الثمرة مع بقاء الأصل كالدر والنسل.

والصواب جواز ذلك كله وهو مقتضى أصول الشريعة وقواعدها.

فإنه من باب المشاركة التي يكون العامل فيها شريك المالك هذا بماله وهذا بعمله وما رزق الله فهو بينهما وهذا عند طائفة من أصحابنا أولى بالجواز من الإجارة حتى قال شيخ الإسلام: هذه المشاركات أحل من الإجارة قال لأن المستأجر يدفع ماله وقد يحصل له مقصوده وقد لا يحصل فيفوز المؤجر بالمال والمستأجر على الخطر إذ قد يكمل الزرع وقد لا يكمل بخلاف المشاركة فإن الشريكين في الفوز وعدمه على السواء إن رزق الله الفائدة كانت بينهما وإن منعها استويا في الحرمان وهذا غاية العدل فلا تأتى الشريعة بحل الإجارة وتحريم هذه المشاركات.

وقد أقر النبي ﷺ المضاربة على ما كانت عليه قبل الإسلام فضارب أصحابه في حياته وبعد موته وأجمعت عليها الأمة ودفع خيبر إلى اليهود يقومون عليها ويعمرونها من أموالهم بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع وهذا كأنه رأى عين ثم لم ينسخه ولم ينه عنه ولا امتنع منه خلفاؤه الراشدون وأصحابه بعده بل كانوا يفعلون ذلك بأراضيهم وأموالهم يدفعونها إلى من يقوم عليها بجزء مما يخرج منها وهم مشغولون بالجهاد وغيره ولم ينقل عن رجل واحد منهم المنع إلا فيما منع منه النبي ﷺ وهو ما قال الليث بن سعد: إذا نظر ذو البصر بالحلال والحرام علم انه لا يجوز ولو لم تأت هذه النصوص والآثار فلا حرام إلا ما حرمه الله ورسوله والله ورسوله لم يحرم شيئا من ذلك وكثير من الفقهاء يمنعون ذلك.

فإذا بلي الرجل بمن يحتج في التحريم بأنه هكذا في الكتاب وهكذا قالوا ولا بد له من فعل ذلك إذ لا تقوم مصلحة الأمة إلا به فله أن يحتال على ذلك بكل حيلة تؤدي إليه فإنها حيل تؤدي إلى فعل ما أباحه الله ورسوله ولم يحرمه على الأمة وقد تقدم ذكر الحيلة على جواز المساقاة والمزارعة ونظيرها في الاحتيال على المغارسة أن يؤجره الأرض يغرس فيها ما شاء من الأشجار لمدة كذا وكذا سنة بخدمتها وغرس كذا وكذا من الأشجار فيها فإن اتفقا بعد ذلك أن يجعلا لكل منها غراسا معينا مقررا جاز وإن أحب أن يكون الجميع شائعا بينهما فالحيلة أن يقر كل منهما للآخر أن جميع ما في هذه الأرض من الغراس فهو بينهما نصفين أو غير ذلك.

والحيلة في جواز المشاركة على البقر والغنم بجزء من درها ونسلها أن يستأجره للقيام عليها كذا وكذا سنة للمدة التي يتفقان عليها بنصف الماشية أو ثلثها على حسب ما يجعل له من الدر والنسل ويقر له بأن هذه الماشية بينهما نصفين أو أثلاثا فيصير درها ونسلها على حسب ملكهما فإن خاف رب الماشية أن يدعى عليه العامل بملك نصفها حيث أقر له به فالحيلة أن يبيعه ذلك النصف بثمن في ذمته ثم يسترهنه على ذلك الثمن فإن ادعى الملك بعد هذا طالبه بالثمن فإن ادعى الاعسار اقتضاه من الرهن.

والحيلة في جواز قفيز الطحان أن يملكه جزءا من الحب أو الزيتون إما ربعه أو ثلثه أو نصفه فيصير شريكه فيه ثم يطحنه أو يعصره فيكون بينهما على حسب ملكيهما فيه فإن خاف أن يملكه ذلك فيملكه عليه ولا يحدث فيه عملا فالحيلة أن يبيعه إياه بثمن في ذمته فيصير شريكه فيه فإذا عمل فيه سلم إليه حصته أو أبرأه من الثمن فإن خاف الأجير أن يطالبه بالثمن ويتسلم الجميع ولا يعطيه أجرته فالحيلة في أمنه من ذلك أن يشهد عليه أن الأصل مشترك بينهما قبل العمل فإذا أحدث فيه العمل فهو على الشركة.

وهكذا الحيلة في جميع هذا الباب وهي حيلة جائزة فإنها لا تتضمن إسقاط حق ولا تحريم حلال ولا تحليل حرام.

المثال الحادي والتسعون: إذا خرج المتسابقان في النضال معا جاز في أصح القولين والمشهور من مذهب مالك انه لا يجوز وعلى القول بجوازه فأصح القولين انه لا يحتاج إلى محلل كما هو المنقول عن الصديق وأبي عبيده بن الجراح واختيار شيخنا وغيره والمشهور من أقوال الأئمة الثلاثة انه لا يجوز إلا بمحلل على تفاصيل لهم في المحلل وحكمه وقد ذكرناها في كتابنا الكبير في الفروسية الشرعية وذكرنا فيه وفي كتاب بيان الاستدلال على بطلان اشتراط محلل السباق والنضال بيان بطلانه من أكثر من خمسين وجها وبينا ضعف الحديث الذي احتج به من اشترطه وكلام الأئمة في ضعفه وعدم الدلالة منه على تقدير صحته.

والمقصود هنا بيان وجه الحيلة على الاستغناء عنه عند من يقنع بهذا قالوا وهكذا في الكتاب فالحيلة على تخلص المتسابقين المخرجين منه أن يملكا العوضين لثالث يثقان به ويقول الثالث أيكما سبق فالعوضان له وإن جئتما معا فالعوضان بينكما فيجوز هذا العقد وهذه الحيلة ليست حيلة على جواز أمر محرم ولا تتضمن إسقاط حق ولا تدخل في مأثم فلا بأس بها والله أعلم.

المثال الثاني والتسعون: يجوز اشتراط الخيار في البيع فوق ثلاث على أصح قول العلماء وهو مذهب الإمام أحمد ومالك على تفاصيل عند مالك وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا يجوز وقد تدعو الحاجة إلى جوازه لكون المبيع لا يمكنه استعلامه في ثلاثة أيام أو لغيبة من يشاوره ويثق برأيه أو لغير ذلك والقياس المحض جوازه تأجيل الثمن فوق ثلاث والشارع لم يمنع من الزيادة على الثلاثة ولم يجعلها حدا فاصلا بين ما يجوز من المدة ومالا يجوز وإنما ذكرها في حديث حبان بن منقذ وجعلها له بمجرد البيع وإن لم يشترطه لأنه كان يغلب في البيوع فجعل له ثلاثا في كل سلعة يشتريها سواء شرط ذلك أولم يشترطه هذا ظاهر الحديث فلم يتعرض للمنع من الزيادة على الثلاثة بوجه من الوجوه فإن أراد الجواز على قول الجميع فالمخرج أن يشترط الخيار ثلاثا فإذا قارب انقضاء الأجل فسخه ثم اشترط ثلاثا وهكذا حتى تنقضي المدة التي اتفقا عليها وليست هذه الحيلة محرمة لأنها لا تدخل في باطل ولا تخرج من حق وهذا بخلاف الحيلة على إيجار الوقف مائة سنة وقد شرط الواقف أن لا يؤجر أكثر من سنة واحدة فتحيل على إيجاره أكثر منها بعقود متفرقة في ساعة واحدة كما تقدم.

المثال الثالث والتسعون: إذا أراد أن يقرض رجلا مالا ويأخذ منه رهنا فخاف أن يهلك الرهن فيسقط من دينه بقدره عند حاكم يرى ذلك فالمخرج له أن يشتري العين التي يريد ارتهانها بالمال الذي يفرضه ويشهد عليه انه لم يقبضه فإن وثق بكونه عند البائع تركه عنده فإن تلف تلف من ضمانه وان بقى تمكن من أخذه منه متى شاء وإن رد عليه المال أقاله البائع.

وأحسن من هذه الحيلة أن يستودع العين قبل القرض ثم يقرضه وهي عنده فهي في الظاهر وديعة وفي الباطن رهن فإن تلفت لم يسقط بهلاكها شئ من حقه.

فإن خاف الراهن انه إذا وفاه حقه لم يقله البيع فالمخرج له ان يشترط عليه الخيار إلى المدة التي يعلم انه يوفيه فيها على قول أبي يوسف ومحمد ومالك وأحمد.

فإن خاف المرتهن ان يستحق الرهن أو بعضه فالمخرج له ان يضمن درك الرهن غير الراهن أو يشهد على من يخشى دعواه الاستحقاق بأنه متى ادعاه كانت دعواه باطلة أو يضمنه الدرك لنفسه.

المثال الرابع والتسعون: إذا بدا الصلاح في بعض الشجرة جاز بيع جميعها وكذلك يجوز بيع ذلك النوع كله في البستان وقال شيخنا: يجوز بيع البستان كله تبعا لما بدا صلاحه سواء كان من نوعه أولم يكن تقارب إدراكه وتلاحق أم تباعد وهو مذهب الليث بن سعد وعلى هذا فلا حاجة إلى الاحتيال على الجواز.

وقالت الحنفية: إذا خرج بعض الثمرة دون بقيتها أو خرج الجميع وبعضه قد بدا صلاحه دون بعض لا يجوز البيع للجمع بين الموجود والمعدوم والمتقوم وغيره فتصير حصة الموجود المتقوم مجهولة فيفسد البيع وبعض الشيوخ كان يفتى بجوازه في الثمار والباذنجان ونحوهما جعلا المعدوم تبعا للموجود وأفتى محمد بن الحسن بجوازه في الورد لسرعة تلاحقه قال شمس الأئمة السرخسي: والأصح المنع فالحيلة في الجواز أن يشتري الأصول وهذا قد لا يتأتى غالبا قالوا فالحيلة أيضا أن يشتري الموجود الذي بدا صلاحه بجميع الثمن ويشهد عليه انه قد أباح له ما يحدث من بعد وهذه الحيلة أيضا قد تتعذر إذ قد يرجع في الإباحة وإن جعلت هبة فهبة المعدوم لا تصح وإن ساقاه على الثمرة من كل ألف جزء على جزء مثلا لم تصح المساقاه عندهم وتصح عند أبى يوسف ومحمد وإن آجره الشجرة لأخذ ثمرتها لم تصح الإجارة عندهم وعند غيرهم.

فالحيلة إذا أن يبيعه الثمرة الموجودة ويشهد عليه أن ما يحدث بعدها فهو حادث على ملك المشتري لا حق للبائع فيه ولا يذكر سبب الحدوث.

ولهم حيلة أخرى فيما إذا بدت الثمار أن يشتريها بشرط القطع أو يشتريها ويطلق ويكون القطع هو موجب العقد ثم يتفقان على التبقية إلى وقت الكمال ولا ريب أن المخرج ببيعها إذا بدا صلاح بعضها أو بإجارة الشجر أو بالمساقاة أقرب إلى النص والقياس وقواعد الشرع من ذلك كما تقدم تقريره.

المثال الخامس والتسعون إذا وكله ان يشترى له بضاعة وتلك البضاعة عند الوكيل وهي رخيصة نساوي أكثر مما اشتراها به ولا تسمح نفسه ان يبيعها بما اشتراها به فالحيلة أن يبيعها بما تساويه بيعا تاما صحيحا لأجنبي ثم إن شاء اشتراها من الأجنبي لموكله ولكن تدخل هذه الحيلة سدا للذرائع إذ قد يتخذ ذلك ذريعة إلى أن يبيعها بأكثر مما تساوي فيكون قد غش الموكل ويظهر هذا إذا اشتراها بعينها دون غيرها فيكون قد غر الموكل فإن كان الموكل لو اطلع على الحال لم يكره ذلك ولم يره غرورا فلا بأس به وإن كان لو اطلع عليه لم يرضه لم يجز والله أعلم.

المثال السادس والتسعون: إذا اشترى منه دارا وخاف احتيال البائع عليه بأن يكون قد ملكها لبعض ولده فيتركها في يده مدة ثم يدعيها عليه ويحسب سكناها بثمنها كما يفعله المخادعون الماكرون فالحيلة أن يحتال لنفسه بأنواع من الحيل منها أن يضمن من يخاف منه الدرك ومنها أن يشهد عليه أنه إن ادعى هو أو وكيله في الدار كانت دعوى باطلة وكل بينة يقيمها زور ومنها أن يضمن الدرك لرجل معروف يتمكن من مطالبته ومنها أن يجعل ثمنها أضعاف ما اشتراها به فإن استحقت رجع عليه بالثمن الذي أشهد به.

مثاله أن يتفقا على أن الثمن ألف فيشتريها بعشرة آلاف ثم يبيعه بالعشرة آلاف سلعة ثم يشتريها منه بالألف وهي الثمن فيأخذ الألف ويشهد عليه أن الثمن عشرة آلاف وأنه قبضه وبرئ منه المشتري فإن استحقت رجع عليه بالعشرة آلاف وبالجملة فمقابلة الفاسد بالفاسد والمكر بالمكر والخداع بالخداع وقد يكون حسنا بل مأمورا به وأقل درجاته أن يكون جائزا كما تقدم بيانه.

المثال السابع والتسعون: إذا اشترى العبد نفسه من سيده بمال يؤديه إليه فأدى إليه معظمه ثم جحد السيد أن يكون باعه نفسه وللسيد في يد العبد مال أذن له في التجارة به فالحيلة ان يشهد العبد في السر أن المال الذي في يده لرجل أجنبي فإن وفي له سيده بما عاقده عليه وفي له العبد وسلمه ماله وإن غدر به تمكن العبد من الغدر به وإخراج المال عن يده وهذه الحيلة لا تتأنى على أصل من يمنع مسألة الظفر ولا على قول من يجيزها فإن السيد إذا ظلمه بجحده حقه لم يكن له أن يظلمه بمنعه ماله وان يحول بينه وبينه فيقابل الظلم بالظلم ولا يرجع إليه منه فائدة ولكن فائدة هذه الحيلة أن السيد متى علم بصورة الحال وأنه متى جحده البيع حال بينه وبين ماله بالإقرار الذي يظهره منعه ذلك من جحود البيع فيكون بمنزلة رجل أمسك ولد غيره ليقتله فظفر هو بولده قبل القتل فأمسكه وأراه أنه إن قتل ولده قتل هو ولده أيضا ونظائر ذلك.

وكذلك إن كان السيد هو الذي يخاف من العبد أن لا يقر له بالمال ويقر به لغيره يتواطان عليه فالحيلة أن يبدأ السيد فيبيع العبد لأجنبي في السر ويشهد على بيعه ثم يبيع العبد من نفسه فإذا قبض المال فأظهر العبد إقرارا بأن ما في يده لأجنبي أظهر السيد أن بيعه لنفسه كان باطلا وأن فلانا الأجنبي قد اشتراه فإذا علم العبد أن عتقه يبطل ولا يحصل مقصوده امتنع من التحيل على إخراج مال السيد عنه إلى أجنبي.

ونظير هذه الحيلة إذا أراد ظالم أخذ داره بشراء أو غيره فالحيلة أن يملكها لمن يثق به ثم يشهد على ذلك وأنها خرجت عن ملكه ثم يظهر أنه وقفها على الفقراء والمساكين ولو كان في بلده حاكم يرى صحة وقف الإنسان على نفسه وصحة استثناء الغلة له وحده مدة حياته وصحة وقفه لها بعد موته فحكم له بذلك استغنى عن هذه الحيلة.

وحيل هذا الباب ثلاثة أنواع حيلة على دفع الظلم والمكر حتى لا يقع وحيلة على رفعه بعد وقوعه وحيلة على مقابلته بمثله حيث لا يمكن رفعه فالنوعان الأولان جائزان وفي الثالث تفصيل فلا يمكن القول بجوازه على الإطلاق ولا بالمنع منه على الإطلاق بل إن كان المتحيل به حراما لحق الله لم يجز مقابلته بمثله كما لو جرعه الخمر أو زنى بحرمته وإن كان حراما لكونه ظلما له في ماله وقدر على ظلمه بمثل ذلك فهي مسألة الظفر وقد توسع فيها قوم حتى أفرطوا وجوزوا قلع الباب ونقب الحائط وخرق السقف ونحو ذلك لمقابلته بأخذ نظير ماله ومنعها قوم بالكلية وقالوا لو كان عنده وديعة أوله عليه دين لم يجز له أن يستوفي منه قدر حقه إلا بإعلامه به وتوسط آخرون وقالوا إن كان سبب الحق ظاهرا كالزوجية والأبوة والبنوة وملك اليمين الموجب للإنفاق فله أن يأخذ قدر حقه من غير إعلامه وإن لم يكن ظاهرا كالقرض وثمن المبيع ونحو ذلك لم يكن له الأخذ إلا بإعلامه وهذا اعدل الأقوال في المسألة وعليه تدل السنة دلالة صريحة والقائلون به أسعد بها وبالله التوفيق.

وإن كان بهتا له وكذبا عليه أو قذفا له أو شهادة عليه بالزور لم يجز له مقابلته بمثله وإن كان دعاء عليه أولعنا أو مسبة فله مقابلته بمثله على أصح القولين وأن منعه كثير من الناس وإن كان إتلاف مال له فإن كان محترما كالعبد والحيوان لم يجز له مقابلته بمثله وإن كان غير محترم فإن خاف تعديه فيه لم يجز له مقابلته بمثله كما لو حرق داره لم يجز له أن يحرق داره وإن لم يتعد فيه بل كان يفعل به نظير ما فعل به سواء كما لو قطع شجرته أو كسر إناءه أو فتح قفصا عن طائره أو حل وكاء مائع له أو أرسل الماء على مسطاحه فذهب بما فيه ونحو ذلك وأمكنه مقابلته بمثل ما فعل سواء فهذا محل اجتهاد لم يدل على المنع منه كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس صحيح بل الأدلة المذكورة تقتضى جوازه كما تقدم بيانه في أول الكتاب وكان شيخنا رضي الله عنه يرجح هذا ويقول هو أولى بالجواز من إتلاف طرفه بطرفه والله أعلم.

المثال الثامن والتسعون: الضمان والكفالة من العقود اللازمة ولا يمكن الضامن والكفيل أن يتخلص متى شاء ولا سيما عند من يقول ان الكفالة توجب وإن المال إذا تعذر إحضار المكفول به مع بقائه كما هو مذهب الإمام أحمد ومن وافقه وطريق التخلص من وجوه أحدها أن يؤقتها بمدة فيقول ضمنته أو تكفلت به شهرا أو جمعة ونحو ذلك فيصح الثاني أن يقيدها بمكان دون مكان فيقول ضمنته أو تكفلت به ما دام في هذا البلد أوفي هذا السوق الثالث ان يعلقها على شرط فيقول ضمنت أو كفلت إن رضى فلان أو يقول ضمنت ما عليه إن كفل فلان بوجهه ونحو ذلك الرابع ان يشترط في الضمان أنه لا يطالبه حتى يتعذر مطالبة الأصيل فيجوز هذا الشرط بل هو حكم الضمان في أشهر الروايتين عن مالك فلا يطالب الضامن حتى يتعذر مطالبة الأصيل وإن لم يشترطه حتى لو شرط ان يأخذ من أيهما شاء كان الشرط باطلا عند ابن القاسم وأصبغ الخامس أن يقول كفك بوجهه على أني برئ مما عليه فلا يلزمه ما عليه إذا لم يحضره بل يلزم بإحضاره إذا تمكن منه السادس أن يطالب المضمون عنه بأداء المال إلى ربه ليبرأ هو من الضمان إذا كان قد ضمن بإذنه ويكون خصما في المطالبة وهذا مذهب مالك فإن ضمنه بغير إذنه لم يكن له عليه مطالبته بأداء المال إلى ربه فإن اداه عنه فله مطالبته به حينئذ.

المثال التاسع والتسعون إذا كان له داران فاشترى منه إحداهما على أنه إن استحقت فالدار الأخرى له بالثمن فهذا جائز إذ غايته تعليق البيع بالشرط وليس في شئ من الأدلة الشرعية ما يمنع صحته وقد نص الإمام أحمد على جوازه فيمن باع جارية وشرط على المشتري أنه إن باعها فهو أحق بها بالثمن وفعله بنفسه كما رهن نعله وشرط للمرتهن أنه إن جاءه بفكاكها إلى وقت كذا وإلا فهي له بما عليها ونص على جواز تعليق النكاح بالشرط فالبيع أولى ونص على جواز تعليق التولية بالشرط كما نص عليه صاحب الشرع نصا لا يجوز مخالفته وقد تقدم تقرير ذلك.

وكثير من الفقهاء يبطل البيع المذكور فالحيلة في جوازه عند الكل أن يشتري منه المشتري الدار الأخرى التي لا يريد شراءها ويقبضها منه ثم يشتري بها الدار التي يريد شراءها ويسلمها إليه ويتسلم داره فإن استحقت هذه الدار عليه رجع في ثمنها وهو الدار الأخرى وهذه حيلة لطيفة جائزة لا تتضمن إبطال حق ولا دخول في باطل وهي مثال لما كان من جنسها من هذا النوع مما يخالف استحقاقه ويشترط على البائع أخذ ما يقابله من حيوان أو دقيق أو غير ذلك.

المثال الموفي المائة رجل أراد أن يشتري جارية أو سلعة من رجل غريب فلم يأمن أن تستحق أو تخرج معيبة فلا يمكنه الرجوع ولا الرد فإن قال له البائع أنا أوكل من تعرفه فيما تدعى به من عيب أو رجوع لم يأمن أن يحتال عليه ويعزله فيذهب حقه فالحيلة في التوثق أن يكون الوكيل هو الذي يتولى البيع بنفسه ويضمن له صاحب السلعة الدرك ويكون وكيلا لهذا الذي تولى البيع فيمكن المشتري حينئذ مطالبة هذا الذي تولى البيع بنفسه ويأمن ما يحذره.

المثال الحادي بعد المائة: رجل قال لغيره اشتر هذه الدار أو هذه السلعة من فلان بكذا وكذا وأنا أربحك فيها كذا وكذا فخاف إن اشتراها أن يبدو للآمر فلا يريدها ولا يتمكن من الرد فالحيلة أن يشتريها على أنه بالخيار ثلاثة أيام أوأكثر ثم يقول للآمر قد اشتريتها بما ذكرت فإن أخذها منه وإلا تمكن من ردها على البائع بالخيار فإن لم يشترها الآمر إلا بالخيار فالحيلة أن يشترط له خيارا أنقص من مدة الخيار التي أشترطها هو على البائع ليتسع له زمن الرد إن ردت عليه المثال الثاني بعد المائة: إذا اشترى منه جارية أو سلعة ثم اطلع على عيب بها فخاف إن ادعى انه اشتراها بكذا وكذا ان ينكر البائع قبض الثمن ويسأل الحاكم الحكم عليه بإقراره أو ينكر البيع ويسأله تسليم الجارية إليه فالحيلة التي تخلصه أن يردها عليه أولا فيما بينه وبينه ثم يدعى عليه عند الحاكم باستحقاق ثمنها ولا يعين السبب فإن أقر فلا إشكال وإن أنكر لم يلزم المشتري الثمن فإما أن يقيم عليه بينة أو يحلفه.

المثال الثالث بعد المائة: إذا كان له عليه مال حال فأبى أن يقر له به حتى يصالحه على بعضه أو يؤجله ولا بينة له فأراد حيلة يتوسل بها إلى أخذ ماله كله حالا ويبطل الصلح والتأجيل فالحيلة له أن يواطئ رجلا يدعى عليه بالمال الذي له على فلان عند حاكم فيقر له به ويصح إقراره بالدين الذي له على الغير فإنه قد يكون المال مضاربة فيصير ديونا على الناس فلو لم يصح إقراره به له لضاع ماله وأما قول ابى عبد الله بن أحمد إن في الرعاية ولو قال ديني الذي على زيد العمرو احتمل الصحة والبطلان أظهر فهذا إنما هو فيما إذا أضاف الدين إليه ثم قال هو لعمرو فيصير ما لو قال ملكى كله لعمرو أو دارى هذه له فإن هذا لا يصح إقرارا على أحد الوجهين للتناقض ويصح هبة فأما إذا قال هذا الدين الذي على زيد لعمرو يستحقه دونى صح ذلك قولا واحدا كما لو قال هذه الدار له أو هذا الثوب له على أن الصحيح صحة الإقرار ولو أضاف الدين أو العين إلى نفسه ولا تناقض لأن الإضافة تصدق مع كونه ملكا للمقر له فإنه يصح أن يقال هذه دار فلان إذا كان ساكنها بالأجرة ويقول المضارب ديني على فلان وهذا الدين لفلان يعني أنه يستحق المطالبة به والمخاصمة فيه فالإضافة تصدق بدون هذا ثم يأتي صاحب المال إلى من هو في ذمته فيصالحه على بعضه أو يؤجله ثم يجيء المقر له فيدعى على من عليه المال بجملتة حالا فإذا أظهر كتاب الصلح والتأجيل قال المقر له هذا باطل فإنه تصرف فيما لا يملك المصالح فإن كان الغريم إنما أقر باستحقاق غريمه الدين مؤجلا أو بذلك القدر منه فقط بطلت هذه الحيلة.

ونظير هذه الحيلة حيلة إيداع الشهادة وصورتها أن يقول له الخصم لا أقر لك حتى تبرئني من نصف الدين أو ثلثه وأشهد عليك أنك لا تستحق على بعد ذلك شيئا فيأتي صاحب الحق إلى رجلين فيقول أشهدا أني على طلب حقي كله من فلان وأني لم أبرئه من شيء منه وأني أريد أن أظهر مصالحته على بعضه لأتوصل بالصلح إلى أخذ بعض حقي وأني إذا أشهدت أني لا أستحق عليه سوى ما صالحني عليه فهو إشهاد باطل وأني إنما أشهدت على ذلك توصلا إلى أخذ بعض حقي فهذه تعرف بمسألة إيداع الشهادة فإذا فعل ذلك جاز له أن يدعى بقاءه على حقه ويقيم الشهادة بذلك هذا مذهب مالك وهو مطرد على قياس مذهب أحمد وجار على أصوله فإن له التوصل إلى حقه بكل طريق جائز بل لا يقتضي المذهب غير ذلك فإن هذا مظلوم توصل إلى أخذ حقه بطريق لم يسقط بها حقا لأحد ولم يأخذ بها مالا يحل له أخذه فلا خرج بها من حق ولا دخل بها في باطل.

ونظير هذا أن يكون للمرأة على رجل حق فيجحده ويأبى أن يقر به حتى تقر له بالزوجية فطريق الحيلة ان تشهد على نفسها انها ليست امرأة فلان وأني أريد أن اقر له بالزوجية إقرارا كاذبا لا حقيقة له لأتوصل بذلك إلى أخذ مالي عنده فاشهدوا أن إقراري بالزوجية باطل أتوصل به إلى أخذ حقي.

ونظيره أيضا ان ينكر نسب أخيه ويأبى أن يقر له به حتى يشهد انه لا يستحق في تركة أبيه شيئا وانه قد أبرأه من جميع ماله في ذمته منها أوانه وهب له جميع ما يخصه منها أوانه قبضه أو اعتاض عنه أو نحو ذلك فيودع الشهادة عدلين انه باق على حقه وأنه يظهر ذلك الإقرار توصلا إلى إقرار أخيه بنسبه وانه لم يأخذ من ميراث أبيه شيئاص ولا أبرأ أخاه ولا عاوضه ولا وهبه.

وهذا يشبه إقرار المضطهد الذي قد اضطهد ودفع عن حقه حتى يسقط حقا آخر والسلف كانوا يسمون مثل هذا مضطهدا كما قال حماد بن سلمة حدثنا حميد عن الحسن أن رجلا تزوج امرأة وأراد سفرا فأخذه أهلها فجعلها طالقا إن لم يبعث بنفقتها إلى شهر فجاء الاجل ولم يبعث اليها بشئ فلما قدم خاصموه إلى أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه فقال: اضطهدتموه حتى جعلها طالقا فردها عليه.

ومعلوم أنه لم يكن هناك إكراه بضرب ولا أخذ مال وإنما طالبوه بما يجب عليه من نفقتها وذلك ليس بإكراه ولكن لما تعنتوه باليمين جعله مضطهدا لأنه عقد اليمين ليتوصل إلى قصده من السفر فلم يكن حلفه عن اختيار بل هو كالمحمول عليه.

والفرق بينه وبين المكره ان المكره قاصد لدفع الضرر باحتمال ما أكره عليه وهذا قاصد للوصول إلى حقه بالتزام ما طلب منه وكلاهما غير راض ولا مؤثرا لما التزمه وليس له وطر فيه.

فتأمل هذا ونزله على قواعد الشرع ومقاصده وهذا ظاهر جدا في أن أمير المؤمنين على بن أبي طالب كرم الله وجهه لم يكن يرى الحلف بالطلاق موقعا للطلاق إذا حنث به وهو قول شريح وطاوس وعكرمة وأهل الظاهر وأبي عبد الرحمن الشافعي وهو أجل أصحابه على الإطلاق قال بعض الحفاظ ولا يعلم لعلى مخالف من الصحابه وسيأتي الكلام في المسألة إن شاء الله إذ القصود أن من أقر أو حلف أو وهب أو صالح لا عن رضا منه ولكن منع حقه إلا بذلك فهو بالمكره أشبه منه بالمختار ومثل هذا لا يلزمه ما عقده من هذه العقود.

ومن له قدم راسخ في الشريعة ومعرفة بمصادرها ومواردها وكان الإنصاف أحب إليه من التعصب والهوى والعلم والحجة آثر عنده من التقليد لم يكد يخفى عليه وجه الصواب والله الموفق.

وهذه المسألة من نفائس هذا الكتاب والجاهل الظالم لا يرى الإحسان إلا إساءة ولا الهدى إلا الضلالة.

فقيل:

للعيون الرمد للشمس أعين ** سواك تراها في مغيب ومطالع.

وسامح نفوسا بالقشور قد ارتضت ** وليس لها للب من متطلع.

المثال الرابع بعد المائة: اختلف الفقهاء هل يملك البائع حبس السلعة على ثمنها وهل يملك المستأجر حبس العين بعد العمل على الأجرة على ثلاثة أقوال.

أحدها يملكه في الموضعين وهو قول مالك وأبي حنيفة وهو المختار والثاني لا يملكه في الموضعين وهو المشهور من مذهب أحمد عند أصحابه والثالث يملك حبس العين المستأجرة على عملها ولا يملك حبس المبيع على ثمنه والفرق بينهما أن العمل يجري مجرى الأعيان ولهذا يقابل بالعوض فصار كأنه شريك لمالك العين بعمله فأثر عمله قائم بالعين فلا يجب عليه تسليمه قبل أن يأخذ عوضه بخلاف المبيع فإنه قد دخل في ملك المشتري وصار الثمن في ذمته ولم يبق للبائع تعلق بالعين ومن سوى بينهما قال الأجرة قد صارت في الذمة ولم يشترط رهن العين عليها فلا يملك حبسها.

وعلى هذا فالحيلة في الحبس في الموضعين حتى يصل إلى حقه أن يشترط عليه رهن العين المستأجرة على أجرتها فيقول رهنتك هذا الثوب على أجرته وهي كذا وكذا وهكذا في المبيع يشترط على المشتري رهنه على ثمنه حتى يسلمه إليه ولا محذور في ذلك أصلا ولا معنى ولا مأخذ قوى يمنع صحة هذا الشرط والرهن وقد اتفقوا انه لو شرط عليه رهن عين أخرى على الثمن جاز فما الذي يمنع جواز رهن المبيع على ثمنه ولا فرق بين أن يقبضه أولا يقبضه على أصح القولين وقد نص الإمام أحمد على جواز اشتراط رهن المبيع على ثمنه وهو الصواب ومقتضى قواعد الشرع وأصوله وقال القاضي وأصحابه لا يصح وعلله ابن عقيل بأن المشتري رهن ما لا يملك فلم يصح كما لو شرط أن يرهنه عبدا لغيره يشتريه ويرهنه وهذا تعليل باطل فإنه إنما حصل الرهن بعد ملكه واشتراطه قبل الملك لا يكون بمنزلة رهن الملك.

والفرق بين هذه المسألة وبين اشتراط رهن عبد زيد أن اشتراط رهن عبد زيد غرر قد يمكن وقد لا يمكن بخلاف اشتراط رهن المبيع على ثمنه فإنه إن تم العقد صار المبيع رهنا وإن لم يتم تبينا أنه لا ثمن يحبس عليه الرهن فلا غرر ألبتة فالمنصوص أفقه وأصح وهذا على أصل من يقول للبائع حبس المبيع على ثمنه ألزم وهو مذهب مالك وأبي حنيفة واحد قولي الشافعي وبعض أصحاب الإمام أحمد وهو الصحيح وإن كان خلاف منصوص أحمد لأن عقد البيع يقتضى استواءهما في التسلم والتسليم ففي إجبار البائع على التسليم قبل حضور الثمن وتمكينه من قبضة إضرار به فإذا كان ملك حبسه على ثمنه من غير شرط فلأن يملكه مع الشرط أولى وأحرى فقول القاضي وأصحابه مخالف لنص أحمد والقياس فإن شرط أن يقبض المشترى المبيع ثم يرهنه على ثمنه عند بائعه فأولى بالصحة.

وقال ابن عقيل في الفصول: والرهن أيضا باطل لأنهما شرطا رهنه قبل ملكه وقد عرفت ما فيه وعلله أيضا بتعليل آخر فقال إطلاق البيع يقتضي تسليم الثمن من غير المبيع والرهن يقتضي استيفاء من عينه إن كان عينا أو ثمنه إن كان عرضا فيتضادا وهذا التعليل أقوى من الأول وهو الذي أوجب له القول ببطلان الرهن قبل القبض وبعده فيقال المحذور من التضاد إنما هو التدافع بحيث يدفع كل من المتضادين المتنافيين الآخر فأما إذا لم يدفع أحدهما الآخر فلا محذور والبائع إنما يستحق ثمن المبيع وللمشتري أن يؤدي إياه من عين المبيع ومن غيره فإن له أن يبيعه ويقبضه ثمنه منه وغاية عقد الرهن أن يوجب ذلك فأي تدافع وأي تناف هنا.

وأما قوله إطلاق العقد يقتضى التسليم للثمن من غير المبيع فيقال بل إطلاقه يقتضى تسليم الثمن من أي جهة شاء المشتري حتى لو باعه قفيز حنطه بقفيز حنطه وسلمه إليه ملك أن يوفيه إياه ثمنا كما استوفاه مبيعا كما لو أقترض منه ذلك ثم وفاه إياه بعينه.

ثم قال ابن عقيل وقد قال الإمام أحمد في رواية بكر بن محمد عن أبيه إذا حبس السلعة ببقية الثمن فهو غاصب ولا يكون رهنا إلا أن يكون شرط عليه في نفس البيع الرهن فظاهر هذا أنه إن شرط كون المبيع رهنا في حال العقد صح قال وليس هذا الكلام على ظاهره ومعناه إلا أن يشترط عليه في نفس البيع رهنا غير المبيع.

لأن اشتراط رهن البيع اشتراط تعويق التسليم في المبيع قلت ولا يخفى منافاة ما قاله لظاهر كلام الإمام أحمد فإن كلام أحمد المستثنى والمستثنى منه في صورة حبس المبيع على ثمنه فقال هو غاصب إلا أن يكون شرط عليه في نفس البيع الرهن أي فلا يكون غاصبا بحبس السلعة بمقتضى شرطه ولو كان المراد ما حمله عليه لكان معنى الكلام إذا حبس السلعة ببقية الثمن فهو غاصب إلا أن يكون قد شرط له رهنا آخر غير المبيع يسلمه إليه وهذا كلام لا يرتبط أوله بآخره ولا يتعلق به فضلا عن أن يدخل في الأول ثم يستثنى منه ولهذا جعله أبو البركات ابن تيمية نصا في صحة هذا الشرط ثم قال وقال القاضي لا يصح.

وأما قوله إن اشتراط رهن المبيع تعويق للتسليم في المبيع فيقال واشتراط التعويق إذا كان لمصلحة البائع وله فيه غرض صحيح وقد قدم عليه المشترى فإي محذور فيه ثم هذا يبطل باشتراط الخيار فإن فيه تعويقا للمشتري عن التصرف في المبيع وباشتراط تأجيل الثمن فإن فيه تعويقا للبائع عن تسلمه أيضا ويبطل على أصل الإمام أحمد وأصحابه باشتراط البائع انتفاعه بالمبيع مدة يستثنيها فإن فيه تعويقا للتسليم ويبطل أيضا ببيع العين المؤجرة.

فإن قيل: إذا اشترط أن يكون رهنا قبل قبضه تدافع موجب البيع والرهن فإن موجب الرهن أن يكون تلفه من ضمان مالكه لأنه أمانة في يد المرتهن وموجب البيع أن يكون تلفه قبل التمكين من قبضه من ضمان البائع فإذا تلف هذا الرهن قبل التمكن من قبضه فمن ضمان أيهما يكون.

قيل: هذا السؤال أقوى من السؤالين المتقدمين والتدافع فيه أظهر من التدافع في التعليل الثاني وجواب هذا السؤال أن الضمان قبل التمكن من القبض كان على البائع كما كان ولا يزيل هذا الضمان إلا تمكن المشتري من القبض فإذا لم يتمكن من قبضه فهو مضمون على البائع كما كان وحبسه إياه على ثمنه لا يدخله في ضمان المشتري ويجعله مقبوضا له كما لو حبسه بغير شرط.

فإن قيل: فأحمد رحمه الله تعالى قد قال: إنه إذا حبسه على ثمنه كان غاصبا إلا أن يشترط عليه الرهن وهذا يدل على أنه قد فرق في ضمانه بين أن يحبسه بشرط أو يحبسه بغير شرط وعندكم هو مضمون عليه في الحالين وهو خلاف النص.

فالجواب أن الإمام أحمد رحمه الله تعالى إنما جعله غاصبا بالحبس والغاصب عنده يضمن العين بقيمتها أو مثلها ثم يستوفى الثمن أو بقيته من المشترى وأما إذا تلف قبل قبضه فهو من ضمان البائع بمعنى انه ينفسخ العقد فيه ولا يملك مطالبة المشتري بالثمن وإن كان قد قبضه منه أعاده إليه فهذا الضمان شئ وضمان الغاصب شئ آخر.

فإن قيل فكيف يكون رهنا وضمانه على المرتهن.

قيل لم يضمنه المرتهن من حيث هو رهن وإنما ضمنه من حيث كونه مبيعا لم يتمكن مشتريه من قبضه فحق توفيته بعد على بائعه.

فإن قيل فما تقولون لو حبس البائع السلعة لاستيفاء حقه منها وهذا يكون في صور إحداها أن يبيعه دارا له فيها متاع لا يمكن نقله في وقت واحد والثانية أن يستثني البائع الانتفاع بالمبيع مدة معلومة على أصلكم أو نحو ذلك فإذا تلفت في يد البائع قبل تمكن المشتري من القبض في هاتين الصورتين هل تكون من ضمانه أو من ضمان البائع الثالثة أن يشترط الخيار ويمنعه من تسليم المبيع قبل انقضاء الخيار.

قيل الضمان في هذا كله على البائع لأنه لم يدخل تحت يد المشتري ولم يتمكن من قبضه فلا يكون مضمونا عليه.

فإن قيل فهل يكون من ضمانه بالثمن أو بالقيمة؟

قيل بل يكون مضمونا عليه بالثمن بمعنى أن العقد ينفسخ بتلفه فلا يلزم المشتري تسليم الثمن.

المثال الخامس بعد المائة إقرار المريض لوارثة بدين باطل عند الجمهور للتهمة فلو كان له عليه دين ويريد أن تبرأ ذمته منه قبل الموت وقد علم أن إقراره له باطل فكيف الحيلة في براءة ذمته ووصول صاحب الدين إلى ماله فههنا وجوه أحدها أن يأخذ إقرار باقي الورثة بأن هذا الدين على الميت فإن الإقرار إنما بطل لحقهم فإذا أقروا به لزمهم فإن لم تتم له هذه الحيلة فله وجه ثان وهو أن يأتي برجل أجنبي يثق به يقر له بالمال فيدفعه الأجنبي إلى ربه فإن لم تتم له هذه الحيلة فله وجه ثالث وهو أن يشتري منه سلعة بقدر دينه ويقر المريض بقبض الثمن منه أو يقبض منه الثمن بمحضر الشهود ثم يدفعه إليه سرا فإن لم تتم له هذه الحيلة فليجعل الثمن وديعة عنده فيكون أمانة فيقبل قوله في تلفه ويتأول أو يدعى رده إليه والقول قوله وله وجه آخر وهو أن يحضر الوارث شيئا ثم يبيعه من موروثه بحضرة الشهود ويسلمه إليه فيقبضه ويصير ماله ثم يهبه الموروث لأجبني ويقبضه منه ثم يهبه الأجنبي للوارث فإذا فعلت هذه الحيلة ليصل المريض إلى براءة ذمته والوارث إلى أخذ دينه جاز ذلك وإلا فلا.

المثال السادس: بعد المائة إذا أحاله بدينه على رجل فخاف أن يتوى ماله على المحال عليه فلا يتمكن من الرجوع على المحيل لأن الحوالة تحول الحق وتنقله فله ثلاث حيل.

إحداها أن يقول أنا لا أحتال ولكن أكون وكيلا لك في قبضه فإذا قبضه فإن استنفقه ثبت له ذلك في ذمة الوكيل وله في ذمة الموكل نظيره فيتقاصان فإن خاف الموكل أن يدعى الوكيل ضياع المال من غير تفريط فيعود يطالبه بحقه فالحيلة له أن يأخذه إقراره بأنه متى ثبت قبضه منه فلا شئ له على الموكل وما يدعى عليه بسبب هذا الحق أو من جهته فدعواه باطلة وليس هذا إبراء معلقا بشرط حتى يتوصل إلى إبطاله بل هو إقرار بأنه لا يستحق عليه شيئا في هذه الحالة.

الحيلة الثانية أن يشترط عليه أنه إن توى المال رجع عليه ويصح هذا الشرط على قياس المذهب فإن المحتال إنما قبل الحوالة على هذا الشرط فلا يجوز أن يلزم بها بدون الشرط كما لو قبل عقد البيع بشرط الرهن أو الضمين أو التأجيل أو الخيار أو قبل عقد الإجارة بشرط الضمين للأجرة أو تأجيلها أو قبل عقد النكاح بشرط تأجيل الصداق أو قبل عقد الضمان بشرط تأجيل الدين الحال على المضمون عنه أو قبل عقد الكفالة بشرط أن لا يلزمه من المال الذي عليه شئ أو قبل عقد الحوالة بشرط ملاءة المحال عليه وكونه غير محجور ولا مماطل وأضعاف أضعاف وأضعاف ذلك من الشروط التي لا تحل حراما ولا تحرم حلالا فإنها جائز اشتراطها لازم الوفاء بها كما تقدم تقريره نصا وقياسا وقد صرح أصحاب أبي حنيفة بصحة هذا الشرط في الحوالة فقالوا واللفظ للخصاف يجوز أن يحتال الطالب بالمال على غريم المطلوب على أن هذا الغريم إن لم يوف الطالب هذا المال إلى كذا وكذا فالمطلوب ضامن لهذا المال على حاله وللطالب أخذه بذلك وتقع الحوالة على هذا الشرط فإن وفاه الغريم إلى الأجل الذي يشترطه وإلا رجع إلى المطلوب وأخذه بالمال ثم حكى عن شيخه قال قلت وهذا جائز قال نعم.

الحيلة الثالثة أن يقول طالب الحق للمحال عليه اضمن لي هذا الدين الذي على غريمي ويرضى منه بذلك بدل الحوالة فإذا ضمنه تمكن من مطالبة أيهما شاه وهذه من أحسن الحيل وألطفها.

المثال السابع بعد المائة إذا كان له عليه دين حال فاتفقا على تأجيله وخاف من عليه الدين أن لا يفي له بالتأجيل فالحيلة في لزومه أن يفسخ العقد الذي هو سبب الدين الحال ثم يعقده عليه مؤجلا فإن كان عن ضمان أو كان بدل متلف أو عن دية وقد حلت أو نحو ذلك فالحيلة في لزوم التأجيل أن يبيعه سلعة بمقدار هذا الدين ويؤجل عليه ثمنها ثم يبيعه المدين تلك السلعة بالدين الذي أجله عليه أولا فيبرأ منه ويثبت في ذمته نظيره مؤجلا فإن خاف صاحب الحق أن لا يفي له من عليه بأدائه عند كل نجم كما أجله فالحيلة أن يشترط عليه أنه إن حل نجم ولم يؤده قسطه فجميع المال عليه حال فإذا نجمه على هذا الشرط جاز وتمكن من مطالبته به حالا ومنجما عند من يرى لزوم تأجيل الحال ومن لا يراه أما من لا يراه فظاهر وأما من يراه فإنه يجوز تأجيله لهذا الشرط كما صرح به أصحاب أبي حنيفة والله أعلم.

المثال الثامن بعد المائة: إذا أراد المريض الذي لا وارث له أن يوصى بجميع أمواله في أبواب البر فهل له ذلك على قولين أصحهما أنه يملك ذلك لأنه إنما منعه الشارع فيما زاد على الثلث وكان له ورثة فمن لا وارث له لا يعترض عليه فيما صنع في ماله فإن خاف أن يبطل ذلك حاكم لا يراه فالحيلة له أن يقر لإنسان يثق بدينه وأمانته بدين يحيط بماله كله ثم يوصيه إذا أخذ ذلك المال أن يضعه في الجهات التي يريد فإن خاف المقر له أن يلزم بيمين باستحقاقه لما أقر له به المريض اشترى منه المريض عرضا من العروض بماله كله ويسلم العرض فإذا حلف المقر له حلف بارا فإن خاف المريض أن يصح فيأخذه البائع بثمن العرض فالحيلة أن يشتريه بشرط الخيار سنة فإن مات بطل الخيار وإن عاش فسخ العقد فإن كان المال أرضا أو عقارا أو أراد أن يوقفه جميعه على قوم يستغلونه ولا يمكن إبطاله فالحيلة أن يقر أن واقفا وقف ذلك جميعه عليه ومن بعده على الجهات التي يعينها ويشهد على إقراره بأن هذا العقار في يده على جهة الوقف من واقف كان ذلك العقار ملكا له إلى حين الوقف أو يقر بأن واقفا معينا وقفة على تلك الجهات وجعله ناظرا عليه فهو في يده على هذا الوجه.

وكذلك الحيلة إذا كان له بنت أو أم أو وارث بالفرض لا يستغرق ماله ولا عصبة له ويريد أن لا يتعرض له السلطان فله أنواع من المخارج منها أن يبيع الوارث تلك الأعيان ويقر بقبض الثمن منه وإن أمكنه أن يشهد على قبضة بأن يحضر الوارث مالا يقبضه إياه ثم يعيده إليه سرا فهو أولى ومنها أن يشتري المريض من الوارث سلعة بمقدار التركة من الثمن ويشهد على الشراء ثم يعيد إليه تلك السلعة ويرهنه المال كله على الثمن فإذا أراد السلطان مشاركته قال وفوني حقي وخذوا ما فضل ومنها أن يبيع ذلك لأجنبي يثق به ويقر بقبض الثمن منه أو يقبضه بحضرة الشهود ثم يأذن للأجنبي في تمليكه للوارث أو وقفه عليه ومنها أن يقر لأجنبي يثق به بما يريد ثم يأمره بدفع ذلك إلى الوارث.

ولكن في هذه الحيل وأمثالها أمران مخوفان أحدهما أنه قد يصح فيحال بينه وبين ماله والثاني أن الأجنبي قد يدعى ذلك لنفسه ولا يسلمه إلى الوارث فلا خلاص من ذلك إلا بوجه واحد وهو أن يأخذ إقرار الأجنبي ويشهد عليه في مكتوب ثان أنه متى ادعى لنفسه أولمن يخاف أن يواطئه على المريض أو وارثه هذا المال أو شيئا منه أو حقا من حقوقه كانت دعواه باطلة وإن أقام به بينه فهى بينه زور وأنه لا حق له قبل فلان بن فلان ولا وارثه بوجه ما ويمسك الكتاب عنده فيأمن هو والوارث ادعاء ذلك لنفسه والله أعلم.

المثال التاسع بعد المائة: رجل يكون له الدين ويكون عليه الدين فيوكل وكيلا في اقتضاء ديونه ثم يتوارى عن غريمه فلا يمكنه اقتضاء دينه منه فأراد الغريم ممن له الدين على هذا الرجل حيلة يقتضى بها دينه منه ولا يضره توارى من عليه الدين فالحيلة أن يأتي هذا الذي له الدين إلى من عليه الدين فيقول له وكلتك بقبض مالي على فلان وبالخصومة فيه ووكلتك أن تجعل ماله عليك قصاصا بمالي عليه وأجزت أمرك في ذلك وما عملت فيه من شيء فيقبل الوكيل ويشهد على الوكالة على هذا الوجه شهودا ثم يشهدهم الوكيل انه قد جعل الألف درهم التي لفلان عليه قصاصا بالآلف التي لموكله على فلان فيصير الألف قصاصا ويتحول ما كان للرجل المتوارى على هذا الوكيل للرجل الذي وكله.

وهذه الحيلة جائزة لأن الموكل أقام الوكيل مقام نفسه والوكيل يقول مطالبتي لك بهذا الدين كمطالبة موكلي به فأنا أطالبك بألف وأنت تطالبني به فاجعل الألف الذي تطالبني عوضا عن الألف الذي أطالبك به ولو كانت الألف لي لحصلت المقاصة إذ لا معنى لقبضك للألف مني ثم أدائها إلي وهذا بعينه فيما إذا طالبتك بها لموكلي أنا أستحق عليك أن تدفع إلى الألف وأنت تستحق على أن ادفع إليك ألفا فنتقاص في الألفين.

المثال العاشر بعد المائة: رجل له على رجل مال فغاب الذي عليه المال فأراد الرجل أن يثبت ماله عليه حتى يحكم له الحاكم عليه وهو غائب فليرفعه إلى حاكم يرى الحكم على الغائب فإن كان حاكم البلد لا يرى الحكم على الغائب فالحيلة أن يجئ رجل فيضمن لهذا الذي له المال جميع ماله على الرجل الغائب ويسميه وينسبه ولا يذكر مبلغ المال بل يقول ضمنت له جميع ما صح له في ذمته ويشهد على ذلك ثم يقدمه إلى القاضي فيقر الضامن بالضمان ويقول لا أعرف له على فلان شيئا فيسأل القاضي المضمون له هل لك بينة فيقول نعم فيأمره بإقامتها فإذا شهدت ثبت الحق على الغائب وحكم على الضمين بالمال ويجعله خصما عن الغائب لأنه قد ضمن ما عليه ولا ينفذ حكمه على الضامن بثبوت المال على وجه الضمان حتى يحكم على الغائب المضمون عنه بالثبوت لأنه هو الأصل والضامن فرعه وثبوت الفرع بدون أصله ممتنع وهو جائز على أصل أهل العراق حيث يجوزون الحكم على الغائب إذا اتصل القضاء بحاضر محكوم عليه كوكيل الغائب وكما لو ادعى انه اشترى من غائب ما فيه شفعة فإنه يقضى عليه بالبيع وبالشفعة على المدعى وكهذه المسألة ما لو ادعت زوجة غائب أن له عند فلان وديعة فإنه يفرض لها مما في يديه.

المثال الحادي عشر بعد المائة: ليس للمرتهن أن ينتفع بالرهن إلا بإذن الراهن فإن أذن له كان إباحة أو عارية له الرجوع فيها متى شاء ويقضى له بالأجرة من حين الرجوع في أحد الوجهين فالحيلة في انتفاع المرتهن بالرهن آمنا من الرجوع ومن الأجرة أن يستأجره منه للمدة التي يريد الانتفاع به فيها ثم يبرئه من الأجرة أو يقر بقبضها ويجوز أن يرد عقد الإجارة على عقد الرهن ولا يبطله كما يجوز أن يرهنه ما أستأجره فيرد كل من العقدين على الآخر وهو في يده أمانة في الموضعين وحقه متعلق به فيهما إلا أن الانتفاع بالمرهون مع الإجارة والرهن بحاله.

المثال الثاني عشر بعد المائة: إذا كان له على رجل مال والمال رهن فادعى صاحب الرهن به عند الحاكم فخاف المرتهن أن يقر بالرهن فيقول الراهن قد أقررت بأن لي رهنا في يدك وادعيت الدين فينزعه من يده ولا يقر له بالدين فقد ذكروا له حيلة تحرز حقه وهي أن لا يقر به حتى يقر له صاحبه بالدين فإن ادعاه وسأل إحلافه أنكر وحلف وعرض في يمينه بأن ينوى أن هذا ليس له قبل ملكه أو إذا باعه أوليس له عاريا عن تعلق الحق به ونحو ذلك.

وأحسن من هذه الحيلة أن يفصل في جواب الدعوى فيقول إن ادعيته رهنا في يدي على ألف لي عليك فأنا مقر به وإن ادعيته على غير هذا الوجه فلا أقر لك وينفعه هذا الجواب كما قالوا فيما إذا ادعى عله ألفا فقال إن ادعيتها من ثمن مبيع لم اقبضه منك فأنا مقر وإلا فلا وهذا مثله سواء فإن كان الغريم هو المدعى للمال فخاف الراهن أن يقر بالمال فيجحد المرتهن الرهن فيلزم الراهن المال ويذهب رهنه فالحيلة في أمنه من ذلك أن يقول إن أدعيت هذا المال وأنك تستحقه من غير رهن لي عندك فلا أقر به وإن ادعيته مع كوني رهنتك به كذا وكذا فأنا مقر به ولا يزيد على هذا وقالت الحنفية الحيلة أن يقر منه بدرهم فيقول لك على درهم ولى عندك رهن كذا وكذا فإذا سأل الحاكم المدعى عن الرهن فإما أن يقر به وإما أن ينكر فإن اقر به فيقر له خصمه بباقي دينه وإن أنكره وحلف عليه وسع الآخر أن يجحد باقي الدين ويحلف عليه إن كان الرهن بقدر الدين أو أكثر منه وإن كان أقل منه لزمه أن يعطيه ما زاد على قيمة الرهن من حقه قالوا لأن الرهن إن كان قد تلف بغير تفريطه سقط ما يقابله من الدين وإن كان قد فرط فيه صارت قيمته دينا عليه فيكون قصاصا بالدين الذي له.

وهذا بناء على أصلين لهم أحدهما أن الرهن مضمون على المرتهن بأقل الآمرين من قيمته أو قدر الدين والثاني جواز الاستيفاء في مسألة الظفر.

المثال الثالث عشر بعد المائة: إذا قال لامرأته إن لم اطألك الليلة فأنت طالق ثلاثا فقالت إن وطئني الليلة فأمتي حرة فالمخلص من ذلك أن تبيعه الجارية فإذا وطئها بعد ذلك لم تعتق لأنها خرجت من ملكها ثم تستردها فإن خافت أن يطأ الجارية على قول من لا يرى على الرجل استبراء الأمة التي يشتريها من امرأته كما ذهب إليه بعض الشافعية والمالكية فالحيلة أن تشتريها منه عقيب الوطء فإن أن لا يرد إليها الجارية ويقيم على ملكها فلا تصل اليها فالحيلة لها ان تشترط عليه أنه إن لم يرد الجارية إليها عقيب الوطء فهي حرة فإن خافت ان يملكها لغيره تلجئة فلا يصح تعليق عنقها فالحيلة لها أن تشترط عليه انه أن لم يردها اليها عقيب الوطء فهي طالق فهنا تضيق عليه الحيلة في استدامة ملكها ولم يجد بدا من مفارقة إحداهما.

المثال الرابع عشر بعد المائة: إذا أراد الرجل ان يخالع امراته الحامل على سكناها ونفقتها جاز ذلك وبريء منهما هذا منصوص أحمد وقال الشافعي لا يصح الخلع ويجب مهر المثل واحتج له بأن النفقة لم تجب بعد فإنها انما تجب بعد الابانة وقد خالعها بمعدوم فلا يصح كما لو خالعها على عوض شيء يتلفه عليها وهذا اختيار أبي بكر عبد العزيز وقال أصحاب أبي حنيفة إذا خالعها على أن سكنى لها ولا نفقة فلا نفقة لها وتستحق عليه اسكنى قالوا لأن النفقة حق لها وقد أسقطته والسكنى حق الشارع فلا تسقط بإسقاطها فيلزمه إسكانها قالوا فالحيلة على سقوط الأجرة عنه ان يشترط الزوج في الخلع أن لا يكون عليه مؤنة السكنى وان مؤنتها تلزم المرأة في مالها وتجب أجرة المسكن عليها.

فإن قيل لو أبرأت المرأة زوجها عن النفقة قبل أن تصير دينا في ذمته لم تصح ولو شرط في عقد الخلع براءة الزوج عن النفقة صح.

قيل الفرق بينهما أن الإبراء إذا شرط في الخلع كان إبراء بعوض فالإبراء بعوض استيفاء لما وقعت البراءة عنه لأن العوض قائم مقام ما وقعت البراءة عنه والاستيفاء يجوز قبل الوجوب بدليل ما لو تسلفت نفقة شهر جملة وأما الإبراء من النفقة في غير خلع قبل ثبوتها فهو إسقاط لما لم يجب فلا يسقط كما لو أسقطت حقها من القسم فإن لها أن ترجع فيه متى شاءت وأما قول صاحب المحرر وقيل إن أوجينا نفقة الزوجة بالعقد صح وإلا فهو خلع بمعدوم وقد بينا حكمه يعنى إن قلنا إن نفقة الحامل نفقة زوجة وإن النفقة لها من أجل الحمل وإنها تجب بالعقد فيكون خلعا بشيء ثابت وإن قلنا إنه النفقة إنما تجب بالتمكين فقد زال التمكين بالخلع وصارت النفقة نفقة قريب فالخلع بنفقة الزوجة حينئذ خلع بمعدوم هذا أقرب ما يتوجه به كلامه وفيه ما فيه والله أعلم.

المثال الخامس عشر بعد المائة إذا وقع الطلاق الثلاث بالمرأة وكان دينها ودين وليها وزوجها المطلق أعز عليهم من التعرض للعنة الله ومقته بالتحيل الذي لا يحلها ولا يطيبها بل يزيدها خبثا فلو انها أخرجت من مالها ثمن مملوك فوهبته لبعض من تثق به فاشترى به مملوكا ثم خطبها على مملوكه فزوجها منه فدخل بها المملوك ثم وهبها إياه انفسح النكاح ولم يكن هناك تحليل مشروط ولا منوى ممن تؤثر نيته وشرطه وهو الزوج فإنه لا أثر لنية الزوجة ولا الولى وإنما التأثير لنية الزوج الثاني فإنه إذا نوى التحليل كان محللا فيستحق اللعنة ثم يستحقها الزوج المطلق إذا رجعت إليه بهذا النكاح الباطل فأما إذا لم يعلم الزوج الثاني ولا الأول بما في قلب المرأة أو وليها من نية التحليل لم يضر ذلك العقد شيئا وقد علم النبي ﷺ من امرأة رفاعة أنها كانت تريد أن ترجع إليه ولم يجعل ذلك مانعا من رجوعها إليه وإنما جعل المانع عدم وطء الثاني فقال: "حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك" وقد صرح أصحابنا بان ذلك يحلها فقال صاحب المغنى فيه فإن تزوجها مملوك ووطئها أحلها وبذلك قال عطاء ومالك والشافعي وأصحاب الرأي ولا نعلم لهم مخالفا.

قلت هذه الصورة غير الصورة التي منع منها الإمام أحمد فإنه منع من حلها إذا كان الزوج المطلق قد اشترى العبد وزوجه بها بإذن وليها ليحلها فهذه حيلة لا تجوز عنده وأما هذه المسألة فليس للزوج الأول ولا للثاني فيها نية ومع هذا فيكره لأنها نوع حيلة.

المثال السادس عشر بعد المائة قال عبد الله بن أحمد في مسائله: "سألت أبي عن رجل قال لامرأته أنت طالق إن لم أجامعك اليوم وأنت طالق إن اغتسلت منك اليوم فقال: يصلى العصر ثم يجامعها فإذا غابت الشمس اغتسل إن لم يكن أراد بقوله اغتسلت المجامعة" ونظير هذا أيضا ما نص عليه في رجل قال لامرأته أنت طالق إن لم أطاك في رمضان فسافر مسيرة أربعة أيام أوثلاثة ثم وطئها فقال لا يعجبني لأنها حيلة ولا يعجبني الحيلة في هذا ولا في غيره وقال القاضي إنما كره الإمام أحمد هذا لأن السفر الذي يبيح الفطر لا بد أن يكون سفرأ مقصودا مباحا وهذا لا يقصد به غير حل اليمين قال الشيخ أبو محمد المقدسي والصحيح أن هذا تنحل به اليمين ويباح له الفطر فيه لأنه سفر بعيد مباح لقصد صحيح وإرادة حل يمينه من المقاصد الصحيحة وقد أبحنا لمن له طريقان قصيرة لا يقصر فيها وبعيدة أن يسلك البعيدة ليقصر فيها الصلاة ويفطر مع أنه لا قصد له سوى الترخص فههنا أولى.

قلت: ويؤيد اختيار الشيخ قدس الله روحه ما رواه الخطيب في كتاب الفقيه والمتفقه أنبأ الأزهري أنبأ سهيل بن أحمد ثنا محمد بن محمد الأشعث الكوفي حدثني موسى بن إسماعيل بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي ابن أبي طالب صلوات الله عليهم ثنا أبي عن أبيه عن جده جعفر بن محمد عن أبيه على عليه السلام: في رجل حلف فقال: امرأته طالق ثلاثا إن لم يطأها في شهر رمضان نهارا قال: "يسافر ثم يجامعها نهارا".

المثال السابع عشر بعد المائة: في المخارج من الوقوع في التحليل الذي لعن رسول الله ﷺ من غير وجه فاعله والمطلق المحلل له فأي قول من أقوال المسلمين خرج به من لعنة رسول الله ﷺ كان أعذر عند الله ورسوله وملائكته وعباده المؤمنين من ارتكابه لما يلعن عليه ومباءته باللعنة فإن هذه المخارج التي نذكرها دائرة بين ما دل عليه الكتاب والسنة أو أحدهما أو أفتى به الصحابة بحيث لا يعرف عنهم فيه خلاف أو أفتى به بعضهم أو هو خارج عن أقوالهم أو هو قول جمهور الأمة أو بعضهم أو إمام من الأئمة الأربعة أو أتباعهم أو غيرهم من علماء الإسلام ولا تخرج هذه القاعدة التي نذكرها عن ذلك فلا يكاد يوصل إلى التحليل بعد مجاوزة جميعها إلا في أندر النادر ولا ريب أن من نصح لله ورسوله وكتابه ودينه ونصح نفسه ونصح عباده أن أيا منها ارتكب فهو أولى من التحليل.

طلاق زائل العقل

المخرج الأول أن يكون المطلق أو الحالف زائل العقل إما بجنون أوإغماء أو شرب دواء أو شرب مسكر يعذر به أولا يعذر أو وسوسة وهذا المخلص مجمع عليه بين الأمة إلا في شرب مسكر لا يعذر به فإن المتأخرين من الفقهاء اختلفوا فيه والثابت عن الصحابه الذي لا يعلم فيه خلاف بينهم أنه لا يقع طلاقه.

قال البخاري في صحيحه باب الطلاق في الإغلاق والمكرة والسكران والمجنون وأمرهما والغلط والنسيان في الطلاق والشك لقول النبي ﷺ: "الأعمال بالنية ولكل امرئ ما نوى" وتلا الشعبي: {لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} وما لا يجوز من إقرار الموسوس وقال النبي ﷺ للذي أقر على نفسه: "أبك جنون" وقال علي: بقر حمزة خواصر شارفي فطفق النبي ﷺ يلوم حمزة فإذا حمزة قد ثمل محمرة عيناه ثم قال حمزة: هل أنتم إلا عبيد لآبائي فعرف النبي ﷺ أنه قد ثمل فخرج وخرجنا معه قال عثمان: "ليس لمجنون ولا لسكران طلاق" وقال ابن عباس: "طلاق السكران والمستكره ليس بجائز" وقال عقبة بن عامر: "لا يجوز طلاق الموسوس هذا" لفظ الترجمة ثم ساق بقية الباب ولا يعرف عن رجل من الصحابة أنه خالف عثمان وابن عباس في ذلك ولذلك رجع الإمام أحمد إلى هذا القول بعد أن كان يفتى بنفوذ طلاقه فقال أبو بكر عبد العزيز في كتاب الشافي والزاد قال أبو عبد الله في رواية الميموني قد كنت أقول بأن طلاق السكران يجوز حتى تبينته فغلب على أنه لا يجوز طلاقه لأنه لو اقر لم يلزمه ولو باع لم يجز بيعه قال والزمه الجناية وما كان من غير ذلك فلا يلزمه قال أبو بكر وبهذا أقول وفي مسائل الميموني سألت أبا عبد الله عن طلاق السكران فقال أكثر ما عندي فيه أنه لا يلزمه الطلاق قلت اليس كنت مرة تخاف أن يلزمه قال بلى ولكن أكثر ما عندي فيه أنه لا يلزمه الطلاق لأني رأيته ممن لا يعقل قلت السكر شئ أدخله على نفسه فلذلك يلزمه قال قد يشرب رجل البنج أو الدواء فيذهب عقله قلت فبيعه وشراؤه وإقراره قال لا يجوز وقال في رواية أبى الحارث ارفع شئ فيه حديث الزهري عن أبان بن عثمان عن عثمان ليس لمجنون ولا سكران طلاق وقال في رواية أبي طالب والذي لا يأمر بالطلاق فإنما أتى خصلة واحدة والذي يامر بالطلاق قد أتى خصلتين حرمها عليه وأحلها لغيره فهذا خير من هذا وأنا أتقي جميعها.

وممن ذهب إلى القول بعدم نفوذ طلاق السكران من الحنفية أبو جعفر الطحاوي وأبو الحسن الكرخي وحكاه صاحب النهاية عن أبي يوسف وزفر ومن الشافعية المزني وابن سريج وجماعة ممن اتبعهما وهو الذي اختاره الجويني في النهاية والشافعي نص على وقوع طلاقه ونص في أحد قوليه على أنه لا يصح ظهارة فمن أتباعه من نقل عن الظهار قولا إلى الطلاق وجعل المسألة على قولين ومنهم من قرر حكم النصين ولم يفرق بطائل.

والصحيح أنه لا عبرة بأقواله من طلاق ولا عتاق ولا بيع ولا هبة ولا وقف ولا إسلام ولا ردة ولا إقرار لبضعة عشر دليلا ليس هذه موضع ذكرها ويكفى منها قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} وأمر النبي ﷺ باستنكاه ما عز لما أقر بالزنا بين يديه وعدم أمر النبي ﷺ حمزة بتجديد إسلامه لما قال في سكره أنتم عبيد لآبائي وفتوى عثمان وابن عباس ولم يخالفهما أحد من الصحابة والقياس الصحيح المحص على زائل العقل بدواء أو بنج أو مسكر هو فيه معذور بمقتضى قواعد الشريعة فإن السكران لا قصد له فهو أولى بعدم المؤاخذة من اللاغى ومن جرى اللفظ على لسانه من غير قصد له وقد صرح أصحاب أبي حنيفة بأنه لا يقع طلاق الموسوس وقالوا لا يقع طلاق المعتوه وهو من كان قليل الفهم مختلط الكلام فاسد التدبير إلا انه لا يضرب ولا يشتم كما يفعل المجنون.

فصل طلاق الغضبان

المخرج الثاني ان يطلق أو يحلف في حال غضب شديد قد حال بينه وبين كمال قصده وتصوره فهذا لا يقع طلاقه ولا عتقه ولا وقفه ولو بدرت منه كلمة الكفر في هذا الحال لم يكفر وهذا نوع من الغلق والإغلاق الذي منع رسول الله ﷺ وقوع الطلاق والعتاق فيه نص على ذلك الإمام أحمد وغيره قال أبو بكر بن عبد العزيز في كتاب زاد المسافر له باب في الإغلاق في الطلاق قال قال أحمد في رواية حنبل وحديث عائشة رضي الله عنها أنها سمعت النبي ﷺ يقول: "لا طلاق ولا عتاق في إغلاق" يعنى الغضب وبذلك فسره أبو داود في سننه عقب ذكره الحديث فقال والاغلاق أظنه الغضب.

وقسم شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه الغضب إلى ثلاثة أقسام: قسم يزيل العقل كالسكر فهذا لا يقع معه طلاق بلا ريب وقسم يكون في مبادئه بحيث لا يمنعه من تصور ما يقول وقصده فهذا يقع معه الطلاق وقسم يشتد بصاحبه ولا يبلغ به زواال عقله بل يمنعه من التثبت والتروي ويخرجه عن حال اعتداله فهذا محل اجتهاد.

معنى الغلق

والتحقيق أن الغلق يتناول كل من انغلق عليه طريق قصده وتصوره كالسكران والمجنون والمبرسم والمكره والغضبان فحال هؤلاء كلهم حال إغلاق والطلاق إنما يكون عن وطر فيكون عن قصد من المطلق وتصور لما يقصده فإن تخلف أحدهما لم يقع طلاق وقد نص مالك والإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه فيمن قال لامرأته أنت طالق ثلاثا ثم قال: أردت أن أقول إن كلمت فلانا أو خرجت من بيتي بغير إذني ثم بدا لي فتركت اليمين ولم أرد التنجيز في الحال إنه لا تطلق عليه وهذا هو الفقه بعينه لأنه لم يرد التنجيز ولم يتم اليمين وكذلك لو أرادان يقول أنت طاهر فسبق لسانه فقال أنت طالق لم يقع طلاقه لا في الحكم الظاهر ولا فيما بينه وبين الله تعالى نص عليه الإمام أحمد في أحدى الروايتين والثانية لا يقع فيما بينه وبين الله ويقع في الحكم وهذا إحدى الروايتين عن أبي يوسف وقال ابن أبي شيبة ثنا محمد بن مروان عن عمارة سئل جابر بن زيد عن رجل غلط بطلاق امرأته فقال ليس على المؤمن غلط ثنا وكيع عن إسرائيل عن عامر في رجل أراد أن يتكلم في شئ فغلظ فقال الشعبي ليس بشئ.

فصل طلاق المكره

المخرج الثالث أن يكون مكرها على الطلاق أو الحلف به عند جمهور الأمة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم وهو قول أحمد ومالك والشافعي وجميع أصحابهم على اختلاف بينهم في حقيقة الإكراه وشروطه قال الإمام أحمد في رواية أبي طالب يمين المستكره إذا ضرب ابن عمر وابن الزبير لم يرياه شيئا وقال في رواية أبي الحارث إذا طلق المكره لم يلزمه الطلاق فإذا فعل به كما فعل بثابت بن الاحنف فهو مكره لأن ثابتا عصروا رجله حتى طلق فأتى ابن عمر وابن الزبير فلم يريا ذلك شيئا وكذا قال الله تعالى: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ} وقال الشافعي رضي الله عنه قال عز وجل: {إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ} وللكفر أحكام فلما وضعها الله تعالى عنه سقطت احكام الإكراه عن القول كله لأن الاعظم إذا سقط عن الناس سقط ما هو أصغر منه وفي سنن ابن ماجه وسنن البيهقي من حديث بشر بن بكر عن الأوزاعي عن عطاء عن عبيد بن عمير عن ابن عباس عن النبي ﷺ: "إن الله وضع عن أمتي" وقال البيهقي تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ: "إن الله تجاوز لامتى ما توسوس به صدورها ما لم تعمل به أو تتكلم به" زاد ابن ماجة وما استكرهوا عليه وقال الشافعي روى حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن ان عليا كرم الله وجهه قال لا طلاق لمكره وذكر الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير وابن عباس لم يجز طلاق المكره وذكر أبو عبيد عن علي وابن عباس وابن عمر وابن الزبير وعطاء وعبد الله بن عمير أنهم كانوا يرون طلاقه غير جائز وقال ابن أبي شيبه ثنا عبد الله بن أبي طلحة عن أبي يزيد المديني عن ابن عباس قال ليس على المكره ولا المضطهد طلاق وحدثنا أو معاوية عن عبد الله بن عمير عن ثابت مولى أهل المدينة عن ابن عمر وابن الزبير كانا لا يريان طلاق المكرة شيئا ثنا وكيع عن الأوزاعي عن رجل عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه انه لم يره شيئا.

قلت قد اختلفت على عمر فقال إسماعيل بن أبي اويس حدثني عبد الملك ابن قدامة بن إبراهيم الجمحي عن أبيه أن رجلا تدلى يشتار عسلا في زمن عمر رضي الله عنه فجاءته امرأته فوقفت على الحبل فحلفت لتفطعنه أولتطلقنى ثلاثا فذكرها الله والإسلام فأبت إلا ذلك فطلقها ثلاثا فلما ظهر أتى عمر فذكر له ما كان منها إليه ومنه إليه فقال ارجع إلى أهلك فليس هذا بطلاق تابعه عبد الرحمن بن مهدي عن عبد الملك وهو المشهور عن عمر وقال أبو عبيد حدثني يزيد عن عبد الملك بن قدامة عن أبيه عن عمر بهذا ولكنه قال فرفع إلى عمر فأبانها منه قال أبو عبيد وقد روى عن عمر خلافه ولم يصح عن أحد من الصحابة تنفيذ طلاق المكره سوى هذا الاثر عن عمر وقد اختلف فيه والمشهور انه ردها إليه ولو صح إبانتها منه لم يكن صريحا في الوقوع بل لعله رأى من المصلحة التفريق بينهما وانهما لا يتصافيان بعد ذلك فألزمه بإبانتها.

ولكن الشعبي وشريح وإبراهيم يجيزون طلاق المكره حتى قال إبراهيم لو وضع السيف على مفرقه ثم طلق لأجزت طلاقه.

وفي المسألة مذهب ثالث قال ابن أبي شيبة ثنا ابن إدريس عن حصين عن الشعبي في الرجل يكره على أمر من أمر العتاق أو الطلاق فقال إذا أكرهه السلطان جاز وإذا أكرهه اللصوص لم يجز ولهذا القول غور وفقه دقيق لمن تأمله.

فصل النية الصحيحة في طلاق المكره

واختلفوا في المكره يظن ان الطلاق يقع به فينويه هل يلزمه على قولين وهما وجهان للشافعية فمن الزمه رأى أن النية قد قارنت اللفظ وهو لم يكره على النية فقد أتى بالطلاق المنوي اختيارا فلزمه ومن لم يلزمه به رأى أن لفظ المكره لغو لا عبرة به فلم يبق إلا مجرد النية وهي لا تستقل بوقوع الطلاق.

فصل التورية في طلاق المكره

واختلف في ما لو أمكنه التورية فلم يور والصحيح أنه لا يقع به الطلاق وإن تركها فإن الله تعالى لم يوجب التورية على من أكره على كلمة الكفر وقلبه مطمئن بالايمان مع أن التورية هناك أولى ولكن المكرة إنما لم يعتبر لفظه لأنه غير قاصد لمعناه ولا مريد لموجبه وإنما تكلم به فداء لنفسه من ضرر الإكراه فصار تكلمه باللفظ لغوا بمنزلة كلام المجنون والنائم ومن لا قصد له سواء ورى أولم يور وأيضا فاشتراط التورية إبطال لرخصة التكلم مع الإكراه ورجوع إلى القول بنفوذ طلاق المكره فإنه لو ورى بغير إكراه لم يقع طلاقه والتأثير إذا إنما هو للتورية لا للإكراه وهذا باطل وأيضا فإن الموري إنما لم يقع طلاقه مع قصده للتكلم باللفظ لأنه لم يقصد مدلوله وهذا المعنى بعينه ثابت في الإكراه فالمعنى الذي منع من النفوذ في التورية هو الذي منع النفوذ في الإكراه.

فصل الاستثناء في الطلاق واليمين

المخرج الرابع أن يستثنى في يمينه أو طلاقه وهذا موضع اختلف فيه الفقهاء فقال الشافعي وأبو حنيفة يصح الاستثناء في الايقاع والحلف فإذا قال أنت طالق إن شاء الله أو أنت حرة إن شاء الله أوإن كلمت فلانا فأنت طالق إن شاء الله أو الطلاق يلزمني لافعلن كذا إن شاء الله أو أنت على حرام أو الحرام يلزمني إن شاء الله نفعه الاستثناء ولم يقع به طلاق في ذلك كله؛ ثم اختلفا في الموضع الذي يعتبر فيه الاستثناء فاشترط أصحاب أبي حنيفة اتصاله بالكلام فقط سواء نواه من أوله أو قبل الفراغ من كلامه أو بعده وقال أصحاب الشافعي إن عقد اليمين ثم عن له الاستثناء لم يصح وإن عن له الاستثناء في أثناء اليمين فوجهان أحدهما يصح والثاني لا يصح وإن نوى الاستثناء مع عقد اليمين صح وجها واحدا.

وقد ثبت بالسنة الصحيحة أن سليمان بن داود عليهما السلام قال لأطوفن الليلة على كذا وكذا امرأة تحمل كل امرأة منهن غلاما يقاتل في سبيل الله فقال له الملك الموكل به قل إن شاء الله فلم يقل فقال النبي ﷺ: "والذي نفسي بيده لو قالها لقاتلون في سبيل الله أجمعون" وهذا صريح في نفع الاستثناء والمقصود بعد عقد اليمين وثبت في السنن عنه ﷺ أنه قال: "والله لأغزون قريشا والله لأغزون قريشا والله لأغزون قريشا والله لأغزون قريشا ثم سكت قليلا ثم قال إن شاء الله ثم لم يغزهم" رواه أبو داود. وفي جامع الترمذي من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال رسول الله ﷺ: "من حلف على يمين فقال إن شاء الله فلا حنث عليه" وقد قال تعالى: {وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} فهذه النصوص الصحيحة لم يشترط في شيء منها ألبتة في صحة الاستثناء ونفعه ان ينويه مع الشروع في اليمين ولا قبلها بل حديث سليمان صريح في خلافه وكذلك حديث لأغزون قريشا وحديث ابن عمر متناول لكل من قال إن شاء الله بعد يمينه سواء نوى الاستثناء قبل الفراغ أولم ينوه والآية دالة على نفع الاستثناء مع النسيان أظهر دلالة ومن شرط النية قبل الفراغ لم يكن لذكر الاستثناء بعد النسيان عنده تأثير وأيضا فالكلام بآخره وهو كلام واحد متصل بعضه ببعض ولا معنى لاشتراط النية في أجزائه وأبعاضه وأيضا فإن الرجل قد يستحضر بعد فراغه من الجملة ما يرفع بعضها ولا يذكر ذلك في حال تكلمه بها فيقول لزيد عندي ألف درهم ثم في الحال يذكر انه قضاه منها مائة فيقول إلا مائة فلو اشتراط نيه الاستثناء قبل الفراغ لتعذر عليه استدراك ذلك وألجئ إلى الإقرار بما لا يلزمه والكذب فيه وإذا كان هذا في الاخبار فمثله في الانشاء سواء فإن الحالف قد يبدو له فيعلق اليمين بمشيئة الله وقد يذهل في أول كلامه عن قصد الاستثناء أو يشغله شاغل عن نيته فلو لم ينفعه الاستثناء حتى يكون ناويا له في أول يمينه لفات مقصود الاستثناء وحصل الحرج الذي رفعه الله تعالى عن الأمة به ولما قال لرسوله إذا نسيه: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيت} وهذا متناول لذكره إذا نسى الاستثناء قطعا فإنه سبب النزول ولا يجوز إخراجه وتخصيصه لأنه مراد قطعا.

وأيضا فإن صاحب هذا القول إن طرده لزمه ألا يصح مخصص من صفة أو بدل أو غاية أو استثناء بإلا ونحوها حتى ينويه المتكلم من أول كلامه فإذا قال له على ألف مؤجله إلى سنة هل يقول عالم إنه لا يصح وصفها بالتأجيل حتى يكون منويا من أول الكلام وكذلك إذا قال بعتك هذا بعشرة فقال اشتريته على أن لي الخيار ثلاثة أيام يصح هذا الشرط إن لم ينوه من أول كلامه بل عن له الاشتراط عقيب القبول.

ومثله لو قال وقفت داري على أولادي أو غيرهم بشرط كونهم فقراء مسلمين أو متأهلين وعلى أنه من مات منهم فنصيبه لولده أو للباقين صح ذلك وإن عن له ذكر هذه الشروط بعد تلفظه بالوقف ولم يقل أحد لا تقبل منه هذه الشروط إلا أن يكون قد نواها قبل الوقف أو معه ولم يقع في زمن من الازمنة قط سؤال الواقفين عن ذلك.

وكذلك لو قال له على مائة درهم إلا عشرة فإنه يصح الاستثناء وينفعه ولا يقول له الحاكم إن كنت نويت الاستثناء من أول كلامك لزمك تسعون وإن كنت إنما نويته بعد الفراغ لزمك مائة ولو اختلف الحال لبين له الحاكم ذلك ولساغ له ان يسأله بل يحلفه نوى ذلك قبل الفراغ إذا طلب المقر له ذلك.

وكذلك لو ادعى عليه أنه باعه أرضا فقال نعم بعته هذه الأرض إلا هذه البقعة لم يقل أحد إنه قد أقر ببيع الأرض جميعها إلا أن يكون قد نوى استثناء البقعة في أول كلامه وقد قال النبي ﷺ عن مكة: "إنه لا يختلى خلاها" فقال له العباس: إلا الإذخر فسكت رسول الله ﷺ ثم قال: إلا الإذخر وقال في أسرى بدر: "لا ينفلت أحد منهم إلا بفداء أو ضربة عنق" فقال له ابن مسعود: إلا سهيل بن بيضاء فقال إلا سهيل بن بيضاء ومعلوم أنه لم ينو واحدا من هذين الاستثناءين في أول كلامه بل أنشأه لما ذكر به كما أخبر عن سليمان بن داود صلى الله عليهما انه لو انشأه بعد أن ذكره به الملك نفعه ذلك.

وشبهة من اشترط ذلك انه إذا لم ينو الاستثناء من أول كلامه فقد لزمه موجب كلامه فلا يقبل منه رفعة ولا رفع بعضه بعد لزومه.

وهذا الشبهة لو صحت لما نفع الاستثناء في طلاق ولا عتاق ولا إقرار البتة نواه أولم ينوه لأنه إذا لزمه موجب كلامه لم يقبل منه رفعة ولا رفع بعضه بالاستثناء وقد طرد هذا بعض الفقهاء فقالوا لا يصح الاستثناء في الطلاق توهما لصحة هذه الشبهة.

وجوابها أنه إنما يلزمه موجب كلامه إذا اقتصر عليه فأما إذا وصله بالاستثناء أو الشرط ولم يقتصر على ما دونه فإن موجب كلامه ما دل عليه سياقه وتمامه من تقييد باستثناء أو صفة أو شرط أو بدل أو غاية فتكليفه نية ذلك التقييد من أول الكلام وإلغاؤه إن لم ينوه أولا تكليف ما لا يكلفه الله به ولا رسوله ولا يتوقف صحة الكلام عليه وبالله التوفيق.

فصل آراء الفقهاء في الاستثناء

وقال مالك لا يصح الاستثناء في إيقاعهما ولا الحلف بهما ولا الظهار ولا الحلف به ولا النذر ولا في شئ من الايمان إلا في اليمين بالله تعالى وحده.

وأما الإمام أحمد فقال أبو القاسم الخرقي وإذا استثنى في العتاق والطلاق فأكثر الروايات عن أبي عبد الله انه توقف عن الجواب وقد قطع في مواضع اخر انه لا ينفعه الاستثناء فقال في رواية ابن منصور من حلف فقال إن شاء الله لم يحنث وليس له استثناء في الطلاق والعتاق وقال في رواية أبي طالب إذا قال أنت طالق ان شاء الله لم تطلق وقال في رواية الحارث إذا قال لامرأته أنت طالق إن شاء الله الاستثناء إنما يكون في الأيمان.

قال الحسن وقتادة وسعيد بن المسيب ليس له ثنيا في الطلاق. وقال قتادة: وقوله إن شاء الله قد شاء الله الطلاق حين أذن فيه وقال في رواية حنبل من حلف فقال إن شاء الله لم يحنث وليس له استثناء في الطلاق والعتاق قال حنبل لأنهما ليسا من الايمان وقال صاحب المغنى وغيره وعنه مايدل على أن الطلاق لا يقع وكذلك العتاق فعلى هذا يكون عنه في المسألة ثلاث روايات الوقوع وعدمه والتوقف فيه وقد قال في رواية الميموني إذا قال لامرأة أنت طالق يوم أتزوجك بك إن شاء الله ثم تزوجها لم يلزمه شيء ولو قال لأمة أنت حرة يوم أشتريك إن شاء الله صارت حرة فلعل أبا حامد الإسفرائيني وغيره ممن حكى عن أحمد الفرق بين أنت طالق إن شاء الله فلا تطلق وأنت حرة إن شاء الله فتعتق استند إلى هذا النص وهذا من غلطة على أحمد بل هذا تفريق منه يبن صحة تعليق العتق على الملك وعدم صحة تعليق الطلاق على النكاح وهذا قاعدة مذهبه والفرق عنده أن الملك قد شرع سببا لحصول العتق كملك ذي الرحم المحرم وقد يعقد البيع سببا لحصول العتق اختيارا كشراء من يريد عتقه في كفارة أو قربة أو فداء كشراء قريبة ولم يشرع الله النكاح سببا لإزالته البتة فهذا فقهه وفرقه فقد أطلق القول بأنه لا ينفع الاستثناء في إيقاع الطلاق والعتاق وتوقف في أكثر الروايات عنه فتخرج المسألة على وجهين صرح بهما الأصحاب وذكروا وجها ثالثا وهو أنه إن قصد التعليق وجهل استحالة العلم بالمشيئة لم تطلق وإن قصد التبرك أو التأدي طلقت وقيل عن أحمد يقع العتق دون الطلاق ولا يصح هذا التفريق عنه بل هو خطأ عليه.

قال شيخنا: وقد روي في الفرق حديث موضوع على معاذ بن جبل يرفعه فلو علق الطلاق على فعل يقصد به الحض أو المنع كقوله أنت طالق إن كلمت فلانا إن شاء الله فروايتان منصوصتان عن الإمام أحمد إحداهما ينفعه الاستثناء ولا تطلق إن كلمت فلانا وهو قول أبي عبيدة لأنه بهذا التعليق قد صار حالفا وصار تعليقه يمينا باتفاق الفقهاء فصح استثناؤء فيها لعموم النصوص المتناوله للاستثناء في الحلف واليمين والثانية لا يصح الاستثناء وهو قول مالك كما تقدم لأن الاستثناء إنما ينفع في الايمان المكفرة فالتكفير والاستثناء متلازمان ويمين الطلاق والعتاق لا يكفران فلا ينفع فيهما الاستثناء ومن هنا خرج شيخنا على المذهب إجراء التكفير فيها لأن أحمد رضي الله عنه نص على أن الاستثناء انما يكون في اليمين المكفرة ونص على أن الاستثناء ينفع في اليمين بالطلاق والعتاق فيخرج من نصه إجزاء الكفارة في اليمين بهما وهذا نخريج في غاية الظهور والصحة ونص أحمد على الوقوع لا يبطل صحة هذا التخريج كسائر نصوصه ونصوص غيره من الأئمة التي يخرج منها على مذهبه خلاف ما نص عليه وهذا أكثر وأشهر من أن يذكر ومن أصحابه من قال إن أعاد الاستثناء إلى الفعل نفعة قولا واحدا وإن أعاده إلى الطلاق فعلى روايتين ومنهم من جعل الروايتين على اختلاف حالين فإن أعاده إلى الفعل نفقة وإن اعادة إلى قوله أنت طالق لم ينفعه.

وإيضاح ذلك أنه إذا قال إن دخلت الدار فأنت طالق إن شاء الله فإنه تارة يريد فأنت طالق إن شاء الله طلاقك وتارة يريد إن شاء الله تعليق اليمين بمشيئة الله أي إن شاء الله عقد هذه اليمين فهي معقودة فيصير كقوله والله لأقومن إن شاء الله فإذا قام علمنا أن الله قد شاء القيام وإن لم يقم علمنا ان الله لم يشاء قيامه فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن فلم يوجد الشرط فلم يحنث فينقل هذا بعينه إلى الحلف بالطلاق فإنه إذ قال الطلاق يلزمني لأقومن إن شاء الله القيام فلم يقم يشأ الله له القيام فلم يوجد الشرط فلم يحنث فهذا الفقه بعينه.

فصل الاستثناء في الطلاق بلفظ آخر

فإن قال أنت طالق إلا أن يشاء الله فاختلف الذين يصححون الاستثناء في قوله أنت طالق إن شاء الله ههنا هل ينفعه الاستثناء ويمنع وقوع الطلاق أولا ينفعه على قولين وهما وجهان لأصحاب الشافعي والصحيح عندهم انه لا ينفعه الاستثناء ويقع الطلاق والثاني ينفعه الاستثناء ولا تطلق وهو قول أصحاب أبي حنيفة والذين لم يصححوا الاستثناء احتجوا بأنه اوقع الطلاق وعلق رفعه بمشيئة لم تعلم إذا المعنى قد وقع عليك الطلاق إلا أن يشاء الله رفعه وهذا يقتضى وقوعا منجزا ورفعا معلقا بالشرط والذين صححوا الاستثناء قولهم أفقه فإنه لم يوقع طلاقا منجزا وإنما أوقع طلاقا معلقا على المشيئة فإن معنى كلامه أنت طالق إن شاء الله طلاقك فإن شاء عدمه لم تطلقي بل لا تطلقين إلا بمشيئه فهو داخل في الاستثناء من قوله إن شاء الله فإنه جعل مشيئة الله لطلاقها شرطا فيه وههنا اضاف إلى ذلك جعله عدم مشيئته مانعا من طلاقها.

والتحقيق أن كل واحد من الأمرين يستلزم الاخر فقوله إن شاء الله يدل على الوقوع عند وجود المشيئة صريحا وعلى انتفاء الوقوع عند انتفائها لزوما وقوله إلا أن يشاء الله يدل على عدم الوقوع عند عدم المشيئة صريحا وعلى الوقوع عندها لزوما فتأمله فالصورتان سواء كما سوى بينهما أصحابه أبي حنيفة وغيرهم من الشافعية وقولهم إنه أوقع الطلاق وعلق رفعه بمشيئة لم تعلم فهذا بعينه يحتج به عليهم من قال إن الاستثناء لا ينفع في الايقاع بحال فإن صحت هذه الحجة بطل الاستثناء في الإيقاع جملة وإن لم يصح لم يصح الفرق وهو لم يوقعه مطلقا وإنما علقه بالمشيئة نفيا وإثباتا كما قررناه فالطلاق مع الاستثناء ليس بإيقاع. وعلى هذا فإذا قال إن شاء الله وهو لا يعلم معناها أصلا فهل ينفعه هذا الاستثناء قال أصحاب أبي حنيفة إذا قال أنت طالق إن شاء الله ولا يدري أي شئ إن شاء الله لا يقع قالوا لأن الطلاق مع الاستثناء ليس بإيقاع فعلمه وجهله سواء قالوا ولهذا لما كان سكوت البكر رضا استوى فيه العلم والجهل حتى لو زوجها أبوها فسكتت وهي لا تعلم ان السكوت رضا صح النكاح ولم يعتبر جهلها.

ثم قالوا فلو قال لها أنت طالق فجرى على لسانه من غير قصد إن شاء الله وكان قصده إيقاع الطلاق لم يقع الطلاق لأن الاستثناء قد وجد حقيقة والكلام مع الاستثناء لا يكون إيقاعا وهذا القول في طرف وقول من يشترط نية الاستثناء في أول الكلام أو قبل الفراغ منه في طرف آخر وبينهما أكثر من بعد المشرقين.

فلو قال أنت طالق إن لم يشأ الله أو ما لم يشأ الله فهل يقع الطلاق في الحال أولا يقع على قولين وهما وجهان في مذهب أحمد فمن أوقعه احتج بأن كلامه تضمن أمرين محالا وممكنا فالممكن التطليق والمحال وقوعه على هذه الصفة وهو إذا لم يشأ الله فإن ما شاء الله وجب وقوعه فيلغو هذا التقييد المستحيل ويسلم أصل الطلاق فينفذ الوجه الثاني لا يقع ولهذا القول مأخذان أحدهما أن تعليق الطلاق على الشرط المحال يمنع من وقوعه كما لو قال أنت طالق إن جمعت بين الضدين أوإن شربت ماء الكوز ولا ما فيه لعدم وقوع شرطه فهكذا إذا قال أنت طالق إن لم يشأ الله فهو تعليق للطلاق على شرط مستحيل وهو عدم مشيئة الله طلقت لطلقت بمشيئته وشرط وقوع الطلاق عدم مشيئته والمأخذ الثاني وهو أفقه أنه استثناء في المعنى وتعليق على المشيئة والمعنى إن لم يشأ الله عدم طلاقك فهو كقوله إلا أن يشأ الله سواء كما تقدم بيانه.

فصل رأي من لا يجوزون الاستثناء

قال الموقعون: قال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني ثنا خالد بن يزيد بن أسد القسري ثنا جميع بن عبد الحميد الجعفي عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري وابن عمر قال كنا معاشر أصحاب رسول الله ﷺ نرى الاستثناء جائزا في كل شئ إلا في الطلاق والعتاق قالوا وروى أبو حفص ابن شاهين بإسناده عن ابن عباس قال إذا قال الرجل لامرأته أنت طالق إن شاء الله فهى طالق وكذلك روى عن أبي بردة قالوا ولانه استثناء يرفع جملة الطلاق فلم يصح كقوله أنت طالق ثلاثا إلا ثلاثا قالوا ولأنه إنشاء حكم في محل فلم يرتفع بالمشيئة كالبيع والنكاح قالوا ولأنه إزاله ملك فلم يصح تعليقه على مشيئة الله تعالى كما لو قال أبرأتك إن شاء الله قالوا ولأنه تعليق على ما لا سبيل إلى العلم به فلم يمنع وقوع الطلاق كما لو قال أنت طالق إن شاءت السموات والأرض.

قالوا وإن كان لنا سبيل إلى العلم بالشرط صح الطلاق لوجود شرطه ويكون الطلاق حينئذ معلقا على شرط تحقق وجوده بمباشرة الآدمي سببه قال قتادة قد شاء الله حينئذ ان تطلق قالوا ولأن الله تعالى وضع لإيقاع الطلاق هذه اللفظة شرعا وقدرا فإذا أتى بها المكلف فقد أتى بما شاءه الله فإنه لا يكون شئ قط إلا بمشيئة الله عز وجل والله شاء الامور بأسبابها فإذا شاء تكوين شئ وإيجاده شاء سببه فإذا أتى المكلف بسببه فقد أتى به بمشيئة الله ومشيئة السبب مشيئة للمسبب فإنه لو لم يشأ وقوع الطلاق لم يمكن المكلف أن يأتي به فإن ما لم يشأ الله يمتنع وجوده كما أن ما شاءه وجب وجوده قالوا وهذا في القول نظير المشيئة في الفعل فلوا قال أنا افعل كذا إن شاء الله تعالى وهو متلبس بالفعل صح ذلك ومعنى كلامه ان فعلى هذا إنما هو بمشيئة الله كما لو قال حال دخوله الدار أنا أدخلها إن شاء الله أو قال من تخلص من شر تخلصت إن شاء الله وقد قال يوسف لأبيه وإخوته ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين في حال دخولهم والمشيئة راجعة إلى الدخول المقيد بصيغة الأمر فالمشيئة متناولة لهما جميعا قالوا ولو أتى بالشهادتين ثم قال عقيبهما إن شاء الله أو قال أنا مسلم إن شاء الله فإن ذلك لا يؤثر في صحة إسلامه شيئا ولا يجعله إسلاما معلقا على شرط قالوا ومن المعلوم قطعا أن الله قد شاء تكلمه بالطلاق فقوله بعد ذلك إن شاء الله تحقيق لما قد علم قطعا أن الله شاءه فهو بمنزلة قوله أنت طالق إن كان الله أباح الطلاق وأذن فيه ولا فرق بينهما.

وهذا بخلاف قوله أنت طالق إن كلمت فلانا فإنه شرط في طلاقها ما يمكن وجوده وعدمه فإذا وجد الشرط وقع ما علق به ووجود الشرط في مسألة المشيئة إنما يعلم بمباشرة العبد سببه فإذا باشره علم أن الله قد شاءه قالوا وأيضا فالكفارة أقوى من الاستثناء لأنها ترفع حكم اليمين والاستثناء يمنع عقدها والرافع أقوى من المانع وأيضا فإنها تؤثر متصلة ومنفصلة والاستثناء لا يؤثر مع الانفصال ثم الكفارة مع قوتها لا تؤثر في الطلاق والعتاق فأن لا يؤثر فيه الاستثناء أولى وأحرى قالوا وأيضا فقوله إن شاء الله إن كان استثناء فهو رافع لجملة المستثنى منه فلا يرتفع وإن كان شرطا فإما أن يكون معناه إن كان الله قد شاء طلاقك أو إن شاء الله أن أوقع عليك في المستقبل طلاقا غير هذا فإن كان المراد هو الأول فقد شاء الله طلاقها بمشيئتة لسببه وإن كان المراد هو الثاني فلا سبيل للمكلف إلى العلم بمشيئته تعالى فقد علق الطلاق بمشيئة من لا سبيل إلى العلم بمشيئتة فيلغو التعليق ويبقى أصل الطلاق فينفذ قالوا ولأنه علق الطلاق بما لا يخرج عنه كائن فوجب نفوذه كما لو قال أنت طالق إن علم الله أو إن قدر الله أو إن سمع أو إن رأى.

يوضحه أنه حذف مفعول المشيئة ولم ينو مفعولا معينا فحقيقة لفظه أنت طالق إن كان لله مشيئة أوإن شاء أي شئ كان ولو كانت نيته إن شاء الله هذا الحادث المعين وهو الطلاق لم يمنع جعل المشيئة المطلقة إلى هذا الحادث فردا من أفرادها شرطا في الوقوع ولهذا لو سئل المستثنى عما أراد لم يفصح بالمشيئة الخاصة بل لعلها لا تخطر بباله وإنما تكلم بهذا اللفظ بناء على ما اعتاده الناس من قول هذه الكلمة عند اليمين والنذر والوعد.

قالوا ولأن الاستثناء إنما بابه الايمان كقوله من حلف فقال إن شاء الله فإن شاء فعل وإن شاء ترك وليس له دخول في الاخبار ولا في الانشاءات فلا يقال قام زيد إن شاء الله ولا قم إن شاء الله ولا تقم إن شاء الله ولا بعت ولا قبلت إن شاء الله وإيقاع الطلاق والعتاق من إنشاء العقود التي لا تعلق على الاستثناء فإن زمن الانشاء مقارن له فعقود الانشاء تقارنها أزمنتها فلهذا لا تعلق بالشروط.

قالوا والذي يكشف سر المسألة أن هذا الطلاق المعلق على المشيئة إما ان يريد به طلاقا ماضيا أو مقارنا للتكلم به أو مستقبلا فإن أراد الماضي أو المقارن وقع لأنه لا يعلق على الشرط وإن أراد المستقبل ومعنى كلامه إن شاء الله ان تكوني في المستقبل طالقا فأنت طالق وقع أيضا لأن مشيئة الله بطلاقها الآن يوجب طلاقها في المستقبل فيعود معنى الكلام إلى إنى إن طلقتك الآن بمشيئة الله فأنت طالق وقد طلقها بمشيئتة فتطلق فههنا ثلاث دعاوى إحداها أنه طلقها والثانية أن الله شاء ذلك والثالثة أنها قد طلقت فإن صحت الدعوى الأولى صحت الأخريان وبيان صحتها أنه تكلم بلفظ صالح للطلاق فيكون طلاقا وبيان الثانية أنه حادث فيكن بمشيئة الله فقد شاء الله طلاقها فتطلق فهذا غاية ما تمسك به الموقِعون.

جواب من يجوز الاستثناء

قال المانعون: أنتم معاشر الموقعين قد ساعد تمونا على صحة تعليق الطلاق بالشرط ولستم ممن يبطله كالظاهرية وغيرهم كأبي عبد الرحمن الشافعي فقد كفيتمونا نصف المؤنة وحملتم عنا كلفة الاحتجاج لذلك فبقى الكلام معكم في صحة هذا التعليق المعين هل هو صحيح أم لا فإن ساعد تمونا على صحة التعليق قرب الأمر وقطعنا نصف المسافة الباقية ولا ريب أن هذا التعليق صحيح إذ لو كان محالا لما صح تعليق اليمين والوعد والنذر وغيرهما بالمشيئة ولكان ذلك لغوا لا يفيد وهذا بين البطلان عند جميع الأمة فصح التعليق حينئذ فبقى بيننا وبينكم منزلة أخرى وهي انه هل وجود هذا الشرط ممكن أم لا فإن ساعدتمونا على الامكان ولا ريب في هذه المساعدة قربت المسافة جدا وحصلت المساعدة على أنه طلاق معلق صح تعليقه على شرط ممكن فبقيت منزلة أخرى وهي ان تأثير الشرط وعمله يتوقف على الاستقبال أم لا يتوقف عليه بل يجوز تأثيره في الماضي والحال والاستقبال فإن ساعدتمونا على توقف تأثيره على الاستقبال وأنه لا يصح تعلقه بماض ولا حال وانتم بحمد الله على ذلك مساعدون بقى بيننا وبينكم منزلة واحدة وهي انه هل لنا سبيل إلى العلم بوقوع هذا الشرط فيترتب المشروط عليه عند وقوعه أم لا سبيل لنا إلى ذلك ألبتة فيكون التعليق عليه تعليقا على ما لم يجعل الله لنا طريقا إلى العلم به فههنا معترك النزال ودعوة الإبطال فنزال نزال فنقول من أقبح القبائح وأبين الفضائح التي تشمئز منها قلوب المؤمنين وتنكرها فطر العالمين ما تمسك به بعضكم وهذا لفظه بل حروفه قال لنا أنه علق الطلاق بما لا سبيل لنا إليه فوجب أن يقع لأن أصله الصفات المستحيلة مثل قوله أنت طالق إن شاء الحجر أوإن شاء الميت أوإن شاء هذا المجنون المطبق الآن فيالك من قياس ما أفسده وعن طريق الصواب ما أبعده وهل يستوى في عقل أو رأى أو نظر أو قياس مشيئة الرب جل جلاله ومشيئة الحجر والميت والمجنون عند أحد من عقلاء الناس وأقبح من هذا والله المستعان وعليه التكلان وعياذا به من الخذلان ونزغات الشيطان تمسك بعضهم بقوله علق الطلاق بمشيئة من لا تعلم مشيئة فلم يصح التعليق كما لو قال أنت طالق إن شاء إبليس فسبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك وعياذا بوجهك الكريم من هذا الخذلان العظيم وياسبحان الله لقد كان لكم في نصره هذا القول غنى عن هذه الشبهة الملعونه في ضروب الاقيسة وأنواع المعاني والإلزامات فسحه ومتسع ولله شرف نفوس الأئمة الذين رفع الله قدرهم وشاد في العاملين ذكرهم حيث يانفون لنفوسهم ويرغبون بها عن أمثال هذه الهذيانات التي تسود بها الوجوه قبل الاوراق وتحل بقمر الايمان المحاق وعند هذا فنقول علق الطلاق بمشيئة من جميع الحوادث مستنده إلى مشيئته وتعلم مشيئته عند وجود كل حادث انه إنما وقع بمشيئته فهذا التعليق من أصح التعليقات فإذا انشأ المعلق طلاقا في المستقبل تبينا وجود الشرط بإنشائه فوقع فهذا أمر معقول شرعا وفطرة وقدرا وتعليق مقبول.

يبينه أن قوله إن شاء الله لا يريد به إن شاء الله طلاقها ماضيا قطعا بل إما ان يريد به هذا الطلاق الذي تلفظ به أو طلاقا مستقبلا غيره فلا يصح ان يراد به هذا الملفوظ فإنه لا يصح تعليقه بالشرط إذ الشرط إنما يؤثر في الاستقبال فحقيقة هذا التعليق أنت طالق إن شاء الله طلاقك في المستقبل ولو صرح بهذا لم تطلق حتى ينشئ لها طلاقا آخر.

ونقرره بلفظ آخر فنقول علقة بمشيئة من له مشيئة صحيحة معتبرة فهو أولى بالصحة من تعليقه بمشيئة آحاد الناس يبينه أنه لو علقه بمشيئة رسول الله ﷺ في حياته لم يقع في الحال ومعلوم ان ما شاءه الله فقد شاءه رسوله فلو كان التعليق بمشيئة الله موجبا للوقوع في الحال لكان التعليق بمشيئة رسوله في حياته كذلك وبهذا يبطل ما عولتم عليه.

وأما قولكم إن الله تعالى قد شاء الطلاق حين تكلم المكلف به فنعم إذا لكن شاء الطلاق المطلق أو المعلق ومعلوم انه لم يقع منه طلاق مطلق بل الواقع منه طلاق معلق على شرط فمشيئة الله تعالى لا تكون مشيئة للطلاق المطلق فإذا طلقها بعد هذا علمنا ان الشرط قد وجد وأن الله قد شاء طلاقها فطلقت وعند هذا فنقول لو شاء الله أن ينطق العبد لأنطقه بالطلاق مطلقا من غير تعليق ولا استثناء فلما انطقه به مقيدا بالتعليق والاستثناء علمنا انه لم يشأ له الطلاق المنجز فإن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.

ومما يوضح هذا الأمر ان مشيئة اللفظ لا تكون مشيئة للحكم حتى يكون اللفظ صالحا للحكم ولهذا لو تلفظ المكره أو زائل العقل أو الصبي أو المجنون بالطلاق فقد شاء الله منهم وقوع هذا اللفظ ولم يشأ وقوع الحكم فإنه لم يرتب على ألفاظ هؤلاء احكامها لعدم إرادتهم لأحكامها فهكذا المعلقف طلاقه بمشيئة الله يريد أن لا يقع طلاقه وإن كان الله قد شاء له التلفظ بالطلاق وهذا في غاية الظهور لمن أنصف.

ويزيده وضوحا أن المعنى الذي منع الاستثناء عقد اليمين لأجله هو بعينه في الطلاق والعتاق فإنه إذا قال والله لافعلن اليوم كذا إن شاء الله فقد التزم فعلة في اليوم إن شاء الله له ذلك فإن فعله فقد علمنا مشيئة الله له وإن لم يفعله علمنا ان الله لم يشأه إذ لو شاءه لوقع ولا بد ولا يكفى في وقوع الفعل مشيئة الله للعبد إن شاءه فقط فإن العبد قد يشاء الفعل ولا يقع فإن مشيئتة ليست موجبه ولا تلزمه بل لا بد من مشيئة الله له ان يفعل وقد قال تعالى في المشيئة الأولى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} وقال في المشيئة الثانية: {إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ وما وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} وإذا كان تعليق الحلف بمشيئته تعالى يمنع من انعقاد اليمين وكذلك تعليق الوعد فإذا قال أفعل إن شاء الله ولم يفعل لم يكن مخلفا كما لا يكون في اليمين حانثا وهكذا إذا قال أنت طالق إن شاء الله فإن طلقها بعد ذلك علمنا ان الله قد شاء الطلاق فوقع وإن لم يطلقها تبينا ان الله لم يشأ الطلاق فلا تطلق فلا فرق في هذا بين اليمين والإيقاع فإن كلا منهما إنشاء وإلزام معلق بالمشيئة.

قالوا وأما الأثران اللذان ذكرتموهما عن الصحابة فما أحسنهما لو ثبتا ولكن كيف بثبوتهما وعطية ضعف وجميع بن عبد الحميد مجهول وخالد بن يزيد ضعيف قال ابن عدي أحاديثه لا يتابع عليها وأثر ابن عباس لا يعلم حال إسناده حتى يقبل أو يرد.

على أن هذه الآثار مقابلة بآثار اخر لا تثبت أيضا فمنها ما رواه البيهقي في سننه من حديث إسماعيل بن عياش عن حميد بن مالك عن مكحول عن معاذ ابن جبل قال قال لي رسول الله ﷺ يا معاذ ما خلق الله شيئا على وجه الأرض ابغض إليه من الطلاق وما خلق الله شيئا على وجه الأرض أحب إليه من العتاق فإذا قال الرجل لمملوكه أنت حر إن شاء الله فهو حر ولا استثناء له وإذا قال لامرأته أنت طالق إن شاء الله فله استثناؤه ولا طلاق عليه ثم ساقه من طريق محمد بن مصفى ثنا معاوية بن حفص عن حميد عن مالك اللخمي حدثني مكحول عن معاذ بن جبل رضي الله عنه: أنه سأل رسول الله ﷺ عن رجل قال لامرأته أنت طالق إن شاء الله فقال: "له استثناؤه" فقال رجل: يا رسول الله وإن قال لغلامه أنت حر إن شاء الله تعالى قال: "يعتق لأن الله يشاء العتق ولا يشاء الطلاق" ثم ساق من طريق إسحاق بن أبي نجيح عن عبد العزيز بن أبي رواد عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس ان رسول الله ﷺ قال: "من قال لامرأته أنت طالق إن شاء الله أو لغلامه أنت حر إن شاء الله أو عليه المشي إلى بيت الله الحرام إن شاء الله فلا شئ عليه" ثم ساق من طريق الجارود بن يزيد عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده مرفوعا في الطلاق وحده أنه لا يقع.

ولو كنا ممن يفرح بالباطل ككثير من المصنفين الذين يفرح أحدهم بما وجده مؤيدا لقوله لفرحنا بهذه الآثار ولكن ليس فيها غنية فإنها كلها آثار باطلة موضوعة على رسول الله ﷺ.

أما الحديث الأول ففيه عدة بلايا إحداها حميد بن مالك ضعفه أبو زرعة وغيره الثانية ان مكحولا لم يلق معاذا قال أبو زرعة مكحول عن معاذ منقطع الثالثة أنه قد أضطرب فيه حميد هذا الضعيف فمره يقول عن مكحول عن معاذ ومرة يقول عن مكحول عن خالد بن معدان عن معاذ وهو منقطع أيضا وقيل مكحول عن مالك بن يخامر عن معاذ قال البيهقي ولم يصح الرابعة ان إسماعيل بن عياش ليس ممن يقبل تفرده بمثل هذا ولهذا لم يذهب أحد من الفقهاء إلى هذا الحديث وما حكاه أبو حامد الاسفرائيني عن أحمد من القول به فباطل عنه لا يصح البتة وكل من حكاه عن أحمد فمستنده حكاية أبي حامد الإسفرائيني أو من تلقاها عنه.

وأما الاثر الثاني فإسناده ظلمات بعضها فوق بعض حتى انتهى أمره إلى الكذاب إسحاق بن نجيح الملطي وأما الاثر الثالث فالجارود بن يزيد قد ارتقى من حد الضعف إلى حد الترك.

والمقصود أن الآثار من الطرفين لا مستراح فيها.

فصل ردود أخرى على من لا يجوزون الاستثناء

وأما قولكم إنه استثناء يرفع جملة الطلاق فلم يصح كقوله: أنت طالق ثلاثا إلا ثلاثا فما أبردها من حجة فإن الاستثناء لم يرفع حكم الطلاق بعد وقوعه وإنما منع من انعقاده منجزا بل انعقد معلقا كقوله أنت طالق إن شاء فلان فلم يشأ فلان فإنها لا تطلق ولا يقال إن هذا الاستثناء رفع جملة الطلاق.

وأما قولكم إنه إنشاء حكم في محل فلم يرتفع بالمشيئة كالبيع والنكاح فأبرد من الحجدة التي قبلها فإن البيع والنكاح لا يصح تعليقهما بالشرط بخلاف الطلاق.

وأما قولكم إزالة ملك فلا يصح تعليقه على مشيئة الله كالإبراء فكذلك أيضا فإن الإبراء لا يصح تعليقه على الشرط مطلقا عندكم سواء كان الشرط مشيئة الله أو غيرها فلو قال ابرأتك إن شاء زيد لم يصح ولو قال أنت طالق إن شاء زيد صح.

وأما قولكم إنه تعليق على ما لا سبيل إلى العلم به فليس كذلك بل هو تعليق على ما لنا سبيل إلى علمه فإنه إذا اوقعه في المستقبل علمنا وجود الشرط قطعا وأن الله قد شاءه.

وأما قولكم إن الله قد شاءه بتكلم المطلق به فالذي شاءه الله إنما هو طلاق معلق والطلاق المنجز لم يشأه الله إذ لو شاءه لوقع ولا بد فما شاءه الله لا يوجب وقوع الطلاق في الحال وما يوجب وقوعه في الحال لم يشأه الله.

أما قولكم إن الله تعالى وضع لإيقاع الطلاق هذه اللفظة شرعا وقدرا فنعم وضع تعالى المنجز لإيقاع المنجز والمعلق لوقوعه لوقوعه عند وقوع ما علق به.

وأما قولكم لو لم يشأ الطلاق لم يأذن للمكلف في التكلم به فنعم شاء المعلق وأذن فيه والكلام في غيره.

وقولكم إن هذا نظير قوله وهو متلبس بالفعل انا أفعل إن شاء الله فهذا فصل النزاع في المسألة فإذا أراد بقوله أنت طالق إن شاء الله هذا التطليق الذي صدر مني لزمه الطلاق قطعا لوجود الشرط وليس كلامنا فيه وإنما كلامنا فيما إذا أراد أن شاء الله طلاقا مستقبلا أوأطلق ولم يكن له نية ف ينبغي النزاع في القسم الأول ولا يظن أن احدا من الأئمة ينازع فيه فإنه تعليق على شرط مستقبل ممكن فلا يجوز إلغاؤه كما لو صرح به فقال إن شاء الله ان أطلقك غدا فأنت طالق إلا أن يستروح إلى ذلك المسلك الوخيم انه علق الطلاق بالمستحيل فلغا التعليق كمشيئة الحجر والميت وأما إذا أطلق ولم يكن له نية فيحمل مطلق كلامه على مقتضى الشرط لغة وشرعا وعرفا وهو اقتضاؤه للوقوع في المستقبل.

وأما استدلالكم بقول يوسف لأبيه وإخوته ادخولا مصر إن شاء الله آمنين فلا حجة فيه فإن الاستثناء إن عاد إلى الأمر المطلوب دوامه واستمراره فظاهر وإن عاد إلى الدخول المقيد به فمن أين لكم أنه قال لهم هذه المقالة حال الدخول أو بعده ولعله إنما قالها عند تلقيه لهم ويكون دخولهم عليه في منزل اللقاء فقال لهم حيئنذ ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين فهذا محتمل وإن كان إنما قال لهم ذلك بعدد دخولهم عليه في دار مملكته فالمعنى ادخلوها دخول استيطان واستقرار آمنين إن شاء الله.

وأما قولكم إنه لو أتى بالشهادتين ثم قال إن شاء الله أو قال انا مسلم إن شاء الله صح إسلامه في الحال فنعم إذا فإن الإسلام لا يقبل التعليق بالشرط فإذا علقه بالشرط تنجز كما لو علق الردة بالشرط فإنها تنجز وأما الطلاق فإنه يصح تعليقه بالشرط.

وأما قولكم إنه من المعلوم قطعا ان الله قد شاء تكلمه بالطلاق فقوله بعد ذلك إن شاء الله تحقيق لما لعم ان الله قد شاءه فقد تقدم جوابه وهو أن الله إنما شاء الطلاق المعلق فمن أين لكم انه شاء المنجز ولم تذكروا عليه دليلا.

وقولكم إنه بمنزلة قوله أنت طالق إن كان الله اذن في الطلاق أو اباحه ولا فرق بينهما فما أعظم الفرق بينهما وأبينه حقيقة ولغة وذلك ظاهر عن تكلف بيانه فإن بيان الواضحات نوع من العي بل نظير ذلك ان يقول أنت طالق إن كان الله قد شاء تلفظي بهذا اللفظ فهذا يقع قطعا.

وأما قولكم إن الكفارة أقوى من الاستثناء لأنها ترفع حكم اليمين والاستثناء يمنع عقدها وإذا لم تدخل الكفارة في الطلاق والعتاق فالاستثناء أولى فما أوهنها من شبهة وهي عند التحقيق لا شئ فإن الطلاق والعتاق إذا وقعا لم تؤثر فيهما الكفارة شيئا ولا يمكن حلهما بالكفارة بخلاف الايمان فإن حلها بالكفارة ممكن وهذا تشريع شرعه شارع الاحكام هكذا فلا يمكن تغييره فالطلاق والعتاق لا يقبل الكفارة لم تقبلها سائر العقود كالوقف والبيع والهبة والإجارة والخلع فالكفارة مختصة بالايمان وهي من أحكامها التي لا تكون لغيرها وأما الاستثناء فيشرع في أعم من اليمين كالوعد والوعيد والخبر عن المستقبل كقول النبي ﷺ: "وإنا إن شاء الله بكم لا حقون" وقوله عن أميه بن خلف: "بل أنا أقتله إن شاء الله" وكذا الخبر عن الحال نحو أنا مؤمن إن شاء الله ولا تدخل الكفارة في شئ من ذلك فليس بين الاستثناء والتكفير تلازم بل تكون الكفارة حيث لا استثناء والاستثناء حيث لا كفارة والكفارة شرعت تحلة لليمين بعد عقدها والاستثناء شرع لمعنى آخر وهو تأكيد التوحيد وتعليق الأمور بمشيئة من لا يكون شيء إلا بمشيئته فشرع للعبد أن يفوض الأمر الذي عزم عليه وحلف على فعله أو تركه إلى مشيئة الله ويعقد نطقه بذلك فهذا شيء والكفارة شيء آخر.

وأما قولكم إن الاستثناء إن كان رافعا فهو رافع لجملة المستثنى منه فلا يرتفع فهذا عار عن التحقيق فإن هذا ليس باستثناء بأداة إلا وأخواتها التي يخرج بها بعض المذكور ويبقى بعضه حى يلزم ما ذكرتم وإنما هو شرط ينتفى الشروط عند انتفائه كسائر الشروط ثم كيف يقول هذا القائل في قوله: أنت طالق إن شاء زيد اليوم ولم يشأ فموجب دليله ان هذا لا يصح.

فإن قيل فلو أخرجه بأداه إلا فقال أنت طالق إلا أن يشاء الله كان رفعا لجملة المستثنى منه.

قيل هذه مغالطة ظاهرة فإن الاستثناء ههنا ليس إخراج جملة ما تناوله المذكور ليلزم ما ذكرت وإنما هو تقييد لمطلق الكلام الأول بجملة أخرى مخصصه لبعض أحوالها أي أنت طالق في كل حالة إلا حالة واحدة واحجدة وهي حالة لا يشاء الله فيها الطلاق فإذا لم يقع منه طلاق بعد هذا علمنا بعدم وقوعه ان الله تعالى لم يشأ الطلاق إذ لو شاءه لوقع ثم ينتقض هذا بقوله إلا أن يشاء زيد وإلا أن تقومي ونحو ذلك فإن الطلاق لا يقع إذا لم يشأه زيد وإذا لم تقم وسمى هذا التعليق بمشيئة الله تعالى استثناء في لغة الشارع كقوله تعالى: {إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ وَلا يَسْتَثْنُونَ} أي لم يقولوا إن شاء الله فمن حلف فقال إن شاء الله فقد استثنى فإن الاستثناء استفعال من ثنيت الشئ كأن المستثنى بإلا قد عاد على كلامه فثنى آخره على أوله بإخراج ما أدخله أولا في لفظه وهكذا التقيد بالشرط سواء فإن المتكلم به قد ثنى آخر كلامه على أوله فقيد به ما أطلقه أولا واما تخصيص الاستثناء بإلا وأخواتها فعرف خاص للنحاة.

وقولكم إن كان شرطا ويراد به إن كان الله قد شاء طلاقك في المستقبل فينفذ لمشيئة الله له بمشيئتة لسببه وهو الطلاق المذكور وإن أراد به إن شاء الله ان أطلقك في المستقبل فقد علقه بمالا سبيل إلى العلم به فيلغوا التعليق ويبقى أصل الطلاق فهذا هو اكبر عمدة الموقعين ولا ريب أنه إن أراد بقوله أنت طالق إن كان الله قد شاء تكلمي بهذا اللفظ أو شاء طلاقك بهذا اللفظ طلقت ولكن المستثنى لم يرد هذا بل ولا خطر على باله فبقى القسم الاخر وهو أن يريد إن شاء الله وقوع الطلاق عليك فيما يأتى فهذا تعليق صحيح معقول يمكن العلم بوجود ما علق عليه بوجود سببه كما تقدم بيانه.

وأما قولكم إنه علق الطلاق بما لا يخرج عنه كائن فوجب نفوذه كما لو قال أنت طالق إن علم الله أوإن قدر الله أو سمع الله إلى آخره فما أبطلها من حجة فإنها لو صحت لبطل حكم الاستثناء في الايمان لما ذكرتموه بعينه ولا نفع الاستثنناء في موضع واحد ومعلوم ان المستثنى لم يخطر هذا على باله وإنما أراد تفويض الأمر إلى مشيئة الله وتعليقه به وأنه إن شاءه نفذ وإن لم يشأه لم يقع ولذلك كان مستثنيا أي وإن كنت قد التزمت اليمين أو الطلاق أو العتاق فإنما التزمه بعد مشيئة الله وتبعا لها فإن شاءه فهو تعالى ينفذه بما يحدثه من الأسباب ولم يرد المستثنى إن كان لله مشيئة أو علم سمع أو بصر فأنت طالق ولم يخطر ذلك بباله ألبته.

يوضحه أن هذا مما لا يقبل التعليق ولاسيما بأداة إن التي للجائز الوجود والعدم ولو شك في هذا لكان ضالا بخلاف المشيئة الخاصة فإنها يمكن أن تتعلق بالطلاق وان لا تتعلق به وهو شاك فيها كما يشك العبد فيما يمكن أن يفعله الله به وأن لا يفعله هل شاءه أم لا فهذا هو المعقول الذي في فطر الحالفين والمستثنين وحذف مفعول المشيئة لم يكن لما ذكرتم وهو عدم إرادة مفعول معين بل للعلم به ودلالة الكلام عليه وتعين إرادته إذ المعنى إن شاء الله طلاقك فأنت طالق كما لو قال والله لأسافرن إن شاء الله أي إن شاء الله سفري وليس مراده إن كان لله صفة هي المشيئة فالذي قدرتموه من المشيئة المطلقة هو الذي لم يخطر ببال الحالف والمطلق وإنما الذي لم يخطر بباله سواه هو المشيئة المعينة الخاصة.

وقولكم إن المستثنى لو سئل عما أراد لم يفصح بالمشيئة الخاصة بل تكلم بلفظ الاستثناء بناء على ما اعتاده الناس من التكلم بهذا اللفظ كلام غير سديد فإنه لو صح لما نفع الاستثناء في يمين قط ولهذا نقول إن قصد التحقيق والتأكيد بذكر المشيئة ينجز الطلاق ولم يكن ذلك استثناء.

وأما قولكم إن الاستثناء بابه الايمان إن أردتم به اختصاص الايمان به فلم تذكروا على ذلك دليلا وقوله ﷺ: "من حلف فقال إن شاء الله فقد استثنى" وفي لفظ اخر "من حلف فقال إن شاء الله فهو بالخيار فإن شاء فعل وإن شاء لم يفعل" فحديث حسن ولكن لا يوجب اختصاص الاستثناء بالمشيئة باليمين وقد قال الله تعالى: {وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} وهذا ليس بيمين ويشرع الاستثناء في الوعد والوعيد والخبر عن المستقبل كقوله غدا افعل إن شاء الله وقد عتب الله على رسوله ﷺ حيث قال لمن سأله من أهل الكتاب عن أشياء: "غدا أخبركم" ولم يقل إن شاء الله فاحتبس الوحي عنه شهرا ثم نزل عليه: {وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} أي إذا نسيت ذلك الاستثناء عقيب كلامك فاذكره به إذا ذكرت هذا معنى الآية وهو الذي أراده ابن عباس بصحة الاستثناء المتراخي ولم يقل ابن عباس قط ولا من هو دونه إن الرجل إذا قال لامرأته أنت طالق أو لعبده أنت حر ثم قال بعد سنة إن شاء الله إنها لا تطلق ولا يعتق العبد وأخطأ من نقل ذلك عن ابن عباس أو عن أحد من أهل العلم البتة ولم يفهموا مراد ابن عباس والمقصود أن الاستثناء لا يختص باليمين لا شرعا ولا عرفا ولا لغة وإن أردتم بكون بابه الايمان كثرته فيها فهذا لا ينفى دخوله في غيرها.

وقولكم إنه لا يدخل في الاخبارات ولا في الانشاءات فلا يقال قام زيد إن شاء الله ولا قم إن شاء الله ولا بعت إن شاء الله فكذا لا يدخل في قوله أنت طالق إن شاء الله فليس هذا بتمثيل صحيح والفرق بين البابين أن الامور الماضية قد علم انها وقعت بمشيئتة الله والشرط إنما يؤثر في الاستقبال فلا يصح ان يقول قمت امس إن شاء الله فلو أراد الاخبار عن وقوعها بمشيئة الله لأأتى بغير صيغة الشرط فيقول فعلت كذا بمشيئة الله وعونه وتأييده ونحو ذلك بخلاف قوله غدا أفعل إن شاء الله واما قوله قم إن شاء الله ولا تقم إن شاء الله فلا فائدة في هذا الكلام إذ قد علم أنه لا يفعل إلا بمشيئة الله فأي معنى لقوله إن شاء الله لك القيام فقم وإن لم يشأه فلا تقم نعم لو أراد بقوله قم أولا تقم الخبر وأخرجه مخرج الطلب تأكيدا أي تقوم إن شاء الله صح ذلك كما إذا قال مت على الإسلام إن شاء الله ولا تمت إلا على توبة إن شاء الله ونحو ذلك وكذا إن أراد بقوله قم ان شاء الله رد المشيئة إلى معنى خبري أي ولا تقوم إلا أن يشاء الله فهذا صحيح مستقيم لفظا ومعنى واما بعت ان شاء الله واشتريت ان شاء الله فإن أراد به التحقيق صح وانعقد العقد وان أراد به التعليق لم يكن المذكور انشاء وتنافي الانشاء والتعليق إذ زمن الإنشاء يقارن ا وجود معناه وزمن وقوع لمعلق يتاخر عن التعليق فتنافيا.

وأما قولكم إن هذا الطلاق المعلق على المشيئة اما ان يريد طلاقا ماضيا أو مقارنا أو مستقبلا إلى اخره فجوابه ما قد تقدم مرارا أنه إن أراد به المشيئة إلى هذا اللفظ المذكور وان الله ان كان قد شاءه فأنت طالق طلقت ولا ريب أن المستثني لم يرد هذا وإنما أراد الا يقع الطلاق فرده إلى مشيئة الله وان الله ان شاءه بعد هذا وقع فكأنه قال لا أريد طلاقك ولا ارب لي فيه إلا أن يشاء الله فينفذ رضيت أم سخطت كما قال نبي الله شعيب عليه السلام وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا أي نحن لا نعود في ملتكم ولا نختار ذلك إلا أن يشاء الله ربنا شيئا فينفذ ما شاءه وكذلك قال إبراهيم ولا اخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شئ علما أي لا يقع بي مخوف من جهة آلهتكم أبدا إلا أن يشاء ربي شيئا فينفذ ما شاءه فرد الانبياء ما أخبروا ألا يكون إلى مشيئة الرب تعالى والى علمه استدراكا واستثناء أي لا يكون ذلك ابدا ولكن إن شاءه الله تعالى كان فإنه تعالى عالم بما نعلمه نحن من الامور التي تقتضيها حكمته وحده.

فصل القول الفصل في موضوع الاستثناء

فالتحقيق في المسألة ان المستثنى إما أن يقصد بقوله إن شاء الله التحقيق أو التعليق فإن قصد به التحقيق والتأكيد وقع الطلاق وإن قصد به التعليق وعدم الوقوع في الحال لم تطلق هذا هو الصواب في المسألة وهو اختيار شيخنا وغيره من الأصحاب وقال أبو عبد الله بن حمدان في رعايته قلت إن قصد التأكيد والتبرك وقع وإن قصد التعليق وجهل استحالة العلم بالمشيئة فلا وهذا قول آخر غير الأقوال الأربعة المحكية في المسألة وهو أنه إنما ينفعه الاستثناء إذا قصد التعليق وكان جاهلا باستحالة العلم بمشيئة الله تعالى فلو علم استحالة العلم بمشيئته تعالى لم ينعقد الاستثناء والفرق بين علمه بالاستحالة وجهلة بها انه إذا جهل استحالة العلم بالمشيئة فقد علق الطلاق بما هو ممكن في ظنه فيصح تعليقه وإذا لم يجهل استحالة العلم بالمشيئة فقد علقه على محال يعلم استحالته فلا يصح التعليق وهذا أحد الأقوال في تعليقه بالمحال.

قلت وقولهم إن العلم بمشيئة الرب محال خطأ محض فإن مشيئة الرب تعلم بوقوع الأسباب التي تقتضى مسبباتها فإن مشيئة المسبب مشيئة لحكمه فإذا أوقع عليها بعد ذلك طلاقا علمنا ان الله قد شاء طلاقها.

فهذا تقرير الاحتجاج من الجانبين ولا يخفى ما تضمنه من رجحان أحد القولين والله أعلم.

فصل نية الاستثناء وزمنها

وقد قدمنا اختلاف الفقهاء في اشتراط نية الاستثناء وزمنها وان أضيق الأقوال قول من يشترط النية من أول الكلام وأوسع منه قول من يشترطها قبل فراغه واوسع منه قول من يجوز إنشاءها بعد الفراغ من الكلام كما يقوله أصحاب أحمد وغيرهم واوسع منه قول من يجوزه بالقرب ولا يشترط اتصاله بالكلام كما نص عليه أحمد في رواية المروزي فقال حديث ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "والله لأغزون قريشا والله لأغزون قريشا ثم سكت ثم قال إن شاء الله" إذ هو استثناء بالقرب ولم يخلط كلامه بغيره وقال إسماعيل بن سعيد الشالنجي سألت أحمد بن حنبل عن الاستثناء في اليمين فقال من استثنى بعد اليمين فهو جائز على مثل فعل النبي ﷺ إذ قال: "والله لأغزون قريشا ثم سكت ثم قال إن شاء الله" ولم يبطل ذلك قال ولا أقول فيه بقول هؤلاء يعنى من لم ير ذلك إلا متصلا هذا لفظ الشالنجي في مسائلة وأوسع من ذلك قول من قال ينفعه الاستثناء ويصح ما دام في المجلس نص عليه الإمام أحمد في احدى الروايات عنه وهو قول الأوزاعي كما سنذكره واوسع منه من وجه قول من لا يشترط النية بحال كما صرح به أصحاب أبي حنيفة وقال صاحب الذخيرة في كتاب الطلاق في الفصل السادس عشر منه ولو قال لها أنت طالق إن شاء الله ولا يدري أي شئ شاء الله لا يقع الطلاق لأن الطلاق مع الاستثناء ليس بإيقاع فعلمه وجهله يكون سواء ولو قال لها أنت طالق فجرى على لسانه من غير قصد إن شاء الله وكان قصده إيقاع الطلاق لا يقع الطلاق لأن الاستثناء قد وجد حقيقة والكلام مع الاستثناء لا يكون إيقاعا وقال الجوزجاني في مترجمه حدثني صفوان ثنا عمر قال سئل الأوزاعي رحمه الله عن رجل حلف والله لأفعلن كذا وكذا ثم سكت ساعة لا يتكلم ولا يحدث نفسه بالاستثناء فيقول له إنسان إلى جانبه قل إن شاء الله فقال إن شاء الله أيكفر عن يمينه فقال أراه قد استثنى.

وبهذا الإسناد عن الأوزاعي انه سئل عن رجل وصله قريبه بدراهم فقال والله لا آخذها فقال قريبه والله لتأخذنها فلما سمعه قال والله لتأخذنها استثنى في نفسه فقال إن شاء الله وليس بين قوله والله لا آخذها وبين قوله إن شاء الله كلام إلا انتظاره ما يقول قريبه ايكفر عن يمينه إن هو أخذها فقال لم يحنث لأنه قد استثنى.

ولا ريب أن هذا أفقه واصح من قول من اشتراط نيته مع الشروع في اليمين فإن هذا القول موافق للسنة الصحيحة فعلا عن النبي ﷺ وحكاية عن أخيه سليمان انه لو قال إن شاء الله بعد ما حلف وذكره الملك كان نافعا له موافقا للقياس ومصالح العباد ومقتضى الحنيفية السمحة ولو اعتبر ما ذكر من اشتراط النية في أول الكلام والاتصال الشديد لزالت رخصة الاستثناء وقل من انتفع بها إلا من قد درس على هذا القول وجعله منه على بال.

وقد ضيق بعض المالكية في ذلك فقال لا يكون الاستثناء نافعا إلا وقد أراده صاحبه قبل أن يتمم اليمين كما قال بعض الشافعية وقال ابن المواز شرط نفعه أن يكون مقارنا ولو لآخر حرف من حروف اليمين ولم يشترط مالك شيئا من ذلك بل قال في موطئه وهذا لفظ روايتة قال عبد الله بن يوسف أحسن ما سمعت في الثنيا في اليمين انها لصاحبها ما لم يقطع كلامه وما كان نسقا يتبع بعضه بعضا قبل ان يسكت فإذا سكت وقطع كلامه فلا ثنيا له. انتهى. ولم أر عن أحد من الأئمة قط اشتراط النية مع الشروع ولا قبل الفراغ وإنما هذا من تصرف الأتباع.

فصل هل يصح الاستثناء في القلب

وهل من شرط الاستثناء ان يتكلم به أو ينفع إذا كان في قلبه وإن لم يتلفظ به فالمشهور من مذاهب الفقهاء انه لا ينفعه حتى يتلفظ به ونص عليه أحمد فقال في رواية ابن منصور لا يجوز له ان يستثنى في نفسه حتى يتكلم به وقد قال أصحاب أحمد وغيرهم لو قال نسائي طوالق واستثنى بقلبه إلا فلانه صح استثناؤه ولم تطلق ولو قال نسائي الأربع طوالق واستثنى بقلبه إلا فلانه لم ينفعه وفرقوا بينهما بأن الأول ليس نصا في الأربع فجاز تخصيصه بالنية بخلاف الثاني ويلزمهم على هذا الفرق ان يصح تقييده بالشرط بالنية لأن غايته انه تقييد مطلق فعمل النية فيه أولى فيه أولى من عملها في تخصيص العام لأن العام متناول للأفراد وضعا والمطلق لا يتناول جميع الأحوال بالوضع فتقييده بالنية أولى من تخصيص العام بالنية وقد قال صاحب المغنى وغيره إذا قال أنت طالق ونوى بقلبه من غير نطق إن دخلت الدار أو بعد شهر أنه يدين فيما بينه وبين الله تعالى وهل يقبل في الحكم على روايتين وقد قال الإمام أحمد في رواية إسحاق بن إبراهيم فيمن حلف لا يدخل الدار وقال نويت شهرا قبل منه أو قال إذا دخلت دار فلان فأنت طالق ونوى تلك الساعة أو ذلك اليوم قبلت نيته قال والرواية الأخرى لا تقبل فإنه قال إذا قال لامرأته أنت طالق ونوى في نفسه إلى سنة تطلق ليس ينظر إلى نيته وقال إذا قال أنت طالق وقال نويت إن دخلت الدار لا يصدق قال الشيخ ويمكن ان يجمع بين هاتين الروايتين بأن يحمل قوله في القبول على أنه يدين وقوله في عدم القبول على الحكم فلا يكون بينهما اختلاف قال والفرق بين هذه الصورة والتي قبلها يعنى مسألة نسائي طوالق واراد بعضهن أن إرادة الخاص بالعام شائع كثير وإرادة الشرط من غير ذكره غير شائع وهو قريب من الاستثناء ويمكن أن يقال هذه كلمه من جملة التخصيص انتهى كلامه وقد تضمن ان الحالف إذا أراد الشرط دين وقبل في الحكم في إحدى الروايتين ولا يفرق فقيه ولا محصل بين الشرط بمشيئة الله حيث يصح وينفع وبين غيره من الشروط وقد قال الإمام أحمد في رواية حرب إن كان مظلوما فاستثنى في نفسه رجوت أنه يجوز إذا خاف على نفسه ولم ينص على خلاف هذا في المظلوم وإنما أطلق القول وخاص كلامه ومقيده يقضى عل مطلق وعامه فهذا مذهبه.

فصل هل يصح الاستثناء بتحريك اللسان

وهل يشترط أن يسمع نفسه أو يكفي تحرك لسانه بالاستثناء إن كان بحيث لا يسمعه فاشتراط أصحاب أحمد وغيرهم انه لا بد وان يكون بحيث يسمعه هو أو غيره ولا دليل على هذا من لغة ولا عرف ولا شرع وليس في المسألة إجماع قال أصحاب أبي حنيفة واللفظ لصاحب الذخيرة وشرط الاستثناء ان يتكلم بالحروف سواء كان مسموعا أولم يكن عند الشيخ أبي الحسن الكرخي وكان الفقيه أبو جعفر يقول لا بد وان يسمع نفسه وبه كان يفتى الشيخ أبو بكر محمد بن الفضل وكان شيخ الإسلام ابن تيمية يميل إلى هذا القول وبالله التوفيق وهذا بعض ما يتعلق بمخرج الاستثناء ولعلك لا تظفر به في غير هذا الكتاب.

فصل فعل المحلوف عليه ناسيا ونحو ذلك

المخرج الخامس ان يفعل المحلوف عليه ذاهلا أو ناسيا أو مخطئا أو جاهلا أو مكرها أو منأولا أو معتقدا انه لا يحنث به تقليدا لمن أفتاه بذلك أو مغلوبا على عقله أو ظنا منه ان امرأته طلقت فيفعل المحلوف عليه بناء على أن المرأة أجنبية فلا يؤثر فعل المحلوف عليه في طلاقها شيئا.

الفرق بين الناسي وبين الذاهل والغافل واللاهي

فمثال الذهول أن يحلف أنه لا يفعل شيئا هو معتاد لفعله فيغلب عليه الذهول والغفلة فيفعله والفرق بين هذا وبين الناسي ان الناسي يكون قد غاب عنه اليمين بالكلية فيفعل المحلوف عليه ذاكرا له عامدا لفعله ثم يتذكر أنه كان قد حلف على تركه وأما الغافل والذاهل فليس بناس ليمينه ولكنه لها عنها أو ذهل كما يذهل الرجل عن الشئ في يده أو حجره بحديث أو نظر إلى شئ أو نحوه كما قال تعالى: {وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى وَهُوَ يَخْشَى فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى} يقال لهى عن الشيء يلهى كغشى يغشى إذا غفل ولها به يلهو إذا لعب وفي الحديث فلها رسول الله ﷺ بشئ كان في يديه أي اشتغل به ومنه الحديث الآخر إذا استأثر الله بشئ فاله عنه وسئل الحسن عما يجده الرجل من البلة بعد الوضوء والاستنجاء فقال اله عنه وكان ابن الزبير إذا سمع صوت الرعد لها عن حديثه وقال عمر رضي الله عنه لرجل بعثه بمال إلى أبي عبيدة ثم قال للرسول تله عنه ثم انظر ماذا يصنع به ومنه قول كعب بن زهير:

وقال كل صديق كنت آمله…لا ألهينك إني عنك مشغول.

أي لا أشغلك عن شأنك وأمرك وفي المسند سألت ربي ان لا يعذب اللاهين من أمتي وهم البلة الغافلون الذين لم يتعمدوا الذنوب وقيل هم الاطفال الذين لم يقترفوا ذنبا.

فصل النسيان نوعان

وأما الناسي فهو ضربان ناس لليمين وناس للمحلوف عليه فالأول ظاهر والثاني كما إذا حلف على شئ وفعله وهو ذاكر ليمينه لكن نسى ان هذا هو المحلوف عليه بعينه وهذا كما لو حلف لا يأكل طعام كذا وكذا فنسيه ثم أكله وهو ذاكر ليمينه ثم ذكر أن هذا هو الذي حلف عليه فهذا إذا كان يعتقد انه غير المحلوف عليه ثم بان انه هو فهو خطأ فإن لم يخطر بباله كونه المحلوف عليه ولا غيره فهو نسيان والفرق بين الجاهل بالمحلوف عله والمخطئ ان الجاهل قصد الفعل ولم يظنه المحلوف عليه والمخطئ لم يقصده كما لو رمى طائرا فأصاب إنسانا.

الإكراه نوعان

والمكره نوعان أحدهما له فعل اختياري لكن محمول عليه والثاني ملجأ لا فعل له بل هو آلة محضة.

المتأول

والمتأول كمن يحلف انه لا يكلم زيدا وكاتبه يعتقد ان مكاتبته ليست تكليما وكمن حلف انه لا يشرب خمرا فشرب نبيذا مختلفا فيه متأولا وكمن حلف لايرابي فباع بالعينة أولا يطأ فرجا حراما فوطئ في نكاح تحليل مختلف فيه ونحو ذلك.

درجات التأويل

والتأويل ثلاث درجات قريب وبعيد ومتوسط ولا تنحصر افراده والمعتقد انه لا يحنث بفعله تقليدا سواء كان المفتى مصيبا أو مخطئا كمن قال لامرأته إن خرجت من بيتي فأنت طالق أو الطلاق يلزمني لا تخرجين من بيتي فأفتاه مفت بأن هذه اليمين لا يلزم بها الطلاق بناء على أن الطلاق المعلق لغو كما يقوله بعض أصحاب الشافعي كابي عبد الرحمن الشافعي وبعض أهل الظاهر كما صرح به صاحب المحلى فقال والطلاق بالصفة عندنا كالطلاق باليمين كل ذلك لا يلزم.

المغلوب على عقله

والمغلوب على عقله كمن يفعل المحلوف عليه في حال سكر أوجنون أوزوال عقل بشرب دواء أو بنج أو غضب شديد ونحو ذلك.

من يظن طلاق امرأته

والذي يظن ان امرأته طلقت فيفعل المحلوف عليه بناء على أنه لا يؤثر في الحنث كما إذا قال إن كلمت فلانا فأنت طالق ثلاثا ثم قال إن فعلت كذا فامرأتي طالق ثلاثا فقيل له إن امرأتك قد كلمت فلانا فاعتقد صدق القائل وانها قد بانت منه ففعل المحلوف عليه بناء على أن العصمة قد انقطعت ثم بان له أن المخبر كاذب.

وكذلك لو قيل له قد كلمت فلانا فقال طلقت منى ثلاثا ثم بان له انها لم تكلمه ومثل ذلك لو قيل له إن امرأتك قد مسكت تشرب الخمر مع فلان فقال هي طالق ثلاثا ثم ظهركذب المخبر وأن ذلك لم يكن منه شيء.

فاختلف الفقهاء في ذلك اختلافا لا ينضبط فنذكر أقوال من أفتى بعدم الحنث في ذلك إذ هو الصواب بلا ريب وعليه تدل الأدلة الشرعية ألفاظها وأقيستها واعتبارها وهو مقتضى قواعد الشريعة فإن البر والحنث في اليمين نظير الطاعة والمعصية في الأمر والنهي وإن فعل المكلف ذلك في أمر الشارع ونهيه لم يكن عاصيا فأولى في باب اليمين أن لا يكون حانثا.

ويوضحه أنه إنما عقد يمينه على فعل ما يملكه والنسيان والجهل والخطأ والإكراه غير داخل تحت قدرته فما فعله في تلك الأحوال لم يتناوله يمينه ولم يقصد منع نفسه منه.

يوضحه أن الله تعالى قد رفع المؤاخذة عن المخطئ والناسي والمكره فإلزامه بالحنث اعظم مؤاخذة لما تجاوز عن المؤاخذة به كما انه تعالى لما تجاوز للامة عما حدثت به أنفسها لم تتعلق به المؤاخذة في الاحكام.

يوضحه أن فعل الناسي والمخطئ بمنزلة فعل النائم في عدم التكليف به ولهذا هو عفو لا يكون به مطيعا ولا عاصيا.

يوضحه أن الله تعالى إنما رتب الاحكام على الالفاظ لدلالتها على قصد المتكلم بها وإرادته فإذا تيقنا انه قصد كلامها ولم يقصد معانيها ولم يقصد مخالفة ما التزمه ولا الحنث فإن الشارع لا يلزمه بما لم يقصده بل قد رفع المؤاخذة عنه بما لم يقصده من ذلك.

يوضحه أن اللفظ دليل على القصد فاعتبر لدلالته عليه فإذا علمنا يقينا خلاف المدلول لم يجز ان نجعله دليلا على ما تيقنا خلافه وقد رفع الله المؤاخذة عن قتل المسلم المعصوم بيده مباشرة إذا لم يقصد قتله بل قتله خطأ ولم يلزمه شيئا من ديته بل حملها غيره فكيف يؤاخذه بالخطأ والنسيان في باب الايمان هذا من الممتنع على الشارع.

وقد رفع النبي ﷺ المؤاخذة عمن أكل وشرب في نهار رمضان ناسيا لصومه مع ان اكله وشربه فعل لا يمكن تداركه فكيف يؤاخذه بفعل المحلوف عليه ناسيا ويطلق عليه امرأته ويخرب بيته ويشتت شمله وشمل أولاده وأهله وقد عفا له عن الاكل والشرب في نهار الصوم ناسيا.

وقد عفا عمن أكل أو شرب في نهار الصوم عمدا غير ناس لما تأول الخيط الابيض والخيط الأسود بالحبلين المعروفين فجعل يأكل حتى تبينا له وقد طلع النهار وعفا له عن ذلك ولم يأمره بالقضاء لتأويله فما بال الحالف المتأول لا يعفى له عن الحنث بل يخرب بيته ويفرق بينه وبين حبيبته ويشتت شمله كل مشتت.

وقد عفا عن المتكلم في صلاته عمدا ولم يأمره بالاعادة لما كان جاهلا بالتحريم لم يتعمد مخالفة حكمه فألغى كلامه ولم يجعله مبطلا للصلاة فكيف لا يقتدى به ويلغى قول الجاهل وفعله في باب الايمان ولا يحنثه كما لم يؤثمه الشارع.

وإذا كان قد عفا عمن قدم شيئا أواخره من أعمال المناسك من الحلق والرمي والنحر نسيانا أوجهلا فلم يؤاخذه بترك ترتيبها نسيانا فكيف يحنث من قدم ما حلف على تأخيره أواخر ما حلف على تقديمه ناسيا أو جاهلا.

وإذا كان قد عفا عمن حمل القذر في الصلاة ناسيا أو جاهلا به فكيف يؤاخذ الحالف ويحنث به وكيف تكون أوامر الرب تعالى ونواهيه دون ما التزمه الحالف بالطلاق والعتاق وكيف يحنث من لم يتعمد الحنث وهل هذا إلا بمنزلة تأثيمه من لم يتعمد الإثم وتكفيره من لم يتعمد الكفر وكيف يطلق أو يعتق على من لم يتعمد الطلاق والعتاق ولم يطلق على الهازل إلا لتعمده فإنه تعمد الهزل ولم يرد حكمه وذلك ليس إليه بل إلى الشارع فليس الهازل معذورا بخلاف الجاهل والمخطئ والناسي.

وبالجملة فقواعد الشريعة وأصولها تقتضي الا يحنث الحالف جميع ما ذكرنا ولا يطرد على القياس ويسلم من التناقض إلا هذا القول.

وأما تحنيثه في جميع ذلك فإن صاحبه وان سلم من التناقض لكن قوله مخالف لآصول الشريعة وقواعدها وأدلتها ومن حنث في بعض ذلك دون بعض تناقض ولم يطرد له قول ولم يسلم له دليل عن المعارضة.

وقد اختلفت الرواية عن الإمام أحمد في ذلك ففيه ثلاث روايات إحداها انه لا يحنث في شئ من الايمان بالنسيان ولا الجهل بفعل المحلوف عليه مع النسيان سواء كانت من الايمان المكفرة أو غيرها وعلى هذه الرواية فيمينه باقيه لم تنحل بفعل المحلوف عليه مع النسيان والجهل لأن اليمين كما لم يتناول حالة الجهل والنسيان بالنسبة إلى الحنث لم يتناولها بالنسبة إلى البر إذا لو كان فاعلا للمحلوف عليه بالنسبة إلى البر لكان فاعلا له بالنسبة إلى الحنث وهذه الرواية اختيار شيخ الإسلام وغيره وهي أصح قولى الشافعي اختاره جماعة من أصحابه والثانيه يحنث في الجميع وهي مذهب أبي حنيفة ومالك والثالثة يحنث في اليمين التي لا تكفر كالطلاق والعتاق ولا يحنث في اليمين المكفرة وهي اختيار القاضي وأصحابه والذين حنثوه مطلقا نظروا إلى صورة الفعل وقالوا قد وجدت المخالفة والذين فرقوا قالوا الحلف بالطلاق والعتاق من باب التعليق على الشرط فإذا وجد الشرط وجد المشروط سواء كان مختارا لوجوده أولم يكن كما لو قال إن قدم زيد فأنت طالق ففعل المحلوف عليه في حال جنونه فهل هو كالنائم فلا يحنث أو كالناسي فيجرى فيه الخلاف على وجهين في مذهب الإمام أحمد والشافعي واصحهما انه كالنائم لأنه غير مكلف ولو حلف على من يقصد منعه كعبده وزوجته وولده وأجيره ففعل المحلوف عليه ناسيا أو جاهلا فهو كما لو حلف على فعل نفسه ففعله ناسيا أو جاهلا هو على الروايات الثلاث وكذلك هو على القولين في مذهب الشافعي فإن منعه لمن يمتنع بيمينه كمنعه لنفسه فلو حلف لا يسلم على زيد فسلم على جماعة هو فيهم ولم يعلم فإن لم نحنث الناسى فهذا أولى بعدم الحنث لأنه لم يقصده والناسى قد قصد التسليم عليه وإن حنثنا الناسي هل يحنث هذا على روايتين إحداهما يحنث لأنه بمنزلة الناسي إذ هو جاهل بكونه معهم والثانية وهي أصح انه لا يحنث قاله أبوالبركات وغيره وهذا يدل على أن الجاهل اعذر من الناسي واولى بعدم الحنث وصرح به أصحاب الشافعي في الايمان ولكن تناقضوا كلهم في جعل الناسي في الصوم أولى بالعذر من الجاهل ففطروا الجاهل دون الناسي وسوى شيخنا بينهما وقال الجاهل أولى بعدم الفطر من الناسي فسلم من التناقض وقد سووا بين الجاهل والناسي فيمن حمل النجاسة في الصلاة ناسيا أو جاهلا ولم يعلم حتى فرغ منها فجعلوا الروايتين والقولين في الصورتين سواء وقد سوى الله تعالى بين المخطئ والناسي في عدم المؤاخذة وسوى بينهما النبي ﷺ في قوله: "إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان" فالصواب التسوية بينهما.

فصل الإكراه على فعل المحلوف عليه

وأما إذا فعل المحلوف عليه مكرها فعن أحمد روايتان منصوحتات إحداهما يحنث في الجميع والثانية لا يحنث في الجميع وهما قولان للشافعي وخرج أبو البركات رواية ثالثة انه يحنث باليمين بالطلاق والعتاق دون غيرهما من الايمان من نصه على الفرق في صورة الجاهل والناسي فإن ألجئ أو حمل أو فتح فمه وأوجز ما حلف انه لا يشربه فإن لم يقدر على الامتناع لم يحنث وإن قدر على الامتناع فوجهان وإذا لم يحنث فاستدام ما الجئ عليه كما لو الجئ إلى دخول دار حلف انه لا يدخلها فهل يحنث فيه وجهان ولو حلف على غيره ممن يقصد منعه على ترك فعل ففعله مكرها أو ملجأ فهو على هذا الخلاف سواء.

فصل حكم المتأول

أما المتأول فالصواب انه لا يحنث كما لم ياثم في الأمر والنهي وقد صرح به الأصحاب فيما لو حلف انه لا يفارق غريمه حتى يقبض حقه فأحاله به ففارقه يظن ان ذلك قبض وانه بر في يمينه فحكوا فيه الروايات الثلاث.

وطرد هذا كل متأول ظن انه لا يحنث بما فعله فإن غايته أن يكون جاهلا بالحنث وفي الجاهل الروايات الثلاث وإذا ثبت هذا في حق المتأول فكذلك في حق المقلد أولى فإذا حلف بالطلاق ألا يكلم فلانا أولا يدخل داره فأفتاه مفت بعدم وقوع الطلاق في هذه اليمين اعتقادا لقول على بن أبي طالب كرم الله وجهه وطاوس وشريح أو اعتقادا لقول أبي حنيفة والقفال في صيغة الالتزام دون صيغة الشرط أو اعتقاد لقول اشهب وهو اجل أصحاب مالك أنه إذا علق الطلاق بفعل الزوجة انه لم يحنث بفعلها أو اعتقادا لقول أبي عبد الرحمن الشافعي اجل أصحاب الشافعي ان الطلاق المعلق لا يصح كما لا يصح النكاح والبيع والوقف المعلق وهو مذهب جماعة من أهل الظاهر لم يحنث في ذلك كله ولم يقع الطلاق ولو فرض فساد هذه الأقوال كلها فإنه إنما فعل المحلوف عليه متأولا مقلدا ظانا انه لا يحنث به فهو أولى بعدم الحنث من الجاهل والناسي وغاية ما يقال في الجاهل إنه مفرط حيث لم يستقص ولم يسأل غير من أفتاه وهذا بعينه يقال في الجاهل إنه مفرط حيث لم يبحث ولم يسأل عن المحلوف عليه فلو صح هذا الفرق لبطل عذر الجاهل ألبتة فكيف والمتأول مطيع لله مأجور إما أجرا واحدا أو أجرين.

والنبي ﷺ لم يؤاخذ خالدا في تأويله حين قتل بني جذيمة بعد إسلامهم ولم يؤاخذ أسامة حين قتل من قال لا إله إلا الله لأجل التأويل ولم يؤاخذ من أكل نهارا في الصوم عمدا لأجل التأويل ولم يؤاخذ أصحابه حين قتلوا من سلم عليهم وأخذوا غنيمته لاجل التاويل ولم يؤاخذ المستحاضة بتركها الصوم والصلاه لاجل التأويل ولم يؤاخذ عمر رضي الله عنه حين ترك الصلاة لما اجنب في السفر ولم يجد ماء ولم يؤاخذ من تمعك في التراب كتمعك الدابة وصلى لأجل التأويل وهذا أكثر من أن يستقصى.

وأجمع أصحاب رسول الله ﷺ على أن كل مال أو دم اصيب بتاويل القران فهو هدر في قتالهم في الفتنه قال الزهري وقعت الفتنة وأصحاب رسول الله ﷺ كلهم متوافرون فأجمعوا على أن كل مال أو دم اصيب بتأويل القرآن فهو هدر أنزلوهم منزلة الجاهلية ولم يؤاخذ النبي ﷺ عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين رمى حاطب بن أبي بلتعة المؤمن البدري بالنفاق لأجل التأويل ولم يؤاخذ أسيد بن حضير بقوله لسعد سيد الخزرج إنك منافق تجادل عن المنافقين لأجل التأويل ولم يؤاخذ من قال عن مالك بن الدخشم ذلك المنافق نرى وجهه وحديثه إلى المنافقين لاجل التأويل ولم يؤاخذ عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين ضرب صدر أبي هريرة حتى وقع على الأرض وقد ذهب للتبليغ عن رسول الله ﷺ بأمره فمنعه عمر وضربه وقال ارجع وأقره رسول الله ﷺ على فعله ولم يؤاخذه لأجل التأويل.

وكما رفع مؤاخذة التأثيم في هذه الأمور وغيرها رفع مؤاخذة الضمان في الأموال والقضاء في العبادات فلا يحل لأحد أن يفرق بين رجل وامرأته لأمر يخالف مذهبه وقوله الذي قلد فيه بغير حجة فإذا كان الرجل قد تأول وقلد من أفتاه بعدم الحنث فلا يحل له أن يحكم عليه بأنه حانث في حكم الله ورسوله ولم يتعمد الحنث بل هذه فرية على الله ورسوله وعلى الحالف وإذا وصل الهوى إلى هذا الحد فصاحبه تحت الدرك وله مقام وأي مقام بين يدي الله يوم لا ينفعه شيخه ولا مذهبه ومن قلده والله المستعان.

وإذا قال الرجل لامرأته أنت طالق ثلاثا لأجل كلامك لزيد وخروجك من بيتي فبان أنها لم تكلمه ولم تخرج من بيته لم تطلق صرح به الأصحاب قال ابن أبى موسى في الإرشاد فإن قال أنت طالق أن دخلت الدار بنصب الألف والحالف من أهل اللسان فإن كان تقدم لها دخول إلى تلك الدار قبل اليمين طلقت في الحال لأن ذلك للماضي من الفعل دون المستقبل وإن كانت لم تدخلها قبل اليمين بحال لم تطلق وإن دخلت الدار بعد اليمين إذا كان الحالف قصد بيمينه الفعل الماضي دون المستقبل لأن معنى ذلك إن كنت دخلت الدار فأنت طالق وإن كان الحالف جاهلا باللسان وإنما أراد باليمين الدخول المستقبل فمتى دخلت الدار بعد اليمين طلقت بما حلف به قولا واحدا وإن كان تقدم لها دخول الدار قبل اليمين فهل يحدث بالدخول الماضي أم لا على وجهين أصحهما لا يحنث.

والمقصود أنه إذا علل الطلاق بعلة ثم تبين انتفاؤها فمذهب أحمد انه لا يقع بها الطلاق وعند شيخنا لا يشترط ذكر التعليل بلفظه ولا فرق عنده بين أن يطلقها لعلة مذكورة في اللفظ أو غير مذكورة فإذا تبين انتفاؤها لم يقع الطلاق وهذا هو الذي لا يليق بالمذهب غيره ولا تقتضى قواعد الأئمة غيره فإذا قيل له امرأتك قد شربت مع فلان أو باتت عنده فقال اشهدوا على أنها طالق ثلاثا ثم علم أنها كانت تلك الليلة في بيتها قأئمة تصلي فإن هذا الطلاق لا يقع به قطعا وليس بين هذا وبين قوله إن كان الأمر كذلك فهي طالق ثلاثا فرق ألبته لا عند الحالف ولا في العرف ولا في الشرع فإيقاع الطلاق بهذا وهم محض إذ يقطع بأنه لم يرد طلاق من ليست كذلك وإنما أراد طلاق من فعلت ذلك.

وقد أفتى جماعة من الفقهاء من أصحاب الإمام أحمد والشافعي منهم الغزالي والقفال وغيرهما الرجل يمر على المكاس برقيق فيطالبه بمكسهم فيقول هم أحرار ليتخلص من ظلمه ولا غرض له في عتقهم انهم لا يعتقون وبهذا أفتينا نحن تجار اليمن لما قدموا منها ومروا على المكاسين فقالوا لهم ذلك وقد صرح به أصحاب الشافعي في باب الكتابة بما إذا دفع إليه العوض فقال اذهب فأنت حر بناء على أنه قد سلم له العوض فظهر العوض مستحقا ورجع به على صاحبه انه لا يعتق وهذا هو الفقه بعينه وصرحوا أن الرجل لو علق طلاق امرأته بشرط فظن أن الشرط قد وقع فقال اذهبي فأنت طالق وهو يظن أن الطلاق قد وقع بوجود الشرط فبان أن الشرط لم يوجد لم يقع الطلاق ونص على ذلك شيخنا قدس الله روحه ومن هذا القبيل ما لو قال حلفت بطلاق امرأتي ثلاثا ألا أفعل كذا وكان كاذبا ثم فعله لم يحنث ولم تطلق عليه امرأته قال الشيخ في المغنى إذا قال حلفت ولم يكن حلف فقال الإمام أحمد هي كذبة ليس عليه يمين وعنه عليه الكفارة لأنه أقر على نفسه والأول هو المذهب لأنه حكم فيما بينه وبين الله تعالى فإنه كذب في الخبر به كما لو قال ما صليت وقد صلى.

قلت قال أبو بكر عبد العزيز باب القول في إخبار الإنسان بالطلاق واليمين كاذبا قال في رواية الميموني إذا قال حلفت بيمين ولم يكن حلفه فعليه كفارة يمين فإن قال قد حلفت بالطلاق ولم يكن حلف بها يلزمه الطلاق ويرجع إلى نيته في الواحدة والثلاث وقال في رواية محمد بن الحكم في الرجل يقول قد حلفت ولم يكن حلف فهى كذبة ليس عليه يمين فاختلف أصحابنا على ثلاث طرق إحداها أن المسألة على روايتين والثانية هي طريقة أبي بكر قال عقيب حكاية الروايتين قال عبد العزيز في الطلاق يلزمه وفيما لا يكون من الإيمان لا يلزمه والطريقة الثالثة انه حيث ألزمه أراد به في الحكم وحيث لم يلزمه بقى فيما بينه وبين الله وهذه الطريقة أفقه واطرد على أصول مذهبه والله أعلم.

فصل مذهب مالك في التفريق بين النسيان والجهل وما إلى ذلك

وأما مذهب مالك في هذا الفصل فالمشهور فيه التفريق بين النسيان والجهل والخطأ وبين الإكراه والعجز ونحن نذكر كلام أصحابه في ذلك.

قالوا من حلف ألا يفعل حنث بحصول الفعل عمدا أو سهوا أو خطأ واختار أبو القاسم السيوري ومن تبعه من محققي الأشياخ انه لا يحنث إذا نسى اليمين وهذا اختيار القاضي أبى بكر بن العربي قالوا ولو اكره لم يحنث.

فصل في تعذر فعل المحلوف عليه وعجز الحالف عنه

قال أصحاب مالك من حلف على شئ ليفعلنه فحيل بينه وبين فعله فإن أجل أجلا فامتنع الفعل لعدم المحل وذهابه كموت العبد المحلوف على ضربه أو الحمامة المحلوف على ذبحها فلا حنث عليه بلا خلاف منصوص وإن امتنع الفعل لسبب منع الشرع كمن حلف ليطأن زوجته أوأمته فوجدها حائضا فقيل لا شئ عليه.

قلت وهذا هو الصواب لأنه إنما حلف على وطء يملكه ولم يقصد الوطء الذي لم يملكه الشارع إياه فإن قصده حنث وهذا هو الصواب لأنه إنما حلف على وطء يملكه وهكذا في صورة العجز الصواب انه لا يحنث فإنه إنما حلف على شئ يدخل تحت قدرته ولم يلتزم فعل ما لا يقدر عليه فلا تدخل حالة العجز تحت يمينه وهذا بعينه قد قالوه في المكره والناسي والمخطئ والتفريق تناقض ظاهر فالذي يليق بقواعد أحمد وأصوله انه لا يحنث في صورة العجز سواء كان العجز لمنع شرعي أو منع كوني قدرى كما هو قوله فيما لو كان العجز لإكراه مكره ونصه على خلاف ذلك لا يمنع أن يكون عنده رواية مخرجة من أصوله المذكورة وهذا من أظهر التخريج فلو وطئ مع الحيض وعصى فهل يتخلص من الحنث فيه وجهان في مذهب مالك وأحمد أحدهما يتخلص وإن أثم بالوطء كما لو حلف بالطلاق ليشربن هذه الخمر فشربها فإنه لا تطلق عليه زوجته والثاني لا يبر لأنه إنما حلف على فعل وطء مباح فلا تتناول يمينه المحرم فيقال إذا كان إنما حلف على وطء مأذون فيه شرعا لم تتناول يمينه المحرم فلا يحنث بتركه بعين ما ذكرتم من الدليل وهذا ظاهر.

وحرف المسألة أن يمينه لم تتناول المعجوز عنه لا شرعا ولا قدرا فلا يحنث بتركه وإن كان الامتناع بمنع ظالم كالغاصب والسارق أو غير ظالم كالمستحق فهل يحنث أم لا قال أشهب لا يحنث وهو الصواب لما ذكر وقال غيره من أصحاب مالك يحنث لأن المحل باق وإنما حيل بينه وبين الفعل فيه وللشافعي في هذا الأصل قولان قال أبو محمد الجويني ولو حلف ليشربن ما في هذه الاداوة غدا فأريق قبل الغد بغير اختياره فعلى قولي الإكراه قال والأولى أن لا يحنث وإن حنثنا المكره لعجزه عن الشرب وقدرة المكره على الامتناع فجعل الشيخ أبو محمد العاجز أولى بالعذر من المكره وسوى غيره بينهما ولا ريب أن قواعد الشريعة وأصولها تشهد بهذا القول فإن الأمر والنهي من الشارع نظير الحض والمنع في اليمين وكما أن أمره ونهيه منوط بالقدرة فلا واجب مع عجز ولا حرام مع ضرورة فكذلك الحض والمنع في اليمين إنما هو مقيد بالقدرة.

يوضحه أن الحالف يعلم أن سر نفسه انه لم يلتزم فعل المحلوف عليه مع العجز عنه وإنما التزمه مع قدرته عليه ولهذا لم يحنث المغلوب على الفعل بنسيان أوإكراه ولا من لا قصد له إليه كالمغمى عليه وزائل العقل وهذا قول جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنفية وهو مقتضى أصول الإمام أحمد وإن كان المنصوص عنه خلافه فإنه قال في رواية ابنه صالح إذا حلف أن يشرب هذا الماء الذي في هذا الإناء فانصب فقد حنث ولو حلف أن يأكل رغيفا فجاء كلب فأكله فقد حنث لأن هذا لا يقدر عليه وقال في رواية جعفر بن محمد إذا حلف الرجل على غريمه أن لا يفارقه حتى يستوفى منه ماله فهرب منه مخاتلة فإنه يحنث وهذا وأمثاله من نصوصه مبنى على قوله في المكرة والناسي والجاهل إنه يحنث كما نص عليه فإنه قال في رواية أبي الحارث إذا حلف أن لا يدخل الدار فحمل كرها فأدخل فإنه لا يحنث وكذلك نص على حنث الناسي والجاهل فقد جعل الناس الجاهل والمكره والعاجز بمنزلة ونص في رواية أبي طالب إذا حلف أن لا يدخل الدار فحمل كرها فأدخل فلا شئ عليه وقد قال في رواية أحمد بن القاسم والذباب يدخل حلق الصائم والرجل يرمي بالشيء فيدخل حلق الآخر وكل أمر غلب عليه فليس عليه قضاء ولا غيره وتواترت نصوصه فيمن أكل في رمضان أو شرب ناسيا فلا قضاء عليه فقد سوى بين الناسي والمغلوب وهذا محض القياس والفقه ومقتضى ذلك التسوية بينهما في باب الإيمان كما نص عليه في المكره فتخرج مسألة العاجز والمغلوب على الروايتين بل المغلوب والعاجز أولى بعدم الحنث من الناسي والجاهل كما تقدم بيانه وبالله التوفيق.

فصل التزام الطلاق

المخرج السادس أخذه بقول من يقول إن التزام الطلاق لا يلزم ولا يقع به طلاق ولا حنث وهذا إذا أخرجه بصيغة الالتزام كقوله الطلاق يلزمني أولازم إلى أوثابت على أو حق على أو واجب على أو متعين على إن فعلت أوأن لم أفعله وهذا مذهب أبي حنيفة وبه أفتى جماعة من مشايخ مذهبه وبه أفتى القفال في قوله الطلاق يلزمني ونحن نذكر كلامهم بحروفه.

أقوال الحنفية في التزام الطلاق

قال صاحب الذخيرة من الحنفية لو قال لها طلاقك على واجب أولازم أو فرض أوثابت ذكر أبو الليث خلافا بين المتأخرين فمنهم من قال يقع واحدة رجعية نوى أولم ينو ومنهم من قال لا يقع نوى أولم ينو ومنهم من قال في قوله واجب يقع بدون النية وفي قوله لازم لا يقع وإن نوى وعلى هذا الخلاف إذا قال إن فعلت كذا فظلاقك على واجب أو قال لازم أوثابت ففعلت وذكر القدوري في شرحه أن على قول أبي حنيفة لا يقع الطلاق في الكل وعند أبى يوسف أن نوى الطلاق يقع في الكل وعن محمد انه يقع في قوله لازم ولا يقع في قوله واجب ثم ذكر من اختار من المشايخ الوقوع ومن اختار عدمه فقال وكان الإمام ظهير الدين المرغيناني يفتى بعدم الوقوع في الكل وقال القفال في فتاويه إذا قال الطلاق يلزمني فليس بصريح ولا كناية حتى لا يقع به وإن نواه ولهذا القول مأخذان أحدهما أن الطلاق لا بد فيه من الإضافة إلى المرأة ولم تتحقق الإضافة ههنا ولهذا لو قال أنا منك طالق لم تطلق ولو قال لها طلقي نفسك فقالت أنت طالق لم تطلق والمأخذ الثاني وهو مأخذ أصحاب أبي حنيفة أنه التزام لحكم الطلاق وحكمه لا يلزمه إلا بعد وقوعه وكأنه قال فعلى أن أطلقك وهو لو صرح بهذا لم تطلق بغير خلاف فهكذا المصدر وسر المسألة أن ذلك التزام لأن يطلق أو التزام لطلاق واقع فإن كان التزاما لأن يطلق لم تطلق وإن كان التزاما لطلاق واقع فكأنه قال إن فعلت كذا فأنت طالق طلاقا يلزمني طلقت إذا وجد الشرط ولمن رجح هذا أن يحيل فيه على العرف فان الحالف لا يقصد إلا هذا ولا يقصد التزام التطليق وعلى هذا فيظهر أن يقال إن نوى بذلك التزام التطليق لم تطلق وإن نوى وقوع الطلاق طلقت وهذا قول أبى يوسف وقول جمهور أصحاب الشافعي ومن جعله صريحا في وقوع الطلاق حكم فيه بالعرف وغلبه استعمال هذا اللفظ في وقوع الطلاق وهذا قول أبى المحاسن الروياني والوجوه الثلاثة في مذهب الشافعي حكاها شارح التنبيه وغيره.

وفي المسألة قولان آخران وهما للحنفية:

أحدهما أنه إن قال فالطلاق على واجب يقع نواه أولم ينوه وإن قال فالطلاق إلى لازم لا يقع نواه أولم ينوه ووجه هذا الفرق أن قوله لازم التزام لأن يطلق فلا تطلق بذلك وقوله واجب إخبار عن وجوبه عليه ولا يكون واجبا إلا وقد وقع ولمن سوى بينهما أن يقول هو إيجاب للتطليق وإخبار عن وقوع الطلاق ولا ريب أن اللفظ محتمل لهما كاحتمال قوله الطلاق يلزمني سواء وهذا هو الصواب والفرق تحكم.

والثاني قول محمد بن الحسن وهو عكس هذا القول أن الطلاق يقع بقوله الطلاق لي لازم أو يلزمني ولا يقع بقوله هو على واجب وعلى هذا الخلاف قوله إن فعلت كذا فالعتق يلزمني أو فعلى العتق أو فالعتق لازم لي أواجب علي.

فصل هل ينفذ الطلاق المعلق الذي يقصد به الترهيب

المخرج السابع أخذه بقول أشهب من أصحاب مالك بل هو أفقههم على الإطلاق فإنه قال إذا قال الرجل لامرأته إن كلمت زيدا أو خرجت من بيتي بغير إذني ونحو ذلك مما يكون من فعلها فأنت طالق وكلمت زيدا أو خرجت من بيته تقصد أن يقع علها الطلاق لم تطلق حكاه أبو الوليد ابن رشد في كتاب الطلاق من كتاب المقدمات له وهذا القول هو الفقه بعينه ولا سيما على أصول مالك وأحمد في مقابلة العبد بنقيض قصده كحرمان القاتل ميراثه من المقتول وحرمان الموصى له وصية من قتله بعد الوصيه وتوريث امرأة من طلقها في مرض موته فرارا من ميراثها وكما يقوله مالك وأحمد في إحدى الروايتين عنهما وقبلهما عمر بن الخطاب رضي الله عنه فيمن تزوج في العدة وهو يعلم يفرق بينهما ولا تحل له أبدا ونظائر ذلك كثيرة فمعاقبة المرأة ههنا بنقيض قصدها هو محض القياس والفقه ولا ينتقض هذا على أشهب بمسألة المخيرة ومن جعل طلاقها بيدها لأن الزوج قد ملكها ذلك وجعله بيدها بخلاف الحالف فإنه لم يقصد طلاقها بنفسه ولا جعله بيدها باليمين حتى لو قصد ذلك فقال إن أعطيتني ألفا فأنت طالق أوإن أبرأتني من جميع حقوقك فأنت طالق فأعطته أو أبرأته طلقت.

ولا ريب أن هذا الذي قال أشهب أفقه من القول بوقوع الطلاق فإن الزوج إنما قصد حضها ومنعها ولم يقصد تفويض الطلاق إليها ولا خطر ذلك بقلبه ولا قصد وقوع الطلاق عند المخالفة ومكان أشهب من العلم والإمامة غير مجهول فذكر أبو عمر بن عبد البر في كتاب الانتقاء عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال أشهب أفقه من ابن القاسم مائة مرة وأنكر ابن كنانة ذلك قال ليس عندنا كما قال محمد وإنما قاله لأن أشهب شيخه ومعلمه، قال أبو عمر أشهب شيخه ومعلمه وابن القاسم شيخه وهو أعلم بهما لكثرة مجالسته لهما وأخذه عنهما.

فصل هل الحلف بالطلاق يلزم

المخرج الثامن أخذه بقول من يقول إن الحلف بالطلاق لا يلزم ولا يقع على الحانث به طلاق ولا يلزمه كفارة ولا غيرها وهذا مذهب خلق من السلف والخلف صح ذلك عن أمير المؤمنين علي ابن أبى طالب كرم الله وجهه.

قال بعض الفقهاء المالكية وأهل الظاهر ولا يعرف لعلى في ذلك مخالف من الصحابة هذا لفظ أبى القاسم التيمي في شرح أحكام عبد الحق وقاله قبله أبو محمد بن حزم وصح ذلك عن طاوس اجل أصحاب ابن عباس رضي الله عنه وأفقههم على الإطلاق قال عبد الرزاق في مصنفة أنبأنا ابن جريج قال أخبرني ابن طاوس عن أبيه انه كان يقول الحلف بالطلاق ليس شيئا قلت أكان يراه يمينا قال لا أدري وهذا أصح إسناد عمن هو من أجل التابعين وأفقههم وقد وافقه أكثر من أربعمائة عالم ممن بنى فقهه على نصوص الكتاب والسنة دون القياس ومن آخرهم أبو محمد بن حزم قال في كتابه المحلى مسألة اليمين بالطلاق لا يلزم سواء بر أو حنث لا يقع به طلاق ولا طلاق إلا كما أمر الله تعالى ولا يمين إلا كما شرع الله تعالى على لسان رسوله ثم قرر ذلك وساق اختلاف الناس في ذلك ثم قال فهؤلاء على بن أبى طالب كرم الله وجهه وشريح وطاوس لا يقضون بالطلاق على من حلف به فحنث ولا يعرف في ذلك لعلي كرم الله وجهة مخالف من الصحابة رضي الله عنهم.

قلت أما اثر علي رضي الله عنه فرواه حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن أن رجلا تزوج امرأة وأراد سفرا فأخذه أهل امرأته فجعلها طالقا إن لم يبعث بنفقتها إلى شهر فجاء الأجل ولم يبعث إليها بشيء فلما قدم خاصموه إلى على فقال علي كرم الله وجهه اضطهدتموه حتى جعلها طالقا فردها عليه ولا متعلق لهم بقوله اضطهدتموه لأنه لم يكن هناك إكراه فإنهم إنما طالبوه بحق نفقتها فقط ومعلوم أن ذلك ليس بإكراه على الطلاق ولا على اليمين وليس في القصة انهم اكرهوه بالقتل أو بالضرب أو الحبس أو أخذ المال على اليمين حتى يكون يمين مكره والسائلون لم يقولوا لعلي شيئا من ذلك ألبته وإنما خاصموه في حكم اليمين فقط فنزل علي كرم الله وجهه ذلك منزلة المضطهد حيث لم يرد طلاق امرأته وإنما أراد التخلص إلى سفره فالحلف والمضطهد كل منهما لم يرد طلاق امرأته فالمضطهد محمول على الطلاق تكلم به ليتخلص من ضرر الإكراه والحالف حلف به ليتوصل إلى غرضه من الحض أو المنع أو التصديق أو التكذيب ولو اختلف حال الحالف بين أن يكون مكرها أو مختارا لسأله علي كرم الله وجهه عن الإكراه وشروطه وحقيقته وبأي شئ أكره وهذا ظاهر بحمد الله فارض للمقلد بما رضى لنفسه.

وأما أثر شريح ففي مصنف عبد الرزاق عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن شريح انه خوصم إليه في رجل طلق امرأته إن أحدث في الإسلام حدثا فاكترى بغلا إلى حمام أعين فتعدى به إصبهان فباعه واشترى به خمرا فقال شريح إن شئتم شهدتم عليه انه طلقها فجعلوا يرددون عليه القصة ويردد عليهم فلم يره حدثا ولا متعلق لقول الراوي إما محمد إما هشام فلم يره حدثا فإنما ذلك ظن منه قال أبو محمد وأي حدث أعظم ممن تعدى من حمام أعين وهو على مسيرة أميال يسيره من الكوفة إلى أصبهان ثم باع بغل مسلم ظلما واشترى به خمرا.

قلت والظاهر أن شريحا لما ردت عليه المرأة ظن من شاهد القصة انه لم ير ذلك حدثا إذ لو رآه حدثا لأوقع عليها الطلاق وشريح إنما ردها لأنه علم انه لم يقصد طلاق امرأته وإنما قصد اليمين فقط فلم يلزمه بالطلاق فقال الراوي فيهم فلم ير ذلك حدثا وشريح أفقه في دين الله أن لا يرى مثل هذا حدثا.

وممن روي عنه عدم وقوع الطلاق على الحالف إذا حنث عكرمة مولى ابن عباس كما ذكره سنيد بن داود في تفسيره في أول سورة النور عنه بإسناده أنه سئل عن رجل حلف بالطلاق انه لا يكلم أخاه فكلمه فلم ير ذلك طلاقا ثم قرأ ولا تتبعوا خطوات الشيطان.

ومن تأمل المنقول عن السلف في ذلك وجده أربعة أنواع صريح في عدم الوقوع وصريح في الوقوع وظاهر في عدم الوقوع وتوقف عن الطرفين.

فالمنقول عن طاوس وعكرمة صريح في عدم الوقوع وعن علي عليه السلام وشريح ظاهر في ذلك وعن ابن عيينه صريح في التوقف وأما التصريح بالوقوع فلا يؤثر عن صحابي إلا فيما هو محتمل لإرادة الوقوع عند الشرط كالمنقول عن أبي ذر بل الثابت عن الصحابة عدم الوقوع في صورة العتق الذي هو أولى بالنفوذ من الطلاق ولهذا ذهب إليه أبو ثور وقال القياس أن الطلاق مثله إلا أن تجميع الأمة عليه فتوقف في الطلاق لتوهم الإجماع وهذا عذر أكثر الموقعين للطلاق وهو ظنهم أن الإجماع على الوقوع مع اعترافهم انه ليس في الكتاب والسنة والقياس الصحيح ما يقتضى الوقوع وإذا تبين انه ليس في المسألة إجماع تبين أن لا دليل أصلا يدل على الوقوع والأدلة الدالة على عدم الوقوع في غاية القوة والكثرة وكثير منها لا سبيل إلى دفعه فكيف يجوز معارضتها بدعوى إجماع قد علم بطلانه قطعا فليس بأيدي الموقعين آية من كتاب أو سنة ولا أثر عن رسول الله ﷺ ولا عن أصحابه ولا قياس صحيح والقائلون بعدم الوقوع لو لم يكن معهم إلا الاستصحاب الذي لا يجوز الانتقال عنه إلا لما هو أقوى منه لكان كافيا فكيف ومعهم الاقيسة التي أكثرها من باب قياس الأولى والباقي من القياس المساوي وهو قياس النظير على نظيره والآثار والعمومات والمعاني الصحيحة والحكم والمناسبات التي شهد لها الشرع بالاعتبار ما لم يدفعهم منازعوهم عنهم بحجة أصلا وقولهم وسط بين قولين متباينين غاية التباين أحدهما قول من يعتبر التعليق فيوقع به الطلاق على كل حال سواء كان تعليقا قسميا يقصد به الحالف منع الشرط والجزاء أو تعليقا شرطيا يقصد به حصول الجزاء عند حصول الشرط والثاني قول من يقول إن هذا التعليق كله لغو لا يصح بوجه ما ولا يقع الطلاق به ألبته كما سنذكره في المخرج الذي بعد هذا إن شاء الله فهؤلاء توسطوا بين الفريقين وقالوا يقع الطلاق في صورة التعليق المقصود به وقوع الجزاء ولا يقع صورة التعليق القسمى وحجتهم قأئمة على الفريقين وليس لأحد منهما حجة صحيحة عليهم بل كل حجة صحيحة احتج بها الموقعون فإنما تدل على الوقوع في صورة التعليق المقصود وكل حجة احتج بها المانعون صحيحة فإنما تدل على عدم الوقوع في صورة التعليق القسمي فهم قائلون بمجموع حجج الطائفتين وجامعون للحق الذي مع الفريقين ومعارضون قول كل من الفريقين وحججهم بقول الفريق الآخر وحججهم.

فصل الطلاق المعلق بالشرط

المخرج التاسع أخذه بقول من يقول إن الطلاق المعلق بالشرط لا يقع ولا يصح تعليق الطلاق كما لا يصح تعليق النكاح وهذا اختيار أبى عبد الرحمن أحمد ابن يحيى بن عبد العزيز الشافعي أحد أصحاب الشافعي الاجلة أوأجلهم وكان الشافعي يجله ويكرمه ويكنيه ويعظمه وأبو ثور وكانا يكرمانه وكان بصره ضعيفا فكان الشافعي يقول لا تدفعوا إلى أبى عبد الرحمن الكتاب يعارض به فإنه يخطئ وذكره أبو إسحاق الشيرازي في طبقات أصحاب الشافعي ومحل الرجل من العلم والتضلع منه لا يدفع وهو في العلم بمنزلة أبي ثور وتلك الطبقة وكان رفيق أبي ثور وهو أجل من جميع أصحاب الوجوه من المنتسبين إلى الشافعي فإذا نزل بطبقته إلى طبقة أصحاب الوجوه كان قوله وجها وهو أقل درجاته.

وهذا مذهب لم ينفرد به بل قد قال به غيره من أهل العلم قال أبو محمد بن حزم في المحلى: والطلاق بالصفة عندنا كما هو الطلاق باليمين كل ذلك لا يلزم. وبالله التوفيق ولا يكون طلاقا إلا كما أمر الله تعالى وعلمه وما عداه فباطل وتعد لحدود الله تعالى.

وهذا القول وإن لم يكن قويا في النظر فإن الموقعين للطلاق لا يمكنهم إبطاله ألبته لتناقضهم وكان أصحابه يقولون لهم قولنا في تعليق الطلاق بالشرط كقولكم في تعليق الإبراء أو الهبة والوقف والبيع والنكاح سواء فلا يمكنكم ألبته ان تفرقوا بين ما صح تعليقه من عقود التبرعات والمعاوضات والإسقاطات بالشروط ومالا يصح تعليقه فلا تبطلوا قول منازعيكم في صحة تعليق الطلاق بالشرط بشئ إلا كان هو بعينه حجة عليكم في إبطال قولكم في منع صحة تعليق الإبراء والهبة والوقف والنكاح فما الذي أوجب إلغاء هذا التعليق وصحة ذلك التعليق فإن فرقتم بالمعارضة وقلتم إن عقود المعارضات لا تقبل التعليق بخلاف غيرها انتقض عليكم طردا بالجعالة وعكسا بالهبة والوقف فانتقض عليكم الفرق طردا وعكسا وإن فرقتم بالتمليك والإسقاط فقلتم عقود التمليك لا تقبل التعليق بخلاف عقود الإسقاط انتقض أيضا طرده بالوصية وعكسه بالإبراء فلا طرد ولا عكس وإن فرقتم بالادخال في ملكه والإخراج عن ملكه فصححتم التعليق في الثاني دون الأول انتقض أيضا فرقكم فإن الهبة والإبراء إخراج عن ملكه ولا يصح تعليقها عندكم وإن فرقتم بما يحتمل الغرر ومالا يحتمله فما يحتمل الغرر والاخطار يصح تعليقه بالشرط كالطلاق والعتق والوصية ومالا يحتمله لا يصح تعليقه كالبيع والنكاح والاجارة انتقض عليكم بالوكالة فإنها لا تقبل التعليق عندكم وتحتمل الخطر ولهذا يصح أن يوكله في شراء عبد ولا يذكر قدره ولا وصفه ولا سنه ولا ثمنه بل يكفى ذكر جنسه فقط أوأن يوكله في شراء دار ويكتفى بذكر محلها وسكنها فقط وأن يوكله في التزوج بامرأة فقط ولا يزيد على كونها امرأة ولا يذكر له جنس مهرها ولا قدره ولا وصفه وأي خطر فوق هذا ومع ذلك منعتم من تعليقها بالشرط وطرد هذا الفرق يوجب عليكم صحة تعليق النكاح بالشرط فإنه يحتمل من الخطر ما لا يحتمل غيره من العقود فلا يشترط فيه رؤية الزوجة ولا صفتها ولا تعيين العوض جنسا ولا قدرا ولا وصفا ويصح مع جهالته وجهالة المرأة ولا يعلم عقد يحتمل من الخطر ما يحتمله فهو أولى بصحة التعليق من الطلاق والعتاق إن صح هذا الفرق.

وقد نص الشافعي على صحة تعليقه فيما لو قال إن كانت جاريتي ولدت بنتا فقد زوجتكها وهذا وإن لم يكن تعليقا على شرط مستقبل فليس بمنزلة قوله متى ولدت جارية فقد زوجتكها لأن هذا فيه خطر ليس في صورة النص وهذا فرق صحيح ولكن لم يوفوه حقه ولم يطرد فقهه فلو قال إن كان أبي مات وورثت منه هذا المتاع فقد بعتكه أبطلتموه وقلتم هو بيع معلق على شرط والبطلان ههنا في غاية العبد من الفقه ولا معنى تحته ولا خطر هناك ولا غرر ألبته وقد نص الإمام أحمد على صحة تعليق النكاح على الشرط.

قال صاحب المستوعب: وأما إذا علق انعقاد النكاح على شرط مثل أن يقول زوجتك إذا جاء رأس الشهر أوإذا رضيت أمها ففيه روايتان أحداهما يبطل النكاح من أصله والأخرى يصح وذكر في الفصل انه إذا تزوجها بشرط الخيار وان جاءها بالمهر إلى وقت كذاوإلا فلا نكاح بينهما ففيه روايتان إحدهما يبطل النكاح من أصله والثانية يبطل الشرط ويصح العقد ونص عليه في رواية الاثرم وقد ذكر القاضي رواية عنه انه إذا تزوجها بشرط الخيار يصح العقد والشرط جميعا فصار عنه ثلاث روايات صحة العقد والشرط وبطلانهما وصحة العقد وفساد الشرط لكن هذا فيما إذا شرط الخيار أوان جاءها بالمهر إلى وقت كذا وإلا فلا نكاح بينهما وأما إذا قال زوجتك إن رضيت أمها فنص على صحة العقد إذا رضيت امها وقال هو نكاح وقال في رواية عبد الله وصالح وحنبل نكاح المتعة حرام وكل نكاح فيه وقت أو شرط فاسد.

والمقصود أن المفرقين بين ما يقبل التعليق بالشرط وما لا يقبل إلى الآن لم يستقر لهم ضابط في الفرق فمن قال من أهل الظاهر وغيرهم إن الطلاق لا يصح تعليقه بالشرط لم يتمكن من الرد عليه من قوله مضطرب فيما يعلق وما لا يعلق ولا يرد عليه بشئ إلا تمكن من رده عليهم بمثله أوأقوى منه وإن ردوا عليه بمخالفته لآثار الصحابة رد عليهم بمخالفة النصوص المرفوعة في صور عديدة قد تقدم ذكر بعضها وإن فرقوا طالبهم بضابط ذلك أولا وبتأثير الفرق شرعا ثانيا فإن الوصف الفارق لا بد أن يكون مؤثرا كالوصف الجامع فإنه لا يصح تعليق الاحكام جمعا وفرقا بالأوصاف التي لا يعلم ان الشارع اعتبرها فإنه وضع شرع لم يأذن به الله وبالجملة فليس بطلان هذا القول أظهر في الشريعة من بطلان التحليل بل العلم بفساد نكاح التحليل أظهر من العلم بفساد هذا القول فإذا جاز التقرير على التحليل وترك إنكاره مع ما فيه من النصوص والآثار التي اتفق عليها أصحاب رسول الله ﷺ على المنع منه ولعن فاعله وذمه فالتقرير على هذا القول أجود وأجوز هذا ما لا يستريب فيه عالم منصف وإن كان الصواب في خلاف القولين جميعا ولكن أحدهما أقل خطأ وأقرب إلى الصواب والله أعلم.

فصل زاول سبب اليمين

المخرج العاشر مخرج زوال السبب وقد كان الأولى تقديمه على هذا المخرج لقوته وصحته فإن الحكم يدور مع علته وسببه وجودا وعدما ولهذا إذا علق الشارع حكما بسبب أو علة زال ذلك الحكم بزوالهما كالخمر علق بها حكم التنجيس ووجوب الحد لوصف الإسكار فإذا زال عنها وصارت خلا زال الحكم وكذلك وصف الفسق علق عليه المنع من قبول الشهادة والرواية فإذا زال الوصف زال الحكم الذي علق عليه وكذلك السفه والصغر والجنون والاغماء تزول الاحكام المعلقة عليها بزوالها والشريعة مبنية على هذه القاعدة فهكذا الحالف إذا حلف على أمر لا يفعله لسبب فزال السبب لم يحنث بفعله لأن يمينه تعلقت به لذلك الوصف فإذا زال الوصف زال تعلق اليمين فإذا دعى إلى شراب مسكر ليشربه فحلف ان لا يشربه فانقلب خلا فشربه لم يحنث فإن منع نفسه منه نظير منع الشارع فإذا زال منع الشارع بانقلابه خلا وجب أن يزول منع نفسه بذلك والتفريق بين الأمرين تحكم محض لا وجه له فإذا كان التحريم والتنجيس ووجوب الاراقة ووجوب الحد وثبوت الفسق قد زال بزوال سببه فما الموجب لبقاء المنع في صورة اليمين وقد زال سببه وهل يقتضى محض الفقه إلا زوال حكم اليمين.

يوضحه أن الحالف يعلم من نفسه انه لم يمنعها من شرب غير المسكر ولم يخطر بباله فإلزامه ببقاء حكم اليمين وقد زال سببها إلزام بما لم يلتزمه هو ولا الزمه به الشارع وكذلك لو حلف على رجل أن لا يقبل له قولا ولا شهادة لما يعلم من فسقه ثم تاب وصار من خيار الناس فإنه يزول حكم المنع باليمين كما يزول حكم المنع من ذلك بالشرع وكذلك إذا حلف ان لا يأكل هذا الطعام أولا يلبس هذا الثوب أولا يكلم هذه المرأة ولا يطأها لكونه لا يحل له ذلك فملك الطعام والثوب وتزوج المرأة فأكل الطعام ولبس الثوب ووطئ المرأة لم يحنث لأن المنع بيمينه كالمنع بمنع الشارع ومنع الشارع يزول بزوال الأسباب التي ترتب عليها المنع فذلك منع الحالف وكذلك إذا حلف لا دخلت هذه الدار وكان سبب يمينه انها تعمل فيها المعاصي وتشرب الخمر فزال ذلك وعادت مجمعا للصالحين وقراءة القرآن والحديث أو قال لا أدخل هذا المكان لأجل ما رأى فيه من المنكر فصار بيتا من بيوت الله تقام فيه الصلوات لم يحنث بدخوله وكذلك إذا حلف لا يأكل لفلان طعاما وكان سبب اليمين أنه يأكل الربا ويأكل أموال الناس بالباطل فتاب وخرج من المظالم وصار طعامه من كسب يده أو تجارة مباحة لم يحنث بأكل طعامه ويزول حكم منع اليمين كما يزول حكم منع الشارع وكذلك لو حلف لا بايعت فلانا وسبب يمينه كونه مفلسا أو سفيها فزال الافلاس والسفه فبايعه لم يحنث وأضعاف أضعاف هذه المسأئل كما إذا اتهم بصحبة مريب فحلف لا أصاحبه فزالت الريبة وخلفها ضدها فصاحبه لم يحنث وكذلك لو حلف المريض لا يأكل لحما أو طعاما وسبب يمينه كونه يزيد في مرضه فصح وصار الطعام نافعا له لم يحنث بأكله.

وقد صرح الفقهاء بمسائل من هذا الجنس فمنها لو حلف لوال ان لا أفارق البلد إلا بإذنك فعزل ففارق البلد بغير إذنه لم يحنث ومنها لو حلف على زوجته لا تخرجين من بيتي إلا بإذنى أو على عبده لا يخرج إلا بإذنه ثم طلق الزوجة واعتق العبد فخرجا بغير إذنه لم يحنث ذكره أصحاب الإمام أحمد قال صاحب المغنى لأن قرينة الحال تنقل حكم الكلام إلى نفسها وهو يملك منع الزوجة والعبد مع ولايته عليهما فكأنه قال ما دمتما في ملكى ولأن السبب يدل على النية في الخصوص كدلالته عليها في العموم وكذلك لو حلف لقاض ان لا أرى منكرا إلا رفعته إليك فعزل لم يحنث بعدم الرفع إليه بعد العزل وكذلك إذا حلف لامرأته ألا أبيت خارج هذه الدار فماتت أو طلقها لم يحنث إذا بات خارجها وكذلك إذا حلف على ابنه ألا يبيت خارج البيت لخوفه عليه من الفساق لكونه أمرد فالتحى وصار شيخا لم يحنث بمبيته خارج الدار وهذا كله مذهب مالك وأحمد فإنهما يعتبران النية في الايمان وبساط اليمين وسببها وما هيجها فيحملان اليمين على ذلك.

وقال أبو عمر بن عبد البر في كتاب الايمان من كتابه الكافي في مذهب مالك: والأصل في هذا الباب مراعاة ما نواه الحالف فإن لم تكن له نية نظر إلى بساط قصته وما أثاره على الحلف ثم حكم عليه بالأغلب من ذلك في نفوس أهل وقته.

وقال صاحب الجواهر المقتضيات للبر والحنث امور الأول النية إذا كانت مما يصلح ان يراد اللفظ بها سواء كانت مطابقة له أوزائدة فيه أو ناقصة عنه بتقييد مطلقه وتخصيص عامه الثاني السبب المثير لليمين يتعرف منه ويعبر عنه بالبساط أيضا وذلك ان القاصد لليمين لا بد ان تكون له نية وإنما يذكرها في بعض الاوقات وينساها في بعضها فيكون المحرك على اليمين وهو البساط دليلا عليها لكن قد يظهر مقتضى المحرك ظهورا لا إشكال فيه وقد يخفى في بعض الحالات وقد يكون ظهوره وخفاؤه بالاضافة.

وكذلك أصحاب الإمام أحمد صرحوا باعتبار النية وحمل اليمين على مقتضاها فإن عدمت رجع إلى سبب اليمين وما هيجها فحمل اللفظ عليه لأنه دليل على النية حتى صرح أصحاب مالك فيمن دفن مالا ونسى مكانه فبحث عنه فلم يجده فحلف على زوجته انها هي التي أخذته ثم وجده لم يحنث قالوا لأن قصده ونيته إنما هو إن كان المال قد ذهب فأنت التي أخذته فتأمل كيف جعلوا القصد والنية في قوة الشرط وهذا هو محض الفقه.

ونظير هذا ما لو دعي إلى طعام فظنه حراما فحلف لا أطعمه ثم ظهر أنه حلال لا شبهة فيه فإنه لا يحنث بأكله لأن يمينه إنما تعلقت به إن كان حراما وذلك قصده.

ومثله لو مر به رجل فسلم عليه فحلف لا يرد عليه السلام لظنه أنه مبتدع أو ظالم أو فاجر فظهر أنه غير ذلك الذي ظنه لم يحنث بالرد عليه.

ومثله لو قدمت له دابة ليركبها فظنها قطوفا أو موحا أو متعسرة الركوب فحلف لا يركبها فظهرت له بخلاف ذلك لم يحنث بركوبها.

وقال أبو القاسم الخرقي في مختصره ويرجع في الايمان إلى النية فإن لم ينو شيئا رجع إلى سبب اليمين وماهيجها وقال أصحاب الإمام أحمد إذا دعى إلى غداء فحلف ان لا يتغدى أو قيل له اقعد فحلف ان لا يقعد اختصت يمينه بذلك الغداء وبالعقود في ذلك الوقت لأن عاقلا لا يقصد ان لا يتغدى أبدا ولا يقعد أبدا.

ثم قال صاحب المغني إن كان له نية فيمينه على ما نوى وإن لم تكن له نية فكلام أحمد يقتضى روايتين إحداهما ان اليمين محمولة على العموم لأن أحمد سئل عن رجل حلف ان لا يدخل بلدا لظلم رآه فيه فزال الظلم قال أحمد النذر يوفى به يعنى لا يدخله ووجه ذلك ان لفظ الشارع إذا كان عاما لسبب خاص وجب الأخذ بعموم اللفظ دون خصوص السبب وكذلك يمين الحالف ونازعه في ذلك شيخنا فقال إنما منعه أحمد من دخول البلد بعد زوال الظلم لأنه نذر لله ألا يدخلها وأكد نذره باليمين والنذر قربة فقد نذر التقرب إلى الله بهجران ذلك البلد فلزمه الوفاء بما نذره هذا هو الذي فهمه الإمام أحمد وأجاب به السائل حيث قال النذر يوفى به ولهذا منع النبي ﷺ المهاجرين من الإقامة بمكة بعد قضاء نسكهم فوق ثلاثة أيام لأنهم تركوا ديارهم لله فلم يكن لهم العود فيها وإن زال السبب الذي تركوها لأجله وذلك نظير مسألة ترك البلد للظلم والفواحش التي فيه إذا نذره الناذر فهذا سر جوابه وإلا فمذهبه الذي عليه نصوصه وأصوله اعتبار النية والسبب في اليمين وحمل كلام الحالفين على ذلك وهذا في نصوصه أكثر من أن يذكر فلينظر فيها.

وأما مذهب أصحاب أبي حنيفة فقال في كتاب الدخائر في كتاب الايمان الفصل السادس في تقييد الايمان المطلقة بالدلالة إذا أرادت المرأة الخروج من الدار فقال الزوج إن خرجت من الدار فأنت طالق فجلست ساعة ثم خرجت لا تطلق وكذلك لو أراد رجل ان يضربه فحلف آخر أن لا يضربه فهذا على تلك الضربة حتى لو مكث ساعة ثم ضربه لا يحنث ويسمى هذا يمين الفور وهذا الخرجة التي قصد والضربة التي قصد هي المقصود بالمنع منها عرفا وعادة فيتعين ذلك بالعرف والعادة وإذا دخل الرجل على الرجل فقال تعال تغد معي فقال والله لا اتغدى فذهب إلى بيته وتغدى مع أهله لا يحنث وكذلك إذا قال الرجل لغيره كل مع فلان فقال والله لا آكل ثم ذكر تقرير ذلك بأنه جواب لقول الآمر له والجواب كالمعاد في السؤال فإنه يتضمن ما فيه قال وليس كابتداء اليمين لأن كلامه لم يخرج جوابا بالتقييد بل خرج ابتداء وهو مطلق عن القيد فينصرف إلى كل غداء قال وإذا قال لغيره كلم لي زيدا اليوم في كذا فقال والله لا أكلمه فهذا يختص باليوم لأنه خرج جوابا عن الكلام السابق وعلى هذا إذا قال له إيتنى اليوم فقال امرأته طالق إن أتاك وقد صرح أصحاب أبي حنيفة بأن النية تعمل في اللفظ لتعيين ما احتمله اللفظ فإذا تعين باللفظ ولم يكن اللفظ محتملا لما نوى لم تؤثر النية فيه فإن حينئذ يكون الاعتبار بمجرد النية ومجرد النية لا أثر لها في إثبات الحكم فإذا احتملها اللفظ فعينت بعض محتملاته أثرت حينئذ قالوا ولهذا لو قال إن لبست ثوبا أوأكلت طعاما أو شربت شرابا أو كلمت امرأة فامرأته طالق ونوى ثوبا أو طعاما أو شرابا أو امرأه معينا دين فيما بينه وبين الله وقبلت نيته بغير خلاف ولو حذف المفعول واقتصر على الفعل فكذلك عند أبي يوسف في رواية عنه والخصاف وهو قول الشافعي وأحمد ومالك.

والمقصود أن النية تؤثر في اليمين تخصيصا وتعميما وإطلاقا وتقييدا والسبب يقوم مقامها عند عدمها ويدل عليها فيؤثر ما يؤثره وهذا هو الذي يتعين الإفتاء به ولا يحمل الناس على ما يقطع انهم لم يريدوه بأيمانهم فكيف إذا علم قطعا انهم أرادوا خلافه والله أعلم.

والتعليل يجري مجرى الشرط فإذا قال أنت طالق لأجل خروجك من الدار فبان انها لم تخرج لم تطلق قطعا صرح به صاحب الارشاد فقال وان قال أنت طالق أن دخلت الدار بنصف الألف والحالف من أهل اللسان ولم يتقدم لها دخول قبل اليمين بحال لم تطلق ولم يذكر فيه خلافا وقد قال الأصحاب وغيرهم إنه إذا قال أنت طالق وقال أردت الشرط دين فكذلك إذا قال لأجل كلامك زيدا أو خروجك من داري بغير إذني فإنه يدين ثم إن تبين انها لم تفعل لم يقع الطلاق ومن أفتى بغير هذا فقد وهم على المذهب والله أعلم.

فصل خلع اليمين

المخرج الحادي عشر خلع اليمين عند من يجوزه كأصحاب الشافعي وغيرهم وهذا وإن كان غير جائز على قول أهل المدينة وقول الإمام أحمد وأصحابه كلهم فإذا دعت الحاجة إليه أو إلى التحليل كان اواى من التحليل من وجوه عديده أحدها ان الله تعالى شرع الخلع رفعا لمفسدة المشاقة الواقعة بين الزوجين وتخلص كل منهما من صاحبه فإذا شرع الخلع رفعا لهذه المفسدة التي هي بالنسبة إلى مفسدة التحليل كتفلة في بحر فتسويغه لدفع مفسدة التحليل أولى.

يوضحه الوجه الثاني ان الحيل المحرمة انما منع منها لما تتضمنه من الفساد الذي اشتملت عليه تلك المحرمات التي يتحيل عليها بهذه الحيل واما حيلة ترفع مفسدة هي من أعظم المفاسد فإن الشارع لا يحرمها.

يوضحه الوجه الثالث ان هذه الحيلة تتضمن مصلحة بقاء النكاح المطلوب للشارع بقاؤه ودفع مفسدة التحليل التي بالغ الشارع كل المبالغة في دفعه والمنع منه ولعن أصحابه فحيلة تحصل المصلحة المطلوب ايجادها وتدفع المفسدة المطاوب اعدامها لا يكون ممنوعا منها.

الوجه الرابع ان ما حرمه الشارع فإنما حرمه لما يتضمنه من المفسدة الخالصة أو الراجحة فإذا كانت مصلحة خالصة أو راجحة لم يحرمه البتة وهذا الخلع مصلحته ارجح من مفسدته.

الوجه الخامس ان غاية ما في هذا الخلع اتفاق الزوجين ورضاهما بفسخ النكاح بغير شقاق واقع بينهما وإذا وقع الخلع من غير شقاق صح وكان غايته الكراهية لما فيه من مفسدة المفارقة وهذا الخلع أريد به لم شعث النكاح بحصول عقد بعده يتمكن الزوجان فيه من المعاشرة بالمعروف وبدونه لا يتمكنان من ذلك بل اما خراب البيت وفراق الأهل وإما التعرض للعنة من لا يقوم للعنته شيء وإما التزام ما حلف عليه وان كان فيه فساد دنياه واخراه لايقوم للعنته شيء كما إذا حلف ليقتلن ولده اليوم أوليشربن هذا الخمر أوليطأن هذا الفرج الحرام أو حلف انه لا يأكل ولا يشرب ولايستظل بسقف ولا يعطى فلانا حقه ونحو ذلك فإذا دار الأمر بين مفسدة التزام المحلوف عليه أو مفسدة الطلاق وخراب البيت وشتات الشمل أو مفسسدة التزام لعنة الله بارتكاب التحليل وبين ارتكاب الخلع المخلص من ذلك جميعه لم يخف على العاقل أي ذلك أولى.

الوجه السادس انهما لو اتفقا على أن يطلقها من غير شقاق بينهما بل ليأخذ غيرها لم يمنع من ذلك فإذا اتفقا على الخلع ليكون سببا إلى دوام اتصالهما كان أولى وأحرى.

ويوضحه الوجه السابع ان الخلع إن قيل إنه طلاق فقد اتفقا على الطلاق بعوض لمصلحة لهما في ذلك فما الذي يحرمه وإن قيل إنه فسخ فلا ريب أن النكاح من العقود اللازمة والعقد اللازم إذا اتفق المتعاقدان على فسخه ورفعه لم يمنعا من ذلك إلا أن يكون العقد حقا لله والنكاح محض حقهما فلا يمنعان من الاتفاق على فسخه.

الوجه الثامن أن الآية اقتضت جواز الخلع إذا خاف الزوجان ألا يقيما حدود الله فكان الخلع طريقا إلى تمكنهما من إقامة حدود الله وهي حقوقه الواجبة عليهما في النكاح فإذا كان الخلع مع استقامة الحال طريقا إلى تمكنهما من إقامة حدوده التي تعطل ولا بد بدون الخلع تعين الخلع حينئذ طريقا إلى إقامتها.

فإن قيل: لا يتعين الخلع طريقا بل ههنا طريقان آخران أحدهما مفارقتهما والثاني عدم إلزام الطلاق بالحنث إذا أخرجه مخرج اليمين إما بكفارة أو بدونها كما هي ثلاثة أقوال للسلف معروفة صرح بها أبو محمد ابن حزم وغيره.

قيل نعم هذان طريقان ولكن إذا أحكم سدهما غاية الاحكام ولم يمكنه سلوك أحدهما وأيهما سلك ترتب عليه غاية الضرر في دينه ودنياه لم يحرم عليه والحالة هذه سلوك طريق الخلع وتعين في حقه طريقان إما طريق الخلع واما سلوك طريق أرباب اللعنة.

وهذه المواضيع وأمثالها لا تحتملها إلا العقول الواسعة التي لها إشراف على أسرار الشريعة ومقاصدها وحكمها وأما عقل لا يتسع لغير تقليد من اتفق له تقليده وترك جميع أقوال أهل العلم لقوله فليس الكلام معه.

الوجه التاسع أن غاية ما منع المانعون من صحة هذا الخلع انه حيلة والحيل باطلة ومنازعوهم ينازعوهم ينازعونهم في كلتا المقدمتين فيقولون الاعتبار في العقود بصورها دون نياتها ومقاصدها فليس لنا ان نسأل الزوج إذا أراد خلع امرأته ما أردت بالخلع وما السبب الذي حملك عليه هل هو المشاقة أو التخلص من اليمين بل نجري حكم التخالع على ظاهره ونكل سرائر الزوجين إلى الله قالوا ولو ظهر لنا قصد الحيلة فالشأن في المقدمة الثانية فليس كل حيلة باطلة محرمة وهل هذا الفصل الطويل الذي نحن فيه إلا في أقسام الحيل والحيلة المحرمة الباطلة هي التي تتضمن تحليل ما حرمه الله أو تحريم ما أحله الله أوإسقاط ما أوجبه وأما حيلة تتضمن الخلاص من الآصار والاغلال والتخلص من لعنه الكبير المتعال فاهلا بها من حيلة وبأمثالها والله يعلم المفسد من المصلح والمقصود تنفيذ أمر الله ورسوله بحسب الامكان والله المستعان.

الوجه العاشر أنه ليس القول ببطلان خلع اليمين أولى من القول بلزوم الطلاق للحالف به غير القاصد له فهلم نحاكمكم إلى كتاب الله وسنة رسوله وأقوال الصحابة رضي الله عنهم وقواعد الشريعة المطهرة وإذا وقع التحاكم تبين أن القول بعدم لزوم الطلاق للحالف به أقوى أدلة وأصح أصولا وأطرد قياسا وأوفق لقواعد الشرع وأنتم معترفون بهذا شئتم أم أبيتم فإذا ساغ لكم العدول عنه إلى القول المتناقض المخالف للقياس ولما أفتى به الصحابة ولما تقتضيه قواعد الشريعة وأصولها فلأن يسوغ لنا العدول عن قولكم ببطلان خلع اليمين إلى ضده تحصيلا لمصلحة الزوجين ولما لشعث النكاح وتعطيلا لمفسدة التحليل وتخلصا لامرأين مسلمين من لعنة الله ورسوله أولى وأحرى والله أعلم.

فصل الحلف بالطلاق من الأيمان التي تدخلها الكفارة

المخرج الثاني عشر أخذه بقول من يقول الحلف بالطلاق من الايمان الشرعية التي تدخلها الكفارة وهذا أحد الأقوال في المسألة حكاه أبو محمد بن حزم في كتاب مراتب الإجماع له فقال: واختلفوا فيمن حلف بشئ غير أسماء الله أو بنحر ولده أو هديه أوأجنبي أو بالمصحف أو بالقرآن أو بنذر أخرجه مخرج اليمين أو بأنه مخالف لدين المسلمين أو بطلاق أو بظهار أو تحريم شئ من ماله ثم ذكر صورا أخرى ثم قال فاختلفوا في جميع هذه الامور أفيها كفارة أم لا ثم قال واختلفوا في اليمين بالطلاق اهو طلاق فيلزم أو هو يمين فلا يلزم حكى في كونه طلاقا فيلزم أو يمينا لا يلزم قولين وحكى قبل ذلك هل فيه كفارة أم لا على قولين واختار هو ألا يلزم ولا كفارة فيه وهذا اختيار شيخنا أبي محمد بن تيمية أخي شيخ الإسلام.

قال شيخ الإسلام: والقول بأنه يمين مكفرة هو مقتضى المنقول عن الصحابة في الحلف بالعتق بل بطريق الأولى فإنهم إذا أفتوا من قال إن لم افعل كذا فكل مملوك لي حر بأنه يمين تكفر فالحالف بالطلاق أولى قال وقد علق القول به أبو ثور فقال إن لم تجمع الأمة على لزومه فهو يمين تكفر وقد تبين أن الأمة لم تجمع على لزومه وحكاه شيخ الإسلام عن جماعة من العلماء الذين سمت هممهم وشرفت نفوسهم فارتفعت عن حضيض التقليد المحض إلى أوج النظر والاستدلال ولم يكن مع خصومه ما يردون به عليه أقوى من الشكاية إلى السلطان فلم يكن له برد هذه الحجة قبل وأما ما سواها فبين فساد جميع حججهم ونقضها أبلغ نقض وصنف في المسألة ما بين مطول ومتوسط ومختصر ما يقارب الفى ورقة وبلغت الوجوه التي استدل بها عليها من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والقياس وقواعد إمامه خاصة وغيره من الأئمة زهاء أربعين دليلا وصار إلى ربه وهو مقيم عليها داع اليها مباهل لمنازعيه باذل نفسه وعرضه وأوقاته لمستفتيه فكان يفتى في الساعة الواحدة فيها بقلمه ولسانه أكثر من أربعين فتيا فعطلت لفتاواه مصانع التحليل وهدمت صوامه وبيعه وكسدت سوقه وتقشعت سحائب اللعنه عن المحللين والمحلل لهم من المطلقين وقامت سوق الاستدلال بالكتاب والسنة والآثار السلفية وانتشرت مذاهب الصحابة والتابعين وغيرهم من أئمة الإسلام للطالبين وخرج من حبس تقليد المذهب المعين به من كرمت عليه نفسه من المستبصرين فقامت قيامه اعدائه وحساده ومن لا يتجاوز ذكر أكثرهم باب داره أو محلته وهجنوا ما ذهب إليه بحسب المستجيبين لهم غاية التهجين فمن استخفوه من الطغام واشباه الانعام قالوا هذا قد رفع الطلاق بين المسلمين وكثر أولاد الزنا في العالمين ومن صادفوا عنده مسكة عقل ولب قالوا هذا قد أبطل الطلاق المعلق بالشرط وقالوا لمن تعلقوا به من الملوك والولاة هذا قد حل بيعة السلطان من اعناق الحالفين ونسوا انهم هم الذين حلوها بخلع اليمين وأما هو فصرح في كتبه ان ايمان الحالفين لا تغير شرائع الدين فلا يحل لمسلم حل بيعه السلطان بفتوى أحد من المفتين ومن أفتى بذلك كان من الكاذبين المفترين على شريعة احكم الحاكمين ولعمر الله لقد منى من هذا بما منى به من سلف من الأئمة المرضيين فما اشبه الليلة بالبارحة للناظرين فهذا مالك بن أنس توصل أعداؤه إلى ضربه بأن قالوا للسلطان إنه يحل عليك أيمان البيعة بفتواه ان يمين المكره لا تنعقد وهم يحلفون مكرهين غير طائعين فمنعه السلطان فلم يمتنع لما أخذه الله من الميثاق على من آتاه الله علما ان يبينه للمسترشدين ثم تلاه على اثره محمد بن إدريس الشافعي فوشى به اعداؤه إلى الرشيد انه يحل أيمان البيعة بفتواه ان اليمين بالطلاق قبل النكاح لا تنعقد ولا تطلق إن تزوجها الحالف وكانوا يحلفونهم في جملة الايمان وان كل امرأة اتزوجها فهي طالق وتلاهما على اثارهما شيخ الإسلام فقال حساده هذا ينقض عليكم ايمان البيعة فما فت ذلك في عضدا أئمة الإسلام ولا ثنى عزمانهم في الله وهممهم ولا صدهم ذلك عما أوجب الله عليهم اعتقاده والعمل به من الحق الذي اداهم إليه اجتهادهم بل مضوا لسبيلهم وصارت أقوالهم اعلاما يهتدي بها المهدون تحقيقا لقوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ}.

فصل الصحابة والتابعون ومن بعدهم أفتوا بمثل ما قلنا

ومن له اطلاع وخبرة وعناية بأقوال العلماء يعلم انه لم يزل في الإسلام من عصر الصحابة من يفتي في هذه المسألة بعدم اللزوم والى الآن.

فأما الصحابة فقد ذكرنا فتاواهم في الحلف بالعتق بعدم اللزوم وان الطلاق أولى منه وذكرنا فتوى علي بن أبي طالب كرم الله وجهه بعدم لزوم اليمين بالطلاق وأنه لا مخالف له من الصحابة.

وأما التابعون فذكرنا فتوى طاوس بأصح إسناد عنه وهو من اجل التابعين وأفتى عكرمة وهو من اغزر أصحاب ابن عباس علما على ما أفتى به طاوس سواء قال سنيد بن داود في تفسيره المشهور في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن سليمان التيمي عن أبي مجلز في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} قال النذور في المعاصي حدثنا عباد بن عباد المهلبي عن عاصم الاحول عن عكرمة في رجل قال لغلامه ان لم أجلدك مائة سوط فامرأته طالق قال لا يجلد غلامه ولا تطلق امراته هذا من خطوات الشيطان.

وأما من بعد التابعين فقد حكى المعتنون بمذاهب العلماء كأبي محمد بن حزم وغيره ثلاثة أقوال في ذلك للعلماء واهل الظاهر لم يزالوا متوافرين على عدم لزوم الطلاق للحالف به ولم يزل منهم الأئمة والفقهاء والمصنفون والمقلدون لهم وعندنا بأسانيد صحيحة لا مطعن فيها عن جماعة من أهل العلم الذين هم أهله في عصرنا وقبله انهم كانوا يفتون بها أحيانا فأخبرني صاحبنا الصادق محمد بن شهوان قال أخبرني شيخنا الذي قرات عليه القران وكان أصدق الناس الشيخ محمد بن المحلى قال أخبرني شيخنا الامام خطيب جامع دمشق عز الدين الفاروقي قال كان والدي يرى هذه المسأله ويفتي بها ببغداد.

وأما أهل المغرب فتواتر عمن يعتني بالحديث ومذاهب السلف منهم أنه كان يفتي بها واوذي بعضهم على ذلك وضرب وقد ذكرنا فتوى القفال في قوله الطلاق يلزمني انه لا يقع به طلاق وان نواه وذكرنا فتاوى أصحاب أبي حنيفة في ذلك وحكايتهم اياه عن الامام نصا وذكرنا فتوى اشهب من المالكية فيمن قال لا مراته ان خرجت من داري أو كلمت فلانا ونحو ذلك فأنت طالق ففعلت لم تطلق ولا يختلف عالمان متحليان بالانصاف ان اختيارات شيخ الإسلام لا تتقاصرعن اختيارات ابن عقيل وأبي الخطاب بل وشيخهما أبي يعلى فإذا كانت اختيارات هؤلاء وأمثالهم وجوها يفتي بها في الإسلام ويحكم بها الحكام فلا اختيارات شيخ الإسلام أسوة بها ان لم ترجح عليها والله المستعان وعليه التكلان.

وجوب اتباع الصحابة والتابعين

في جواز الفتوى بالآثار السلفية والفتاوي الصحابية وأنها أولى بالأخذ بها من آراء المتأخرين وفتاويهم وأن قربها إلى الصواب بحسب قرب أهلها من عصر الرسول - صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله - وأن فتاوي الصحابة أولى أن يؤخذ بها من فتاوي التابعين وفتاوي التابعين أولى من فتاوي تابعي التابعين وهلم جرا، وكلما كان العهد بالرسول أقرب كان الصواب أغلب. وهذا حكم بحسب الجنس لا بحسب كل فرد فرد من المسائل، كما أن عصر التابعين وإن كان أفضل من عصر تابعيهم فإنما هو بحسب الجنس لا بحسب كل شخص شخص ولكن المفضلون في العصر المتقدم أكثر من المفضلين في العصر المتأخر وهكذا الصواب في أقوالهم أكثر من الصواب في أقوال من بعدهم فإن التفاوت بين علوم المتقدمين والمتأخرين كالتفاوت الذي بينهم في الفضل والدين ولعله لا يسع المفتي والحاكم عند الله ان يفتى ويحكم بقول فلان وفلان من المتأخرين من مقلدي الأئمة ويأخذ برأيه وترجيحه ويترك الفتوى والحكم بقول البخاري وإسحاق بن راهويه وعلي بن المديني ومحمد بن نصر المروزي وأمثالهم بل يترك قول ابن المبارك والأوزاعي وسفيان بن عيينة وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وأمثالهم بل لا يلتفت إلى قول ابن أبي ذئب والزهري والليث بن سعد وأمثالهم بل لا يعد قول سعيد بن المسيب والحسن والقاسم وسالم وعطاء وطاوس وجابر بن زيد وشريح وأبي وائل وجعفر بن محمد واضرابهم مما يسوغ الأخذ به بل يرى تقديم قول المتأخرين من أتباع من قلده على فتوى أبي بكر الصديق وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وأبي بن كعب وأبي الدرداء وزيد بن ثابت وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير وعبادة بن الصامت وأبي موسى الاشعري وأضرابهم فلا يدري ما عذره غدًا عند الله إذا سوى بين أقوال أولئك وفتاويهم وأقوال هؤلاء وفتاويهم؛ فكيف إذا رجحها عليها فكيف إذا عين الأخذ بها حكما وإفتاء ومنع الأخذ بقول الصابة واستجاز عقوبة من خالف المتاحرين لها وشهد عليه بالبدعة والضلالة ومخالفة أهل العلم وأنه يكيد الإسلام. تالله لقد أخذ بالمثل المشهور رمتني بدائها وانسلت، وسمى ورثة الرسول باسمه هو وكساهم أثوابه ورماهم بدائه وكثير من هؤلاء يصرخ ويصيح ويقول ويعلن أنه يجب على الأمة كلهم الأخذ بقول من قلدناه ديننا ولا يجوز الأخذ بقول أبي بكر وعمر وعثمان وعلى وغيرهم من الصحابة وهذا كلام من أخذ به وتقلده - ولاه الله ما تولى ويجزيه عليه يوم القيامة الجزاء الأوفى. والذي ندين الله به ضد هذا القول، والرد عليه فنقول:

اختلاف الصحابيين

إذا قال الصحابي قولا فإما أن يخالفه صحابي آخر أولا يخالفه فإن خالفه مثله لم يكن قول أحدهما حجة على الاخر وإن خالفه أعلم منه كما إذا خالف الخلفاء الراشدون أو بعضهم غيرهم من الصحابة في حكم فهل يكون الشق الذي فيه الخلفاء الراشدون أو بعضهم حجة على الاخرين فيه قولان للعلماء وهما روايتان عن الإمام أحمد والصحيح أن الشق الذي فيه الخلفاء أو بعضهم أرجح وأولى ان يؤخذ به من الشق الاخر فإن كان الأربعة في شق فلا شك انه الصواب وإن كان أكثرهم في شق فالصواب فيه أغلب وإن كانوا اثنين واثنين فشق أبي بكر وعمر أقرب إلى الصواب فإن اختلف أبو بكر وعمر فالصواب مع أبي بكر وهذه جملة لا يعرف تفصيلها إلا من له خبرة واطلاع على ما اختلف فيه الصحابة وعلى الراجح من أقوالهم ويكفى في ذلك معرفة رجحان قول الصديق في الجد والاخوة وكون الطلاق الثلاث بفم واحد مرة واحدة وإن تلفظ فيه بالثلاث وجواز بيع أمهات الأولاد وإذا نظر العالم المنصف في أدلة هذه المسائل من الجانبين تبين له ان جانب الصديق ارجح وقد تقدم بعض ذلك في مسألة الجد والطلاق الثلاث بفم واحد ولا يحفظ للصديق خلاف نص واحد ابدا ولا يحفظ له فتوى ولا حكم مأخذها ضعيف ابدا وهو تحقيق لكون خلافته خلافة نبوة.

فصل اتفاق الصحابيين

وإن لم يخالف الصحابي صحابيا آخر فإما أن يشتهر قوله في الصحابة أولا يشتهر فإن اشتهر فالذي عليه جماهير الطوائف من الفقهاء انه إجماع وحجة وقالت طائفة منهم هو حجة وليس بإجماع وقالت شرذمة من المتكلمين وبعض الفقهاء المتأخرين لا يكون إجماعا ولا حجة وإن لم يشتهر قوله أولم يعلم هل اشتهر أم لا فاختلف الناس هل يكون حجة أم لا فالذي عليه جمهور الأمة انه حجة هذا قول جمهور الحنفية صرح به محمد بن الحسن وذكر عن أبي حنيفة نصا وهو مذهب مالك وأصحابه وتصرفه في موطئه دليل عليه وهو قول إسحاق ابن راهويه وأبي عبيد وهو منصوص الإمام أحمد في غير موضع عنه واختيار جمهور أصحابه وهو منصوص الشافعي في القديم والجديد أما القديم فأصحابه مقرون به واما الجديد فكثير منهم يحكى عنه فيه انه ليس بحجة وفي هذه الحكاية عنه نظر ظاهر جدا فإنه لا يحفظ له في الجديد حرف واحد أن قول الصحابي ليس بحجة وغاية ما يتعلق به من نقل ذلك انه يحكى أقوالا للصحابة في الجديد ثم يخالفها ولو كانت عنده حجة لم يخالفها وهذا تعلق ضعيف جدا فإن مخالفة المجتهد الدليل المعين لما هو أقوى في نظره منه لا يدل على أنه لا يراه دليلا من حيث الجملة بل خالف دليلا لدليل أرجح عنده منه وقد تعلق بعضهم بأنه يراه في الجديد إذا ذكر أقوال الصحابة موافقا لها لا يعتمد عليها وحدها كما يفعل بالنصوص بل يعضدها بضروب من الاقيسة فهو تارة يذكرها ويصرح بخلافها وتارة يوافقها ولا يعتمد عليها بل يعضدها بدليل آخر وهذا أيضا تعلق اضعف من الذي قبله فإن تظاهر الأدلة وتعاضدها وتناصرها من عادة أهل العلم قديما وحديثا ولا يدل ذكرهم دليلا ثانيا وثالثا على أن ما ذكروه قبله ليس بدليل.

وقد صرح الشافعي في الجديد من رواية الربيع عنه بأن قول الصحابة حجة يجب المصير إليه فقال: المحدثات من الامور ضربان أحدهما ما أحدث يخالف كتابا أو سنة أوإجماعا أوأثرا فهذه البدعة الضلالة والربيع إنما أخذ عنه بمصر وقد جعل مخالفة الأثر الذي ليس بكتاب ولا سنة ولا إجماع ضلالة وهذا فوق كونه حجة وقال البيهقي في كتاب مدخل السنن له: باب ذكر أقاويل الصحابة إذا تفرقوا قال الشافعي أقاويل الصحابة إذا تفرقوا فيها نصير إلى ما وافق الكتاب والسنة أو الإجماع إذا كان أصح في القياس وإذا قال الواحد منهم القول لا يحفظ عن غيره منهم فيه له موافقة ولا خلاف صرت إلى اتباع قوله إذا لم أجد كتابا ولا سنة ولا إجماعا ولا شيئا في معناه يحكم له بحكمه أو وجد معه قياس قال البيقهي وقال في كتاب اختلافه مع مالك ما كان الكتاب والسنة موجودين فالعذر على من سمعه مقطوع إلا بإتيانه فإن لم يكن ذلك صرنا إلى أقاويل الصحابة أو واحد منهم ثم كان قول الأئمة أبي بكر وعمر وعثمان إذا صرنا إلى التقليد أحب إلينا وذلك إذا لم نجد دلالة في الاختلاف تدل على أقرب الاختلاف من الكتاب والسنة فنتبع القول الذي معه الدلالة لأن قول الامام مشهور بانه يلزم الناس ومن لزم قوله الناس كان أشهر ممن يفتي الرجل أو النفر وقد يأخذ بفتياه ويدعها وأكثر المفتين يفتون الخاصة في بيوتهم ومجالسهم ولا يعتني العامة بما قالوا عنايتهم بما قال الإمام وقد وجدنا الأئمة ينتدبون فيسألون عن العلم من الكتاب والسنة فيما أرادوا ان يقولوا فيخبرون بخلاف قولهم فيقبلون من المخبر ولا يستنكفون عن ان يرجعوا لتقواهم الله وفضلهم فإذا لم يوجد عن الأئمة فأصحاب رسول الله ﷺ في الدين في موضع الامانة أخذنا بقولهم وكان اتباعهم أولى بنا من اتباع من بعدهم.

قال الشافعي رضي الله عنه: والعلم طبقات الأولى الكتاب والسنة، الثانية الإجماع فيما ليس كتابا ولا سنة الثالثة ان يقول صحابي فلا يعلم له مخالف من الصحابة الرابعة اختلاف الصحابة الخامسة القياس؛ هذا كله كلامه في الجديد.

قال البيهقي بعد أن ذكر هذا: وفي الرسالة القديمة للشافعي بعد ذكر الصحابة وتعظيمهم قال: "وهم فوقنا في كل علم واجتهاد وورع وعقل أمر استدرك به علم وآراؤهم لنا أحمد واولى بنا من راينا ومن أدركنا ممن نرضى أو حكى لنا عنه ببلدنا صاروا فيما لم يعلموا فيه سنة إلى قولهم إن اجتمعوا أو قول بعضهم إن تفرقوا وكذا نقول ولم نخرج من أقوالهم كلهم".

قال: "وإذا قال الرجلان منهم في شئ قولين نظرت فإن كان قول أحدهما اشبه بالكتاب والسنة أخذت به لأن معه شيئا قويا فإن لم يكن على واحد من القولين دلالة بما وصفت كان قول الأئمة أبي بكر وعمر وعثمان أرجح عندنا من واحد لو خالفهم غير إمام".

قال البيهقي: وقال في موضع آخر: "فإن لم يكن على القول دلالة من كتاب ولا سنة كان قول أبي بكر وعمر وعثمان أحب إلى من قول غيرهم فإن اختلفوا صرنا إلى القول الذي عليه دلالة وقلما يخلو اختلافهم من ذلك وإن اختلفوا بلا دلالة نظرنا إلى الأكثر فإن تكافئوا نظرنا أحسن أقاويلهم مخرجا عندنا وإن وجد للمفتين في زماننا أو قبله إجماعا في شيء تبعناه فإذا نزلت نازله لم نجد فيها واحدة من هذه الامور فليس إلا اجتهاد الرأي".

فهذا كلام الشافعي رحمه الله ورضي عنه بنصه ونحن نشهد بالله أنه لم يرجع عنه بل كلامه في الجديد مطابق لهذا موافق له كما تقدم ذكر لفظه وقد قال في الجديد في قتل الراهب إنه القياس عنده ولكن أتركه لقول أبي بكر الصديق رضي الله عنه فقد أخبرنا انه ترك القياس الذي هو دليل عنده لقول الصاحب فكيف يترك موجب الدليل لغير دليل وقال في الضلع بعير قلته تقليدا لعمر وقال في موضع آخر قلته تقليدا لعثمان وقال في الفرائض هذا مذهب تلقيناه عن زيد ولا تستوحش من لفظة التقليد في كلامه وتظن انها تنفي كون قوله حجة بناء على ما تلقيته من اصطلاح المتأخرين أن التقليد قبول قول الغير بغير حجة فهذا اصطلاح حادث وقد صرح الشافعي في موضع من كلامه بتقليد خبر الواحد فقال قلت هذا تقليدا للخبر وأئمة الإسلام كلهم على قبول قول الصحابي قال نعيم بن حماد: ثنا ابن المبارك قال سمعت أبا حنيفة يقول: "إذا جاء عن النبي ﷺ فعلى الرأس والعين وإذا جاء عن الصحابة نختار من قولهم وإذا جاء عن التابعين زاحمناهم" وذهب بعض المتأخرين من الحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة وأكثر المتكلمين إلى انه ليس بحجة وذهب بعض الفقهاء إلى أنه إن خالف القياس فهو حجة وإلا فلا قالوا لأنه إذا خالف القياس لم يكن إلا عن توقيف وعلى هذا فهو حجة وإن خالفه صحابي آخر والذين قالوا ليس بحجة قالو لأن الصحابي مجتهد من المجتهدين يجوز عليه الخطأ فلا يجب تقليده ولا يكون حجة كسائر المجتهدين ولان الأدلة الدالة على بطلان التقليلد تعم تقليد الصحابة ومن دونهم ولأن التابعي إذا أدرك عصر الصحابة اعتد بخلافه عند أكثر الناس فكيف يكون قول الواحد حجة عليه ولان الأدلة قد انحصرت في الكتاب والسنة والإجماع والقياس والاستصحاب وقول الصحابي ليس واحدا منها ولان امتيازه بكونه أفضل واعلم وأتقى لا يوجب وجوب اتباعه على مجتهد آخر من علماء التابعين بالنسبة إلى من بعدهم.

فنقول: الكلام في مقامين أحدهما في الأدلة الدالة على وجوب اتباع الصحابة الثاني في الجواب عن شبه النفاة.

الأدلة على أن اتباع الصحابة واجب

فأما الأول فمن وجوه أحدها ما احتج به مالك وهو قوله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} فوجه الدلالة ان الله أثنى على من اتبعهم فإذا قالوا قولا فاتبعهم متبع عليه قبل ان يعرف صحته فهو متبع لهم فيجب أن يكون محمودا على ذلك وان يستحق الرضوان ولو كان اتباعهم تقليدا محضا كتقليد بعض المفتين لم يستحق من اتبعهم الرضوان إلا أن يكون عاميا فأما العلماء المجتهدون فلا يجوز لهم اتباعهم حينئذ.

فإن قيل اتباعهم هو أن يقول ما قالوا بالدليل وهو سلوك سبيل الاجتهاد لأنهم إنما قالوا بالاجتهاد والدليل عليه قوله بإحسان ومن قلدهم لم يتبعهم بإحسان لأنه لو كان مطلق الاتباع محمودا لم يفرق بين الاتباع بإحسان أو بغير إحسان وأيضا فيجوز أن يراد به اتباعه في أصول الدين وقوله بإحسان أي بالتزام الفرائض واجتناب المحارم ويكون المقصود أن السابقين قد وجب لهم الرضوان وإن أساءوا لقوله ﷺ: "وما يدريك ان الله قد اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" وأيضا فالثناء على من اتبعهم كلهم وذلك اتباعهم فيما اجمعوا عليه وأيضا فالثناء على من اتبعهم لا يقتضي وجوبه وإنما يدل على جواز تقليدهم وذلك دليل على جواز تقليد العالم كما هو مذهب طائفة من العلماء أو تقليد الأعلم كقول طائفة أخرى اما الدليل على وجوب اتباعهم فليس في الآية ما يقتضيه.

فالجواب من وجوه:

أحدها أن الاتباع لا يستلزم الاجتهاد لوجوده أحدها ان الاتباع المأمور به في القران كقوله فاتبعوني يحببكم الله واتبعوه لعلكم تهتدون ويتبع غير سبيل المؤمنين ونحوه لا يتوقف على الاستدلال على صحة القول مع الاستغناء عن القائل الثاني انه لو كان المراد اتباعهم في الاستدلال والجهاد لم يكن فرق بين السابقين وبين جميع الخلائق لأن اتباع موجب الدليل يجب ان يتبع فيه كل أحد فمن قال قولا بدليل صحيح وجب موافقته فيه الثالث أنه إما ان تجوز مخالفتهم في قولهم بعد الاستدلال أولا تجوز فإن لم تجز فهو المطلوب وإن جازت مخالفتهم فقد خولفوا في خصوص الحكم واتبعوا في احسن الاستدلال فليس جعل من فعل ذلك متبعا لموافقتهم في الاستدلال بأولى من جعله مخالفا لمخالفته في عين الحكم الرابع ان من خالفهم في الحكم الذي أفتوا به لا يكون متبعا لهم أصلا بدليل ان من خالف مجتهدا من المجتهدين في مسألة بعد اجتهاد لا يصح أن يقال اتبعه وان أطلق ذلك فلا بد من تقييده بأن يقال اتبعه في الاستدلال أو الاجتهاد الخامس ان الاتباع افتعال من اتبع وكون الإنسان تابعا لغيره نوع افتقار إليه ومشى خلفه وكل واحد من المجتهدين المستدلين ليس تبعا للآخر ولا مفتقرا إليه بمجرد ذلك حتى يستشعر موافقته والانقياد له ولهذا لا يصح أن يقال لمن وافق رجلا في اجتهاده أو فتواه اتفاقا انه متبع له السادس ان الآية قصد بها مدح السابقين والثناء عليهم وبيان استحقاقهم أن يكونوا أئمة متبوعين وبتقدير الا يكون قولهم موجبا للموافقة ولا مانعا من المخالفة بل انما يتبع القياس مثلا لا يكون لهم هذا المنصب ولا يستحقون هذا المدح والثناء السابع ان من خالفهم في خصوص الحكم فلم يتبعهم في ذلك الحكم ولا فيما استدلوا به على ذلك الحكم فلا يكون متبعا لهم بمجرد مشاركتهم في صفة عامة وهي مطلق الاستدلال والاجتهاد ولا سيما وتلك الصفة العامة لا اختصاص لها به لأن ما ينفى الاتباع اخص مما يثبته وإذا وجد الفارق الاخص والجامع الاعم وكلاهما مؤثر كان التفريق رعاية للفارق أولى من الجمع رعاية للجامع وأما قوله بإحسان فليس المراد به ان يجتهد وافق أو خالف لأنه إذا خالف لم يتبعهم فضلا عن أن يكون بإحسان ولان مطلق الاجتهاد ليس فيه اتباع لهم لكن الاتباع لهم اسم يدخل فيه كل من وافقهم في الاعتقاد والقول فلا بدمع ذلك أن يكون المتبع محسنا بأداء الفرائض واجتناب المحارم لئلا يقع الاغترار بمجرد الموافقة قولا وأيضا فلا د ان يحسن المتبع لهم القول فيهم ولا يقدح فيهم اشتراط الله ذلك لعلمه بأن سيكون اقوام ينالون منهم وهذا مثل قوله تعالى بعد أن ذكر المهاجرين والانصار والذين جاءوا من بعدهم يقولون: {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا} وأما تخصيص اتباعهم بأصول الدين دون فروعه فلا يصح لأن الاتباع عام ولان من اتبعهم في أصول الدين فقط لو كان متبعا لهم على الإطلاق لكنا متبعين للمؤمنين من أهل الكتاب ولم يكن فرق بين اتباع السابقين من هذه الأمة وغيرها وأيضا فإنه إذا قيل فلان يتبع فلانا واتبع فلانا وانا متبع فلانا ولم يقيد ذلك بقرينة لفظية ولا حالية فإنه يقتضى اتباعه في كل الامور التي يتأتى فيها الاتباع لأن من اتبعه في حال وخالفه في أخرى لم يكن وصفه بأنه متبع أولى من وصفه بأنه مخالف ولأن الرضوان حكم تعلق باتباعهم فيكون الاتباع سببا له لأن الحكم المعلق بما هو مشتق يقتضى ان ما منه الاشتقاق سبب وإذا كان اتباعهم سببا للرضوان اقتضى الحكم في جميع موارده ولا اختصاص للاتباع بحال دون حال ولأن الاتباع يؤذن بكون الإنسان تبعا لغيره وفرعا عليه وأصول الدين ليست كذلك ولأن الآية تضمت الثناء عليهم وجعلهم أئمة لمن بعدهم فلو لم يتناول إلا اتباعهم في أصول الدين دون الشرائع لم يكونوا أئمة في ذلك لأن ذلك معلوم مع قطع النظر عن اتباعهم.

فصل اتباع الصحابة مجتمعين ومنفردين

وأما قولهم إن الثناء على من اتبعهم كلهم فنقول الآية اقتضت الثناء على من اتبع كل واحد منهم كما أن قوله والسابقون الأولون والذين اتبعوهم يقتضى حصول الرضوان لكل واحد من السابقين والذين اتبعوهم في قوله رضي الله عنهم ورضوا عنه واعد لهم جنات تجري وكذلك في قوله اتبعوهم لأنه حكم علق عليهم في هذه الآية فقد تناولهم مجتمعين ومنفردين وأيضا فإن الأصل في الاحكام المعلقة بأسماء عامة ثبوتها لكل فرد فرد من تلك المسميات كقوله اقيموا الصلاة وقوله لقد رضى الله عن المؤمنين.

وقوله تعالى: {اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} وأيضا فان الاحكام المعلقة على المجموع يؤتى فيها باسم يتناول المجموع دون الافراد كقوله وكذلك جعنلكم أمة وسطا وقوله كنتم خير أمة أخرجت للناس وقوله ويتبع غير سبيل المؤمنين فإن لفظ الأمة ولفظ سبيل المؤمنين لا يمكن توزيعه على افراد الأمة وافراد المؤمنين بخلاف لفظ السابقين فإنه يتناول كل فرد من السابقين وأيضا فالآية تعم اتباعهم مجتمعين ومنفردين في كل ممكن فمن اتبع جماعتهم إذا اجتمعوا واتبع آحادهم فيما وجد عنهم مما لم يخالفه فيه غيره منهم فقد صدق عليه انه اتبع السابقين أما من خالف بعض السابقين فلا يصح أن يقال اتبع السابقين لوجود مخالفته لبعضهم لا سيما إذا خالف هذا مرة وهذا مرة وبهذا يظهر الجواب عن اتباعهم إذا اختلفوا فإن اتباعهم هناك قول بعض تلك الأقوال باجتهاد واستدلال إذ هم مجتمعون على تسوية كل واحد من تلك الأقوال لمن أدى اجتهاده إليه فقد قصد اتباعهم أيضا أما إذا قال الرجل قولا ولم يخالفه غيره فلا يعلم ان السابقين سوغوا خلاف ذلك القول وأيضا فالآية تقتضي اتباعهم مطلقا فلو فرضنا ان الطالب وقف على نص يخالف قول الواحد منهم فقد علمنا انه لو ظفر بذلك النص لم يعدل عنه اما إذا رأينا رأيا فقد يجوز ان يخالف ذلك الرأي وأيضا فلو لم يكن اتباعهم إلا فيما اجمعوا عليه كلهم لم يحصل اتباعهم الا فيما قد علم انه من دين الإسلام بالاضطرار لأن السابقين الأولين خلق عظيم ولم يعلم انهم أجمعوا إلا على ذلك فيكون هذا الوجه هو الذي قبله وقد تقدم بطلانه اذ الاتباع في ذلك غير مؤثر وأيضا فجميع السابقين قد مات منهم أناس في حياة رسول الله ﷺ وحينئذ فلا يحتاج في ذلك الوقت إلى اتباعهم للاستغناء عنه بقول رسول الله ﷺ ثم لو فرضنا احدا يتبعهم إذ ذاك لكان من السابقين فحاصله ان التابعين لا يمكنهم اتباع جميع السابقين وأيضا فإن معرفة قول جميع السابقين كالمتعذر فكيف يتبعون كلهم في شئ لا يكاد يعلم وأيضا فإنهم إنما استحقوا منصب الامامة والاقتداء بهم بكونهم هم السابقين وهذه صفة موجودة في كل واحد منهم فوجب أن يكون كل منهم اماما للمتقين كما استوجب الرضوان والجنة.

فصل اتباع أقوال الصحابة

وأما قوله ليس فيها ما يوجب اتباعهم فنقول الآية تقتضي الرضوان عمن اتبعهم بإحسان وقد قام الدليل على أن القول في الدين بغير علم حرام فلا يكون اتباعهم قولا بغير علم بل قولا بعلم وهذا هو المقصود وحينئذ فسواء يسمى تقليدا أو اجتهادا وأيضا فان كان تقليد العالم للعالم حراما كما هو قول الشافعية والحنابلة فاتباعهم بتقليد لأنه مرضى وإن كان تقليدهم جائزا أو كان تقليدهم مستنثى من التقليد المحرم فلم يقل أحد إن تقليد العلماء من موجبات الرضوان فعلم ان تقليدهم خارج عن هذا لأن تقليد العالم إن كان جائزا فتركه إلى قول غيره أو إلى اجتهاد جائز أيضا بالاتفاق والشئ المباح لا يستحق به الرضوان وأيضا فإن رضوان الله غاية المطالب التي تنال الا بأفضل الاعمال ومعلوم ان التقليد الذي يجوز خلافه بأفضل الاعمال بل الاجتهاد أفضل منه فعلم ان اتباعهم هو أفضل ما يكون في مسألة اختلفوا فيها هم ومن بعدهم وان اتباعهم دون من بعدهم هو الموجب لرضوان الله فلا ريب أن رجحان أحد القولين يوجب اتباعه وقولهم أرجح بلا شك ومسائل الاجتهاد لا يتخير الرجل فيها بين القولين وأيضا فان الله اثنى على الذين اتبعوهم بإحسان والتقليد وظيفة العامة فأما العلماء فإما أن يكون مباحا لهم أو محرما اذ الاجتهاد أفضل منه لهم بغير خلاف وهو واجب عليهم فلو أريد باتباعهم التقليد الذي يجوز خلافه لكان للعامة ذلك النصيب الاوفى وكان حظ علماء الأمة من هذه الآية ابخس الحظوظ ومعلوم ان هذا فاسد وأيضا فالرضوان عمن اتبعهم دليل على أن اتباعهم صواب ليس بخطأ فإنه لو كان خطأ لكان غاية صاحبه أن يعفى له عنه فإن المخطئ إلى أن يعفى عنه أقرب منه إلى أن يرضي عنه وإذا كان صوابا وجب اتباعه لأن خلاف الصواب خطأ والخطأ يحرم اتباعه إذا علم انه خطأ وقد علم انه خطأ يكون الصواب خلافه وأيضا فإذا كان اتباعهم موجب الرضوان لم يكن ترك اتباعهم موجب الرضوان لأن الجزاء لا يقتضيه وجود الشيء وضده ولا وجوده وعدمه لأنه يبقى عديم الأثر في ذلك الجزاء وإذا كان في المسألة قولان أحدهما يوجب الرضوان والآخر لا يوجبه كان الحق ما يوجبه وهذا هو المطلوب وأيضا فإن طلب رضوان الله واجب لأنه إذا لم يوجب رضوانه فإما سخطه أو عفوه والعفو إنما يكون مع انعقاد سبب الخطيئة وذلك لا تباح مباشرته إلا بالنص وإذا كان رضوانه إنما هو في اتباعهم واتباع رضوانه واجب كان اتباعهم واجبا وأيضا فإنه إنما أثنى على المتبع بالرضوان ولم يصرح بالوجوب لأن إيجاب الاتباع يدخل فيه الاتباع في الأفعال ويقتضى تحريم مخالفتهم مطلقا فيقتضى ذم المخطئ وليس كذلك أما الأقوال فلا وجه لمخالفتهم فيها بعدما ثبت أن فيها رضا الله تعالى وأيضا فإن القول إذا ثبت أن فيه رضا الله لم يكن رضا الله في ضده بخلاف الأفعال فقد يكون رضا الله في الأفعال المختلفة وفي الفعل والترك بحسب قصدين وحالين أما الاعتقادات والأقوال فليست كذلك فإذا ثبت أن في قولهم رضوان الله تعالى لم يكن الحق والصواب إلا هو فوجب اتباعه.

فإن قيل: السابقون هم الذين صلوا إلى القبلتين أو هم أهل بيعة الرضوان ومن قبلهم فما الدليل على اتباع من أسلم بعد ذلك.

قيل: إذا ثبت وجوب اتباع أهل بيعة الرضوان فهو أكبر المقصود على أنه لا قائل بالفرق وكل الصحابة سابق بالنسبة إلى من بعدهم.

فصل أدلة أخرى على وجوب اتباع أقوال الصحابة

الوجه الثاني قوله تعالى: {اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ} هذا قصه الله سبحانه وتعالى عن صاحب ياسين على سبيل الرضاء بهذه المقالة والثناء على قائلها والإقرار له عليها وكل واحد من الصحابة لم يسألنا أجرا وهم مهتدون بدليل قوله تعالى خطابا لهم وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون ولعل من الله واجب وقوله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ} وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ سَيَهْدِيهِمْ} وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} وكل منهم قاتل في سبيل الله وجاهد إما بيده أو بلسانه فيكون الله قد هداهم وكل من هداه فهو مهتد فيجب اتباعه الآية.

الوجه الثالث قوله تعالى: {وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ} وكل من الصحابة منيب إلى الله فيجب اتباع سبيله وأقواله واعتقاداته من أكبر سبيله والدليل على انهم منيبون إلى الله تعالى أن الله تعالى قد هداهم وقد قال: {وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ}.

الوجه الرابع قوله تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} فأخبر تعالى أن من اتبع الرسول يدعو إلى الله ومن دعا إلى الله على بصيرة وجب اتباعه لقوله فيما حكاه عن الجن ورضيه: {يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ} ولان من دعا إلى الله على بصيرة فقد دعا إلى الحق عالما به والدعاء إلى أحكام الله دعاء إلى الله لأنه دعاء إلى طاعته فيما أمر ونهى وإذا فالصحابة رضوان الله عليهم قد اتبعوا الرسول ﷺ فيجب اتباعهم إذا دعوا إلى الله.

الوجه الخامس قوله تعالى: {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى} قال ابن عباس في رواية أبى مالك هم أصحاب محمد ﷺ والدليل عليه قوله تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} وحقيقة الاصطفاء افتعال من التصفية فيكون قد صفاهم من الأكدار والخطأ من ألا كدار فيكونون مصفين منه ولا ينتقض هذا بما إذا اختلفوا لأن الحق لم يعدهم فلا يكون قول بعضهم كدرا لأن مخالفته الكدر وبيانه يزيل كونه كدرا بخلاف ما إذا قال بعضهم قولا ولم يخالف فيه فلوا كان باطلا ولم يرده راد لكان حقيقة الكدر وهذا لأن خلاف بعضهم لبعض بمنزلة متابعة النبي ﷺ في بعض أموره فإنها لا تخرجه عن حقيقة الاصطفاء.

الوجه السادس أن الله تعالى شهد لهم بأنهم أوتوا العلم بقوله ويرى الذين أوتوا العلم الذين أنزل إليك من ربك هو الحق وقوله حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا وقوله: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَات} واللام في العلم ليست للاستغراق وإنما هي للعهد أي العلم الذي بعث الله به نبيه ﷺ وإذا كانوا قد أوتوا هذا العلم كان اتباعهم واجبا.

الوجه السابع قوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} شهد لهم الله تعالى بأنهم يأمرون بكل معروف وينهون عن كل منكر فلو كانت الحادثة في زمانهم لم يفت فيها إلا من أخطأ منهم لم يكن أحد منهم قد أمر فيها بمعروف ولا نهى فيها عن منكر إذ الصواب معروف بلا شك والخطأ منكر من بعض الوجوه ولولا ذلك لما صح التمسك بهذه الآية على كون الإجماع حجة وإذا كان هذا باطلا علم أن خطأ من يعلم منهم في العلم إذا لم يخالفه غيره ممتنع وذلك يقتضى أن قوله حجة.

الوجه الثامن قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} قال غير واحد من السلف: هم أصحاب محمد ﷺ ولا ريب انهم أئمة الصادقين وكل صادق بعدهم فيهم يأتم في صدقه بل حقيقة صدقه أتباعه لهم وكونه معهم ومعلوم أن من خالفهم في شئ وإن وافقهم في غيره لم يكن معهم فيما خالفهم فيه وحينئذ فيصدق عليه انه ليس معهم فتنتفى عنه ألمعية المطلقة وإن ثبت له قسط من ألمعية فيما وافقهم فيه فلا يصدق عليه أنه معهم بهذا القسط وهذا كما نفى الله ورسوله الإيمان المطلق عن الزاني والشارب والسارق والمنتهب بحيث لا يستحق اسم المؤمن وإن لم ينتف عنه مطلق الاسم الذي يستحق لأجله أن يقال معه شئ من الإيمان وهذا كما أن اسم الفقيه والعالم عند الإطلاق لا يقال لمن معه مسألة أو مسألتان من فقه وعلم وإن قيل معه شئ من العلم ففرق بين ألمعية المطلقة ومطلق ألمعية ومعلوم أن المأمور به الأول لا الثاني فإن الله تعالى لم يرد منا أن نكون معهم في شئ من الأشياء وان نحصل من ألمعية ما يطلق عليه الاسم وهذا غلط عظيم في فهم مراد الرب تعالى من أوامره فإذا أمرنا بالتقوى والبر والصدق والعفة والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والجهاد ونحو ذلك لم يرد منا أن نأتي من ذلك بأقل ما يطلق عليه الاسم وهو مطلق الماهية المأمور بها بحيث نكون ممتثلين لأمره إذا أتينا بذلك وتمام تقرير هذا الوجه بما تقدم في تقرير الأمر بمتابعتهم سواء.

الوجه التاسع قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى الناس} ويكون الرسول عليكم شهيدا ووجه الاستدلال بالآية انه تعالى أخبر انه جعلهم أمة خيارا عدولا هذا حقيقة الوسط فهم خير الأمم وأعدلها في أقوالهم وأعمالهم وإرادتهم ونياتهم وبهذا استحقوا أن يكونوا شهداء للرسل على أممهم يوم القيامة والله تعالى يقبل شهادتهم عليهم فهم شهداؤه ولهذا نوه بهم ورفع ذكرهم وأثنى عليهم لأنه تعالى لما اتخذهم شهداء أعلم خلقه من الملائكة وغيرهم بحال هؤلاء الشهداء وأمر ملائكته أن تصلى عليهم وتدعو لهم وتستغفر لهم والشاهد المقبول عند الله هو الذي يشهد بعلم وصدق فيخبر بالحق مستندا إلى علمه به كما قال تعالى: {إِلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} فقد يخبر الإنسان بالحق اتفاقا من غير علمه به وقد يعلمه ولا يخبر به فالشاهد المقبول عند الله هو الذي يخبر به عن علم فلو كان علمهم أن يفتى أحدهم بفتوى وتكون خطأ مخالفه لحكم الله ورسوله ولا يفتى غيره بالحق الذي هو حكم الله ورسوله إما مع اشتهار فتوى الأول أو بدون اشتهارها كانت هذه الأمة العدل الخيار قد أطبقت على خلاف الحق بل انقسموا قسمين قسما أفتى بالباطل وقسما سكت عن الحق وهذا من المستحيل فإن الحق لا يعدوهم ويخرج عنهم إلى من بعدهم قطعا ونحن نقول لمن خالف أقولهم لو كان خيرا ما سبقونا إليه.

الوجه العاشر أن قوله تعالى: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} فأخبر تعالى أنه اجتباهم والاجتباء كالاصطفاء وهو افتعال من اجتبى الشيء يجتبيه إذا ضمه إليه وحازه إلى نفسه فهم المجتبون الذين اجتباهم الله إليه وجعلهم أهله وخاصته وصفوته من خلقه بعد النبيين والمرسلين ولهذا أمرهم تعالى أن يجاهدوا فيه حق جهاده فيبذلوا له أنفسهم ويفردوه بالمحبة والعبودية ويختاروه وحده إلها محبوبا على كل ما سواه كما اختارهم على من سواهم فيتخذونه وحده إليهم ومعبودهم الذي يتقربون إليه بألسنتهم وجوارحهم وقلوبهم ومحبتهم وإرادتهم فيؤثرونه في كل حال على من سواه كما اتخذهم عبيده وأولياءه وأحباءه وآثرهم بذلك على من سواهم ثم أخبرهم تعالى انه يسر عليهم دينه غاية التيسير ولم يجعل عليهم فيه من حرج البتة لكمال محبته لهم ورأفته ورحمته وحنانه بهم ثم أمرهم بلزوم مله إمام الحنفاء أبيهم إبراهيم وهي إفراده تعالى وحده بالعبودية والتعظيم والحب والخوف والرجاء والتوكل والإنابة والتفويض والاستسلام فيكون تعلق ذلك من قلوبهم به وحده لا بغيره ثم أخبر تعالى انه نوه بهم وأثنى عليهم قبل وجودهم وسماهم عباده المسلمين قبل أن يظهرهم ثم نوه بهم وسماهم كذلك بعد أن أوجدهم اعتناء بهم ورفعة لشأنهم واعلاء لقدرهم ثم أخبر تعالى انه فعل ذلك ليشهد عليهم رسوله ويشهدوا هم على الناس فيكونون مشهودا لهم بشهادة الرسول شاهدين على الأمم بقيام حجة الله عليهم فكان هذا التنويه وإشارة الذكر لهذين الأمرين الجليلين ولهاتين الحكمتين العظيمتين والمقصود أنهم إذا كانوا بهذه المنزلة عنده تعالى فمن المحال أن يحرمهم كلهم الصواب في مسألة فيفتى فيها بعضهم بالخطأ ولا يفتى فيها غيره بالصواب ويظفر فيها بالهدى من بعدهم والله المستعان.

الوجه الحادي عشر قوله تعالى: {وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} ووجه الاستدلال بالآية انه تعالى أخبر عن المعتصمين به بأنهم قد هدوا إلى الحق فنقول الصحابة رضوان الله عليهم معتصمون بالله فهم مهتدون فاتباعهم واجب أما المقدمة الأولى فتقريرها من وجوه أحدها قوله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} ومعلوم كمال تولى الله تعالى ونصره إياهم أتم نصره وهذا يدل على انهم اعتصموا به أتم اعتصام فهم مهديون بشهادة الرب لهم بلا شك واتباع المهدى واجب شرعا وعقلا وفطرة بلا شك وما يرد على هذا الوجه من أن المتابعة لا تستلزم المتابعة في جميع أمورهم فقد تقدم جوابه.

الوجه الثاني عشر قوله تعالى عن أصحاب موسى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُون} فأخبر تعالى انه جعلهم أئمة يأتم بهم من بعدهم لصبرهم ويقينهم إذ بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين فإن الداعي إلى الله تعالى لا يتم له أمره إلا بيقينه للحق الذي يدعو إليه وبصيرته به وصبره على تنفيذ الدعوة إلى الله باحتمال مشاق الدعوة وكف النفس عما يوهن عزمه ويضعف إرادته فمن كان بهذه المثابة كان من الأئمة الذين يهدون بأمره تعالى. ومن المعلوم أن أصحاب محمد ﷺ أحق وأولى بهذا الوصف من أصحاب موسى فهم أكمل يقينا وأعظم صبرا من جميع الأمم فهم أولى بمنصب هذه الامامه وهذا أمر ثابت بلا شك بشهادة الله لهم وثنائه عليهم وشهادة الرسول لهم بأنهم خير القرون وأنهم خيرة الله وصفوته ومن المحال على من هذا شأنهم أن يخطئوا كلهم الحق ويظفر به المتأخرون ولو كان هذا ممكنا لا نقلبت الحقائق وكان المتأخرون أئمة لهم يجب عليهم الرجوع إلى فتاويهم وأقوالهم وهذا كما انه محال حسا وعقلا فهو محال شرعا وبالله التوفيق.

الوجه الثالث عشر قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} وإمام بمعنى قدوة وهو يصلح للواحد والجمع كالأمة والأسوة وقد قيل هو جمع آمم كصاحب وصحاب وراجل ورجال وتاجر وتجار وقيل هو مصدر كقتال وضراب أي ذوي إمام والصواب الوجه الأول فكل من كان من المتقين وجب عليه أن يأتم بهم والتقوى واجبة والائتمام بهم واجب ومخالفتهم فيما أفتوا به مخالف للائتمام بهم وإن قيل نحن نأتم بهم في الاستدلال وأصول الدين فقد تقدم من جواب هذا ما فيه كفاية.

الوجه الرابع عشر ما ثبت عن النبي ﷺ في الصحيح من وجوه متعددة انه قال: "خير القرون القرن الذي بعثت فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" فأخبر النبي ﷺ أن خير القرون قرنه مطلقا وذلك يقتضي تقديمهم في كل باب من أبواب الخير وإلا لو كانوا خيرا من بعض الوجوه فلا يكونون خير القرون مطلقا فلو جاز أن يخطئ الرجل منهم في حكم وسائرهم لم يفتوا بالصواب وإنما ظفر بالصواب من بعدهم وأخطأوا هم لزم أن يكون ذلك القرن خيرا منهم من ذلك الوجه لأن القرن المشتمل على الصواب خير من القرن المشتمل على الخطأ في ذلك الفن ثم هذا يتعدد في مسائل عديدة لأن من يقول قول الصحابي ليس بحجة يجوز عنده أن يكون من بعدهم أصاب في كل مسألة قال فيها الصحابي قولا ولم يخالفه صحابي آخر وفات هذا الصواب الصحابة ومعلوم أن هذا يأتى في مسائل كثيرة تفوق العد والإحصاء فكيف يكونون خيرا ممن بعدهم وقد امتاز القرن الذي بعدهم بالصواب فيما يفوق العد والإحصاء مما اخطأوا فيه ومعلوم أن فضيلة العلم ومعرفة الصواب أكمل الفضائل وأشرفها فيا سبحان الله أي وصمة أعظم من أن يكون الصديق أو الفاروق أو عثمان أو علي أو ابن مسعود أو سلمان الفارسي أو عبادة بن الصامت وأضرابهم رضي الله عنهم قد أخبر عن حكم الله انه كيت وكيت في مسائل كثيرة واخطأ في ذلك ولم يشتمل قرنهم على ناطق بالصواب في تلك المسائل حتى تبع من بعدهم فعرفوا حكم الله الذي جهله أولئك السادة وأصابوا الحق الذي اخطأه أولئك الأئمة سبحانك هذا بهتان عظيم.

الوجه الخامس عشر ما روى مسلم في صحيحه من حديث أبي موسى الاشعري قال: "صلينا المغرب مع رسول الله ﷺ فقلنا لو جلسنا حتى نصلي معه العشاء فجلسنا فخرج علينا فقال: ما زلتم ههنا فقلنا يا رسول الله صلينا معك المغرب ثم قلنا نجلس حتى نصلي معك العشاء قال: أحسنتم وأصبتم ورفع رأسه إلى السماء وكان كثيرا ما يرفع رأسه إلى السماء فقال النجوم أمنة للسماء فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد وأنا أمنة لأصحابي فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون" ووجه الاستدلال بالحديث انه جعل نسبة أصحابه إلى من بعدهم كنسبته إلى أصحابه وكنسبة النجوم إلى السماء ومن المعلوم أن هذا التشبيه يعطي من وجوب اهتداء الأمة بهم ما هو نظير اهتدائهم بنبيهم ﷺ ونظير اهتداء أهل الأرض بالنجوم وأيضا فإنه جعل بقاءهم بين الأمة أمنة لهم وحرزا من الشر وأسبابه فلو جاز أن يخطئوا فيما أفتوا به ويظفر به من بعدهم لكان الظافرون بالحق أمنة للصحابة وحرزا لهم وهذا من المحال.

الوجه السادس عشر ما رواه أبو عبد الله بن بطة من حديث الحسن عن أنس أنه قال قال رسول الله ﷺ: "إن مثل أصحابي في أمتي كمثل الملح في الطعام لا يصلح الطعام إلا بالملح" قال الحسن: "قد ذهب ملحنا فكيف نصلح" وروى ابن بطة أيضا بإسنادين إلى عبد الرزاق أخبرنا معمر عمن سمع الحسن يقول قال رسول الله ﷺ: "مثل أصحابي في الناس كمثل الملح في الطعام" ثم يقول الحسن: "هيهات ذهب ملح القوم" وقال الإمام أحمد: حدثنا حسين بن علي الجعفي عن أبى موسى يعنى إسرائيل عن الحسن قال قال رسول الله ﷺ: "مثل أصحابي كمثل الملح في الطعام" قال يقول الحسن: "هل يطيب الطعام إلا بالملح" يقول الحسن: "فكيف بقوم ذهب ملحهم" ووجه الاستدلال انه شبه أصحابه في صلاح دين الأمة بهم بالملح الذي صلاح الطعام به فلو جاز أن يفتوا بالخطأ ولا يكون في عصرهم من يفتى بالصواب ويظفر به من بعدهم لكان من بعدهم ملحا لهم وهذا محال.

يوضحه أن الملح كما أن به صلاح الطعام فالصواب به صلاح الأنام فلو أخطئوا فيما أفتوا به لاحتاج ذلك إلى ملح يصلحه فإذا أفتى من بعدهم بالحق كان قد أصلح خطأهم فكان ملحا لهم.

الوجه السابع عشر ما روى البخاري في صحيحه من حديث الأعمش قال سمعت أبا صالح يحدث عن أبي سعيد قال قال رسول الله ﷺ: "لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه" وفي لفظ "فوالذي نفسي بيده" وهذا خطاب منه لخالد بن الوليد ولأقرانه من مسلمة الحديبية والفتح فإذا كان مد أحد أصحابه أو نصيفه أفضل عند لله من مثل أحد ذهبا من مثل خالد وأضرابه من أصحابه فكيف يجوز أن يحرمهم الله الصواب في الفتاوي ويظفر به من بعدهم هذا من أبين المحال.

الوجه الثامن عشر ما روى الحميدي ثنا محمد بن طلحة قال حدثني عبد الرحمن بن سالم بن عبد الرحمن بن عويلم بن ساعده عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: "إن الله اختارني واختار لي أصحابا فجعل لي منهم وزراء وأنصارا وأصهارا" الحديث، ومن المحال أن يحرم الله الصواب من اختارهم لرسوله وجعلهم وزراءه وأنصاره وأصهاره ويعطيه من بعدهم في شئ من الأشياء.

الوجه التاسع عشر ما روى أبو داود الطيالسي ثنا المسعودي عن عاصم عن أبى وائل عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: "إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد خير قلوب العباد فبعثه برسالته ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فاختارهم لصحبة نبيه ونصرة دينه فما رأه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن وما رآه المسلمون قبيحا فهو عند الله قبيح ومن المحال أن يخطئ الحق في حكم الله خير قلوب العباد بعد رسول الله ﷺ ويظفر به من بعدهم وأيضا فإن ما أفتى به أحدهم وسكت عنه الباقون كلهم فإما أن يكونوا قد رأوه حسنا أو يكونوا قد رأوه قبيحا فإن كانوا قد رأوه حسنا فهو حسن عند الله وإن كانوا قد رأوه قبيحا ولم ينكروه لم تكن قلوبهم من خير قلوب العباد وكان من أنكره بعدهم خيرا منهم وأعلم وهذا من أبين المحال".

الوجه العشرون: ما رواه الإمام أحمد وغيره عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: "من كان متأسيا فليتأس بأصحاب رسول الله ﷺ فإنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا وأقومها هديا وأحسنها حالا قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوا آثارهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيم ومن المحال أن يحرم الله أبر هذه الأمة قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا وأقومها هديا الصواب في أحكامه ويوفق له من بعدهم.

الوجه الحادي والعشرون ما رواه الطبراني وأبو نعيم وغيرهما عن حذيفة بن اليمان انه قال: "يا معشر القراء خذوا طريق من كان قبلكم فوالله لئن استقمتم لقد سبقتم سبقا بعيدا ولئن تركتموه يمينا وشمالا لقد ضللتم ضلالا بعيدا" ومن المحال أن يكون الصواب في غير طريق من سبق إلى كل خير على الإطلاق.

الوجه الثاني والعشرون: ما قاله جندب بن عبد الله لفرقة دخلت عليه من الخوارج فقالوا ندعوك إلى كتاب الله فقال: أنتم؟ قالوا: نحن، قال: أنتم؟ قالوا: نحن، فقال: "يا أخابيث خلق الله في أتباعنا تختارون الضلالة أم في غير سنتنا تلتمسون الهدى أخرجوا عني" ومن المعلوم أن من جوز أن تكون الصحابة أخطأوا في فتاويهم فمن بعدهم وخالفهم فيها فقد اتبع الحق في غير سنتهم وقد دعاهم إلى كتاب الله فإن كتاب الله إنما يدعو إلى الحق وكفى ذلك إزراء على نفوسهم وعلى الصحابة.

الوجه الثالث والعشرون ما رواه الترمذي من حديث العرباض بن سارية قال: "وعظنا رسول الله ﷺ موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب فقال قائل يا رسول الله كأنها موعظة مودع فماذا تعهد إلينا فقال عليكم بالسمع والطاعة وإن تامر عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة وعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة" وهذا حديث حسن إسناده لا بأس به فقرن سنة خلفائه بسنته وأمر باتباعها كما أمر باتباع سنته وبالغ في الأمر بها حتى أمر بأن يعض عليها بالنواجذ وهذا يتناول ما أفتوا به وسنوه للامة وإن لم يتقدم من نبيهم فيه شئ وإلا كان ذلك سنته ويتناول ما أفتى به جميعهم أوأكثرهم أو بعضهم لأنه علق ذلك بما سنه الخلفاء الراشدون ومعلوم أنهم لم يسنوا ذلك وهم خلفاء في آن واحد فعلم أن ما سنه كل واحد منهم في وقته فهو من سنة الخلفاء الراشدين رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث عبد الرحمن بن مهدي عن معاوية بن صالح عن ضمرة بن حبيب عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي سمع العرباض بن سارية فذكر نحوه.

الوجه الرابع والعشرون ما رواه الترمذي من حديث الثوري عن عبد الملك ابن عمير عن هلال مولى ربعي بن حراش عن ربعي عن حذيفة قال قال رسول الله ﷺ: "اقتدوا باللذين من بعدي أبى بكر وعمر واهتدوا بهدى عمار وتمسكوا بعهد ابن أم عبد" قال الترمذي هذا حديث حسن. ووجه الاستدلال به ما تقدم في تقرير المتابعة.

الوجه الخامس والعشرون: ما رواه مسلم في صحيحه من حديث عبد الله ابن رباح عن أبي قتادة أن النبي ﷺ قال: "إن يطع القوم أبا بكر وعمر يرشدوا" وهو في حديث الميضأة الطويل فجعل الرشد معلقا بطاعتهما فلو أفتوا بالخطأ في حكم وأصابه من بعدهم لكان الرشد في خلافهما.

الوجه السادس والعشرين: أن النبي ﷺ قال لأبي بكر وعمر في شأن تأمير القعقاع بن حكيم والأقرع بن حابس: "لو اتفقتما على شيء لم أخالفكما" فهذا رسول الله ﷺ يخبر انه لا يخالفهما لو اتفقا ومن يقول قولهما ليس بحجة يجوز مخالفتهما وبعض غلاتهم يقول لا يجوز الأخذ بقولهما ويجب الأخذ بقول أمامنا الذي قلدناه وذلك موجود في كتبهم.

الوجه السابع والعشرون: أن النبي ﷺ نظر إلى أبى بكر وعمر فقال: "هذا السمع والبصر" أي هما منى منزلة السمع والبصر أو هما من الدين بمنزلة السمع والبصر ومن المحال أن يحرم سمع الدين وبصره الصواب ويظفر به من بعدهما.

الوجه الثامن والعشرون ما رواه أبو داود وابن ماجة من حديث ابن إسحاق عن مكحول عن غضيف بن الحارث عن أبى ذر قال مرفتي على عمر رضي الله عنه فقال عمر نعم الفتى قال فتبعه أبو ذر فقال يا فتى استغفر لي فقال يا أبا ذر استغفر لك وأنت صاحب رسول الله ﷺ قال استغفر لي قال: لا أو تخبرني قال: إنك مررت على عمر فقال: نعم الفتى وإني سمعت النبي ﷺ يقول: "إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه" ومن المحال أن يكون الخطأ في مسألة أفتى بها من جعل الله الحق على لسانه وقلبه حظه ولا ينكره عليه أحد من الصحابة ويكون الصواب فيها حظ من بعده هذا من أبين المحال.

الوجه التاسع والعشرون: ما رواه مسلم في صحيحه من حديث عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله ﷺ: "قد كان فيمن خلا من الأمم أناس محدثون فإن يكن في أمتي أحد فهو عمر" وهو في المسند والترمذي وغيرهما من حديث أبي هريرة. والمحدث هو المتكلم الذي يليقي الله في روعه الصواب يحدثه به الملك عن الله، ومن المحال أن يختلف هذا ومن بعده في مسألة ويكون الصواب فيها مع المتأخر دونه، فإن ذلك يستلزم أن يكون ذلك الغير هو المحدث بالنسبة إلى هذا الحكم دون أمير المؤمنين رضي الله عنه، وهذا وإن أمكن في أقرانه من الصحابة فإنه لا يخلو عصرهم من الحق إما على لسان عمر وإما على لسان غيره منهم. ومن المحال أن يفتي أمير المؤمنين المحدث بفتوى أو يحكم بحكم ولا يقول أحد من الصحابة غيرَه، ويكون خطأ ثم يوفق له من بعدهم فيصيب الحق ويخطئ الصحابة.

الوجه الثلاثون: ما رواه الترمذي من حديث بكر بن عمرو عن مشرح بن هاعان عن عبقة بن عامر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لو كان بعدي نبي لكان عمر. وفي لفظ: لو لم أبعث فيكم لبعث عمر. قال الترمذي: حديث حسن. ومن المحال أن يختلف من هذا شأنه ومن بعده من المتأخرين في حكم من أحكام الدين ويكون حظ عمر منه الخطأ وحظ ذلك المتأخر منه الصواب.

الوجه الحادي والثلاثون: ما روى إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي أن عليه رضي الله عنه قال: ما كنا نبعد أن السكينة تنطق على لسان عمر. ومن المحال أن يكون من بعده من المتأخرين أسعد بالصواب منه في أحكام الله تعالى. ورواه عمرو بن ميمون عن زر عن علي رضي الله عنه.

الوجه الثاني والثلاثون: ما رواه واصل الأحدب عن أبي وائل عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ما رأيت عمر إلا وكأن بين عينيه ملكا يسدده. ومعلوم قطعا أن هذا أولى بالصواب ممن ليس بهذه المثابة.

الوجه الثالث والثلاثون: ما رواه الأعمش عن شقيق قال: قال عبد الله: والله لو أن علم عمر وضع في كفة ميزان وجعل علم أهل الأرض في كفة لرجح علم عمر. فذكر ذلك لإبراهيم النخعي فقال: قال عبد الله: والله إني لأحسب عمر ذهب بتسعة أعشار العلم. ومن أبعد الأمور أن يكون المخالف لعمر بعد انقراض عصر الصحابة أولى بالصواب منه في شئ من الأشياء.

الوجه الرابع والثلاثون: ما رواه ابن عيينة عن عبد الله بن أبى يزيد قال: "كان ابن عباس إذا سئل عن شئ وكان في القرآن أو السنة قال به وإلا قال بما قال به أبو بكر وعمر فإن لم يكن قال برأيه" فهذا ابن عباس وأتباعه للدليل وتحكيمه للحجة معروف حتى إنه يخالف لما قام عنده من الدليل أكابر الصحابة يجعل قول أبي بكر وعمر حجة يؤخذ بها بعد قول الله ورسوله ولم يخالفه في ذلك أحد من الصحابة.

الوجه الخامس والثلاثون: ما رواه منصور عن زيد بن وهب عن عبد الله قال قال رسول الله ﷺ: "رضيت لأمتي ما رضى لها ابن أم عبد" كذا رواه يحيى بن يعلى المحاربي عن زيد عن منصور والصواب ما رواه إسرائيل وسفيان عن منصور عن القاسم بن عبد الرحمن عن النبي ﷺ مرسلا ولكن قد روى جعفر بن عوف عن المسعودي عن جعفر بن عمرو ابن حريش عن أبيه قال قال النبي ﷺ لعبد الله بن مسعود: "اقرأ على" قال: أقرأ وعليك أنزل قال: "إني أحب أن اسمعه من غيري" فافتتح سورة النساء حتى إذا بلغ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا فاضت عينا رسول الله ﷺ وكف عبد الله بن مسعود فقام رسول الله ﷺ وتكلم فحمد الله وأثنى عليه في أول كلامه وأثنى على الله وصلى على نبيه ﷺ وشهد شهادة الحق وقال: "رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا ورضيت لكم ما رضى لكم ابن أم عبد" ومن قال ليس قوله بحجة وإذا خالفه غيره ممن بعده يجوز أن يكون الصواب في قول المخالف له لم يرض للامة ما رضيه لهم ابن أم عبد ولا ما رضيه رسول الله ﷺ.

الوجه السادس والثلاثون: ما رواه أبو إسحاق عن حارثة بن مضرب قال كتب عمر رضي الله عنه إلى أهل الكوفة قد بعثت إليكم عمار بن ياسر أميرا وعبد الله بن مسعود معلما ووزيرا وهما من النجباء من أصحاب محمد ﷺ من أهل بدر فاقتدوا بهما واسمعوا قولهما وقد آثرتكم بعبد الله على نفسي فهذا عمر قد أمر أهل الكوفة أن يقتدوا بعمار وابن مسعود ويسمعوا قولهما ومن لم يجعل قولهما حجة يقول لا يجب الإقتداء بهما ولا سماع أقوالهما إلا فيما أجمعت عليه الأمة ومعلوم أن ذلك لا اختصاص لهما به بل لا فرق فيه بينهما وبين غيرها من سائر الأمة.

الوجه السابع والثلاثون: ما قاله عبادة بن الصامت وغيره بايعنا رسول الله ﷺ على أن نقول بالحق حيث كنا ولا نخاف في الله لومة لائم ونحن نشهد بالله انهم وفوا بهذه البيعة وقالوا بالحق وصدعوا به ولم تأخذهم في الله لومة لائم ولم يكتموا شيئا منه مخافة سوط ولا عصا ولا أمير ولا وال كما هو معلوم لمن تأمله من هديهم وسيرتهم فقد أنكر أبو سعيد على مروان وهو أمير على المدينة وأنكر عبادة بن الصامت على معاوية وهو خليفة وأنكر ابن عمر على الحجاج مع سطوته وبأسه وأنكر على عمرو بن سعيد وهو أمير على المدينة وهذا كثير جدا من إنكارهم على الأمراء والولاة إذا خرجوا عن العدل لم يخافوا سوطهم ولا عقوبتهم ومن بعدهم لم تكن لهم هذه المنزلة بل كانوا يتركون كثيرا من الحق خوفا من ولاة الظلم وأمراء الجور فمن المحال أن يوفق هؤلاء للصواب ويحرمه أصحاب رسول الله ﷺ.

الوجه الثامن والثلاثون: ما ثبت في الصحيح من حديث أبى سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ رقي المنبر فقال: "إن عبدا خيره الله بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عند الله فبكى أبو بكر وقال بل نفديك بآبائنا وأمهاتنا فعجبنا لبكائه أن يخبر النبي ﷺ عن رجل خير فكان المخير رسول الله ﷺ وكان أبو بكر أعلمنا به" وقال النبي ﷺ: "إن أمن الناس لينا في صحبته وذات يده أبو بكر ولو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن أخوة الإسلام ومودته لا يبقى في المسجد باب إلا سد إلا باب أبى بكر" ومن المعلوم أن فوت الصواب في الفتوى لأعلم الأمة برسول الله ﷺ ولجميع الصحابة معه وظفر فلان وفلان من المتأخرين بهذا من أمحل المحال ومن لم يجعل قوله حجة يجوز ذلك بل يحكم بوقوعه والله المستعان.

الوجه التاسع والثلاثون ما رواه زائدة عن عاصم عن زر عن عبد الله قال ما قبض رسول الله ﷺ قال: الأنصار منا أمير ومنكم أمير فأتاهم عمر قال: "ألستم تعلمون أن رسول الله ﷺ أمر أبا بكر أن يؤم الناس قالوا: بلى فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر فقالوا: نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر ونحن نقول لجميع المفتين أيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر إذا أفتى بفتوى وأفتى من قلدتموه بغيرها ولا سيما من قال من زعمائكم إنه يجب تقليد من قلدناه ديننا ولا يجوز تقليد أبي بكر الصديق رضي الله عنه اللهم إنا نشهدك أن أنفسنا لا تطيب بذلك ونعوذ بك أن نطيب به نفسا".

الوجه الأربعون ما ثبت في الصحيح من حديث الزهري عن حمزة بن عبد الله عن أبيه عن رسول الله ﷺ قال: "بينما أنا نائم إذ أتيت بقدح لبن فقيل لي اشرب فشربت منه حتى إني لأرى الرى يجري في أظفاري ثم أعطيت فضلتي عمر قالوا: فما أولت ذلك قال: العلم" ومن أبعد الأشياء أن يكون الصواب مع من خالفه في فتيا أو حكم لا يعلم أن أحدا من الصحابة خالفه فيه وقد شهد له رسول الله ﷺ بهذه الشهادة.

الوجه الحادي والأربعون ما ثبت في الصحيح من حديث عبد الله بن أبي يزيد عن ابن عباس رضي الله عنهما انه وضع للنبي ﷺ وضوءا فقال من وضع هذا قالوا ابن عباس فقال اللهم فقهه في الدين وقال عكرمة ضمني إليه رسول الله ﷺ فقال: "اللهم علمه الحكمة" ومن المستبعد جدا بل المتنع أن يفتى حبر الأمة وترجمان القرآن الذي دعا له رسول الله ﷺ بدعوة مستجابة قطعا أن يفقهه في الدين ويعلمه الحكمة ولا يخالفه فيها أحد من الصحابة ويكون فيها على خطأ ويفتى واحد من المتأخرين بعده بخلاف فتواه ويكون الصواب معه فيظفر به هو مقلدوه ويحرمه ابن عباس والصحابة.

الوجه الثاني والأربعون: أن صورة المسألة ما إذا لم يكن في الواقعة حديث عن النبي ﷺ ولا اختلاف بين الصحابة رضي الله عنهم وإنما قال بعضهم فيها قولا وأفتى بفتيا ولم يعلم أن قوله وفتياه أشهر في الباقين ولا أنهم خالفوه وحينئذ فنقول من تأمل المسائل الفقهية والحوادث الفرعية وتدرب بمسالكها وتصرف في مداركها وسلك سبلها ذللا وارتوى من مواردها عللا ونهلا علم قطعا ان كثيرا منها قد تشتبه فيها وجوه الرأي بحيث لا يوثق فيها بظاهر مراد أو قياس صحيح ينشرح له الصدر ويثلج له الفؤاد بل تتعارض فيها الظواهر والاقيسة على وجة يقف المجتهد في أكثر المواضع حتى لا يبقى للظن رجحان بين لا سيما إذا اختلف الفقهاء فإن عقولهم من اكمل العقول واوفرها فإذا تلددوا وتوقفوا ولم يتقدموا ولم يتأخروا لم يكن ذلك في المسألة طريقة واضحة ولا حجة لائحة فإذا وجد فيها قول لأصحاب رسول الله ﷺ ورضي الله عنهم الذين هم سادات الأمة وقدوة الأئمة واعلم الناس بكتاب ربهم تعالى وسنة نبيهم ﷺ وقد شاهدوا التنزيل وعرفوا التأويل ونسبة من بعدهم في العلم اليهم كنسبتهم اليهم في الفضل والدين كان الظن والحالة هذه بان الصواب في جهتهم والحق في جانبهم من أقوى الظنون وهو أقوى من الظن المستفاد من كثير من الاقيسة هذا مالا يمترى فيه عاقل منصف وكان الرأي الذي يوافق رأيهم هو الرأي السداد الذي لا رأى سواه وإذا كان المطلوب في الحادثة إنما هو ظن راجح ولو استند إلى استصحاب أو قياس علة أو دلالة أو شبه أو عموم مخصوص أو محفوظ مطلق أو وارد على سبب فلا شك أن الظن الذي يحصل لنا بقول الصحابي الذي لم يخالف ارجح من كثير من الظنون المستندة إلى هذه الأمور أوأكثرها وحصول الظن الغالب في القلب ضروري كحصول الأمور الوجدانية ولا يخفى على العالم أمثلة ذلك.

الوجه الثالث والأربعون أن الصحابي إذا قال قولا أو حكم بحكم أوأفتى بفتيا فله مدارك ينفرد بها عنه ومدارك نشاركه فيها فأما ما يختص به فيجوز أن يكون سمعه من النبي ﷺ شفاها أو من صحابي آخر عن رسول الله ﷺ فإن ما انفردوا به من العلم عنه أكثر من أن يحاط به فلم يرو كل منهم كل ما سمع وأين ما سمعه الصديق رضي الله عنه والفاروق وغيرهما من كبار الصحابة رضي الله عنهم إلى ما رووه فلم يرو عنه صديق الأمة مائة حديث وهو لم يغب عن النبي ﷺ في شئ من مشاهده بل صحبه من حين بعث بل قبل البعث إلى أن توفي وكان أعلم الأمة به ﷺ بقوله وفعله وهديه وسيرته وكذلك اجله الصحابة روايتهم قليلة جدا بالنسبة إلى ما سموه من نبيهم وشاهدوه ولو رووا كل ما سمعوه وشاهدوه لزاد على رواية أبي هريرة أضعافا مضاعفة فإنه إنما صحبه نحو أربع سنين وقد روى عنه الكثير فقول القائل لو كان عند الصحابي في هذه الواقعة شئ عن النبي ﷺ لذكره قول من لم يعرف سيرة القوم وأحوالهم فإنهم كانوا يهابون الرواية عن رسول الله ﷺ ويعظمونها ويقللونها خوف الزيادة والنقص ويحدثون بالشيء الذي سمعوه من النبي ﷺ مرارا ولا يصرحون بالسماع ولا يقولون قال رسول الله ﷺ.

فتلك الفتوى التي يفتي بها أحدهم لا تخرج عن ستة أوجه أحدها أن يكون سمعها من النبي ﷺ الثاني أن يكون سمعها ممن سمعها منه الثالث أن يكون فهمها من آية من كتاب الله فهما خفى علينا الرابع أن يكون قد اتفق عليها ملؤهم ولم ينقل إلينا قول المفتى بها وحده الخامس أن يكون لكمال علمه باللغة ودلالة اللفظ على الوجه الذي انفرد به عنا أولقرائن عالية اقترنت بالخطاب أولمجموع أمور فهموها على طول الزمان من رؤية النبي ﷺ ومشاهدة أفعاله وأحواله وسيرته وسماع كلامه والعلم بمقاصده وشهود تنزيل الوحي ومشاهدة تأويله الفعل فيكون فهم مالا نفهمه نحن وعلى هذه التقادير الخمسة تكون فتواه حجة بجب أتباعها السادس أن يكون فهم ما لم يرده الرسول ﷺ وأخطأ في فهمه والمراد غير ما فهمه وعلى هذا التقدير لا يكون قوله حجة ومعلوم قطعا أن وقوع احتمال من خمسة أغلب على الظن من وقوع احتمال واحد معين هذا مالا يشك فيه عاقل وذلك يفيد ظنا غالبا قويا على أن الصواب في قوله دون ما خالفه من أقوال من بعده وليس المطلوب إلا الظن الغالب والعمل به متعين ويكفى العارف هذا الوجه.

فصل ما امتاز به المتقدمون على المتأخرين

هذا فيما انفردوا به عنا أما المدارك التي شاركناهم فيها من دلالات الألفاظ والاقيسة فلا ريب انهم كانوا ابر قلوبا واعمق علما وأقل تكلفا وأقرب إلى أن يوفقوا فيها لما لم نوفق له نحن لما خصهم الله تعالى به من توقد الأذهان وفصاحة اللسان وسعة العلم وسهولة الأخذ وحسن الإدراك وسرعته وقلة المعارض أو عدمه وحسن القصد وتقوى الرب تعالى فالعربية طبيعتهم وسليقتهم والمعاني الصحيحة مركوزة في فطرهم وعقولهم ولا حاجة بهم إلى النظر في الإسناد وأحوال الرواة وعلل الحديث والجرح والتعديل ولا إلى النظر في قواعد الأصول وأوضاع الأصوليين بل قد غنوا عن ذلك كله فليس في حقهم إلا أمران أحدهما قال الله تعالى كذا وقال رسوله كذا والثاني معناه كذا وكذا وهم أسعد الناس بهاتين المقدمتين وأحظى الأمة بهما فقواهم متوفرة مجتمعة عليهما.

وأما المتأخرون فقواهم متفرقة وهممهم متشعبة فالعربية وتوابعها قد خذت من قوى أذهانهم شعبة والأصول وقواعدها قد أخذت منها شبعة وعلم الإسناد وأحوال الرواة قد أخذ منها شعبة وفكرهم في كلام مصنفيهم وشيوخهم على اختلافهم وما أرادوا به قد أخذ منها شعبة إلى غير ذلك من الامور فإذا وصلوا إلى النصوص النبوية إن كان لهم همم تسافر اليها وصلوا اليها بقلوب وأذهان قد كلت من السير في غيرها وأوهن قواهم مواصلة السرى في سواها فأدركوا من النصوص ومعانيها بحسب القوة وهذا أمر يحسن به الناظر في مسألة إذا استعمل قوى ذهنه في غيرها ثم صار اليها وافاها يذهن كال وقوة ضعيفة وهذا شأن من استفرغ قواه في الأعمال غير المشروعة نضعف قوته عند العمل المشروع كمن استفرغ قوته في السماع الشيطاني فإذا جاءه قيام الليل قام إلى ورده بقوة كالة وعزيمة باردة وكذلك من صرف قوى حبه وإرادته إلى الصور أو المال أو الجاه فإذا طالب قلبه بمحبة الله فإن انجذب معه انجذب بقوة ضعيفة قد استفرغها في محبة غيره فمن استفرغ قوى فكره في كلام الناس فإذا جاء إلى كلام الله ورسوله جاء بفكرة كالة فأعطى بحسب ذلك.

والمقصود أن الصحابة اغناهم الله تعالى عن ذلك كله فاجتمعت قواهم على تينك المقدمتين فقط هذا إلى ما خصوا به من قوى الاذهان وصفائها وصحتها وقوة إدراكها وكماله وكثرة المعاون وقلة الصارف وقرب العهد بنور النبوة والتلقي من تلك المشكاة النبوية فإذا كان هذا حالنا وحالهم فيما تميزوا به علينا وما شاركناهم فيه فكيف نكون نحن أو شيوخنا أو شيوخهم أو من قلدناه اسعد بالصواب منهم في مسألة من المسائل ومن حدث نفسه بهذا فليعزلها من الدين والعلم والله المستعان.

الوجه الرابع والأربعون ان النبي ﷺ قال: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق" وقال علي كرم الله وجهه ورضي عنه لن تخلو الأرض من قائم لله بحجة لكيلا تبطل حجج الله وبيناته فلو جاز ان يخطئ الصحابي في حكم ولا يكون في ذلك العصر ناطق بالصواب في ذلك الحكم لم يكن في الأمة قائم بالحق في ذلك الحكم لأنهم بين ساكت ومخطئ ولم يكن في الأرض قائم لله بحجة في ذلك الأمر ولا من يأمر فيه بمعروف أو ينهى فيه عن منكر حتى نبغت نابغة فقامت بالحجة وامرت بالمعروف ونهت عن المنكر وهذا خلاف ما دل عليه الكتاب والسنة والإجماع.

الوجه الخامس والأربعون انهم إذا قالوا قولا أو بعضهم ثم خالفهم مخالف من غيرهم كان مبتديا لذلك القول ومبتدعا له وقد قال النبي ﷺ: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة" وقول من جاء بعدهم يخالفهم من محدثات الأمور فلا يجوز اتباعهم.

وقال عبد الله بن مسعود: "اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة "وقال أيضا: "إنا نقتدي ولا نبتدي ونتبع ولا نبتدع ولن نضل ما تمسكنا بالأثر" وقال أيضا: "إياكم والتبدع وإياكم والتنطع وإياكم والتعمق وعليكم بالدين العتيق" وقال أيضا: "أنا لغير الدجال أخوف عليكم من الدجال أمور تكون من كبرائكم فأيما مرية أو رجيل أدرك ذلك الزمان فالسمت الأول فالسمت الأول فأنا اليوم على السنة" وقال أيضا: "وإياكم والمحدثان فإن شر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة" وقال أيضا: "اتبع ولا تبتدع فإنك لن تضل ما أخذت بالأثر".

وقال ابن عباس: "كان يقال: عليكم بالاستقامة والأثر وإياكم والتبدع".

وقال شريح: "إنما أقتفي الأثر فما وجدت قد سبقنا إليه غيركم حدثتكم به".

وقال إبراهيم النخعي: "بلغني عنهم - يعني الصحابة - أنهم لم يجاوزوا بالوضوء ظفرا ما جاوزته به، وكفى على قوم وزرا أن تخالف أعمالهم أعمال أصحاب نبيهم ﷺ".

وقال عمر بن عبد العزيز: "إنه لم يبتدع الناس بدعة إلا وقد مضى ما هو دليل وعبرة منها والسنة ما أسنتها إلا من علم ما في خلافها من الخطأ والزلل والحمق والتعمق فارض لنفسك ما رضي القوم" وقال أيضا: "قف حيث وقف القوم وقل كما قالوا واسكت كما سكتوا فإنهم عن علم وقفوا وببصر ناقد كفوا وهم على كشفها كانوا أقوى وبالفضل لو كان فيها أحرى أي فلئن كان الهدى ما أنتم عليه فلقد سبقتموهم إليه ولئن قلتم حدث بعدهم فما أحدثه إلا من سلك غير سبيلهم ورغب بنفسه عنهم وإنهم لهم السابقون ولقد تكلموا منه بما يكفي ووصفوا منه ما يشفى فما دونهم مقصر ولا فوقهم مجسر ولقد قصر عنهم قوم فجفوا وطمح آخرون عنهم فغلوا وإنهم فيما بين ذلك لعلى هدى مستقيم" وقال أيضا كلاما كان مالك بن أنس وغيره من الأئمة يستحسنونه ويحدثون به دائما قال: "سن رسول الله ﷺ لولاة الأمر بعده سننا الأخذ بها تصديق لكتاب الله واستكمال لطاعته وقوة على دينه ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها ولا النظر في رأي من خالفهم فمن اقتدى بما سنوا فقد اهتدى ومن استنصر بها منصور ومن خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا" ومن هنا أخذ الشافعي الاحتجاج بهذه الآية على أن الإجماع حجة.

وقال الشعبي: "عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوها لك بالقول" وقال أيضا: "ما حدثوك به عن أصحاب محمد ﷺ فخذه وما حدثوك به عن رأيهم فانبذه في الحش".

قال الأوزاعي: "اصبر نفسك على السنة وقف حيث وقف القوم واسلك سبيل سلفك الصالح فإنه يسعك ما وسعهم وقل بما قالوا وكف عما كفوا ولو كان هذا خيرا ما خصصتم به دون أسلافكم فإنهم لم يدخر عنهم خير خبئ لكم دونهم لفضل عندكم وهم أصحاب رسول الله ﷺ الذين اختارهم له وبعثه فيهم ووصفهم فقال: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} الآية".

الوجه السادس والأربعون: أنه لم يزل أهل العلم في كل عصر ومصر يحتجون بما هذا سبيله في فتاوي الصحابة وأقوالهم ولا ينكره منكر منهم وتصانيف العلماء شاهدة بذلك ومناظرتهم ناطقة به.

قال بعض علماء المالكية: أهل الأعصار مجمعون على الاحتجاج بما هذا سبيله وذلك مشهور في رواياتهم وكتبهم ومناظراتهم واستدلالاتهم ويمتنع والحالة هذه إطباق هؤلاء كلهم على الاحتجاج بما لم يشرع الله ورسوله الاحتجاج به ولا نصبه دليلا للأمة فأي كتاب شئت من كتب السلف والخلف المتضمنة للحكم والدليل وجدت فيه الاستدلال بأقوال الصحابة ووجدت ذلك طرازها وزينتها ولم تجد فيها قط ليس قول أبي بكر وعمر حجة ولا يحتج بأقوال أصحاب رسول الله ﷺ وفتاويهم ولا ما يدل على ذلك وكيف يطيب قلب عالم يقدم على أقوال من وافق ربه تعالى في غير حكم فقال وأفتى بحضرة الرسول ﷺ ونزل القرآن بموافقة ما قال لفظا ومعنى قول متأخر بعده ليس له هذه الرتبة ولا يدانيها وكيف يظن أحد ان الظن المستفاد من فتاوي السابقين الأولين الذين شاهدوا الوحي والتنزيل وعرفوا التأويل وكان الوحي ينزل خلال بيوتهم وينزل على رسول الله ﷺ وهو بين أظهرهم؟

قال جابر: "والقرآن ينزل على رسول الله ﷺ وهو يعرف تأويله فما عمل به من شئ عملنا به" في حديث حجة الوداع فمستندهم في معرفة مراد الرب تعالى من كلامه ما يشاهدونه من فعل رسوله وهديه الذي هو يفصل القرآن ويفسره فكيف يكون أحد من الأمة بعدهم أولى بالصواب منهم في شئ من الاشياء هذا عين المحال.

تفسير الصحابي للقرآن كفتواه

فإن قيل فإذا كان هذا حكم أقوالهم في أحكام الحوادث فما تقولون في أقوالهم في تفسير القران هل هي حجة يجب المصير اليها.

قيل لا ريب أن أقوالهم في التفسير اصوب من أقوال من بعدهم وقد ذهب بعض أهل العلم إلى ان تفسيرهم في حكم المرفوع قال أبو عبد الله الحاكم في مستدركه: "وتفسير الصحابي عندنا في حكم المرفوع" ومراده أنه في حكمه في الاستدلال به والاحتجاج لا أنه إذا قال الصحابي في الآية قولا فلنا أن نقول هذا القول قول رسول الله ﷺ أو قال رسول الله ﷺ وله وجه آخر وهو أن يكون في حكم المرفوع بمعنى أن رسول الله ﷺ بين لهم معاني القرآن وفسره لهم كما وصفه تعالى بقوله: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} فبين لهم القرآن بيانا شافيا كافيا وكان إذا أشكل على أحد منهم معنى سأله عنه فأوضحه له كما سأله الصديق عن قوله تعالى: {مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} فبين له المراد وكما سأله الصحابي عن قوله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} فبين لهم معناها وكما سألته أم سلمة عن قوله تعالى: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} فبين لها انه العرض وكما سأله عمر عن الكلالة فأحاله على آية الصيف التي في آخر السورة وهذا كثير جدا فإذا نقلوا لنا تفسير القرآن فتارة ينقلونه عنه بلفظه وتارة يمعناه فيكون ما فسروا بالفاظهم من باب الرواية بالمعنى كما يروون عنه السنة تارة بلفظها وتارة بمعناها وهذا أحسن الوجهين والله أعلم.

فإن قيل فنحن نجد لبعضهم أقوالا في التفسير تخالف الأحاديث المرفوعة الصحاح وهذا كثير كما فسر ابن مسعود الدخان بأنه الاثر الذي حصل عن الجوع الشديد والقحط وقد صح عن النبي ﷺ: "أنه دخان يأتى قبل يوم القيامة" يكون من أشراط الساعة مع الدابة والدجال وطلوع الشمس من مغربها وفسر عمر بن الخطاب قوله تعالى: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ} بانها للبائنة والرجعية حتى قال لا ندع كتاب ربنا لقول امرأة مع أن السنة الصحيحة في البائن تخالف هذا التفسير وفسر علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} أنها عامة في الحامل والحائل فقال تعتد ابعد الاجلين والسنة الصحيحة بخلافه وفسر ابن مسعود قوله تعالى: {وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنّ} بان الصفة لنسائكم الأولى والثانية فلا تحرم أم المراة حتى يدخل بها والصحيح خلاف قوله وان أم المرأة تحرم بمجرد العقد على العقد على ابنتها والصفة راجعة إلى قوله وربائبكم اللاتى في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن وهو قول جمهور الصحابة وفسر ابن عباس السجل بأنه كاتب للنبي ﷺ يسمى السجل وذلك وهم وإنما السجل الصحيفة المكتوبة واللام مثلها في قوله تعالى: {وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ} وفي قول الشاعر: (فخر صريعا لليدين وللفم) أي يطوي السماء كما يطوي السجل على ما فيه من الكتاب وهذا كثير جدا فكيف يكون تفسير الصحابي حجة في حكم المرفوع؟

قيل: الكلام في تفسيره كالكلام في فتواه سواء وصورة المسألة هنا كصورتها هناك سواء بسواء وصورتها أن لا يكون في المسألة نص يخالفه ويقول في الآية قولا لا يخالفه فيه أحد من الصحابة سواء علم لا شتهاره أولم يعلم وما ذكر من هذه الأمثلة فقد فيه الأمران وهو نظير ما روى عن بعضهم من الفتاوي التي تخالف النص وهم مختلفون فيها سواء.

فإن قيل: لو كان قوله حجة بنفسه لما اخطأ ولكان معصوما لتقوم الحجة بقوله فإذا كان يفتى بالصواب تارة وبغيره أخرى وكذلك تفسيره فمن أين لكم ان هذه الفتوى المعينة والتفيسر المعين من قسم الصواب إذ صوره المسألة انه لم يقم على المسألة دليل غير قوله وقوله ينقسم فما الدليل على أن هذا القول المعين من أحد القسمين ولا بد.

قيل: الأدلة المتقدمة تدل على انحصار الصواب في قوله في الصورة المفروضة الواقعة وهو ان من المتنع ان يقولوا في كتاب الله الخطأ المحض ويمسك الباقون عن الصواب فلا يتكلمون به وهذه الصورة المذكورة وأمثالها قد تكلم فيها غيرهم بالصواب والمحظور إنما هو خلو عصرهم عن ناطق بالصواب واشتماله على ناطق بغيره فقط فهذا هو المحال وبهذا خرج الجواب عن قولكم لو كان قول الواحد منهم حجة لما جاز عليه الخطأ فإن قوله لم يكن بمجرده حجة بل بما انضاف إليه مما تقدم ذكره من القرائن.

الفرق بين الصحابي والتابعي في الأخذ بقولهم وتفسيرهم

فإن قيل فبعض ما ذكرتم من الأدلة يقتضى أن التابعي إذا قال قولا ولم يخالفه صحابي ولا تابعي أن يكون قوله حجة.

فالجواب: ان التابعين انتشروا انتشارا لا ينضبط لكثرتهم وانتشرت المسائل في عصرهم فلا يكاد يغلب على الظن عدم المخالف لما أفتى به الواحد منهم فإن فرض ذلك فقد اختلف السلف في ذلك فمنهم من يقول يجب اتباع التابعي فيما أفتى به ولم يخالفه فيه صحابي ولا تابعى وهذا قول بعض الحنابلة والشافعية وقد صرح الشافعي في موضع بأنه قاله تقليدا لعطاء وهذا من كمال علمه وفقهه رضي الله عنه فإنه لم يجد في المسألة غير قول عطاء فكان قوله عنده أقوى ما وجد في المسألة وقال في موضع آخر وهذا يخرج على معنى قول عطاء والأكثرون يفرقون بين الصحابي والتابعي ولا يخفى ما بينهما من الفروق على أن في الاحتجاج بتفسير التابعي عن الإمام أحمد روايتين ومن تأمل كتب الأئمة ومن بعدهم وجدها مشحونة بالاحتجاج بتفسير التابعي.

فإن قيل: فما تقولون في قوله إذا خالف القياس؟

قيل: من يقول بأن قوله ليس بحجة فلهم قولان فيما إذا خالف القياس أحدهما انه أولى أن لا يكون حجة لأنه قد خالف حجة شرعية وهو ليس بحجة في نفسة والثاني انه حجة في هذه الحال ويحمل على أنه قاله توفيقا ويكون بمنزلة المرسل الذي عمل به مرسله.

وأما من يقول إنه حجة فلهم أيضا قولان أحدهما انه حجة وإن خالف القياس بل هو مقدم على القياس والنص مقدم عليه فنرتب الأدلة عندهم القرآن ثم السنة ثم قول الصحابة ثم القياس والثاني ليس بحجة لأنه قد خالفه دليل شرعي وهو القياس فإنه لا يكون حجة إلا عند عدم المعارض والأولون يقولون قول الصحابي أقوى من المعارض الذي خالفه من القياس لوجوه عديدة والأخذ بأقوى الدليلين متعين وبالله التوفيق.