الرئيسيةبحث

القضاء في الإسلام ( Jurisdiction )



القضاء في الإسلام فرضٌ من فروض الكفاية، بمعنى أنه إذا قام به بعض المسلمين سقط عن الباقين وإذا لم يقم به أحد أثم الجميع، وذلك لأن أمر الناس لا يستقيم بدونه فكان واجبًا عليهم كالجهاد، وهو مجموعة من النظم والقوانين الشرعية التي سنَّها الإسلام للقضاء بين الناس في خصوماتهم. وهذه النظم والقوانين مستمدة من كتاب الله وسنة رسوله ثم من إجماع المسلمين وقياساتهم واجتهاداتهم في العصور الأولى للإسلام. يقول الله تعالى: ﴿وأنْ احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم﴾ المائدة: 49. ويقول تعالى أيضًا: ﴿إن الحكم إلا لله﴾ يوسف: 40. ويقول تعالى أيضًا: ﴿فلا وربِّك لا يؤمنون حتى يحكِّموك فيما شَجَر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيتَ ويسلِّمُوا تسليمًا﴾ النساء: 65. فالحاكمية إذن لله تبارك وتعالى في كل أمور الحياة وبالتالي يحكم بها قضاة المسلمين.

أسس النظام القضائي في الإسلام

يقوم النظام القضائي في الإسلام على القواعد والمبادئ التي تنظم القضاء شكلاً، وتنظم مبادئ القضاء والمبادئ التي يُعيَّن القاضي على أساسها.

القواعد الشكلية:

وتتمثل في: طريقة رفع الدعوى وسيرها (ويكون ذلك بحسب ورود الدعاوى وأولوية رفعها)، ومعاملة القاضي وتنظيم الشهادة وترتيب المحاكم.

طريقة رفع الدعوى لها أسس تنظيمية تتعلق بموضوع الخصومة والمحكمة التي تنظر هذه الدعوى والخطوات الترتيبية التي تسير عليها عند كل حكم.

معاملة القاضي للخصوم والنظر في خصوماتهم ويكون ذلك بالعدل بينهم في كل شيء في المجلس والخطاب واللحظ واللفظ، فقد روى الترمذي بإسناد حسن من حديث علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (إذا تقاضى إليك رجلان فلا تقض للأول حتى تسمع كلام الآخر، فسوف تدري كيف تقضي ) رواه الإمام أحمد.

تنظيم الشهادة وتكون بالشهود العدول غير الفاسقين حسب حكم القاضي فيهم.

ترتيب المحاكم واختصاصاتها. وهي ترتب حسب الاختصاص الزماني بما يعني أن يقيَّد القاضي بالقضاء في أيام محددة دون غيرها فيصير قضاؤه شرطًا فيها. أو حسب الاختصاص المكاني أو المحلي، أي يقيَّد القاضي بالقضاء في بلدة معينة أو جهة منها، أو حسب الاختصاص النوعي بأن يقيد القاضي بنوع معين من القضايا دون غيرها، أو حسب الاختصاص الكمي أو القيمي بجعل القضاء في النوع الواحد على درجات فيخصص قاضٍ للنظر في القضايا التي لا تتجاوز قيمة النزاع فيها مبلغًا معينًا، وما زاد على ذلك ينظر فيه قاضٍ آخر. وقد يخصص القاضي للنظر في قضية واحدة وتزول ولايته بالحكم فيها. كالصحابي سعد بن معاذ (رضي الله عنه) عندما حكم في يهود بني قريظة في غزوة الخندق.

القواعد الموضوعية:

وتشمل الأسس التي يبني عليها القاضي أحكامه وروافد قوانينه ثم خصائص القاضي المناسب وشروطه.

القواعد التي يستند إليها القاضي في حكمه مستمدة من الكتاب والسنة والإجماع ووسائل الاجتهاد المعروفة من قياس واستحسان وغيره. ولا ينقض الحكم إلا لمخالفة نصّ من كتاب أو سنة أو إجماع وذلك على الراجح من آراء الفقهاء.

ولا ينقض الاجتهاد بالاجتهاد ما دام أي منهما لم يخالف نصًّا أو إجماعًا، وذلك لفعل الصحابة ولأن كل اجتهاد يستند إلى فهم خاص للنصوص.

القاضي الذي يُعين للقضاء، وفيه يلاحظ خطورة منصبه وشروطه وآدابه واستقلاله. أما خطورة منصبه فقد نبَّه الرسول ﷺ قائلاً (من وُلِّي القضاء فقد ذُبح بغير سكين ) صحَّحه أحمد وأبو داود وابن ماجة والنسائي والدارقطني. وقد جعل بعضهم ولاية القضاء، لشرفها، تلي منصب الخلافة، بل إن بعضهم جعلها تلي النبوة.

أما شروط القاضي فهي ألا يولَّى قاض حتى تجتمع فيه شروط البلوغ والعدل والإسلام والحرية والذكورة وسلامة الحواس، والعدالة، والاجتهاد من معرفةٍ بالكتاب والسنة والإجماع والاختلاف والقياس ولسان العرب، أي اللغة العربية. وذلك على خلافٍ بين الفقهاء في بعض هذه الشروط.

أما آداب القاضي فتحتم عليه ألا يقضي قاض وهو غضبان، مصداقًا لقول الرسول ﷺ (لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان ) متفق عليه.

ولا يقبل القاضي هدية من لم يكن يهدي إليه قبل ولايته، على تفصيلٍ في ذلك لقول الرسول ﷺ (هدايا الأمراء غُلول ) رواه الطبراني بإسناد حسن.

ولا يأخذ القاضي الرشوة لحرمتها بلا خلاف، لحديث عبدالله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ (لعن الله الراشي والمرتشي ). وزيد في رواية (والرائش ) رواه أبو داود وابن ماجة، والترمذي وأحمد والبيهقي بإسناد صحيح. والرائش هو الذي يمشي بينهما بالرشوة. ويجب على القاضي التفرغ للقضاء، فلا ينشغل بالتجارة مثلاً لأن ذلك يشغله عن النظر في أمور الناس.

أما استقلال القضاة فهو أمر يقضي بمنع تدخل أعضاء الحكومة أو أعضاء مجلس الشورى في أعمالهم، وبإعطائهم الرزق الذي يكفيهم ومن يعولون سدًّا لحاجاتهم، وتحصينهم ضد العزل ـ على رأي جمهور الفقهاء ـ، وذلك لأن تعيينه تم لمصلحة المسلمين وليس لمصلحة الإمام، فلا يُعْزل مادام على صلاحيته للقضاء ولم يتخلف فيه أحد شروطه.

المصدر: الموسوعة العربية العالمية